فلما وقف ابن العميد أبوه على ذلك غضب وقال: أمثل ولدي يكتب مثل هذا الفحش والفجور؟! ثم قال: أما والله لولا ولولا ولولا ثم أمسك كأنه يشير إلى ما حكم له من سوء العاقبة وقصر العمر.
حكى أبو الحسين ابن فارس مما أورده أبو منصور في «اليتيمة» قال «١» : كنت عند الأستاذ أبي الفتح ابن العميد في يوم شديد الحرّ، فرمت الشمس بجمرات الهاجرة فقال لي: ما قول الشيخ في قلبه، فلم أحر جوابا لأني لم أفطن لما أراد، ولما كان بعد هنيهة أقبل رسول الأستاذ الرئيس يستدعيني إلى مجلسه، فقمت إليه، فلما مثلت بين يديه تبسم ضاحكا إلي وقال: ما قول الشيخ في قلبه؟ فبهتّ وسكت، وما زلت أفكر حتى انتبهت على أنه أراد الخيش، وكان من يشرف على أبي الفتح من جهة أبيه أتاه بتلك اللفظة في تلك الساعة، فدعاني لفرط اهتزازه لها ما اراد مجاراتي فيها، وقرأت صحيفة السرور من وجهه إعجابا بها، ثم أخذت أتحفه بنكت نثره وملح نظمه، فكان مما أعجب به وتعجب منه واستضحك له حكايتي رقعة وردت له عليّ وصدرها: وردت رقعة الشيخ أصغر من عنفقة بقة، وأقصر من أنملة نملة.
وقرأت في «تاريخ» أبي المعالي زين الكفاة الوزير أبي سعد منصور بن الحسين الآبي قال: كان عضد الدولة ينقم على أبي الفتح ابن العميد أشياء، وكان من أعظمها في نفسه حديثه ببغداد لما خرج لنجدة بختيار، فإنه جرّد القول والفعل في ردّ عضد الدولة عن بغداد، وأقام لنفسه بذلك ببغداد سوقا تقدم بها عند أهل البلد والخليفة حتى لقبه الخليفة ذا الكفايتين وكنّاه في كتابه بأبي الفتح. ولما انصرف عضد الدولة عن بغداد وقد ظهرت له مخايل الغدر من بختيار وقيام أهل بغداد عليه وتصريحهم بالشتم له ولقبوه زريقا الشارب، وذلك أن عضد الدولة تقدم باتخاذ مزمّلة في داره ليشرب منها الجند والعامة، ولم يكن عهد مثل ذلك في دور السلاطين قبل، وكان في نفسه أزرق العين فلقبوه بذلك، فكان يقول: خرجت من بغداد وأنا زريق الشارب، وابن العميد الوزير ذو الكفايتين أبو الفتح. فلما مات ركن الدولة في ست
стр. 1892
وستين وثلاثمائة لأربع بقين من المحرم ضبط أبو الفتح ذو الكفايتين الأمر أحسن ضبط وسكّن العسكر وفرّق فيهم مال البيعة، وكان مطاعا في الديلم محببا إليهم كثير الإفضال عليهم، وبادر بالخبر إلى مؤيد الدولة وهو باصفهان، فورد الري ومعه وزيره الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد يوم السبت لثلاث خلون من صفر وجلس للتعزية ثم انتصب في مكان أبيه، وكانت له هيبة وسياسة وفيه سخاء وسماحة، وخلع على أبي الفتح ابن العميد ذي الكفايتين خلع الوزارة وفوّض إليه الأمر يوم الأربعاء لخمس خلون من شهر ربيع الأول، وكان الصاحب يرغب أن يقيم بالري ويخلفه فلم يأمن أبو الفتح جانبه وضرب الحجاب الشديد بينهما، وخوّفوه منه لمحلّه من الصناعة ولمكانه من قلب مؤيد الدولة، فأراد إبعاده عن الحضرة ليتمكن من الايقاع به إن أراد ذلك، وأشار على مؤيد الدولة بأن يردّه إلى أصفهان ليدبر أعمالها والمقام بها، فخلع عليه على رسم الوزارة القباء والسيف والمنطقة وما يجري مع ذلك، وخرج يوم الأحد لثمان خلون من شهر ربيع الأول سنة ست وستين وثلاثمائة، وأخذ مؤيد الدولة في التدبير على ابن العميد والاحتيال للقبض عليه، ولم يكن يقدم على ذلك لمحلّ الرجل في قلوب الديلم وانصبابهم بمودتهم إليه وإخلاصهم في الموالاة إليه، وكان ذلك أقوى الدواعي لمحنته وآكد أسباب نكبته، فإنه كان مقتبل الشباب قليل التجارب غير مفكر في العواقب قد ولد في النعمة الضخمة ونشأ فيها، وخلف أباه وله دون خمس عشرة سنة، وتولى الوزارة وله إحدى وعشرون سنة، واعتاد خدمة الأمراء والقواد ومثولهم بين يديه وتنافسهم في خدمته، وكان يركب إلى الصيد وإلى الميدان لضرب الصوالجة فيتبعه أكثر أكابر الحضرة فيترجلون له ويمشون بين يديه، ثم يضيف في أكثر أيامه جماعة منهم فيخلع عليه أنواع الخلع النفسية ويحملهم على الدوابّ الفره بالمراكب الثقيلة، وكان ركن الدولة يرخص له في ذلك ويعجبه منه، فإنه كان تربيته وابن من طالت له صحبته وخدمته، فلما انتقل الأمر إلى مؤيد الدولة لم يصبر عليه، وكانت الأمور أيضا بعد على غاية من الاضطراب فلم يسكن إليه، وذلك أنّ فخر الدولة كان مداجيا لأخويه، وكان أحبّ إلى الديلم منهما فلم يأمناه وكان عز الدولة مكاشفا بالخلاف وبينه وبين ابن العميد ما قدمنا ذكره من المصافاة فاسترابا به، واجتمع إلى هذه الأحوال ما ذكرناه من حنق عضد الدولة عليه مما قدّمه في حقه عند كونه ببغداد،
стр. 1893
وامتدت العين إلى ضياعه وأمواله وخزائنه وأسبابه ودوره وعقاره وبساتينه، فإنه كان يملك من ذلك ما يملأ العين ويفوت الوهم، فراسل عضد الدولة أخاه مؤيد الدولة على لسان أبي نصر خواشاذه المجوسي، وكان من ثقاته وأماثل أصحابه، بالقبض عليه، بعد أن يوافق عليّ بن كامة على أمره، ليؤمن ناحية العسكر وثوبهم بمكانه، وجعلوا يجيلون الرأي أياما، ويركب خواشاذه إلى عليّ بن كامة ليلا ويجاريه في ذلك إلى أن اتفقوا يوم السبت سادس عشر شهر ربيع الآخر على القبض عليه عند بكوره من الغد إلى الدار، وكان عشية هذا اليوم خواشاذه عند علي بن كامة ولا بن العميد ضيافة قد اجتمع فيها جماعة من القوّاد، فارتاب مؤيد الدولة بالأمر وقدّر أنه قد أحسّ بالسرّ وجمع الديلم لتدبير عليه وامتناع منه، فلما عاد إلى عنده خواشاذه أمره أن يلم بابن العميد ليتفرّس فيه وفي المجتمعين عنده ما هو بصدده، فدخل عليه والرجل مشتغل بقصفه متوفر على طربه، فتأمله وعاد، وأراد أن يحبسه عنده فامتنع ورجع إلى الدار، فقال لمؤيد الدولة: الرجل غارّ غافل فلا يهمنك أمره. وبكّر ابن العميد سحرا إلى دار الامارة، وكان الرسم إذ ذاك أن يحضروها بالشموع والمشاعل قبل الصباح، فلما وصل إلى مؤيد الدولة تقدم إليه علي بن كامة وكلمه في حاجة له فوعده بها فقال: قد وعدتني بها غير مرة ولم تقضها، وأخذ بيده فجذبه من مكانه، وكان قد كمن له في الممرّ جماعة من خواصّ الديلم وثقات مؤيد الدولة، فعاونوه على إخراجه من ذلك البيت وإدخاله إلى حجرة هناك وتقييده، وذلك في يوم الأحد سابع شهر ربيع الآخر، وأدخلت عليه الشهود فشهدوا عليه ببيع أملاكه جميعها وضياعه ومستغلّاته من مؤيد الدولة، فلما حضر العدول أخرج إليهم كتابا كان كتبه بطلاق امرأته ابنة جستان وأشهدهم طائعا على نفسه بذلك، وقيل إنه إنما فعل ذلك خوفا من مؤيد الدولة أن يفضحه فيها، فأراد أن ينفصل منها وتبين منه لئلا يلزمه العار فيها، ولما حضروا للعقد بالبيع كشف للعدول عن قيده وأقرّ بالبيع، ثم اتفق أن أفرج عن محبوس كان في الدار، فعدا غلام له مستبشرا وقال: قد أفرج عن الأستاذ، يريد أستاذ نفسه، وصكّت الكلمة أسماع العامة فتباشروا وظنوا أنه قد أفرج عن أبي الفتح، وصارت البلدة صيحة واحدة، واجتمع من أهل البلد على باب السلطان وميدانه وفي داره ما غصّت به الأماكن وامتلأت منهم الشوارع والمساكن، وركب الديلم بأجمعهم
стр. 1894
مستبشرين، وتلقوه على زعمهم في الخدمة فرحين، ورأى مؤيد الدولة من ذلك ما هاله وقدّر أنّ العسكر قد ركب لاستنقاذه، فلما عرف حقيقة الحال سكن وأمر بطرد العامة، وأركب الحجاب لطرد القواد والديلم، وأنفذ في تلك الليلة ابن العميد إلى قلعة استوناوند، وقتل فيها بعد أيام وردّ رأسه.
قال الوزير أبو سعد: وسمعت الصاحب كافي الكفاة ﵀ يذكر أمره فقال في أثناء كلامه: إن مؤيد الدولة قال لي عند خروجي إلى أصبهان: إن ورد عليك كتاب بخطي أو جاءك أجلّ حجّابي وثقاتي للاستدعاء فلا تبرح من أصفهان ولا تفارقها إلى أن يجيئك فلان الركابي فإنه إن اتجهت لي حيلة على هذا الرجل وأمكنني الله من القبض عليه بادرت به إليك، وهو العلامة بيني وبينك، قال: فاستعظمت لحداثة سنّي وغرة الصبا وقلة التجربة ما حكاه الصاحب من قول مؤيد الدولة «ان اتجهت لي حيلة على هذا الرجل» وتعجبت منه، وأردت الغضّ من أبي الفتح والتقرب بذلك إلى الصاحب فقلت: وكأنّ لأبي الفتح من القدر أن يصعب حبسه أو يحتاج صاحبه إلى الاحتيال معه؛ فانتهرني الصاحب وقال: يا فلان أنت صبيّ تحسب أن القبض على الوزراء سهل، ففطنت أنه يريد الرفع من شأن الوزارة وتفخيم أمرها فعدلت عن كلامي الأوّل إلى غيره.
قال أبو حيان «١» حدثني أبو الطيب الكيمائي قال: قلت لأبي الفضل بعد أن سمّ الحاجب النيسابوري، وبعد أن خطب على حمد، ودسّ إلى ابن هند وغيرهم من أهل الكتابة والمروءة والنعم: لو كففت فقد أسرفت، فقال: يا أبا الطيب أنا مضطر، قال فقلت: وأي اضطرار هاهنا، والله إن مخادعتنا لأنفسنا في ضرّنا ونفعنا لأعجب من مكابرة غيرنا لنا في خيرنا وشرنا، وهذا والله رين القلوب وصدأ «٢» العقل وفساد الاختيار وكدر النفس وسوء العادة وعدم التوفيق، فقال: يا أبا الطيب أنت تتكلم بالظاهر وأنا أحترق في الباطن، قال فقلت: إن كان عذرك في هذه السيرة المخالفة لأهل الديانة وأصحاب الحكمة قد بلغ هذا الوضوح والجلاء فإنك معذور عندنا،
стр. 1895
ولعلك أيضا مأجور عند الله مالك الجزاء، وإن كنت تعلم حقيقة ما تراجعني عليه القول وتناقلني به الحجاج إنك من الخاسرين الذين باءوا بغضب من الله على مذاهب الناس أجمعين، فبكى فقلت له: البكاء لا ينفع إن كان الاقلاع ممكنا، والندم لا يجدي متى كان الإصرار قائما، هذا كله بسبب ابنك أبي الفتح، والله إن أيامه لا تطول، وإن عيشه لا يصفو، وإن حاله لا يستقيم، وله أعداء لا يتخلص منهم، وقد دلّ مولده على ذلك، وانك لا تدفع عنه قضاء الله وهو لا يغني عنك من الله شيئا، فعليك بخويّصة نفسك.
