← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

نقلت من خط أبي سعد السمعاني باسناد له قال: ألقيت رقعة إلى أبي خليفة الفضل بن الحباب القاضي فيها: قل للحكيم أبي خليفه ... يا زين شيعة ابي حنيفه إني قصدتك للذي ... كاتمت من حذر وخيفه ماذا تقول لطفلة ... في الحسن منزلها شريفه تصبو إلى زين الورى ... من غير ما بأس عفيفه فقرأ الرقعة ثم كتب على ظهرها: يا من تكامل ظرفها ... حال الهوى حال شريفه إن كنت صادقة الذي ... كاتمت من حذر وخيفه فلك السعادة والشها ... دة والجلالة يا شريفه هذا النصاح بعينه ... وبه يقول أبو حنيفه نقلت من خط الامام الحافظ حقا، صديقنا ومفيدنا أبي نصر عبد الرحيم بن النفيس بن وهبان من «كتاب الارشاد في معرفة علماء الحديث» تصنيف الخليل بن عبد الله بن أحمد الحافظ القاضي، أنشدني الصاحب إسماعيل بن عباد الوزير، أنشدني أبي، أنشدني أبو خليفة لنفسه: شيبان والكبش حدثاني ... شيخان بالله عالمان قالا إذا كنت فاطميا ... فاصبر على نكبة الزمان قال: إني سألت أبا خليفة عن الكبش من هو، قال: أبو الوليد الطيالسي، وشيبان هو ابن فرّوخ الأبلّي. قال الخليل، قلت لعبد الله بن محمد: هذا يدل على أن أبا خليفة كان يميل إلى التشيع، فقال: نعم. قرأت بخط أبي سعد أيضا باسناد له إلى أبي سهل هارون بن أحمد بن هارون الاستراباذي قال: أنشدنا الفضل بن الحباب الجمحي القاضي لنفسه: ومتعب السّفر مرتاح إلى بلد ... والموت يرصده في ذلك البلد وضاحك والمنايا فوق هامته ... لو كان يعلم غيبا مات من كمد

стр. 2172

آماله فوق ظهر النجم شامخة ... والموت من تحت إطليه على الرصد من كان لم يعط علما في بقاء غد ... ماذا تفكّره في الرزق بعد غد قرأت في «كتاب هراة» للفامي قال: روي عن محمد بن إبراهيم بن عبدويه ابن سدوس بن علي أبي عبد الله المسندي أنه قال: كنا عند أبي خليفة القاضي بالبصرة فدخل عليه اللص داره، فصاح ابنه باللص، فخرج أبو خليفة إلى صحن الدار فقال: أيها اللص مالك ولنا؟ إن أردت المال فعليك بفلان وفلان، إنما عندنا قمطران: قمطر فيه أحاديث وقمطر فيه أخبار، إن أردت الحديث حدثناك عن أبي الوليد الطيالسي وأبي عمر الجوصي وابن كثير وهو محمد، وإن أردت الأخبار أخبرناك عن الرياشي عن الأصمعي ومحمد بن سلام، فصاح ابنه: إنما كان كلبا، فقال: الحمد لله الذي مسخه كلبا وردّ عنا حربا. وذكر التنوخي هذه الحكاية وقال في آخرها: فقال له غلامه: يا مولاي ليس إلا الخير إنما هو سنور، فقال أبو خليفة: الحمد لله الذي مسخه هرّا وكفانا شرّا. قال المؤلف: ومثل هذه الحكاية تحكى عن أبي حية النميري، مشهورة عنه، وقال في آخرها: الحمد لله الذي مسخه كلبا وردنا حربا «١» . وقرأت في كتاب أبي عليّ التنوخي «٢» حدثني أبي ﵁ أن صديقا لأبي خليفة القاضي اجتاز عليه راكبا وهو في مسجده فسأله أن ينزل عنده فيحادثه، فقال: أمضي وأعود، فقال له أبو خليفة: إيحاشك فقد وإيناسك وعد. قال «٣» : وكان أبو خليفة كثير الاستعمال للسجع في كلامه. وكان بالبصرة رجل يتحامق ويتشبّه به يعرف بأبي الرطل، لا يتكلم إلا بالسجع هزلا كله، فقدمت هذا الرجل امرأته إلى أبي خليفة وهو يلي قضاء البصرة إذ ذاك، وادعت عليه الزوجية والطلاق، فأقر لها بهما، فقال له أبو خليفة: أعطها مهرها، فقال أبو الرطل: كيف أعطيها مهرها، ولم تقلع مسحاتي نهرها؟! فقال له أبو خليفة: فأعطها نصف

стр. 2173

صداقها، فقال: لا أو أرفع بساقها، واضعه في طاقها. فأمر به أبو خليفة فصفع. قال: وأخبرني غير واحد أن أبا الرطل هذا كان إذا سمع رجلا يقول لا تنكر لله قدرة قال هو: ولا للهندبا خضرة، ولا للزردج «١» صفرة، ولا للنخلة بسرة، ولا للعصفر حمرة، ولا للقفا نقرة. حدث أبو علي التنوخي «٢» ، حدثني أبو علي الحسن بن سهل بن عبد الله الايذجي، وكان يخلف أبي على القضاء بايذج وعلى رامهرمز ثم لم يزل على الحكم ونادم أبا محمد المهلبي في وزارته فغلب عليه وعلا محله عنده، وتخالع وتهتك فيما لا يجوز للقضاة، وكان يدعى بالقضاء ويخاطبه أبو محمد في الوزارة في كتبه بسيدي القاضي، وكان له محل مكين من الأدب، قال: وردت البصرة وأنا حديث السن لأكتب العلم وأتأدب، فلزمني أبو عبد الله المفجع «٣» ، وكنت أقتصر عليه، فكتب إليّ يوما وقد قرص الهواء: أيهذا الفتى وأنت فتى ال ... دهر إذا عزّ أن يقال فتى طوبى لمن كان في الشتاء له ... كاس وكيس وكسوة وكسا وكتب في الرقعة: وقد بقيت كاف أخرى لولا أني أحبّ تقليل المؤونة عليك لذكرتها- يعنى الكس- فبعث إليه بجميع ما التمسه. قال التنوخي «٤» : وحدثني قال: كان أبو خليفة القاضي صديقا لأبي وعمي أيام وفد إلى كور الأهواز في فتنة الزنج، فلما قدمت إلى البصرة قدمتها مع أبي، فأنزلنا أبو خليفة داره وأكرمنا، وأمكنني من كتبه، فكنت أقرأ عليه كلّ ما أريد وأسمع كيف شئت وأكتب وأنسخ لنفسي، وأصوله لي مبذولة، فإذا كان الليل جلسنا وتحادثنا فربما أحببت القراءة عليه فيجيبني، فإذا أضجرته يقول: يا بني روّحني، فأقطع القراءة، وإذا استراح أخرج من كمه دفترا من ورق أصفر فيقول: اقرأ عليّ منه فإنه خطي، وما

стр. 2174

تقرأه عليّ فهو من خط غيري، فكنت أقرأ عليه منه، وكان فيه ديوان عمران بن حطان. فكان يبكي على مواضع منه، فأنشدته ليلة القصيدة التي فيها البيتان المشهوران «١» : يا ضربة من تقيّ ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره يوما فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا فبكى عليهما لما انتهيت إليهما حتى كاد يعمى، فاستطرفت ذلك وعجبت منه، فلما كان من الغد اجتمعت مع المفجّع فحدثته بذلك، واغتررت به للأدب واستكتمته إياه، فأشاعه وأذاعه وعمل: أبو خليفة مطويّ على دخن ... للهاشميين في سرّ وإعلان ما زلت أعرف ما يخفي وأنكره ... حتى اصطفى شعر عمران بن حطان وأنشدنيها لنفسه وأنشدها غيري، فكتبها عنه بعض أهل الأدب في رقعة لطيفة وجعلها في مقلمته، وحضرنا عند أبي خليفة في مجلس عام، فنفض الرجل مقلمته وقد أنسي ما فيها فسقطت الرقعة، وانصرف الناس، ووجدها أبو خليفة وقرأها فاستشاط وقال: ابن الايذجي قبحه الله وترّحه أشاط بدمي، عليّ بأبي العباس الساعة، يعني والدي، فجاءه وحدثه الحديث، فوقعت في ورطة وكادت الحال أن تنفرج بيني وبين أبي، ومنعني أبو خليفة القراءة واحتشمني، فحملت إليه ثيابا لها قدر وأهديت إليه من مأكل الجند واعتذرت إليه فرجع إليّ وقبل عذري وعاود تدريسي ومكنني من القراءة عليه، فقرأت «كتاب الطبقات» وغيره مما كان عنده، وقال: لا أظهر الرضى عنك أو تكذب نفسك، ففعلت ذلك، وأعطيت المفجع ثوبا دبيقيا حتى كفّ عن إنشاد الأبيات، وجحدها واعتذر إلى أبي خليفة. قال وقال أبي على عقيب هذا «٢» : أكثر رواة العرب فيما بلغني عنهم إما خوارج وإما شعوبية، كأبي عبيدة معمر بن المثنى وأبي حاتم سهل السجستاني وفلان وفلان وعدد جماعة.

стр. 2175

وقرأت بخطّ ابن مختار اللغوي المصري: أبو خليفة الفضل بن الحباب اشترى جارية فوجدها خشنة فقال: يا جارية هل من بزاق أو بصاق أو بساق- العرب تنقل السين صادا أو زايا فتقول أبو الصقر والزقر والسقر- فقالت: الحمد لله الذي ما أماتني حتى رأيت حري قد صار ابن الأعرابيّ تقرأ عليه غرائب اللغة «١» . [٨٩٤] الفضل بن خالد أبو معاذ النحوي المروزي مولى باهلة: روى عن عبد الله بن المبارك وعبيد بن سليم روى عنه محمد بن علي بن الحسن بن شقيق وأهل بلده، مات سنة إحدى عشرة ومائتين، ذكر ذلك الحاكم بن البيع في «تاريخ نيسابور» . قال الأزهري: ولأبي معاذ كتاب في القرآن حسن. قلت: وقد روى عنه الأزهري في «كتاب التهذيب» فأكثر، وذكره محمد بن حبّان في «تاريخ الثقات» في الطبقة الرابعة بمثل ذلك سواء، ولعلّ الحاكم عنه نقل. [٨٩٥] الفضل بن صالح العلوي الحسني النحوي أبو المعالي اليماني: مات في سنة نيف وثمانين وأربعمائة قاله عبد الغافر، قال: وحضر نيسابور وسمع الحديث من مشايخنا الذين رأيناهم، ولا شك أنه سمع في أسفاره الكثير «٢» .

