عنهما. كتاب فتوح العراق منذ أيام أبي بكر وإلى آخر أيام عمر ﵄.
كتاب خبر البصرة وفتوحها وفتوح ما يقاربها من دستميسان والأهواز وماسبذان وغير ذلك. كتاب فتوح خراسان وأخبار أمرائها كقتيبة ونصر بن سيار وغيرهما. كتاب نوادر قتيبة بن مسلم. كتاب ولاية أسد بن عبد الله القسري. كتاب ولاية نصر بن سيار.
كتاب ثغر الهند. كتاب أعمال «١» الهند. كتاب فتوح سجستان. كتاب فارس. كتاب فتح الابلة. كتاب أخبار أرمينية. كتاب كرمان. كتاب كابل وزابلستان. كتاب القلاع والأكراد. كتاب عمان. كتاب فتوح جبال طبرستان. كتاب طبرستان أيام الرشيد.
كتاب فتوح مصر. كتاب الريّ وأمر العلوي. كتاب أخبار الحسن بن زيد وما مدح به من الشعر وعماله. كتاب فتوح الجزيرة. كتاب فتوح البامي. كتاب فتوح الأهواز.
كتاب أمر البحرين. كتاب فتح شهرك. كتاب فتح برقة. كتاب فتح مكران. كتاب فتوح الحيرة. كتاب موادعة النوبة. كتاب خبر سارية بن زنيم. كتاب فتوح الري.
كتاب فتوح جرجان وطبرستان.
(كتبه في أخبار العرب:) كتاب البيوتات. كتاب الجيران. كتاب أشراف عبد القيس. كتاب أخبار ثقيف. كتاب من نسب إلى أمه. كتاب من سمي باسم أبيه.
كتاب الخيل والرهان. كتاب بناء الكعبة. كتاب خبر خزاعة. كتاب حمى المدينة وجبالها وأوديتها.
(كتبه في أخبار الشعراء وغيرهم:) كتاب أخبار الشعراء. كتاب من نسب إلى أمه من الشعراء. كتاب العمائر. كتاب الشيوخ. كتاب الغرماء. كتاب من هادن أو غزا كتاب من افترض من الأعراب في الديوان فندم وقال شعرا. كتاب المتمثلين. كتاب من تمثل بشعر في مرضه. كتاب الأبيات التي جوابها كلام. كتاب النجاشي. كتاب من وقف على قبر فتمثل بشعر. كتاب من بلغه موت رجل فتمثل شعرا أو كلاما. كتاب من تشبه من النساء بالرجال. كتاب من فضل الأعرابيات على الحضريات. كتاب من قال شعرا على البديهة. كتاب من قال شعرا في الأوابد. كتاب الاستعداء على
стр. 1857
الشعراء. كتاب من قال شعرا فسمي به. كتاب من قال في الحكومة من الشعراء.
كتاب تفضيل الشعراء بعضهم على بعض. كتاب من ندم على المديح ومن ندم على الهجاء. كتاب من قال شعرا فأجيب بكلام. كتاب أبي الأسود الدئلي. كتاب خالد بن صفوان. كتاب مهاجاة عبد الرحمن بن حسان للنجاشي. كتاب قصيدة خالد بن يزيد في الملوك والأحداث. كتاب أخبار الفرزدق. كتاب قصيدة عبد الله بن إسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن. كتاب أخبار عمران بن حطان «١» .
(ومن كتبه المؤلفة:) كتاب الأوائل. كتاب المتيمين. كتاب التعازي. كتاب المنافرات. كتاب الأكلة. كتاب المسيرين. كتاب القيافة والفال والزجر. كتاب من حرد من الأشراف. كتاب المروءة. كتاب الحمقى. كتاب اللواطين. كتاب الجواهر. كتاب المقينين. كتاب المسمومين. كتاب كان يقال. كتاب ذم الحسد.
كتاب من وقف على قبر. كتاب الخيل. كتاب من استجيبت دعوته. كتاب قضاة أهل المدينة. كتاب قضاة أهل البصرة. كتاب أخبار رقبة بن مصقلة. كتاب مفاخرة العرب والعجم. كتاب مفاخرة أهل البصرة والكوفة. كتاب ضرب الدراهم والصرف. كتاب أخبار إياس بن معاوية. كتاب خبر أصحاب الكهف. كتاب خطبة واصل. كتاب إصلاح المال. كتاب آداب الاخوان. كتاب النخل. كتاب المقطعات المتخيرات.
كتاب أخبار ابن سيرين. كتاب الرسالة إلى ابن أبي دواد. كتاب النوادر. كتاب المدينة. كتاب مكة. كتاب المختضرين. كتاب المراعي والجراد ويحتوي على الكور والطساسيج وجباياتها.
[٨٠٥] علي بن محمد بن وهب المسعري
صاحب أبي عبيد القاسم بن سلام: روى
стр. 1858
عن أبي عبيد أنه قال: هذا الكتاب- يعني «غريب الحديث المصنف» أحبّ إليّ من عشرة آلاف دينار، وعدد أبوابه على ما ذكره ألف باب، وفيه من شواهد الشعر ألف ومائتا بيت.
[٨٠٦] علي بن محمد بن نصر بن منصور بن بسام
أبو الحسن العبرتائي الكاتب، وأمه أخت أحمد بن حمدون بن إسماعيل النديم لأبيه وأمه، وقال المرزباني: أمه بنت حمدون النديم، وله مع خاله أبي عبد الله ابن حمدون أخبار، وكان حسن البديهة شاعرا ماضيا أديبا لا يسلم على لسانه أحد، وهو معدود في العققة، وكان يصنع الشعر في الرؤساء وينحله ابن الرومي وغيره.
مات فيما ذكره ابن المرزباني بعد سنة ثلاثمائة بسنتين، وقال ثابت بن سنان:
مات علي بن محمد بن بسام في صفر سنة اثنتين وثلاثمائة عن نيف وسبعين سنة، واستفرغ شعره في هجاء والده محمد بن نصر والخلفاء والوزراء، وكان مع فصاحته وبيانه لا حظّ له في التطويل إنما يحسن مقطعاته وتندر أبياته. وهو من أهل بيت الكتابة، كان جده نصر بن منصور يتولى ديوان الخاتم والنفقات والأزمّة في أيام المعتصم. وهو كان السبب في نكبة الفضل بن مروان، وكان قد هجا الوزير علي بن عيسى بن داود بن الجراح لما نفي إلى مكة، فلما ردت إليه الوزارة جلس يوما للمظالم فمرت في جملة القصص رقعة فيها مكتوب:
وافى ابن عيسى وكنت أضغنه ... أشدّ شيء عليّ أهونه
стр. 1859
ما قدّر الله ليس يدفعه ... وما سواه فليس يمكنه
فقال علي بن عيسى: صدق، هذا ابن بسام، والله لا ناله مني مكروه أبدا.
وكان الغالب على ابن بسام الشعر، ومن حقه أن يذكر مع الشعراء، وإنما حملنا على ذكره هاهنا رسائله وما له من التصانيف وهي: كتاب أخبار عمر بن أبي ربيعة جيد بالغ في معناه. (وجدت أخبار عمر بن أبي ربيعة تصنيف علي بن محمد بن نصر بن منصور بن بسام وقد روى فيه عن الزبير بن بكار وعمر بن شبة وحماد بن إسحاق ويعقوب بن أبي شيبة وأحمد بن الحارث الخراز ومحمد بن حبيب وسليمان بن أبي شيخ وخاله أحمد بن حمدون) «١» كتاب المعاقرين. كتاب ديوان رسائله. كتاب مناقضات الشعراء. كتاب أخبار الأحوص.
ومن شعره الذي قاله ونحله ابن الرومي قوله يخاطب عبيد الله بن سليمان الوزير وقد مات ابنه أبو محمد في سنة أربع وثمانين «٢» :
قل لأبي القاسم المرجّى ... قابلك الدهر بالعجائب
مات لك ابن وكان زينا ... وعاش ذو الشّين والمعايب
حياة هذا كفقد هذا ... فلست تخلو من المصائب
فبلغت الأبيات عبيد الله فساءته، فدعا البساميّ وقال: يا علي كيف قلت؟
فعلم البساميّ أنه مغضب فقال: قلت أيها الوزير:
قل لأبي القاسم المرجّى ... لن يدفع الموت كفّ غالب
لئن تولّى بمن تولى ... وفقده أعظم المصائب
لقد تخطّت لك المنايا ... عن حامل عنك للنوائب
يعني ابنه أبا الحسين، فسكت عبيد الله ولها عنه.
وذكر الصولي في «كتاب الوزراء» قال قال أبو الحارث النوفلي الشاعر: كنت أبغض القاسم بن عبيد الله لكفره ولمكروه نالني منه، فلما قرأت شعر ابن المعتز
стр. 1860
(وهو شعر رثى به الحسين أبا محمد مذكور في أخباره) وشعر ابن بسام وكان ابن بسام قد قال:
معاذ الله من كذب ومين ... لقد أبكت وفاتك كلّ عين
ولكن قد تنسّينا الرزايا ... ويعضدنا بقاء أبي الحسين
قلت على لسان ابن بسام وأشعتها عليه وأنفذتها إليه «قل لأبي القاسم المرجّى» ... الأبيات.
