ومنها في وصف الخمر:
دنان كرهبان عليها برانس ... من الخزّ دكن يوم فصح تصفّف
ينظّم منها المزج سلكا كأنه ... إذا ما بدا في الكأس درّ منصّف
ومن مجون الناشىء أنه ناظر بعض المجبرة، فحرك الجبريّ يده فقال للناشىء: هذه من حركها؟ فقال الناشىء: من أمه زانية، فغضب الرجل، فقال له:
ناقضت إذا كان المحرك غيرك لم تغضب.
قال عبيد الله الفقير إليه: وهذا أيضا كفر وبهت لأن المحرك لها على اعتقاد الناشىء مناظره فقد أساء العشرة مع جليسه، وعلى مذهب صاحبه الخالق فقد كفر، فعلى كلّ حال هو مسيء.
وسمع يوما رجلا ينادي على لحم البقر: أين من حلف ألّا يغبن؟ فقال له:
أيش تريد منه؟ تريد أن تحنثه؟
ولقب رجلا من باب الطاق بالأبعد ولقب آخر بالآخر، وهاتان لفظتان جامعتان لكل سبّ وقذف، لأن الناس مغرون بإلحاق كلّ قبيح فظيع بهما على سبيل الكناية والاستراحة في الكلام إليهما.
قال الخالع وحدثني الناشىء قال: لما وفدت على سيف الدولة وقع فيّ أبو العباس النامي وقال: هذا يكتب التعاويذ، فقلت لسيف الدولة: يتأمّل الأمير خطّي، فإن كان يصلح أن يكتب بمثله على المساجد بالديخ فالقول كما قال، فأنشدته قصيدة أولها:
الدهر أيّامه ماض ومرتقب
وقلت فيها:
فارحل إلى حلب فالخير منحلب ... من نيل كفك إن لا حت لنا حلب
فقال: يا أبا الحسين هذا بيت جيد لكنه كثير اللبن.
وأنشدته قصيدة أخرى أقول فيها:
كأن مشيبي إذ يلوح عقارب ... وأقتل ما أبصرت بيض العقارب
كأن الثريا عوذة في تميمة ... وقد حليت واستودعت حرز كاعب
١٢
стр. 1787
وحدث الخالع قال حدثني أبو الحسين الناشىء قال: كنت بالكوفة في سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وأنا أملي شعري في المسجد الجامع بها والناس يكتبونه عني، وكان المتنبي إذ ذاك يحضر معهم، وهو بعد لم يعرف ولم يلقب بالمتنبي، فأمليت القصيدة التي أولها:
بآل محمد عرف الصواب ... وفي أبياتهم نزل الكتاب
وقلت فيها:
كأن سنان ذابله ضمير ... فليس عن القلوب له ذهاب
وصارمه كبيعته بخمّ ... مقاصدها من الخلق الرقاب
فلمحته يكتب هذين البيتين، ومنها أخذ ما أنشدتموني الآن من قوله «١» :
كأن الهام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد
وقد صغت الأسنة من هموم ... فما يخطرن إلا في فؤاد
قال الخالع وأصل هذا لأبي تمام «٢» :
من كلّ أزرق نظّار بلا نظر ... إلى المقاتل ما في متنه أود
كانه كان ترب الحبّ مذ زمن ... فليس يعجزه قلب ولا كبد
وعليه وضع المتنبي، وسبق إلى ذلك ديك الجن أيضا في قوله «٣» :
فتى ينصبّ في ثغر القوافي ... كما ينصبّ في المقل الرقاد
وأبيات المتنبي أمثل من الجميع إذا تركت العصبية.
قال ابن عبد الرحيم حدثني الخالع قال: كنت مع والدي في سنة ست وأربعين وثلاثمائة وأنا صبي في مجلس الّلبوديّ في المسجد الذي بين الورّاقين والصاغة وهو غاصّ بالناس، وإذا رجل قد وافى وعليه مرقّعة وفي يده سطيحة وركوة ومعه عكاز وهو شعث، فسلم على الجماعة بصوت يرفعه ثم قال: أنا رسول فاطمة الزهراء صلوات
стр. 1788
الله عليها، فقالوا: مرحبا بك وأهلا ورفعوه، فقال: أتعرفون لي أحمد المزوق النائح؟ فقالوا: ها هو جالس، فقال: رأيت مولاتنا ﵍ في النوم فقالت لي امض إلى بغداد واطلبه وقل له نح على ابني بشعر الناشىء الذي يقول فيه:
بني أحمد قلبي لكم يتقطّع ... بمثل مصابي فيكم ليس يسمع
وكان الناشىء حاضرا، فلطم لطما عظيما على وجهه وتبعه المزوق والناس كلّهم، وكان أشدّ الناس في ذلك الناشىء ثم المزوق، ثم ناحوا بهذه القصيدة في ذلك اليوم إلى أن صلّى الناس الظهر وتقوض المجلس وجهدوا بالرجل أن يقبل شيئا منهم فقال: والله لو أعطيت الدنيا ما أخذتها فإنني لا أرى أن أكون رسول مولاتي ﵍ ثم آخذ عن ذلك عوضا، وانصرف ولم يقبل شيئا. قال: ومن هذه القصيدة وهي بضعة عشر بيتا:
عجبت لكم تفنون قتلا بسيفكم ... ويسطو عليكم من لكم كان يخضع
كأنّ رسول الله أوصى بقتلكم ... فأجسامكم في كلّ أرض توزّع
قال وحدثني الخالع قال: اجتزت بالناشىء يوما وهو جالس في السرّاجين فقال لي: قد عملت قصيدة وقد طلبت وأريد أن تكتبها بخطك حتى أخرجها فقلت: أمضي في حاجة وأعود، وقصدت المكان الذي أردته وجلست فيه فحملتني عيني فرأيت في منامي أبا القاسم عبد العزيز الشطرنجي النائح، فقال لي: أحبّ أن تقوم فتكتب قصيدة الناشىء البائيّة فانا قد نحنا بها البارحة في المشهد، وكان هذا الرجل قد توفي وهو عائد من الزيارة، فقمت ورجعت إليه وقلت: هات البائية حتى أكتبها، فقال:
من أين علمت أنها بائية وما ذاكرت بها أحدا؟! فحدثته بالمنام فبكى وقال: لا شك أن الوقت قد دنا، فكتبتها فكان أولها:
رجائي بعيد والممات قريب ... ويخطىء ظنّي والمنون تصيب
ومن شعر الناشىء:
وليل توارى النجم من طول مكثه ... كما ازورّ محبوب لخوف رقيبه
كأنّ الثريا فيه باقة نرجس ... يجيء بها ذو صبوة لحبيبه
стр. 1789
وله:
وكأنّ عقرب صدغه وقفت ... لما دنت من نار وجنته
قرأت بخط البديع بن عبد الله الهمذاني في ما قرأه على ابن فارس اللغوي، سمعت أبا الحسين الناشىء علي بن عبد الله بن وصيف بمدينة السلام قال: حضرت مجلس أبي الحسن ابن المغلس الفقيه فانقلبت محبرة لبعض من حضر على ثيابي، فدخل أبو الحسن وحمل إليّ قميصا دبيقيا ورداء حسنا، قال: فأخذتهما ورجعت إلى بيتي وغسلت ثيابي ولبستها ورددت القميص والرداء إلى أبي الحسن، فلما رآهما غضب غضبا شديدا وقال: البسه، لولا أنك تتوشح بالأدب لجفوتك.
وهذه حكاية وجدتها بعد أخبار الناشىء بخطّ المصنف: قرأت في كتاب محمد بن أبي الأزهر في عقلاء المجانين، حدثني علي بن إبراهيم بن موسى الكاتب قال: كنت يوما جالسا في صحن داري إذا حجارة قد سقطت عليّ بالقرب مني فبادرت هاربا وأمرت الغلام بالصعود إلى السطوح والنظر من أين أتتنا الحجارة، فرجع إليّ وقال لي: يا مولاي امرأة من دار ابن الرومي الشاعر تقول الله الله فينا اسقونا ماء وإلا متنا عطشا، فإن الباب علينا مقفل منذ ثلاثة أيام بسبب تطيّر صاحبنا، فانه يلبس ثيابه في كلّ يوم ويتعوذ ويقرأ ثم يصير إلى الباب والمفتاح معه، فيضع عينه على خلل من الباب فتقع على جار له كان نازلا بازائه وكان أعور، فإذا بصر به رجع وخلع ثيابه وترك الباب على حاله سائر يومه وليلته، فدفع إليها ما طلبته. فلما كان من غد وجهت بخادم لي اسمه طاهر، وكان ابن الرومي يعرفه، وأمرته أن يجلس على بابه، وتقدمت إلى بعض الغلمان في المصير إلى الأعور برسالتي ومسألته المصير إليّ، فلما زال الرجل عن موضعه دقّ الخادم الباب على ابن الرومي وخاطبه وسأله المصير إليّ أيضا، قال الخادم: فخرج فوضع عينه على ذلك الموضع فوقعت عينه عليّ ولم ير جاره ففتح الباب وخرج لا تقلع عينه عن النظر إليّ ولا يصرف كلامه إلا إلى ناحيتي. قال علي بن إبراهيم: فإني لجالس أنتظره وقد انصرف الأعور إذ وافاني أبو خديجة الطرسوسيّ وكان في ناحية إسماعيل بن إسحاق القاضي، وقد دفع إليه المعتضد برذعة «١» ليوصله
стр. 1790
إلى الحسن ابنه ليتولّى تسليمه إلى ابن راشد، فنحن نتحدث إذ دخل ابن الرومي مع الخادم علينا، فلما تخطا عتبة باب الصحن عثر فانقطع شسع نعله فأخذها بيده ودخل مذعورا، فقلت له: أيكون شيء يا أبا الحسن أحسن من خروجك من منزلك على وجه خادمي؟ فقال: قد لحقني ما رأيت من العثرة لأني أفكرت أنّ به عاهة، قلت: وما هي؟ قال: هو مجبوب، فقال برذعة الموسوس: وشيخنا يتطير؟ قلت: نعم ويفرط، قال: ومن هو؟ قلت: هذا علي بن الرومي الكاتب، قال: الشاعر؟
قلت: نعم، فأقبل عليه فقال:
ولما رأيت الدهر يؤذن صرفه ... بتفريق ما بيني وبين الحبائب
رجعت إلى نفسي فوطّنتها على ... ركوب جميل الصبر عند النوائب
ومن صحب الدنيا على جور حكمها ... فأيامه محفوفة بالمصائب
فخذ خلسة من كلّ يوم تعيشه ... وكن حذرا من كامنات العواقب
ودع عنك ذكر الفأل والزجر واطّرح ... تطيّر جار أو تفاؤل صاحب
فرأيت ابن الرومي شبيها بالباهت، ولم أدر أنه قد شغل قلبه بحفظ الأبيات، ثم نهض برذعة وأبو خديجة معه فقال له ابن الرومي: والله لا تطيرت بعد هذا، فأقام عندي وكتبت هذه الأبيات من حفظه وزالت عنه الطيرة.
