← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وأجرة البيت فهي مقرحة ... أجفان عيني بالوابل الساكب إن زارني صاحب عزمت على ... بيع كتاب لشبعة الصاحب أصبحت في معشر تشمتهم ... فرض من الله لازب واجب فيهم صديق في عرسه عجب ... إذا تأملت أمرها عاجب تحسبها حرة وحافرها ... أرقّ من شعر خالد الكاتب وأنشد لنفسه: أحمد الله لم أقل قطّ يا بد ... رويا منصفا ويا كافور لا ولا قلت أين أين الشواهين ... ووزّاننا [١] وأين البدور لا ولا قيل قد أتاك من الضي ... عة برّ موفّر وشعير وأتاك العطّار بالند لما ... قيل ما في الخزانتين بخور أنا خلو من المماليك و ... الأملاك جلد على البلاء صبور ليس إلا كسيرة وقديح ... وخليق أتت عليه الدهور قال جحظة: ومررت بوقاد يوقد في التنور ويغني [٢] : أنا أهواك بنور الله ... فافعل ما بدا لك إن تكن تمنعني شخ ... صك فابذل لي خيالك قد أخذت الدن والطن ... بور والكلب فمالك قل لمن جنبك القم ... عوث من دسّك والك وله أيضا [٣] : ولي صاحب زرته للسلام ... فقابلني بالحجاب الصّراح وقالوا تغيّب عن داره ... لخوف غريم ملحّ وقاح ولو كان عن داره غائبا ... لأدخلني أهله للنكاح

стр. 212

وقال يستزير بعض إخوانه [١] : لنا يا أخي زلّة وافره ... وقدر معجّلة حاضره وراح تريك [٢] إذا صفّقت ... سنا البرق في الليلة الماطره وما شئت من زهر يانع ... أطافت به الديمة الماطره ومسمعة [٣] لم يخنها الصواب ... وزامرة أيما زامره وما شئت من خبر نادر ... ونادرة بعدها نادره فايت ولو كنت يا ابن الكرام ... وحاشاك من ذاك في الآخره وأنشد لنفسه أيضا: ما زارني في الحبس من نادمته ... كأسين كاس مودة ومدام بخلوا عليّ وقد طلبت سلامهم ... فكأنني طالبتهم بطعام وأنشد أيضا لنفسه: وذي جدة طلبت إليه برّا ... من الجلساء مذموم الخلائق فأقسم أنه رجل فقير ... أرانيه المهيمن وهو صادق كأني بالمنازل عن قليل ... خلون من المطرّزة النمارق وقد ظفر النساء بما تركتم ... فصار لماهر بالنيك حاذق وأنشد أيضا لنفسه في أماليه: وقائل قال لي من أنت قلت له ... مقال ذي حكمة دانت له الحكم لست الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحلّ والحرم أنا الذي دينه إسعاف سائله ... والضرّ يعرفه والبؤس والعدم انا الذي حبّ أهل البيت أفقره ... فالعدل مستعبر والجور مبتسم

стр. 213

وله أيضا [١] : ولى كبد لا يصلح الطبّ سقمها ... من الوجد لا تنفكّ دامية حرّى فياليت شعري والظنون كثيرة ... أيشعر بي من بتّ أرعى له الشعرى وله أيضا: شكري لإحسانك شكر امرىء ... يستوهب الإحسان من واهبه وكيف لا أشكر من لا أرى ... في منزلي إلا الذي جاد به وأنشد جحظة لنفسه في أماليه: حسبي ضجرت من الأدب ... ورأيته سبب العطب وهجرت إعراب الكلام ... وما حفظت من الخطب ورهنت ديوان النقا ... ئض واسترحت من التعب وله أيضا [٢] : لا تعجبي يا هند من ... حالي فما فيها عجب إن الزمان بمن تقدّ ... م في النباهة منقلب فالجهل يضطهد الحجى ... والراس يعلوه الذنب حدث غرس النعمة في كتاب الهفوات [٣] قال: كان جحظة لما أسنّ يفسو في مجالسه فيلقى من يعاشره منه جهدا، قال أبو الحسين ابن عياش [٤] : وكنت أحبّ غناءه والكتابة عنه لما عنده من الآداب، وكان يستطيب عشرتي، وكنت إذا جلست عنده أخذت عليه الريح، [وجلست فوقها] ، فجئته يوما في مجلس الأدب والناس عنده وهو يملي، فلما خفّوا قال لي ولآخر كان معي، اجلسا عندي حتى أقعدكما على

стр. 214

لبود، وأطعمكما طباهجة بكبود، وأسقيكما من معتقة اليهود، وأبخّركما بعنبر وعود، أطيب من الندود، وأغنيكما غناء المسدود [١] . فقلت: هذا موضع السجود. وجلسنا وصديقي لا يعرف خلّته في الفساء، وأنا قد أخذت الريح [٢] ، فوفى لنا بجميع ما ذكره، وقال لنا وقد غنى وشربنا: نحن بالغداة علماء وبالعشي في صورة المخنكرين [٣] . فلما أخذ النبيذ منه أخذ يفسو وصديقي يغمزني ويتعجب، فأقول له: إن ذلك عادته وخلّته، وأن سبيله أن يحتمل إلى أن غنّى صوتا من الشعر والصنعة له فيه وكان يجيده: إن بالحيرة قسا قد مجن ... فتن الرهبان فيها وافتتن ترك الإنجيل حينا للصبا ... ورأى الدنيا مجونا فركن قال: فطرب عليه صديقي طربا شديدا واستحسنه كثيرا وأراد أن يقول له: أحسنت والله يا أبا الحسن، فقال له ما في نفسه يتردد من أمر الفساء: افس عليّ يا أبا الحسن كيف شئت، فخجل جحظة وخجل الفتى وانصرفنا. وحدث الخطيب عن أبي الفرج الاصبهاني قال [٤] : حدثني جحظة قال: اتصلت عليّ إضافة أنفقت فيها كلّ ما أملكه حتى بقيت ليس في داري سوى البواري [٥] فأصبحت يوما وأنا أفلس من طنبور بلا وتر- كما يقال في المثل- ففكرت كيف أعمل فوقع لي أن أكتب إلى محبرة بن أبي عباد [٦] الكاتب، وكنت أجاوره، وكان قد ترك التصرّف قبل ذلك بسنتين وحالفه النقرس فأزمنه حتى صار لا يتمكن من التصرف إلا محمولا على الأيدي أو في محفة، وكان مع ذلك على غاية الظّرف وكبر النفس وعظم

стр. 215

النعمة ومواصلة الشرب والقصف، فأردت أن أتطايب عليه ليدعوني فآخذ منه ما أنفقه مدة، فكتبت إليه: ماذا ترى في جديّ ... وفي غضار بوارد [١] وقهوة ذات لون ... يحكي خدود الخرائد ومسمع يتغنّى ... من آل يحيى بن خالد إن المضيع لهذا ... نزر المروءة بارد فما شعرت إلا بمحفة محبرة يحملها غلمانه إلى داري، وأنا جالس على بابي، فقلت له: لم جئت؟ ومن دعاك؟ فقال: أنت، فقلت: إنما قلت لك ماذا ترى في هذا، وعنيت في بيتك، وما قلت لك إنه في بيتي، وبيتي والله أفرغ من فؤاد أمّ موسى، فقال: الآن قد جئت ولا أرجع، ولكن أدخل إليك وأستدعي من داري ما أريد، قلت: ذاك إليك، فدخل فلم ير في بيتي إلا بارية، فقال يا ابا الحسن هذا والله فقر نصيح، هذا ضرّ مدقع، ما هذا؟ قلت: هو والله ما ترى، فأنفذ إلى داره فاستدعى فرشا وآلة وقماشا وغلمانا، وجاء فراشوه ففرشوا ذلك، وجاءوا من الصفر والشمع وغير ذلك بما يحتاج إليه، وجاء طباخه بما كان في مطبخه، وهو شيء كثير بآلات ذلك، وجاء شرابيّه بالأواني والمخروط والفاكهة وآلة التبخير والبخور وألوان الأنبذة، وجلس يومه ذلك وليلته عندي يشرب على غنائي وغناء مغنية أحضرتها كنت ألفتها، فلما كان من الغد سلّم إلى غلامه كيسا فيه ألف درهم ورزمة ثياب صحاح ومقطوعة من فاخر الثياب، واستدعى محفته فجلس فيها وشيعته، فلما بلغ آخر الصحن قال: مكانك يا أبا الحسن، احفظ بابك فكلّ ما في دارك لك، فلا تدع أحدا يحمل منه شيئا، وقال للغلمان: اخرجوا، فخرجوا بين يديه، وأغلقت الباب على قماش بألوف كثيرة. وأنشد السلامي لجحظة في سعد الحاجب [٢] : يا سعد إنك قد خدمت ثلاثة ... كلّ عليه منك وسم لائح

стр. 216

وأراك تخدم رابعا لتميته ... رفقا به فالشيخ شيخ صالح يا خادم الوزراء انك عندهم ... سعد ولكن أنت سعد الذابح وحدث جحظة قال: دخلت وأنا في بقايا علة على كاتب (قال ابن بشران: على هارون بن غريب الخال) فقدم إلينا مضيرة عصبان فأمعنت فيها، فقال: جعلت فداك أنت عليل، وبدنك نحيل، والعصب ثقيل، واللبن يستحيل، فقلت له: والعظيم الجليل، المفضل المنيل، لا تركت منها كثير ولا قليل، وحسبنا الله ونعم الوكيل. فغضب عليّ فضربني عشرين مقرعة فقلت [١] : ولي صاحب لا قدّس الله روحه ... وكان من الخيرات غير قريب أكلت عصيدا عنده في مضيرة ... فيا لك من يوم عليّ عصيب قال: ودخلت إليه يوما آخر فقدم إليّ لوزينجا لها أيام وقد حمضت، فأخذت أمعن في أكلها، فقال لي: إن اللوزينج إذا كان بالجوز أسخن، وإذا كان باللوز ألحم، فقلت: نعم يا سيدي إذا كان لوزينجا وأما إذا كانت مصوصا فلا. وحدث عبد الله بن المعتز قال: عربد ابن أبي العلاء على جحظة بحضرتي فأمرت بتنحية جحظة إلى أن رضي أحمد، فكتب إليّ جحظة: أليس من العجائب أن مثلي ... يقام لأحمد بن أبي العلاء ولي نفس أبت الا ارتفاعا ... فأضحت كالسماء على السماء لقد غضب الزمان على أناس ... فأبلاهم بأولاد الزناء في «تاريخ دمشق» قال جحظة سلمت على بعض الرؤساء وكان مبخلا، فلما أردت الانصراف قال لي: يا أبا الحسن أيش تقول في قطائف بائتة؟ ولم يكن له بذلك عادة، فقلت: ما آبى ذلك، فأحضر لي جاما فيه قطائف قد خمّت، فأوجعت فيها وصادفت مني مسغبة، وهو ينظر إليّ شزرا، فقال لي: يا أبا الحسن إن القطائف إذا كانت بجوز أتخمتك، وإذا كانت بلوز أبشمتك، قال فقلت: هذا إذا كانت قطائف،