وحدث السلامي عن أبي القاسم المجمع بن محمد بن المجمع قال حدثني ابن حمدون النديم قال: كان المعتضد أمر بعمارة البحيرة واتخاذ رياض حواليها، وأنفق على الأبنية بها ستين ألف دينار، وكان يخلو فيها مع جواريه وفيهن جارية يقال لها دريرة، فقال البسامي «١» :
ترك الناس بحيره ... وتخلّى في البحيره
قاعدا يضرب بالطب ... ل على حرّ دريره
وبلغت الأبيات المعتضد فلم يظهر لأحد أنه سمعها «٢» ، وأمر بتخريب ما استعمره من تلك العمارات والأبنية. قال أحمد بن حمدون «٣» : فكنت ألاعب المعتضد بالشطرنج ذات يوم إذ دخل إليه القاسم بن عبيد الله وهو وزيره فاستأمره في شيء وانصرف، فلما ولى أنشد المعتضد قول البسامي في القاسم:
حياة هذا كموت هذا ... فلست تخلو من المصائب
وجعل يكرّر البيت، وعاد القاسم إليه في شغل والمعتضد مشغول باللعب ولم يعلم بحضوره، وهو يردّد البيت، فاحتلت حتى أعلمته حضوره، فرفع رأسه إليه واستحيى منه حتى تبيّن «٤» ذلك في وجهه، ثم قال: يا أبا الحسين- وهو أول ما كناه للخجل الذي تداخله- لم لا تقطع لسان هذا الماجن وتدفع شره عنك؟ فانصرف القاسم مبادرا إلى مجلسه ومنتهزا للفرصة في ابن بسام وأمر بطلبه، قال ابن حمدون:
стр. 1861
فدهشت وارتعشت يدي في اللعب خوفا مما يلحق ابن بسّام للقرابة التي بيني وبينه، فقال المعتضد: مالك؟ قلت: يا أمير المؤمنين القاسم بن عبيد الله لا يصطلى بناره، وكأني به وقد قطع لسان البسامي حنقا عليه، وهو أحد النبلاء الشعراء، فيكون ذلك سبة على أمير المؤمنين، فأمر باحضار القاسم وسأله عما فعله في أمر ابن بسام، فقال: قد تقدمت إلى مؤنس باحضاره لأقطع لسانه فقال: يا أبا الحسين إنما أمرناك أن تقطع لسانه بالبر والصلة والتكرمة ليعدل عن هجائك إلى مدحك، فقال: يا أمير المؤمنين لو عرفته حق المعرفة وعلمت ما قاله لاستجزت قطع رأسه- عرّض بما قاله في المعتضد ودريرة- فتبسم المعتضد وقال: يا أبا الحسين إنما أمرنا بتخريب البحيرة لذلك، فتقدم أنت باحضاره وأخرج إليه ثلاثمائة دينار فإن ذلك أولى وأحسن من غيره، قال فأحضره القاسم بعد ثالثة وخلع عليه وولّاه بريد الصيمرة وما والاها، فبقي في عمله إلى آخر أيام المعتضد، ثم جمح به طبعه إلى إعادة الاساءة فقال:
أبلغ وزير الإمام عني ... وناد يا ذا المصيبتين
يموت حلف الندى ويبقى ... حلف المخازي أبو الحسين
فأنت من ذا عميد قلب ... وأنت من ذا سخين عين
حياة هذا كموت هذا ... فالطم على الرأس باليدين
قال جحظة «١» : كان ابن بسام يفخر بقوله فيّ:
يا من هجوناه فغنانا ... أنت وحقّ الله أهجانا
فقلت: هذا معنى لم يسبق إليه خاطر ابن بسام، وإن كان قد أتى به مطبوعا، وإنما أخذه من قول ابن الرومي في هجائه شنطف «٢» :
وفي قبحها كاف لنا من كيادها ... ولكنها في فعلها تتبرّد
ولو علمت ما كايدتنا لانها ... بانفاسها والوجه والطبل أكيد
وقال ابن بسام في الوزير الخاقاني:
وزير ما يفيق من الرقاعه ... يولّي ثم يعزل بعد ساعه
стр. 1862
إذا أهل الرشا صاروا إليه ... فأحظى القوم أوفرهم بضاعه
فلا رحما تقرّب منه خلقا ... سوى الورق الصحاح ولا شفاعه
وليس بمنكر ذا الفعل منه ... لأن الشيخ أفلت من مجاعه
حدث أبو نصر أحمد بن العلاء الشيرازي الكاتب قال: لما تقلّد أبو الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات الوزارة كنت أجالسه وأوانسه، فحدثني يوما أن أباه حدثه قال: تقلدت مصر وكان بيني وبين أبي الحسين ابن بسام مودة ورضاع ونحن مختلطون، وأنا بمصر يوما فما شعرت إلا بابن بسام قد دخل إليّ متقلدا للبريد فافهمته أحوالي «١» ، وقاسمته أكثر مروءتي وأموالي، وتطلبت الخلاص من لسانه بكلّ شيء يمكن، وأوصيت حاجبي أن لا يحجبه عني ولو كنت مع زوجتي، فجاء يوما وأنا نائم فقال له الحاجب: ادخل، فدخل فوجدني نائما، فاستدعى دواة وكتب شيئا وتركه وانصرف، فلما انتبهت عرّفني حاجبي ذلك، فأخذت الرقعة فإذا فيها:
محتجب دون من يلمّ به ... وليس للخارجات حجّاب
لأنّ للخارجات منفعة ... تأتيه والداخلون طلّاب
قال فبعثت أعرف خبره لأعاتبه فإذا هو تحمّل وسار عن البلد، فكتبت إليه أداريه وألاطفه ليرجع فلم يجب.
قال التنوخي «٢» حدثني ابن أبي قيراط علي بن هشام حدثني أبو علي ابن مقلة قال: كنت أقصد ابن بسام لهجائه إياي، فخوطب ابن الفرات في وزارته الأولى في تصريفه فاعترضت وقلت، إذا صرّف فلا يحتبس الناس على مجالسنا وقد افترقت فإذا لم يضره الوزير فلا أقلّ من أن لا ينفعه، فامتنع من تصريفه قضاء لحقي، فبلغ ذلك ابن بسام فجاءني وخضع لي ثم لازمني نحو سنة حتى صار يختصّ بي ويعاشرني على البريد، ومدحني فقال:
يا زينة الدين والدنيا وما جمعا ... والأمر والنهي والقرطاس والقلم
إن ينسىء الله في عمري فسوف ترى ... من خدمتي لك ما يغني عن الخدم
стр. 1863
أبا عليّ لقد طوّقتني مننا ... طوق الحمامة لا تبلى على القدم
فاسلم فليس يزيل الله نعمته ... عمن يبثّ الأيادي في ذوي النعم
وحدّث محمد بن يحيى الصولي أنه سمع علي بن محمد بن بسام يقول «١» :
كنت أتعشّق خادما لخالي أحمد بن حمدون، فقمت ليلة لأدبّ إليه، فلما قربت منه لسعتني عقرب فصرخت، فقال خالي: ما تصنع ها هنا؟ فقلت: جئت لأبول، فقال: صدقت في است غلامي، فقلت لوقتي:
ولقد سريت مع الظلام لموعد ... حصّلته من غادر كذّاب
فإذا على ظهر الطريق مغذّة ... سوداء قد عرفت أوان ذهابي
لا بارك الرحمن فيها عقربا ... دبابة دبّت إلى دباب
فقال خالي: قبحك الله لو تركت المجون يوما لتركته في هذه الحال.
ولابن بسام في علي بن عيسى «٢» الوزير:
رجوت لك الوزارة طول عمري ... فلما كان منها ما رجوت
تقدمني أناس لم يكونوا ... يرومون الكلام إذا دنوت
فأحببت الممات «٣» وكلّ عيش ... يحبّ الموت فيه فهو موت
ومن شعر ابن بسام من خط السمعاني «٤» :
أقصرت عن طلب البطالة والصبا ... لما علاني للمشيب قناع
لله إيام الشباب ولهوه ... لو أنّ أيام الشباب تباع
فدع الصبا يا قلب واسل عن الهوى ... ما فيك بعد مشيبك استمتاع
وانظر إلى الدنيا بعين مودّع ... فلقد دنا سفر وحان وداع
فالحادثات موكّلات بالفتى ... والناس بعد الحادثات سماع
стр. 1864
ولما ولي حامد بن العباس وزارة المقتدر ورتّب معه علي بن عيسى يدبّر الأمو بين يديه قال ابن بسام:
يا ابن الفرات تعزّى ... قد صار أمرك آيه
لما عزلت حصلنا ... على وزير بدايه
وعلي بن بسام القائل يمدح النحو «١» :
رأيت لسان المرء وافد عقله ... وعنوانه فانظر بماذا تعنون
فلا تعد إصلاح اللسان فإنه ... يخبّر عما عنده ويبين
ويعجبني زيّ الفتى وجماله ... فيسقط من عينيّ ساعة يلحن
على أن للإعراب حدا وربما ... سمعت من الأعراب ما ليس يحسن
ولا خير في اللفظ الكريه استماعه ... ولا في قبيح اللحن والقصد أزين
ومن قصيدة له يهجو فيها الكتاب «٢» :
وعبدون يحكم في المسلمين ... ومن مثله تؤخذ الجاليه
ودهقان طيّ تولّى العراق ... وسقي الفرات وزرفانيه
وحامد يا قوم لو أمره ... إليّ لألزمته الزاويه
نعم ولأرجعته صاغرا ... إلى بيع رمّان خسراويه
أيا ربّ قد ركب الأرذلون ... ورجلي من بينهم ماشيه
فإن كنت حاملها مثلهم ... وإلا فأرجل بني الزانيه
قال أبو الحسين علي بن هشام بن أبي قيراط: سمعت ابن بسام ينشد في وزارة ابن الفرات «٣» :
إذا حكم النصارى في الفروج ... وباهوا بالبغال وبالسروج
فقل للأعور الدجّال هذا ... أوانك إن عزمت على الخروج
стр. 1865
قال أبو الحسين ابن هشام، حدثني زنجي الكاتب، حدثني ابن بسام قال:
كنت أتقلد البريد بقمّ في أيام عبيد الله بن سليمان، والعامل بها أبو عيسى أحمد بن محمد بن خالد المعروف بأخي أبي صخرة، فأهدى إليّ في ليلة عيد الأضحى بقرة للأضحية، فاستقللتها ورددتها وكتبت إليه «١» :
كم من يد لي إليك سالفة ... وأنت بالحقّ غير معترف
نفسك أهديتها لأذبحها ... فصنتها عن مواقع التلف.
[٨٠٧] علي بن محمد بن عبيد بن الزبير الأسدي
المعروف بابن الكوفي: صاحب ثعلب والخصيص به، وهو من أسد قريش، وهو أسد بن عبد العزّى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب رهط الزبير بن العوام، وهو صاحب الخط المعروف بالصحة المشهور باتقان الضبط وحسن الشكل، فإذا قيل نقلت من خط ابن الكوفي فقد بالغ في الاحتياط، وكان من أجلّ أصحاب ثعلب. مات في ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة ومولده سنة أربع وخمسين ومائتين، وكان ثقة صادقا في الرواية وحسن الدراية.
وله من الكتب: كتاب الهمز رأيته أنا بخطه. كتاب معاني الشعر واختلاف العلماء فيه. كتاب الفرائد والقلائد في اللغة.
стр. 1866
قال مؤلف الكتاب: ورأيت بخطه عدة كتب فلم أر أحسن ضبطا وإتقانا للكتابة منه، فإنه يجعل الاعراب على الحرف بمقدار الحرف احتياطا، ويكتب على الكلمة المشكوك فيها عدة مرار صح صح صح، وكان من جمّاعي الكتب وأرباب الهوى فيها.