قال أبو حيان «١» وقد ذكر ابن عباد وأبا الفضل بن العميد ثم قال: وأما أبو الفتح ذو الكفايتين فإنه كان شابا ذكيا متحركا حسن الشعر مليح الكتابة كثير المحاسن ولم يظهر كل ما كان في نفسه «٢» لقصر أيامه واشتعال دولته وطفئها بسرعة. ومن شعره:
إني متى أهزز قناتي تنتثر ... أوصالها أنبوبة أنبوبا
أدعو بعاليها العلا فتجيبني ... وأقي بحدّ سنانها المرهوبا «٣»
وله «٤» كلام كثير نظم ونثر، وله في صفة الفرس ما يوفي على كلّ منظوم، ولو أبقته الأيام لظهر منه كل فضل كبير. ودخل بغداد فتكلّف واحتفل، وعقد مجالس مختلفة للفقهاء يوما وللأدباء يوما وللمتكلمين يوما وللمتفلسفين يوما، وفرق أموالا خطيرة، وتفقد أبا سعيد السيرافي وعلي بن عيسى الرماني وغيرهما، وعرض عليهما المسير معه إلى الري ووعدهم ومنّاهم وأظهر المباهاة بهم، وكذلك خاطب أبا الحسن ابن كعب الأنصاري وأبا سليمان السجستاني المنطقي وابن البقال الشاعر وابن الأعرج النمري وغيرهم، ودخل شهر رمضان فاحتشد وبالغ ووصل ووهب، فجرت في هذه المجالس غرائب العلم وبدائع الحكمة، وخاصة ما جرى «٥» مع أبي الحسن
стр. 1896
العامري، ولولا طول الرسالة لرسمت ذلك كله في هذا المكان «١» ، فمن طريف ما جرى وفي سماعه فائدة واعتبار خبر أبي سعيد السيرافي مع أبي الحسن العامري (وقد ذكرته في أخبار السيرافي) .
قال أبو حيان «٢» : وحضرت المجلس يوما آخر مع أبي سعيد وقد غصّ بأعلام الدنيا وببرد «٣» الآفاق، فجرى حديث أبي إسحاق الصابىء فقال ذو الكفايتين: ذاك رجل له في كلّ طراز نسج وفي كل حومة «٤» رهج وفي كل فلاة ركب، ومن كل غمامة سكب، الكتابة تدّعيه بأكثر مما يدعيها والبلاغة تتحلّى به بأحسن مما يتحلّى هو بها، وما أحلى قوله:
حمراء مصفرّة الأحشاء باعثة ... طيبا تخال به في البيت عطارا
كأن في وجهه تبرا يخلّصه ... قين يضرّم في أفنانه «٥» النارا
وقوله:
ما زلت في سكري ألمع كفّها ... وذراعها بالقرص والإثآر
حتى تركت أديمها وكأنما ... غرس البنفسج منه في الجمار
وبلغ المجلس أبا اسحاق فحضر وشكر، وطوى ونشر، وأورد وأصدر، وكان كاتب زمانه لسانا وقلما وشمائل، وكان له مع ذلك يد طولى في العلم الرياضي، وسمعت أبا إسحاق يقول: هو ابن أبيه لله دره، وأخذ في تعظيم ابيه.
قال عبد الله الفقير إليه: وقد ذكر أبو حيان قصة أبي الفتح ابن العميد وسبب القبض عليه مبسوطة مشروحة، وقد نقلتها هاهنا عنه بكمالها فإني لم أجد أحدا ذكرها أكمل منه، قال «٦» : لما مات ركن الدولة سنة ست وستين وثلاثمائة اجتمع ذو الكفايتين أبو الفتح وعلي بن كامة أحد أمراء الديلم والأعيان وتعاهدا وتواثقا وتحالفا، وبذل كلّ واحد منهما الاخلاص لصاحبه في المودة في السرّ والعلانية والذب والتوقير
стр. 1897
عند الصغير والكبير، واجتهدا في الأيمان الغامسة والعقود الموثقة، ودبّرا أمر الجيش ووعدا الأولياء وردّا النافر وركبا الخطر الحاضر وعانقا الخطب العاقر، وباشر كلّ ذلك أبو الفتح خاصة بجدّ من نفسه وصريمة من رأيه وجودة فكره وصحة نيته وتوفيق ربه.
فلما ورد مؤيد الدولة الريّ من أصبهان وصادف الأمر متسقا ولحق كلّ فتق مرتتقا بما تقدّم من الحزم فيه ونفذ من الرأي الصائب عنده، أنكر الزيادة الموجبة للجند فكرهها ودمدم بذكرها، فقال له أبو الفتح: بها نظمت لك الملك وحفظت لك الدولة وصنت الحريم، فان خالفت هذه الزيادة هواك فأسقطها فاليد الطولى لك، وكان ابن عباد قد ورد وحطبه رطب وتنوره بارد وأمره «١» غير نافذ، هذا في الظاهر، فأما في الباطن فكان يخلو بصاحبه ويوثبه على أبي الفتح بما يجد السبيل إليه من الطعن والقدح، فأحسّ بذلك ابن العميد. فألّب الأولياء على ابن عباد حتى كثر الشغب وعظم الخطب وهمّ بقتله وقال للأمير: ليس من حق كفايتي في الدولة- وقد انتكث حبلها وقويت أطماع المفسدين فيها- أن أسام الخسف، والأحرار لا يصبرون على نظرات الذل وغمزات الهوان، فقال له في الجواب: كلامك مسموع ورضاك متبوع، فما الذي يبرّد فورتك عنه؟ قال: ينصرف إلى اصفهان موفورا، فو الله لو طالبته منصفا برفع الحساب لما نظر فيه ليعرقنّ جبينه، ولئن أحسّ الأولياء الذين أصطنعهم بمالي وأفضالي بكلامه في أمري وسعيه في فساد حالي ليكوننّ هلاكه على أيديهم أسرع من البرق إذا خطف ومن المزن إذا نطف، فقال له: لا مخالف لرأيك والنظر لك والزمام بيدك. وتلطف ابن عباد في خلال ذلك لأبي الفتح وقال له: أنا أتظلّم منك إليك، وأتحمّل بك عليك، وهذا الاستيحاش سهل الزوال إذا تألفت الشارد من حلمك وعطفت على الشائع من كرمك، ولّني ديوان الإنشاء واستخدمني فيه ورتبني بين يديك وأحضرني بين أمرك ونهيك، وسمني برضاك فاني صنيعة والدك، واتخذني بهذا صنيعة لك، وليس يجمل أن تكرّ على ما بنى ذلك الرئيس فتهدمه وتنقضه، ومتى أجبتني إلى هذا وآمنتني فإني أكون خادمك لحضرتك وكاتبا يطلب الزلفة عندك في صغير أمرك وكبيره، وفي هذا إطفاء النائرة التي قد ثارت بسوء ظنك وتصديقك أعدائي عليّ، فقال في الجواب:
стр. 1898
والله لا تجاورني في بلد السرير وبحضرة التدبير وخلوة الأمير، ولا يكون لك إذن عليّ ولا عين عندي، وليس لك منّي رضى إلا بالعود إلى مكانك من أصبهان والسلوّ عما تحدّث به نفسك. فخرج ابن عباد من الرّيّ على صورة قبيحة متنكرا بالليل، وذلك أنه خاف الفتك والغيلة، وبلغ أصبهان وألقى عصاه بها ونفسه «١» تغلي وصدره يفور، والخوف شامل والوسواس غالب، وهمّ أبو الفتح بانفاذ من يطالبه ويؤذيه ويهينه ويعسفه فأحسّ هو بالأمر، فحدثني أبو النجم قال: عمل على ركوب المفازة إلى نيسابور لما ضاق عطنه واختلف على نفسه ظنّه، وإنه لفي هذا وما أشبهه حتى بلغهم أن خراسان قد أزمعت الدلوف إليهم وتشاورت في الاطلال عليهم، فقال الأمير لأبي الفتح، ما الرأي وقد نمي إلينا ما تعلم من طمع خراسان في هذه الدولة بعد موت ركن الدولة؟
فقال أبو الفتح: ليس الرأي إليّ ولا إليك ولا الهم عليّ ولا عليك، هاهنا من يقول لك: أنت خليفتي، ويقول لي: أنت كاتب خليفتي، يدبر هذا بالمال والرجال، وهو الملك عضد الدولة أخوك، قال: فاكتب إليه وأشعره وأشع ما قد منينا به وأشهره وسله يداوي هذا الداء، فكتب أبو الفتح وتلطف، فصدر في الجواب: إن هذا لأمر عجاب: رجل مات وخلف مالا وله ابن فلم يحمل إليه من ارثه شيء، زويا عنه واستئثارا دونه، ثم يخاطب بأن يغرم شيئا آخر من عنده قد كسبه بجهده وجمعه بسعيه وكدحه؟! هذا والله حديث لم نسمع بمثله، ولئن استفتي الفقهاء في هذا لم يكن عندهم منه بتة إلا التعجب والاستطراف ورحمة هذا الوارث المظلوم من وجهين:
أحدهما أنه حرم ماله بحقّ الارث، والآخر أنه يطالب باخراج ما ليس عليه، وإن شاء حاكمت كل من سام هذا إلى من يرضى به. فلما سمع مؤيد الدولة هذا قال لأبي الفتح: ما ترى؟ قال: قد قلت وليس لي قول سواه، هذا الرجل هو الملك والمدبر والمال كلّه ماله، والبلاد بلاده، والجند جنده، والكلّ له، والاسم والجلالة عنده، وليس هاهنا إرث قد زوي عنه، ولا مال استؤثر به دونه، والنادرة لا وجه لها في أمر الجدّ وفيما لا تعلق له باللعب، أما خراسان فكانت مذ عشرين سنة تطالبنا بالمال وتهددنا بالمسير والحرب، ونحن مرة نحارب ومرة نسالم، وفي خلال ذلك نفرق
стр. 1899
المال بعد المال على وجوه مختلفة، فاحسب أن ركن الدولة حيّ باق هل كان له إلا أن يدبر بماله ورجاله وذخائره وكنوزه؟ أفليس هذا الحكم لازما لمن قام مقامه وجلس مجلسه وألقي إليه زمام الملك وأصدر عنه كل رأي؟ وهل علينا إلا الخدمة والنصرة والمناصحة بكلّ ما سهل وصعب كما كان عليه ذلك بالأمس من جهة الماضي؟ فقال مؤيد الدولة: إنّ الخطب في هذا أراه يطول والكلام يتردد والمناظرة تربو والفريضة تعول والفرصة تفوت والعدوّ يستمكن، وأرى في الوقت أن نذكر وجها للمال حتى نحتجّ به ثم نستمدّ في الثاني منه، ونرضي الجند في الحال، ونتحزم في الأمر ونظهر المرارة والشكيمة بالاهتمام والاستعداد حتى يطير الخبر إلى خراسان بجدنا واجتهادنا وحزمنا واعتمادنا، فيكون ذلك مكسرة لقلوبهم وحسما لأطماعهم وباعثا على تجديد القول في الصلح وردّ الحال إلى العادة المألوفة، فقال: نسأل الله بركة هذا الأمر فقد نشيت منه رائحة منكرة، ما أعرف للمال وجها، أما أنا فقد خرجت من جميع ما عندي مرة بما خدمت به الماضي تبرعا حدثان موت أبي، ومرة بما طالبني به سرّا وأوعدني بالعزل والاستخفاف من أجله، ومرة بما غرمت في المسير إلى العراق في نصرة الدولة، وهذه وجوه استنفدت قلّي وكثري وأتت على ظاهري وباطني، وقد غرمت إلى هذه الغاية ما إن ذكرته كنت كأني ممتنّ على أولياء نعمتي، وإن سكت كنت كالمتهم عند من يتوقّع عثرتي، فهذا هذا، وأما أموال النواحي فأحسن حالنا فيها أنا نرجئها في نواحيها مع النفقة الواسعة في الوظائف والمهمات التي تنوبنا، وأما العامة فلا أحوج الله إليها ولا كانت دولة لا تثبت إلا بها وبأوساخ أموالها، فقال مؤيد الدولة- وكان ملقنا-: هذا ابن كامة وهو صاحب الذخائر والكنوز والجبال والحصون، وبيده بلاد، وقد جمع هذا كله في دولتنا وحازه من مملكتنا وأيامنا وبدولتنا وهو جامّ ما شيك ومختوم ما فضّ مذ كان، ما تقول فيه؟ قال: ما لي فيه كلام فإن بيني وبينه عهدا ما أخيس به ولو ذهبت نفسي، فقال: اطلب منه القرض، قال: إنه يستوحش ويراه بابا من الغضاضة، وقدر القرض لا يبلغ قدر الحاجة، فان الحاجة ماسة إلى خمسمائة ألف دينار على التقريب، ونفسه أنفع لنا وأردّ علينا وأحصن لنا وإلينا من موقع ذلك المال، وبعد فرأيه وتدبيره واسمه وصيته فوق المطلوب منه. قال: وإذ ليس هاهنا وجه فليس بأس بأن يطالع الملك بهذا الرأي لتكون نتيجته من ثمّ، قال: أنا لا أكتب بهذا فإنه
