ملامة
الوكعاء بين الورى ... أحسن من حرّ أتى ملأمه
فمه اذا استجديت عن قول لا ... فالحرّ لا يملأ منها فمه
نقلت من خط أبي سعد السمعاني، أنشدنا أبو القاسم عبد الله بن القاسم بن علي بن الحريري، أنشدني والدي لنفسه، وهو مما كاتب به شيخ الشيوخ أبا البركات إسماعيل بن أبي سعد:
سلام كأزهار الربيع نضارة ... وحسنا على شيخ الشيوخ الذي صفا
ولو لم يعقني الدهر عن قصد ربعه ... سعيت كما يسعى الملبي الى الصفا
ولكن عداني عنه دهر مكدّر ... ومن ذا الذي واتاه من دهره الصفا
ومن خطه: أنشدني أبو العباس أحمد بن بختيار بن علي الواسطي، أنشدنا القاسم بن علي الحريري لنفسه:
أخمد بحلمك ما يذكيه ذو سفه ... من نار غيظك واصفح إن جنى جاني
فالحلم أفضل ما ازدان اللبيب به ... والأخذ بالعفو أحلى ما جنى جاني
وكتب ابن الحريري الى سديد الدولة محمد بن عبد الكريم الأنباري كتابا على يد ولده قال فيه: كتب الخادم وعنده من تباريح الأشواق إلى الخدمة ما يصدع الأطواد، فكيف الفؤاد، ويوهي الجبال، فكيف البال، ولكنه يستدفع الخوف بسوف، ويبرد حر الأسى بعسى، وهو على جمعهم إذا يشاء قدير:
ألا ليت شعري والتمني خرافة ... وإن كان فيه راحة لأخي الكرب
أتدرون أني مذ تناءت دياركم ... وشطّ اقترابي من جنابكم الرحب
أكابد شوقا ما يزال أواره ... يقلّبني بالليل جنبا إلى جنب
وأسكب للبين المشتت مدمعا ... كأن عزاليها امترين من السحب
وأذكر أيام التلاقي فأنثني ... لتذكارها بادي الأسى ذاهب اللبّ
ولي حنّة في كلّ وقت إليكم ... ولا حنة الصادي إلى البارد العذب
فو الله إني لو كتمت هواكم ... لما كان مكتوما بشرق ولا غرب
ومما شجا قلبي المعنّى وشفّه ... رضاكم باهمال الاجابة عن كتبي
стр. 2207
على أنني راض بما ترتضونه ... وأفخر بالإعتاب فيكم وبالعتب
ولما سرى الوفد العراقيّ نحوكم ... وأعوزني المسرى إليكم مع الركب
جعلت كتابي نائبا عن ضرورة ... ومن لم يجد ماء تيمم بالترب
وأنفذت أيضا بضعة من جوارحي ... تنبئكم مشروح حالي وتستنبي
وقلت له عند الوداع وقلبه ... شج وأبوه الشيخ مكتئب القلب
ألا ابشر بما تحظى به حين تجتلي ... محيا سديد الدولة الماجد الندب
ولست أرى إذكاركم بعد خبركم ... بمكرمة حسبي اهتزازكم حسبي
هذه على عاهتها بنت ساعتها، فإن حظيت منه بالقبول المأمول، فيا بشرى للحامل والمحمول، وإن لمحت لمحة المستثقل، فيا خيبة المرسل والمرسل، والسلام.
ومن رسائل ابن الحريري رسالة التزم في كلّ كلمة منها السين نظما، كتبها على لسان بعض أصدقائه يعاتب صديقا له أخلّ به في دعوة دعا غيره إليها، وكتب على رأسها «١» : باسم القدوس أستفتح، وباسعاده أستنجح، سجية سيدنا سيف السلطان سدة سيدنا الاسفهسلار السيد النفيس سيد الرؤساء حرست نفسه، واستنارت شمسه، وبسق غرسه، واتسق أنسه، استمالة الجليس، ومساهمة الأنيس، ومؤاساة السحيق والنسيب، ومساعدة الكسير والسليب، والسيادة تستدعي استدامة السنن، والاستحفاظ بالرسم الحسن، وسمعت بالأمس تدارس الألسن سلاسة خندريسه، وسلسال كؤوسه، ومحاسن مجلس مسرّته، وإحسان مسمعة ستارته، فاستسلفت الاستدعاء، وسوفت نفسي بالاحتساء «٢» ، ومؤانسة الجلساء، وجلست أستقري السبل الاسراء، وتوسمت أستطلع الرسل، وأستطرف تناسي رسمي، وأسامر الوسواس لاستحالة وسمي:
وسيف السلاطين مستأثر ... بأنس السّماع وحسو الكؤوس