وذكره أبو الحسن محمد بن جعفر التميمي المعروف بابن النجار في «كتاب الكوفة» من تصنيفه قال: ومن أصحاب ثعلب أبو الحسن أحمد بن محمد الكوفي الأسدي الذي خطه اليوم يؤتدم به، وبيع جزازات كتبه ورقاع سؤالاته العلماء كل رقعة بدرهم، وأنفق على العلم ثلاثين ألف درهم على ثعلب وحده. هكذا قال «أحمد بن محمد» وأظنه سهوا منه فان ابن الكوفي المشهور بجودة الضبط اسمه بخطه على عدة من كتبه، وهو: علي بن محمد بن عبيد الكوفي الأسدي كما قدمنا، فإن صحت رواية ابن النجار فهو غير الذي نعرفه نحن، فإني لم أر لهذا المسمى ذكرا مع كثرة بحثي وتنقيري. ووجدت جزازة من إملاء أبي الهيذام كلاب بن حمزة العقيلي اللغوي- وله في هذا الكتاب ترجمة «١» - ما صورته: ولأبي الهيذام إلى أبي الحسن ابن الكوفي النحوي البغدادي ﵀:
أبا حسن أراك تمدّ حبلي ... لتقطعه وأرسله بجهدي
وأتبعه إذا قصر احتياطا ... وأنت تشدّ جذبك أيّ شد
أخيّ فكم يكون بقاء حبل ... يتلتل بين إرسال ومدّ
تعالى الله ما أجفى زمانا ... بقيت له وأنكد فيه جدي
أظنّ الدهر يقصدني لأمر ... يحاوله ويطلبني بحقد
إذا ذهبت بشكلي عن ودادي ... مذاهبه فكيف ألوم ضدي
سأصبر طائعا وأغضّ طرفي ... وأحفظ عهد مطّرح لعهدي
وأقصد أن أحصّل لي صديقا ... أعزّ به على خطأي وعمدي
فإن أظفر بذاك فأيّ كنز ... ونيل غنيمة وثقوب زند
стр. 1867
وإلا كان حسن الصبر أحرى ... بحسن مثوبة وبناء مجد
ألا لله ما أصبحت فيه ... من الخلطاء من تعب وكدّ
لقاء بالجميل وحسن بشر ... وإنصاف يشاب بخلف وعد
وعلم لا يقاس إليه علم ... بكلّ طريقة وبكلّ حدّ
وإغفال لما أولي وأحجى ... تفقده بذي أدب وحشد
فيا لله يا للناس يا ... للعجائب بين تقربة وبعد
من الأخلاق إذ مزجت فصارت ... علاقمها مجدّحة بشهد
أراني بين منزلتين ما لي ... سوى إحداهما ثقة لقصد
فإن أرد الأنيس أعش ذليلا ... وان أرد التعزز أبق وحدي.
[٨٠٨] علي بن محمد بن الشاه الطاهري
من ولد الشاه بن ميكال: وكان أديبا طيبا مفاكها في نهاية الظرف والنظافة يسلك مسلك أبي العنبس الصيمري في تصانيفه، مات [ ... ] ، وله من التصانيف: كتاب دعوة التجار. كتاب فخر المشط على المرآة. كتاب حرب الجبن على الزيتون «١» . كتاب الرؤيا. كتاب اللحم والسمك «٢» . كتاب عجائب البحر «٣» . كتاب البغاء. كتاب قصيدة وخيار يا مكانس.
ولما لم أجد له ما يكتب وجدت في «كتاب الرياض» للمرزباني أنشدني أحمد بن إبراهيم «٤» بن الشاه الطاهري:
فؤادي عليل وجسمي نحيل ... وليلي طويل ونومي قليل
стр. 1868
بقلبي غليل ودائي دخيل ... وسقمي دليل على ما أقول
وطرفي كليل فما لي مقيل ... وأمري جليل فصبر جميل.
[٨٠٩] علي بن محمد بن عبدوس الكوفي:
نحوي ذكره محمد بن إسحاق، وله من الكتب كتاب ميزان الشعر بالعروض. كتاب البرهان في علل النحو. كتاب معاني الشعر.
[٨١٠] علي بن محمد أبو القاسم الاسكافي
من أهل نيسابور: ذكره الثعالبي فقال:
هو لسان خراسان وعينها وواحدها في الكتابة والبلاغة وممن لم تخرج مثله في الصناعة والبراعة، وكان تأدب بنيسابور عند مؤدب بها يعرف بالحسن بن مهرجان من أعرف المؤدبين بأسرار التأديب والتدريس وأعلمهم بطريق التدريج إلى التخريج «١» ، ثم حرّر مديدة في بعض الدواوين فخرج منقطع القرين واسطة عقد الفضل ونادرة الزمان وبكر الفلك، كما قال فيه الهريميّ:
سبق الناس بيانا فغدا ... وهو بالاجماع بكر الفلك
أصبح الملك به متسقا ... لسليل الملك عبد الملك «٢»
ووقع في ريعان أمره وعنفوان عمره إلى أبي علي الصاغاني واستأثر به وأستخلصه لنفسه وقلّده ديوان رسائله، فحسن خبره وسافر أثره، وكانت كتبه ترد على الحضرة في
стр. 1869
نهاية الحسن والنضرة فتقع المنافسة فيه، ويكاتب أبو علي في إيثار الحضرة به، فيتعلل ويتسلل لواذا ولا يفرج عنه إلى أن كان من كشف أبي علي قناع العصيان، وانهزامه في وقعة خرجيك «١» إلى الصغانيان ما كان، وحصل أبو القاسم في جملة الأسرى من أصحاب أبي علي، فحبس في القهندز «٢» وقيّد، مع حسن الرأي فيه وشدة الميل إليه. ثم إن الأمير الحميد نوح بن نصر أراد أن يستكشفه عن سره، ويقف على خبيئة صدره، فأمر أن تكتب إليه رقعة على لسان بعض المشايخ ويقال له فيها إن أبا العباس الصاغاني قد كتب إلى الحضرة يستوهبك من السلطان ويستدعيك إلى الشاش لتتولى له كتابة الكتب السلطانية فما رأيك في ذلك؟ فوقع في الرقعة: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ
(يوسف: ٣٣) فلما عرض توقيعه على الحميد حسن موقعه منه وأعجب به وأمر باطلاقه والخلع عليه وإقعاده في ديوان الرسائل خليفة لأبي عبد الله الحسين بن العميد الملقب بكله، وهو والد أبي الفضل ابن العميد، وكان الاسم للعميد والعمل لأبي القاسم، وعند ذلك قال بعض مجان الحضرة «٣» :
تبظرم الشيخ كلّه ... ولست أرضى ذاك له
كأنه لم ير من ... أقعد عنه بدله
والله إن دام على ... هذا الجنون والبله
فانه أول من ... تنتف منه السّبله
وكان أبو القاسم يهجوه فقال فيه، وكان يحضر الديوان في محفة لسوء أثر النقرس على قدمه «٤» :
يا ذا الذي ركب المحف ... ة جامعا فيها جهازه
أترى الزمان يعيشني ... حتى يرينيها جنازه
стр. 1870
فلم تطل الأيام حتى أدركت العميد منيته، وبلغ أبو القاسم أمنيته، وتولى العمل برأسه وعلا أمره وبعد صيته. وجمعت رسائله أقسام الحسن والجودة وازداد على الأيام تبحرا في الصناعة.
ويحكى أن «١» الحميد أمره ذات يوم بكتبة كتاب إلى بعض الأطراف، وركب متصيدا، واشتغل أبو القاسم عن ذلك لمجلس أنس عقده بين إخوان جمعهم عنده، فحين رجع الحميد من متصيده استدعى أبا القاسم وأمره باستصحاب الكتاب الذي رسم له كتبته لعرضه عليه، ولم يكن كتبه، فأجاب داعيه وقد نال منه الشراب ومعه طومار بياض أوهم أنه مكتوب فيه الكتاب المرسوم له، وقعد بالبعد عنه فقرأ عليه كتابا طويلا سديدا بليغا أنشأه في وقته وقرأه عن ظهر قلبه، وارتضاه الحميد وهو يحسب أنه قرأه من سواد مكتوبه وأمره بختمه، فرجع إلى منزله وحرر ما قرأه وأصدره على الرسم في أمثاله.
ومن عجيب «٢» أمره أنه كان أكتب الناس في السلطانيات، فإذا تعاطى الاخوانيات كان قصير الباع، وكان يقال إذا استعمل أبو القاسم نون الكبرياء تكلم من السماء، وكان في علو الرتبة في النثر وانحطاطه في النظم كالجاحظ. ورسائله كثيرة مدونة سائرة في الآفاق.
قال «٣» : ولما انتقل إلى جوار ربه أكمل ما كان شبابا وآدابا وغدت الكتابة لفراقه شعثاء، والبلاغة غبراء، أكبر فضلاء الحضرة رزيّته، وأكثروا مرثيته، فمن ذلك قول الهريمي الابيوردي من قصيدة:
ألم تر ديوان الرسائل عطّلت ... لفقدانه أقلامه ودفاتره
كثغر مضى حاميه ليس لسدّه ... سواه وكالكسر الذي عزّ جابره
ليبك عليه خطّه وبيانه ... فذا مات واشيه وذا مات ساحره
стр. 1871
[٨١١] علي بن محمد بن أبي الفهم بن داود
بن ابراهيم التنوخي أبو القاسم القاضي، قد تقدم نسبه في ترجمة حفيده علي بن المحسن، قال السمعاني: ولد أبو القاسم هذا بأنطاكية في ذي الحجة سنة ثمان وسبعين ومائتين وقدم بغداد في حداثته في سنة ست وثلاثمائة وتفقه بها على مذهب أبي حنيفة، وسمع الحديث ورواه، وولي القضاء بالأهواز وكورها، وتقلد قضاء ايذج وجند حمص من قبل المطيع لله، ومات بالبصرة في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة ودفن بالمربد.
أعرف من التنوخيين هؤلاء ثلاثة ينبغي أن يذكروا في هذا الكتاب وهم:
أبو القاسم هذا وابنه أبو علي المحسن صاحب «كتاب نشوار المحاضرة» و «كتاب الفرج بعد الشدة» وحفيده أبو القاسم علي الأخير شيخ الخطيب وتلك الطبقة، وقد ذكرت كلّ واحد منهم.
وله تصانيف في الأدب منها: كتاب في العروض، قال الخالع: ما عمل في العروض أجود منه. وكتاب في علم القوافي، وكان بصيرا بعلم النجوم قرأه على البتّاني المنجم صاحب الزيج، ويقال إنه كان يقوم بعشرة علوم، وتقلّد القضاء بالأهواز وكورة واسط وأعمالها والكوفة وسقي الفرات وجند حمص وعدة نواح من الثغور الشامية وأرجان وكورة سابور مجتمعا ومفترقا، وأول ولايته القضاء رئاسة في أيام المقتدر بالله بعهد كتبه له أبو علي ابن مقلة الوزير وشهد الشهود عنده فيما حكم بين أهل عمله بالحضرة في سنة أربعين وثلاثمائة وشهدوا على إنفاذه، وكان المطيع لله قد عوّل على صرف أبي السائب عن قضاء القضاة وتقليده إياه، فأفسد ذلك بعض أعدائه، وكان ابن مقلة قلده المظالم بالأهواز والإشراف على العيار بها، وكان
стр. 1872
أبو عبد الله البريدي قد استخلفه بواسط على بعض أمور النظر. ولم يزل نبيها متقدما يمدحه الشعراء ويجيزهم ويفضل على من قصده إفضالا أثر في حاله، وتوفي بالبصرة في سنة اثنتين وأربعين، وصلّى عليه الوزير أبو محمد المهلبي، وقضى ما كان عليه من الدين وهو خمسون ألف درهم.