стр. 217

فأما إذا كانت مصوصا فلا، وعملت لوقتي هذه الأبيات [١] : دعاني صديق لي لأكل القطائف ... فأمعنت فيها آمنا غير خائف فقال: وقد أوجعت بالأكل قلبه ... رويدك مهلا فهي إحدى المتالف فقلت له: ما إن سمعنا بهالك ... ينادى عليه يا قتيل القطائف قال عبد الله بن المعتز: كتب إليّ جحظة في يوم مطير: انصرفت من عندك جعلني الله فداك وقد كنّا عقدنا موعدا للقاء، ثم منعني من المصير إليك ما نحن فيه من انقطاع شريان الغمام، فتفضّل ببسط العذر لعبدك إن شاء الله. ومن شعر جحظة [٢] : وليل في جوانبه حران ... فليس لطول مدته انقضاء عدمت مطالع الإصباح فيه ... كأنّ الصبح جود أو وفاء وله أيضا: رحلتم فكم من أنة بعد زفرة ... مبيّنة للناس شوقي إليكم وقد كنت أعتقت الجفون من البكا ... فقد ردّها في الرقّ حزني عليكم وحدث أبو الفرج الأصبهاني قال: دعاني أبو محمد ابن الشار يوما ودعا جحظة، وأطال حبس الطعام جدا، وجاع جحظة فأخذ دواة وبياضا وكتب [٣] : مالي وللشار وأولاده ... لا قدّس الوالد والوالده قد حفظوا القرآن واستعملوا ... ما فيه إلا سورة المائده ورمى بها إليّ فقرأتها ودفعتها إلى ابن الشار، فقرأها ووثب مسرعا فقدم المائدة، فقاطعه جحظة فكان يجهد جهده أن يجيئه فلا يفعل، فإذا عاتبناه قال: لا والله حتى يحفظ تلك السورة.

стр. 218

وله أيضا: يطول عليّ الليل حتى أملّه ... فأجلس والنوام في غفلة عني فلا أنا بالراضي من الدهر فعله ... ولا الدهر يرضى بالذي ناله مني قال أبو علي حدثني أبو القاسم الحسين بن علي البغدادي، وكان أبوه ينادم ابن الحواري ثم نادم البريديين بالبصرة وأقام بها سنين، قال: كان جحظة سخيف الدين، وكان لا يصوم شهر رمضان، وكان يأكل سرا، فكان عند أبي يوما في شهر رمضان مسلما فاحتبسه، فلما كان نصف النهار سرق من الدار رغيفا ودخل المستراح وجلس على المقعدة، واتفق أن دخل أبي فرآه فاستعظم ذلك وقال: ما هذا يا أبا الحسن؟ فقال: أفتّ لبنات وردان ما يأكلون فقد رحمتهم من عذاب الجوع. ومن شعر جحظة [١] . إن كنت ترغب في الزيا ... رة عند أوقات الزياره فدع الشتيمة للغلا ... م إذا دنوت من الغضاره ومن مطبوع شعر جحظة: وإذا جفاني صاحب ... لم أستجز ما عشت قطعه وتركته مثل القبو ... ر أزورها في كلّ جمعه وحدث جحظة في أماليه: دخلت إليّ عريب المأمونية مع شروين المغني وأبي العنبس المغني وأنا يومئذ غلام عليّ قباء ومنطقة وأنكرتني وسألت عني فأخبرها شروين وقال لها: هذا فتى من أهلك. هذا ابن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد البرمكي، وهو يغني بالطنبور، فأدنتني وقربت مجلسي ودعت بطنبور وأمرتني أن أغني، فغنيت أصواتا فقالت: أحسنت يا بنيّ ولتكوننّ مغنيا، ولكن إذا حضرت بين هذين الأسدين ضعت أنت وطنبورك- تعني بين عوديهما- وأمرت لي بمائة دينار. وأنشد لنفسه في أماليه: دعيني من العذل أين الكبير ... بحرمة معبودك الأكبر

стр. 219

فلست بباك على ظاعن ... ولا طلل محول مقفر ولكن بكائي على ماجد ... أراد نوالا فلم يقدر وأنشد فيه لنفسه: مرضت فلم يعدني في شكاتي ... من الإخوان ذو كرم وخير فإن مرضوا وللأيام حكم ... سينفذ في الكبير وفي الصغير غدوت على المدامة والملاهي ... وإن ماتوا خريت [١] على القبور وأنشد فيه لنفسه: يا راقدا ونسيم الورد منتبه ... في رقّة القفص [٢] والأطيار تنتحب الورد ضيف فلا تجهل كرامته ... وهاتها قهوة في الكاس تلتهب سقيا له زائرا تحيا النفوس به ... يجود بالوصل حينا ثم يجتنب تبا لحرّ رآه وهو ذو جدة ... لم يقض من حقّه بالشرب ما يجب وقال جحظة: ناديت عمرا وقد مالت بجانبه ... مدامة أخذت بالرأس والقدم قد لاح في الدير نار الراهبين وقد ... ناداك بالصبح ناقوساهما فقم فقام يعثر في أثواب نعسته ... لبزل صافية كالنجم في الظلم فاستلّها وشدا والكأس في يده ... «سلّم على الربع من سلمى بذي سلم» لو دام لي في الورى خلّ وعاتقة ... لما حفلت بذي قربى ولا رحم ولا بكرت إلى جلف [٣] لنائله ... ولا التفتّ إلى شيء من النعم حدث أبو علي المحسن بن علي بن محمد قال [٤] : كان الحسن بن مخلد أكرم الناس في بذل المال وأبخلهم بطعامه، فكان يحضر ندماؤه على مائدته فلا يستجرىء

стр. 220

أحد منهم أن يشعّث شيئا البتة، وينزهون أنفسهم عند رفع المائدة بمسح أيديهم بلحاهم، وله في ذلك قصص عجيبة؛ قال جحظة: ربحت بأكلة أقريتها مع الحسن بن مخلد خمسمائة دينار وخمسمائة درهم وخمسة أثواب فاخرة وعتيدة طيب سريّة، فقيل له: كيف كان ذلك؟ فقال: كان الحسن بن مخلد بخيلا على الطعام سمحا بالمال، وكان يأخذ ندماءه بغتة فيسقيهم النبيذ ويواكلهم، فمن أكل قتله قتلا، ومن شرب معه على الخسف [١] حظي عنده، قال: فكنت عنده يوما فقال لي: يا أبا الحسن قد عملت غدا على الصبوح الجاشريّ فبت عندي، فقلت: لا يمكنني ولكني أباكرك قبل الوقت، فعلى أيّ شيء عملت أن تصطبح؟ فقال: قد أعدّ لنا كذا وكذا، ووصف ما تقدم به إلى الطباخ بعمله، فعقدنا الرأي على أن أباكره، وقمت وجئت إلى منزلي ودعوت طباخي فتقدمت إليه بأن يصلح لي مثل ذلك بعينه ويفرغ منه وقت العتمة، ففعل، ونمت وقمت وقد مضى نصف الليل، فأكلت ما أصلح، وغسلت يدي، وأسرج [لي] وأنا عامل على المضيّ إليه إذا طرقتني رسله، فجئته فقال: بحياتي أكلت؟ قلت: أعيذك بالله، انصرفت من عندك قبل الغروب، وهذا نصف الليل، فأيّ وقت أصلح لي شيء؟ أو أي وقت أكلت شيئا؟ اسأل غلمانك على أيّ حال وجدوني، فقالوا: وجدناه يا سيدنا وقد لبس ثيابه، هو ينتظر أن يفرغ له من إسراج بغلته ليركبها، فسرّ بذلك سرورا شديدا وقدّم الطعام فما كان فيّ فضل أشمه، فأمسكت عن تشعيثه ضرورة وهو يستدعي أكلي، ولو أكلت أحلّ دمي، قال: وكذا كانت عادته، فأقول هو ذا آكل يا سيدي، وفي الدنيا أحد يأكل أكثر من هذا؟! وانقضى الأكل وجلسنا على الشرب، فجعلت أشرب بأرطال وهو يفرح، وعنده أني أشرب على الريق أو على ذلك الأكل الذي خلست معه، ثم أمرني بالغناء فغنيت، فاستطاب ذلك وطرب وشرب أرطالا، فلما رأيت النبيذ قد عمل فيه قلت: يا سيدي تطرب أنت على غنائي فأنا على أي شيء أطرب؟ فقال: يا غلام هات دواة، فأحضرت فكتب لي رقعة ورمى بها إليّ وإذا هي على صيرفيّ يعامله بخمسمائة دينار، فأخذتها وشكرته، ثم غنيته وطرب وزاد سكره، فطلبت منه ثيابا فخلع عليّ خمسة