стр. 1900
غدر، قال: يا هذا فأنت كاتبي وصاحب سري والزمام في جمع أمري ولا سبيل إلى إخراج هذا الحديث إلى أحد من خلق الله، فإن أنت لم تتولّ حارّه وقارّه وغثّه وسمينه ومحبوبه ومكروهه فمن؟ قال: أيها الأمير لا تسمني الخيانة فإني قد أعطيته عهدا يذر الديار بلاقع، ومع اليوم غد، ولعن الله عاجلة تفسد الآجلة. فقال: إني لست أسومك أن تقبض عليه وأن تسيء إليه، أشر بهذا المعنى إلى الملك عضد الدولة وخلاك ذمّ، فإن رأى الصواب فيه تولّاه دونك، وإن أضرب عنه أعاضنا رأيا غير ما رأيناه، وأنت على حالك لا تنزل عنها ولا تبدّلها، وإنما الذي يجب عليك في هذا الوقت بين يديّ كتب حرفين: أنه لا وجه لهذا المال إلا من جهة فلان، ولست أتولى مخاطبته عليه ولا مطالبته به وفاء له بالعهد وثباتا على اليمين وجريا على الواجب، ولا أقل من أن تجيب إلى هذا القدر وليس فيه شيء مما يدلّ على النكث والخلاف والتبديل. وما زال هذا وشبهه يتردد بينهما حتى أخذ خطّه بهذا على أن يصدره إلى أخيه عضد الدولة بفارس، فلما حصل هذا الخط عنده وجنّ عليه الليل أحضر ابن كامة وقال له: أما عندك حديث هذا المخنّث فيما أشار به على الملك في بابك، وأورد عليه في حقّك وأمرك وإطماعه في مالك ونفسك وتكثيره عنده ما تحت يدك وناحيتك؟! فقال ابن كامة: هذا الفتى يرتفع عن هذا الحديث ولعلّ عدوّا قد كاده به، وبيني وبينه ما لا منفذ للسحر فيه ولا مساغ لظنّ سيء به، قال: ما قلت لك إلا بعد أن حققت ما قلت، ودع هذا كله في الريح، هذا كتابه إلى الملك بما عرّفتك، وخطّه بيده فيه، قال علي بن كامة: أنا لا أعرف الخطّ ولكن هاتوا كاتبي، فأحضر كاتبه الخثعمي فشهد أنّ الخط خطه، فحال علي بن كامة عن سجيته وخرج من مسكه وقال: ما ظننت بعد الأيمان المغلّظة التي بيننا أنه يستجيز مثل هذا، قال الأمير: أيها الرجل إنما أطلعك الملك على سرّ «١» هذا الغلام فيك لتعرف فساد ضميره لك وما هو عليه من هنات أخر وآفات هي أكبر، فانه هو الذي حرّك من بخراسان وكاتب صاحب جرجان وألقى إلى أخينا بهمذان- يعني فخر الدولة- أخبارنا، وهو عين لبختيار هاهنا، وقد اعتقد أنه يعمل في تحصيل هذه البلاد ويكون وزيرا بالعراق، فقد ذاق من بغداد ما لا يخرج من ضرسه إلا بنزع نفسه. وكان أبو نصر المجوسيّ قد قدم من عند الملك
стр. 1901
عضد الدولة وهو يفتل الحبل ويبرم، ويهاب مرة ويقدم، وكان الحديث قد بيّت بليل واهتم به قبل وقته بزمان، فقال علي بن كامة: فما الرأي الآن؟ قال: لا أرى أمثل من طاعة الملك في القبض عليه، وقد كنّا على ذلك قادرين، ولكن كرهنا أن يظنّ بنا أنا هجمنا على ناصحنا ومرتّب نعمتنا وناشىء دولتنا فمهدنا عندك العذر وأوضحنا لك الأمر، قال فأنا أكفيكموه ثم قبض عليه وكان منه ما كان، واستدعى ابن عباد من أصفهان وولي الوزارة ودبّرها برأي وثيق وجدّ زنيق.
وذكر أبو علي مسكويه في بعض كتبه قال «١» : كان حسنويه بن الحسين الكردي قد قوي واستفحل أمره لما وقع من الشغل عنه بالفتوح الكبار، لأنه كان إذا وقع حرب بين الخراسانية وبين ركن الدولة أظهر عصبية الديلم وصار في جملتهم وخدم خدمة يستحقّ بها الاحسان، إلا أنه كان مع ما أقطع وأغضي عنه من الأعمال التي تبسّط فيها والاضافات التي يستولي عليها ربما تعرض لأطراف الجبل وطالب أصحاب الضياع وأرباب النعم بالخفارة والرسوم التي يبدعها، فيضطرّ الناس إلى إجابته، ولا يناقشه السلطان، فكان يزيد أمره على الأيام ويتشاغل الولاة عنه، إلى أن وقع بينه وبين سهلان بن مسافر خلاف ومشاحّة تلاجّا فيها، إلى أن قصده ابن مسافر فهزمه حسنويه، وكان يظنّ ابن مسافر أنه لا يكاشفه ولا تبلغ الحرب بينهما إلى ما بلغت إليه، فلم تقف الحرب بينهما حيث ظنّ وانتهى الأمر بينهما إلى أن اجتمع الديلم وأصحاب السلطان بعد الهزيمة إلى موضع شبيه بالحصار، ونزل الأكراد حواليهم ومنعوهم من الميرة وتفرقوا بازائهم، ثم زاد الأمر وبلغ إلى أن أمر حسنويه الأكراد أن يحمل كلّ فارس منهم على رأس رمحه ما أطاق من الشوك والعرفج ويقرب من معسكر سهلان ما استطاع ويطرحه هناك، ففعلوا ذلك وهم لا يدرون ما يريد بذلك، فلما اجتمع حول عسكر سهلان شيء كثير في أيام كثيرة تقدّم بطرح النار فيه من عدة مواضع فالتهب، وكان الوقت صيفا وحميت الشمس عليهم مع حرّ النار، فأخذ بكظمهم وأشرفوا على التلف، فصاحوا وطلبوا الأمان، فرفق بهم وأمسك عما همّ به، وبلغ ذلك ركن الدولة فلم يحتمل ذلك كلّه، وتقدم إلى وزيره أبي الفضل محمد بن الحسين العميد، وهو
стр. 1902
الأستاذ الرئيس، بقصده واستئصال شأفته، وأمره بالاستقصاء والمبالغة، فانتخب الأستاذ الرئيس الرجال وخرج في عدة وزينة، وخرج ركن الدولة مشيعا له، وخلع على القواد، ووقف حتى اجتاز به العسكر وعاد إلى الريّ، وسار الوزير ومعه ابنه أبو الفتح، وكان شابا قد خلف أباه بحضرة ركن الدولة وعرف تدبير المملكة وسياسة الجند، فهو بذكائه وحدّة ذهنه وسرعة حركته قد نفق نفاقا شديدا على ركن الدولة، وهو مع ذلك لقلة حنكته ونزق شبابه وتهوّره في الأمور يقدم على ما لا يقدم عليه أبوه، ويحبّ أن يسير في خواصّ الديلم ويمشون بين يديه ويختلط بهم اختلاط من يستميل بقلوبهم، ويخلع عليهم خلعا كثيرة، ويحمل رؤساءهم وقوادهم على الخيول الفره بالمراكب الثقال، ويريد بجميع ذلك «١» أن يسلّموا له الرئاسة حتى لا يأنف أحد منهم من تقبيل الأرض بين يديه والمشي قدامه إذا ركب، وكان جميع ذلك مما لا يؤثره الأستاذ الرئيس ولا يرضاه لسيرته، وكان يعظه وينهاه عن هذه السيرة ويعلمه أن ذلك لو كان مما يترخّص فيه لكان هو بنفسه قد سبق إليه. قال مسكويه: ولقد سمعته في كثير من خلواته يشرح له صورة الديلم في الحسد والجشع وأنه ما ملكهم أحد قط إلا بترك الزينة وبذل ما لا يبطرهم ولا يخرجهم إلى التحاسد ولا يتكبر عليهم ولا يكون إلا في مرتبة أوسطهم حالا، وان من دعاهم واحتشد لهم وحمل على حاله فوق طاقته لم يمنعهم ذلك من حسده على نعمه والسعي في إزالتها وترقب أوقات الغرّة في آمن ما يكون الانسان على نفسه منهم فيفتكون به ذلك الوقت، وكان يورد عليه مثل هذا الكلام حتى يظنّ أنه قد ملأ قلبه رعبا وأنه سيكفّ عن السيرة التي شرع فيها، فما هو إلا أن يفارق مجلسه ذلك حتى يعاود سيرته تلك، فأشفق الأستاذ في سفرته هذه أن يتركه بحضرة صاحبه فيلجّ في هذه الأخلاق ويغترّ بما يراه من احتمال ركن الدولة حتى ينتهي إلى ما لا يتلافاه، فسيّره معه، واستخلف بحضرة ركن الدولة أبا علي محمد بن أحمد المعروف بابن البيع، وكان فاضلا أديبا ركينا حسن الصورة مقبول الجملة حسن المخبر خلقا وأدبا. فلما كان الرئيس في بعض الطريق- وكان يركب العماريات ولا يستقلّ على ظهور الدوابّ لإفراط علة النقرس وغيره عليه- التفت حوله فلم ير في موكبه أحدا
стр. 1903
وسأل عن الخبر فلم يجد حاجبا يخبره ولا من جرت العادة بمسايرته غيري، فسألني عن الخبر فقلت له: إن الجماعة بأسرها مالت مع أبي الفتح إلى الصيد، فأمسك حتى نزل في معسكره ثم سأل عمن جرت العادة باستدعائه للطعام- وكان يحضره في كلّ يوم عشرة من القواد على مائدته التي تخصّه وعدة من القواد على أطباق توضع لهم وذلك على نوبة معروفة يسعى فيها نقباؤهم- فلما كان في ذلك اليوم لم يحضر أحد واستقصى في السؤال فقيل: إن أبا الفتح أضافهم في الصحراء، فاستشاط «١» من ذلك وساءه أن يجري مثل هذا ولا يستأذن فيه، وقد كان أنكر خلوّ موكبه وهو في وجه حرب، ولم يأمن أن يستمرّ هذا التشتت من العسكر فتتم عليه حيلة، فدعا أكبر حجابه ووصّاه أن يحجب عنه ابنه أبا الفتح وأن يوصي النقباء بمنع الديلم من مسايرته ومخالطته، وظنّ أن هذا المبلغ من الانكار سيغضّ منه وينهى العسكر عن اتباعه على هواه، فلم يؤثر كلامه هذا كبير أثر، وعاد الفتى إلى عادته واتّبعه العسكر ومالوا معه إلى اللعب والصيد والأكل والشرب، وكان لا يخليهم من الخلع والألطاف، فشقّ ذلك على الأستاذ الرئيس جدّا ولم يحبّ أن يخرق هيبة نفسه باظهار ما في قلبه ولا المبالغة في الانكار وهو في مثل هذا الوجه فيفسد عسكره ويطمع فيه عدوه، فدارى أمره وتجرّع غيظه وأدّاه ذلك إلى زيادة في مرضه حتى هلك بهمذان وهو يقول في خلواته:
ما يهلك آل العميد ولا يمحو آثارهم من الأرض إلا هذا الصبي، يعني ابنه، وهو يقول في مرضه: ما قتلني إلا جرع الغيظ التي تجرعتها منه. فلما حصل بهمذان اشتدت علته وتوفي بها ﵀ في ليلة الخميس السادس من صفر سنة ستين وثلاثمائة وانتصب ابنه أبو الفتح مكان أبيه، وكان العسكر كما ذكرت مائلا إليه، فزاد في بسطهم وتأنيسهم ووعدهم ومنّاهم وبذل لهم طعامه ومنادمته وأكثر من الخلع عليهم، وراسل حسنويه وأرغبه وأرهبه وحضّه على الطاعة وأومأ إلى مصالحته على مال يحمله يقوم بما أنفق على العسكر وتوفّر بعد ذلك بقية على خزانة السلطان ويضمن إصلاح حاله إذا فعل ذلك مع ركن الدولة، وكان ذلك يشقّ على سهلان بن مسافر لما في نفسه من حسنويه لأنه كان يحبّ الانتقام منه والتشفي به، وكان أبو الفتح يرى مفارقة حسنويه
стр. 1904
والعود إلى صاحبه بما به لم يثلم عسكره ولا خاطر بهم وأن يلحق بمكانه من الوزارة قبل أن يطمع فيه أولى وأشبه بالصواب. وقد كان أبو علي محمد بن أحمد بن البيع خليفة أبيه قد تمكن من ركن الدولة وقبل ذلك ما عرفه بالكفاية والسداد وأرجف له بالوزارة، فسفر المتوسطون بينه وبين حسنويه إلى أن تقرر أمره على خمسين ألف دينار، وجبى كورة الجبل وجمع من الدوابّ والبغال وسائر التحف ما بلغ مقداره مائة ألف دينار، ووردت عليه كتب ركن الدولة بما قوّى قلبه وشدّ منّته وأحمد جميع ما دبره وأمره بالعودة إلى الحضرة بالريّ.