قال أبو علي التنوخي «١» : كان أبي يحفظ للطائيين سبعمائة قصيدة ومقطوعة سوى ما يحفظه لغيرهم من المحدثين والمخضرمين «٢» والجاهليين ولقد رأيت له دفترا بخطه هو عندي يحتوي على رؤوس ما يحفظه من القصائد مائتين «٣» وثلاثين ورقة أثمان منصوري لطاف، وكان يحفظ من النحو واللغة شيئا عظيما مع ذلك، وكان الفقه والفرائض والشروط والمحاضر والسجلات رأس ماله، وكان يحفظ منه ما قد اشتهر به من الكلام والمنطق والهندسة، وكان في النجوم وحفظ الأحكام وعلى الهيئة قدوة وفي حفظ علم العروض، وله فيه وفي الفقه وغيرهما عدة كتب مصنفة، وكان مع ذلك يحفظ ويجيب في فوق «٤» عشرين ألف حديث، وما رأيت أحدا أحفظ منه، ولولا أن حفظه افترق في جميع هذه العلوم لكان أمرا هائلا.
قال أبو منصور الثعالبي «٥» : هو من أعيان أهل العلم والأدب، وأفراد الكرم وحسن الشيم، وكان كما قرأته في فصل للصاحب: إن أردت فإني سبحة ناسك، أو أحببت فإني تفاحة فاتك، او اقترحت فإني مدرعة راهب، أو آثرت فإني تحية شارب. وكان يتقلد قضاء البصرة والأهواز بضع سنين، وحين صرف عنه ورد حضرة سيف الدولة زائرا ومادحا فأكرم مثواه وأحسن قراه، وكتب في معناه إلى الحضرة ببغداد حتى أعيد إلى عمله وزيد في رزقه ورتبته، وكان المهلبي الوزير وغيره من رؤساء
стр. 1873
العراق يميلون إليه جدا ويتعصبون له، ويعدونه ريحانة الندماء ونارنج «١» الظرفاء ويعاشرون منه من تطيب عشرته وتكرم أخلاقه وتحسن أخباره وتسير أشعاره، ناظما حاشيتي البرّ والبحر وناحيتي الشرق والغرب. وبلغني أنه كان له غلام يسمى نسيما في نهاية الملاحة واللباقة، وكان يؤثره على سائر غلمانه ويختصه بتقريبه واستخدامه، فكتب إليه بعض من يأنس به:
هل عليّ لامه مدغمة ... لاضطرار الشعر في ميم نسيم
فوقع تحته: نعم ولم لا.
قال «٢» : ويحكى أنه كان من جملة القضاة الذين ينادمون الوزير المهلبي ويجتمعون عنده في الأسبوع ليلتين على اطراح الحشمة والتبسط في القصف والخلاعة، وهم ابن قريعة وابن معروف والقاضي الايذجي «٣» وغيرهم، وما منهم إلا أبيض اللحية طويلها، وكذلك كان المهلبي، فإذا تكامل الأنس وطاب المجلس ولذّ السماع وأخذ الطرب منهم مأخذه وهبوا ثوب الوقار للعقار، وتقلبوا في أعطاف العيش بين الخفة والطيش، ووضع في يد كلّ منهم طاس ذهب من ألف مثقال مملوءا شرابا قطر بليا وعكبريا فيغمس لحيته فيه بل ينقعها حتى تتشرب أكثره ثم يرشّ بها بعضهم على بعض، ويرقصون بأجمعهم وعليهم المصبغات ومخانق البرم، ويقولون كلما نكبر شر هرهر «٤» ، وإياهم عنى السريّ بقوله:
مجالس ترقص القضاة بها ... إذا انتشوا في مخانق البرم
وصاحب يخلط المجون لنا ... بشيمة حلوة من الشيم
تخضب بالراح شيبه عبثا ... أنامل مثل حمرة العنم
حتى تخال العيون شيبته ... شيبة عثمان ضرّجت بدم
فإذا أصبحوا عادوا إلى عاداتهم في التزمت والتوقر والتحفظ بأبهة القضاء وحشمة
стр. 1874
المشايخ الكبراء. ومن شعر التنوخي هذا «١» :
وجاء لا جاء الدجى كأنه ... من طلعة الواشي ووجه المرتقب
وفعل الظلام بالضياء ما ... يفعله الحرف بأبناء الأدب
وله «٢» :
وليلة مشتاق كأنّ نجومها ... قد اغتصبت عيني الكرى فهي نوّم
كأن عيون الساهرين لطولها ... إذا شخصت للأنجم الزهر أنجم
كأن سواد الليل والفجر ضاحك ... يلوح ويخفى أسود يتبسم
وله «٣» :
عهدي بها وضياء الصبح يطفئها ... كالسّرج تطفأ أو كالأعين العور
أعجب به حين وافى وهي نيّرة ... وظلّ يطمس منها النور بالنور
وله «٤» :
لم أنس دجلة والدجى متصوّب ... والبدر في أفق السماء مغرّب
فكأنها فيه بساط أزرق ... وكأنه فيها طراز مذهب
وله «٥» :
كتبت وليلي بالسّهاد نهار ... وصدري لورّاد الهموم صدار
ولي أدمع غزر تفيض كأنها ... سحائب فاضت من يديك غزار
ولم أر مثل الدمع ماء إذا جرى ... تلهّب منه في المدامع نار
رحلت وزادي لوعة ومطيتي ... جوانح من حرّ الفراق حرار
стр. 1875
مسير دعاه الناس سيرا توسعا ... ومعنى اسمه إن حققوه إسار
إذا رمت أن أنسى الأسى ذكّرت به ... ديار لها بين الضلوع ديار
لك الخير عن غير اختياري ترحّلي ... وهل بي على صرف الزمان خيار
وهذا كتابي والجفون كأنما ... تحكّم في أشفارهنّ شفار
وله:
فحم كيوم الفراق يشعله ... نار كنار الفراق في الكبد
أسود قد صار تحت حمرتها ... مثل العيون اكتحلن بالرمد
وله في محبوب جسيم «١» :
من أين أستر وجدي وهو منهتك ... ما للمتيم في فتك الهوى درك
قالوا عشقت عظيم الجسم قلت لهم ... الشمس أعظم جسم حازه الفلك
وله «٢» :
رضاك شباب لا يليه مشيب ... وسخطك داء ليس منه طبيب
كأنك من كلّ القلوب مركّب ... فأنت إلى كلّ القلوب حبيب
قال ومما أنشدته له ولم أجده في ديوانه «٣» :
قلت لأصحابي وقد مرّ بي ... منتقبا بعد الضيا بالظّلم
بالله يا أهل ودادي قفوا ... كي تبصروا كيف زوال النعم
وحدّث السلاميّ قال، حدثني اللحام قال: خرج أبو أحمد ابن ورقاء الشيباني في بعض الأسفار فكتب إليه أبو القاسم التنوخي الانطاكي يتشوق إليه ويجزع على فراقه «٤» :
تسير وقلبي في ذراك أسير ... وحادي ركابي لوعة وزفير
ولي أدمع غزر تفيض كأنها ... جدى فاض في العافين منك غزير
стр. 1876
وطرف طريف بالسهاد كأنه ... نداك وجيش الجود فيه يغير
أبا أحمد إنّ المكارم منهل ... لكم أول من ورده وأخير
سماح كمزن الجود فيه تسجّم ... وغاب لأسد الموت فيه زئير
شباب بني شيبان شيب إذا انتدوا ... وقلّهم يوم اللقاء كثير
وجوه كأكباد المحبين رقة ... على أنها يوم اللقاء صخور
وحدّث أبو سعد السمعاني ومن خطه نقلت باسناد رفعه إلى منصور الخالدي قال: كنت ليلة عند القاضي التنوخي في ضيافته فأغفى اغفاءة فخرجت منه ريح، فضحك بعض القوم، فانتبه لضحكه وقال: لعل ريحا، فسكتنا فمكث هنيهة ثم أنشأ يقول:
إذا نامت العينان من متيقظ ... تراخت بلا شك تشاريج «١» فقحته
فمن كان ذا عقل فيعذر نائما ... ومن كان ذا جهل ففي جوف لحيته
ومن خطّ السمعاني باسناده له وهي من مشهور شعره:
لم أنس شمس الضحى تطالعني ... ونحن من رقبة على فرق
وجفن عيني بدمعه شرق ... لمّا بدت في معصفر شرق
كأنه أدمعي ووجنتها ... لما رمتنا الوشاة بالحدق
ثم تغطّت بكمّها خجلا ... كالشمس غابت في حمرة الشفق
وله:
تخير إذا ما كنت في الأمر مرسلا ... فمبلغ آراء الرجال رسولها
وردّ وفكّر في الكتاب فإنما ... بأطراف أقلام الرجال عقولها
وحدّث أبو علي المحسن بن علي بن محمد التنوخي «٢» : جرى في مجلس أبي ﵀ يوما ذكر رجل كان صغيرا فارتفع، فقال بعض الحاضرين: من ذاك
стр. 1877
الوضيع؟ أمس كنا نراه بمرقّعة يشحذ، فقال أبي: وما يضعه من أن الزمان عضه ثم ساعده؟! كل كبير إنما كان صغيرا أولا، والفقر ليس بعار إذا كان الإنسان فاضلا في نفسه، وأهل العلم خاصة لا يعيبهم ذلك، وأنا أعتقد أن من كان صغيرا فارتفع أو فقيرا فاستغنى أفضل ممن ولد في الغنى أو في الجلالة، لأن من ولد في ذلك إنما يحمل «١» على غيره فلا حمد له هو خاصة فيه، ومن لم يكن له فكان فكأنما بكدّه «٢» وصل إلى ذلك، فهو أفضل ممن وصل إليه ميراثا أو بجد غيره وكدّ سواه.