стр. 2176

[٨٩٦] الفضل بن عمر بن منصور بن علي أبو منصور: يعرف بابن الرائض الكاتب، من أهل باب الأزج، كان حافظا لكتاب الله، قرأ بالعشر على عليّ بن عساكر البطائحي، وخطه غاية في الجودة على طريقة ابن هلال بن البواب، ولذلك أوردناه في هذا الكتاب. بلغني أن مولده في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة ومات في جمادى الآخرة سنة تسع وستمائة. [٨٩٧] الفضل بن محمد بن أبي محمد اليزيدي: يكنى أبا العباس، وقد ذكرنا نسبه ونسب أهله والسبب الذي لأجله سموا اليزيديين في باب جده أبي محمد يحيى بن المبارك. وكان الفضل أحد الرواة العلماء والنحاة النبلاء، أخذ عنه العلم الكثير ورواه من جهة الجم الغفير، ومات فيما ذكره ابن النديم سنة ثمان وسبعين ومائتين. حدث المرزباني عن الصولي عن أحمد بن يزيد المهلبي قال قال إبراهيم بن المدبر: اجتمع عندي يوما الفضل اليزيدي والبحتري وأبو العيناء، فجلس الفضل يلقي على بعض فتياننا نحوا، فقال له أبو العيناء: هذا بابي وباب الوالدة حفظها الله «١» ، فغضب الفضل وانصرف. وخرج البحتري إلى سامرا من بغداد وكتب إليّ شعرا أوله «٢» : ذكرتنيك روحة للشمول وهجا فيها الفضل فقال: جلّ ما عنده التردد «٣» في الفا ... عل من والديه والمفعول

стр. 2177

قال إبراهيم: فأمرت أن يكتب جواب الكتاب ويوجه إليه بمائة دينار، ودخل أبو العيناء فأقرأته الشعر فقال: أعطني نصف المائة فانه هجاه والله بكلامي فأخذ خمسين، ووجهت إلى البحتري بخمسين وعرّفته الخبر، فكتب إليّ، صدق والله ما بنيت أبياتي إلا على معناه. وحدث المرزباني في «كتاب المعجم» قال: كتب الفضل بن محمد بن أبي محمد اليزيدي إلى أبي صالح ابن يزداد، وكان يداعبه وجرت بينهما جفوة: استحي من نفسك في هجري ... واعرف بنفسي أنت لي قدري واذكر دخولي لك في كلّ ما ... يجمل أو يقبح من أمر قد مرّ شهران ولم ألقكم ... لا صبر لي أكثر من شهر وحدث ابن ناقيا في «كتاب ملح الممالحة» قال، قال الفضل بن محمد اليزيدي: كان محمد بن نصر بن منصور بن بسام الكاتب أسرى منزلا وآلة وطعاما وعبيدا، وكان ناقص الأدب، وكنت أختلف إلى ولده وولد عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم ليقرءوا عليّ الأشعار، وكان عبد الله بن إسحاق سريا جاهلا، فدخلت يوما والستارة مضروبة ومحمد بن بسام وعبد الله بن إسحاق يشربان وأولادهما بين أيديهما وكانوا قد تأدبوا وفهموا، فغنّي بشعر جرير: ألا حيّ الديار بسعد إني ... أحبّ لحبّ فاطمة الديارا فقال عبد الله بن إسحاق: لولا جهل العرب ما كان ذكر لسعد هاهنا، فقال محمد بن بسام: لا تفعل يا أخي فانه يقوّي معدتهم ويصلح أسنانهم. قال الفضل اليزيدي فقال لي علي بن محمد بن نصر: بالله يا أستاذ اصفعهما وابدأ بأبي. قال المؤلف: أراد بسعد هاهنا اسم موضع معروف. وكتب الحمدوني إلى الفضل: يا أبا العباس إنا ... في نعيم وسرور ولدينا أسعد الأمّ ... ة في كلّ الأمور ما لنا عيب سوى بع ... دك فامنن بحضور فأجابه: سمعنا وأطعنا.

стр. 2178

[٨٩٨] الفضل بن محمد بن علي بن الفضل القصباني ، أبو القاسم النحوي البصري: كان واسع العلم غزير الفضل اماما في علم العربية، وإليه كانت الرحلة في زمانه، وكان مقيما بالبصرة، مات في سنة أربع وأربعين وأربعمائة في أيام القائم، وأخذ عنه أبو زكرياء يحيى بن التبريزي وأبو محمد الحريري. وله تصانيف: منها كتاب في النحو. وكتاب في حواشي الصحاح. وكتاب الأمالي. وكتاب في أشعار العرب ومختارها كبير وسمه بالصفوة. قال القاسم بن محمد بن الحريري صاحب المقامات: أنشدنا شيخنا أبو القاسم القصباني النحوي لنفسه: في الناس من لا يرتجى نفعه ... إلا إذا مسّ باضرار كالعود لا يطمع في ريحه ... إلا إذا أحرق بالنار

стр. 2179

حرف القاف [٨٩٩] قابوس بن وشمكير بن زيار الديلمي الملقب بشمس المعالي: من الملوك، وكان صاحب جرجان وطبرستان، وكان أبوه وشمكير وعمه مرداويج ملوك الري واصبهان وتلك النواحي، لأن أول من ملك من الديلم ليلى بن النعمان فاستولى على نيسابور في أيام نصر بن أحمد الساماني، وقام بعده أسفار بن شيرويه، وكان مرداويج بن زيار أحد قواده، فخرج عليه فحاربه فظفر به مرداويج فقتله وملك مكانه، وعمل لنفسه سريرا من ذهب فجلس عليه، واشترى عبيدا كثيرة من الأتراك، وجعل يقول: أنا سليمان وهؤلاء الشياطين، وكان فيه ظلم وجبروت فدخل عليه غلمانه الأتراك فقتلوه في الحمام. وكان بنو بويه من أتباعه فولاهم ولاية استظهروا بها عليه وحاربوه حتى ملكوا. وأما هو فلما مات ولّت الديلم عليهم أخاه وشمكير، فاستولى على جرجان وطبرستان، ودامت الحرب بينه وبين ركن الدولة أبي علي ابن بويه نيفا وعشرين سنة، وركب في آخر أيامه فرسا له فعارضه خنزير فشبّ به الفرس وهو غافل عنه فسقط على دماغه فهلك. وكتب ابن العميد عن ركن الدولة كتابا يقول فيه: الحمد لله الذي أغنانا بالوحوش، عن الجيوش.

стр. 2180

وقام بعده ابنه أبو منصور بهستون بن وشمكير مقامه وتوفي سنة سبع وستين وثلاثمائة، وكان عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو بن ركن الدولة أبي علي زوج ابنة بهستون، فنفذ معزّ الدولة إلى المطيع وسأله أن ينفذ إليه الخلع والعهد على جرجان وطبرستان ففعل ذلك ولقبه ظهير الدولة، ووصله ما نفذ إليه في جمادى الأولى سنة ستين وثلاثمائة، فزين بلاده للرسول ونزل عن سريره عند وصول الخلع إليه ونثر عليه النثار العظيم، ونفذ للمطيع لله في جواب اللقب ستين ألف دينار عينا وغير ذلك من الثياب والخيل. ولما توفي خلف أخوه قابوس بن وشمكير، ونفذ إليه الطائع لله الخلع والعهد على طبرستان وجرجان، ولقبه شمس المعالي، وكان فاضلا أديبا مترسلا شاعرا ظريفا، وله رسائل بأيدي الناس يتداولونها، وكان بينه وبين الصاحب ابن عباد مكاتبة. مات سنة ثلاث وأربعمائة، وكان فيه عسف وشدة، فسئمه عسكره فتغيروا عليه وحسّنوا لابنه منوجهر حتى قبض على أبيه، وقالوا له: إن لم تقبض أنت عليه وإلا قتلناه، وإذا قتلناه فلا نأمنك على نفوسنا فنحتاج أن نلحقك به، فوثب عليه وقبض عليه وسجنه في القلعة ومنعه ما يتدثر به في شدة البرد، فجعل يصيح: أعطوني ولو جلّ دابة، حتى هلك، وكان حكم على نفسه في النجوم أن منيته على يد ولده، فأبعد ابنه دارا لما كان يراه من عقوقه، وقرّب ابنه منوجهر لما رأى من طاعته، وكانت منيته بسببه، ثم إن منوجهر قتل قتلته وكانوا ستة تواطأوا عليه، فقتل خمسة وهرب السادس إلى خراسان، فقبضه محمود بن سبكتكين وحمله إليه وقال له: إنما فعلت هذا لئلا يتجرأ أحد على قتل الملوك، فقتل الآخر. ثم مات منوجهر سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة فقام ابنه انوشروان بن منوجهر مقامه، وتوفي انوشروان سنة خمس وثلاثين وأربعمائة. ثم ولي ابنه حسان بن أنوشروان. ومن شعر قابوس بن وشمكير «١» :

стр. 2181

خطرات ذكرك تستثير صبابتي «١» ... فأحسّ منها في الفؤاد دبيبا لا عضو لي إلا وفيه صبابتي ... فكأنّ أعضائي خلقن قلوبا ومن رسائله ما كتب به إلى بعض إخوانه: كتبت، أطال الله بقاء مولاي، وما في جسمي جارحة إلا وهي تودّ لو كانت يدا تكاتبه، ولسانا يخاطبه، وعينا تراقبه، وقريحة تعاتبه، بنفس ولهى، وبصيرة ورهى، وعين عبرى، وكبد حرّى، منازعة إلى ما يقرّب منه، وتمسكا بما يتصل عنه، ومثابرة على أمل هو غايته، وتعلقا بحبل عهد هو نهايته، وخاطري يميل نحوه، ونفسي تأمل دنوّه، وترجو وتقول أتراه، بل لعله وعساه، يرقّ لنفس قد تصاعد نفسها، ويرحم روحا قد فارقها روحها ومؤنسها، وكيف بقلبه لو عاين صورة هذه صورتها، وشاهد مهجة هذه جملتها، فليرفق جعلت فداه بمن عاند برحا عظيما، وكابد قرحا أليما، وليرقّ لكبد قذفها البعاد، وعين أرّقها السهاد، وأحشاء محرقة بنار الفراق، وأجفان مقروحة بدمعها المهراق، وقلب في أوصابه متقلّب، ولب في عذابه معذّب، فلو أني أسعدت فأعطيت الرضى، وخيرت فاخترت المنى، لتمنيت أن أتصوّر صورتك، وأطالع طلعتك، وأمثّل لها مثالي لتراه، فأخبرها بكنه حالي ومعناه، لترفق لازالة ما أزلّه الدهر إليّ، ولتتلطف لإماطة ما أماطه عليّ، وأشكو بعض ما نابني من نوائبه وغوائله، وأطلقني من أشراكه وحبائله. وكان قد تمت عليه نكبة أخرجته من مقرّ عزه وموطن ملكه، فشتتته عن الأوطان وألحقته بخراسان، فأقام بها برهة من الزمان إلى أن أسفر صبحه، وفاز بعد الخيبة قدحه، وتحرج الزمان من جوره عليه، فردّ ملكه إليه، فقال في حال نكبته «٢» : قل للذي بصروف الدهر عيّرنا ... هل عاند الدهر إلا من له خطر أما ترى البحر يطفو فوقه جيف ... ويستقرّ بأقصى قعره الدرر فان تكن عبثت «٣» أيدي الزمان بنا ... ونالنا من تأذي بؤسه ضرر