وقال الرئيس أبو الفتح هبة الله بن الفضل بن صاعد بن التلميذ الكاتب: كان الشيخ الأجل الامام الأوحد أبو محمد القاسم بن علي بن الحريري ﵁ الامام المشهور الفضل من أعيان دهره وفريد عصره، وممن لحق طبقة الأوائل، وغبّر عليهم في الفضائل، وكانت بيني وبينه مكاتبة قديمة في سنة خمس وتسعين وأربعمائة عند ابتدائه حمل المقامات التي أنشأ، ولما وقع الاجتماع به في سنة أربع وخمسمائة ببغداد، وسماعها منه عدة دفعات، جاريته وسألته أن ينظم في النحو مختصرا يحفظه المبتدئون، فشرع في نظم هذه الأرجوزة، وأملى عليّ منها أبوابا يسيرة، وانحدر من غير إتمامها واستعاد مني ما أملاه ليحرره، فكاتبته دفعات أقتضيه بها وأذكره بانفاذها وإنفاذ كتابه «درة الغواص في أوهام الخواص» فكتب إليّ جوابين نسخة الأول منهما:
وصل من حضرة سيدنا- أطال الله بقاءه ومدّته وحرس عزه ونعمته، وضاعف سعادته وكبت حسدته- كتاب كريم، مودعه طول جسيم، وفي ضمنه در نظيم، فابتهجت بتناوله، وقررت عينا بتأمله، وتذكرت الأوقات التي أسعد الدهر فيها برؤيته، وأحظى باجتلاء فضله وروايته، وشكرت الله على ما يوليه من حسن صنعه، وسألته جلّت عظمته أن يجعل النعمة راهنة بربعه، والسعادة جاذبة أبدا بضبعه، وسررت بما بشرني به من نجابة السيد الرئيس الولد النفيس- أمتع الله ببقائه وأتاح لي تجدد الانس بلقائه- ولم أستبعد أن يقمر هلاله بل يبدر، ولا استبدعت أن يورق غصن دوحته الزكية ويثمر، والله تعالى يمليه أطول الأعمار، في رفاهة الأسرار، ومواتاة الأقدار، حتى يعاين أسباطه، ويضاعف باجتماعهم وتضاعفهم بحوزته اغتباطه. فأما الملحة إن أمكن تنفيذها مع أحد المترددين إلى هذا المكان لألحق بها الزيادة وأهذبها كما يطابق الارادة أوعز به. وأما «درّة الغوّاص في أوهام الخواص» فأرجو أن ينسأ «١» الاصعاد إلى بغداد لتصفحها من البدء وكأن قد، وإلى أن يسهل المأمول من الالتقاء، فما أولى همته الكريمة بإتحافي بالأنباء، وانهاضي بما يسنح من الأوطار والأهواء، ورأيه أعلى إن شاء الله.
نسخة الكتاب الثاني وهو المنفذ مع «الملحة» المذكورة:
стр. 2211
لئن كانت الأيام أحسنّ مرة ... إليّ لقد عادت لهنّ ذنوب
إذا فكرت- أطال الله بقاء سيدنا وضاعف سعادته وكبت حسدته- فيما كان سمح به الزمان من تلك الملاقاة الحلوة، وإن كانت أقلّ من الحسوة، أعظمت قيمة حسناه، ووجدتها أحلى إسعاف وأسناه، ثم إذا فكرت فيما أعقب من الفرقة، وألهب في الصدر من الحرقة، وجدته كمن رجع في المنحة، وطمس الفرحة بالترحة، ولولا تعلّة القلب المشجوّ، بالتلاقي المرجوّ، لذاب من اتقاد الشوق، ولقال: «شبّ عمرو عن الطوق» . وفي لوامح تلك الألمعية، ما يغني عن تبيان تلك الطوية، وكان وصل من حضرته- أنّسها الله تعالى- ما أعرب فيه عن كريم عهده، وتباريح وجده، فلم أستبدع العذوبة من ورده، ولا استغربت ما تولى من بره وحسن عهده، وبمقتضى هذه الأوامر، والطّول المتناصر، انعكافي على الشكر، واعترافي بعوارفه الغرّ. فأما استطلاع «ملحة الاعراب» المشتبهة بالسراب، فقد آثرت خزائنه- عمرها الله تعالى- بمسودتها، على شعث «١» بنيتها وشوه خلقتها، ولو لم تعرض حادثة العرب، العائقة عن كل أرب، لزففتها كما تزفّ العروس المقيّنة، والخطب المزينة، غير أني أرجو أن ترزق حظوة القباح، وألا تجبه بالذمّ الصراح، ولكتبه- حرس الله نعمته- عندي موقع أنفس التحف، وشكري على التكرّم بها شكر من اتّشّح بها والتحف، وسيدنا أمين الدولة رئيس الحكماء، مخدوم بأفضل دعاء، وأطيب ثناء وسلام، ولرأيه- أدام الله نعمته- في الإيعاز بالوقوف على ما شرحته، وتمثل ما أوضحته، علوه إن شاء الله تعالى.