حدّث أبو علي المحسن بن أبي القاسم علي بن محمد بن داود التنوخي، حدثني أبي قال «٣» : سمعت أبي ﵀ يوما ينشد، وسني إذ ذاك خمس عشرة سنة، بعض قصيدة دعبل بن علي الطويلة التي يفتخر فيها باليمن ويعدد مناقبهم ويرد على الكميت فيها فخره بنزار، وأولها:
أفيقي من ملامك يا ظعينا ... كفاك اللوم مرّ الأربعينا
وهي نحو ستمائة بيت، فاشتهيت حفظها لما فيها من مفاخر اليمن لأنهم أهلي، فقلت: يا سيدي تخرجها إليّ حتى أحفظها، فدافعني فألححت عليه فقال: كأني بك تأخذها فتحفظ منها خمسين بيتا أو مائة بيت ثم ترمي بالكتاب وتخلقه عليّ، فقلت:
ادفعها إليّ، فأخرجها وسلّمها إليّ، وقد كان كلامه أثر فيّ، فدخلت حجرة لي كانت برسمي من دار أبي «٤» فخلوت فيها ولم أتشاغل يومي وليلتي بشيء غير حفظها، فلما كان السّحر كنت قد فرغت منها من جميعها وأتقنتها، فخرجت إليه غدوة على رسمي فجلست بين يديه فقال: هي، كم حفظت من القصيدة؟ فقلت قد حفظتها بأسرها، فغضب وقدّر أني قد كذبته وقال: هاتها فأخرجت الدفتر من كمي فأخذه وفتحه ونظر فيه وأنا أنشد إلى أن مضيت في أكثر من مائة بيت، فصفح منها عدة أوراق وقال: أنشد من هاهنا، فأنشدت مقدار مائة بيت آخر، فصفح إلى أن قارب آخرها
стр. 1878
بمائة بيت وقال: أنشدني من هاهنا، فأنشدته من مائة بيت فيها إلى آخرها، فهاله ما رأى من حسن حفظي، فضمني إليه وقبّل رأسي وعيني وقال: بالله يا ابني لا تخبر بهذا أحدا فإني أخاف عليك من العين.
قال أبو علي قال لي أبي «١» : حفظني أبي وحفظت بعده من شعر أبي تمام والبحتري سوى ما كنت أحفظ لغيرهما من المحدثين من الشعراء مائتي قصيدة، قال:
وكان أبي وشيوخنا بالشام يقولون من حفظ للطائيين أربعين قصيدة ولم يقل الشعر فهو حمار في مسلاخ إنسان، فقلت الشعر، وبدأت بمقصورتي التي أولها:
لولا التناهي لم أطع نهي النهى ... أيّ مدى يطلب من جاز المدى
قال أبو علي المحسن: وحدت في كتب أبي كتابا من أبي محمد المهلبي إليه قبل تقلده الوزارة بسنين أوله: كتابي أطال الله بقاء سيدنا القاضي عن سلامة لا زالت له إلفا وعليه وقفا:
وحمد لمولى أستمدّ بحمده ... له الرتبة العلياء والعزّ دائما
وأن يسخط الأيام بالجمع بيننا ... وترضى المنى حتى يرينيك سالما
وصل كتابه أدام الله عزّه فقمت معظما له وقعدت مشتملا على السرور به:
وفضضته فوجدته ... ليلا على صفحات نور
مثل السوالف والخدو ... د البيض زينت بالشعور
بنظام لفظ كالثغو ... ر وكاللآلىء في النحور
أنزلته في القلب من ... زلة القلوب من الصدور
قال أبو علي في «النشوار» «٢» حدثني أبو العلاء صاعد بن ثابت قال: كتب إليّ القاضي التنوخي جواب كتاب كتبته إليه: وصل كتابك:
فما شككت وقد جاء البشير به ... أنّ الشباب أتاني بعد ما ذهبا
стр. 1879
وقلت نفسي تفدي نفس مرسله ... من كلّ سوء ومن أملى ومن كتبا
وكاد قلبي وقد قلّبته قرما ... إلى قراءته أن يخرق الحجبا
قال: والشعر له وأنشدنيه بعد ذلك لنفسه. قال أبو علي: ولست أعرف له ذلك ولا وجدته في كتبه منسوبا إليه، ويجوز أن يكون مما قاله ولم يثبته أو ضاع فيما ضاع من شعره فإنه أكثر مما حفظ.
ومن شعر أبي القاسم علي بن محمد التنوخي الأكبر:
يجود فيستحيي الحيا عند جوده ... ويخرس صرف الدهر حين يقول
عطايا تباري الريح وهي عواصف ... ويخجل منها المزن وهو هطول
أقام له سوقا بضائعها الندى ... سماح لأرسل السماح رسيل
له نسب لو كان للشمس ضوؤه ... لما غالها بعد الطلوع أفول
وله:
يا واحد الناس لا مستثنيا أحدا ... إذ كان دون الورى بالمجد منفردا
أما ترى الروض قد لاقاك مبتسما ... ومدّ نحو الندامى للسلام يدا
فأخضر ناضر في أبيض يقق ... وأصفر فاقع في أحمر نضدا
مثل الرقيب بدا للعاشقين ضحى ... فاحمرّ ذا خجلا واصفرّ ذا كمدا
وله:
الق العدوّ بوجه لا قطوب به ... يكاد يقطر من ماء البشاشات
فأحزم الناس من يلقى أعاديه ... في جسم حقد وثوب من مودات
الصبر خير وخير القول أصدقه ... وكثرة المزح مفتاح العداوات
وله في الناعورة:
باتت تئنّ وما بها وجدي ... وأحنّ من وجد إلى نجد
فدموعها تحيا الرياض بها ... ودموع عيني أقرحت خدي
стр. 1880
وله:
فديت عينيك وإن كانتا ... لم تبقيا من جسدي شيا
إلا خيالا لو تأملته ... في الشمس لم تبصر له فيا
وكان عبد الله بن المعتز قد قال قصيدة يفتخر فيها ببني العباس على بني أبي طالب أولها:
أبى الله إلا ما ترون فما لكم ... غضابى علم الأقدار يا آل طالب
فأجابه أبو القاسم التنوخي بقصيدة نحلها بعض العلويين وهي مثبتة في ديوانه أولها:
من ابن رسول الله وابن وصيّه ... إلى مدغل في عقدة الدين ناصب
نشا بين طنبور وزقّ ومزهر ... وفي حجر شاد أو على صدر ضارب
ومن ظهر سكران إلى بطن قينة ... على شبه في ملكها وشوائب
يقول فيها:
وقلت بنو حرب كسوكم عمائما ... من الضرب في الهامات حمر الذوائب
صدقت منايانا السيوف وإنما ... تموتون فوق الفرش موت الكواعب
ونحن الألى لا يسرح الذمّ بيننا ... ولا تدّري أعراضنا بالمعايب
إذا ما انتدوا كانوا شموس نديّهم ... وإن ركبوا كانوا بدور الركائب
وإن عبسوا يوم الوغى ضحك الردى ... وإن ضحكوا بكّوا عيون النوائب
وما للغواني والوغى فتعوذوا ... بقرع المثاني من قراع الكتائب
ويوم حنين قلت حزنا فخاره ... ولو كان يدري عدّها في المثالب
أبوه مناد والوصيّ مضارب ... فقل في مناد صيّت ومضارب
وجئتم مع الأولاد تبغون إرثه ... فأبعد بمحجوب بحاجب حاجب
وقلتم نهضنا ثائرين شعارنا ... بثارات زيد الخير عند التحارب
فهلّا بابراهيم كان شعاركم ... فترجع دعواكم تحلّة خائب
стр. 1881
وله في سيف الدولة «١» رحمه الله تعالى:
لله أيام مضين قطعتها ... وطوالها بالغانيات قصار
حين الصبا لدن المهزّ قضيبه ... غضّ وأنواء السرور غزار
أجلو النهار على النهار وأنثني ... والشمس لي دون الشعار شعار
حتى إذا ما الليل أقبل ضمّنا ... دون الإزار من العناق إزار
فعلى النحور من النحور قلائد ... وعلى الخدود من الخدود خمار
وبدت نجوم الليل من خلل الدجى ... تذكو كما يتفتّح النوار
أقبلن والمريخ في أوساطها ... مثل الدراهم وسطها دينار
والجوّ تجلوه النجوم على الدجى ... في قمص وشي ما لها أزرار
وكأنما الجوزا وشاح خريدة ... والنجم تاج والوشاح خمار
منها في المدح:
ملك تناجيه القلوب بما جنت ... وتخافه الأوهام والأفكار
فيد مؤيدة وقلب قلّب ... وشبا يشبّ وخاطر خطّار
حين العيون شواخص وكأنها ... للخوف لم تخلق لها أبصار
كلّ الورى أرض وأنت سماؤها ... وجميعهم ليل وأنت نهار
وله:
ما منهم إلا امرؤ غمر الندى ... سمح اليدين مؤمّل مرهوب
يغريه بالخلق الرفيع وبالندى ... والمكرمات العذل والتأنيب
فله رقيب من نداه على الورى ... وعليه من كرم الطباع رقيب
وله:
وقفنا نجيل الرأي في ساكني الغضا ... وجمر الغضا بين الضلوع يجول
نشيم بأرض الشام برقا كأنه ... عقود نضار ما لهنّ فصول
стр. 1882
وله:
أما في جنايات النواظر ناظر ... ولا منصف إن جار منهنّ جائر
بنفسي من لم يبد قطّ لعاذل ... فيرجع إلا وهو لي فيه عاذر
ولا لحظت عيناه ناه عن الهوى ... فأصبح إلا وهو بالحبّ آمر
يؤثّر فيه ناظر الفكر بالمنى ... وتجرحه باللمس منها الضمائر
حدث أبو علي المحسن بن علي بن محمد التنوخي في «نشواره» «١» قصة لأبي معشر قد ذكرتها في «مجموع الاختطاف» عجيبة، ثم قال: وهذا بعيد جدا دقيق، ولكن فيما شاهدناه من صحة بعض أحكام النجوم كفاية، هذا أبي حوّل مولد نفسه في السنة التي مات فيها وقال لنا: هذه سنة قطع على مذهب المنجمين، وكتب بذلك إلى بغداد إلى أبي الحسن ابن البهلول القاضي صهره ينعى نفسه ويوصيه، فلما اعتلّ أدنى علة وقبل أن تستحكم علته أخرج التحويل ونظر فيه طويلا وأنا حاضر فبكى، ثم أطبقه واستدعى كاتبه وأملى عليه وصيته التي مات عنها وأشهد فيها من يومه، فجاء أبو القاسم غلام زحل المنجم «٢» فأخذ يطيّب نفسه ويورد عليه شكوكا، فقال له يا أبا القاسم: لست ممن يخفى عليه فأنسبك إلى غلط، ولا أنا ممن يجوز عليه هذا فتستغفلني، وجلس فوافقه على الموضع الذي خافه وأنا حاضر، فقال له: دعني من هذا، بيننا شكّ في أنه إذا كان يوم الثلاثاء العصر لسبع بقين من الشهر فهو ساعة قطع عندهم، فأمسك أبو القاسم غلام زحل لأنه كان خادما لأبي وبكى طويلا وقال: يا غلام طستا، فجاؤوه به فغسل التحويل وقطعه، وودع أبا القاسم توديع مفارق، فلما كان في ذلك اليوم العصر [بعينه] مات كما قال.