قال «١» : وفي سنة احدى وستين تمكن أبو الفتح ابن العميد من الوزارة بعد أبيه، وفوض إليه ركن الدولة تدبير ممالكه، ومكنه من أعنّه الخيل، فصار وزيرا وصاحب جيش على رسم والده، إلا أن والده باشر هذه الأمور في كمال من أدواته وتمام من آلاته فدبره بالحزم والحنكة، وأما أبو الفتح فكان فيه مع رجاحته وفضله في أدب الكتابة وتيقظه وفراسته نزق الحداثة وسكر الشباب وجرأة القدرة، فأجرى أمره على ما تقدّم من إظهار الزينة الكثيرة واستخدام الديلم والأتراك والاحتشاد في المواكب والدعوات حتى خرج به عن حدّ القصد إلى الإسراف، فجلب ذلك عليه ضروب الحسد من ضروب السلاطين وأصحاب السيوف والأقلام. وكان صاحبه ركن الدولة قد شاخ وسئم ملابسة أمور الجند وأحبّ الراحة والدعة، ففوض إليه الأمور، ورآه شابا قد استقبل الدنيا استقبالا فهو يحبّ التعب الذي قاساه ركن الدولة ثم ملّه، ويستلذّ فيه الانتصاب للأمر والنهي ومخالطة الجند والركوب إلى الصيد ومشي خواصّ الديلم وكبار الجند بين يديه، ثم مشاربتهم ومؤانستهم والاحسان إليهم بالخلع والحملان، فأوّل من أنكر هذا الفعل عليه عضد الدولة ومؤيد الدولة ابنا ركن الدولة وكتّابهما ثم سائر مشايخ الدولة، ورأوه يركب في موكب عظيم ويغشى الدار، فإذا خرج تبعه الجميع وخلت دار الإمارة حتى لا يوجد فيها إلا المستخدمون من الاتباع والحاشية، ثم تراقى أمره في قيادة الجيش والتحقق به إلى أن ندب إلى الخروج إلى العراق في جيش كثيف من الريّ والاجتماع مع عضد الدولة لنصرة بختيار بن معز الدولة في
стр. 1905
الخلاف الذي وقع بينه وبين الأتراك المستعصين عليه، فأقام هناك وواطأ بختيار في أمور خالف فيها عضد الدولة، وذاك أن عضد الدولة لما عاد من بغداد إلى فارس شرط على ابن العميد أن لا يقيم ببغداد بعده إلا ثلاثة أيام ثم يلحق بوالده بالريّ، فلما خرج عضد الدولة طابت لابن العميد بغداد، فاتبع هوى صباه وأحبّ الخلاعة والدخول مع بختيار في أفانين لهوه ولعبه، ووجد خلوّ ذرع من أشغاله وراحة من تدبير أمر صاحبه ركن الدولة مدة، وحصلت له زبازب ودور على الشط وستارات غناء محسنات، وتمكّن من اللذات، وعرف بختيار له ما صنع من الجميل في بابه لأنه كان قد جرّد الفعل والقول في ردّ عضد الدولة عن بغداد بعد أن نشبت فيها مخالبه وتملّكها وقبض على بختيار واستظهر عليه، فلخصه وأعاد ملكه عليه، وصرف عضد الدولة عن بغداد، فكان يراه بختيار بصورة من خلّصه من مخاليب الأسد بعد أن افترسه، وإن سعيه بين ركن الدولة وعضد الدولة هو الذي ردّ عليه ملكه، فبسطه وعرض عليه وزارته وتمكينه من ممالكه على رسمه وألا يعارضه في شيء يدبره ويراه، فلم يجبه إلى ذلك وقال: لي والدة وأهل وولد ونعمة قد رتبت منذ خمسين سنة، وهي كلها في يد ركن الدولة، ولا أستطيع مفارقته ولا يحسن بي أن يتحدث عني بمخالفته ولا يتم أيضا لك مع ما عاملك به من الجميل، ولكني أعاهدك إن قضى الله على ركن الدولة ما هو قاض على جميع خلقه أن أصير إليك مع قطعة عظيمة من عسكره فإنهم لا يخالفوني، وركن الدولة مع ذلك هامة اليوم أو غد، وليس يتأخر أمره. واستقر بينهما ذلك سرّا لم يطلع عليه إلا محمد بن عمر العلوي فإنه توسّط بينهما وأخذ عهد كلّ واحد منهما على صاحبه، ولم يظهر ذلك لأحد حتى حدثني به محمد بن عمر بعد هلاك أبي الفتح. ولكن الغلط العظيم من أبي الفتح أنه كان أقام ببغداد مدة طويلة وحصل أملاكا اقتناها هناك وإقطاعات اكتتبها وأصولا أصّلها على العود إليها، ثم التمس لقبا من السلطان وخلعا وأحوالا لا تشبه ما فارقه عضد الدولة عليها، ثم استخلف ببغداد بعض أولاد التّناء بشيراز يعرف بأبي الحسن ابن أبي شجاع الأرّجانيّ من غير اختبار له ولا خلطة قديمة تكشف له أمره، فلما خرج كانت تلك الأسرار التي بينه وبين بختيار والتراجم بينهما تدور كلها على يده ويتوسطها ويهدي إلى عضد الدولة جميعها ويتقرب إليه بها، فلما عرف عضد الدولة حقيقة الأمر ومخالفة أبي الفتح ابن العميد له ودخوله
стр. 1906
مع بختيار فيما دخل فيه مع اللقب السلطاني الذي حصله، وهو ذو الكفايتين، ولبسه الخلع وركوبه ببغداد مع ابن بقية في هذه الخلع عرف مكاشفته إياه بالعداوة وكتم ذلك في نفسه إلى أن تمكّن منه فأهلكه كما ذكرنا.
قال أبو سعد السمعانيّ «١» أنشدنا الحسن بن محمد الأصبهاني بها أنشدنا أبو زيد صعلوك «٢» بن أميلويه بن أبي طاهر الجيليّ قدم علينا قال: أنشدت لعضد الدولة في ابن العميد ومودته:
ودادك لازم مكنون سرّي ... وحبك جنتي والعشق زادي
فإن واصلتني أزداد حبّا ... وان صارمتني زادت سهادي
وخالك في عذارك في الليالي ... سواد في سواد في سواد
فأجابه ابن العميد:
دعاني في انبلاج الليل صبح ... فنادى قم فحيّ على الفلاح
فقلت له ترفق يا منادي «٣» ... أليس الليل مسود النواحي
فثغري والمدام وحسن وجهي ... صباح في صباح في صباح.
[٨١٣] علي بن محمد الشمشاطي العدوي أبو الحسن
، وشمشاط من بلاد أرمينية من الثغور: وكان معلم أبي تغلب ابن ناصر الدولة بن حمدان وأخيه ثم نادمهما، وهو شاعر مجيد ومصنف مفيد، كثير الحفظ واسع الرواية وفيه تزيد، وقال محمد بن إسحاق النديم: كذا كنت أعرفه قديما، وبلغني أنه قد ترك كثيرا من أخلاقه عند علو سنه، قال: وهو يحيا في عصرنا سنة سبع وسبعين وثلاثمائة.
стр. 1907
قال المؤلف: وهو الذي روى الخبر الذي جرى بين الزجاج وثعلب في حق سيبويه واستدراكه على ثعلب في «الفصيح» عدة مواضع، وقد ذكر ذلك في ترجمة الزجاج رحمه الله تعالى. وكان رافضيا دجالا «١» يأتي في كتبه بالأعاجيب من أحاديثهم.
ولأبي القاسم الرقيّ المنجم فيه يهجوه «٢» :
حفّ خدّيك دلّ يا شمشاطي ... أنه دائما لغير لواط
وانبساط الغلام يعلمني أن ... ك تحت الغلام فوق البساط
وشروط صبرت كرها عليها ... لا لها بل للذة المشراط
قال محمد بن إسحاق: له كتاب النزه والابتهاج وهو مجموع يتضمن غرائب الأخبار ومحاسن الأشعار كالأمالي. كتاب الأنوار مبوب يجري مجرى الملح والتشبيهات والأوصاف عمله قديما ثم زاد فيه بعد ذلك. كتاب الديارات كبير «٣» .
كتاب المثلث الصحيح. كتاب أخبار أبي تمام والمختار من شعره. كتاب القلم جيد. كتاب تفضيل أبي نواس على أبي تمام.
وحدث الشمشاطي في كتابه «كتاب النزه والابتهاج» قال «٤» : كنا ليلة عند أبي تغلب ابن حمدان، وعنده جماعة بعضهم يلعب بالنرد، فطال الجلوس حتى مضى من الليل هزيع والسماء تهطل، فقال أبو البركات لفتح بن نظيف: يا فتح كم قد مضى من الليل؟ فقلت له: هذا نصف بيت شعر، فقال لبعض من في حضرته: أتمه فقال:
هذه قافية صعبة لا تطرد إلا أن نجعل بدل الياء واوا، فعملت في الوقت واستغلقت القافية حتى لا يزاد عليها بيت واحد إلا أن تكرر القافية بلفظ مؤتلف ومعنى مختلف مثل الغيل الذي يرضع المرأة وهي حامل، وقد أتينا بهذه اللفظة ومثلها لفظا ولم نأت به، الغيل: الساعد الريان، والغيل: ما جرى على وجه الأرض، والغيل: الشحم الملتف. ومثل القيل نصف النهار وقد أتينا به، والقيل الملك، ونحو ذلك فقلت:
يا فتح كم قد مضى من الليل ... قل وتجنّب مقال ذي الميل
стр. 1908
فعارض النوم مسبل خمرا ... وعارض المزن مسبل الذيل
والليل في البدر كالنهار إذا ... أضحت وهذا السحاب كالليل
يسكب دمعا على الثرى فترى الم ... اء بكلّ الدروب كالسيل
والنرد تلهي عن المنام إذا ال ... فصوص جالت كجولة الخيل
إذا لذيذ الكرى تدافع عن ... وقت رقاد أضرّ بالحيل
إن أمير الهيجاء في مأزق ال ... حرب الهمام الجواد بالقيل
من حزبه السّعد طالع لهم ... وحزبه موقنون بالويل
نجيب أمّ لم تغذه سيء ال ... قسم ولا أرضعته من غيل
يحمل أعباء كلّ معضلة ... تجلّ أن تستقلّ بالشيل
أمواله والطعام قد بذلا ... لآمليه بالوزن والكيل
جاوز عمرا بأسا وقصّر عن ... جود يديه الضحيان ذو السيل
لا زال في نعمة مجددة ... يشرب صفو الغبوق والقيل
وحدث الشمشاطي في كتابه هذا أيضا قال: أخذت من بين يدي أبي عدنان محمد بن نصر بن حمدان رمانة فكسرتها ودفعت منها إلى من حضر من الشعراء والأدباء، وقلت «١» :
يا حسن رمانة تقاسمها ... كلّ أديب بالظرف منعوت
كأنها قبل كسرها كرة ... وبعد كسر حبات ياقوت.