نسخة كتاب كتبه ابن الحريري إلى أبي الفتح ابن التلميذ قبل اللقاء:
جزى الله خيرا والجزاء بكفّه ... بني صاعد أهل السيادة والمجد
هم ذكروني والمهامه بيننا ... كما ارفضّ غيث من تهامة في نجد
لو أخذت في وصف شغفي بمناقب سيدنا- أطال الله بقاءه وأدام علاءه وحرس نعماءه وكبت حساده وأعداءه- وما أنا بصدده من مدح سؤدده، وشرح تطوّله وتودده، لكنت بمثابة المغترّين، في محاولة عدد رمل يبرين، لكنني راج أن أحظى من ألمعيته الثاقبة، وبصيرته الصائبة، بما يمثل له عقيدتي، ويطلعه على نخيلة مودتي،
стр. 2212
وما أملك في مقابلة مفاتحته التي أخلصت له إيجاب الحق، وفضيلة السبق، إلا الثناء الذي أتلو صحائفه، والدعاء الذي أقيم في كلّ وقت وظائفه. والله سبحانه يحسن توفيقي لما يشيّد مباني المودة، التي أعتدها أفضل معاني «١» العدة. ثم إني لفرط اللهج باستملاء فضائله النيرة، واستطلاع محاسنه المسيّرة، أسائل عن خصائصه الركبان، وأطرب بسماعها ولا طرب النشوان.
ولما حضر الشيخ الأديب الرئيس أبو القاسم بن الموذ- أدام الله تمكينه- ألفيته مواليا مغاليا، وداعية إليه وداعيا، فازددت كلفا بما وعيته منه، وشغفا بما استوضحته عنه. واستدللت على كمال سيدنا باستخلاص شكر مثله، وتحققت وفور أفضاله وفضله، فافتتحت المكاتبة بتأدية هذه الشهادة، واستمداد سنّة المواصلة المعتادة، والتكرمة التي تقتضيها بواعث السيادة. ولرأيه في الوقوف على ما كتبته، والتطول فيه بما توجبه أريحيته، علوه، إن شاء الله تعالى.
وكتب إلى سديد الدولة رسالة صدّرها بهذين البيتين:
عندي بشكرك ناطقان فواحد ... آثار طولك واللسان الثاني
ومجال منّتك التي أوليتني ... في الشكر أفصح من مجال لساني
وصدّر رسالة أخرى إليه بهذه الأبيات:
أهنّيك بل نفسي أهنّي بما سنّى ... لك الله من نيل المنى وبما أسنى
شكرت زماني بعد ما كنت عاتبا ... عليه لما أسدى إليك من الحسنى
وأيقنت إذ واتاك أن قد تيقظت ... لارضاء أهل الأرض مقلته الوسنى
ففخرا بما في عظم فخرك شبهه ... ولا لك شبه في الأنام إذا قسنا
جمال الورى ملّيت تشريفك الذي ... أفاض عليك الصيت والعزّ والحسنى
ومن عجب أني أهنيك بالذي ... أهنّى به لكن كذا سنّ من سنا
وكتب إلى المؤيد أبي إسماعيل الطغرائي يهنئه بولاية الطغرائي في سنة تسع وخمسمائة، فأجابه الطغرائي بجواب هذا نسخته «٢» :
стр. 2213
ما الروض أضحكت السحاب ثغوره ... وأفاح أنفاس الصبا منثوره
يوما بأبهج من كتاب نمنمت ... يمناك يا شرف الكفاة سطوره
وافى إليّ فتهت حين رأيته ... تيه المولّى إذ رأى منشوره
فلثمته عشرا ولو قبّلته ... ألفا وألفا لم أوفّ مهوره
وفضضته عن لؤلؤ ولو انه ... للسمط زان فصوله وشذوره
وأجلت منه الطّرف فيما راقه ... وأتاح للقلب الكئيب سروره
قسما لأنت الفرد في الفضل الذي ... لولاك أطفأت الجهالة نوره
منك امترى لما ارتضعت لبانه ... وبك ازدهى لما احتلبت شطوره
فاسلم له حتى تجدّد ما عفا ... منه وتجبر وهنه وكسوره
واعذر وليّك إن تقاصر سعيه ... واغفر له تقصيره وقصوره
وصل من المجلس السامي المؤيدي- ضاعف الله علوه، وأضعف عدوه، وأكمل سعوده، وأكمد حسوده- كتاب اتسم بالمكرمة الغراء، وابتسم عن التكرمة العذراء، فخلته كتاب الأمان من الزمان، وتلقيته كما يتلقى الانسان صحيفة الاحسان، وقابلت ما أودع من البر، والطّول المبرّ، بالشكر الذي هو جهد المقلّ، ونسك المستقلّ، ووجدت ما ألحف من التجميل، وأتحف من الجميل، ما كانت أطماعي تتوق إليه، وآمالي تحوم حواليه، إذ ما زلت مند استمليت وصف المناقب المؤيدية، ورويت خبرها عن الراوية الشريفة الشرفية، أبعث قلمي على أن يفاتح، وأن يكون الرائد لي والماتح، وهو ينكص نكوص الهيوبة، وينكل نكول الهام عن الضريبة، فأكابد لإحجامه الأسى، وأزجي الأيام بلعلّ وعسى، إلى أن بديت، وهديت وأريت، كيف يحيي الله من يميت، فلم يبق بعد أن أنشط العقال، واستدعي المقال، إلا أن أنقل الحشف إلى هجر، وأزفّ الهشيم إلى الشجر، فأصدرت هذه الخدمة المتشحة بالخجل، المرتعشة من الوجل، وأنا معترف بسالف التقصير، ومعتذر عنه باللسان القصير، فإن قرّبت عند الوصول، وقرنت بحظوة القبول، فذلك الذي كانت تتمنّى، وحق لي ولها أن تهنّى، وإن ألغيت إلغاء الحوار في الدية، وندّد بمفاضحها في الأندية، فما هضمت فيما قوبلت، ولا ظلمت إذ ما
стр. 2214
قبلت، على أنّ لكلّ امرىء ما نوى، وأن تعفوا أقرب للتقوى. وإن كان وضح اجتهادي فيما وقف من الوطر، الذي تأكّد فيه اعتراض القدر، وانتقاص النظر، فيا بردها على الكبد، وبشرى خادمه المجتهد. ثم إن استخدمت بعد في خدمة واجتهدت، وانتهزت فرصة فريضتها ولو جاهدت، فللرأي الشريف في الإمام بتحسين ما يتأمل، وتحقيق ما يؤمل، مزيد السموّ، إن شاء الله تعالى.