قال المحسن وحدثني أبي قال «٣» : لما كنت أتقلّد القضاء بالكرخ «٤» كان بوّابي
стр. 1883
بها رجل من أهل الكرخ وله ابن عمره حينئذ عشر سنين أو نحوها، وكان يدخل داري بلا إذن ويمزح مع غلماني وأهب له في الأوقات الدراهم والثياب كما يفعل الناس بأولاد غلمانهم، ثم خرجت عن الكرخ ورحلت عنها ولم أعرف للبوّاب ولا لابنه خبرا، ومضت السنون، وأنفذني أبو عبد الله البريدي من واسط برسالة إلى ابن رائق فلقيته بدير العاقول، ثم انحدرت أريد واسطا فقيل لي إن في الطريق لصا يعرف بالكرخي مستفحل الأمر، وكنت خرجت بطالع اخترته على موجب تحويل مولدي لتلك السنة، فلما عدت من دير العاقول خرج علينا اللصوص في سفن عدّة بسلاح شاك في نحو مائة رجل، وهم كالعسكر العظيم، وكان معي غلمان يرمون بالنشاب، فحلفت أنّ من رمى منهم سهما ضربته إذا رجعت إلى المدينة مائتي مقرعة «١» ، وذلك أنني خفت أن يقتل أحد منهم فلا يرضون إلا بقتلي، وبادرت فرميت بجميع ما كان معي ومع الغلمان من السلاح في دجلة واستسلمت طلبا لسلامة النفس، وجلست أفكر في الطالع الذي خرّجت «٢» ، فإذا ليس مثله مما يوجب عندهم قطعا، والناس قد أدبروا إلى الشطّ وأنا في جملتهم، وجعلوا يفرغون السفن وينقلون جميع ما فيها من الأمتعة إلى الشاطىء وهم يضربون ويقطعون بالسيوف، فلما انتهى الأمر إليّ جعلت أعجب من حصولي في مثل ذلك وأرى الطالع لا يوجبه، فبينا أنا كذلك وإذا بسفينة رئيسهم قد دنت مني وطرح عليّ كما صنع في سائر السفن ليشرف على ما يؤخذ، فحين رآني زجر أصحابه عنّي ومنعهم من أخذ شيء من سفينتي، وصعد بمفرده إليّ وجعل يتأملني، ثم أكبّ على يديّ يقبّلهما وهو متلثم، فارتعت وقلت: يا هذا ما شأنك؟
فأسفر لثامه وقال: أما تعرفني يا سيدي؟ فتأملته فلجزعي لم أعرفه فقلت: لا والله، فقال: بلى أنا عبدك ابن فلان الكرخي بوّابك هناك، وأنا الصبيّ الذي تربيت في دارك، قال: فتأملته فعرفته إلا أن اللحية قد غيرته في عيني، فسكن روعي قليلا وقلت: يا هذا كيف بلغت إلى هذه الحال؟ فقال: يا سيدي نشأت فلم أتعلم غير معالجة السلاح، وجئت إلى بغداد أطلب الديوان فما قبلني أحد، وانضاف إليّ هؤلاء
стр. 1884
الرجال فطلبت قطع الطريق، ولو كان أنصفني السلطان وأنزلني بحيث أستحقّ من الشجاعة وانتفع بخدمتي ما فعلت بنفسي هذا، قال: فأقبلت أعظه وأخوّفه الله ثم خشيت أن يشقّ ذلك عليه فيفسد رعايته لي فأقصرت، فقال لي: يا سيدي لا يكون بعض هؤلاء أخذ منك شيئا، فقلت: لا ما ذهب مني إلا سلاح رميته أنا إلى الماء، وشرحت له الصورة، فضحك وقال: قد والله أصاب القاضي فمن في الكار «١» ممن تعتني به؟ فقلت: كلهم عندي بمنزلة واحدة في الغمّ بهم فلو أفرجت عن الجميع فقال: والله لولا أن أصحابي قد تفرقوا بما أخذوه لفعلت ذلك، ولكنهم لا يطيعونني إلى رده، ولكن أمنعهم عن أخذ شيء آخر مما في السفن مما لم يؤخذ بعد، فجزّيته الخير، فصعد إلى الشاطىء وأصعد جميع أصحابه ومنعهم عن أخذ شيء آخر مما في السفن مما لم يؤخذ وردّ على قوم أشياء كثيرة كانت أخذت منهم وأطلق الناس، وسار معي إلي حيث أمن عليّ وودعني وانصرف راجعا.
حدث أبو القاسم قال، حدثني أبي قال: كان أول شيء قلدته القضاء بعسكر مكرم وتستر وجنديسابور وأعمال ذلك من قبل القاضي أبي جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي، وكنت في السنة الثانية والثلاثين من عمري وذلك في شهور سنة عشر وثلاثمائة.
ومن مشهور شعره ما نقلته من ديوان شعره:
وراح من الشمس مخلوقة ... بدت لك في قدح من نهار
هواء ولكنه ساكن «٢» ... وماء ولكنه غير جاري
إذا ما تأملته وهو فيه ... تأملت ماء محيطا بنار
فهذي النهاية في الإبيضاض ... وهذي النهاية في الإحمرار
وما كان في الحكم أن يوجدا ... لفرط التنافي وفرط النفار
ولكن تجاور سطحاهما ال ... بسيطان فاتفقا بالجوار
كأنّ المدير لها باليمين ... إذا مال للسقي أو باليسار
стр. 1885
تدرّع ثوبا من الياسمين ... له فرد كم من الجلنار
قلت: وقد تنوزعت هذه الأبيات ورويت لغيره فقيل إنها لأبي النضر الأنطاكي النحوي وغيره.
[٨١٢] علي بن محمد بن الحسين بن محمد أبو الفتوح
ابن العميد الملقب بذي الكفايتين، كفاية السيف وكفاية القلم، وزير ركن الدولة أبي علي الحسن بن بويه بعد أبيه، وبذل مالا، ثم وزير ابنه مؤيد الدولة بويه بالري وأصفهان وتلك الأعمال، وورد إلى بغداد صحبة عضد الدولة بن ركن الدولة لنصرة عز الدولة بختيار. قتلى على ما يجيء شرحه إن شاء الله تعالى في سنة ست وستين وثلاثمائة ومولده في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، كذا ذكر ابن الصابىء.
كان أديبا فاضلا بليغا قد اقتدى بأبيه في علو الهمة وبعد الشأو في الكرم والفضل «١» :
إن السريّ إذا سرى فبنفسه ... وابن السريّ إذا سرى أسراهما
وكان أبوه قد أدّبه فأحسن تأديبه، وهذّبه أبو الحسين ابن فارس اللغوي وأحسن تهذيبه، ولما مات أبوه في الوقت الذي ذكرناه في ترجمته، وهو سنة ستين وثلاثمائة، وقال ابن الصابي في سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، قام مقامه في وزارة ركن الدولة وذلك قبل الاستكمال وبعد من الاكتهال، وعمره حينئذ اثنتان وعشرون سنة، فألقى ركن الدولة مقاليده إليه، وعوّل في تدبير السيف والقلم عليه، فلما جرى لعز الدولة
стр. 1886
بختيار بن معز الدولة ببغداد ما جرى مع غلامه سبكتكين وأرسل إلى عمه ركن الدولة يستعين به تقدّم إلى أبي الفتح بالمضيّ إلى شيراز والمسير في صحبة ولده عضد الدولة لانجاد عز الدولة، وورد إلى بغداد وجرى ما جرى من موت سبكتكين ومحاربة أصحابه حتى انجلوا عنها، وطمع عضد الدولة فيها ومكاتبة أبيه إياه بمفارقتها وتسليمها إلى عز الدولة، وكتب ركن الدولة إلى أبي الفتح بالقيام بذلك وبالتكفّل به حتى يفارق عضد الدولة بغداد في قصة هي مذكورة في التواريخ، فتشدّد ابن العميد على عضد الدولة في ذلك، وخاطبه فيه مخاطبات حقدها عضد الدولة عليه، فلما رجع عضد الدولة قال يوما لابن العميد: ما حظيت من ورودي إلى بغداد بفائدة، وقد أطلقت بسببها أموالا صامتة لا تحصى، فقال له أبو الفتح: ما سلم من الأعطيات سلطان، ولا خلا من النفقات مكان، ولو استقصيت بمقدار حالي ما فرقته لكنت مبذرا، فقال له عضد الدولة:
أما أنت فقد شرف قدرك وعلا ذكرك، كنّاك خليفة الله في أرضه ولقبك، فأنت ذو الكفايتين أبو الفتح، فأعظم بذلك من فخر يبقى بقاء النيرين ويدوم دوام العصرين.
وكان عضد الدولة يقول: خرجت من بغداد وأنا زريق الشارب- لأنّ سفلة الناس والعامة كانوا يذكرونه بذلك- وخرج ابن العميد مكّنى من الخليفة ملقّبا بذي الكفايتين. فلما مات «١» ركن الدولة، وقام مقامه بالري وتلك النواحي ابنه مؤيد الدولة بويه كان الصاحب ابن عباد وزيره، فخلع على أبي الفتح واستوزره والصاحب على جملته في الكتابة لمؤيد الدولة، فكره أبو الفتح موضعه، فبعث الجند على الشغب وهموا بقتل الصاحب، فأمره مؤيد الدولة بالعود إلى أصبهان، فأسرّ مؤيد الدولة ذلك في نفسه إلى أشياء كان ينبسط فيها يحمله عليها نزقة الشباب، وانضاف إلى ذلك تغير عضد الدولة عليه وكثرة ميل القواد والعساكر إليه، فخيفت منه غائلة، فكتب عضد الدولة إلى أخيه مؤيد الدولة يأمره بالقبض عليه واستصفاء أمواله وتعذيبه، فقبض عليه وحمله إلى بعض القلاع، وبدرت منه كلمات في حقّ عضد الدولة نمت إليه فزادت في استيحاشه منه، فأنهض من حضرته من تكفّل بتعذيبه واستخراج أمواله والتنكيل به، فأول ما عمل به أن سمل إحدى عينيه ثم نكل به وجزّ لحيته وجدع أنفه وعذب
стр. 1887
بأنواع من العذاب، فقال:
بدّل من صورتي المنظر ... لكنه ما بدّل المخبر
وليس إشفاقا على هالك «١» ... لكن على من لي يستعبر
وواله القلب بما مسني ... مستخبر عني ولا يخبر
فقل لمن سرّ بما ساءني ... لا بد أن يسلك ذا المعبر
ووجد على حائط مجلسه بعد قتله:
ملك شدّ لي عرى الميثاق ... بأمان قد سار في الآفاق
لم يحل رأيه ولكنّ دهري ... حال عن رأيه فشدّ وثاقي
فقرى الوحش من عظامي ولحمي ... وسقى الأرض من دمي المهراق
فعلى من تركته من قريب ... أو حبيب تحية المشتاق
وفي بني العميد يقول بعضهم:
مررت على ديار بني العميد ... فألفيت السعادة في خمود
فقل للشامت الباغي رويدا ... فانك لم تبشّر بالخلود
قال: وكان أبو الفتح قد أغري قبل القبض عليه بانشاد هذين البيتين لا يجفّ لسانه عن ترديدهما «٢» :
ملك الدنيا أناس قبلنا ... رحلوا عنها وخلّوها لنا
ونزلناها كما قد نزلوا ... ونخلّيها لقوم غيرنا «٣»
فلما حصل في الاعتقال وأيقن أن القوم يريدون دمه وأنه لا ينجو منهم وإن بذل ماله مدّ يده إلى جيب جبّة عليها ففتقه عن رقعة فيها ثبت ما لا يحصى من ودائعه وكنوز أبيه وذخائره، فألقاها في كانون نار بين يديه وقال للموكل به: اصنع ما أنت صانع، فو الله لا يصل من أموالي المستورة إلى صاحبك دينار واحد، فما زال يعرضه على
стр. 1888
العذاب إلى أن تلف، ولما أحسّ بالقتل قال:
راعوا قليلا فليس الدهر عبدكم ... كما تظنون والأيام تنتقل
وهذا شيء من خبره وشعره:
قال «١» كان أبو الفضل أبوه قد جعل جماعة من ثقات أبي الفتح في صباه يشرفون عليه في منزله ومكتبه وينهون إليه أنفاسه، فرفع إليه بعضهم أن أبا الفتح اشتغل ليلة بما يشتغل به الأحداث من عقد مجلس مسرة واحضار الندماء في خفية شديدة واحتياط من أبيه، وأنه كتب رقعة إلى من سمّاه يستهديه شرابا، فحمل إليه ما يصلحهم من الشراب والنقل والمشموم، فدسّ أبوه إلى ذلك الانسان من جاء بالرقعة الصادرة عن أبي الفتح فإذا فيها بخطه: بسم الله الرّحمن الرّحيم قد اغتنمت الليلة- أطال الله بقاء سيدي ومولاي- رقدة من عين الدهر، وانتهزت فيها فرصة من فرص العمر، وانتظمت مع أصحابي في سمط الثريا، فإن لم تحفظ علينا النظام باهداء المدام عدنا كبنات نعش والسلام. فاستطير أبوه فرحا وإعجابا بهذه الرقعة البديعة وقال: الآن ظهر لي أثر براعته ووثقت بجريه في طريقي ونيابته منابي، ووقع له بألفي دينار.