[٨١٤] علي بن محمد بن الخلال أبو الحسن
الأديب الناسخ: صاحب الخط المليح والضبط الصحيح معروف بذلك مشهور. مات في سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة.
стр. 1909
محتويات الجزء الرّابع
الموضوع الصفحة
[تراجم حرف الصاد]
٥٩٤- صاعد بن الحسن بن عيسى الربعي ١٤٣٩
٥٩٥- صالح بن ابراهيم بن رشدين ١٤٤٢
٥٩٦- صالح بن اسحاق أبو عمر الجرمي ١٤٤٢
٥٩٧- صالح بن جعفر بن عبد الوهاب ١٤٤٤
٥٩٨- صالح بن حسان ١٤٤٤
٥٩٩- صالح بن شعيب القاري ١٤٤٥
٦٠٠- صالح بن عبد القدوس ١٤٤٥
٦٠١- صحار العبدي ١١٤٦
٦٠٢- صدقة بن الحسن بن الحسين الناسخ ١١٤٧
٦٠٣- صفوان بن ادريس التجببي أبو البحر ١١٤٨
[تراجم حرف الضاد]
٦٠٤- الضحاك بن سلمان بن سالم الألوسي ١٤٥١
٦٠٥- الضحاك بن مخلد، أبو عاصم النبيل ١٤٥٢
٦٠٦- الضحاك بن مزاحم المفسّر ١٤٥٢
٦٠٧- أبو ضمضم النسابة البكري ١٤٥٣
[تراجم حرف الطاء]
٦٠٨- طالب بن عثمان بن محمد الأزدي ١٤٥٥
стр. 1910
٦٠٩- طالب بن محمد بن نشيط، ابن السراج النحوي ١٤٥٥
٦١٠- طاهر بن أحمد بن بابشاذ ١٤٥٥
٦١١- طاهر بن أحمد بن محمد القزويني النجار ١٤٥٦
٦١٢- طاهر بن الحسين البندنيجي الهمذاني ١٤٥٧
٦١٣- طراد بن علي بن عبد العزيز، المعروف بالبديع ١٤٥٧
٦١٤- طريح بن اسماعيل الثقفي ١٤٥٨
٦١٥- طلحة بن محمد بن طلحة النعماني ١٤٦٠
٦١٦- طلحة بن محمد بن عبد الله الطلحي ١٤٦١
[تراجم حرف الظاء]
٦١٧- ظافر بن القاسم بن منصور الحداد ١٤٦٢
٦١٨- ظالم بن عمرو، أبو الأسود الدؤلي ١٤٦٣
[تراجم حرف العين] ١٤٧٤
٦١٩- عاصم بن أبي النجود المقرىء ١٤٧٤
٦٢٠- عالي بن عثمان بن جني ١٤٧٥
٦٢١- عامر بن شراحيل الشعبي ١٤٧٥
٦٢٢- عامر بن عمران، أبو عكرمة الضبي ١٤٧٩
٦٢٣- عامر بن محمد بن كسنين ١٤٨٠
٦٢٤- عبادة بن عبد الله بن ماء السماء ١٤٨٠
٦٢٥- العباس بن أحمد بن مطروح الأزدي ١٤٨١
٦٢٦- العباس بن أحمد بن موسى النحوي ١٤٨١
٦٢٧- العباس بن الأحنف ١٤٨١
٦٢٨- العباس بن الفرج الرياشي أبو الفضل ١٤٨٣
٦٢٩- العباس بن محمد بن أبي محمد اليزيدي ١٤٨٥
٦٣٠- العباس بن محمد أبو الفضل يعرف بعرام ١٤٨٥
стр. 1911
٦٣١- عبد الله بن إبراهيم، أبو حكيم الخبري ١٤٨٦
٦٣٢- عبد الله بن أحمد بن حرب، أبو هفان ١٤٨٦
٦٣٣- عبد الله بن أحمد بن علي بن هبة الله الهاشمي ١٤٩٠
٦٣٤- عبد الله بن أحمد، أبو القاسم الكعبي البلخي ١٤٩١
٦٣٥- عبد الله بن أحمد بن جعفر الفرغاني ١٤٩٣
٦٣٦- عبد الله بن أحمد بن الحسين الساماني ١٤٩٤
٦٣٧- عبد الله بن أحمد، أبو محمد ابن الخشاب ١٤٩٤
٦٣٧- عبد الله بن أحمد، ابن الخشاب (ترجمة ثانية) ١٤٩٦
٦٣٨- عبد الله بن إسحاق بن سلام المكاري ١٥٠٦
٦٣٩- عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله الميكالي ١٥٠٧
٦٤٠- عبد الله بن أسعد بن عيسى، ابن الدهان الجزري ١٥٠٩
٦٤١- عبد الله بن بري النحوي ١٥١٠
٦٤٢- عبد الله بن جعفر بن درستويه ١٥١١
٦٤٣- عبد الله بن الحسن بن محمد، أبو الغنائم النسابة ١٥١٣
٦٤٤- عبد الله بن الحسين بن سعد القطربلي ١٥١٤
٦٤٥- عبد الله بن الحسين، أبو البقاء العكبري ١٥١٥
٦٤٦- عبد الله بن حمود الزبيدي الأندلسي ١٥١٧
٦٤٧- عبد الله بن خليد، أبو العميثل ١٥١٨
٦٤٨- عبد الله بن ذكوان الفارسي ١٥١٩
٦٤٩- عبد الله بن رستم ١٥١٩
٦٥٠- عبد الله بن الزبير، ابن المعتز ١٥١٩
٦٥١- عبد الله بن سعيد بن أبان الأموي ١٥٢٦
٦٥٢- عبد الله بن سعيد بن مهدي الخوافي ١٥٢٧
٦٥٣- عبد الله بن السيد البطليوسي ١٥٢٧
стр. 1912
٦٥٤- عبد الله بن سليمان بن يخلف الصقلي ١٥٢٩
٦٥٥- أبو عبد الله العروضي الصقلي ١٥٣١
٦٥٦- عبد الله بن عامر اليحصبي المقرىء ١٥٣٢
٦٥٧- عبد الله بن عبد الله الصفري ١٥٣٣
٦٥٨- عبد الله بن عبد العزيز البكري أبو عبيد ١٥٣٤
٦٥٩- عبد الله بن عبد الأعلى النحوي ١٥٣٦
٦٦٠- عبد الله بن عبد الرحمن الدينوري ١٥٣٦
٦٦١- عبد الله بن عطية بن عبد الله المفسر ١٥٣٨
٦٦٢- عبد الله بن علي بن أحمد المقرىء ١٥٣٩
٦٦٣- عبد الله بن عياش المنتوف الهمداني ١٥٤١
٦٦٤- عبد الله بن القاسم بن علي (ابن الحريري) ١٥٤٤
٦٦٥- عبد الله بن كثير، أحد القراء السبعة ١٥٤٤
٦٦٦- عبد الله بن أبي مالك القيسي الصقلي ١٥٤٦
٦٦٧- عبد الله بن محمد بن هارون التوزي ١٥٤٩
٦٦٨- عبد الله بن محمد، الناشىء الأكبر ١٥٤٨
٦٦٩- عبد الله بن محمد بن علي، عين القضاة الهمذاني ١٥٥٠
٦٧٠- عبد الله بن محمد بن علي، أبو القاسم الكامل ١٥٥١
٦٧١- عبد الله بن محمد بن الحسين بن ناقيا ١٥٦٠
٦٧١ ب- عبد الله بن محمد الأيجي ١٥٦١
٦٧١ ج- عبد الله بن المقفع ١٥٦١
٦٧١ د- عبد الجبار بن أحمد الديناري ١٥٦١
٦٧١ هـ- عبد الحميد بن أسامة بن أحمد ١٥٦٢
٦٧١ وعبد الحميد بن عبد المجيد، الأخفش الأكبر ١٥٦٢
٦٧٢- عبد الرحيم، القاضي الفاضل ١٥٦٢
٦٧٢ ب- عبد السلام الجباني، أبو هاشم ١٥٦٧
стр. 1913
٦٧٣- عبد العزيز بن ابراهيم بن بيان ١٥٦٧
٦٧٣ ب- عبد العزيز بن أحمد المعربي الأخفش ١٥٦٨
٦٧٤- عبد الغافر بن اسماعيل الفارسي ١٥٦٩
٦٧٥- عبد الكافي الهاروني اليهودي ١٥٦٩
٦٧٦- عبد الكريم بن هوازن القشيري ١٥٧٠
٦٧٧- عبد اللطيف بن يوسف البغدادي ١٥٧١
٦٧٨- عبد الواحد بن محمد بن علي ١٥٧٣
٦٧٩- عبد الله بن أحمد بن خرداذبه ١٥٧٣
٦٨٠- عبيد الله بن أحمد بن محمد، جخجخ النحوي ١٥٧٤
٦٨١- عبيد الله بن عبد الرحيم الأصبهاني ١٥٧٤
٦٨٢- عبيد الله بن محمد بن أبي بردة القصري ١٥٧٥
٦٨٣- عبيد الله بن محمد بن أبي محمد اليزيدي ١٥٧٦
٦٨٤- عبيد الله بن محمد بن جعفر الأزدي ١٥٧٦
٦٨٥- عبيد الله بن محمد بن جرو الأسدي ١٥٧٧
٦٨٦- عبيد الله أبو بكر الخياط الأصبهاني ١٥٧٩
٦٨٧- عبيد الله بن محمد بن علي بن شاهمردان ١٥٨١
٦٨٨- عبيد بن سرية (أو شرية) الجرهمي ١٥٨١
٦٨٩- عبيد بن مسعدة يعرف بابن أبي الجليد ١٥٨٤
٦٩٠- عتاب بن ورقاء الشيباني ١٥٨٤
٦٩١- عثمان بن جني أبو الفتح النحوي ١٥٨٥
٦٩٢- عثمان بن ربيعة الأندلسي ١٦٠١
٦٩٣- عثمان بن سعيد، ورش المقرىء ١٦٠١
٦٩٤- عثمان بن سعيد الداني، أبو عمرو ابن الصيرفي المقرىء ١٦٠٣
٦٩٤ ب- عثمان بن سعيد الداني (ترجمة ثانية) ١٦٠٤
٦٩٥- عثمان بن عبد الله، أبو عمرو الطرسوسي ١٦٠٥
стр. 1914
٦٩٦- عثمان بن علي بن عمر السرقوسي الصقلي ١٦٠٦
٦٩٧- عثمان بن علي بن عمر الخزرجي الصفلي ١٦٠٨
٦٩٨- عثمان بن عيسى بن منصور البلطي ١٦١٠
٦٩٩- عريب بن محمد بن مطرف القرطبي ١٦٢١
٧٠٠- عزيز بن الفضل بن فضالة الهذلي ١٦٢٢
٧٠١- عسل بن ذكوان العسكري ١٦٢٢
٧٠٢- عطاء الملط ١٦٢٢
٧٠٣- عطاء بن يعقوب بن ناكل ١٦٢٣
٧٠٤- عكرمة مولى ابن عباس ١٦٢٧
٧٠٥- علاقة بن كرسم الكلابي ١٦٣٠
٧٠٦- علان الوراق الشعوبي ١٦٣١
٧٠٧- العلاء بن الحسن بن وهب بن الموصلايا ١٦٣٣
٧٠٨- أبو علقمة النحوي النميري ١٦٣٧
٧٠٩- علي بن إبراهيم بن قاشم القمي ١٦٤١
٧١٠- علي بن ابراهيم بن محمد الكاتب ١٦٤١
٧١١- علي بن ابراهيم بن محمد الدهكي ١٦٤١
٧١٢- علي بن ابراهيم بن سلمة القطان القزويني ١٦٤٢
٧١٣- علي بن ابراهيم بن سعيد الحوفي ١٦٤٣
٧١٤- علي بن أحمد العقيقي العلوي ١٦٤٤
٧١٥- علي بن أحمد بن أبي دجانة المصري ١٦٤٤
٧١٦- علي بن أحمد الدريدي ١٦٤٤
٧١٧- علي بن أحمد المهلبي اللغوي ١٦٤٥
٧١٨- علي بن أحمد بن سلك الفالي ١٦٤٦
٧١٩- علي بن أحمد بن سيده الأندلسي ١٦٤٨
стр. 1915
٧٢٠- علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري ١٦٥٠
٧٢١- علي بن أحمد بن محمد الواحدي ١٦٥٩
٧٢٢- علي بن أحمد الفنجكردي ١٦٦٤