[٩٠٧]
القاسم بن فيره بن أبي القاسم أبو محمد
الرعيني ثم الشاطبي المقرىء: كان فاضلا في النحو والقراءة وعلم التفسير، له لحديث رسول الله ﷺ نظم قصيدة من خمسمائة بيت في كتاب التمهيد لابن عبد البر، وكان شعره عقدا صعبا لا يكاد يفهم، من ذلك قوله:
يلومونني إذ ما وجدت ملائما ... وما لي مليم حين سمت الأكارما
وقالوا تعلّم للعلوم نفاقها ... بسحر نفاق يستخفّ العزائما
وهي قصيدة طويلة.
وله:
بكى الناس قبلي لا كمثل مصائبي ... بدمع مطيع كالسحاب الصوائب
وكنا جميعا ثم شتت شملنا ... تفرّق أهواء عراض المواكب
وله قصيدة نظم فيها «المقنع» لأبي عمرو الداني في خط المصحف.
وكان رجلا صالحا صدوقا في القول مجدّا في الفعل، ظهرت عليه كرامات الصالحين كسماع الأذان بجامع مصر وقت الزوال من غير مؤذن ولا يسمع ذلك إلا عباد الله الصالحون. وكان يعذل أصحابه على أشياء لم يطلعوه عليها، وكان مولده في سنة
стр. 2215
ثمان وثلاثين وخمسمائة. ومات ﵀ يوم الأحد بعد صلاة العصر الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة، ودفن في مقبرة البيساني بسارية مصر بعد أن أضر.
أخذ القراءة عن الشيخين الإمامين أبي الحسن علي بن هذيل وأبي عبد الله محمد بن أبي العاص النفري «١» .
قال الشيخ الإمام علم الدين أبو الحسن علي بن محمد السخاوي تلميذه وشارح قصيدته، وقد وصف دينه وورعه وصلاحه، ثم قال: وذكرت له يوما جامع مصر وقلت له: قد قيل إن الأذان يسمع فيه من غير المؤذنين ولا يدرى ما هو، فقال: قد سمعته مرارا لا أحصيها عند الزوال.
وقال لي يوما: جرت بيني وبين الشيطان مخاطبة فقال: فعلت كذا فسأهلكك، فقلت له: والله ما أبالي بك.
وقال لي يوما: كنت في طريق وتخلّف عني من كان معي وأنا على الدابة وأقبل اثنان فسبّني أحدهما سبّا قبيحا، فأقبلت على الاستعاذة، وبقي كذلك ما شاء الله، ثم قال له الآخر: دعه. وفي تلك الحال لحقني من كان معي فأخبرته بذلك فطلب يمينا وشمالا فلم يجد أحدا.
وكان ﵀ يعذل أصحابه في السرّ على أشياء لا يعلمها منهم إلا الله عزوجل، وكان يجلس إليه من لا يعرفه فلا يرتاب به أنه يبصر لأنه لذكائه، لا يظهر منه ما يظهر من الأعمى في حركاته.
[٩٠٨]
القاسم بن القاسم بن عمر بن منصور الواسطي
أبو محمد: مولده بواسط العراق في سنة خمسين وخمسمائة في ذي الحجة، ومات بحلب في يوم الخميس
стр. 2216
رابع ربيع الأول سنة ست وعشرين وستمائة، أديب نحوي لغوي فاضل أريب، له تصانيف حسان ومعرفة بهذا الشان.
قرأ النحو بواسط وبغداد على الشيخ مصدق بن شبيب، واللغة على عميد الرؤساء هبة الله بن أيوب، وقرأ القرآن على الشيخ أبي بكر الباقلاني بواسط، وعلى الشيخ علي بن هياب الجماجمي بواسط أيضا، وسمع كثيرا من كتب اللغة والنحو والحديث على جماعة يطول شرحهم عليّ: منهم أبو الفتح محمد بن أحمد بن بختيار الماندائي وأحمد بن الحسين بن المبارك بن نغوبا، سمع عليه المقامات عن الحريري، فانتقل من بغداد إلى حلب في سنة تسع وثمانين وخمسمائة فأقام بها يقرىء العلم ويفيد أهلها نحوا ولغة وفنون علوم الأدب.