стр. 221

أثواب، ثم أمر أن يبخّر كلّ من بين يديه، فأحضرت عتيدة حسنة سريّة فيها طيب كثير، فأخذ الغلمان يبخّرون منها الناس، فلما انتهوا إليّ قلت: يا سيدي وأنا أرضى أن أتبخر حسب؟ فقال لي: ما تريد؟ قلت: أريد نصيبي من العتيدة، قال: قد وهبتها لك، فأخذتها، وشرب بعد ذلك رطلا واتكأ على مسورته، وكذا كانت عادته إذا سكر، فقام الناس من مجلسه وقمت وقد طلع الفجر وأضاء، وهو وقت يبكر الناس في حوائجهم، فخرجت كأني لصّ قد خرج من بيت قوم على قفا غلامي الثياب والعتيدة كارة، فصرت إلى منزلي ونمت نومة ثم ركبت إلى درب عون أريد الصيرفي، فأوصلت إليه الرقعة، فقال: يا سيدي أنت الرجل المسمّى في التوقيع؟ قلت: نعم، قال: أنت تعلم أن أمثالنا يعاملون للفائدة، قلت: أجل، قال: ورسمنا أن نعطى في مثل هذا ما يكسر في كلّ دينار، درهما، فقلت له: لست أضايقك في هذا القدر، فقال: ما قلت هذا لأربح عليك الكثير، أيما أحبّ إليك أن تأخذ كما يأخذ الناس وهو ما قد عرّفتك، أو تجلس مكانك إلى الظهر حتى أفرغ من شغلي ثم تركب معي إلى داري فتقيم عندي اليوم والليلة تشرب، فقد والله سمعت بك وكنت أتمنى أن أسمعك، ووقعت الآن لي رخيصا، فإذا فعلت هذا دفعت إليك الدنانير من غير خسران، فقلت: أقيم عندك، فجعل الرقعة في كمه وأقبل على شغله، فلما دنت الظهر جاء غلامه ببغلة فارهة فركب وركبت معه، وصرنا إلى دار سريّة حسنة بفاخر الفرش والآلات ليس فيها إلا جوار روم للخدمة من غير فحل، فتركني في مجلسه ودخل ثم خرج بثياب أولاد الخلفاء من حمام داره وتبخر وبخرني بيده بندّ عتيق جيد، وأكلنا أسرى الطعام وأنظفه، وقمنا إلى مجلس سريّ للشرب فيه فواكه وآلات بمال، وشربنا ليلتنا، فكانت ليلتي عنده أطيب من أختها عند الحسن بن مخلد، فلما أصبحنا أخرج كيسين في أحدهما دنانير وفي الآخر دراهم، فوزن خمسمائة دينار وخمسمائة درهم وقال: يا سيدي تلك ما أمرت به وهذه الدراهم هدية مني إليك، فأخذتها وانصرفت، وصار الصيرفي صديقي وداره لي. وقال [١] وحدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف التنوخي قال حدثني أبو علي

стр. 222

ابن الأعرابي الشاعر قال: كنت في دعوة جحظة، فأكلت وجلسنا نشرب وهو يغني، إذ دخل رجل فقدّم إليه جحظة زلّة كان زلّها من طعامه ونحن نأكل، وكان بخيلا على الطعام، قال: وكأنّ الرجل كان طاويا، طاوي سبع، فأتى على الزلّة، ورفع الطيفورية فارغة وجحظة يرمقه بغيظ، ونحن نلمح جحظة ونضحك، فلما فرغ قال له جحظة: تلعب معي بالنرد؟ قال: نعم فوضعاه بينهما ولعبا، فتوالى اللعب على جحظة من الرجل بأن تجيء الفصوص على ما يريد من الأعداد، ويكره جحظة، فأخرج جحظة رأسه من قبّة الخيش رافعا له إلى السماء، وقال كأنه يخاطب الله جلّ وعزّ: لعمري إني أستحقّ هذا لأني أشبع من أجعته. قلت: ما. شد تباعد ما بين هذين الخبرين وخبر رواه التنوخي [١] أيضا عن أبي العباس ابن المنجم [٢] قال: سمعت أبا عبد الله الموسوي العلوي [٣] يقول: قصدني أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد [٤] في أيام تدبيره الأمر قصدا قبيحا، وعمل لي كتّابه مؤامرة [٥] في خراجاتي بمائة ألف درهم، أكثرها واجب [عليّ] وباقيها كالواجب، وأحضرني للمناظرة عليها واعتقلني في داره، فضقت ذرعا بما نزل بي، وعلمت أن المال سيلزمني إذا نوظرت، وأنه يؤثر في حالي ويهتك جاهي، فلم أدر ما أصنع، فشاورت بعض من يختصّ به فقال: طمعه فيك والله قويّ وما ينفعك معه شيء غير المال، فقلت له: ففكّر في حيلة أو مخادعة، ففكر ثم قال: لا أعرف لك دواء إلا شيئا واحدا إن سمحت به نفسك وتركت العلوية عنك وفعلته نجوت، قلت: ما هو؟ قال: هو رجل سمح على الطعام محبّ لآكله على مائدته موجب لحرمته،

стр. 223

وأرى لك إذا وضع طعامه أن تخرج إليه فإنك معه في الدار، ولا يمنعك الموكلون من ذلك، فتجيء بغير إذن فتجلس على المائدة وتأكل وتنبسط، وتخاطبه في أمرك عقيب الأكل، وتسأله وترفق به وتخضع له، فإنه يسامحك بأكثرها ويقرب ما بينك وبينه، فشقّ ذلك عليّ، ثم نظرت فإذا وزن المال أشقّ منه، وكان أبو جعفر لا يأكل إلا بعد المغرب في كلّ يوم أكلة، فلم آكل ذلك اليوم شيئا، وراعيت مائدته، فلما وضعت قمت فقال الموكلون: إلى أين؟ قلت: الى مائدة الوزير، فما قدروا أن يمنعوني، فلما رأى أبو جعفر أكبر ذلك وتهلّل وجهه وقال: إلى عندي يا سيدي، وأجلسني إلى جنبه، فأقبلت آكل وأنبسط في الأكل والحديث إلى أن رفعت المائدة واستدعاني إلى موضعه، فغسلت يدي بحضرته، فلما فرغت أردت أن أبتدئه بالخطاب، فقال لي: قد آذيتك يا سيدي يا أبا عبد الله بتأخرك عن منزلك، فامض إلى بيتك وما أخاطبك بشيء مما في نفسي ولا مما أردت مخاطبتك به، ولا مطالبة عليك من جهتي بعدما تفضلت به، فشكرته وقلت: إن رأى سيدنا أيده الله أن يتمم معروفه بتسليم المؤامرة إليّ فعل، فقال: هاتموها، فما برحت إلا وهي في خفي، وانصرفت إلى منزلي وقد سقط المال عني، ولزمته للسلام، وصرت أتعمّد مواكلته والتخصص به، فسلمت طول أيامه وسلم جاهي ومالي عليّ إلى أن مضى لسبيله. قلت: هذا حسن من فعله مع عسف كان فيه بالرعية في جباية المال لم يسبق إليها، ولا تبعه بعده أحد في مثلها، فكانت له أفعال منكرة منها أنه استدعى العيارين وضمّنهم ما يسرقونه من أموال الناس. وكتب جحظة إلى أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله المسمعي، وكان قائدا جليلا تقلد البصرة وفارس [١] : إليك أبا اسحاق مني رسالة ... تزين الفتى إن كان يعشق زينه لقد كنت غضبانا على الدهر زاريا ... عليه فقد أصلحت بيني وبينه وكان أبو إسحاق هذا أديبا شاعرا، ومن شعره: ألاطف من أجله أهله ... وكلّ إليّ حبيب قريب

стр. 224

وأسأل عن غيره قبله ... لأبطل ظنّ الذي يستريب وأنشد جحظة لنفسه في أماليه: قد نلتم صحة ما نالها بشر ... وحزتم نعمة ما نالها [١] ملك فليت شعري أمقدار تعمّدكم ... بما أتاكم به أم وسوس الفلك وأنشد جحظة في أماليه [٢] : يا من دعاني وفرّ مني ... أخلفت والله حسن ظني قد كنت أرضى بخبز رزّ ... ومالح أو قليل بن وسكرة من نبيذ دبس ... أقام يوما بقعر دن فكيف يغلو بما ذكرنا ... مساعد شاعر مغنّي وحدث جحظة في أماليه قال [٣] : كنت أشرب عند بعض إخواني بباب حرب في ناعورة ثابت الرصاصي في يوم قطر، ومعنا شيخ خضيب حسن البزة متصدر، فتجارينا ذكر المطر وما جاء فيه من الخبر، فقال الشيخ: حدثوا يا سيدي عن النبي ﷺ وعلى صاحبيه بابكر وبا حفص وعلى النبيين السريين منكر ونكير وعلى عمرو بن العاص قاتل الكفار يوم غدير خم وصاحب راية النبي يوم القطائف (يريد يوم الطائف) ان النبي ﷺ قال: «ما من قطرة تنزل من السماء إلا ومحّا ملك يتّبحّا حتى يضحّا في موضحّا ثم يصعد ويدحّا» ، فقلت له: يا شيخ فالقطر يقع في الكنيف والملك ينزل معه؟ قال: نعم يا سيدي فيهم ما في الناس من الدناءة والخسة. وأنشد جحظة لنفسه في أماليه: قالت غلالته القصب ... لما تثنّى واضطرب أترى جنيت جناية ... حتى صلبت على الخشب قال جحظة في أماليه: استهديت من بعض إخواني دواة فأخّرها عني، ثم

стр. 225

اجتمعنا في مجلس أبي العباس ثعلب فقلت لأبي العباس: ما أراد الشاعر بقوله: أحاجيك ما قبر عديم ترابه ... به معشر موتى وإن لم يكفّنوا سلوت عن التبيان مدة قبرهم ... فإن نبشوا يوما من الدهر بينوا فسكت ساعة ثم قال: الدواة، فلما انصرفت إلى منزلي إذا الدواة قد سبقتني إليه. قال جحظة: دعوت فضيلا الأعرج، وكان عندنا جماعة، فكتب إلينا: أنا في منزلي وقد رزق الله ... نديما ومسمعا وعقارا فاعذروني بأن تخلفت عنكم ... «شغل الحلي أهله أن يعارا» ومثله لغيره [١] : حيّ طيفا من الأحبة زارا ... بعد أن نوّم الكرى السّمارا داعيا في الوصال تحت دجى ... الليل عيونا عن الوصال سهارى قلت ما بالنا جفينا وكنّا ... قبل ذاك الأسماع والأبصارا قال إنا كما عهدت ولكن ... «شغل الحلي أهله أن يعارا» قال جحظة: وسألت الحسن بن مخلد حاجة فقال: إذا كان بعد ثلاث عرّفتك، فقلت: يا سيدي تعدني أن تعدني. قال جحظة في أماليه: كنت جالسا عند صديق لي، فجاءه رقعة من منزله فلما نظر فيها ضرط، فحادثته ساعة واغتفلته وأخذتها وإذا فيها: قد فني الدقيق وغدا الخبزة. وأنشد لنفسه في أماليه يقول: يقول لي مالكي والدمع منحدر ... لا خفّف الله ربّ العرش بلواكا وإن دعوت عليه عند معتبة ... يقول قلبي له في السرّ حاشاكا