٧٢٣- علي بن أحمد بن محمد بن الغزال النيسابوري ١٦٦٥
٧٢٤- علي بن أحمد بن بكري، الخازن ١٦٦٦
٧٢٥- علي بن بريد أبو دعامة القيسي ١٦٦٦
٧٢٦- علي بن بسام أبو الحسن الأندلسي ١٦٦٧
٧٢٧- علي بن ثروان بن الحسن الكندي ١٦٦٧
٧٢٨- علي بن جعفر الكاتب، أبو الحسن الفارسي ١٦٦٨
٧٢٩- علي بن جعفر السعدي، ابن القطاع الصقلي ١٦٦٩
٧٣٠- علي بن الحسن الأحمر صاحب الكسائي ١٦٧٠
٧٣١- علي بن الحسن الهنائي، كراع النمل ١٦٧٣
٧٣٢- علي بن الحسن بن فضيل بن مروان ١٦٧٣
٧٣٣- علي بن الحسن بن عبد الرحمن المقرىء ١٦٧٤
٧٣٤- علي بن الحسن، ابن الماشطة ١٦٧٤
٧٣٥- علي بن الحسن- علان المصري ١٦٧٦
٧٣٦- علي بن الحسن، أبو الحسن الصقلي ١٦٧٦
٧٣٧- علي بن الحسن بن حسول ١٦٧٦
٧٣٨- علي بن الحسن القهستاني العميد ١٦٧٧
٧٣٩- علي بن الحسن بن الوحشي ١٦٨١
٧٤٠- علي بن الحسن، الباخرزي ١٦٨٢
٧٤١- علي بن الحسن، ابن صدقة الوزير ١٦٨٨
٧٤٢- علي بن الحسن، شميم الحلي ١٦٨٩
٧٤٣- علي بن الحسن، ابن عساكر الحافظ ١٦٩٧
стр. 1916
٧٤٤- علي بن الحسن، ابن المعلمة ١٧٠٤
٧٤٥- علي بن الحسين، المسعودي المؤرخ ١٧٠٥
٧٤٦- علي بن الحسين، أبو الفرج الأصفهاني ١٧٠٧
٧٤٧- علي بن الحسين، أبو الفرج ابن هندو ١٧٢٣
٧٤٨- علي بن الحسين، الشريف المرتضى ١٧٢٨
٧٤٩- علي بن الحسين، ابن كوجك الوراق ١٧٣٣
٧٥٠- علي بن الحسين بن بلبل العسقلاني ١٧٣٤
٧٥١- علي بن الحسين الآمدي النحوي ١٧٣٥
٧٥٢- علي بن الحسين، أبو الحسن الباقولي ١٧٣٦
٧٥٣- علي بن حمزة الكسائي ١٧٣٧
٧٥٤- علي بن حمزة بن عمارة الأصبهاني ١٧٥٢
٧٥٥ ب- علي بن حمزة البصري اللغوي ١٧٨٤
٧٥٥- علي بن حمزة البصري (ترجمة ثانية) ١٧٥٥
٧٥٦- علي بن حمزة الأديب أبو الحسن ١٧٥٦
٧٥٧- علي بن حمزة بن علي الرازي، ابن بقشلان ١٧٥٦
٧٥٨- علي بن خليفة بن علي، ابن المنقى ١٧٥٧
٧٥٩- علي بن دبيس النحوي الموصلي ١٧٥٩
٧٦٠- علي بن زيد القاشاني ١٧٥٩
٧٦١- علي بن زيد أبو الحسن البيهقي ١٧٥٩
٧٦٢- علي بن سليمان الأديب البغدادي ١٧٦٨
٧٦٣- علي بن سليمان، حيدة اليمني ١٧٦٩
٧٦٤- علي بن سليمان، الأخفش الصغير ١٧٧٠
٧٦٥- علي بن سهل بن العباس النيسابوري ١٧٧٤
٧٦٦- علي بن طاهر بن جعفر السلمي ١٧٧٤
стр. 1917
٧٦٧- علي بن طلحة بن كردان النحوي ١٧٧٥
٧٦٨- علي بن ظافر بن الحسين الأزدي ١٧٧٧
٧٦٩- علي بن العباس النوبختي ١٧٧٨
٧٧٠- علي بن عبد الله بن سنان الطوسي ١٧٧٩
٧٧١- علي بن عبد الله بن علي، ابن الشيبة ١٧٨٠
٧٧٢- علي بن عبد الله بن أحمد النيسابوري ١٧٨١
٧٧٣- علي بن عبد الله بن محمد بن الهيصم الهروي ١٧٨٢
٧٧٤- علي بن عبد الله بن وصيف، الناشىء الأصغر ١٧٨٤
٧٧٥- علي بن عبد الله بن موهب الجذامي ١٧٩١
٧٧٦- علي بن عبد الله بن محمد، ابن أبي جرادة العقيلي ١٧٩٢
٧٧٧- علي بن عبد الجبار بن سلامة بن عيذون الهذلي ١٧٩٣
٧٧٨- علي بن عبد الرحمن الخزاز السوسي ١٧٩٤
٧٧٩- علي بن عبد الرحيم بن الحسن، ابن العصار اللغوي ١٧٩٤
٧٨٠- علي بن عبد العزيز بن المرزبان، أبو الحسن البغوي ١٧٩٥
٧٨١- علي بن عبد العزيز، القاضي الجرجاني ١٧٩٦
٧٨٢- علي بن عبد العزيز، ابن حاجب النعمان ١٨٠٦
٧٨٣- علي بن عبد الغني القروي الحصري ١٨٠٨
٧٨٤- علي بن أبي طالب، أمير المؤمنين ١٨٠٩
٧٨٥- علي بن عبد الملك بن العباس القزويني ١٨١٣
٧٨٦- علي بن عبيدة الريحاني ١٨١٤
٧٨٧- علي بن عبيد الله بن الدقاق، أبو القاسم الدقيقي ١٨١٦
٧٨٨- علي بن عبيد الله السمسمي ١٨١٧
٧٨٩- علي بن عساكر بن المرحب البطائحي ١٨١٩
٧٩٠- علي بن علي أبو الحسن البرقي ١٨٢٠
стр. 1918
٧٩١- علي بن عراق الصناري ١٨٢٠
٧٩٢- علي بن عيسى الصائغ غلام ابن شاهين ١٨٢١
٧٩٣- علي بن عيسى بن داود بن الجراح ١٨٢٣
٧٩٤- علي بن عيسى الرماني ١٨٢٦
٧٩٥- علي بن عيسى الربعي ١٨٢٨
٧٩٦- علي بن عيسى، ابن وهاس ١٨٣٢
٧٩٧- علي بن فضال بن علي المجاشعي ١٨٣٤
٧٩٨- علي بن الفضل المزني النحوي ١٨٢٨
٧٩٩- علي بن القاسم القاشاني ١٨٣٩
٨٠٠- علي بن القاسم السنجاني أبو الحسن ١٨٤٢
٨٠١- علي بن المبارك اللحياني ١٨٤٣
٨٠٢- علي بن المبارك بن علي، ابن الزاهدة النحوي ١٨٤٤
٨٠٣- علي بن المحسن التنوخي أبو القاسم ١٨٤٥
٨٠٤- علي بن محمد المدائني أبو الحسن ١٨٤٥
٨٠٥- علي بن محمد بن وهب المبسعري ١٨٥٢
٨٠٦- علي بن محمد بن نصر البسامي ١٨٥٩
٨٠٧- علي بن محمد بن عبيد الأسدي، ابن الكوفي ١٨٦٦
٨٠٨- علي بن محمد بن الشاه الطاهري ١٨٦٨
٨٠٩- علي بن محمد بن عبدوس الكوفي ١٨٦٩
٨١٠- علي بن محمد أبو القاسم الاسكافي ١٨٦٩
٨١١- علي بن محمد التنوخي ١٨٧٢
٨١٢- علي بن محمد بن الحسين، ذو الكفايتين ابن العميد ١٨٨٦
٨١٣- علي بن محمد الشمشاطي ١٨٠٧
٨١٤- علي بن محمد الخلال ١٩٠٩.
стр. 1919
(بسم الله الرحمن الرحيم)
[الجزء الخامس]
[تتمة حرف العين]
[٨١٥]
علي بن محمد بن عمير النحوي الكناني
يكنى أبا الحسن: كان أحد الفضلاء من أصحاب أبي بكر محمد بن الحسن بن مقسم، روى عنه «أمالي ثعلب» في سنة ست عشرة وأربعمائة فسمعه منه الحسن بن أحمد بن الثلاج وأبو الفتح ابن المقدر.
[٨١٦]
علي بن محمد بن عبد الرحيم بن دينار
الكاتب أبو الحسين: بصري الأصل واسطي المولد والمنشأ، قال الحافظ أبو طاهر السلفي: وسألته- يعني أبا الكرم خميس بن علي الحوزي- عن ابن دينار فقال: سمع أبا بكر ابن مقسم، ولقي المتنبي فسمع منه ديوانه ومدحه بقصيدة هي عندنا موجودة في ديوانه أوّلها:
ربّ القريض اليك الحلّ والرحل ... ضاقت إلى العلم إلا نحوك السبل
تضاءل الشعراء اليوم عند فتى ... صعاب كلّ قريض عنده ذلل
وكان شاعرا مجيدا شارك المتنبي في أكثر ممدوحيه كسيف الدولة بن حمدان وابن العميد وغيرهما، وكان حسن الخطّ يقال إنه على طريقة ابن مقلة. مات سنة تسع وأربعمائة، حمل الناس عنه الأدب فأكثروا بواسط وغيرها، وكان سهل الخلائق
стр. 1920
جميل «١» الطريقة، سأله الناس بواسط بعد موت أبي محمد عبد الله العلوي أن يجلس لهم صدرا فيقرئهم فامتنع وقال: أنا أتعمم مدوّرة وكمّي ضيق وليست هذه حلية أهل القرآن، أظنني سمعت ذلك من أبي الحسن المغازليّ الشاهد، هذا آخر ما قاله خميس.
قلت: وقد سمع أبو غالب محمد بن بشران من ابن دينار كثيرا فروى عنه كتب الزجاج عن أبي الحسن علي بن الجصاص عن الزجاج، وروى عنه مصنفات ثعلب عن أبي بكر محمد بن الحسن بن مقسم عنه، وروى له كتب ابن الأعرابي عن ابن مقسم عن ثعلب عنه، وروى له كتب ابن السكيت جميعها ك «الاصلاح» و «الألفاظ» و «النبات» وغير ذلك عن ابن مقسم عن المعبدي عن ابن السكيت وروى له كتب ابن قتيبة: ك «كتاب غريب الحديث» و «كتاب أدب الكاتب» و «كتاب الأشربة» و «عيون الأخبار» وعدد كتبه كلها عن أبي القاسم الآمدي عن أبي جعفر أحمد ابن قتيبة عن أبيه، وروى له كتب الآمدي جميعها عنه، وروى له كتاب أبى الفرج علي بن الحسين الأصفهاني «الأغاني الكبير» وغيره عنه، وروى له «كتاب الجمهرة» لابن دريد عن أبي الفتح عبيد الله بن أحمد النحوي جخجخ عن ابن دريد، وغير ذلك مما يطول شرحه.
وأخذ ابن دينار عن أبي سعيد السيرافي وأبي علي الفارسي. ومولد ابن دينار سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة. وذكر أبو عبد الله الحميدي في «ثبته» قال: حدثني أبو غالب ابن بشران النحوي قال: حدثني أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الرحيم بن دينار الكاتب قال: قرأت على أبي الفرج علي بن الحسين الأصفهاني جميع «كتاب الأغاني» .