وصنّف بها عدة تصانيف وهي على ما أملاه عليّ هو بباب داره من حاضر حلب في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وستمائة: كتاب شرح اللمع لابن جني. كتاب شرح التصريف الملوكي لابن جني أيضا. كتاب فعلت وأفعلت بمعنى على حروف المعجم. كتاب في اللغة لم يتم إلى هذه المدة. كتاب شرح المقامات على حروف المعجم ترتيب العزيزي. كتاب شرح المقامات آخر على ترتيب المقامات. كتاب شرح المقامات آخر على ترتيب آخر. كتاب خطب قليلة. كتاب رسالة فيما أخذ على ابن النابلسي الشاعر في قصيدة نظمها في الامام الناصر لدين الله أبي العباس صلوات الله عليه أولها: الحمد لله على نعمه المتظاهرة، والصلاة على خير خلقه محمد وعترته الطاهرة، وبعد فإنه لما أخرت الفضائل عن الرذائل، وقدمت الأواخر على الأوائل، ونبذ عهد القدماء، وجهل قدر العلماء، وصار عطاء الأموال باعتبار الأحوال لا باختيار الأقوال، وظهر عظيم الاجلال بالأسماء لا بالأفعال، علمت أن الأقدار هي التي تعطي وتمنع، وتخفض وترفع، فأخملت عند ذلك من ذكري وقدري، وأخفيت من نظمي ونثري. «ولأمر ما جدع قصير أنفه» «١» .
(ومن شعر نفسه) :
وما لي إلى العلياء ذنب علمته ... ولا أنا عن كسب المحامد قاعد
стр. 2217
وقلت أصبر على كيد الزمان وكدّه، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده:
فلو لم يعل إلا ذو محلّ ... تعالى الجيش وانحطّ القتام «١»
إلى أن بلغني ممن يعوّل عليه، ويرجع في القول إليه، عن بعض شعراء هذا الزمان، ممن يشار إليه بالبنان، أنه أنشد عنده بيت للوليد «٢» ، يشهد له بالفصاحة والتجويد، وهو قوله:
إذا محاسني اللائي أدلّ بها ... صارت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر
فقال مقال المفتري، كم قد خرينا على البحتري، فصبرت قلبي على أذاته، وأغضيت جفني على قذاته، حتى ابتدرني بالبادرة، التي يقصّر عنها لسان الحادرة.
فلو كان النابلسيّ، كابن هانىء الأندلسي، لزلزلت الأرض زلزالها، وأخرجت الأرض أثقالها. فيا لله العجب متى أشرفت الظلمة على الضياء، أو علت الأرض على السماء، وأين السها من القمر؟ وكيف يضاهى الغمر بالغمر؟ فإنّا لله وأفوض أمري إلى الله، أفي كل سحابة أراع برعد، وفي كل واد بنو سعد «٣» :
وإني شقيّ باللئام ولا ترى ... شقيا بهم إلا كريم الشمائل
لقد تحككت العقرب بالأفعى، واستنّت الفصال حتى القرعى «٤» .
وطاولت الأرض السماء سفاهة ... وفاخرت الشهب الحصى والجنادل «٥»
وما ذلك التيه والصلف، والتجاوز للحدّ والسرف؟ إلّا لأنه كلما جرّ جريرا «٦» ، اعتقد أنه قد جرّ جريرا، وكلما ركب الكميت، ظنّ أنه قد ارتكب الكميت، وكلما أعظم من غير عظم، وأكرم من غير كرم، شمخ بأنفه وطال، وتطاول إلى ما لن ينال، وزعم أنه قد بلّد لبيدا، وعبّد عبيدا، ولا والله ليس الأمر كما زعم، ولا الشعر كما نظم، ولكنها المكارم السلطانية الملكية الظاهرية التي نوّهت بذكره فسترها، ورفعت
стр. 2218
من قدره فكفرها- بقوله ما أذكره إذا انتهيت إليه. ولما طلب العبد كراعا، فأعطي ذراعا «١» ، خرج على من يعرفه، وبهرج على من يكشفه، فقلت: لا مخبأ بعد بوس، ولا عطر بعد عروس «٢» :
وما أنا بالغيران من دون جاره ... إذا أنا لم أصبح غيورا على العلم
وقصدت قصيدا من شعره، يزعم أنها من قلائد درّه، قد هذّبها في مدة سنين، ومدح بها أمير المؤمنين، وقال فيها: فانظر لنفسك أي درّ تنظم:
فكان لعمري ناظما غير أنه ... كحاطب ليل فاته منه طائل
«فواعجبا كم يدّعي الفضل ناقص ... ووا أسفا كم يظهر النقص فاضل» «٣»
وتتبعت ما فيها من غلطاته، وأظهرت ما خفي فيها من سقطاته، ولبست له جلد النمر، واندفقت عليه كالسيل المنهمر، بعد أن كتبها بخطه، وزيّنها بإعرابه وضبطه:
وابن اللبون إذا مالزّ في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس «٤»
فوجدته قد أخطأ منها في واحد وعشرين مكانا، عدم فيها تمكنا من العلم وإمكانا، فمنها ستة عشر موضعا توضحها الكتابة والنظر، ومنها خمسة توضحها المجادلة والنظر، فهذا من جيّد مختاره، وما يظهر على اختياره، وان وقع إليّ شيء من مزوّق شعره، أو منوّق مستعاره، لأعصبنّه فيه عصب السّلمة، ولأعذّبنه تعذيب الظّلمة:
فان قلتم إنا ظلمنا فلم نكن ... بدأنا ولكنّا أسأنا التقاضيا
ولو أنه اقتصر على قصوره، وأنفق من ميسوره، وستر عواره، ولم يبد شواره، لطويته على غرّه، ولم أنبّه على عاره وعرّه، فان «من سلك الجدد أمن العثار» «٥» وسلم من سالم النقع المثار، ولكن كان «كالباحث عن حتفه بظلفه» «٦» فلحق
стр. 2219
بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
(الكهف: ١٠٣) وخطؤه في هذه القصيدة ينقسم قسمين: قسم فاته فيه أدب الدرس فيقسم أيضا قسمين قسم لفظي وقسم معنوي، فأما القسم اللفظي فانه ينقسم أيضا قسمين قسم لغويّ وقسم صناعي، فأما القسم اللغوي فانه كذا وكذا، لم يحتمل هذا المختصر ذكره.
وأنشدني لنفسه من قصيدة «١» :
ديباج وجهك بالعذار مطرّز ... برزت محاسنه وأنت مبرّز
وبدت على غصن الصبا لك روضة ... والغصن ينبت في الرياض ويغرز
وجنت على وجنات خدك حمرة ... خجل الشقيق بها وحار القرمز
لو كنت مدعيا نبوة يوسف ... لقضى القياس بأن حسنك معجز
وأنشدني لنفسه من قصيدة «٢» :
زهر الحسن فوق زهر الرياض ... منه للغصن حمرة في بياض
قد حمى ورده ونرجسه الغ ... ضّ سيوف من الجفون مواضي
فإذا ما اجتنيت باللحظ فاحذر ... ما جنت صحة العيون المراض
فلها في القلوب فتكة باغ ... رويت عنه فتكة البرّاض
وإذا فوّقت سهاما من الهد ... ب رمين السهام بالأغراض
واغتنم بهجة الزمان وبادر ... شمس أيامه الطوال العراض
بشموس الكؤوس تحت نجوم ... في طلوع من أفقها وانقضاض
واجل من جوهر الدنان عروسا ... نطقت عن جواهر الأعراض
كلما أبرزت أرتك لها وج ... هـ انبساط يعطيك وجه انقباض
فعلى الأفق للغمام ملاء ... طرّزتها البروق بالايماض
وكأن الرعود إرزام نوق ... فصلت دونها بنات المخاض
стр. 2220
أو صهيل الجياد للملك الظا ... هر تسري بالجحفل النهاض
وأنشدني لنفسه يهجو ابن النابلسي [الشاعر] «١» :
لا تعجبنّ لمدلوي ... هـ إذا بدا شبه المريض
قد ذاب من بخر بفي ... هـ بدا من الخلق البغيض
وتكسّرت أسنانه ... بالعضّ في جعس القريض
وتقطعت أنفاسه ... عرضا بتقطيع العروض
وأنشدني لنفسه يهجو ابن النابلسي المذكور «٢» :
يا من تأمل مدلوي ... هـ وشكّ فيما يسقمه
انظر إلى بخر بفي ... هـ وما أظنّك تفهمه
لا تحسبنّ بأنه ... نفس يغيره فمه
لكنما أنفاسه ... نتنت بشعر ينظمه
وأنشدنا لنفسه في ذي الحجة سنة عشرين وستمائة بحلب»
:
أرى بغضي على الجهلاء داء ... يموت ببعضه القلب العليل
فهم موتى النفوس بغير دفن ... وأحياء عزيزهم ذليل
يغطّون السماء بكلّ كفّ ... لها في الطول تقصير طويل
ويبدون الطلاقة من وجوه ... كما يبدو لك الحجر الصقيل
إذا قاموا لمجد أقعدتهم ... مسالك ما لهم فيها سبيل
وإن طلبوا الصعود فمستحيل ... وان لزموا النزول فما يزول
كذاك السّجل في الدولاب يعلو ... صعودا والصعود له نزول
وأنشدنا لنفسه بالتاريخ «٤» :
لنا صديق به انقباض ... ونحن بالبسط نستلذّ
стр. 2221
لا يعرف الفتح في يديه ... إلا إذا ما أتاه أخذ
فكفه «كيف» حين يعطي ... شيئا وبعد العطاء «منذ»
وأنشدني لنفسه أيضا «١» :
لا ترد من خيار دهرك خيرا ... فبعيد من السراب الشراب