[٧٧٥] علي بن عبد الله بن موهب الجذاميّ أبو الحسن:
له تأليف عظيم في تفسير القرآن، روى عن ابن عبد البرّ وغيره، مات في جمادى الأولى سادس عشره سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة ومولده سنة إحدى وأربعين وأربعمائة.
стр. 1791
[٧٧٦] علي بن عبد الله بن محمد بن عبد الباقي
بن أبي جرادة العقيلي، أبو الحسن الأنطاكي من أهل حلب يسكن باب أنطاكية: غزير الفضل وافر العقل دمث الأخلاق حسن العشرة، له معرفة بالأدب واللغة والحساب والنجوم، ويكتب خطّا حسنا وله أصول حسنة. ورد بغداد سنة سبع عشرة وخمسمائة وسمع بها وبغيرها، وسمع بحلب أبا الفتح عبد الله بن إسماعيل بن أحمد بن أبي عيسى الحلبي وأبا الفتيان محمد بن سلطان بن حيوس الغنوي.
قال ابن السمعاني: قرأت عليه بحلب، وخرجت يوما من عنده فرآني بعض الصالحين فقال لي: أين كنت؟ قلت: عند أبي الحسن ابن أبي جرادة، قرأت عليه شيئا من الحديث فأنكر عليّ وقال: ذاك يقرأ عليه الحديث؟ قلت: ولم هل هو إلا متشيع يرى رأي الحلبيّين؟ فقال لي: ليته اقتصر على هذا، بل يقول بالنجوم ويرى رأي الأوائل، وسمعت بعض الحلبيّين يتهمه بذلك، وسألته عن مولده فقال في محرم سنة إحدى وستين وأربعمائة بحلب، وأنشدني لنفسه:
يا ظباء البان قولا بيّنا ... من لنا منكم بظبي ملّنا
يشبه البدر بعادا وسنا ... من نفى عن مقلتيّ الوسنا
فتكت ألحاظه في مهجتي ... فتك بيض الهند أو سمر القنا
يصرع الأبطال في نجدته ... إن رمى عن قوسه أو إن رنا
دان أهل الدلّ والحسن له ... مثل ما دانت لمولانا الدنا
قال: ومات سنة نيف وأربعين وخمسمائة.
قلت: وكان لأبي الحسن هذا ابن فاضل أديب شاعر مجيد اسمه الحسن وكنيته أبو علي، سافر إلى مصر في أيام ابن رزّيك ومدحه وحظي عنده، ثم مات بمصر سنة إحدى وخمسين وخمسمائة وهو القائل:
стр. 1792
يا صاحبيّ أطيلا في مؤانستي ... وذاكراني بخلّان وعشاق
وحدثاني حديث الخيف إنّ به ... روحا لقلبي وتسهيلا لأخلاقي
ما ضرّ ريح الصّبا لو ناسمت حرقي ... واستنقذت مهجتي من أسر أشواقي
داء تقادم عندي من يعالجه ... ونفثة بلغت مني من الراقي
يفنى الزمان وآمالي مصرّمة ... ممن أحبّ على مطل وإملاق
واضيعة العمر لا الماضي انتفعت به ... ولا حصلت على أمر من الباقي.
[٧٧٧] علي بن عبد الجبار بن سلامة بن عيذون الهذلي اللغوي
، أبو الحسن التونسي: ذكره السلفي فقال: أنشدني أبو محمد الشواذكي «١» القيرواني قال أنشدني أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن تميم الحصري لنفسه بالقيروان:
قالوا اطرح أبدا كاف الخطاب ففي ... خطّ الكتاب بها حطّ من الرتب
فقلت من كان في نفسي تصوّره ... فكيف أنزله في منزل الغيب
قال وسألته عن مولده فقال: سنة ثمان وعشرين وأربعمائة يوم عيد النحر بتونس، وتوفي ﵀ في ذي الحجة سنة تسع عشرة وخمسمائة بالاسكندرية، وكان إماما في اللغة حافظا لها حتى إنه لو قيل لم يكن في زمانه ألغى منه لما استبعد، وكانت له قدرة على نظم الشعر، وله إليّ قصائد وقد أجبته عنها، ومن جملة شعره قصيدة في الردّ على المرتدّ البغدادي فيها أحد عشر ألف بيت على قافية واحدة، وعندي عنه فوائد أدبية. وسمعته يقول: رأيت أبا بكر محمد بن علي بن البر الغربي اللغوي بمدينة مازر من جزيرة صقلية، وكنت عزمت على أن أقرأ عليه لما اشتهر من
стр. 1793
فضله وتبحره في اللغة، فاتصل بابن متكود صاحب البلد أنه يشرب، وكان يكرمه، فشقّ عليه وصار يكرهه، وأنفذ إليه وقال: المدينة «١» أكبر والشراب بها أكثر، فأحوجته الضرورة إلى الخروج منها ولم أقرأ عليه شيئا. وأما أبو علي الحسن بن رشيق الأزدي القيرواني فقد رأيته أيضا بمازر وأنشدني شيئا من شعره، ولم أر قطّ أحفظ للعربية واللغة من أبي القاسم ابن القطاع الصقلي، وقرأت عليه كثيرا.
[٧٧٨] علي بن عبد الرحمن الخزاز السوسي ،
أبو العلاء اللغوي: من سوس خوزستان من أهل الأدب واللغة، سمع المحاملي أبا عبد الله، روى عنه أبو نصر السجزي الحافظ، لا أعلم من حاله غير هذا.
[٧٧٩] علي بن عبد الرحيم بن الحسن بن عبد الملك
بن إبراهيم السلمي، المعروف بابن العصار اللغوي: من أهل الرقة، ورد بغداد فقرأ بها العلم، وأقام بالمطبق من دار الخلافة المعظمة، ومات في ثالث المحرم سنة ست وسبعين وخمسمائة، ومولده في سنة ثمان وخمسمائة، انتهت إليه الرياسة في معرفة اللغة العربية، قرأ على أبي منصور ابن الجواليقي ولازمه حتى برع في فنه، وسمع الحديث من أبي العزّ أحمد بن عبيد الله بن كادش والقاضي أبي بكر محمد بن عبد الباقي قاضي البيمارستان وأبي الوقت السجزي وغيرهم، وتخرج به جماعة منهم الشيخ أبو
стр. 1794
البقاء عبد الله بن الحسن العكبري الضرير. وكان تاجرا موسرا ضابطا ممسكا سافر الكثير إلى الديار المصرية وأخذ عن أهلها وروى عنهم، وخطه المرغوب فيه المتنافس في تحصيله فإنه كان مليح الخطّ جيد الضبط، ولا أعرف له مصنفا ولا سمعت له شعرا.
[٧٨٠] علي بن عبد العزيز بن المرزبان بن سابور ،
أبو الحسن البغوي الجوهري عمّ أبي القاسم البغوي نزيل مكة: صاحب أبي عبيد القاسم بن سلام، وروى عنه غريب الحديث وكتاب الحيض وكتاب الطهور وغير ذلك، وحدث عن أبي نعيم وحجاج بن المنهال ومحمد بن كبير العبدي وسلمة بن إبراهيم الأزدي والقعنبي وعاصم بن عليّ وغيرهم وصنّف المسند. حدث عنه ابن أخيه عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ودعلج السجزي وسليمان بن أحمد الطبراني، وحدث بالمسند عنه أبو علي حامد بن محمد الرفاء الهروي. سئل عنه الدارقطني فقال: ثقة مأمون. وقال ابن أبي حاتم: هو صدوق.
أبو بكر السني: سمعت أبا عبد الرحمن النسائي، وسئل عن علي بن عبد العزيز المكي فقال: قبح الله علي بن عبد العزيز ثلاثا، فقيل له يا أبا عبد الرحمن أتروي عنه؟ فقال: لا، فقيل له: أكان كذابا؟ فقال: لا ولكنّ قوما اجتمعوا ليقرأوا عليه وبرّوه بما سهل، وكان فيهم إنسان غريب فقير لم يكن في جملة من برّه، فأبى أن يقرأ عليهم وهو حاضر حتى يخرج أو يدفع كما دفعوا، فذكر الغريب أن ليس معه إلا قصيعة، فأمره باحضارها، فلما أحضرها حدّثهم.
وعن القاضي أبي نصر ابن الكسار: سمعت أبا بكر السني يقول: بلغني أن علي بن عبد العزيز كان يقرأ كتب أبي عبيد بمكة على الحاجّ بالأجر، فإذا عاتبوه على الأخذ قال: يا قوم أنا بين الأخشبين، إذا خرج الحاجّ نادى أبو قبيس قعيقان: من بقي؟ فيقول: بقي المجاورون، فيقول: أطبق.
стр. 1795
وقال أبو الحسين أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله بن المنادي في من مات في سنة سبع وثمانين ومائتين: وجاءنا الخبر بموت عليّ بن عبد العزيز صاحب أبي عبيد من مكة مع الحاجّ وأنه توفي قبل الموسم.
وحدث أبو سعد السمعاني باسناد رفعه إلى أبي الحسين محمد بن طالب النسفي قال: سمعت علي بن عبد العزيز بمكة في المسجد الحرام يقول: كنت عند مؤدبي الذي علّمني الخط، فجيء ببنيّة له صغيرة يقال لها وسناء، وعليها ثوب حرير فأجلسها في حجره وأنشأ يقول:
وما الوسناء إلا شبه درّ ... ولا سيما إذا لبست حريرا
فأحسن زيّها ثوب نظيف ... تكفّن فيه ثم أرى سريرا
تهادى بين أربعة عجال ... إلى قبر فتملأنا سرورا.