[٨١٧]
علي بن محمد النهاوندي النحوي:
روى عن جنادة أبي أسامة وعن أبي يوسف أحمد بن الحسين «٢» عن المبرد.
стр. 1921
[٨١٨]
علي بن محمد بن الحسن الهروي:
والد أبي سهل محمد بن علي الهروي الذي يكتب «الصحاح» ، وقد ذكر في بابه: وكان أبو الحسن هذا عالما بالنحو إماما في الأدب جيد القياس صحيح القريحة حسن العناية بالآداب، وكان مقيما بالديار المصرية، وله تصانيف منها: كتاب الذخائر في النحو أربع مجلدات رأيته بمصر بخطه. وكتاب الأزهية شرح فيه العوامل والحروف «١» ، وهما كتابان جليلان أبان فيهما عن فضله.
[٨١٩]
علي بن محمد بن أبي الحسين الأندلسي ،
أبو الحسن الكاتب: مشهور بالأدب والشعر وله كتاب في التشبيهات من أشعار أهل الأندلس، كان في أيام الدولة العامرية وعاش الى أيام الفتنة، ذكره الحميدي.
[٨٢٠]
علي بن محمد بن العباس أبو حيان التوحيدي:
شيرازي الأصل، وقيل نيسابوري، ووجدت بعض الفضلاء يقول له الواسطي، صوفي السمت والهيئة وكان
стр. 1922
يتأله والناس يقولون «١» في دينه، قدم بغداد فأقام بها مدة، ومضى إلى الريّ وصحب الصاحب أبا القاسم إسماعيل بن عباد وقبله أبا الفضل ابن العميد فلم يحمدهما، وعمل في مثالبهما كتابا، وكان متفننا في جميع العلوم من النحو واللغة والشعر والأدب والفقه والكلام على رأي المعتزلة، وكان جاحظيا يسلك في تصانيفه مسلكه ويشتهي أن ينتظم في سلكه، فهو شيخ في الصوفية، وفيلسوف الأدباء، وأديب الفلاسفة، ومحقق الكلام، ومتكلم المحققين، وإمام البلغاء، وعمدة لبني ساسان، سخيف اللسان، قليل الرضى عند الإساءة إليه والإحسان، الذمّ شانه والثلب دكانه، وهو مع ذلك فرد الدنيا الذي لا نظير له ذكاء وفطنة وفصاحة ومكنة، كثير التحصيل للعلوم في كلّ فن حفظه، واسع الدراية والرواية، وكان مع ذلك محدودا محارفا يتشكّى صرف زمانه، ويبكي في تصانيفه على حرمانه. ولم أر أحدا من أهل العلم ذكره في كتاب ولا دمجه في ضمن خطاب، وهذا من العجب العجاب، غير أن أبا حيان ذكر نفسه في «كتاب الصديق والصداقة» وهو كتاب حسن نفيس بما قال فيه «٢» : كان سبب إنشاء هذا الكتاب «الرسالة في الصديق والصداقة» أني ذكرت منها شيئا لزيد بن رفاعة أبي الخير، فنماه إلى ابن سعدان أبي عبد الله سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة قبل تحمله عبء «٣» الدولة وتدبيره أمر الوزارة، فقال لي ابن سعدان: قال لي عنك زيد كذا وكذا، قلت: قد كان ذاك، فقال لي: دوّن هذا الكلام وصله بصلاته مما يصح عندك لمن تقدم، فإن حديث الصديق حلو، ووصف الصاحب المساعد مطرب. فجمعت ما في هذه الرسالة وشغل عن ردّ القول فيها وبطؤت أنا عن تحريرها إلى أن كان من أمره
стр. 1923
ما كان، فلما كان هذا الوقت وهو رجب سنة أربعمائة عثرت على المسودة وبيضتها (وهذا دليل على بقائه إلى بعد الأربعمائة) .
وفي «كتاب الهفوات» لابن الصابىء «١» : وحكى أبو حيان قال: حضرت مائدة الصاحب ابن عباد فقدّمت مضيرة فأمعنت فيها، فقال لي: يا أبا حيان إنها تضرّ بالمشايخ، فقلت: إن رأى الصاحب أن يدع التطبب على طعامه فعل، فكأني ألقمته حجرا وخجل واستحيا ولم ينطق إلى أن فرغنا.
ولأبي حيان تصانيف كثيرة منها: كتاب رسالة الصديق والصداقة. كتاب الردّ على ابن جني في شعر المتنبي. كتاب الامتاع والمؤانسة جزءان. كتاب الاشارات الآلهية جزءان. كتاب الزلفة جزء. كتاب المقابسة. كتاب رياض العارفين. كتاب تقريظ الجاحظ. كتاب ذم الوزيرين. كتاب الحج العقلي إذا ضاق الفضاء عن الحج الشرعي. كتاب الرسالة في صلات الفقهاء في المناظرة. كتاب الرسالة البغدادية.
كتاب الرسالة في أخبار الصوفية. كتاب الرسالة الصوفية أيضا. كتاب الرسالة في الحنين إلى الأوطان. كتاب البصائر وهو عشر مجلدات كلّ مجلد له فاتحة وخاتمة.
كتاب المحاضرات والمناظرات «٢» .
قال أبو حيان في «كتاب المحاضرات» : كنت بحضرة أبي سعيد السيرافي فوجدت بخطه على ظهر «كتاب اللمع في شواذ التفسير» وكان بين يديه فأخذته ونظرت قال: ذم أعرابي رجلا فقال: ليس له أول يحمل عليه ولا آخر يرجع إليه ولا عقل يزكو به عاقل لديه، وأنشد:
حسبتك إنسانا على غير خبرة ... فكشّفت عن كلب أكبّ على عظم
لحا الله رأيا قاد نحوك همتي ... فأعقبني طول المقام على الذم
стр. 1924
فقال لي: يا أبا حيان ما الذي كنت تكتب؟ قلت: الحكاية التي على ظهر هذا الكتاب، فأخذها وتأملها وقال: تأبى إلا الاشتغال بالقدح والذم وثلب الناس، فقلت: أدام الله الامتاع به شغل كلّ إنسان بما هو مبتلى به مدفوع إليه.
قال أبو حيان: وقصدت مع أبي زيد المروزي دار أبي الفتح ذي الكفايتين فمنعنا من الدخول عليه أشدّ منع، وذكر حاجبه أنه يأكل الخبز، فرجعنا بعد أن قال أبو زيد للحاجب: أجلسنا في الدهليز إلى أن يفرغ من الأكل، فلم يفعل، فلما انصرفنا خزايا أنشأ يقول متمثلا «١» :
على خبز إسماعيل واقية البخل ... فقد حلّ في دار الأمان من الأكل
وما خبزه إلّا كآوى يرى ابنه ... ولم ير آوى في الحزون ولا السهل
وما خبزه إلا كعنقاء مغرب ... تصوّر في بسط الملوك وفي المثل
يحدّث عنها الناس من غير رؤية ... سوى صورة ما إن تمرّ ولا تحلي
قال أبو حيان وأنشدنا أبو بكر القومسي الفيلسوف، وكان بحرا عجاجا وسراجا وهاجا، وكان من الضرّ والفاقة ومقاساة الشدة والاضاقة بمنزلة عظيمة، عظيم القدر عند ذوي الأخطار منحوس الحظّ منهم، متهما في دينه عند العوام مقصودا من جهتهم، فقال لي يوما: ما ظننت أن الدنيا ونكدها تبلغ من إنسان ما بلغ مني، إن قصدت دجلة لأغتسل منها نضب ماؤها، وإن خرجت إلى القفار لأتيمم بالصعيد عاد صلدا أملس، وكأنّ العطويّ ما أراد بقصيدته غيري وما عني بها سواي. ثم أنشدنا للعطوي:
من رماه الإله بالإقتار ... وطلاب الغنى من الأسفار
هو في حيرة وضنك وإفلاس ... وبؤس ومحنة «٢» وصغار
يا أبا القاسم الذي أوضح الجود ... إليه مقاصد الأحرار
خذ حديثي فانّ وجهي مذ بارز ... «٣» هذا الأنام في ثوب قار
стр. 1925
وهو للسامعين أطيب من نفح ... نسيم الرياض غبّ القطار
هجم البرد مسرعا ويدى صف ... ر وجسمي عار بغير دثار
فتسترت منه طول التشارى ... ن إلى أن تهتكت أستاري
ونسجت الأطمار بالخيط والاب ... رة حتى عريت من أطماري
وسعى القمل في دروز قميصي ... من صغار ما بينهم وكبار
يتساعون من ثيابي إلى رأ ... سي قطارا يجول بعد قطار
ثم وافى كانون واسودّ وجهي ... وأتاني ما كان منه حذاري
لو تأملت صورتي ورجوعي ... حين أمسي إلى ربوع قفار
أنا وحدي فيه وهل فيه فضل ... لجلوس الأنيس والزوّار
والخلا لا يراد فيه فما لي ... أبدا حاجة إلى حفّار
بل يراد الخلا لمنحدر النج ... وو ما ذقت لقمة في الدار
وإذا لم تدر على المطعم الأف ... واه سدّت مثاعب الأجحار
وقلت له يوما: لو قصدت ابن العميد وابن عباد عسى تكون من جملة من ينفق عليهما ويحظى لديهما، فأجابني بكلام منه: معاناة الضرّ والبؤس أولى من مقاساة الجهال والتيوس، والصبر على الوخم الوبيل أولى من النظر إلى محيا كل ثقيل، ثم أنشأ يقول:
بيني وبين لئام الناس معتبة ... ما تنقضي وكرام الناس إخواني
إذا لقيت لئيم القوم عنّفني ... وإن لقيت كريم القوم حياني
وقلت له: هل تعرف في معنى قصيدة العطوي أخرى؟ قال: نعم قصيدة الحرّاني صاحب المأمون، فقلت: لو تفضلت بانشادها، فقال: خذ في حديث من أقبلت عليه دنياه وتمكن فيها من مناه، ودع حديث الحرف والعسر والشؤم والخسر تطيرا إن لم ترفضه تأدبا، فقلت له: ما أعرف لك شريكا فيما أنت عليه وتتقلّب فيه وتقاسيه سواي، ولقد استولى عليّ الحرف وتمكن مني نكد الزمان إلى الحدّ الذي لا أسترزق مع صحة نقلي وتقييد خطي وتزويق نسخي وسلامته من التصحيف والتحريف
стр. 1926
بمثل ما يسترزق البليد الذي يمسخ النسخ ويفسخ الأصل والفرع. وقصدت ابن عباد بأمل فسيح وصدر رحيب، فقدّم إليّ رسائله في ثلاثين مجلدة على أن أنسخها له، فقلت: نسخ مثله يأتي على العمر والبصر، والوراقة كانت موجودة ببغداد، فأخذ في نفسه عليّ من ذلك، وما فزت بطائل من جهته. فقال: بلغني ذلك، فقلت له: ولو كان شيئا يرتفع من اليد بمدة قريبة لكنت لا أتعطّل وأتوفر عليه، ولو قرّر معي أجرة مثله لكنت أصبر عليه، فليس لمن وقع في شرّ الشباك وعين الهلاك إلا الصبر.