وحدث أبو الحسين ابن فارس قال «٢» : جرى في بعض أيامنا ذكر أبيات استحسن أبو الفضل ابن العميد وزنها واستحلى رويّها، وأنشد جماعة من حضر ما حضرهم على ذلك الروي وهو قول القائل:
لئن كففت وإلا ... شققت منك ثيابي
فأصغى إليها أبو الفتح ثم أنشدني في الوقت:
يا مولعا بعذابي ... أما رحمت شبابي
تركت قلبا قريحا ... نهب الأسى والتصابي
إن كنت تنكر ما بي ... من ذلّتي واكتئابي
فارفع قليلا قليلا ... عن العظام ثيابي
стр. 1889
قال: فتأمل هذه الطريقة وانظر إلى هذا الطبع فانه أتى بمثل ما أنشده في رشاقته وخفّته ولم يعد الجنس ولم يقصّر دونه، وبذلك يعرف قدر القادر على الخطابة والبلاغة.
ومن مستحسن شعره «١» :
عودي وماء شبيبتي في عودي ... لا تعمدي لمقاتل المعمود
وصليه ما دامت أصائل عيشه ... تؤويه في فيء لها ممدود
ما دام من ليل الصبا في فاحم ... رجل الذرى فينان كالعنقود
قبل الزمان فطارقات جنوده ... يبدلنه يققا بربد «٢» سود
وله «٣» :
إذا أنا بلّغت الذي كنت أشتهي ... وأضعافه ألفا فكلني إلى الخمر
وقل لنديمي قم إلى الدهر فاقترح ... عليه الذي تهوى ودعني مع الدهر
وله «٤» :
أين لي من يفي بشكر الليالي ... إذا أضافت «٥» خيالها وخيالي
لم يكن بي على الزمان اقتراح ... غيرها منية فجاد بها لي
قرأت في كتاب أبي الحسين هلال «٦» بن المحسن، حدثني أبو اسحاق إبراهيم بن هلال جدي قال: لما سار عضد الدولة من بغداد عائدا إلى فارس أقام أبو الفتح ابن العميد بعده ووصل إلى حضرة الطائع لله حتى خلع عليه وحمله وكناه ولقبه ذا الكفايتين، وتنجّز منه خلعا ولقبا لفخر الدولة أبي الحسن، وأقطع من نواحي السواد ضياعا كثيرة رتّب فيها نائبا يستوفي ارتفاعها ويحمله إليه، ودعاه أبو طاهر ابن بقية عدة دعوات، وملأ عينه بالهدايا والملاطفات، وقال في بعض الأيام: لا بد أن أخلع على ابن العميد في مجلسي، ودعاه، فلما قعد وأكل وجلس على الشرب أخذ ابن بقية
стр. 1890
بيده فرجية ورداء في غاية الحسن والجلالة ووافى بهما إلى ابن العميد وقال له: قد صرت أيها الأستاذ جامدارك، فانظر هل ترتضيني لخدمتك، وطرح الفرجية عليه وقدّم الرداء بين يديه فأخذه ولبسه.
ومن شعره في الحبس:
ما بال قومي يجفوني أكابرهم ... أإن أطاعتهم الأيام والدول
أإن تقاصر عني الحال تقطعني ... عراهم ساء ما شاءوا وما فعلوا
أغراهم أن هذا الدهر أسكتني ... عنهم وتنطق فيه الشاء والابل
قدما رميت فلم تبلغ سهامهم ... وأخطأ الناس من مرميّه زحل
وله:
يقول لي الواشون كيف تحبها ... فقلت لهم بين المقصر والغالي
ولولا حذاري منهم لصدقتهم ... وقلت هوى لم يهوه قطّ أمثالي
وكم من شفيق قال ما لك واجما ... فقلت أبي ما بي وتسألني مالي
قال أبو الحسين، وحدثني أبو الفتح منصور بن محمد بن المقدر الأصبهاني قال، حدث أحد أصحاب أبي الفضل ابن العميد المختصين به قال: كان أبو الفتح ابن أبي الفضل يباكر أباه في كلّ يوم ويدخل إليه قبل كلّ أحد، فاتفق أن دخل يوما وأنا جالس عنده، فلما رآه مقبلا في الصحن وشاهد عمته وكانت ديلمية، ومشيته وهو يختال فيها ويسرف في تلويها، عجب من ذاك وقال لي: أما ترى إلى هذه العمة وهذه المشية في مخالفتها لعادتنا ومفارقتها طريقتنا؟! فقلت: قد رأيت، وإن رسم الأستاذ أن أخاطبه فيها وأنهاه عنها فعلت، فقال: لا تفعل فانه قصير العمر وما أحبّ أن أدخل على قلبه همّا ولا أمنعه هوى. وقد روي أن أبا الفضل وجد له رقعة كتبها إلى بعض من ينبسط إليه وفيها «١» :
أديبنا المعروف بالكردي ... يولع بالغلمان والمرد
أدخلني يوما إلى داره ... فناكني والأير من عندي
стр. 1891
فلما وقف ابن العميد أبوه على ذلك غضب وقال: أمثل ولدي يكتب مثل هذا الفحش والفجور؟! ثم قال: أما والله لولا ولولا ولولا ثم أمسك كأنه يشير إلى ما حكم له من سوء العاقبة وقصر العمر.
حكى أبو الحسين ابن فارس مما أورده أبو منصور في «اليتيمة» قال «١» : كنت عند الأستاذ أبي الفتح ابن العميد في يوم شديد الحرّ، فرمت الشمس بجمرات الهاجرة فقال لي: ما قول الشيخ في قلبه، فلم أحر جوابا لأني لم أفطن لما أراد، ولما كان بعد هنيهة أقبل رسول الأستاذ الرئيس يستدعيني إلى مجلسه، فقمت إليه، فلما مثلت بين يديه تبسم ضاحكا إلي وقال: ما قول الشيخ في قلبه؟ فبهتّ وسكت، وما زلت أفكر حتى انتبهت على أنه أراد الخيش، وكان من يشرف على أبي الفتح من جهة أبيه أتاه بتلك اللفظة في تلك الساعة، فدعاني لفرط اهتزازه لها ما اراد مجاراتي فيها، وقرأت صحيفة السرور من وجهه إعجابا بها، ثم أخذت أتحفه بنكت نثره وملح نظمه، فكان مما أعجب به وتعجب منه واستضحك له حكايتي رقعة وردت له عليّ وصدرها: وردت رقعة الشيخ أصغر من عنفقة بقة، وأقصر من أنملة نملة.