стр. 226

وأنشد أيضا لنفسه في أماليه: ما أنصفتني يد الزمان ولا ... أدركني غير حرفة الأدب لا حفظ الله حيثما سلكت ... أمي وأير الحمار في است أبي ما تركا درهما أصون به ... وجهي يوما عن ذلّة الطلب - ٧٠- أحمد بن جميل بن الحسن بن جميل أبو منصور : أديب أريب فاضل كامل، له يد باسطة في النظم والنثر، وهو من أهل بغداد وكان يسكن باب الأزج، ذكره أبو الفرج ابن الجوزي في مذيّله على صدقة بن الحسن فقال: كانت له معرفة بالأدب جيدة وله كتاب مقامات حذو الحريري [١] . وله فضل، ومات في شهر ربيع الآخر سنة سبع وسبعين وخمسمائة. - ٧١- أحمد بن حاتم أبو نصر الباهلي صاحب الأصمعي : روى عن الأصمعي كتبه، وقال أبو العباس محمد بن أحمد القمري [٢] الإسكافي النحوي: كان أبو نصر ابن أخت الأصمعي؛ وقال أبو الطيب في «كتاب مراتب النحويين» [٣] : زعموا أن أحمد بن حاتم كان ابن أخت الأصمعي وليس هذا بثبت، رأيت جعفر ابن باسويه [٤]

стр. 227

ينكره. وكان أثبت من عبد الرحمن يعني ابن أخي الأصمعي وأسنّ، وكان يضيق على ابن الأعرابي مسكه [١] . وقد أخذ عن الأصمعي وأبي عبيدة وأبي زيد، وأقام ببغداد، وربما حكى الشيء بعد الشيء عن أبي عمرو الشيباني، ومات فيما ذكره هو وأبو عبد الله بن الأعرابي وعمرو بن أبي عمرو الشيباني في سنة احدى وثلاثين ومائتين وقد نيف على السبعين. وحدث المرزباني [٢] عن أبي عمر الزاهد، قال، قال ثعلب: دخلت على يعقوب بن السكيت وهو يعمل «إصلاح المنطق» فقال: يا أبا العباس رغبت عن كتابي فقلت له: كتابك كبير وأنا عملت الفصيح للصبيان، ثم قال لي: سر معي إلى أبي نصر صاحب الأصمعي، فمضيت معه فلما كنا في الطريق قال: قد سألت أبا نصر عن بيت شعر فأجابني جوابا لم أرضه، أفأعيده عليه؟ فقلت: لا تفعل فإن عنده أجوبة، وقد أجابك ببعضها فلما دخلت عليه سأله عن البيت فقال له: يا مؤاجر ما أنت وهذا؟ وأنا قربتك حتى رموني بك؟! عندي عشرون جوابا في هذا، وخجل من ذلك وخرجنا، فقلت له، لا مقام لك هاهنا، اخرج من سرّ من رأى واكتب إليّ بما تحتاج إليه لأسأل عنه وأعرفك إياه. وحكي عن الأصمعي انه كان يقول: ما يصدق عليّ الا أبو نصر، وكان ثقة مأمونا. ولأبي نصر من التصانيف: كتاب الشجر والنبات. كتاب اللبأ واللبن. كتاب الابل. كتاب أبيات المعاني. كتاب اشتقاق الأسماء. كتاب الزرع والنخل. كتاب الخيل. كتاب الطير. كتاب ما يلحن فيه العامة. كتاب الجراد. وذكره حمزة في «كتاب أصبهان» قال: ولما أقدم الخصيب بن أسلم [٣] أبا محمد الباهليّ صاحب الأصمعي إلى أصبهان نقل معه مصنفات الأصمعي وأشعار شعراء الجاهلية وشعراء الاسلام مقروءة على الأصمعي، وكان قدومه اصبهان بعد سنة

стр. 228

عشرين ومائتين فأقام أشهرا، ثم تأهب منها للحج، فدخل إلى عبد الله بن الحسن وسأله أن يدله على رجل يسلّم إليه دفاتره إلى أن يرجع، فقال له: عليك بمحمد بن العباس وكان مؤدب أولاد عبد الله بن الحسن مقبول القول، فسلم الباهلي إليه دفاتره وخرج، فانسخها محمد بن عبد الله الناس، فقدم الباهلي وقامت قيامته، ودخل إلى عبد الله بن الحسن وذكر له ما كان يأمل في دفاتره من التكسب بها، فجمع له عبد الله بن الحسن من أهل البلد عشرة آلاف درهم، ووصله الخصيب بعشرين ألفا فتناولها ورجع إلى البصرة. - ٧٢- أحمد بن الحارث بن المبارك الخراز أبو جعفر راوية أبي الحسن المدائني والعتابي: كان راوية مكثرا موصوفا بالثقة وكان شاعرا، وهو من موالي المنصور. ومات الخراز- فيما ذكره قانع ورواه المرزباني عنه- في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائتين وكان ينزل في باب الكوفة فدفن في مقابرها، وقيل مات في سنة تسع وخمسين. وذكره المرزباني في «المقتبس» [١] فقال: حدثني علي بن هارون قال أخبرني عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر عن أبيه عن محمد بن صالح بن النطاح مولى بني هاشم عن أبيه قال: طلب المنصور رجالا يجعلهم بوابين له، فقيل له لا يضبطهم إلا قوم لئام الأصول أنذال النفوس صلاب الوجوه، ولا تجدهم إلا في رقيق اليمامة، فاشتري له مائتا غلام من اليمامة فصيّر بعضهم بوابين وبقي الباقون، فكان ممن بقي خلال جد أبي العيناء محمد بن القاسم بن خلال وحسان بن إبراهيم بن عطار جد أحمد بن الحارث الخراز. وقال المرزباني، أخبرني محمد بن يحيى، قال حدثني الحسين بن إسحاق،

стр. 229

قال أنشدت أحمد بن الحارث شعرا للبحتري، فعاب منه شيئا، فبلغ البحتري فقال [١] : الحمد لله على ما أرى ... من قدر الله الذي يجري ما كان ذا العالم من عالمي ... يوما ولا ذا الدهر من دهري يعترض الحرمان في مطلبي ... ويحكم الخراز في شعري وروى محمد بن داود لأحمد بن الحارث في إبراهيم بن المدبّر وحاجبه بشر: وجه جميل وصاحب صلف ... كذاك أمر الملوك يختلف فأنت تلقى بالبشر واللّط ... ف وبشر يلقاهم به جنف يا حسن الوجه والفعال ويا ... أكرم وجه سما به شرف ويا قبيح الفعال بالحاجب ال ... غثّ الذي كلّ أمره نطف فأنت تبني وبشر يهدمه ... والمدح والذمّ ليس يأتلف وذكره أبو بكر الخطيب فقال [٢] : كان الخراز ذا فهم ومعرفة صدوقا سمع من المدائني كتبه كلها، وهو بغداديّ روى عنه السكري وابن أبي الدنيا وغيرهما. وكان [٣] كبير الرأس طويل اللحية كبيرها حسن الوجه كبير الفم ألثغ، خضب قبل موته بسنة خضابا قانئا، فسئل عن ذلك فقال: بلغني أن منكرا ونكيرا إذا حضرا ميتا فرأياه خضيبا قال منكر لنكير: تجاف عنه. ومن سائر شعره قوله: إني امرؤ لا أرى بالباب أقرعه ... إذا تنمّر دوني حاجب الباب ولا ألوم امرءا في ردّ ذي شرف ... ولا أطالب ودّ الكاره الآبي ولما قتل بغا التركي باغرا التركيّ وهاجت الأتراك على المستعين بالله وخافهم

стр. 230

وانحدر من سرّ من رأى إلى بغداد في سنة احدى وخمسين ومائتين في المحرم [١] قال أحمد بن الحارث [٢] : لعمري لئن قتلوا باغرا ... لقد هاج باغر حربا طحونا وفرّ الخليفة والقائدان ... بالليل يلتمسون السفينا وحلّ ببغداد قبل الشروق ... فحلّ بهم منه ما يكرهونا فليت السفينة لم تأتنا ... وغرّقها الله والراكبينا هي قصيدة يذكر فيها الحرب وصفتها. وقال أحمد بن الحارث في بشر حاجب إبراهيم بن المدبر: قد تركناك لبشر ... وتركنا لك بشرا وذكره محمد بن إسحاق النديم في كتابه وقال: له من الكتب: كتاب المسالك والممالك. كتاب أسماء الخلفاء وكتابهم [٣] والصحابة. كتاب مغازي البحر في دولة بني هاشم وذكر أبي حفص صاحب أقريطش. كتاب القبائل. كتاب الأشراف. كتاب ما نهى النبي ﷺ عنه. كتاب أبناء السراري. كتاب نوادر الشعراء. كتاب مختصر كتاب البطون. كتاب مغازي النبي ﷺ وسراياه وأزواجه. كتاب أخبار أبي العباس. كتاب الأخبار والنوادر. كتاب سجية [٤] البريد. كتاب النسب [٥] . كتاب الحلائب والرهان. كتاب جمهرة نسب الحارث بن كعب وأخبارهم في الجاهلية [٦] .

стр. 231

- ٧٣- أحمد بن الحسن بن إسماعيل أبو عبيد الله السكوني الكندي النسابة: كان له اختصاص بالمكتفي ثم بالمقتدر، ذكره أبو الحسن محمد بن جعفر بن النجار الكوفي في «تاريخ الكوفة» وقال: انه كان ممن أخذ عن ثعلب الأدب، وكان مليح المجلس حسن الترسّل متمكنا من نفسه، هذا لفظ ابن النجار بعينه. وحكى ابن النجار عن أبي عبيد الله قال، قال [لي] ابن عبدة [١] النساب: ما عرف النسّاب أنساب العرب على حقيقة حتى قال الكميت النزاريات فأظهر بها علما كثيرا، ولقد نظرت في شعره فما رأيت أحدا أعلم منه بالعرب وأيامها. قال أبو عبيد الله: فلما سمعت هذا جمعت شعره فكان عوني على التصنيف لأيام العرب. ورأيت أنا لأبي عبد الله كتابا في أسماء مياه العرب، ونقلته، غير تامّ [٢] . - ٧٤- أحمد بن الحسين بن القاسم بن الحسن أبي علي ، أبو بكر، يلقب الفلكي، جدّ أبي الفضل الفلكي الحافظ الهمذاني: قال شيرويه: روى عن الحسن بن الحسين التميمي وأبي الحسن علي بن الحسن بن سعد البزاز وأبي بكر عمر بن سهل الحافظ، روى عنه ابناه أبو عبد الله الحسين وأبو الصقر الحسن، قال: وكان إماما جامعا في كل فنّ عالما بالأدب والنحو والعروض وسائر العلوم، وخصوصا في علم الحساب فإنه كان يقال له الحاسب، وكذلك لقب بالفلكي، وكان هيوبا [٣] ذا حشمة ومنزلة عند الناس، مات في ذي القعدة سنة أربع وثمانين وثلاثمائة وهو ابن خمس وثمانين سنة.