[٧٨١] علي بن عبد العزيز بن الحسن بن علي
بن إسماعيل الجرجاني أبو الحسن، قاضي الري في أيام الصاحب ابن عباد: وكان أديبا أريبا كاملا، مات بالريّ يوم الثلاثاء لست بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة «١» وهو قاضي القضاة بالري حينئذ. وذكره الحاكم في «تاريخ نيسابور» وقال: ورد نيسابور سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة مع أخيه أبي بكر، وأخوه إذ ذاك فقيه مناظر، وأبو الحسن قد ناهز الحلم، فسمعا معا الحديث الكثير ولم يزل أبو الحسن يتقدم إلى أن ذكر في الدنيا.
стр. 1796
وحمل تابوته إلى جرجان فدفن بها وصلّى عليه القاضي أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد، وحضر جنازته الوزير الخطير أبو علي القاسم بن علي بن القاسم وزير مجد الدولة وأبو الفضل العارض راجلين، ووقع الاختيار بعد موته على أبي موسى عيسى بن أحمد الديلمي فاستدعي من قزوين وولي قضاء القضاة بالري.
وله يقول الصاحب ابن عباد وقد أنشأ عهدا للقاضي عبد الجبار على قضاء الريّ:
إذا نحن سلّمنا لك العلم كلّه ... فدعنا وهذي الكتب نحسن صدورها
فانهم لا يرتضون مجيئنا ... بجزع إذا نظّمت أنت شذورها
وكان الشيخ عبد القاهر الجرجاني قد قرأ عليه واغترف من بحره، وكان إذا ذكره في كتبه تبخبخ به وشمخ بأنفه بالانتماء إليه.
وطوّف في صباه البلاد وخالط العباد، واقتبس العلوم والآداب، ولقي مشايخ وقته وعلماء عصره، وله رسائل مدوّنة وأشعار مفننة، وكان جيد الخط مليحه يشبّه بخطّ ابن مقلة.
ومن شعره «١» :
أفدي الذي قال وفي كفّه ... مثل الذي أشرب من فيه
الورد قد أينع في وجنتي ... قلت فمي باللثم يجنيه
ومنه «٢» :
يقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلا عن موقف الذلّ أحجما
أرى الناس من داناهم هان عندهم ... ومن أكرمته عزة النفس أكرما
وما زلت منحازا بعرضي جانبا ... من الذمّ أعتدّ الصيانة مغنما
إذا قيل هذا مشرب قلت قد أرى ... ولكنّ نفس الحرّ تحتمل الظما
وما كلّ برق لاح لي يستفزّني ... ولا كلّ أهل الأرض أرضاه منعما
стр. 1797
ولم أقض حقّ العلم إن كان كلّما ... بدا طمع صيرته لي سلما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت لكن لأخدما
أأشقى به غرسا وأجنيه ذلة ... إذن فابتياع الجهل قد كان أحزما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظّموه في النفوس تعظّما
ولكن أذا لوه جهارا ودنّسوا ... محياه بالأطماع حتى تجهما
ومنه «١» :
وقالوا اضطرب في الأرض فالرزق واسع ... فقلت ولكن مطلب الرزق ضيّق
إذا لم يكن في الأرض حرّ يعينني ... ولم يك لي كسب فمن أين أرزق
ومنه:
أحبّ اسمه من أجله وسميّه ... ويتبعه في كلّ أخلاقه قلبي
ويجتاز بالقوم العدى فأحبهم ... وكلّهم طاوي الضمير على حربي
ومنه «٢» :
قد برح الشوق بمشتاقك ... فأوله أحسن أخلاقك
لا تجفه وارع له حقّه ... فانه خاتم عشاقك
وللقاضي عدة تصانيف منها: كتاب تفسير القرآن المجيد. كتاب تهذيب التاريخ. كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه، وفي هذا الكتاب يقول بعض أهل نيسابور «٣» :
أيا قاضيا قد دنت كتبه ... وان أصبحت داره شاحطه
كتاب الوساطة في حسنه ... لعقد معاليك كالواسطه
ومن شعره:
ما تطعمت لذة العيش حتى ... صرت للبيت والكتاب جليسا
стр. 1798
ليس شيء أعز عندي من الع ... لم فلم أبتغي سواه أنيسا
إنما الذلّ في مخالطة النا ... س فدعهم وعش عزيزا رئيسا
ومن سائر شعره قوله:
إذا شئت أن تستقرض المال منفقا ... على شهوات النفس في زمن العسر
فسل نفسك الإنفاق من كنز صبرها ... عليك وإنظارا إلى زمن اليسر
فإن فعلت كنت الغنيّ وان أبت ... فكلّ منوع بعدها واسع العذر
وحدث الثعالبي عن أبي نصر التهذيبي قال «١» : سمعت القاضي أبا الحسن علي بن عبد العزيز يقول: انصرفت يوما من دار الصاحب، وذلك قبيل العيد، فجاءني رسوله بعطر الفطر، ومعه رقعة بخطه فيها هذان البيتان:
يا أيها القاضي الذي نفسي له ... مع قرب عهد لقائه مشتاقه
أهديت عطرا مثل طيب ثنائه ... فكأنما أهدي له أخلاقه
قال «٢» : وسمعته يقول ان الصاحب يقسم لي من إقباله وإكرامه بجرجان أكثر مما يتلقاني به في سائر البلاد، وقد استعفيته يوما من فرط تحفيه بي وتواضعه لي فأنشدني:
أكرم أخاك بأرض مولده ... وأمدّه من فعلك الحسن
فالعزّ مطلوب وملتمس ... وأعزّه ما نيل في الوطن
ثم قال: قد فرغت من هذا المعنى في العينية، فقلت: لعل مولانا يريد قولي:
وشيدت مجدي بين قومي فلم أقل ... ألا ليت قومي يعلمون صنيعي
فقال: ما أردت غيره، والأصل فيه قوله تعالى يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ
(يس: ٢٧) .
قال الثعالبي «٣» : القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز حسنة جرجان، وفرد
стр. 1799
الزمان، ونادرة الفلك، وإنسان حدقة العلم، ودرة تاج الأدب، وفارس عسكر الشعر، يجمع خطّ ابن مقلة إلى نثر الجاحظ ونظم البحتري، وينظم عقد الاتقان «١» والاحسان في كلّ ما يتعاطاه (وأنشد بيت الصاحب المقدّم ذكره) «٢» وقد كان في صباه خلف الخضر في قطع عرض الأرض وتدويخ بلاد العراق والشام وغيرهما، واقتبس من أنواع العلوم والآداب ما صار به في العلماء علما وفي الكمال «٣» عالما، ثم عرج على حضرة الصاحب فألقى بها عصا المسافر، فاشتد اختصاصه به وحلّ منه محلّا بعيدا في رفعته، قريبا في أثرته، وسيّر فيه قصائد أخلصت على قصد، وفرائد أتت من فرد، وما منها إلا صوب العقل، وذوب الفضل. وتقلّد قضاء جرجان من يده، ثم تصرفت به أحوال في حياة الصاحب وبعد وفاته من الولاية والعطلة، وترقّى «٤» محلّه إلى قضاء القضاة بالري فلم يعزله إلا موته رحمه الله تعالى. وعرض عليّ أبو نصر المصعبي كتابا للصاحب بخطه إلى حسام الدولة أبي العباس تاش الحاجب في معنى القاضي أبي الحسن نسخته بعد التصدير والتسبيب: قد تقدم من وصفي للقاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز فيما سبق إلى حضرة الأمير الجليل صاحب الجيش، دام علوّه، من كتبي ما أعلم أني لم أؤدّ فيه بعض الحق، وإن كنت دللته على جملة تنطق بلسان الفضل وتكشف عن أنه من أفراد الدهر في كل قسم من أقسام الأدب والعلم، فأما موقعه مني فالموقع الذي تخطبه هذه المحاسن وتوجبه هذه المناقب، وعادته معي ألا يفارقني مقيما وظاعنا ومسافرا وقاطنا، وقد احتاج الآن إلى مطالعة جرجان بعد أن شرطت عليه تصيير المقام كالالمام، فطالبني مكانه بتعريف الأمير مصدره ومورده، فإن عنّ له ما يحتاج إلى عرضه وجد من شرف إسعافه ما هو المعتاد من فضله ليتعجل إنكفاؤه إليّ بما رسم، أدام الله أيامه، من مظاهرته على ما يقدم الرحيل ويفسح السبيل من بذرقة «٥» إن احتاج إلى الاستظهار بها، ومخاطبة لبعض من في الطريق
стр. 1800
يتعرف «١» النّجح فيها، فان رأى الأمير أن يجعل من حظوظي الجسيمة عنده تعهد القاضي أبي الحسن بما يعجّل ردّه، فإني ما غاب كالمضلّ الناشد وإذا عاد كالغانم الواجد، فعل إن شاء الله.
ولما عمل «٢» الصاحب رسالته المعروفة في إظهار مساوىء المتنبىء عمل القاضي أبو الحسن «كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه» في شعره فأحسن وأبدع وأطال وأطاب، وأصاب شاكلة الصواب، واستولى على الأمد في فصل الخطاب، وأعرب عن تبحره في الأدب وعلم العرب، وتمكنه من جودة الحفظ وقوة النقد، فسار الكتاب مسير الرياح، وطار في البلاد بغير جناح، وقال فيه بعض النيسابوريين البيتين المقدم ذكرهما.