стр. 2182

ففي السماء نجوم غير ذي عدد ... وليس يكسف إلا الشمس والقمر أما البيت الثاني فأخذه من قول ابن الرومي «١» : دهر علا قدر الوضيع به ... وغدا الشريف يحطّه شرفه كالبحر يرسب فيه لؤلؤه ... سفلا ويعلو فوقه جيفه وقوله «وفي السماء نجوم» مأخوذ من قول أبي تمام «٢» : إن الرياح إذا ما أعصفت قصفت ... عيدان نخل «٣» ولا يعبأن بالرتم بنات نعش ونعش لا كسوف لها ... والشمس والبدر منها الدهر في الرقم «٤» وكتب شمس المعالي قابوس إلى عضد الدولة وقد أهدى له سبعة أقلام: قد بعثنا إليك سبعة أقلا ... م لها في البهاء حظّ عظيم مرهفات كأنها ألسن الحي ... ات قد جاز حدّها التقويم وتفاءلت أن ستحوي الأقال ... يم بها كلّ واحد إقليم وهذا يشبه قول ابن الصابىء وقد ذكر في بابه. قال مؤلف الكتاب: وكنت في سنة سبع وستمائة قد توجهت إلى الشام وفي صحبتي كتب من كتب العلم أتجر فيها، وكان في جملتها «كتاب صور الأقاليم» للبلخي- نسخة رائقة مليحة الخط والتصوير، فقلت في نفسي: لو كانت هذه النسخة لمن يجتدي بها بعض الملوك ويكتب معها هذه الأبيات (وقلتها ارتجالا) لكان حسنا، والأبيات في معنى أبيات قابوس، ولم أكن شهد الله وقعت عليها ولا سمعتها، وهي: ولما رأيت الدهر جار ولم أجد ... من الناس من يعدي على الدهر عدواكا ركبت الفلا يحدو بي الأمل الذي ... يدنّي على بعد التنائف مثواكا

стр. 2183

ورمت بأن أهدي إليك هدية ... فلم أر ما يهديه مثلي لشرواكا فجئتك بالأرضين جمعا تفاؤلا ... لعلمي بأنّ الفال رائد عقباكا فخذ هذه واستخدم الفلك الذي ... براه إلهي كي يدور ببغياكا ثم إنني بعت النسخة من الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب حلب بتخيير المشتري من غير مكسب، وجرت لي فيها قصة طريفة أنزّه هذا السلطان عن ذكرها، فانه وإن كان الحظّ حرمني فانه جواد عند غيري. وكان السبب في خروج قابوس عن دار ملكه ولحوقه بخراسان أنّ عضد الدولة أبا شجاع فنّا خسرو نقم على أخيه فخر الدولة أبي الحسن علي بن الحسن بن بويه أمرا خالفه فيه فخر الدولة، فقصده عضد الدولة إلى همذان، وكان مالكها وما والاها، فهرب منه حتى لحق بجبال طبرستان، فتلقاه قابوس وأكرم مثواه وأنزله عنده وآواه، فأنفذ عضد الدولة إلى أخيه الآخر الملقب بأمير الأمراء مؤيد الدولة [بالمسير] نحوهما، فانحازا عنه، وذلك سنة احدى وسبعين، وبعثا إلى أبي الحسن محمد بن إبراهيم بن سيمجور، وكان يتولى إمارة نيسابور وما دون جيحون من قبل السديد أبي صالح منصور بن نوح الساماني، يستجديانه ويستعينانه، فوعدهما وأبطأ عليهما لانحلال الأحوال بخراسان لاختلاف الأيدي بها، فسارا هاربين حتى وردا نيسابور ومنها إلى بخارى، فأرسل صاحب بخارى معهما جيشا صحبة تاش الحاجب وولّاه نيسابور، فلم يصنع معهما شيئا، وقال قابوس في تلك الحال: لئن زال أملاكي وفات ذخائري ... وأصبح جمعي في ضمان التفرق فقد بقيت لي همة ما وراءها ... منال لراج أو بلوغ لمرتقي ولي نفس حرّ تأنف الضيم مركبا ... وتكره ورد المنهل المترنق «١» فان تلفت نفسي فلله درّها ... وإن بلغت ما ترتجيه فأخلق ومن لم يردني والمسالك جمة ... فأيّ طريق شاء فليتطرق

стр. 2184

وله: بالله لا تنهضي يا دولة السّفل ... وقصّري فضل ما أرخيت من طول أسرفت فاقتصدي جاوزت فانصرفي ... عن التهوّر ثم امشي على مهل مخدّمون ولم تخدم أوائلهم ... مخوّلون وكانوا أرذل الخول فأما أبو الحسن علي بن بويه فإنه لما مات أخوه في سنة ثلاث وسبعين استدعاه ابن عباد وأقامه مقام أخيه، وأما قابوس فإنه لما تطاولت مدته ولم ير عند السامانية ناصرا قصد أطراف بلاده، فتجمعت إليه الجيوش وعاد إلى بلاده وقاتل المستولي عليها حتى عاد إلى سرير ملكه بعد ثماني عشرة سنة. وذكر أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني في رسالة له سماها «التعلل بإجالة الوهم في معاني منظوم أولي الفضل» «١» قال: وكنت أستحسن من شمس المعالي قابوس إعراضه عن إنشاد مدائحه في وجهه وبين يديه، وكان يطلق للشعراء المجتمعين على بابه في النيروز والمهرجان مقدارا من البرّ، ويرسم لأبي الليث الطبري توزيعه عليهم بحسب رتبهم، فإنهم قوم مستميحون بما يتفاضلون فيه، لكني لا أستجيز سماع أكاذيبهم التي أعرف من نفسي خلافها وأتحرز بذلك من الاستغبان. ولقابوس فصل يعزّي: حشو هذا الدهر- أطال الله بقاء مولاي- أحزان وهموم، وصفوه من غير كدر معدوم، فما أولاه- أيده الله- بأن يتأمل أحواله، ويستشفّ ضروبه وأحكامه، فإن وجد أحدا سلم من وجد أو عري من فقد لقي خلاف المعهود، وحقّ له التأسي على المفقود، وإن علم أن الخلق فيه شرع، وأن الباقي للماضي تبع، قدّم من السلوة والصبر، ما لا بدّ من المصير إليه آخر الأمر، ليحصل له الثواب والأجر، والسلام. قال أبو حيان، قال لي البديهي: مدحت وشمكير بمدائح فاحت رياها شرقا وغربا وبعدا وقربا، فما أثابني عليها إلا بشيء يسير، وقصده بعض الأغتام من الجبال

стр. 2185

فمدحه بقصيدة ركيكة غير موزونة تعلّقها بالهجاء أكثر من تعلقها بالمديح، فأعطاه ما أغناه وأعقابه بعده، فشكوت الى ابن ساسان ذلك فقال لي: إفراط العلم مضرّ بالجد، والجدّ والعلم قلما يجتمعان، والكدّ للعلم والجد للجهل، وأنشأ يقول: إن المقادير إذا ساعدت ... ألحقت العاجز بالحازم وللصاحب يهجو قابوس: قد قبس القابسات قابوس ... ونجمه في السماء منحوس وكيف يرجى الفلاح من رجل ... يكون في آخر اسمه بوس فأجابه قابوس: من رام أن يهجو أبا قاسم ... فقد هجا كلّ بني آدم لأنه صوّر من مضغة ... تجمعت من نطف العالم قال أبو سعد الآبي في «تاريخه» : في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعمائة كانت الأخبار تواترت بموت قابوس بن وشمكير، ثم ورد الخبر بأنه لم يمت ولكنه نكب وأزيل عن الملك، وذلك أنه كان قد أسرف في القتل وتجاوز الحد في سفك الدماء، ولم يكن يعرف حدّا في التأديب وإقامة السياسة غير ضرب الأعناق وإماتة الأنفس، وكان يأتي ذلك في الأقرب فالأقرب والأخصّ فالأخص من الجند والحاشية، حتى أفنى جميعهم وأتى على جلهم، وأذل الخيل وأصناف العسكر للرعية وجرأهم عليهم، ولم يتظلّم أحد من أهل البلد من واحد من أكابر عسكره إلا قتله وأتى على نفسه من غير أن يتفحص عن الشكوى أصحيحة أم باطلة، فتبرم به عسكره وحاشيته وخافوا سطوته ولم يأمنوا ناحيته، فمشى بعضهم إلى بعض وتمالأوا عليه وتعاهدوا وتحالفوا، وخفي الأمر لأنه كان خرج إلى حصن بناه وسماه شمراباذ، وعزم القوم أن يتسلقوا عليه ويغتالوه، وقد واطأهم على الأمر جميع من كان معه في الحصن، فتعذّر عليهم الصعود إليه والهجوم عليه، وعلموا أنهم لو قد أصبحوا وقد عرف الخبر لم ينج منهم أحد، فنعوه إلى الناس وذكروا أنه قد قضى نحبه، فانتهبت اصطبلاته وسيقت دوابه وبغاله، ولم يقدر هو على مفارقة الموضع لا عواز الظهور التي تحمل وتنقل عليها

стр. 2186

خزائنه، وكان عنده وزيره أبو العباس الغانمي، فاتهمه بممالأة القوم فأوقع به وقتله. وخاطب العسكر من ذلك الموضع ومن جرجان منوجهر، وكان إذ ذاك مقيما بطبرستان، فاستدعوه وكتبوا إليه بالحضور وأنه متى تأخر قدّموا غيره، فبادر إليهم فقلدوه الأمر، وبلغ ذلك قابوس وقد تفرق عنه من غدر به، فجمع أمراء الرستاق وفارق المكان، وصحبه طائفة من العرب وغيرهم من الجند، وخرج إلى بسطام مع خزائنه وأسبابه، وتبعه منوجهر ابنه مع العسكر فحصره، وامتنع هو عليه، ثم أمكن من نفسه عند الضرورة، فقبض عليه وحمل الى بعض القلاع. وتقرر أمر ابنه منوجهر ولقّب بفلك المعالي، وكان أبوه يلقب شمس المعالي، ثم ورد الخبر في جمادى الآخرة بصحة موت قابوس، وأقام التعزية في ممالكه عنه، وكان موته في مجلسه بقلعة جناشك. وذكر أنه اغتيل وحمل تابوته إلى جرجان ودفن في مشهد عظيم كان بناه لنفسه وأنفق عليه الأموال العظيمة وبالغ في تحصينه وتحسينه. [٩٠٠] القاسم بن أحمد بن الموفق أبو محمد الأندلسي اللورقي: يلقب علم الدين، مولده فيما أخبرني عن نفسه في حدود سنة إحدى وستين وخمسمائة، وهو إمام في العربية وعالم بالقرآن والقراءة، اشتغل بالأندلس في صباه، وأتعب نفسه حتى بلغ من العلم مناه، فصار عينا للزمان ينظر به إلى حقائق الفضائل، فما من علم إلا وقد أخذ منه بأوفر نصيب وحصل منه على أعلى ذروة، وكنت لقيته بمحروسة حلب في سنة ثماني عشرة وستمائة ففزت من لقائه بالأمنية، واقتضبت من فوائده كلّ فضيلة شهية، وحدثني أنه قرأ القرآن بمرسية من بلاد الأندلس على الشيخ أبي عبد الله