стр. 232

- ٧٥- أحمد بن الحسن بن محمد بن اليمان بن الفتح الديناري أبو عبد الله: رجل أديب إلا أن الغالب عليه الخط، وذكرنا له إنما لحسن خطّه الذي بلغ فيه الغاية، وقال الوزير عميد الدولة أبو سعد ابن عبد الرحيم في أخبار ابنه عبد الجبار بن أحمد: وكان والده أبو عبد الله الديناري مقدّما مكرّما يزوّر بحسن خطّه على أبي عبد الله ابن مقلة تزويرا لا يكاد يفطن له. وله ولد أديب يقال له أبو يعلى عبد الجبار ذكر في بابه [١] . - ٧٦- أحمد بن الحسين يعرف بابن شقير أبو بكر : هو أحمد بن الحسين بن العباس بن الفرج النحوي، أخذ عن أحمد بن عبيد بن ناصح، وكان مشهورا برواية كتب الواقدي عن أحمد بن عبيد عنه، ومات في صفر سنة سبع عشرة وثلاثمائة في خلافة المقتدر، وهو في طبقة أبي بكر السراج. وله تصانيف منها: كتاب مختصر في النحو. كتاب المقصور والممدود. كتاب المذكر والمؤنث. قرأت في كتاب ابن مسعر [٢] أنّ الكتاب الذي ينسب إلى الخليل ويسمى «الجمل» أنه من تصنيف ابن شقير هذا، قال يقول فيه: النصب على أربعين وجها [٣] .

стр. 233

- ٧٧- أحمد بن الحسين بن مهران المقرىء أبو بكر النيسابوري قال الحافظ أبو القاسم: أصله من أصبهان، سكن نيسابور. قال الحاكم: هو إمام عصره في القراءات وأعبد من رأينا من القراء، وكان مجاب الدعوة، مات في السابع والعشرين من شوال سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وهو يوم مات ابن ستّ وثمانين سنة، وصلينا عليه في ميدان الطاهرية، وتوفي ذلك اليوم أبو الحسن العامري صاحب الفلسفة [١] . قال الحاكم: فحدثني عمر بن أحمد الزاهد قال: سمعت الثقة من أصحابنا يذكر أنه رأى أبا بكر ابن الحسين بن مهران، ﵀، في المنام في الليلة التي دفن فيها، قال فقلت: أيها الأستاذ ما فعل الله بك؟ فقال: إن الله أقام أبا الحسن العامري بحذائي وقال: هذا فداؤك من النار. ثم ذكر الحاكم باسناد رفعه الى أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله ﷺ : «إذا كان يوم القيامة أعطى الله كلّ رجل من هذه الأمة رجلا من الكفار فيقول هذا فداؤك من النار. وهذا الخبر إذا قرن بالرؤيا صار من براهين الشرع. قال الحاكم: سمع ابن مهران بنيسابور أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة وأبا العباس السراج الثقفي وأبا العباس الماسرجسي. وله من التصانيف: كتاب الشامل. كتاب الغاية [٢] . كتاب قراءة أبي عمرو. كتاب غرائب القراءات. كتاب وقوف القرآن. كتاب الانفراد. كتاب شرح المعجم. كتاب شرح التحقيق. كتاب اختلاف عدد السور. كتاب رؤوس الآيات. كتاب الوقف والابتداء. كتاب قراءة عبد الله بن عمرو. كتاب علل كتاب الغاية. كتاب المبسوط. كتاب آيات القرآن. كتاب الاتفاق والانفراد. كتاب المقطع والمبادىء.

стр. 234

قال الحاكم: سمعت أبا بكر ابن مهران يقول: قرأت على أبي علي محمد بن أحمد بن حامد الصفار المقرىء القرآن من أوله إلى آخره، وقال: قرأت القرآن من أوله إلى آخره على أبي بكر محمد بن سليمان بن موسى الهاشمي ببغداد، وقال: قرأت على قنبل بن عبد الرحمن بن محمد بن خالد بن سعيد بن خروجة المكي، وقال: قرأت على أبي الحسن النبال، وأخبرني أنه قرأ على ابن الاخريط وهب بن واضح، وقرأ ابن الاخريط على إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين، وقرأ ابن قسطنطين على شبل بن عباد ومعروف بن مسكان، فأخبراه أنهما قرءا على عبد الله بن كثير عن مجاهد عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب عن رسول الله ﷺ . قال الحاكم: ومحمد بن الحسين بن مهران الأديب الفقيه الكاتب أخو أبي بكر سمع عبد الله بن شيرويه و. قرانه، وسمع الكتب من أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة وأقرانه، ومات في شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وهو ابن نيّف وثمانين سنة. - ٧٨- أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد بديع الزمان الهمذاني أبو الفضل: قال أبو شجاع شيرويه بن شهردار في «تاريخ همذان» إن أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد بن بشر أبا الفضل الملقب ببديع الزمان سكن هراة، روى عن أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا وعيسى بن هشام الأخباري، وكان أحد الفضلاء والفصحاء، متعصبا لأهل الحديث والسنة، ما أخرجت همذان بعده مثله، وكان من مفاخر بلدنا، روى عنه أخوه أبو سعد ابن الصفار والقاضي أبو محمد عبد الله بن الحسين النيسابوري. قال: وتوفي في سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة. قال شيرويه: ومحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد بن بشر الصفار الفقيه أبو سعد أخو بديع الزمان أبي الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى لأبيه وأمه مفتي البلد. روى عن ابن لال وابن تركان وعبد الرحمن

стр. 235

الامام وأبي بكر محمد بن الحسين الفراء وابن جائحان، وذكر جماعة وافرة. قال: وأدركته ولم يقض لي عنه السماع، وكان في الحديث ثقة، ويتهم بمذهب الأشعرية، ويقال جنّ في آخر عمره إلى أن مات. وسمعت بعض أصحابنا يقول: كان يعرف الرجال والمتون، ولد في ثالث عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ومات- ولم يذكره وذكره الثعالبي- في سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، وكذا قال أبو نصر عبد الرحمن بن عبد الجبار الفامي في «تاريخ هراة» . قال المؤلف: وقد رأيت ذكر البديع في عدّة تصانيف من كتب العلماء، فلم يستقص أحد خبره أحسن مما اقتصّه الثعالبي، وكان قد لقيه وكتب عنه، فنقلت خبره من كتابه ولخصته من بعض سجعه قال: بديع الزمان، ومعجزة همذان، ونادرة الفلك، وبكر عطارد، وفرد الدهر وغرة العصر، ولم نر نظيره في الذكاء وسرعة الخاطر وشرف الطبع وصفاء الذهن وقوة النفس، ولم ندرك نظيره في طرف النثر وملحه، وغرر النظم ونكته، وكان صاحب عجائب وبدائع، فمنها أنه كان ينشد الشعر لم يسمعه قط، وهو أكثر من خمسين بيتا، إلا مرة واحدة فيحفظها كلّها ويؤديها من أولها إلى آخرها لا يخرم حرفا، وينظر في الأربعة والخمسة الأوراق من كتاب لم يعرفه ولم يره، نظرة واحدة خفيفة، ثم يهذّها عن ظهر قلبه هذّا ويسردها سردا، وهذا حاله في الكتب الواردة وغيرها، وكان يقترح عليه عمل قصيدة وإنشاء رسالة في معنى بديع وباب غريب فيفرغ منها في الوقت والساعة، وكان ربما كتب الكتاب المقترح عليه فيبتدىء بآخره ثم هلم جرا إلى أوله، ويخرجه كأحسن شيء وأملحه، ويوشّح القصيدة الفريدة من قيله بالرسالة الشريفة من إنشائه، فيقرأ من النظم النثر ويروي من النثر النظم، ويعطى القوافي الكثيرة فيصل بها الأبيات الرشيقة، ويقترح عليه كلّ عويص وعسير من النظم والنثر فيرتجله أسرع من الطرف، على ريق لا يبلعه ونفس لا يقطعه، وكلامه كله عفو الساعة وفيض اليد ومسارقة القلم ومسابقة اليد للفم. وكان يترجم ما يقترح عليه من الأبيات الفارسية المشتملة على المعاني الغريبة بالأبيات العربية، فيجمع فيها بين الإبداع والإسراع، إلى عجائب كثيرة لا تحصى، ولطائف تطول أن تستقصى. وكان مع ذلك مقبول الصورة حسن العشرة، وفارق همذان سنة ثمانين وثلاثمائة وهو مقتبل الشبيبة، غضّ الحداثة، وقد درس على أبي الحسين ابن

стр. 236

فارس وأخذ عنه جميع ما عنده واستنفد علمه. وورد حضرة الصاحب ابن عباد فتزود من ثمارها وحسن آثارها، ثم قدم جرجان وأقام بها مدة على مداخلة الإسماعيلية والتعيش في أكنافهم، واختصّ بالدهخداه [١] أبي سعد محمد بن منصور، ونفقت بضاعته لديه، وتوفر حظه من عادته المعروفة في إسداء الإفضال على الأفاضل. ولما أراد ورود نيسابور أعانه بما سيره إليها فوردها في سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة ونشر بها بزّه وأظهر طرزه، وأملى أربعمائة مقامة [٢] نحلها أبا الفتح الاسكندري في الكدية وغيرها، وضمنها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. ثم شجر بينه وبين الأستاذ أبي بكر الخوارزمي ما كان سببا لهبوب ريح الهمذاني وعلوّ أمره، إذ لم يكن في الحساب أن أحدا من العلماء ينبري لمساجلته، فلما تصدى الهمذاني لمباراته وجرت بينهما مقامات ومبادهات ومناظرات، وغلّب قوم هذا وغلّب آخرون ذاك، طار ذكر الهمذاني في الآفاق، وشاع ذكره في الأفّاق، ودرّت له أخلاف الرزق، فلما مات الخوارزميّ خلا له الجوّ وتصرفت به أحوال جميلة وأسفار كثيرة، ولم يبق من بلاد خراسان وسجستان وغزنة بلدة إلا دخلها وجنى ثمارها، ولا ملك له ولا وزير إلا واستمطر بنوئه وسرى في ضوئه، فحصلت له نعمة حسنة وثروة جميلة، وألقى عصاه بهراة فاتخذها دار قراره، وصاهر بها أبا علي الحسين بن محمد الخشنامي، وهو الفاضل الكريم الأصيل، وانتظمت أحواله بمصاهرته، واقتنى بمعونته ضياعا فاخرة، وحين بلغ أشدّه وأربى على أربعين سنة ناداه الله فلباه، وفارق دنياه في سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة. وهذا أنموذج من رسائله: فصل [٣] من رقعة كتبها إلى الخوارزمي، وهو أول ما كاتبه به: أنا لقرب الأستاذ: كما طرب النشوان مالت به الخمر [٤] .