ومن شعره»
:
انثر على خدّيّ من وردك ... أو دع فمي يقطفه من خدّك
ارحم قضيب البان وارفق به ... قد خفت أن ينقدّ من قدك
وقل لعينيك بنفسي هما ... يخفّفان السقم عن عبدك
وله «٤» :
وفارقت حتى ما أسرّ بمن دنا ... مخافة نأي أو حذار صدود
فقد جعلت نفسي تقول لمقلتي ... وقد قربوا خوف التباعد جودي
فليس قريبا من يخاف بعاده ... ولا من يرجّى قربه ببعيد
وله يستطرد «٥» :
من عاذري من زمن ظالم ... ليس بمستحي ولا راحم
تفعل بالإخوان أحداثه ... فعل الهوى بالدنف الهائم
стр. 1801
كأنما أصبح يرميهم ... عن جفن مولاي أبي القاسم
وقال يذكر بغداد ويتشوقها «١» :
يا نسيم الجنوب بالله بلّغ ... ما يقول المتيّم المستهام
قل لأحبابه فداكم فؤاد ... ليس يسلو ومقلة لا تنام
بنتم فالسهاد عندي رقاد ... مذ نأيتم والعيش عندي لهام «٢»
فعلى الكرخ فالقطيعة فالش ... طّ فباب الشعير مني السلام
يا ديار السرور لا زال يبكي ... بك في مضحك الرياض غمام
ربّ عيش صحبته فيك غضّ ... وجفون الخطوب عني نيام
في ليال كأنهن أمان ... من زمان كأنه أحلام
وكأنّ الأوقات فيها كؤوس ... دائرات وأنسهنّ مدام
زمن مسعد وإلف وصول ... ومنى تستلذّها الأوهام
كلّ أنس ولذة وسرور ... بعد ما بنتم عليّ حرام
وله في ذلك «٣» :
سقى جانبي بغداد أخلاف مزنة ... تحاكي دموعي صوبها وانحدارها
فلي منهما قلب شجاني اشتياقه ... ومهجة نفس ما أملّ ادّكارها
سأغفر للأيام كلّ عظيمة ... لئن قرّبت بعد البعاد مزارها
وله في ذلك «٤» :
أراجعة تلك الليالي كعهدها ... إلى الوصل أم لا يرتجى لي رجوعها
وصحبة أحباب لبست لفقدهم ... ثياب حداد يستجدّ خليعها
إذا لاح لي من أرض «٥» بغداد بارق ... تجافت جفوني واستطير هجوعها
стр. 1802
وإن أخلفتها الغاديات وعودها «١» ... تكلّف تصديق الغمام دموعها
سقى جانبي بغداد كلّ غمامة ... يحاكي دموع المستهام هموعها
معاهد من غزلان إنس تحالفت ... لواحظها ألا يداوى صريعها
بها تسكن النفس النفور ويغتدي ... بآنس من قلب المقيم نزيعها
يحنّ إليها كلّ قلب كأنما ... تشاد بحبّات القلوب ربوعها
فكلّ ليالي عيشها زمن الصّبا ... وكلّ فصول الدهر فيها ربيعها
وله في ذلك «٢» :
بجانب الكرخ من بغداد لي سكن ... لولا التجمل لم أنفكّ أندبه
وصاحب ما صحبت الصبر مذ بعدت ... دياره وأراني لست أصحبه
في كلّ يوم لعيني ما يؤرقها ... من ذكره ولقلبي ما يعذّبه
ما زال يبعدني عنه وأتبعه ... ويستمرّ على ظلمي وأعتبه
حتى أوت لي النوى من طول جفوته ... وسهّلت لي سبيلا كنت أرهبه
وما العباد دهاني بل خلائقه ... ولا الفراق شجاني بل تجنبه
وله في التخلص «٣» :
أو ما انثنيت عن الوداع بلوعة ... ملأت حشاك صبابة وعليلا
ومدامع تجري فتحسب أن في ... آماقهنّ بنان إسماعيلا
وله من قصيدة في الأمير شمس المعالي قابوس بن وشمكير:
ولما تداعت للغروب شموسهم ... وقمنا لتوديع الفريق المغرّب
تلقّين أطراف السجوف بمشرق ... لهنّ وأعطاف الخدور «٤» بمغرب
فما سرن إلا بين دمع مضيّع ... ولا قمن إلا بين قلب معذّب
كان فؤادي قرن قابوس راعه ... تلاعبه بالفيلق المتأشّب
стр. 1803
وله في الصاحب من قصيدة «١» :
وما بال هذا الدهر يطوي جوانحي ... على نفس محزون وقلب كئيب
تقسّمني الأيام قسمة جائر ... على نضرة من حالها وشحوب
كأني في كفّ الوزير رغيبة ... تقسّم في جدوى أغرّ وهوب
وله من قصيدة في الصاحب «٢» :
ولا ذنب للأفكار أنت تركتها ... إذا احتشدت لم ينتفع باحتشادها
سبقت بأفراد المعاني وألّفت ... خواطرك الألفاظ بعد شرادها
وان نحن حاولنا اختراع بديعة ... حصلنا على مسروقها ومعادها
وله في الصاحب من قصيدة يهنئه بالبرء من مرض «٣» :
بك الدهر يندى ظلّه ويطيب ... ويقلع عمّا ساءنا ويتوب
ونحمد آثار الزمان وربما ... ظللنا وأوقات الزمان ذنوب
أفي كلّ يوم للمكارم روعة ... لها في قلوب المكرمات وجيب
تقسمت العلياء جسمك كلّه ... فمن أين فيه للسقام نصيب
إذا ألمت نفس الوزير تألمت ... لها أنفس تحيا بها وقلوب
وو الله لا لاحظت وجها أحبه ... حياتي وفي وجه الوزير شحوب
وليس شحوبا ما أراه بوجهه ... ولكنّه في المكرمات ندوب
فلا تجزعن تلك السماء تغيّمت ... وعما قليل تبتدي فتصوب
تهلل وجه المجد وابتسم الندى ... وأصبح غصن الفضل وهو رطيب
فلا زالت الدنيا بملكك طلقة ... ولا زال فيها من ظلالك طيب
стр. 1804
وله «١» :
على مهجتي تجني الحوادث والدهر ... فأما اصطباري فهو ممتنع وعر
كأني ألاقي كلّ يوم ينوبني ... بذنب وما ذنبي سوى أنني حرّ
فإن لم يكن عند الزمان سوى الذي ... أضيق به ذرعا فعندي له الصبر
وقالوا توصّل بالخضوع إلى الغنى ... وما علموا أنّ الخضوع هو الفقر
وبيني وبين المال بابان حرّما ... عليّ الغنى نفسي الأبيّة والدهر
إذا قيل هذا اليسر عاينت «٢» دونه ... مواقف خير من وقوفي بها العسر
إذا قدّموا بالوفر قدّمت قبلهم ... بنفس فقير كلّ أخلاقه وفر
وماذا على مثلي إذا خضعت له ... مطامعه في كفّ من حصل التبر
وله:
سقى الغيث أو دمعي وقلّ كلاهما ... لها أربعا جور الهوى بينها عدل
بحيث استدقّ الدعص وانبسط النقا ... وحيث تناهى الحقف وانقطع الرمل
أكثّر من أوصافها وهي واحد ... ولكن أرى أسماءها في فمي تحلو
وفي ذلك الخدر المكلّل ظبية ... لكلّ فؤاد عند أجفانها ذحل
إذا خطرات الريح بين سجوفها ... أباحت لطرف العين ما حظر البخل
تلقت بأثناء النصيف لحاظنا ... وقالت لأخرى ما لمستهتر عقل
أفي مثل هذا اليوم يمرح طرفه ... وأعداؤنا حول وحسّادنا قبل
ومدّت لإسبال السجوف بنانها ... فغازلنا عنها الشمائل والشكل
стр. 1805
[٧٨٢] علي بن عبد العزيز بن إبراهيم بن بنان
«١» بن حاجب النعمان أبو الحسن:
قد ذكرت معنى تسميتهم بحاجب النعمان في ترجمة أبيه، وكان أبو الحسن هذا من الفصحاء البلغاء، وقد صنف كتبا وأنشأ رسائل وله ديوان شعر كبير الحجم، وكان أبوه يكتب لأبي محمد المهلبي وزير معز الدولة، وكتب أبو الحسن للطائع لله ثم للقادر بالله بعده في شوال سنة ست وثمانين وثلاثمائة وخوطب برئيس الرؤساء وخدم خليفتين أربعين سنة، ومولده سنة أربعين وثلاثمائة ومات في رجب سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة «٢» وولي ابنه أبو الفضل مكانه فلم يسدّ مسدّه فعزل بعد شهور.
وحدث ابن نصر قال حدثني أبو الفتح أحمد بن عيسى الشاعر المعروف بحمدية قال: لما قبض القادر بالله على أبي الحسن ابن حاجب النعمان واستكتب أبا العلاء ابن تريك وهى النظر وقلّ رونقه، واتفق أن دخل يوما إلى الديوان فوجد على مخادّه قطعة من عذرة يابسة، فانخزل وتلاشى أمره، فقبض عليه، وأعيد أبو الحسن إلى رتبته. وكانت بيني وبين أبي العلاء من قبل مماظّة في بعض الأمور فامتدحت أبا الحسن بقصيدة أولها:
زمّت ركائبهم فاستشعر التلفا
حتى بلغت منها إلى قولي:
يا من إذا ما رآه الدهر سالمه ... وظلّ معتذرا مما جنى وهفا
قد رام غيرك هذا الطّرف يركبه ... فما استطاع له جريا بلى وقفا
لم يرجع الطرف عنه من تبظرمه ... حتى رأينا على دست له طرفا
стр. 1806
فدفع إليّ صورة عنقاء فضة مذهبة كانت بين يديه فيها طيب وقال: خذ هذه الطرفة فإنها أطرف من طرفتك.
وقرأت في «المفاوضة» : حدثني الوزير أبو العباس عيسى بن ماسرجيس قال:
كنت أخلف الوزارة ببغداد مشاركا لأبي الحسن علي بن عبد العزيز بن حاجب النعمان فدعاني يوما إلى داره ببركة زلزل وتجمل واحتشد، ودعا بكلّ من يشار إليه بحذق في الغناء من رجال وإماء مثل عليّة الخاقانية وغيرها من نظرائها في الوقت، وحضر القاضي أبو بكر ابن الأزرق نسيبه وانتقلنا من الطعام إلى مجلس الشراب فلما دارت الكأس أدوارا قال لي: ما أراك تحلف على القاضي ليشرب معنا ويساعدنا، وإن كان لا يشرب إلا قارصا، قلت: أنا غريب ومحتشم له وأمره بك أمسّ وأنت به أخصّ.