стр. 2187

محمد بن سعيد بن محمد المرادي المرسي وعلى أبي الحسن علي بن يوسف بن الشريك الداني بمرسية، وببلنسية على أبي عبد الله محمد بن أيوب بن محمد بن نوح الغافقي الفقيه وعلى الشيخ المقرىء أبي العباس أحمد بن علي بن محمد بن عون الله الأندلسي، وقرأ النحو على أبي الحسن علي بن الشريك المذكور وابن نوح المذكور. ثم خرج الى مصر في سنة إحدى وستمائة، فقرأ بها القرآن على الشيخ أبي الجود غياث بن فارس بن مكي اللخمي، وبدمشق على الشيخ الامام تاج الدين أبي اليمن الكندي- قرأ عليه القرآن جميعه بكتاب «المهج» تصنيف أبي محمد المقرىء وكتاب سيبويه وكثيرا من كتب الأدب، وسمع منه أكثر سماعاته ك «تاريخ الخطيب» «والحجة» و «أدب الكاتب» وغير ذلك، وكان وروده إلى دمشق سنة ثلاث وستمائة، وببغداد على الشيخ أبي البقاء الحسين بن عبد الله العكبراوي، وسمع الحديث على جماعة منهم. وأما معرفته بالفقه والأصول وعلوم الأوائل كالمنطق وغيره فهو الغاية فيه. وله من التصانيف: كتاب شرح المفصل في عشر مجلدات. وكتاب في شرح قصيدة الشاطبي. وكتاب شرح مقدمة الجزولي مجلدان. وأنشدني قال أنشدني تاج الدين أبو اليمن لنفسه ﵀: تركت قيامي للصديق يزورني ... ولا عذر لي إلا الاطالة في عمري ولو بلغوا من عشر تسعين نصفها ... تبيّن في تركي القيام لهم عذري [٩٠١] القاسم بن إسماعيل أبو ذكوان الرواية: قال محمد بن إسحاق النديم: قال أبو سعيد يعني السيرافي: وقد كان في أيام المبرد جماعة نظروا في «كتاب سيبويه» ولم تكن لهم نباهته منهم أبو ذكوان القاسم بن إسماعيل. ولأبي ذكوان كتاب معاني

стр. 2188

الشعر رواه عنه ابن درستويه، ووقع أبو ذكوان إلى سيراف «١» أيام الزنج، وكان علامة أخباريا قد لقي جماعة من أهل العلم، وكان التوزي زوج أم أبي ذكوان. [٩٠٢] قاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف بن ناصح بن عطاء البياني أبو محمد، مولى الوليد بن عبد الملك: إمام من أئمة العلم حافظ مكثر مصنف، كان أصله من بيانه وسكن قرطبة وبها مات سنة أربعين وثلاثمائة عن سن عالية، ويقال إنه لم يسمع منه شيء قبل موته بسنتين. ذكره الحميدي فقال: سمع محمد بن وضاح ومحمد بن عبد السلام الخشني وجماعة، ورحل فسمع إسماعيل بن إسحاق القاضي وأبا اسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي والحارث بن أبي أسامة وأبا قلابة الرقاشي وعبد الله بن مسلم بن قتيبة وأحمد بن زهير بن حرب وأبا بكر ابن أبي الدنيا وذكر جماعة ثم قال: وغيرهم. وصنف كتبا منها: كتاب الحمر «٢» ، وكتاب في أحكام القرآن على أبواب كتاب إسماعيل بن إسحاق القاضي. وكتاب المجتبى على أبواب كتاب ابن الجارود المنتقى- قال أبو محمد علي بن أحمد «٣» : وهو خير منه انتقاء وأنقى حديثا وأعلى سندا وأكثر فائدة. وله كتاب في فضائل قريش. وكتاب في الناسخ والمنسوخ. وكتاب في غرائب حديث مالك بن أنس مما ليس في الموطأ. وكتاب في الأنساب في

стр. 2189

غاية الحسن والايعاب. وكان من الثقة والجلالة بحيث اشتهر أمره وانتشر ذكره وروى عنه جماعة من أهل بلده وغيرهم. [٩٠٣] قاسم بن ثابت السرقسطي: ذكره الحميدي فقال: هو مؤلف كتاب غريب الحديث «١» رواه عنه ابنه ثابت وله فيه زيادات وهو كتاب حسن مشهور، وذكره أبو محمد علي بن أحمد وأثنى عليه وقال: ما شآه أبو عبيد إلا بتقدم العصر. [٩٠٤] القاسم بن الحسين بن محمد أبو محمد الخوارزمي: صدر الأفاضل حقا، وواحد الدهر في علم العربية صدقا، ذو الخاطر الوقاد، والطبع النقاد، والقريحة الحاذقة، والنحيزة الصادقة. برع في علم الأدب، وفاق في نظم الشعر ونثر الخطب، فهو إنسان عين الزمان، وغرة جبهة هذا الأوان. سألته عن مولده فقال: مولدي في الليلة التاسعة من شعبان سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وحضرت في منزله بخوارزم فرأيت منه صدرا يملأ الصدر ذا بهجة سنية، وأخلاق هنية، وبشر طلق، ولسان ذلق، فملأ قلبي وصدري، وأعجز وصفه نظمي ونثري، واستنشدته من قبله فأنشدني لنفسه بمنزله في خوارزم في سلخ ذي القعدة سنة ست عشرة وستمائة:

стр. 2190

يا زمرة الشعراء دعوة ناصح ... لا تأملوا عند الكرام سماحا إن الكرام بأسرهم قد أغلقوا ... باب السماح وضيّعوا المفتاحا ورأيته شيخا بهيّ المنظر حسن الشيبة كبيرها سمينا بدينا عاجزا عن الحركة، وكان له في حلقه حوصلة كبيرة، وقلت له: ما مذهبك؟ فقال: حنفي، ولكن لست خوارزميا، لست خوارزميا، يكررها، إنما اشتغلت ببخارى فأرى رأي أهلها، نفى عن نفسه أن يكون معتزليا، ﵀. قال: وسألني قاضي القضاة بخوارزم أن أنشىء له أبياتا يكتبها على جدران دار استحدث بناءها فقلت: من كان يفخر بالبنيان والشّرف ... فليس فخري بغير المجد والشّرف ما قيمة الدار لولا فضل ساكنها ... وأيّ وزن بدون الدرّ للصدف إن كان يعجبني خشب مسنّدة ... فلست أكرم نجل من بني خلف قد صحّ لي باتفاق الناس كلهم ... رواية العدل والانصاف عن سلفي إني لمن معشر كانت معايشهم ... بالقصد أما عطاياهم فبالسرف قوم متى طلعت ليلا مآثرهم ... رأيت بدر الدجى في زيّ منخسف بدولة الملك الميمون طائره ... أنّى توجهت فالإقبال مكتنفي وأنشدني لنفسه: أيا سائلي عن كنه علياه إنه ... لأعطي ما لم يعطه الثقلان فمن يره في منزل فكأنما ... رأى كلّ إنسان وكلّ مكان وأنشدني لنفسه في أبناء شيخ الإسلام الرستاني، ورستان من قرى مرغينان، ومرغينان من بلاد فرغانة: فديت إماما صيغ من عزة النفس ... أنامله والسحب نوعان من جنس أشدّ ارتياحا نحو طلعة معتف ... من المفلس الخاوي اليدين إلى الفلس وأفقه في تدريسه من محمد ... وأجود من كعب وأخطب من قس

стр. 2191

مناقب لو أنّ الحرابيّ مرة ... بصرن بها استنكفن عن خدمة الشمس ويغدو على طرف من الشقر كلما ... رأته إماء الحيّ وافته للقبس على سابح من خلقة الوهم طالع ... وأهون شيء عنده درك الأمس فتى ساومته خلقه وهو فاغم ... ولا فغمة المسك الخرائد للعرس له الصفو من ودي وإخوته الألى ... غدوا من سهام الزيغ للدين كالترس لفتيان صدق ما اقتنوا طول عمرهم ... سوى البحث والافتاء والوعظ والدرس لأربعة شادوا الهدى بعد شيخهم ... فقد بني الاسلام منهم على خمس بنور إلهيّ عليهم وزهدهم ... وعلمهم أضحوا ملائكة الانس فعاشوا لترشيح الهدى ويراعهم ... بصائبة الاحكام يقطر في الطرس وقال بعض الفضلاء الخراسانية في الامام صدر الأفاضل يمدحه: إن للعالمين فخرا وزينا ... وجمالا يجلّ عن كلّ شين بفتى وافر العلوم نقاب ... مثله ما رأيت قطّ بعيني ليس ذاك الفتى المبرّز إلا ... أفضل الناس قاسم بن الحسين وحدثني صدر الأفاضل [قال] ، قال بعض الفضلاء العراقية فيّ وهو من أصحابي: يقولون إنّ الأصمعيّ لبارع ... وبالنحو والآداب والشعر عالم كذا ابن دريد والخليل وجاحظ ... وكلّ لدرّ العلم والفضل ناظم فقلت أجل قد جلّ في الناس شأنهم ... وأفضل منهم صدر خوارزم قاسم «١» وأنشدني صدر الأفاضل لنفسه: أتحمل منّي نحو ذيّالك الرّشا ... سلاما كصدغيه وحالي مشوّشا وإني لوجدي أستضيء لدى الحمى ... بشعلة أنفاسي إذا الليل أغطشا ويرحمني العذّال حتى يقول لي ... أموقد نار بين جنبيك أم حشا

стр. 2192

وهل ترد الجرعاء مني بجنّة ... على طرفيها رونق العهد قد مشى وإني قد كتّمت سرّي وإنما ... برغمي صوب المدمعين به فشا كما أن صدر الشرق أخفى سخاءه ... ولكنه بشر الجبين به وشى متى جحدت نعماه أنهض جوده ... شهودا من الإحسان لا تقبل الرشا وإن هزّه الإطراء ثم تبجست ... أياديه لم يسكر له فقد انتشى أيلحقه الوهم القطوف إذا سعى ... لإدراك غايات العلا متكمشا لك المنهل المسكيّ ما زال نقعه ... يعلّل صلّا في يمينك أرقشا فيلفظ في منسابه من لعابه ... حتوفا وأرزاقا على حسب ما تشا وهي أطول من هذا. وحدثني الإمام صدر الأفاضل قال: كتب إليّ الصوفي المعروف بالصواب يسألني عن بيت حسان بن ثابت وهو: فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء وقولهم بأن فيه ثلاثة عشر مرفوعا فأجبته: أفدي إماما وميض البرق منصرع ... من خلف خاطره الوقّاد حين خطا يبغي الصواب لدينا من مباحثه ... أما درى أنّ ما يعدو الصواب خطا الذي يحضرني في هذا البيت من المرفوعات اثنا عشر فمنها قوله فمن يهجو فيه ثلاثة مرفوعات المبتدأ والفعل المضارع والضمير المستكن، ومنها المبتدأ المقدر في قوله ويمدحه، المعنى ومن يمدحه فيكون هاهنا على حسب المثال الأول ثلاثة مرفوعات أيضا، ومنها المرفوعان في قوله وينصره أحدهما الفعل المضارع والثاني الضمير المستكن، ومنها المرفوعات الأربعة في قوله سواء، اثنان من حيث أنه في مقام الخبرين للمبتدأين واثنان آخران من حيث أن في كلّ واحد ضميرا راجعا إلى المبتدأ، فهذا يا سيدي جهد المقل، وغير مرجوّ قطع المدى من الكلّ، فليعذرني سيدي- قبل الله معاذيره- من المرفوع الثالث عشر، فإنه لعمري قد استكنّ واستتر