стр. 237

ومن الارتياح للقائه: كما انتفض العصفور بلله القطر. ومن الامتزاج بولائه: كما التقت الصهباء والبارد العذب. ومن الابتهاج بمزاره: كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب. ومن رقعة إلى غيره [١] : يعزّ علي أن ينوب- أيد الله الشيخ- في خدمته قلمي عن قدمي، ويسعد برؤيته رسولي دون وصولي، ويرد مشرع الأنس به كتابي قبل ركابي، ولكن ما الحيلة والعوائق جمة: وعليّ أن أسعى ولى ... س عليّ إدراك النجاح وقد حضرت داره، وقبلت جداره، وما بي حبّ الحيطان، ولكن شغف بالقطّان، ولا عشق الجدران، ولكن شوق إلى السكان. وقال البديع وأراد التحميض- كما يقول أهل بغداد- ومعناه عندهم غير ذلك كقوله [٢] : ولقد دخلت ديار فارس مرة ... أبتاع ما فيها من الأعراض فإذا فسا فيها رجال سادة ... لهفي على ذاك الزمان الماضي فالسامع يرى أنه أراد فسا مدينة بفارس التي منها أبو علي الفسوي النحوي وإنما أراد فسا من الفسو، والضمير في «فيها» يريد به اللحية. وذكر أبو إسحاق الحصري في كتاب «زهر الآداب» [٣] وقد ذكر أبا الفضل الهمذاني بديع الزمان فقال: وهذا اسم وافق مسمّاه ولفظ طابق معناه، كلامه غضّ المكاسر أنيق الجواهر، يكاد الهواء يسرقه لطفا والهوى يعشقه ظرفا. ولما رأى أبا بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي أغرب بأربعين حديثا وذكر أنه استنبطها من ينابيع صدره، وانتخبها من معادن فكره، وأبداها للأبصار والبصائر، وأهداها إلى الأفكار والضمائر، في معارض حوشية، وألفاظ عنجهية، فجاء أكثرها تنبو عن قبوله الطباع،

стр. 238

ولا ترفع له حجب الأسماع، وتوسّع فيها، إذ صرّف ألفاظها ومعانيها، في وجوه مختلفة، وضروب منصرفة، عارضه بأربعمائة مقامة في الكدية تذوب ظرفا وتقطر حسنا، لا مناسبة بين المقامتين لفظا ولا معنى، عطف مساجلتها، ووقف مناقلتها، بين رجلين سمّى أحدهما عيسى بن هشام والآخر أبا الفتح الاسكندري، وجعلهما يتهاديان الدرّ ويتنافثان السحر، في معان تضحك الحزين، وتحرّك الرصين، وتطالع منها كل طريفة، ويوقف منها على كل لطيفة، وربما أفرد بعضهما بالحكاية، وخصّ أحدهما بالرواية. [وقد ذكره] أبو نصر عبد الرحمن بن عبد الجبار الفامي في «تاريخ هراة» من تأليفه، وأنشد للبديع: خرج الأمير ومن وراء ركابه ... غيري وعزّ عليّ أن لم أخرج أصبحت لا أدري أأدعو طغمشي ... أم يكتليني أم أصيح بنذغجي وبقيت لا أدري أأركب أبرشي ... أم أدهمي أم أشبهي أم ديزجي يا سيد الأمراء ما لي خيمة ... إلا السماء إلى ذراها ألتجي كتفي بعيري إن ظعنت، ومفرشي ... كمّي، وجنح الليل مطرح هودجي وكتب بديع الزمان إلى مستميح عاوده مرارا وقال له: لم لا تديم الجود بالذهب، كما تديمه بالادب؟ فكتب البديع [١] : عافاك الله، مثل الإنسان في الإحسان، مثل الأشجار في الإثمار، وسبيل من ابتدأ بالحسنة، أن يرفّه إلى السنة، وأنا كما ذكرت لا أملك عضوين من جسدي، وهما فؤادي ويدي، أما اليد فتولع بالجود، وأما الفؤاد فيتعلق بالوفود [٢] ، ولكنّ هذا الخلق النفيس، لا يساعده الكيس، وهذا الخلق الكريم، لا يحتمله الغريم، ولا قرابة بين الأدب والذهب، فلم جمعت بينهما؟ والأدب لا يمكن ثرده في قصعة، ولا صرفه في ثمن سلعة، قد جهدت جهدي بالطباخ أن يطبخ لي من جيمية الشماخ [٣] لونا فلم يفعل، وبالقصّاب أن يذبح

стр. 239

«أدب الكتّاب» فلم يقبل، وأنشدت في الحمام ديوان أبي تمام فلم ينجع، ودفعت إلى الحجّام مقطّعات اللحام فلم يأخذ، واحتيج في البيت إلى شيء من الزيت فأنشدت ألفا ومائتي بيت من شعر الكميت فلم تغن، ودفعت أرجوزة العجاج في توابل السكباج فلم تنفع، وانت لم تقنع فما أصنع؟ فإن كنت تحسب اختلافك إليّ إفضالا منك عليّ، فراحتي ألّا تطرق ساحتي، وفرجي ألّا تجي، والسلام. وحدث أبو الحسن ابن أبي القاسم البيهقي صاحب كتاب «وشاح الدمية» وقد ذكر أبا بكر الخوارزمي: وقد رمي بحجر البديع الهمذاني في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، وأعان البديع الهمذاني قوم من وجوه نيسابور كانوا مستوحشين من أبي بكر، فجمع السيد نقيب السادة بنيسابور أبو علي بينهما [١] ، وأراده على الزيارة، وداره بأعلى ملقباذ [٢] ، فترفّع، فبعث اليه السيد مركوبه، فحضر أبو بكر مع جماعة من تلامذته، فقال له البديع [٣] : إنما دعوناك لتملأ المجلس فوائد، وتذكر الأبيات الشوارد، والأمثال الفوارد، ونباحثك فنسعد بما عندك، وتسألنا فتسر بما عندنا ... ونبدأ بالفنّ الذي ملكت زمامه وطار به صيتك، وهو الحفظ إن شئت، والنظم ان أردت، والنثر إن اخترت، والبديهة إن نشطت، فهذه دعواك التي تملأ منها فاك، فأحجم الخوارزميّ عن الحفظ لكبر سنه ولم يجل في النثر قداحا وقال: أبادهك، فقال البديع: الأمر أمرك يا أستاذ، فقال له الخوارزمي: أقول لك ما قال موسى للسحرة (قال بل ألقوا) فقال البديع: الشعر أصعب مذهبا ومصاعدا ... من أن يكون مطيعه في فكّه والنظم بحر والخواطر معبر ... فانظر إلى بحر القريض وفلكه فمتى توانى في القريض مقصر ... عرّضت أذن الامتحان لعركه

стр. 240

قال: وهذه أبيات كثيرة فيها مدح الشريف أبي علي والمفاخرة وتهجين الخوارزمي، فقال الخوارزمي أيضا أبياتا ولكن ما أبرزها من الغلاف، فقال له البديع: أما تستحي أن يكون السنور أعقل منك لانه يجعر فيغطيه بالتراب، فقال لهما الشريف: انسجا على منوال المتنبي: أرق على أرق ومثلي يأرق فابتدا أبو بكر وكان إلى الغايات سباقا وقال: فإذا ابتدهت بديهة يا سيدي ... فأراك عند بديهتي تتقلّق ما لي أراك ولست مثلي في الورى ... متموها بالترّهات تمخرق ونظم أبياتا ثم اعتذر فقال: هذا كما يجيء لا كما يجب، فقال البديع: قبل الله عذرك، لكن وقفت بين قافات خشنة كلّ قاف كجبل قاف، فخذ الآن جزاء عن قرضك وأداء لفرضك: مهلا أبا بكر فزندك أضيق ... واخرس فإن أخاك حيّ يرزق يا أحمقا وكفاك تلك فضيحة ... جرّبت نار معرّتي هل تحرق فقال له أبو بكر: يا أحمقا لا يجوز فإنه لا ينصرف، فقال البديع: لا نزال نصفعك حتى ينصرف وتنصرف معه، وللشاعر أن يردّ ما لا ينصرف [إلى الصرف] وإن شئت قلت: يا كودنا. ثم قولك في البيت «يا سيدي» ثم قلت «تتقلق» مدحت أم قدحت؟ فإن اللفظين لا يركضان في حلبة، فقال لهما الشريف: قولا على منوال المتنبي: أهلا بدار سباك أغيدها قال البديع: يا نعمة لا تزال تجحدها ... ومنة لا تزال تكندها فقال أبو بكر: الكنود قلة الخير لا الكفران، فكذبه الجمع وقالوا: ما قرأت قوله تعالى إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (العاديات: ٦) أي لكفور، فقال له أبو بكر: أنا