قال: فاستدعى غلاما وقال له: امض إلى إسحاق الواسطي واستدع منه قارصا وتولّ خدمة القاضي أيده الله، فمضى الغلام وغاب ساعة ثم أتى ومعه خماسية فيها من الشراب الصريفيني الذي بين أيدينا إلا أن على رأسها كاغدا وختما وسطرا فيه مكتوب «قارص من دكان إسحاق الواسطي» قال فتأمله القاضي وأبصر الخط والختم ثم أمر فسقي رطلا، فلما شربه واستوفاه قال للغلام: ويلك ما هذا؟ قال: يا سيدي هذا قارص قال: لا بل والله الخالص، ثم ثنّى له وثلّث، فاضطرب أمر القاضي علينا وأنشأ يقول:
ألا فاسقني الصهباء من حلب الكرم ... ولا تسقني خمرا بعلمك أو علمي
أليست لها أسماء شتّى كثيرة ... ألا فاسقنيها واكن عن ذلك الإسم
فكان كلما أتاه بالقدح سأله عنه فيقول تارة مدام وتارة خندريس وهو يشرب، فإذا قال له خمر حرد واستخف به، فيتوارى بالقدح ساعة ثم يعيده ويقول: هذه قهوة فيشربه، فلم يشرب القاضي إلا بمقدار ستة أسماء أو سبعة من أسماء الخمر حتى تبطّح في المجلس ولفّ في طيلسان أزرق عليه وحمل إلى داره.
стр. 1807
[٧٨٣] علي بن عبد الغني القروي الحصري الأندلسي:
قال صاحب «كتاب فرحة الأنفس» ، وهو محمد بن أيوب بن غالب الغرناطي: يكنى أبا الحسن، كان من أهل العلم بالنحو وشاعرا مشهورا وكان ضريرا طاف الأندلس ومدح ملوكها فمن ذلك قوله للمعتمد بن عباد عند موت أبيه المعتضد أبي عمرو عباد بن محمد «١» :
مات عباد ولكن ... بقي النجل الكريم
فكأنّ الميت حيّ ... غير أن الضاد ميم
ومدح بعض ملوك الأندلس فغفل عنه إلى أن حفزه الرحيل فدخل عليه وأنشده:
محبتي تقتضي ودادي ... وحالتي تقتضي الرحيلا
هذان خصمان لست أقضي ... بينهما خوف أن أميلا
ولا يزالان في اختصام ... حتى ترى رأيك الجميلا
ودخل على المعتصم محمد بن معن بن صمادح فأنشده قصيدة فلما انصرف تكلم المعتصم في أمره مع وزرائه وكتّابه ليرى رأيهم فيه، فنقل إليه عن الكاتب أبي الأصبغ ابن أرقم كلام أحفظه فانصرف ودخل على ابن صمادح وأنشده:
يا أيها السيد المعظم ... لا تطع الكاتب ابن أرقم
لأنه حية وتدري ... ما فعلت بأبيك آدم
стр. 1808
وحكى أبو العباس البلنسي الأعمى أيضا عنه وكان من تلاميذه، وهذان البيتان متنازعان «١» بينهما لا أدري لمن هي منهما:
وقالوا قد عميت فقلت كلّا ... وإني اليوم أبصر من بصير
سواد العين زاد سواد قلبي ... ليجتمعا على فهم الأمور
وذكره الحميدي وقال: دخل الأندلس بعد الخمسين وأربعمائة، وأنشدني بعضهم له:
ولما تمايل من سكره ... ونام دببت لأعجازه
فقال ومن ذا فجاوبته ... عم يستدلّ بعكازه.
[٧٨٤] علي بن أبي طالب أمير المؤمنين
صلوات الله عليه وسلامه، واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، واسم عبد المطلب عامر وهو شيبة الحمد لقب له، ابن هاشم واسمه عمرو بن عبد مناف وهو المغيرة، ابن قصي واسمه زيد بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف: أخباره ﵇ كثيرة وفضائله شهيرة إن تصدينا لاستيعابها وانتخاب مستحسنها «٢» كانت أكبر حجما من جميع كتابنا هذا. مات صلوات الله عليه يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربعين للهجرة، وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر، ومدة عمره فيها خلاف على ما نذكره فيما بعد، ولا بد من ذكر جمل من أمره على سبيل التاريخ يستدل بها على مجاري أموره، ونتبعها بذكر ولده ومن أعقب منهم ومن لم يعقب، وذكر شيء مما صح من شعره وحكمه.
стр. 1809
وكان ﵇ أول من وضع النحو وسن العربية، وذلك أنه مرّ برجل يقرأ إن الله بريء من المشركين ورسوله بكسر اللام، فوضع النحو وألقاه إلى أبي الأسود الدئلي، وقد استوفينا خبر ذلك في باب أبي الأسود.
قرأت بخط أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري اللغوي في «كتاب التهذيب» له قال أبو عثمان المازني: لم يصحّ عندنا أن علي بن أبي طالب ﵇ تكلم من الشعر بشيء غير هذين البيتين:
تلكم قريش تمنّاني لتقتلني ... فلا وجدك ما برّوا ولا ظفروا
فإن هلكت فرهن ذمّتي لهم ... بذات روقين لا يعفو لها أثر
قال ويقال داهية ذات روقين وذات ودقين إذا كانت عظيمة.
كان قد بويع له يوم قتل عثمان بن عفان ﵁ ثم كانت وقعة الجمل بعد ذلك بخمسة أشهر وأحد وعشرين يوما، وعدة من قتل في وقعة الجمل ثمانية آلاف، منهم من الأزد خاصّة أربعة آلاف، ومن ضبة الف ومائة، وباقيهم من سائر الناس، وقيل أقل من ذلك، ومن أصحاب علي صلوات الله عليه نحو الف، وكانت الوقعة لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين، وكان بين وقعة الجمل والتقائه مع معاوية بصفين سبعة أشهر وثلاثة عشر يوما، وكان أول يوم وقعت الحرب بينهم بصفين غرة صفر سنة سبع وثلاثين، واختلف في عدة أصحابهما فقيل كان علي في تسعين ألفا وكان معاوية في مائة وعشرين ألفا، وقيل كان معاوية في تسعين ألفا وعلي ﵇ في مائة وعشرين ألفا، وهذا أولى بالصحة. وقتل بصفين سبعون ألفا من أصحاب علي ﵇: خمسة وعشرون ألفا منهم خمسة وعشرون من الصحابة، وقتل من أصحاب معاوية خمسة وأربعون ألفا، وقيل غير ذلك. وكان المقام بصفين مائة يوم وعشرة أيام، وكانت الوقائع تسعين وقعة. وبين وقعة صفين والتقاء الحكمين وهما أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص بدومة الجندل خمسة أشهر وأربعة وعشرون يوما، وبين التقائهما وخروج علي ﵇ إلى الخوارج بنهروان وقتله إياهم سنة وشهران، وكان الخوارج أربعة آلاف عليهم عبد الله بن وهب الراسبي من الأزد، وليس براسب بن جرم بن زبان، وليس في العرب غيرهما. فلما نزل علي عليه السلام
стр. 1810
تفرقوا فبقي منهم ألف وثمانمائة، وقيل ألف وخمسمائة، فقتلوا إلا نفرا يسيرا. وكان سبب تفرق الخوارج عنه أنهم تنازعوا عند الاحاطة بهم فقالوا: أسرعوا الروحة إلى الجنة، فقال عبد الله بن وهب: ولعلها إلى النار، فقال من فارقه: ترانا نقاتل مع رجل شاكّ؟! وبين خروجه إلى الخوارج وقتل ابن ملجم لعنه الله تعالى له سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام.
واختلف في مدة عمره فقال قوم: إنه استشهد وله ثمان وستون سنة في قول من يذهب إلى أنه أسلم وله خمس عشرة سنة، وقيل ست وستون، وهو قول من يذهب إلى أنه أسلم وله ثلاث عشرة سنة، وقيل ثلاث وستون وهو قول من يرى أنه أسلم وله عشر سنين، وقيل ثمان وخمسون وهو قول من زعم أنه أسلم وله خمس سنين، وهذا أقل ما قيل في مقدار عمره.
واختلف في موضع قبره فقيل بالغري، وهو الموضع المشهور اليوم، وقيل بمسجد الكوفة، وقيل برحبة القصر بها، وقيل حمل إلى المدينة فدفن مع فاطمة صلوات الله عليهما وسلامه.
وكان أسمر عظيم البطن أصلع أبيض الرأس واللحية أدعج عظيم العينين، ليس بالطويل ولا القصير، تملأ لحيته صدره لا يغيّر شيبه، وكان له من البنين أحد عشر:
الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية، وأمه خولة بنت جعفر سبية، وعمر، أمه أم حبيب الصهباء بنت ربيعة تغلبية، والعباس، أمه أم البنين بنت حزام «١» بن خالد من بني عامر بن صعصعة، وعبد الله يكنى أبا بكر، وعثمان وجعفر ومحمد الأصغر، وقيل هو الذي يكنى أبا بكر، وعبيد الله ويحيى. المعقبون منهم خمسة: الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية وعمر والعباس ﵈. وله من البنات ست عشرة منهن زينب وأم كلثوم التي تزوجها عمر بن الخطاب، وأمهما فاطمة بنت رسول الله ﷺ . فالعقب للحسن بن علي ﵉ من زيد والحسن، والعقب لزيد من الحسن بن زيد، والعقب للحسن بن الحسن من جعفر وداود وعبد الله والحسن وإبراهيم، والعقب للحسين ﵇ من علي الأصغر بن الحسين،
стр. 1811
والعقب لعلي بن الحسين من محمد وعبد الله وعمر وزيد والحسين بني علي ﵈. والعقب لمحمد بن الحنفية من جعفر وعلي وعون وإبراهيم، والعقب لجعفر بن محمد من عبد الله، ولعلي بن محمد من عون، ولعون بن محمد ولإبراهيم بن محمد. فأما أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، وهو أكبر ولده، فقد ظنّ قوم أنه أعقب وليس الأمر كذلك. والعقب لعمر بن علي بن أبي طالب من محمد بن عمر، والعقب لمحمد بن عمر لعمر ولعبد الله وجعفر. والعقب للعباس من عبيد الله بن العباس، والعقب لعبيد الله من الحسين وعبد الله عليهم الصلاة والسلام أجمعين.