стр. 2193

حتى لا أعرف له عينا، وكيف يعرف له وجار وقد صار أغرب من العنقاء، وأشد عوزا من الوفاء. وأنشدني صدر الأفاضل لنفسه: سرى ناشدا أنسي قضيب من الآس ... فناولني الصهباء والشهد في كاس وأرشدني وهنا لتقبيل خاله ... وميض ثناياه وشعلة أنفاسي ولو لم يكن يلقي على جمر خدّه ... من الطرّة السوداء ظلّة أنقاس إذن لأضاء الليل حتى انجلت لنا ... هواجس تخفيهن أفئدة الناس وكتب الإمام صدر الأفاضل إلى بعض أصدقائه: كتابي إلى المجلس الرفيع جمال الحرمين إمام الفريقين يديم الله رفعته ثم يديم، وينيم عنه طوارق الحدثان ثم ينيم، وأنا إليه كالصادي إلى قعقعة الحمد، وبجماله [مشغوف] كهو بجمال المجد، لا أروي إلا عن فضله وأفضاله، ولا أرتوي إلا من ورده وزلاله، ولا أتحسر إلا على ليال وشيتها بجواره، ثم طرزتها بحواره: إذا ذكرتها النفس باتت كأنها ... على حدّ سيف بين جنبيّ ينتضى تولّى الصبا والمالكية أعرضت ... وزال التصابي والشباب قد انقضى رفع الله البين من البين، حتى أرى نضاره في قميص من اللجين. ومن إنشائه إلى الدار العزيزة ببغداد حرسها الله تعالى: رايات مولانا الصوّام القوّام أمير المؤمنين وإمام المتقين وخليفة ربّ العالمين، الإمام الذي ليس للتابعين غيره إمام، ولا دون عتبته متمسك واعتصام، هي التي لم أزل أدعو الله أن يعقد بعذباتها النصر، ويجعل من أشياعها الذئب والنسر، تسايرها الآمال، وتحل حيثما رفعت الآجال، وتحتف بها الجدود، وترفرف عليها السعود، وهذا دعاء لو سكتّ كفيته، وأمل وإن لم أسأله فقد أوتيته، منى العبد أن يسعى إلى المواقف المقدسة مسعى القلم، يحبو على رأسه لا على القدم، ليشمّ بثراها الثريّ، لخلخة المسك الذكيّ، ويعفّر بها جبينه وأنفه، ويجيل في مسارح الحمد طرفه، ويستلم عتبة بها

стр. 2194

التفّ الثقلان، ودانت لها الأيام بعد حران. لكن الحوادث قلما توافقه، والأيام تشاكسه في ذلك وتضايقه، وظني بأن الله سوف يديل «١» . ولما ورد الرسم- اعلى نور الله به مشارق الأرض ومغاربها- تلقاه العبد بالتعظيم والاجلال، ووضعه على قمة الامتثال، وفضّ ختامه عن الدرّ المكنون، بل أناسيّ العيون، وعن مشمول من الروض مجنوب «٢» ، وكلم على صفحات الدهر مكتوب، فما زالت أعضاؤه تودّ أن تكون شفاها تقبله، وخواطر تتأمله، تمنيا يلذّ به المستهام، ويحلو له الغرام. ثم استدعى الأرامل والأيامى فأعطاهم، واستحضر المساكين واليتامى فأغناهم، وأنحى على ما ملكت يمينه من العبيد والأسرى، فأعتقهم وأطلقهم شكرا، وسأل الله تعالى أن يديم أكناف العرصة الفيحاء، مرتعا للعزّة القعساء، إن شاء الله تعالى: سنا جبينك مهما لاح في الظّلم ... بتنا نطالع منه نسخة الكرم إن يزرع الناس في أخلاقهم كرما ... فالبذر من جودك الطنّان بالديم تبدو على أشقر خضر حوافره ... بحرا يلاطم أمواجا على ضرم تشمّ عندك صيد العجم لخلخة ... من الرغام بآناف من القمم كادت لحبّك تأتي وهي ساعية ... على الرؤوس بدون الساق كالقلم من ظنّ غير نظام الملك ذا كرم ... نادى به لؤمه «استسمنت ذا ورم» «٣» لما أنشدني هذا البيت قال لي: من نظام الملك؟ قلت: أنت حرسك الله قائل الشعر تسألني عن ممدوحك؟ فقال لي متبسما: لست تعرفه؟ قلت: لا والله؛ قال: ولا أنا شهد الله أعرفه، لأني ما تعرضت لمدح أحد قط، ولا رغبت في جداه، ولا أعرف أحدا أفضل عليّ إلا مرة واحدة فإن الغربة أحوجتني إليه، فلعن الله الغربة. قلت له: وكيف ذلك؟ قال: إني مضيت إلى بخارى طالبا للعلم وقاصدا للقراءة على الرضى، فاجتمع إليّ أولا صدرجهان وغيره، فقد أنسيت القصة، فلما حذقوا الأدب

стр. 2195

برني بسبعين دينارا ركنية ووعدني بوعود جميلة، ولولا الحاجة والغربة ما قبلتها منه، ولقد عرض عليّ الشهاب الحوقي «١» ، وهو أحد صدور خوارزم المتقربين من السلطان، على أن ينصب لي منصبا ومجلسا بطراحة سوداء إلى جانبه ويعطيني كل شهر عشرة دنانير لأقرأ الأدب فلم أفعل، قلت: فمن أين مادة الحياة؟ قال لي: خلّفت لي والدتي قدرا يسيرا لا يقنع بمثله إلا أصحاب الزوايا فأنا أنفقه بالميسور، وأتلذذ بالغنى عن الجمهور، وأنا أقول الشعر والنثر تطربا لا تكسبا، وأستعير اسما لا أعرفه: أفديك ذا منظر بالبشر ملتحف ... عن اليمين وللإقبال مبتسم يد الجلال وشت في لوح جبهته ... «والناس من خولي والدهر من خدمي» ولو أناف على هام السها وطني ... لما لوت نحوه أجيادها هممي على الندى وقفت أيامه وعلى ... نشر المحامد منه ألسن الامم ما جئت أخدمه إلا وقد سحقت ... يد تلطفه عطرا من الشيم زفّ الندى نحوه بكرا مخدرة ... لولاه زفّت إلى كفء «٢» من العدم يريه شعري نجوم الليل طالعة ... والنيرين معا من مشرق الكلم لا زال مثل هلال العيد حضرته ... في الحسن واليمن والإقبال والشمم وعاش للملك يحميه وينصره ... فالملك من دونه لحم على وضم ودام كاليمّ للعافين ملتطما ... بنانه وهو مرشوف بكل فم وله من التصانيف: كتاب المجمرة في شرح المفصل صغير. وكتاب السبيكة في شرحه أيضا وسط. وكتاب التجمير في شرح المفصل أيضا بسيط. كتاب شرح سقط الزند. كتاب التوضيح في شرح المقامات. كتاب لهجة الشرع في شرح ألفاظ الفقه. كتاب شرح المفرد والمؤلف. كتاب شرح الأنموذج. كتاب شرح الأحاجي لجار الله. كتاب خلوة الرياحين في المحاضرات. كتاب عجائب النحو. كتاب السر

стр. 2196

في الاعراب. كتاب شرح الأبنية. كتاب الزوايا والخبايا في النحو. كتاب المحصل للمحصلة في البيان. كتاب عجالة السفر في الشعر. كتاب بدائع الملح. كتاب شرح اليميني للعتبي. [٩٠٥] القاسم بن سلام أبو عبيد: كان أبوه روميا مملوكا لرجل من أهل هراة، وكان أبو عبيد إمام أهل عصره في كلّ فن من العلم، وولي قضاء طرسوس أيام ثابت بن نصر بن مالك ولم يزل معه ومع ولده. ومات سنة ثلاث عشرين ومائتين أو أربع وعشرين أيام المعتصم بمكة، وكان قصدها مجاورا في سنة أربع عشرة ومائتين، وأقام بها حتى مات عن سبع وستين سنة. وأخذ أبو عبيد عن أبي زيد الأنصاري وأبي عبيدة معمر بن المثنى والأصمعي وأبي محمد اليزيدي وغيرهم من البصريين، وأخذ عن ابن الأعرابي وأبي زياد الكلابي ويحيى بن سعيد الأموي وأبي عمرو الشيباني والفراء والكسائي من الكوفيين، وروى الناس من كتبه المصنفة نيفا وعشرين كتابا في القرآن والفقه واللغة والحديث. وقال أبو الطيب عبد الواحد بن علي اللغوي في «كتاب مراتب النحويين» : وأما أبو عبيد القاسم بن سلام فإنه مصنّف حسن التأليف، إلا أنه قليل الرواية يقتطعه عن اللغة علوم افتنّ فيها، وأما كتابه المترجم بالغريب المصنف فإنه اعتمد فيه على كتاب عمله رجل من بني هاشم جمعه لنفسه، وأخذ كتب الأصمعي فبوّب ما فيها وأضاف إليه شيئا من علم أبي زيد الأنصاري وروايات عن الكوفيين؛ وأما كتابه في غريب