وقرأت في «تاريخ» أبي المعالي زين الكفاة الوزير أبي سعد منصور بن الحسين الآبي قال: كان عضد الدولة ينقم على أبي الفتح ابن العميد أشياء، وكان من أعظمها في نفسه حديثه ببغداد لما خرج لنجدة بختيار، فإنه جرّد القول والفعل في ردّ عضد الدولة عن بغداد، وأقام لنفسه بذلك ببغداد سوقا تقدم بها عند أهل البلد والخليفة حتى لقبه الخليفة ذا الكفايتين وكنّاه في كتابه بأبي الفتح. ولما انصرف عضد الدولة عن بغداد وقد ظهرت له مخايل الغدر من بختيار وقيام أهل بغداد عليه وتصريحهم بالشتم له ولقبوه زريقا الشارب، وذلك أن عضد الدولة تقدم باتخاذ مزمّلة في داره ليشرب منها الجند والعامة، ولم يكن عهد مثل ذلك في دور السلاطين قبل، وكان في نفسه أزرق العين فلقبوه بذلك، فكان يقول: خرجت من بغداد وأنا زريق الشارب، وابن العميد الوزير ذو الكفايتين أبو الفتح. فلما مات ركن الدولة في ست
стр. 1892
وستين وثلاثمائة لأربع بقين من المحرم ضبط أبو الفتح ذو الكفايتين الأمر أحسن ضبط وسكّن العسكر وفرّق فيهم مال البيعة، وكان مطاعا في الديلم محببا إليهم كثير الإفضال عليهم، وبادر بالخبر إلى مؤيد الدولة وهو باصفهان، فورد الري ومعه وزيره الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد يوم السبت لثلاث خلون من صفر وجلس للتعزية ثم انتصب في مكان أبيه، وكانت له هيبة وسياسة وفيه سخاء وسماحة، وخلع على أبي الفتح ابن العميد ذي الكفايتين خلع الوزارة وفوّض إليه الأمر يوم الأربعاء لخمس خلون من شهر ربيع الأول، وكان الصاحب يرغب أن يقيم بالري ويخلفه فلم يأمن أبو الفتح جانبه وضرب الحجاب الشديد بينهما، وخوّفوه منه لمحلّه من الصناعة ولمكانه من قلب مؤيد الدولة، فأراد إبعاده عن الحضرة ليتمكن من الايقاع به إن أراد ذلك، وأشار على مؤيد الدولة بأن يردّه إلى أصفهان ليدبر أعمالها والمقام بها، فخلع عليه على رسم الوزارة القباء والسيف والمنطقة وما يجري مع ذلك، وخرج يوم الأحد لثمان خلون من شهر ربيع الأول سنة ست وستين وثلاثمائة، وأخذ مؤيد الدولة في التدبير على ابن العميد والاحتيال للقبض عليه، ولم يكن يقدم على ذلك لمحلّ الرجل في قلوب الديلم وانصبابهم بمودتهم إليه وإخلاصهم في الموالاة إليه، وكان ذلك أقوى الدواعي لمحنته وآكد أسباب نكبته، فإنه كان مقتبل الشباب قليل التجارب غير مفكر في العواقب قد ولد في النعمة الضخمة ونشأ فيها، وخلف أباه وله دون خمس عشرة سنة، وتولى الوزارة وله إحدى وعشرون سنة، واعتاد خدمة الأمراء والقواد ومثولهم بين يديه وتنافسهم في خدمته، وكان يركب إلى الصيد وإلى الميدان لضرب الصوالجة فيتبعه أكثر أكابر الحضرة فيترجلون له ويمشون بين يديه، ثم يضيف في أكثر أيامه جماعة منهم فيخلع عليه أنواع الخلع النفسية ويحملهم على الدوابّ الفره بالمراكب الثقيلة، وكان ركن الدولة يرخص له في ذلك ويعجبه منه، فإنه كان تربيته وابن من طالت له صحبته وخدمته، فلما انتقل الأمر إلى مؤيد الدولة لم يصبر عليه، وكانت الأمور أيضا بعد على غاية من الاضطراب فلم يسكن إليه، وذلك أنّ فخر الدولة كان مداجيا لأخويه، وكان أحبّ إلى الديلم منهما فلم يأمناه وكان عز الدولة مكاشفا بالخلاف وبينه وبين ابن العميد ما قدمنا ذكره من المصافاة فاسترابا به، واجتمع إلى هذه الأحوال ما ذكرناه من حنق عضد الدولة عليه مما قدّمه في حقه عند كونه ببغداد،
стр. 1893
وامتدت العين إلى ضياعه وأمواله وخزائنه وأسبابه ودوره وعقاره وبساتينه، فإنه كان يملك من ذلك ما يملأ العين ويفوت الوهم، فراسل عضد الدولة أخاه مؤيد الدولة على لسان أبي نصر خواشاذه المجوسي، وكان من ثقاته وأماثل أصحابه، بالقبض عليه، بعد أن يوافق عليّ بن كامة على أمره، ليؤمن ناحية العسكر وثوبهم بمكانه، وجعلوا يجيلون الرأي أياما، ويركب خواشاذه إلى عليّ بن كامة ليلا ويجاريه في ذلك إلى أن اتفقوا يوم السبت سادس عشر شهر ربيع الآخر على القبض عليه عند بكوره من الغد إلى الدار، وكان عشية هذا اليوم خواشاذه عند علي بن كامة ولا بن العميد ضيافة قد اجتمع فيها جماعة من القوّاد، فارتاب مؤيد الدولة بالأمر وقدّر أنه قد أحسّ بالسرّ وجمع الديلم لتدبير عليه وامتناع منه، فلما عاد إلى عنده خواشاذه أمره أن يلم بابن العميد ليتفرّس فيه وفي المجتمعين عنده ما هو بصدده، فدخل عليه والرجل مشتغل بقصفه متوفر على طربه، فتأمله وعاد، وأراد أن يحبسه عنده فامتنع ورجع إلى الدار، فقال لمؤيد الدولة: الرجل غارّ غافل فلا يهمنك أمره. وبكّر ابن العميد سحرا إلى دار الامارة، وكان الرسم إذ ذاك أن يحضروها بالشموع والمشاعل قبل الصباح، فلما وصل إلى مؤيد الدولة تقدم إليه علي بن كامة وكلمه في حاجة له فوعده بها فقال: قد وعدتني بها غير مرة ولم تقضها، وأخذ بيده فجذبه من مكانه، وكان قد كمن له في الممرّ جماعة من خواصّ الديلم وثقات مؤيد الدولة، فعاونوه على إخراجه من ذلك البيت وإدخاله إلى حجرة هناك وتقييده، وذلك في يوم الأحد سابع شهر ربيع الآخر، وأدخلت عليه الشهود فشهدوا عليه ببيع أملاكه جميعها وضياعه ومستغلّاته من مؤيد الدولة، فلما حضر العدول أخرج إليهم كتابا كان كتبه بطلاق امرأته ابنة جستان وأشهدهم طائعا على نفسه بذلك، وقيل إنه إنما فعل ذلك خوفا من مؤيد الدولة أن يفضحه فيها، فأراد أن ينفصل منها وتبين منه لئلا يلزمه العار فيها، ولما حضروا للعقد بالبيع كشف للعدول عن قيده وأقرّ بالبيع، ثم اتفق أن أفرج عن محبوس كان في الدار، فعدا غلام له مستبشرا وقال: قد أفرج عن الأستاذ، يريد أستاذ نفسه، وصكّت الكلمة أسماع العامة فتباشروا وظنوا أنه قد أفرج عن أبي الفتح، وصارت البلدة صيحة واحدة، واجتمع من أهل البلد على باب السلطان وميدانه وفي داره ما غصّت به الأماكن وامتلأت منهم الشوارع والمساكن، وركب الديلم بأجمعهم
стр. 1894
مستبشرين، وتلقوه على زعمهم في الخدمة فرحين، ورأى مؤيد الدولة من ذلك ما هاله وقدّر أنّ العسكر قد ركب لاستنقاذه، فلما عرف حقيقة الحال سكن وأمر بطرد العامة، وأركب الحجاب لطرد القواد والديلم، وأنفذ في تلك الليلة ابن العميد إلى قلعة استوناوند، وقتل فيها بعد أيام وردّ رأسه.
قال الوزير أبو سعد: وسمعت الصاحب كافي الكفاة ﵀ يذكر أمره فقال في أثناء كلامه: إن مؤيد الدولة قال لي عند خروجي إلى أصبهان: إن ورد عليك كتاب بخطي أو جاءك أجلّ حجّابي وثقاتي للاستدعاء فلا تبرح من أصفهان ولا تفارقها إلى أن يجيئك فلان الركابي فإنه إن اتجهت لي حيلة على هذا الرجل وأمكنني الله من القبض عليه بادرت به إليك، وهو العلامة بيني وبينك، قال: فاستعظمت لحداثة سنّي وغرة الصبا وقلة التجربة ما حكاه الصاحب من قول مؤيد الدولة «ان اتجهت لي حيلة على هذا الرجل» وتعجبت منه، وأردت الغضّ من أبي الفتح والتقرب بذلك إلى الصاحب فقلت: وكأنّ لأبي الفتح من القدر أن يصعب حبسه أو يحتاج صاحبه إلى الاحتيال معه؛ فانتهرني الصاحب وقال: يا فلان أنت صبيّ تحسب أن القبض على الوزراء سهل، ففطنت أنه يريد الرفع من شأن الوزارة وتفخيم أمرها فعدلت عن كلامي الأوّل إلى غيره.
قال أبو حيان «١» حدثني أبو الطيب الكيمائي قال: قلت لأبي الفضل بعد أن سمّ الحاجب النيسابوري، وبعد أن خطب على حمد، ودسّ إلى ابن هند وغيرهم من أهل الكتابة والمروءة والنعم: لو كففت فقد أسرفت، فقال: يا أبا الطيب أنا مضطر، قال فقلت: وأي اضطرار هاهنا، والله إن مخادعتنا لأنفسنا في ضرّنا ونفعنا لأعجب من مكابرة غيرنا لنا في خيرنا وشرنا، وهذا والله رين القلوب وصدأ «٢» العقل وفساد الاختيار وكدر النفس وسوء العادة وعدم التوفيق، فقال: يا أبا الطيب أنت تتكلم بالظاهر وأنا أحترق في الباطن، قال فقلت: إن كان عذرك في هذه السيرة المخالفة لأهل الديانة وأصحاب الحكمة قد بلغ هذا الوضوح والجلاء فإنك معذور عندنا،
стр. 1895
ولعلك أيضا مأجور عند الله مالك الجزاء، وإن كنت تعلم حقيقة ما تراجعني عليه القول وتناقلني به الحجاج إنك من الخاسرين الذين باءوا بغضب من الله على مذاهب الناس أجمعين، فبكى فقلت له: البكاء لا ينفع إن كان الاقلاع ممكنا، والندم لا يجدي متى كان الإصرار قائما، هذا كله بسبب ابنك أبي الفتح، والله إن أيامه لا تطول، وإن عيشه لا يصفو، وإن حاله لا يستقيم، وله أعداء لا يتخلص منهم، وقد دلّ مولده على ذلك، وانك لا تدفع عنه قضاء الله وهو لا يغني عنك من الله شيئا، فعليك بخويّصة نفسك.
قال أبو حيان «١» وقد ذكر ابن عباد وأبا الفضل بن العميد ثم قال: وأما أبو الفتح ذو الكفايتين فإنه كان شابا ذكيا متحركا حسن الشعر مليح الكتابة كثير المحاسن ولم يظهر كل ما كان في نفسه «٢» لقصر أيامه واشتعال دولته وطفئها بسرعة. ومن شعره:
إني متى أهزز قناتي تنتثر ... أوصالها أنبوبة أنبوبا
أدعو بعاليها العلا فتجيبني ... وأقي بحدّ سنانها المرهوبا «٣»
وله «٤» كلام كثير نظم ونثر، وله في صفة الفرس ما يوفي على كلّ منظوم، ولو أبقته الأيام لظهر منه كل فضل كبير. ودخل بغداد فتكلّف واحتفل، وعقد مجالس مختلفة للفقهاء يوما وللأدباء يوما وللمتكلمين يوما وللمتفلسفين يوما، وفرق أموالا خطيرة، وتفقد أبا سعيد السيرافي وعلي بن عيسى الرماني وغيرهما، وعرض عليهما المسير معه إلى الري ووعدهم ومنّاهم وأظهر المباهاة بهم، وكذلك خاطب أبا الحسن ابن كعب الأنصاري وأبا سليمان السجستاني المنطقي وابن البقال الشاعر وابن الأعرج النمري وغيرهم، ودخل شهر رمضان فاحتشد وبالغ ووصل ووهب، فجرت في هذه المجالس غرائب العلم وبدائع الحكمة، وخاصة ما جرى «٥» مع أبي الحسن