ومما يروى أن معاوية كتب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇:
إن لي فضائل، كان أبي سيدا في الجاهلية، وصرت ملكا في الإسلام، وأنا صهر رسول الله ﷺ وخال المؤمنين وكاتب الوحي. فقال أمير المؤمنين ﵇ أبا الفضائل تفتخر عليّ يا ابن آكلة الأكباد؟! اكتب إليه يا غلام:
محمد النبيّ أخي وصهري ... وحمزة سيد الشهداء عمّي
وجعفر الذي يضحي ويمسي ... يطير مع الملائكة ابن أمي
وبنت محمد سكني وعرسي ... مشوب لحمها بدمي ولحمي
وسبطا أحمد ولداي منها ... فأيكم له سهم كسهمي
سبقتكم إلى الإسلام طرّا ... صغيرا ما بلغت أوان حلمي «١»
فقال معاوية: اخفوا هذا الكتاب لا يقرأه أهل الشام فيميلوا إلى ابن أبي طالب.
قرأت في «كتاب الأمالي» «٢» لأبي القاسم الزجاجي قال حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن رستم الطبري صاحب أبي عثمان المازني قال حدثنا أبو حاتم
стр. 1812
السجستاني عن يعقوب بن إسحاق الحصرمي قال حدثنا سعيد بن سلم الباهلي قال حدثني أبي عن جدي عن أبي الأسود الدئلي، أو قال عن جدي عن ابن أبي الأسود الدئلي عن أبيه قال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ فرأيته مطرقا مفكّرا فقلت: فيم تفكر يا أمير المؤمنين؟ قال: إني سمعت ببلدكم هذا لحنا فأردت أن أضع كتابا في أصول العربية، فقلت: إن فعلت هذا يا أمير المؤمنين أحييتنا وبقيت فينا هذه اللغة، ثم أتيته بعد أيام «١» فألقى إليّ صحيفة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم الكلام كله اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل، ثم قال لي: تتبعه وزد فيه ما وقع لك، واعلم يا أبا الأسود أن الأشياء ثلاثة ظاهر ومضمر وشيء ليس بظاهر ولا مضمر «٢» . قال: فجمعت منه أشياء وعرضتها عليه، وكان من ذلك حروف النصب فكان منها إنّ وأنّ وليت ولعل وكأنّ ولم أذكر لكن، فقال لي: لم تركتها؟
فقلت: لم أحسبها منها فقال: بل هي منها فزدها فيها.
قال أبو القاسم «٣» قوله ﵇ الأشياء ثلاثة ظاهر ومضمر وشيء ليس بظاهر ولا مضمر فالظاهر رجل وفرس وزيد وعمرو وما أشبهه، والمضمر نحو أنا وأنت والتاء في فعلت والياء في غلامي والكاف في ثوبك وما أشبه ذلك، وأما الشيء الذي ليس بظاهر ولا مضمر فالمبهم نحو هذا وهذه وهاتا وتا ومن وما والذي وأي وكم ومتى وأين وما أشبه ذلك.
[٧٨٥] علي بن عبد الملك بن العباس القزويني
، أبو طالب النحوي: كان أبوه أبو علي عبد الملك من أهل العلم ورواية الحديث وسمع أبو طالب جماعة منهم مهرويه
стр. 1813
وأبو الحسن علي بن إبراهيم القطان. قال الخليلي: وهو إمام في شأنه قرأنا عليه وأخذ عنه الخلق، ومات في آخر سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، وخلف أولادا صغارا اشتغلوا بما لا يعنيهم فقتلوا، وأخوه علي أبو الحسن سمع الحديث لكنه كان كاتبا فلم يسمع منه، وأبو علي ابنه سمع الحديث وقرأ الفقه ثم اشتغل بالكتابة فمات في الغربة، وقد انقطع نسله.
[٧٨٦] علي بن عبيدة الريحاني:
أحد البلغاء الفصحاء، من الناس من يفضله على الجاحظ في البلاغة وحسن التصنيف، مات «١» [ ... ] ، وكان له اختصاص بالمأمون ويسلك في تأليفاته وتصنيفاته طريقة الحكمة وكان يرمى بالزندقة. وله مع المأمون أخبار: منها أنه كان بحضرة المأمون فجمش غلاما، فرآهما المأمون فأحبّ أن يعلم هل علم عليّ أم لا، فقال له: أرأيت؟ فأشار عليّ بيده وفرق أصابعه أي خمسة، وتصحيف خمسة جمّشه، وغير ذلك من الأخبار المتعلقة بالفطنة والذكاء.
وقال جحظة في «أماليه» حدثني أبو حرملة قال قال علي بن عبيدة الريحاني:
حضرني ثلاثة تلاميذ لي فجرى لي كلام حسن، فقال أحدهم: حقّ هذا الكلام أن يكتب بالغوالي على خدود الغواني، وقال الآخر: بل حقه أن يكتب بأنامل الحور على النور، وقال الآخر: بل حقه أن يكتب بقلم الشكر في ورق النعم.
ومن مستحسن أخباره المطربة أنه قال: أتيت باب الحسن بن سهل فأقمت ببابه ثلاثة أشهر لا أحظى منه بطائل فكتبت إليه:
مدحت ابن سهل ذا الأيادي وما له ... بذاك يد عندي ولا قدم بعد
стр. 1814
وما ذنبه والناس إلا أقلّهم ... عيال له إن كان لم يك لي جدّ
سأحمده للناس حتى إذا بدا ... له فيّ رأي عاد لي ذلك الحمد
فبعث إليّ: باب السلطان يحتاج إلى ثلاث خلال: مال وعقل وصبر. فقلت للواسطة: تؤدي عنّي، قلت تقول له: لو كان لي مال لأغناني عن الطلب منك، أو صبر لصبرت على الذلّ ببابك، أو عقل لاستدللت به على النزاهة عن رفدك، فأمر لي بثلاثين ألف درهم.
قرأت بخط أبي الفضل العباس بن علي بن برد الخيار أخبرني أبو الفضل أحمد بن طاهر قال «١» : كنت في مجلس بعض أصدقائي يوما وكان معي علي بن عبيدة الريحاني في المجلس، وفي المجلس جارية كان علي يحبها، فجاء وقت الظهر فقمنا إلى الصلاة وعلي والجارية في الحديث، فأطالا حتى كادت الصلاة تفوت، فقلت له: يا أبا الحسن قم إلى الصلاة، فأومأ بيده إلى الجارية وقال: حتى تغرب الشمس، أي حتى تقوم الجارية. قال: فجعلت أتعجب من حسن جوابه وسرعته وكنايته.
وله من الكتب «٢» . كتاب المصون. كتاب التدرّج. كتاب رائد الود «٣» . كتاب المخاطب. كتاب الطارف. كتاب الهاشمي. كتاب الناشىء. كتاب الموشح.
كتاب الجدّ. كتاب شمل الألفة. كتاب الزمام. كتاب المتحلي. كتاب الصبر.
كتاب سناوبها «٤» . كتاب مهرازاد خشيش. كتاب صفة الدنيا. كتاب روشنائدل «٥» .
كتاب سفر الجنة. كتاب الأنواع. كتاب الوشيج. كتاب العقل والجمال. كتاب أدب جوانشير. كتاب شرح الهوى. كتاب الطاوس «٦» . كتاب المسجى. كتاب أخلاق
стр. 1815
هارون. كتاب الأسنان. كتاب الخطب. كتاب الناجم. كتاب صفة الفرس. كتاب النبيه. كتاب المشاكل. كتاب فضائل إسحاق. كتاب صفة الموت. كتاب السمع والبصر. كتاب اليأس والرجاء. كتاب صفة العلماء. كتاب آيين الملك. كتاب المؤمّل والمهيب. كتاب ورود وودود الملكتين. كتاب النملة والبعوضة. كتاب المعاقبات. كتاب مدح النديم. كتاب الجمل. كتاب كتاب خطب المنابر. كتاب النكاح. كتاب الايقاع. كتاب الأوصاف. كتاب امتحان الدهر. كتاب الأجواد.
كتاب المجالسات. كتاب المنادمات.
قال: سأل المأمون يحيى بن أكثم وثمامة بن أشرس وعلي بن عبيدة الريحاني عن العشق ما هو فقال علي بن عبيدة «١» : العشق ارتياح في الخلقة، وفكرة تجول في الروح، وسرور منشأه الخواطر، له مستقر غامض ومحل لطيف المسالك يتصل بأجزاء القوى وينساب في الحركات. وقال يحيى: العشق سوانح تسنح للمرء فيهتم لها ويؤثرها. قال ثمامة يا يحيى إنما عليك أن تجيب في مسألة في الطلاق أو عن محرم يصطاد ظبيا، وأما هذه فمسألتنا، قال له المأمون: فما العشق يا ثمامة؟ قال: إذا تقادحت جواهر النفوس بوصل المشاكلة «٢» أحدثت لمع برق ساطع تستضيء به نواظر العقول وتشرق له طبائع الحياة فيتولد من ذلك البرق نور خاص بالنفس متصل بجوهريتها يسمى عشقا، قال المأمون: يا ثمامة أحسنت، وأمر له بألف دينار.
[٧٨٧] علي بن عبيد الله بن الدقاق
، أبو القاسم الدقيقي النحوي: أحد الأئمة العلماء في هذا الشأن، أخذ عن أبي علي الفارسي وأبي سعيد السيرافي وأبي الحسن
стр. 1816
الرماني، وكان مباركا في التعليم تخرج عليه خلق كثير لحسن خلقه وسجاحة سيرته، وكان مولده سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، ومات فيما ذكره هلال بن المحسن في تاريخه في سنة خمس عشرة وأربعمائة وله تصانيف: منها كتاب شرح الإيضاح، رأيته منسوبا إليه وأنا أظنه شرح علي بن عبيد الله السمسمي لأنه محشوّ بقوله «قال السمسماني، قال السمسماني» ، وما أرى الدقاق ممن أخذ عن السمسماني وهو أكبر سنّا منه ومشايخهما ووفاتهما واحدة، ولكن اشتبه الاسم فنسب إلى هذا لشهرته بالنحو. وللدقيقي أيضا كتاب شرح الجرمي. كتاب العروض رأيته. كتاب المقدمات.