стр. 2197

الحديث فإنه اعتمد فيه على كتاب أبي عبيدة في غريب الحديث، وكذلك كتابه في غريب القرآن منتزع من كتاب أبي عبيدة، وكان مع هذا ثقة ورعا لا بأس به ولا بعلمه، [ولعله] سمع من أبي زيد شيئا، وقد أخذت عليه مواضع في «غريب المصنف» . وكان ناقص العلم بالإعراب. وروي أنه قال: عملت كتاب «غريب المصنف» في ثلاثين سنة، وجئت به إلى عبد الله بن طاهر فأمر لي بألف دينار. وذكره الجاحظ في «كتاب المعلمين» وقال: كان مؤدبا لم يكتب الناس أصحّ من كتبه ولا أكثر فائدة، وبلغنا أنه إذا ألف كتابا حمله إلى عبد الله بن طاهر فيعطيه مالا خطيرا، فلما صنف «غريب الحديث» أهداه إليه فقال: إن عقلا بعث صاحبه على عمل هذا الكتاب لحقيق إلا يحوج إلى طلب معاش، وأجرى له في كل شهر عشرة آلاف درهم. وسمعه منه يحيى بن معين، وكان دينا ورعا جوادا. وسير أبو دلف القاسم بن عيسى إلى عبد الله بن طاهر يستهدي منه أبا عبيد مدة شهرين فأنفذه، فلما أراد الانصراف وصله أبو دلف بثلاثين ألف درهم فلم يقبلها وقال: أنا في جنبة رجل لا يحوجني إلى غيره، فلما عاد أمر له ابن طاهر بثلاثين ألف دينار فاشترى بها سلاحا وجعله للثغر. وخرج إلى مكة مجاورا في سنة أربع عشرة ومائتين فأقام بها إلى أن مات في الوقت المقدم ذكره. وقال إسحاق بن راهويه: يحب الله الحقّ، أبو عبيد أعلم مني ومن أحمد بن حنبل ومن محمد بن إدريس الشافعي. قال: ولم يكن عنده ذاك البيان إلا أنه إذا وضع وضّح «١» . ولما قدم أبو عبيد مكة وقضى حجه أراد الانصراف، فاكترى إلى العراق ليخرج في صبيحة غد، قال أبو عبيد: فرأيت النبيّ ﷺ في النوم وهو جالس على فراشه وقوم يحجبونه والناس يدخلون إليه ويسلّمون عليه ويصافحونه، قال: فلما دنوت لأدخل مع الناس منعت، فقلت لهم: لم لا تخلّون بيني وبين رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: أي والله لا تدخل إليه ولا تسلم عليه وأنت خارج غدا إلى العراق، فقلت لهم: فإني لا أخرج إذن، فاخذوا عهدي «٢» ثم خلّوا بيني وبين رسول الله ﷺ ، فدخلت وسلمت

стр. 2198

وصافحت، فلما أصبح فاسخ كريّه وسكن مكة حتى مات بها ودفن في دور جعفر. وقال عبد الله ابن طاهر: علماء الإسلام أربعة عبد الله بن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والقاسم بن معن في زمانه، وأبو عبيد القاسم بن سلام في زمانه، ثم قال يرثيه: يا طالب العلم قد مات ابن سلّام ... وكان فارس علم غير محجام كان الذي كان فيكم ربع أربعة ... لم نلق مثلهم إستار أحكام استار أي أربعة. وحدث أبو بكر الزبيدي قال، قال علي بن عبد العزيز، قال عبد الرحمن اللحنة صاحب أبي عبيد قال: قيل لأبي عبيد وقد اجتاز على دار رجل من أهل الحديث كان يكتب عنه الناس وكان يزنّ بشرّ: إن صاحب هذه الدار يقول: أخطأ أبو عبيد في مائتي حرف من «المصنف» فقال أبو عبيد (ولم يقع في الرجل بشيء مما كان يعرف به) : في «المصنف» مائة ألف حرف فلو لم أخطىء في كل ألف حرف إلا حرفين ما هذا بكثير مما استدرك علينا، ولعل صاحبنا هذا لو بدا لنا فناظرناه في هاتين المائتين بزعمه لوجدنا لها مخرجا. وحدث عن عباس الخياط قال: كنت مع أبي عبيد فاجتاز بدار إسحاق الموصلي فقال: ما أكثر علمه بالحديث والفقه والشعر مع عنايته بالعلوم، فقلت له: إنه يذكرك بضدّ هذا، قال: وما ذاك؟ قلت: إنه يزعم أنك صحّفت في «المصنف» نيفا وعشرين حرفا، فقال: ما هذا بكثير، في الكتاب عشرة آلاف حرف مسموعة يغلط فيها بهذا اليسير، لعلّي لو ناظرت فيها لا حتججت عنها، ولم يذكر إسحاق إلا بخير. قال الزبيدي: ولما اختلفت هاتان الروايتان في العدد امتحنت ذلك في المصنف فوجدت فيه سبعة عشر ألف حرف وتسعمائة وسبعين حرفا. وحدث موسى بن نجيح السلمي قال: جاء رجل إلى أبي عبيد القاسم بن سلام فسأله عن الرباب فقال: هو الذي يتدلى دون السحاب، وأنشد لعبد الرحمن بن حسان: كأنّ الرباب دوين السحاب ... نعام تعلّق بالأرجل

стр. 2199

فقال: لم أرد هذا، فقال الرباب اسم امرأة، وأنشد: إن الذي قسم الملاحة بيننا ... وكسا وجوه الغانيات جمالا وهب الملاحة للرباب وزادها ... في الوجه من بعد الملاحة خالا فقال: لم أرد هذا أيضا، فقال: عساك أردت قول الشاعر: رباب ربّة البيت ... تصبّ الخلّ في الزيت لها سبع دجاجات ... وديك حسن الصوت فقال: هذا أردت، فقال: من أين أنت؟ قال: من البصرة، قال: على أيّ شيء جئت، على الظهر أو في الماء؟ قال: في الماء. قال: كم أعطيت الملاح؟ قال: أربعة دراهم، قال: اذهب استرجع منه ما أعطيته وقل: لم تحمل شيئا فعلام تأخذ مني الأجرة؟ قال محمد بن إسحاق النديم: ولأبي عبيد من التصانيف: كتاب غريب المصنف. كتاب غريب الحديث. كتاب غريب القرآن. كتاب معاني القرآن. كتاب الشعراء. كتاب المقصور والممدود. كتاب القراءات. كتاب المذكر والمؤنث. كتاب الأموال. كتاب النسب. كتاب الأحداث. كتاب الأمثال السائرة. كتاب عدد آي القرآن. كتاب أدب القاضي. كتاب الناسخ والمنسوخ. كتاب الأيمان والنذور. كتاب الحيض. كتاب فضائل القرآن. كتاب الحجر والتفليس. كتاب الطهارة، وله غير ذلك من الكتب الفقهية. قال علي بن محمد بن وهب المسعريّ عن أبي عبيد القاسم بن سلام قال. سمعته يقول: هذا الكتاب يعني «غريب المصنف» أحبّ إليّ من عشرة آلاف دينار، فاستفهمته ثلاث مرات فقال: نعم هو أحبّ إليّ من عشرة آلاف دينار. وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: قدم طاهر بن عبد الله بن طاهر من خراسان وهو حدث في حياة أبيه يريد الحج، فنزل في دار إسحاق بن إبراهيم، فوجّه إسحاق إلى العلماء فأحضرهم ليراهم طاهر ويقرأ عليهم، فحضر أصحاب الحديث والفقه، وأحضر ابن الأعرابي وأبو نصر صاحب الأصمعي، ووجه إلى أبي عبيد القاسم بن سلام في الحضور فأبى أن يحضر وقال: العلم يقصد، فغضب إسحاق من قوله

стр. 2200

ورسالته. وكان عبد الله بن طاهر يجري له في الشهر ألفي درهم، فقطع إسحاق عنه الرزق وكتب إلى عبد الله بالخبر، فكتب إليه عبد الله: قد صدق أبو عبيد في قوله وقد أضعفت له الرزق من أجل فعله، فأعطه فائته وأدرّ عليه بعد ذلك ما يستحقه. [٩٠٦] القاسم بن علي بن محمد بن عثمان بن الحريري ، أبو محمد البصري: من أهل بلد قريب من البصرة يسمى المشان، مولده ومنشؤه به، وسكن البصرة في محلة بني حرام، وقرأ الأدب على أبي القاسم الفضل بن محمد القصباني البصري بها، ومات ابن الحريري في سادس رجب سنة ست عشرة وخمسمائة ومولده في حدود سنة ست وأربعين وأربعمائة عن سبعين سنة في خلافة المسترشد، وبالبصرة كانت وفاته. وكان غاية في الذكاء والفطنة والفصاحة والبلاغة، وله تصانيف تشهد بفضله وتقرّ بنبله، وكفاه شاهدا «كتاب المقامات» التي أبرّ بها على الأوائل وأعجز الأواخر، وكان مع هذا الفضل قذرا في نفسه وصورته ولبسته وهيئته قصيرا دميما بخيلا مبتلى بنتف لحيته. قال العماد في «كتاب الخريدة» «١» : لم يزل ابن الحريريّ صاحب الخبر بالبصرة في ديوان الخلافة، ووجدت هذا المنصب لأولاده إلى آخر العهد المقتفوي. أخبرني عبد الخالق بن صالح بن علي بن زيدان المسكي المصري بها في سنة اثنتي عشرة وستمائة في صفر قال: حدثنا الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن محمد المسعودي البندهي- قال: وكان يكتب هو بخطه الفنجديهي،

стр. 2201

قال: وهي قرية من قرى مرو الشاهجان- قال: سمعت الشيخ الثقة أبا بكر عبد الله بن محمد بن محمد بن أحمد النقور البزاز ببغداد يقول، سمعت الرئيس أبا محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري صاحب المقامات يقول: أبو زيد السروجي كان شيخا شحاذا بليغا ومكديا فصيحا، ورد علينا البصرة فوقف يوما في مسجد بني حرام فسلّم ثم سأل الناس، وكان بعض الولاة حاضرا والمسجد غاصّ بالفضلاء فأعجبتهم فصاحته وحسن صياغة كلامه وملاحته، وذكر أسر الروم ولده، كما ذكرناه في المقامة الحرامية وهي الثامنة والأربعون، قال: واجتمع عندي عشية ذلك اليوم جماعة من فضلاء البصرة وعلمائها، فحكيت لهم ما شاهدت من ذلك السائل وسمعت من لطافة عبارته في تحصيل مراده، وظرافة إشارته في تسهيل إيراده، فحكى كلّ واحد من جلسائه أنه شاهد من هذا السائل في مسجده مثل ما شاهدت، وأنه سمع منه في معنى آخر فصلا أحسن مما سمعت، وكان يغيّر في كلّ مسجد زيّه وشكله، ويظهر في فنون الحيلة فضله، فتعجبوا من جريانه في ميدانه، وتصرفه في تلونه وإحسانه، فأنشأت المقامة الحرامية ثم بنيت عليها سائر المقامات وكانت أول شيء صنعته. قال المؤلف: وذكر ابن الجوزي في تاريخه مثل هذه الحكاية، وزاد فيها أنّ ابن الحريري عرض المقامة الحرامية على أنوشروان بن خالد «١» وزير السلطان فاستحسنها وأمره أن يضيف إليها ما يشاكلها فأتمها خمسين مقامة. حدثني من أثق به أن الحريريّ لما صنع المقامة الحرامية وتعانى الكتابة فأتقنها وخالط الكتّاب أصعد إلى بغداد، فدخل يوما إلى ديوان السلطان وهو منغصّ بذوي الفضل والبلاغة محتفل بأهل الكفاية والبراعة، وقد بلغهم ورود ابن الحريري، إلا أنهم لم يعرفوا فضله، ولا اشتهر بينهم بلاغته ونبله، فقال له بعض الكتاب: أيّ شيء تتعانى من صناعة الكتابة حتى نباحثك فيه؟ فأخذ بيده قلما وقال: كلّ ما يتعلق بهذا، وأشار إلى القلم، فقيل له: هذه دعوى عظيمة، فقال: امتحنوا تخبروا،