стр. 241

اكتسبت بفضلي [١] دية أهل همذان فما الذي اكتسبت أنت بفضلك [٢] فقال له البديع: أنت في حرفة الكدية أحذق، وبالاستماحة أحرى وأخلق، فقطعه الكلام. ثم أنشد القوّال: وشبهنا بنفسج عارضيه ... بقايا اللطم في الخدّ الرقيق فقال الخوارزمي: أنا أحفظ هذه القصيدة، فقال البديع: أخطأت فإن البيت على غير هذه الصيغة وهي: وشبهنا بنفسج عارضيه ... بقايا الوشم في الوجه الصفيق فقال له أبو بكر: والله لأصفعنك ولو بعد حين، فقال البديع: أنا أصفعك اليوم وتضربني غدا، اليوم خمر وغدا أمر، وأنشد قول ابن الرومي [٣] : رأيت شيخا سفيها ... يفوق كلّ سفيه وقد أصاب شبيها ... له وفوق الشبيه ثم أنشد البديع [٤] : وأنزلني طول النوى دار غربة ... إذا شئت لاقيت امرءا لا أشاكله أحامقه حتى يقال سجية ... ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله فأمال النعاس الرؤوس، وسكنت الألحان والنفوس، وسلب الرقاد الجلوس، فنام القوم كعادتهم في ضيافات نيسابور، وأصبحوا فتفرقوا، وبعض القوم يحكم بغلبة البديع، وبعضهم يحكم بغلبة الخوارزمي، وسعى الفضلاء بينهما بالصلح ودخل عليه البديع واعتذر وتاب واستغفر مما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقال له البديع: بعد الكدر صفو، وبعد الغيم صحو، فعرض عليه الخوارزمي الاقامة عنده سحابة يومه، فأجابه

стр. 242

البديع وأضافه الخوارزمي. وكان بعض الرؤساء مستوحشا من الخوارزمي، وهيأ مجمعا في دار الشيخ السيد أبي القاسم الوزير، وكان أبو القاسم فاضلا ملء إهابه، وحضر أبو الطيب سهل الصعلوكي والسيد أبو الحسين العالم، فاستمال البديع قلب السيد أبي الحسين بقصيدة قالها في مدائح أهل البيت أولها: يا معشرا ضرب الزما ... ن على معرّسهم خيامه ثم حضر المجلس القاضي أبو عمر البسطامي وأبو القاسم ابن حبيب والقاضي أبو الهيثم والشيخ أبو نصر ابن المرزبان، ومع الامام أبي الطيب الفقهاء والمتصوفة، وحضر أبو نصر [١] الماسرجسي مع أصحابه والشيخ أبو سعد [٢] الهمذاني، ودخل مع الخوارزمي جمع غفير من أصحابه، فقيل لهما أنشدا على منوال قول أبي الشيص [٣] : أبقى الزمان به ندوب عضاض ... ورمى سواد قرونه ببياض فابتدر الخوارزمي فقال: يا قاضيا ما مثله من قاض ... أنا بالذي تقضي علينا راض منها: ولقد بليت بشاعر متهتك ... لا بل بليت بناب ذئب غاض فقال البديع: ما معنى قولك ذئب غاض؟ فقال أبو بكر: ما قلته، فشهد عليه الحاضرون أنه قاله، فقال أبو بكر: الذئب الغاضي الذي يأكل الغضا، فقال البديع: استنوق الذئب، صار الذئب جملا يأكل الغضا. ثم دخل الرئيس أبو جعفر والقاضي أبو بكر الحيري [٤] والشيخ أبو زكريا [٥] والشيخ أبو الرشيد المتكلم [٦] ، فقال الرئيس قولا على هذا النمط:

стр. 243

برز الربيع لنا برونق مائه ... فانظر لمنظر [١] أرضه وسمائه والترب بين ممسّك ومعنبر ... من نوره بل مائه وروائه ثم أنشد الخوارزمي على هذا النمط، فلما فرغ من انشاده قال البديع للوزير والرئيس: لو أن رجلا حلف بالطلاق أني لا أقول شعرا ثم نظم تلك الأبيات التي قالها الخوارزمي [هل كنتم تطلقون امرأته عليه؟ فقالت الجماعة: لا يقع بهذا طلاق، ثم قلت: انقد عليّ في ما نظمت، واحكم عليه كما حكمت، فأخذ الابيات وقال:] [٢] لا يقال نظرت لكذا [٣] ويقال نظرت إلى كذا، وأنت قلت فانظر لمنظر، وشبهت الطير بالمحصنات، وهذا تشبيه فاسد، ثم شبهتها بالمغنيات حين قلت: والطير مثل المحصنات صوادح ... مثل المغني شاديا بغنائه المحصنات كيف توصف بالغناء؟ (ثم) قلت: «كالبحر في تزخاره والغيث في أمطاره» [٤] والغيث هو المطر، فقال البديع: الغيث المطر والسحاب، وصدقه الحاضرون وأنكروا على الخوارزمي. فقال الامام أبو الطيب: علمنا أي الرجلين أفضل وأشعر، فقام البديع وقبل رأس الخوارزمي ويده وقال: اشهدوا أن الغلبة له، قال ذلك على سبيل الاستهزاء، وتفرق الناس واشتغلوا بتناول الطعام، وأبو بكر ينطق عن كبد حرّى، والوزير يقول للبديع: ملكت فأسجح. فلما قام أبو بكر أشار إلى البديع وقال: لأتركنّك بين الميمات، فقال: ما معنى الميمات: فقال: بين مهدوم مهزوم مغموم محموم مرجوم محروم، فقال البديع: لأتركنك بين الهيام والسقام والسام والبرسام والجذام والسرسام، وبين السينات بين منحوس ومنخوس ومنكوس ومعكوس، وبين الخاءات من مطبوخ ومسلوخ ومشدوخ ومفسوخ وممسوخ، وبين الباءات بين مغلوب ومسلوب ومصلوب ومنكوب. فخرج البديع وأصحاب الشافعي

стр. 244

يعظمونه بالتقبيل والاستقبال، والاكرام والاجلال، وما خرج الخوارزمي حتى غابت الشمس، وعاد إلى بيته وانخزل انخزالا شديدا، وانكسف باله وانخفض طرفه، ولم يحل عليه الحول حتى خانه عمره وذلك في شوال سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة. قال أبو الحسن البيهقي: وبديع الزمان أبو الفضل أحمد بن الحسين الحافظ كان يحفظ خمسين بيتا بسماع واحد، ويؤديها من أولها إلى آخرها، وينظر في كتاب نظرا خفيفا ويحفظ أوراقا ويؤديها من أولها إلى آخرها، فارق همذان في سنة ثمانين وثلاثمائة، وكان قد اختلف إلى أحمد بن فارس صاحب «المجمل» وورد حضرة الصاحب وتزود من ثمارهما، واختصّ بالدهخداه أبي سعد محمد بن منصور، ونفقت بضاعته لديه، ووافى نيسابور في سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، وبعد موت الخوارزمي خلا له الجوّ، وجرت بينه وبين أبي علي الحسين بن محمد الخشنامي مصاهرة، وألقى عصا المقام بهراة، ثم فارق دنياه في سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة. وحدث الثعالبي في أخبار أبي فراس قال [١] : حكى أبو الفضل الهمذاني قال، قال الصاحب أبو القاسم يوما لجلسائه وأنا فيهم، وقد جرى ذكر أبي فراس الحارث بن سعيد بن حمدان: لا يقدر أحد أن يزوّر على أبي فراس شعرا فقلت: من يقدر على ذلك، وهو الذي يقول: رويدك لا تصل يدها بباعك ... ولا تغز السباع إلى رباعك ولا تغر العدوّ عليّ إني ... يمين إن قطعت فمن ذراعك فقال الصاحب: صدقت، فقلت: أيد الله مولانا فقد فعلت [٢] . ويقال إن السبب في مفارقة البديع الهمذاني حضرة الصاحب أنه كان في مجلسه فخرجت منه ريح، فقال البديع: هذا صرير التخت، فقال الصاحب: أخشى أن يكون صرير التحت، فأورثه ذلك خجلا كان سبب مفارقته إياه ووروده إلى خراسان.

стр. 245

وكانت أول رقعة كتبها البديع إلى الخوارزمي عند وروده نيسابور [١] : «أنا لقرب الأستاذ أطال الله بقاءه: كما طرب النشوان مالت به الخمر. ومن الارتياح للقائه: كما انتفض العصفور بلله القطر. ومن الامتزاج بولائه: كما التقت الصهباء والبارد العذب. ومن الابتهاج بمزاره: كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب. فكيف ارتياح الأستاذ لصديق طوى إليه ما بين قصبتي العراق وخراسان بل [ما بين] عتبتي الجبل ونيسابور، وكيف اهتزازه لضيف في بردة حمال وجلدة جمال: رث الشمائل منهج الأثواب ... بكرت عليه مغيرة الأعراب كمهلهل وربيعة بن مكدّم ... وعتيبة بن الحارث بن شهاب وهو وليّ إنعامه بانفاذ غلامه الى مستقرّي، لأفضي إليه بما عندي إن شاء الله تعالى وحده. ثم اجتمع إليه فلم يحمد لقيه فانصرف عنه وكتب إليه [٢] : الأستاذ- والله يطيل بقاءه، ويديم تأييده ونعماءه- أزرى بضيفه أن وجده يضرب آباط القلة في أطمار الغربة، فأعمل في ترتيبه أنواع المصارفة، وفي الاهتزاز له أصناف المضايقة، من إيماء بنصف الطرف، وإشارة بشطر الكفّ، ودفع في صدر القيام عن التمام، ومضغ الكلام وتكلّفه لرد السلام، وقد قبلت هذا الترتيب صعرا، واحتملته وزرا، واحتضنته نكرا، وتأبطته شرا، ولم آله عذرا، فإن المرء بالمال وثياب الجمال، وأنا مع هذه الحال وفي هذه الأسمال أتقزز صفّ النعال، ولو حاملته العتاب وناقشته الحساب وصدقته المصاع لقلت: إن بوادينا ثاغية صباح وراغية رواح، وقوما يجرّون المطارف ولا يمنعون المعارف [٣] : وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل على مكثريهم حقّ من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل

стр. 246

ولو طوّحت بالأستاذ أيدي الغربة إليهم لوجد منال البشر قريبا، ومحطّ الرّحل رحيبا، ووجه المضيف خصيبا، ورأيه- أيده الله، في أن يملأ من هذا الضيف أجفان عينه ويوسع أعطاف ظنه، ويجيبه بموقع هذا العتاب الذي معناه ود، والمر الذي يتلوه شهد، موفق إن شاء الله تعالى. الجواب من الخوارزمي: إنك إن كلفتني ما لم أطق ... ساءك ما سرّك مني من خلق فهمت ما تناوله سيّدي من خشن خطابه ومؤلم عتبه وعتابه، وصرفت ذلك منه إلى الضجر الذي لا يخلو منه من نبا به دهر ومسّه من الأيام ضر، والحمد لله الذي جعلني موضع أنسه، ومظنّة مشتكى ما في نفسه. أما ما شكاه سيدي من مضايقتي إياه- زعم- في القيام وتكلّفي لردّ السلام، فقد وفّيته حقّه كلاما وسلاما وقياما على قدر ما قدرت عليه ووصلت إليه، ولم أرفع عليه غير السيد أبي القاسم [١] ، وما كنت لأرفع أحدا على من أبوه الرسول وأمه البتول، وشاهداه التوراة والانجيل، وناصراه التأويل والتنزيل، والبشير به جبرائيل وميكائيل. وأما عدم الجمال ورثاثة الحال فما يضعان عندي قدرا ولا يضرّان نجرا، وإنما اللباس جلدة والزيّ حلية بل قشرة، وإنما يشتغل بالجلّ من لا يعرف قيمة الخيل، ونحن بحمد الله نعرف الخيل عارية من جلالها، ونعرف الرجال بأقوالها وأفعالها، لا بآلاتها وأحوالها. وأما القوم الذين صدر سيدي عنهم وانتمى اليهم ففيهم لعمري فوق ما وصف: حسن عشرة وسداد طريقة وجمال تفصيل وجملة، ولقد جاورتهم فنلت المراد وأحمدت المراد: فإن أك قد فارقت نجدا وأهله ... فما عهد نجد عندنا بذميم والله يعلم نيتي للأحرار عامة [٢] ولسيدي من بينهم خاصة، فإن أعانني على مرادي له ونيتي فيه بحسن العشرة بلغت له بعض ما في المنية [٣] وجاوزت مسافة القدرة، وإن قطع علي طريق عزمي [٤] بالمعارضة وسوء المؤاخذة صرفت عناني عن

стр. 247

طريق الاختيار بيد الاضطرار [١] : فما النفس إلا نطفة بقرارة ... إذا لم تكدّر كان صفوا غديرها وعلى هذا فحبذا عتاب سيدي إذا صادف ذنبا واستوجب عتبا، فأما أن يسلفنا العربدة ويستكثر المعتبة والموجدة فتلك حالة نصونه عنها ونصون أنفسنا عن احتمال مثلها، فليرجع بنا إلى ما هو أشبه به وأجمل له، ولست أسومه أن يقول: اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (يوسف: ٩٧) ولكن أسأله أن يقول: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (يوسف: ٩٢) . رقعة البديع الثالثة إلى الخوارزمي [٢] : أنا أرد من الأستاذ سيدي شرعة وده، وإن لم تصف، وألبس خلعة برّه وإن لم تضف، وقصاراي أن أكيله صاعا بصاع ومدّا عن مدّ، وإن كنت في الأدب دعيّ النسب ضعيف السبب ضيّق المضطرب سيء المنقلب، أمتّ إلى أهله بعشرة رشيقة [٣] ، وأنزع إلى خدمة أصحابه بطريقة. ولكن بقي أن يكون الخليط منصفا في الإخاء عادلا في الوداد، إذا زرت زار وإن عدت عاد، والأستاذ سيدي- أيده الله- ضايقني في القبول أولا وناقشني [٤] في الإقبال ثانيا، فأما حديث الاستقبال وأمر الإنزال والإنزال فنطاق الطمع ضيّق عنه غير متسع لتوقعه منه، وبعد فكلفة الفضل هيّنة وفروض الودّ متعيّنة، وطرق المكارم بينة، وأرض العشرة لينة، فلم اختار قعود التعالي مركبا، وصعود التغالي مذهبا؟ وهلّا ذاد الطير عن شجر العشرة إذا كان ذاق الحلو من ثمرها؛ وقد علم الله أن شوقي إليه قد كدّ الفؤاد برحا على برح، ونكأه قرحا على قرح، فهو شوق داعيته محاسن الفضل وجاذبته بواعث العلم، ولكنها مرّة مرة ونفس حرة، ولم تقد إلا بالإعظام ولم تلق إلا بالاكرام. وإذا استعفاني سيدي الأستاذ

стр. 248

من معاتبته واستعادته، ومؤاخذته إذا جفا واستزادته، وأعفى نفسه من كلف الفضل يتجشمها، فليس إلا غصص الشوق أتجرعها، وحلل الصبر أتدرّعها، فلم أعره من نفسي، وأنا لو أعرت جناحي طائر لما رنّقت إلا إليه، ولا حلّقت إلا عليه [١] : أحبّك يا شمس النهار وبدره ... وإن لا مني فيك السّها والفراقد وذاك لأن الفضل عندك باهر ... وليس لأن العيش عندك بارد جواب الخوارزمي عنها: شريعة ودّي لسيدي- أدام الله عزه- إذا وردها صافية، وثياب بري إذا قبلها ضافية، هذا ما لم يكدّر الشريعة بتعنته وتعصّبه، ولم تخرّق الثياب بتجنيه وتسحّبه، فأما الإنصاف في الإخاء فهو ضالّتي عند الأصدق، ولا أقول [٢] : وإني لمشتاق إلى ظلّ صاحب ... يروق ويصفو إن كدرت عليه فإن قائل هذا البيت قاله والزمان زمان، والاخوان إخوان، وحسن العشرة سلطان، ولكني أقول: وإني لمشتاق إلى ظلّ: رجل يوازنك المودّة جاهدا ... يعطي ويأخذ منك بالميزان فإذا رأى رجحان حبّة خردل ... مالت مودّته مع الرجحان وقد كان الناس يقترحون الفضل فأصبحنا نقترح العدل، وإلى الله المشتكى لا منه. ذكر الشيخ سيدي- أيده الله- حديث الاستقبال، وكيف يستقبل من انقضّ علينا انقضاض العقاب الكاسر، ووقع بيننا وقوع السهم العائر: وتكليفك المرء ما لا يطيق ... يجوز على مذهب الأشعري وقد زاد سيدي على أستاذه الأشعري، فإن أستاذه كلّف العاجز ما لا يطيق مع عجزه عنه، وسيدي كلّف الجاهل علم الغيب مع الاستحالة منه. والمنزل بما فيه قد عرضته عليه، ولو أطقت حمله لحملته إليه، والشوق الذي ذكره سيدي فعندي منه الكثير الكبير، وعنده منه الصغير اليسير، وأكثرنا شوقا أقلّنا عتابا وأليننا خطابا. ولو

стр. 249

أراد سيدي أن أصدّق دعواه في شوقه إليّ لغضّ من حجم عتبه عليّ، فإنما اللّفظ زائد واللحظ وارد، فإذا رقّ اللفظ دقّ اللحظ، وإذا صدق الحبّ ضاق العتاب والعتب: فبالخير لا بالشرّ فارج مودتي ... وأيّ امرىء يقتال منه الترهّب عتاب سيدي قبيح ولكنه حسن، وكلامه ليّن ولكنه خشن، أما قبحه فلأنه عاتب بريئا، ونسب إلى الإساءة من لم يكن مسيئا. وأما حسنه فلألفاظه الغرر، ومعانيه التي هي كالدرر، فهي كالدنيا ظاهرها يغرّ وباطنها يضرّ، وكالمرعى على دمن الثرى منظره بهيّ ومخبره وبيّ، ولو شاء سيدي نظم الحسن والإحسان، وجمع بين صواب الفعل واللسان: يا بديع القول حاشا ... لك من هجو بديع ولحسن القول عوّذ ... تك من سوء الصنيع لا يعب بعضك بعضا ... كن مليحا في الجميع رقعة أخرى للبديع إلى الخوارزمي: أنا وإن كنت مقصّرا في موجبات الفضل من حضور مجلس الاستاذ سيدي فما أفري إلا جلدي، ولا أبري إلا قدحي، ولا أبخس إلا حظّي، وإن يكن ذاك جرما فكفى هذا عقابا، ومع ذاك فما أعمر أوقاتي إلا بمدحه ولا أطرّز ساعاتي إلا بذكره، ولا أركض إلا في حلبة وصفه حرس الله فضله. نعم وقد رددت «كتاب الأوراق» للصولي وتطاولت لكتاب «البيان والتبيين» للجاحظ، وللأستاذ سيدي في الفضل والتفضل به رأيه. وقال البديع يمدح الصحابة ويهجو الخوارزميّ ويجيبه عن قصيدة رويت له في الطعن عليهم: وكّلني بالهمّ والكآبه ... طعّانة لعّانة سبّابه للسلف الصالح والصحابه ... أساء سمعا فأساء جابه ... تأملوا يا كبراء الشيعه ... لعشرة الاسلام والشريعه أتستحلّ هذه الوقيعه ... في بيع الكفر وأهل البيعه ...

стр. 250

فكيف من صدّق بالرساله ... وقام للدين بكلّ آله وأحرز الله يد العقبى له ... ذلكم الصديق لا محاله ... إمام من أجمع في السقيفه ... قطعا عليه أنه الخليفه ناهيك من آثاره الشريفه ... في ردّه كيد بني حنيفه ... سل الجبال الشمّ والبحارا ... وسائل المنبر والمنارا واستعلم الآفاق والأقطارا ... من أظهر الدين بها شعارا ... ثم سل الفرس وبيت النار ... من الذي فلّ شبا الكفار هل هذه البيض من الآثار ... إلا لثاني المصطفى في الغار ... وسائل الاسلام من قوّاه ... وقال إذ لم تقل الأفواه واستنجز الوعد فأومى الله ... من قام لما قعدوا إلا هو ... ثاني النبيّ في سني الولاده ... ثانيه في الغارة بعد العاده ثانيه في الدعوة والشهاده ... ثانيه في القبر بلا وساده ... ثانيه في منزلة الزعامه ... نبوة أفضت إلى إمامه أتأمل الجنة يا شتّامه ... ليست بمأواك ولا كرامه ... ان امرءا أثنى عليه المصطفى ... ثمّت والاه الوصيّ المرتضى واجتمعت على معاليه الورى ... واختاره خليفة ربّ العلى ... واتبعته أمة الأمّيّ ... وبايعته راحة الوصيّ وباسمه استسقى حيا الوسميّ ... ما ضرّه هجو الخوارزميّ ... سبحان من لم يلقم الصخر فمه ... ولم يعده حجرا ما أحمله يا نذل يا مأبون أفطرت فمه ... لشدّ ما اشتاقت إليك الحطمه ...
следующие страницы →