وذكر القاضي أبو المحاسن ابن مسعر قال: أبو القاسم علي بن عبيد الله الدقيقي صاحب أبي الحسن علي بن عيسى الرماني قرأ عليه كتاب سيبويه قراءة تفهم وأخذ بذلك خطه عليه وانتفع الناس به، وعنه أخذت وعلى روايته عوّلت.
[٧٨٨] علي بن عبيد الله السمسمي
، أبو الحسن اللغوي النحوي: كان جيد المعرفة بفنون علم العربية صحيح الخط غاية في إتقان الضبط، قرأ على أبي علي الفارسي وأبي سعيد السيرافي وكان ثقة في روايته، مات في محرم سنة خمس عشرة وأربعمائة في خلافة القادر بالله.
حدث ابن نصر قال حدثني الشيخ أبو القاسم ابن برهان النحوي قال قال لنا أبو الحسن السمسمي، وقد سأله رجل مسألة من مسائل النوكى: حضر مجلس أبي عبيدة رجل فقال: رحمك الله أبا عبيدة ما العنجيد؟ قال: رحمك الله ما أعرف هذا، قال سبحان الله أين يذهب بك عن قول الأعشى:
يوم تبدي لنا قتيلة عن جي ... د تليع تزينه الأطواق
فقال: عافاك الله، عن حرف جاء لمعنى والجيد العنق. ثم قام آخر في
стр. 1817
المجلس فقال: أبا عبيدة رحمك الله ما الأودع؟ قال: عافاك الله ما أعرفه، قال سبحان الله أين أنت عن قول العرب زاحم بعود أو دع فقال: ويحك هاتان كلمتان والمعنى أو اترك أو ذر، ثم استغفر الله وجعل يدرس، فقام رجل فقال: رحمك الله أخبرني عن كوفا أمن المهاجرين أم من الأنصار؟ قال: قد رويت أنساب الجميع وأسماءهم ولست أعرف فيهم كوفا. قال فأين أنت عن قوله تعالى والهدي معكوفا؟
قال: فأخذ أبو عبيدة نعليه واشتد ساعيا في مسجد البصرة يصيح بأعلى صوته: من أين حشرت البهائم عليّ اليوم.
ورأيت جماعة من أهل العلم يزعمون أن النسبة إلى السمسمي والسمسماني واحد يقال هذا ويقال هذا.
وكان أبو الحسن هذا مليح الخط صحيح الضبط حجة فيما يكتبه. ومن هذا البيت جماعة كتّاب مجيدون يذكر منهم في مواضعهم من يقع إلينا حسب الطاقة.
وحدث غرس النعمة ابن الصابىء في «كتاب الهفوات» قال «١» : كان أبو الحسن السمسماني متطيّرا فخرج يوم عيد من داره فلقيه بعض الناس فقال له مهنئا:
عرّف الله سيدنا الشيخ بركة شؤم هذا اليوم، فقال: وإياك يا سيدي، وعاد فأغلق بابه ولم يخرج يومه.
ووجدت في بعض الكتب هذه الأبيات منسوبة إلى أبي الحسن السمسمي:
دع مقلتي تبكي عليك بأربع ... إن البكاء شفاء قلب الموجع
ودع الدموع تكفّ جفني في الهوى ... من غاب عنه حبيبه لم يهجع
ولقد بكيت عليك حتى رقّ لي ... من كان فيك يلومني وبكى معي
ووجدت بخط أبي الحسن السمسماني على ظهر كتاب المزني صاحب الشافعي رحمهما الله: كان كثيرا ما يتمثل:
يصون الفتى أثوابه حذر البلى ... ونفسك أحرى يا فتى لو تصونها
стр. 1818
فمن ذا الذي يرعاك بالغيب أو يرى ... لنفسك إكراما وأنت تهينها
قرأت بخط الشيخ أبي محمد ابن الخشاب النحوي، أنشدنا أبو بكر المزرفي الفرضي، أنشدنا أبو بكر الخطيب، أنشدنا علي بن عبيد الله السمسمي النحوي [اللغوي] :
أترى الجيرة الذين تنادوا ... بكرة للزيال قبل الزوال
علموا أنني مقيم وقلبي ... معهم واخد أمام الجمال
مثل صاع العزيز في أرحل القو ... م ولا يعلمون ما في الرحال.
[٧٨٩] علي بن عساكر بن المرحّب
، أبو الحسن المقرىء النحوي المعروف بالبطائحي الضرير: كان يزعم أنه من عبد القيس، وهو من قرية من قرى البطائح تعرف بالمحمدية قريبة من الصليق. مات ببغداد في ثامن عشر شعبان سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة ومولده سنة تسع وأربعمائة، وكان قد قدم بغداد واستوظنها إلى حين وفاته، وقرأ القرآن على أبي العز القلانسي الواسطي وأبي عبد الله البارع ابن الدباس وأبي بكر ابن المزرفي وأبي محمد ابن بنت الشيخ، وقرأ النحو على البارع وغيره، وسمع الحديث من جماعة، وأقرأ الناس مدة وحدث بالكثير وكان ثقة مأمونا.
قال صدقة بن الحسين بن الحداد في «تاريخه» «١» : كان سبب وفاة البطائحي أنه ظهر به ناصور مما يلي تحت كتفه «٢» فبقي به مدة طويلة ينز إلى خارج البدن ثم
стр. 1819
انفتح إلى باطنه فهلك به، وأوصى لطغندي صاحبه الذي كان يقرأ عليه الحديث ويقربه من جهة النساء بثلث ماله، ووقف كتبه على مدرسة الشيخ عبد القادر الجيلي، وخلف مقدار أربعمائة دينار ودارا في دار الخلافة.
[٧٩٠] علي بن علي أبو الحسن البرقي:
قال الحافظ أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي: في ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة مات علي بن علي أبو الحسن البرقي النحوي الشاعر، ولم يذكر غير ذلك.
[٧٩١] علي بن عرّاق الصنّاري، أبو الحسن الخوارزمي:
مات سنة تسع وثلاثين وخمسمائة بمذانة، قرية من قرى خوارزم، ذكر ذلك أبو محمد محمود بن محمد بن أرسلان في «تاريخ خوارزم» وقال: كان نحويّا لغويّا عروضيّا فقيها مفسّرا مذكرا، قرأ الأدب على الشيخ أبي علي الضرير النيسابوري، والفقه بخوارزم على الإمام أبي عبد الله الوبري، ثم ارتحل في الفقه الى بخارى فتفقه بها على مشايخها، ثم عاد الى جرجانية خوارزم فتكلم في مسائل مع أئمتها، ثم تحوّل إلى قرية مذانة وتوطنها، وكان يعظ في المسجد الجامع بها غداة الجمعة، وكان يحفظ اللغات الغريبة والأشعار العويصة وصنف «كتاب شماريخ الدرر» في تفسير القرآن ولما فرغ منه كتب في آخره:
فرغنا من كتابته عشيّا ... وكان الله في عوني وليّا
وقد أدرجته نكتا حسانا ... ومعنى يشبه الرّطب الجنيّا
قال: وقرأت بخط أبي عمرو البقال: كان من لطائف الصناري إذا نام واحد من
стр. 1820
أهل الرستاق في مجلسه ناداه من على المنبر بأعلى صوته يا أيها التيس المذانقي اترك المنام واسمع الكلام، ثم ينشد «١» :
وصاحب نبّهته لينهضا ... إذا الكرى في عينه تمضمضا
فقام عجلان وما تأرّضا ... يمسح بالكفين وجها أبيضا
ثم يقول: تمضمض من النعاس إذا دبّ في عينه، ومنه المضمضة في الوضوء سميت بذلك لأن الغاسل يمضمض الماء في فمه أي يدبّها ويجريها فيه.
[٧٩٢] علي بن عيسى أبو الحسن الصائغ
النحوي غلام ابن شاهين الرامهرمزي: قال القاضي أبو علي التنوخي حدثني أبو عمر أحمد بن محمد بن حفص الخلال قال: كان أبو الحسن الصائغ النحوي الرامهرمزي واسع العلم والأدب مليح الشعر، وهو صاحب القصيدة التي أولها [ ... ] وفيها تجوّز كثير وأمر بخلاف الجميل قالها على طريق التخالع والتطايب، وكان صالحا معتقدا للحقّ لا عن اتساع في العلم- يعني علم الكلام- ولكنه كان واسع المعرفة بالنحو واللغة والأدب. وأبو الحسن الصائغ هذا هو أستاذ أبي هاشم ابن أبي علي الجبائي بعد أبي بكر المبرمان في النحو، قرأ عليه لما ورد البصرة واستفاد منه حتى بلغ أعلى مراتب النحو، حتى قال ابن درستويه:
اجتمعت مع أبي هاشم فألقى عليّ بمائتي مسألة من غريب النحو ما سمعت بها قط ولا كنت أحفظ جوابها، وقد ذكرت قصّته مع أبي هاشم بكمالها في ترجمة أبي هاشم عبد السلام «٢» . وقال أبو عمر الخلال: أنفذني الصيدلاني أبو عبد الرحمن المعتزلي غلام أبي علي الجبائي إلى أبي الحسن الرامهرمزي وقال لي قل له إني قرأت البارحة في كتاب شيخنا أبي علي في تفسير القرآن في قوله تعالى:
стр. 1821
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا*
(الأنعام: ١١٢) أي بيّنّا لكل نبي عدوّه فجعل [جعل] «١» بمعنى بيّن، ولست أعرف هذا في اللغة، فاحفظ جوابه وجئني به، قال: فجئت إلى أبي الحسن فأخبرته بذلك عن عبد الرحمن فقال: نعم هذا معروف في لغة العرب وقد قال الغريفي العنسي (بالنون) :
جعلنا لهم نهج الطريق فأصبحوا ... على ثبت من أمرهم حيث يمّموا
قال فعدت إلى عبد الرحمن فعرفته ذلك.