قال أبو حيان: ودخلت على الدلجي بشيراز وكنت قد تأخرت عنه أياما، وهذا الكتاب يعني «كتاب المحاضرات» جمعته له بعد ذلك ولأجله أتعبت نفسي، فقال لي: يا أبا حيان من أين؟ فقلت:
إذا شئت أن تقلى فزر متواترا ... وان شئت أن تزداد حبّا فزر غبا
وهذا لملال ظهر لي منه وقليل إعراض، أعرض عني في يوم، فقال لي: ما هذا البيت إلا بيت جيد يعرفه الخاص والعام، وهو موافق لما يذكر أن النبي ﷺ قال: زر غبا تزدد حبا، فلو كان لهذا البيت أخوات كان أحسن من أن يكون فردا، قلت: فله أخوات، قال: فأنشدني، قلت: لا أحفظها، قال: فأخرجها، قلت: لا أهتدي إليها، قال: فمن أين عرفتها؟ قلت: مرّت بي في جملة تعليقات، قال: فاطلبها لأقدّم رسمك، قلت: فقدمه الآن على شريطة أنه إذا جاء الوقت المعتاد إطلاقه فيه كلّ سنة أطلقته أيضا، قال: أفعل، قلت: فخدها الآن: سمعت العروضي أبا محمد يقول: دخل بعض الشعراء على عيسى بن موسى الرافقي وبين يديه جارية يقال لها خلوب، فقال لها: اقترحي عليه، فقالت:
إذا شئت أن تقلى فزر متواترا ... وإن شئت أن تزداد حبّا فزر غبا
أجزه بأبيات تليق به فأنشد:
بقيت بلا قلب فانّي هائم ... فهل من معير يا خلوب لكم قلبا
حلفت بربّ البيت أنّك منيتي ... فكوني لعيني ما نظرت بها نصبا
عسى الله يوما أن يرينيك خاليا ... فيزداد لحظي من محاسنكم عجبا
إذا شئت أن تقلى فزر متواترا ... وإن شئت أن تزداد حبا فزر غبا
стр. 1927
فأنجز لي ما وعد، ووفى بما شرط، وكان ينفق عليه سوق العلم، مع جنون كان يعتريه ويتخبط في أكثر أوقاته فيه، وليت مع هذه الحالة خلّف لنفسه شكلا أو نرى له في وقتنا هذا مثلا، بارت البضائع وثارت «١» البدائع، وكسد سوق العلم، وخمد ذكر الكرم، وصار الناس عبيد الدرهم بعد الدرهم.
وكان أبو حيان قد أحرق كتبه في آخر عمره لقلة جدواها وضنا بها على من لا يعرف قدرها بعد موته، فكتب إليه القاضي أبو سهل على بن محمد يعذله على صنيعه، ويعرّفه قبح ما اعتمد من الفعل وشنيعه، فكتب إليه أبو حيان يعتذر من ذلك:
«حرسك الله أيها الشيخ من سوء ظني بمودتك وطول جفائك، وأعاذني من مكافأتك على ذلك، وأجارنا جميعا مما يسود وجه عهد إن رعيناه كنا مستأنسين به، وإن أهملناه كنا مستوحشين من أجله، فأدام الله نعمته عندك وجعلني على الحالات كلها فداك. وافاني كتابك غير محتسب ولا متوقّع، على ظماء برح منّي إليه، وشكرت الله تعالى على النعمة به عليّ، وسألته المزيد من أمثاله الذي وصفت فيه بعد ذكر الشوق إليّ والصبابة نحوي وما نال قلبك والتهب في صدرك من الخبر الذي نمي إليك فيما كان مني من إحراق كتبي النفيسة بالنار وغسلها بالماء، فعجبت من انزواء وجه العذر عنك في ذلك، كأنك لم تسمع قارئا يقرأ قوله جلّ وعز: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
(القصص: ٨٨) وكأنك لم تأبه لقوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
(الرحمن: ٢٦) وكأنك لم تعلم أنه لا ثبات لشيء من الدنيا وإن كان شريف الجوهر كريم العنصر ما دام مقلّبا بيد الليل والنهار، معروضا على أحداث الدهر وتعاور الأيام، ثم إني أقول: إن كان- أيدك الله- قد نقب خفّك ما سمعت فقد أدمى أظلّي ما فعلت، فليهن عليك ذلك فما انبريت له ولا اجترأت عليه حتى استخرت الله فيه أياما وليالي، وحتى أوحى إليّ في المنام بما بعث راقد العزم، وأجدّ فاتر النية، وأحيا ميت الرأي، وحثّ على تنفيذ ما وقع في الرّوع وتريّع في الخاطر، وأنا أجود عليك الآن بالحجة في ذلك إن طالبت، أو بالعذر إن استوضحت، لتثق بي فيما كان مني، وتعرف صنع الله تعالى في ثنيه لي» .
стр. 1928
«إن العلم حاطك الله يراد للعمل، كما أن العمل يراد للنجاة، فإذا كان العمل قاصرا عن العلم كان العلم كلّا على العالم، وأنا أعوذ بالله من علم عاد كلا وأورث ذلا وصار في رقبة صاحبه غلا، وهذا ضرب من الاحتجاج المخلوط بالاعتذار. ثم اعلم- علمك الله الخير- أن هذه الكتب حوت من أصناف العلم سرّه وعلانيته، فأما ما كان سرّا فلم أجد له من يتحلّى بحقيقته راغبا، وأما ما كان علانية فلم أصب من يحرص عليه طالبا، على أني جمعت أكثرها للناس ولطلب المثالة «١» منهم، ولعقد الرياسة بينهم ولمدّ الجاه عندهم، فحرمت ذلك كله، ولا شكّ في حسن ما اختاره الله لي وناطه بناصيتي وربطه بأمري، وكرهت مع هذا وغيره أن تكون حجة عليّ لا لي. ومما شحذ العزم على ذلك ورفع الحجاب عنه أني فقدت ولدا نجيبا، وصديقا حبيبا، وصاحبا قريبا، وتابعا أديبا، ورئيسا مثيبا، فشق عليّ أن أدعها لقوم يتلاعبون بها ويدنّسون عرضي إذا نظروا فيها، ويشمتون بسهوي وغلطي إذا تصفحوها، ويتراءون نقصي وعيبي من أجلها، فإن قلت: ولم تسمهم بسوء الظن وتقرّع جماعتهم بهذا العيب؟
فجوابي لك أن عياني منهم في الحياة هو الذي يحقّق ظنّي بهم بعد الممات، وكيف أتركها لأناس جاورتهم عشرين سنة فما صحّ لي من أحدهم وداد ولا ظهر لي من إنسان منهم حفاظ، ولقد اضطررت بينهم بعد الشهرة والمعرفة في أوقات كثيرة إلى أكل الخضراوات في الصحراء، وإلى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة، وإلى بيع الدين والمروءة، وإلى تعاطي الرياء بالنفاق والسمعة، وإلى ما لا يحسن بالحرّ أن يرسمه بالقلم، ويطرح في قلب صاحبه الألم، وأحوال الزمان بادية لعينك، بارزة بين مسائك وصباحك، وليس ما قلته بخاف عليك مع معرفتك وفطنتك وشدة تتبعك وتفرغك. وما كان يجب أن ترتاب في صواب ما فعلته وأتيته، بما قدّمته ووصفته وبما أمسكت عنه وطويته، إما هربا من التطويل وإما خوفا من القال والقيل. وبعد فقد أصبحت هامة اليوم أو غد، فإني في عشر التسعين، وهل لي بعد الكبرة والعجز أمل في حياة لذيذة أو رجاء لحال جديدة، ألست من زمرة من قال القائل فيهم:
نروح ونغدو كلّ يوم وليلة ... وعما قليل لا نروح ولا نغدو
стр. 1929
وكما قال الآخر:
تفوّقت درّات الصبا في ضلاله ... إلى أن أتاني بالفطام مشيب
وهذا البيت للورد الجعدي «١» ، وتمامه يضيق عنه هذا المكان» .
«والله يا سيدي لو لم أتعظ إلا بمن فقدته من الاخوان والأخدان، في هذا الصقع، من الغرباء والأدباء والأحبّاء لكفى، فكيف بمن كانت العين تقرّبهم والنفس تستنير بقربهم، فقدتهم بالعراق والحجاز والجبل والريّ وما والى هذه المواضع، وتواتر إليّ نعيهم واشتدّت الواعية بهم، فهل أنا إلا من عنصرهم؟ وهل لي محيد عن مصيرهم؟ أسأل الله تعالى ربّ الأولين أن يجعل اعترافي بما أعرفه موصولا بنزوعي عما أقترفه، إنه قريب مجيب» .
«وبعد فلي في إحراق هذه الكتب أسوة بأئمة يقتدى بهم ويؤخذ بهديهم ويعشى إلى نارهم، منهم أبو عمرو بن العلاء، وكان من كبار العلماء مع زهد ظاهر وورع معروف، دفن كتبه في بطن الأرض فلم يوجد لها أثر. وهذا داود الطائي، وكان من خيار عباد الله زهدا وفقها وعبادة، ويقال له تاج الأمة، طرح كتبه في البحر وقال يناجيها: نعم الدليل كنت، والوقوف مع الدليل بعد الوصول عناء وذهول وبلاء وخمول. وهذا يوسف بن أسباط، حمل كتبه إلى غار في جبل وطرحها فيه وسدّ بابه، فلما عوتب على ذلك قال: دلّنا العلم في الأول ثم كاد يضلّنا في الثاني، فهجرناه لوجه من وصلناه، وكرهناه من أجل من أردناه. وهذا أبو سليمان الداراني جمع كتبه في تنور وسجرها بالنار ثم قال: والله ما أحرقتك حتى كدت أحترق بك. وهذا سفيان الثوري مزّق ألف جزء وطيّرها في الريح وقال: ليت يدي قطعت من هاهنا بل من هاهنا ولم أكتب حرفا. وهذا شيخنا أبو سعيد السيرافي سيد العلماء قال لولده محمد: قد تركت لك هذه الكتب تكتسب بها خير الآجل، فإذا رأيتها تخونك فاجعلها طعمة للنار» .
«وماذا أقول بعد هذا، وبماذا تقابلني بعد ذلك، سوى أني أقول وسامعي يصدق: إن زمانا أحوج مثلي إلى ما بلغك لزمان تدمع له العين حزنا وأسى، ويتقطّع عليه القلب غيظا وجوى وضنى وشجى، وما نصنع بما كان وحدث وبان، إن احتجت
стр. 1930
إلى العلم في خاصة نفسي فالقليل والله تعالى شاف كاف، وإن احتجت إليه للناس ففي الصدر منه ما يملأ القرطاس بعد القرطاس إلى أن تفنى الأنفاس بعد الأنفاس، وذلك من فضل الله تعالى عليّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ*
(الجاثية: ٢٦) فلم تعنّى عيني- أيدك الله- بعد هذا بالحبر والورق والجلد والقراءة والمقابلة والتصحيح، وبالسواد والبياض؟ وهل أدرك السلف الصالح في الدين الدرجات العلى إلا بالعمل الصالح والاخلاص المعتقد والزهد الغالب في كلّ ما راق من الدنيا وخدع بالزبرج وهوى بصاحبه إلى الهبوط؟ وهل وصل الحكماء القدماء إلى السعادة العظمى إلا بالاقتصاد في السعي وإلا بالرضى بالميسور وإلا ببذل ما فضل عن الحاجة للسائل والمحروم؟ فأين يذهب بنا وعلي أيّ باب نحطّ رحالنا؟ وهل جامع الكتب إلا كجامع الفضة والذهب، وهل المنهوم بها إلا كالحريص الجشع عليهما؟ وهل المغرم بحبها إلا كمكاثرهما؟ هيهات!! الرحيل والله قريب والثواء قليل، والمضجع مقض والمقام ممضّ، والطريق مخوف والمعين ضعيف، والاغترار غالب، والله من وراء هذا كلّه طالب، نسأل الله تعالى رحمة يظلنا جناحها، ويسهل علينا في هذه العاجلة غدوها ورواحها، فالويل كل الويل لمن بعد عن رحمته بعد أن حصل تحت قدره، فهذا هذا» .
«ثم إني- أيدك الله- ما أردت أن أجيبك عن كتابك لطول جفائك وشدة التوائك عمن لم يزل على رأيك، مجتهدا في محبتك على قربك ونأيك، مع ما أجده من انكسار النشاط، وانطواء الانبساط، لتعاور العلل عليّ، وتخاذل الأعضاء مني، فقد كلّ البصر وانعقد اللسان، وجمد الخاطر وذهب البيان، وملك الوسواس، وغلب اليأس من جميع الناس، ولكني حرست منك ما أضعته مني، ووفيت لك بما لم تف به لي، ويعزّ عليّ أن يكون لي الفضل عليك أو أحرز المزية دونك، وما حداني على مكاتبتك إلا ما أتمثله من تشوقك إليّ وتحرقك عليّ، وأنّ الحديث الذي بلغك قد بدّد فكرك، وأعظم تعجبك، وحشد عليك جزعك، والأول يقول:
وقد يجزع المرء الجليد وتبتلي ... عزيمة رأي المرء نائبة الدهر
تعاوره الأيام فيما ينوبه ... فيقوى على أمر ويضعف عن أمر
على أنك لو علمت في أيّ حال غلب عليّ ما فعلته، وعند أي مرض، وعلى أية عسرة وفاقة، لعرفت من عذري أضعاف ما أبديته، واحتججت لي بأكثر ما نشرته