стр. 2202

فسأله كلّ واحد عما يعتقد في نفسه إتقانه من أنواع الكتابة، فأجاب عن الجميع أحسن جواب، وخاطبهم بأتمّ خطاب حتى بهرهم، فانتهى خبره إلى الوزير أنوشروان بن خالد فأدخله عليه، ومال بكلّيته إليه، وأكرمه وأدناه «١» ، فتحادثا يوما في مجلسه حتى انتهى الحديث إلى ذكر أبي زيد السروجي المقدّم ذكره، وأورد ابن الحريريّ المقامة الحرامية التي عملها فيه، فاستحسنها أنوشروان جدا وقال: ينبغي أن يضاف إلى هذه أمثالها، وينسج على منوالها عدة من أشكالها، فقال: أفعل ذلك مع رجوعي إلى البصرة وتجمّع خاطري بها، ثم انحدر إلى البصرة فصنع أربعين مقامة، ثم أصعد إلى بغداد وهي معه وعرضها على انوشروان فاستحسنها، وتداولها الناس، واتهمه من يحسده بأن قال: ليست هذه من عمله لأنها لا تناسب رسائله ولا تشاكل ألفاظه، وقالوا: هذا من صناعة رجل كان استضاف به ومات عنده فادّعاها لنفسه، وقال آخرون: بل العرب أخذت بعض القوافل، وكان مما أخذ جراب بعض المغاربة وباعه العرب بالبصرة، فاشتراه ابن الحريري وادعاه، فان كان صادقا في أنها من عمله فليصنع مقامة أخرى، فقال: نعم سأصنع، وجلس في منزله ببغداد أربعين يوما فلم يتهيأ له ترتيب كلمتين والجمع بين لفظتين، وسوّد كثيرا من الكاغد فلم يصنع شيئا، فعاد إلى البصرة والناس يقعون فيه ويعيطون «٢» في قفاه كما تقول العامة، فما غاب عنهم إلا مديدة حتى عمل عشر مقامات وأضافها إلى تلك، وأصعد بها إلى بغداد، فحينئذ بان فضله وعلموا أنها من عمله. وكان مبتلى بنتف لحيته، فلذلك قول ابن جكينا فيه: شيخ لنا من ربيعة الفرس ... ينتف عثنونه من الهوس أنطقه الله بالمشان وقد ... ألجمه في العراق بالخرس وقرأت بخط صديقنا الكمال عمر بن أبي بكر الدباس ﵀، حدثني علي بن جابر بن هبة الله «٣» بن علي حاكم ساقية سليمان قال: حدثني والدي جابر بن هبة الله أنه قرأ على القاسم بن علي الحريري المقامات في شهور سنة أربع عشرة وخمسمائة، قال: وكنت أظن أن قوله:

стр. 2203

يا أهل ذا المغنى وقيتم شرّا ... ولا لقيتم ما بقيتم ضرّا قد دفع الليل الذي اكفهرّا ... إلى ذراكم شعثا مغبرّا أنه «سغبا معترّا» فقرأت كما ظننت سغبا معترا، ففكر ساعة ثم قال: والله لقد أجدت في التصحيف فانه أجود، فربّ شعث مغبّر غير محتاج، والسغب المعتر موضع الحاجة، ولولا أنني قد كتبت خطي إلى هذا اليوم على سبعمائة نسخة قرئت عليّ لغيرت الشعث بالسغب والمغبر بالمعتر. قال مؤلف الكتاب: ولقد وافق كتاب المقامات من السعد ما لم يوافق مثله كتاب ألبتّة «١» ، فانه جمع بين حقيقة الجودة والبلاغة، واتسعت له الألفاظ، وانقادت له وفود البراعة حتى أخذ بأزمّتها وملك ربقتها، فاختار ألفاظها وأحسن نسقها، حتى لو ادّعى بها الاعجاز لما وجد من يدفع في صدره ولا يردّ قوله ولا يأتي بما يقاربها فضلا عن أن يأتي بمثلها، ثم رزقت مع ذلك من الشهرة وبعد الصيت والاتفاق على استحسانها من الموافق والمخالف ما استحقت وأكثر. ومن عجيب ما رأيته «٢» وشاهدته أني وردت آمد في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة وأنا في عنفوان الشباب وريعه، فبلغني أن بها علي بن الحسن بن عنتر المعروف بالشميم الحلي، وكان من العلم بمكان مكين، واعتلق من حباله بركن ركين، إلا أنه كان لا يقيم لأحد من أهل العلم المتقدمين ولا المتأخرين وزنا، ولا يعتقد لأحد فضيلة، ولا يقرّ لأحد باحسان في شيء من العلوم ولا حسن، فحضرت عنده وسمعت من لفظه إزراءه على أولي الفضل، وتنديده بالمعيب عليهم بالقول والفعل، فلما أبرمني وأضجر، وامتدّ في غيه وأصحر، قلت له: أما كان في من تقدم على كثرتهم وشغف الناس بهم عندك قطّ مجيد؟! فقال: لا أعلم إلا أن يكون ثلاثة رجال: المتنبي في مديحه خاصة ولو سلكت طريقه لما برز عليّ ولسقت فضيلته نحوي ونسبتها إليّ، والثاني ابن نباتة في خطبه وان كانت خطبي أحسن منها وأسير وأظهر عند الناس قاطبة واشهر، والثالث ابن الحريري في مقاماته؛ قلت: فما منعك

стр. 2204

أن تسلك طريقته وتنشىء مقامات تخمد بها جمرته وتملك بها دولته؟ فقال: يا بني الرجوع إلى الحقّ خير من التمادي في الباطل، ولقد أنشأتها ثلاث مرات ثم أتأملها فأسترذلها، فأعمد إلى البركة فأغسلها، ثم قال: ما أظنّ الله خلقني إلا لاظهار فضل الحريري. وشرح مقاماته بشرح قرىء عليه وأخذ عنه. وكتب ابن الحريري إلى سديد الدولة في صدر كتاب: وما نومة بعد الضحى لمسهّد ... زوى همّه بالليل عن جفنه السّنه بأحلى من البشرى بأنّ ركابكم ... ستسري إلى بغداد في هذه السنه وقرأت في كتاب لبعض أدباء البصرة، قال الشيخ أبو محمد حرس الله نعمته معاياة: ميم موسى من نون نصر ففسّر ... أيهذا الأديب ماذا عنيت تفسيره ميم الرجل إذا أصابه الموم وهو البرسام، ويقال إنه أشد الجدريّ ونون نصر: حوت نصر، والنون السمكة، يعني أنه أكل سمكة نصر فأصابه الموم. وله في مثله: باء بكر بلام ليلى فما ين ... فكّ منها إلا بعين وهاء باء أي أقرّ، واللام الدرع، فلما أقر لليلى به ألزمته فلا ينفك منها إلا بعين أي بالدرع بعينه وها أي خذي. حدثني أبو عبد الله الدبيثي، قال حدثني أبو الحسن علي بن جابر، حدثني أبي أبو الفضل جابر بن زهير قال: حضرنا مع ابن الحريري في دعوة لظهير الدين ابن الوجيه رئيس البصرة في ختان ابنه أبي الغنائم، وكان هناك مغنّ يعرف بمحمد المصري وكان غاية في امتداد الصوت وطيب النغمة فغنى: بالذي ألهم تعذي ... بي ثناياك العذابا ما الذي قالته عينا ... ك لقلبي فأجابا فطرب الحاضرون وسألوا ابن الحريري أن يزيد فيها شيئا فقال: قل لمن عذّب قلبي ... وهو محبوب محابى والذي إن سمته ... الوصل تغالى وتغابى

стр. 2205

ثم البيتان، فاستحسنها الجماعة وأقسموا على المغني أن لا يغنيهم غيرها، فمضى يومهم أجمع بهذه الأبيات. وأنشد أيضا للحريري: لا تخطونّ إلى خط ولا خطأ ... من بعد ما الشيب في فوديك قد وخطا وأيّ عذر لمن شابت ذوائبه ... إذا سعى في ميادين الصبا وخطا ومن شعره: خذ يا بنيّ بما أقول ولا تزغ ... ما عشت عنه تعش وأنت سليم لا تغترر ببني الزمان ولا تقل ... عند الشدائد لي أخ ونديم جربتهم فإذا المعاقر عاقر ... والآل آل والحميم حميم ولابن الحريري من التصانيف: كتاب المقامات. كتاب درة الغواص في أوهام الخواص. كتاب ملحة الاعراب، وهي قصيدة في النحو. كتاب شرح ملحة الإعراب. كتاب رسائله المدونة. كتاب شعره. حدثني أبو عبد الله محمد بن سعيد بن الدبيثي قال، سمعت القاضي أبا الحسن علي بن جابر بن زهير يقول، سمعت أبي أبا الفضل جابر بن زهير يقول: كنت عند أبي محمد القاسم بن الحريري البصري بالمشان أقرأ عليه المقامات، فبلغه أن صاحبه أبا زيد المطهر بن سلام البصري الذي عمل المقامات عنه قد شرب مسكرا، فكتب إليه وأنشدناه لنفسه: أبا زيد اعلم أنّ من شرب الطلا ... تدنّس فافهم سرّ قولي المهذب ومن قبل سميت المطهّر والفتى ... يصدّق بالأفعال تسمية الأب فلا تحسها كيما تكون مطهرا ... والا فغيّر ذلك الاسم واشرب قال: فلما بلغه الأبيات أقبل حافيا إلى الشيخ أبي محمد وبيده مصحف، فأقسم به ألا يعود إلى شرب مسكر، فقال له الشيخ: ولا تحاضر من يشرب. حدثني ابن الدبيثي قال، وأنشدني ابن جابر قال، أنشدني أبو عبد الله محمد بن الحسن بن المنقبة الفقيه بالرحبة لنفسه يعارض أبا محمد ابن الحريري في بيتيه اللذين قال فيهما: أسكتا كل نافث وأمنا أن يعزّزا بثالث:

стр. 2206

ملامة الوكعاء بين الورى ... أحسن من حرّ أتى ملأمه فمه اذا استجديت عن قول لا ... فالحرّ لا يملأ منها فمه نقلت من خط أبي سعد السمعاني، أنشدنا أبو القاسم عبد الله بن القاسم بن علي بن الحريري، أنشدني والدي لنفسه، وهو مما كاتب به شيخ الشيوخ أبا البركات إسماعيل بن أبي سعد: سلام كأزهار الربيع نضارة ... وحسنا على شيخ الشيوخ الذي صفا ولو لم يعقني الدهر عن قصد ربعه ... سعيت كما يسعى الملبي الى الصفا ولكن عداني عنه دهر مكدّر ... ومن ذا الذي واتاه من دهره الصفا ومن خطه: أنشدني أبو العباس أحمد بن بختيار بن علي الواسطي، أنشدنا القاسم بن علي الحريري لنفسه: أخمد بحلمك ما يذكيه ذو سفه ... من نار غيظك واصفح إن جنى جاني فالحلم أفضل ما ازدان اللبيب به ... والأخذ بالعفو أحلى ما جنى جاني وكتب ابن الحريري الى سديد الدولة محمد بن عبد الكريم الأنباري كتابا على يد ولده قال فيه: كتب الخادم وعنده من تباريح الأشواق إلى الخدمة ما يصدع الأطواد، فكيف الفؤاد، ويوهي الجبال، فكيف البال، ولكنه يستدفع الخوف بسوف، ويبرد حر الأسى بعسى، وهو على جمعهم إذا يشاء قدير: ألا ليت شعري والتمني خرافة ... وإن كان فيه راحة لأخي الكرب أتدرون أني مذ تناءت دياركم ... وشطّ اقترابي من جنابكم الرحب أكابد شوقا ما يزال أواره ... يقلّبني بالليل جنبا إلى جنب وأسكب للبين المشتت مدمعا ... كأن عزاليها امترين من السحب وأذكر أيام التلاقي فأنثني ... لتذكارها بادي الأسى ذاهب اللبّ ولي حنّة في كلّ وقت إليكم ... ولا حنة الصادي إلى البارد العذب فو الله إني لو كتمت هواكم ... لما كان مكتوما بشرق ولا غرب ومما شجا قلبي المعنّى وشفّه ... رضاكم باهمال الاجابة عن كتبي

стр. 2207

على أنني راض بما ترتضونه ... وأفخر بالإعتاب فيكم وبالعتب ولما سرى الوفد العراقيّ نحوكم ... وأعوزني المسرى إليكم مع الركب جعلت كتابي نائبا عن ضرورة ... ومن لم يجد ماء تيمم بالترب وأنفذت أيضا بضعة من جوارحي ... تنبئكم مشروح حالي وتستنبي وقلت له عند الوداع وقلبه ... شج وأبوه الشيخ مكتئب القلب ألا ابشر بما تحظى به حين تجتلي ... محيا سديد الدولة الماجد الندب ولست أرى إذكاركم بعد خبركم ... بمكرمة حسبي اهتزازكم حسبي هذه على عاهتها بنت ساعتها، فإن حظيت منه بالقبول المأمول، فيا بشرى للحامل والمحمول، وإن لمحت لمحة المستثقل، فيا خيبة المرسل والمرسل، والسلام. ومن رسائل ابن الحريري رسالة التزم في كلّ كلمة منها السين نظما، كتبها على لسان بعض أصدقائه يعاتب صديقا له أخلّ به في دعوة دعا غيره إليها، وكتب على رأسها «١» : باسم القدوس أستفتح، وباسعاده أستنجح، سجية سيدنا سيف السلطان سدة سيدنا الاسفهسلار السيد النفيس سيد الرؤساء حرست نفسه، واستنارت شمسه، وبسق غرسه، واتسق أنسه، استمالة الجليس، ومساهمة الأنيس، ومؤاساة السحيق والنسيب، ومساعدة الكسير والسليب، والسيادة تستدعي استدامة السنن، والاستحفاظ بالرسم الحسن، وسمعت بالأمس تدارس الألسن سلاسة خندريسه، وسلسال كؤوسه، ومحاسن مجلس مسرّته، وإحسان مسمعة ستارته، فاستسلفت الاستدعاء، وسوفت نفسي بالاحتساء «٢» ، ومؤانسة الجلساء، وجلست أستقري السبل الاسراء، وتوسمت أستطلع الرسل، وأستطرف تناسي رسمي، وأسامر الوسواس لاستحالة وسمي: وسيف السلاطين مستأثر ... بأنس السّماع وحسو الكؤوس

стр. 2208

سلاني وليس لباس السلو ... يناسب حسن سمات النفيس وسنّ تناسي جلّاسه ... وأسوا السجايا تناسي الجليس وسرّ حسودي بطمس الرسوم ... وطمس الرسوم كرمس النفوس وأسكرني حسرة واستعاض ... لقسوته سكرة الخندريس وساقى الحسام بكاس السلاف ... وأسهمني بعبوس وبوس سأكسوه لبسة مستعتب ... وألبس سربال سال يؤوس وأسطر سيناته سيرة ... تسير أساطيرها كالبسوس وحسبنا السلام رسول الاسلام. وكتب إلى أبي [محمد] طلحة بن النعماني الشاعر لما قصده إلى البصرة يمدحه ويشكره ويتأسف على فراقه «١» : بإرشاد المنشىء أنشىء شغفي بالشيخ، شمس الشعراء، ريش معاشه، وفشا رياشه، وأشرق شهابه، واعشوشبت شعابه، يشاكل شغف المنتشي بالنشوة، والمرتشي بالرشوة، والشادن بشرخ الشباب، والعطشان بشم الشراب. وشكري لتجشمه ومشقته، وشواهد شفقته، يشابه شكر الناشد للمنشد، والمسترشد للمرشد، والمستشعر للمبشر، والمستجيش للجيش المشمر، وشعاري إنشاد شعره، وإشجاء المكاشر والمكاشح بنشره، وشغلي إشاعة وشائعه، وتشييد شوافعه، والإشادة بشذوره وشنوفه، والمشورة بتشييعه وتشريفه، وأشهد شهادة تشدد المقشر المكاشف والمشنع الكاشف لا نشاؤه ومشاهدته تدهش الشائب والناشي، وتلاشي شعر الناشي، ولمشافهته تباشير الرشد، واشتيار الشهد، ولمشاحنته تشقي المشاحن وتشين المشاين، ولمشاغبته تشظي الأشطان، وتشيط الشيطان، فشرفا للشيخ شرفا، وشغفا بشنشنته شغفا: فأشعاره مشهورة ومشاعره ... وعشرته مشكورة وعشائره شأى الشعراء المشمعلّين شعره ... فشانيه مشجوّ الحشا ومشاعره وشوّه ترقيش المرقش شعره ... فأشياعه يشكونه ومعاشره

стр. 2209

وشاق الشباب الشمّ والشيب وشيه ... فمنشوره بشرى المشوق وناشره شكور ومشكور وحشو مشاشه ... شهامة شمّير يطيش مشاجره شقاشقه مخشيّة وشباته ... شبا مشرفيّ جاش للشرّ شاهره شفى بالأناشيد النشاوى وشفّهم ... فمشفيه مستشف وشاكيه شاكره ويشدو فيهتشّ الشحيح لشدوه ... ويشعفه إنشاده فيشاطره تجشّم غشياني فشرّد وحشتي ... وبشّر ممشاه ببشر أباشره سأنشده شعرا تشرّق شمسه ... وأشكره شكرا تشيع بشائره وأشهد شاهد الأشياء، ومشبع الأحشاء، ليشعلنّ شواظ اشتياقي شحطه، وليشعثنّ شمل نشاطي نشطه، فناشدت الشيخ أيشعر باستيحاشي لشسوعه، وإجهاشي لتشييعه، ووشايتي بنشيده الموشيّ، وتشكلي شخصه بالإشراق والعشي، حاشاه تعشيه شبهة وتغشاه، فليستشفّ شرح شجوي بشطونه، وليرشّحني لمشاركة شجونه، وليشغلني بتمشية شؤونه، وليشدّ جاشي، ويشارف انكماشي، عاش منتعش الحشاشة، مستشري البشاشة، مشحوذ الشفار، منتشر الشرار، شتاما للأشرار، شحّاذا بالأشعار، يشرخ ويحوش، ويقنفش «١» المنقوش، بمشية الشديد البطش، الشامخ العرش، وتشريفه لبشير البشر، وشفيع المحشر، اه. وله من المقامات «٢» : وأحوى حوى رقيّ برقة لفظه ... وغادرني إلف السهاد بغدره تصدّى لقتلي بالصدود وإنني ... لفي أسره مذ حاز قلبي بأسره أصدّق منه الزور خوف ازوراره ... وأرضى استماع الهجر خشية هجره وأستعذب التعذيب منه وكلّما ... أجدّ عذابي جدّ بي حبّ بره تناسى ذمامي والتناسي مذمّة ... وأحفظ قلبي وهو حافظ سره له منّي المدح الذي طاب نشره ... ولي منه طيّ الودّ من بعد نشره وإني على تصريف أمري وأمره ... أرى المر حلوا في انقيادي لأمره

стр. 2210

وقال الرئيس أبو الفتح هبة الله بن الفضل بن صاعد بن التلميذ الكاتب: كان الشيخ الأجل الامام الأوحد أبو محمد القاسم بن علي بن الحريري ﵁ الامام المشهور الفضل من أعيان دهره وفريد عصره، وممن لحق طبقة الأوائل، وغبّر عليهم في الفضائل، وكانت بيني وبينه مكاتبة قديمة في سنة خمس وتسعين وأربعمائة عند ابتدائه حمل المقامات التي أنشأ، ولما وقع الاجتماع به في سنة أربع وخمسمائة ببغداد، وسماعها منه عدة دفعات، جاريته وسألته أن ينظم في النحو مختصرا يحفظه المبتدئون، فشرع في نظم هذه الأرجوزة، وأملى عليّ منها أبوابا يسيرة، وانحدر من غير إتمامها واستعاد مني ما أملاه ليحرره، فكاتبته دفعات أقتضيه بها وأذكره بانفاذها وإنفاذ كتابه «درة الغواص في أوهام الخواص» فكتب إليّ جوابين نسخة الأول منهما: وصل من حضرة سيدنا- أطال الله بقاءه ومدّته وحرس عزه ونعمته، وضاعف سعادته وكبت حسدته- كتاب كريم، مودعه طول جسيم، وفي ضمنه در نظيم، فابتهجت بتناوله، وقررت عينا بتأمله، وتذكرت الأوقات التي أسعد الدهر فيها برؤيته، وأحظى باجتلاء فضله وروايته، وشكرت الله على ما يوليه من حسن صنعه، وسألته جلّت عظمته أن يجعل النعمة راهنة بربعه، والسعادة جاذبة أبدا بضبعه، وسررت بما بشرني به من نجابة السيد الرئيس الولد النفيس- أمتع الله ببقائه وأتاح لي تجدد الانس بلقائه- ولم أستبعد أن يقمر هلاله بل يبدر، ولا استبدعت أن يورق غصن دوحته الزكية ويثمر، والله تعالى يمليه أطول الأعمار، في رفاهة الأسرار، ومواتاة الأقدار، حتى يعاين أسباطه، ويضاعف باجتماعهم وتضاعفهم بحوزته اغتباطه. فأما الملحة إن أمكن تنفيذها مع أحد المترددين إلى هذا المكان لألحق بها الزيادة وأهذبها كما يطابق الارادة أوعز به. وأما «درّة الغوّاص في أوهام الخواص» فأرجو أن ينسأ «١» الاصعاد إلى بغداد لتصفحها من البدء وكأن قد، وإلى أن يسهل المأمول من الالتقاء، فما أولى همته الكريمة بإتحافي بالأنباء، وانهاضي بما يسنح من الأوطار والأهواء، ورأيه أعلى إن شاء الله. نسخة الكتاب الثاني وهو المنفذ مع «الملحة» المذكورة:
следующие страницы →