قلت: هكذا وجدت هذا الخبر والكلمة المسؤول عنها غير مبينة فمن عرفها وكان من أهل العلم فله أن يصلحها.
وقال أبو محمد عبيد الله بن أبي القاسم عبد المجيد بن بشران «٢» الخوزستاني:
وفي سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة مات أبو الحسن علي بن عيسى الصائغ الرامهرمزي الشاعر، وقد كان شخص إلى إبراهيم المسمعي ثم عدل إلى درك بسيراف، فخرج مع درك في هيج كان من العامة بها وقد رموه بالمقاليع، فأصاب علي بن عيسى حجر فهلك، وكان شاعرا عالما، فمن شعره:
سهادي غير مفقود ... ونومي غير موجود
وجري الدمع في الخدّ ... كنظم الدرّ في الجيد
لفعل الشيب في اللمّ ... ة لا للخرّد الغيد
لقد صار بي الشيب ... إلى لوم وتفنيد
وما المرء إذا شاب ... لديهنّ بمودود
وهي طويلة مدح فيها أهل البيت، وكان لهم مدّاحا.
стр. 1822
[٧٩٣] علي بن عيسى بن داود بن الجراح، أبو الحسن الوزير:
كانت «١» منزلته من الرياسة، ومعرفته بالعدل والسياسة، تجلّ عن وصفها، ومن حسن الصناعة والكفاية ما هو مشهور مذكور. وزر للمقتدر بالله دفعتين، ومات في ليلة اليوم الذي عبر معز الدولة في صبيحته إلى بغداد وهو يوم الجمعة انتصاف الليل من سلخ ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، ودفن في داره، وعمره تسع وثمانون سنة ونصف، وحمّ يوما واحدا، ومولده في جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين ومائتين.
وله كتاب جامع الدعاء. كتاب معاني القرآن وتفسيره أعانه عليه أبو الحسين الواسطيّ وأبو بكر ابن مجاهد. كتاب رسائله.
كان تقلده للوزارة الأولى في محرم سنة احدى وثلاثمائة وبقي فيها أربع سنين غير شهر، والأخرى في صفر سنة خمس عشرة وثلاثمائة وبقي فيها سنة وأربعة أشهر ويومين.
وكان يستغل ضياعه في السنة سبعمائة ألف دينار يخرج منها في وجوه البر ستمائة ألف دينار وستين ألف دينار، وينفق أربعين ألف دينار على خاصته، وكانت غلّته عند عطلته ولزومه بيته نيفا وثمانين ألف دينار يخرج منها في وجوه البر نيفا وأربعين ألفا وينفق ثلاثين ألفا على نفسه، وكان يرتفع لابن الفرات وهو متعطل ألف ألف دينار.
قال الصولي «٢» : ولا أعلم أنه وزر لبني العباس وزير يشبهه في زهده وعفته وحفظه للقرآن وعلمه بمعانيه، وكان يصوم نهاره ويقوم ليله.
стр. 1823
قال الصولي: ولا أعلم أنني خاطبت أحدا أعرف منه بالشعر وكان يوقّع بيده في جميع ما يحتاج إليه مما كان يوقّع فيه أصحاب الدواوين في وزارته من قبله، وكان يحضر مائدته وهو متولّ على ديوان المغرب جماعة من أهل العلم في كل ليلة. قال الصولي: ثم رأيتها وقد نقصت عند وزارته، فسألت أبا العباس أحمد بن طومار الهاشمي عن السبب فقال: قد اقتصر في نفقته وأجرى الفاضل على أولاد الصحابة بالمدينة. وجلس للمظالم فأنصف الناس فأخذ للضعيف من القوي، وتناصف الناس بينهم، ولم يروا أعفّ بطنا ولسانا وفرجا منه. ولما عزل في وزارته الثانية وولي ابن الفرات لم يقنع المحسن بن أبي الحسن ابن الفرات إلا بإخراجه عن بغداد فخرج إلى مكة فأقام بها مهاجرا، وقال في نكبته «١» :
ومن يك عني سائلا لشماتة ... لما نابني أو شامتا غير سائل
فقد أبرزت مني الخطوب ابن حرّة ... صبورا على أهوال تلك الزلازل
إذا سرّ لم يبطر وليس لنكبة ... إذا نزلت بالخاشع المتضائل
ولما حبس كان يلبس ثيابه ويتوضأ للصلاة ويقوم ليخرج لصلاة الجمعة فيردّه المتوكلون، فيرفع يده إلى السماء ويقول: اللهم إني أشهدك أنني أريد طاعتك ويمنعني هؤلاء. وأشار على المقتدر أن يقف المستغلّات ببغداد على الحرمين والثغور، وغلتها ثلاثة عشر ألف دينار في كل شهر، والضياع الموروثة بالسواد وارتفاعها نيف وثمانون الف دينار سوى اللغة، ففعل ذلك، وأشهد على نفسه الشهود، وأفرد لهذه الوقوف ديوانا سماه ديوان البرّ. ورأى آثار سعيه لآخرته في دنياه، فإنه سلم من جميع البلاء على كثرة من عاداه وقصده، ومنع حواشي المقتدر من المحالات، وحملهم على السيرة الجميلة فأفسدوا أمره حتى اعتقل ثمانية عشر شهرا ثم نفي إلى مكة واليمن ومصر، ثم عاد ووزر بعد ذلك. واحتاج إلى المشي في بعض أسفاره فجعل يتمثل:
قد علمت إخوتنا كلاب ... أنا على دقّتنا صلاب
وكان الديلم عند دخولهم إلى بغداد إذا اجتازوا على محلته تجنبوها ويقولون:
стр. 1824
هاهنا دار الوزير الصالح، وكانت داره على دجلة وهي المعروفة بالستّيني واحتاجت مسنّاتها إلى مرمّة فقدروا لها صناعها ثلاثة آلاف دينار فلما أحضر الدنانير قال: صرفها في الصدقة أولى. وليس اليوم على دجلة بين البلد والمعزية غيرها وهي مشهورة ببغداد إلى يومنا هذا، قد عمل عليها عدة دواليب لسقي مزارع الزاهر.
ونزل يوما في طياره فاجتمع عليه قوم يسألونه توقيعا فقال: نعم وكرامة حتى أرجع وأوقع، ثم قال: ومن لي بأن أرجع، ووقع لهم قائما ثم قال: اقتديت بهذا الفعل بعمر بن عبد العزيز فإنه وقف على متظلم وأطال الوقوف حتى قضى حاجته وقال: إن الخير سريع الذهاب وخشيت أن أفوته بنفسي.
ولما ورد البريديّ إلى بغداد مستوليا عليها متغلبا خوّف منه وقيل: الصواب أن تهرب إلى الموصل، فقال: أيهرب مخلوق إلى مخلوق؟! اصرفوا ما أعددته لنفقة الطريق إلى الفقراء، فلما دخل البريدي لم يكرم أحدا غيره. وكثر الموتان ببغداد في أيام البريدي فكفّن علي بن عيسى من الغرباء والفقراء ما لا يحصى كثرة حتى نفد ما كان عنده فاستدان لذلك أموالا كثيرة. وكان يجري على خمسة وأربعين ألف إنسان جرايات تكفيهم، وخدم السلطان سبعين سنة لم يزل فيها نعمة عن أحد، وأحصي له في أيام وزارته نيف وثلاثون ألف توقيع من الكلام السديد، ولم يقتل أحدا ولا سعى في دمه، فبقيت عليه نعمته وعلى ولده بعد أن شحذت له المدى مرارا فدفع الله عنه وأهلك ظالمه، ولم يهتك حرمة قطّ لأحد فلم يهتك الله له حرمة مع كثرة نكباته.
وكان على خاتمه مكتوب:
لله صنع خفيّ ... في كلّ أمر يخاف
وكان له ابن يكنى أبا نصر واسمه ابراهيم وزر للمطيع في شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعين ومات في جمادى الأولى سنة خمسين وثلاثمائة فجاءة، وبن يكنى أبا القاسم واسمه عيسى بن علي كتب للطائع لله.
ودخل علي بن عيسى على أبي نصر وأبي محمد ولدي القاضي أبي الحسن عمر بن أبي عمر محمد بن يوسف يعزيهما بموت أبيهما، فلما أراد الانصراف التفت
стр. 1825
إليهما وقال: مصيبة قد وجب أجرها خير من نعمة لا يؤدّى شكرها؛ وهذا عندي من حر الكلام وفصل الخطاب.
[٧٩٤] علي بن عيسى بن علي بن عبد الله
الرمّاني أبو الحسن الوراق: كذا قال الزبيديّ، وقال التنوخي هو يعرف بالاخشيذي. قال التنوخي: وممن ذهب في زماننا إلى أن عليا ﵇ أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ من المعتزلة أبو الحسن علي ابن عيسى النحوي المعروف بابن الرماني الاخشيذي.
قال المؤلف: أرى أنه كان تلميذ ابن الاخشيذ المتكلم أو على مذهبه لأنه كان متكلما على مذهب المعتزلة وله في ذلك تصانيف مأثورة.
وكان إماما في علم العربية علّامة في الأدب في طبقة أبي عليّ الفارسيّ وأبي سعيد السيرافي، وكان قد شهد عند أبي محمد ابن معروف. مات في حادي عشر جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وثلاثمائة في خلافة القادر بالله، ومولده في سنة ست وسبعين ومائتين. أخذ عن ابن السراج وابن دريد والزجاج، وله تصانيف في جميع العلوم من النحو واللغة والنجوم والفقه والكلام على رأي المعتزلة، كما ذكرنا، وكان يمزج كلامه في النحو بالمنطق حتى قال أبو عليّ الفارسيّ: إن كان النحو ما يقوله الرماني فليس معنا منه شيء، وإن كان النحو ما نقوله نحن فليس معه منه شيء.
وكان يقال: النحويون في زماننا ثلاثة: واحد لا يفهم كلامه وهو الرمانيّ، وواحد يفهم بعض كلامه وهو أبو علي الفارسيّ، وواحد يفهم جميع كلامه بلا أستاذ وهو السيرافيّ.