رونق كالحباب يعلو على الكا ... س ولكن تحت الحباب الحباب
عذبت في النفاق ألسنة القو ... م وفي الألسن العذاب العذاب
وأنشدني لنفسه أيضا موشحة على طريقة المغاربة «٢» :
في زهرة وطيب ... بستاني من أوجه ملاح
أجلو على القضيب ... ريحاني والورد والاقاح
ما روضة الربيع ... في حلّة الكمال
تزهو على ربيع ... مرّت به الشمال
في الحسن كالبديع ... بالحسن والجمال
ناهيك من حبيب ... نشوان بالدلّ وهو صاح
إن قلت والهيبي ... حيّاني من ثغره براح
كم بتّ والكؤوس ... تجلى من الدنان
كأنها عروس ... زفّت من الجنان
تبدو لنا الشموس ... منها على البنان
لم أخش من رقيب ... ينهاني ألهو إلى الصباح
مع شادن ربيب ... فتان زندي له وشاح
خيل الصبا بركض ... تجري مع الغواه
في سنّتي وفرضي ... لا أبتغي سواه
стр. 2222
وحجتي لعرضي ... ما تنقل الرواه
عن عاقل لبيب ... أفتاني أنّ الهوى مباح
والرشف من شنيب ... ريان ما فيه من جناح
وأنشدني لنفسه موشحة «١» :
أي عنبريه في غلائل الغلس ... من زبرجديه تنبه «٢» النّفس
جادها الغمام ... فانتشى بها الزّهر
وابتدا الكمام ... أعينا بها سهر
وشدا الحمام ... حين صفّق النهر
وارتدت عشيّه كملابس العرس ... حللا سنيّه ما دنت من الدّنس
واملأ الكؤوسا ... فضة على الذهب
واجلها عروسا ... توّجت من الشهب
تطلع الشّموسا ... في سنا من اللهب
فلها مزيه في الدجى على القبس ... بحلى شهيّه كمحاسن الّلعس
يخبر سناها ... عن تطاير الشرر
فاز من جناها ... من قلائد الدّرر
فإذا تناهى ... في الخلائق الغرر
قلت ظهريه أظهرت لملتمس ... من علا أبيّه ما تنال بالخلس
وأنشدني لنفسه أيضا:
لا خير في أوجه صباح ... تسفر عن أنفس قباح
كالجرح يبنى على فساد ... بظاهر ظاهر الصلاح
فقل لمن ماله مصون ... أصبت في عرضك المباح
стр. 2223
وأنشدني أيضا لنفسه:
جدّ الصبا في أباطيل الهوى لعب ... وراحة اللهو في حكم النهى تعب
وأقرب الناس من مجد يؤثله ... من أبعدته مرامي العزم والطلب
وقادها كظلام الليل حاملة ... أهلّة طلعت من بينها الشهب
منقضّة من سماء النقع في أفق ... شيطانه بغمام الدرع محتجب
واسودّ وجه الضحى مما أشار به ... وأشرق الأبيضان الوجه والنسب
في موقف يسلب الأرواح سالبها ... حيث المواضي قواض والقنا سلب
لا يرهب المرء ما لم تبد سطوته ... لولا السنان استوى الخطيّ والقصب
إن النهوض إلى العلياء مكرمة ... لها التذاذان مشهود ومرتقب
والملك صنفان: محصول وملتمس ... والمجد نوعان: موروث ومكتسب
والناس ضدان: مرزوق ومحترم ... تحت الخمول ومغصوب ومغتصب
والطاهر النفس لا ترضيه مرتبة ... في الأرض إلا إذا انحطت لها الرتب
والفضل كسب فمن يقعد به نسب ... ينهض به الأفضلان العلم والحسب
لله درّ المساعي ما استدرّ بها ... خلف السيادة إلا أمكن الحلب
وحبذا همة في العزم ما انتدبت ... لمبهم الخطب إلا زالت الحجب
وموطنا يستفاد العزّ منه كما ... أفادت العزّ من سلطانها حلب
ومنها:
مؤيد الرأي والرايات قد ألفت ... ذوائب القوم من راياتها العذب
إن نازلوه وقد حقّ النزال فمن ... أنصاره الخاذلان الجبن والرعب
أو كاتبوه فخيل من كتائبه ... تجيب لا المخبران الرسل والكتب
مغاور ينهب الأعمار ذابله ... في غارة الحرب والأموال تنتهب
في جحفل قابلوا شمس النهار على ... مثل البحار بمثل الموج يضطرب
حتى كأنّ شعاع الشمس بينهم ... فوق الدّروع على غدرانها لهب
стр. 2224
ما أنكر الهام من أسيافه ظبة ... وإنما أنكرت أسيافه القرب
ما يدفع الخطب إلا كلّ مندفع ... في مدحه الأفصحان الشعر والخطب
ومن إذا ما انتمى في يوم مفتخر ... أطاعه العاصيان العجم والعرب
وأنشدني من قصيدة لنفسه أيضا:
أفي البان أن بان الخليط مخبّر ... عسى ما انطوى من عهد لمياء ينشر
نعم حركات في اعتدال سكونها ... أحاديث يرويها النسيم المعطر
يودّ ظلام الليل وهو ممسّك ... لذاذتها والصبح وهو مزعفر
أحاديث لو أن النجوم تمتعت ... بأسرارها لم تدر كيف تغوّر
يموت بها داء الهوى وهو قاتل ... ويحيا بها ميت الجوى وهو مقبر
فيا لنسيم صحّتي في اعتلاله ... وصحوي إذا ما مر بي وهو مسكر
كأن به مشمولة بابلية ... صفت وهي من غصن الشمائل تعصر
إذا نشأت مالت بلبك نشوة ... كما مال مهزوز يماح ويمطر
وقال يمدح الوزير جمال الدين القاضي الأكرم أبا الحسن علي بن يوسف بن ابراهيم الشيباني القفطي من صعيد مصر ويلتمس منه أن يرتبه في خدمة «١» :
يا سيدي قد رميت من زمني ... بحادث ضاق عنه محتملي
وأنت في رتبة إذا نظرت ... إليّ صار الزمان من قبلي
والنظم والنثر قد أجدتهما ... فيك فلا تترك الإجادة لي
فداك قوم إذا وقفت بهم ... رأيتني واقفا على طلل
تشغل أموالهم مساعيهم ... فهم عن المكرمات في شغل
تحمي حماها أعراضهم فإذا ... ماتت حماها سور من البخل
معاول الذمّ فيه عاملة ... إعمالها في مغائر الجبل
стр. 2225
نعلك تاج إذا رفعتهم ... لرأس حاف منهم ومنتعل
فاسمع حديثي فلي مغازلة ... تبثّ شكوى في موضع الغزل
قد كنت في راحة مكمّلة ... أحيي المعالي بميّت الأمل
أرفل في عزة القناعة في ... ذيل على النائبات منسدل
فعندما طالت البطالة بي ... وصار لي حاجة إلى العمل
قال أناس نبّه لها عمرا ... فقلت حسبي رأي الوزير علي
يعني عمر بن الوبار أحد حجاب أتابك طغرل شهاب الدين الخادم المستولي في أيامنا على حلب وقلعتها:
قد بتّ من وعده على ثقة ... أمنت في حليها من العطل
فالأكرم ابن الكرام لو سبقت ... وعوده بالشباب لم يحل
يفرّ من وعده المطال كما ... تفرّ آراؤه من الزلل
أخلاقه حلوة المذاق فلو ... شبهتها ما ارتضيت بالعسل
بمنطق لو سرت فصاحته ... في اللّكن لا ستعصمت من الخطل
تمجّ أخلاقه إذا كتبت ... ماء المنى من أسنة الأسل
وان سطت في ملمة نسيت ... صفّين منها ووقعة الجمل
تنظم درّا على الطروس كما ... ينظم درّ الحليّ في الحلل
مبيّن علمه لسائله ... مسائلا أشكلت على الأول
لكلّ علم في بابه علم ... يهدي إلى قبلة من القبل
أيّ جمال ما فيه أجمله ... على وجوه التفصيل والجمل
جلّ الذي أظهرت بدائعه ... منه معاني الرجال في رجل
стр. 2226
[٩٠٩]
القاسم بن محمد بن بشار الأنباري أبو محمد والد أبي بكر
محمد بن الأنباري: كان محدثا أخباريا ثقة صاحب عربية، أخذ عن سلمة بن عاصم وأبي عكرمة الضبي؛ مات سنة أربع وثلاثمائة غرة ذي القعدة، وقال ثابت بن سنان: مات في صفر سنة خمس وثلاثمائة، ومن خطه نقلت.
قال محمد بن إسحاق: وله من التصانيف: كتاب خلق الإنسان. كتاب خلق الفرس. كتاب الأمثال. كتاب المقصور والممدود. كتاب المذكر والمؤنث. كتاب غريب الحديث. كتاب شرح السبع الطوال، رواها أبو غالب ابن بشران عن علي بن كردان عن أبي بكر أحمد بن محمد بن الجراح الخراز عن أبي بكر عن أبيه.
ومما يروى لابن الأنباري هذا:
إني بأحكام النجوم مكذّب ... ولمدعيها لائم ومؤنّب
الغيب يعلمه المهيمن وحده ... وعن الخلائق أجمعين مغيّب
الله يعطي وهو يمنع قادرا ... فمن المنجم ويحه والكوكب
قرأت في «كتاب الفهرست» الذي تممه الوزير الكامل أبو القاسم المغربي ولم أجد هذا في النسخة التي بخطّ المصنف أو قد ذهب عن ذكري قال: ذكر أبو عمر الزاهد قال، أخبرني أبو محمد الأنباري قال: قدمت الى بغداد، ومحمد صغير، وليس لي دار، فبعث بي ثعلب إلى قوم يقال لهم بنو بدر فأعطوني شيئا لا يكفيني وذكروا «كتاب العين» فقلت: عندي كتاب العين، فقالوا لي: بكم تبيعه؟ فقلت:
بخمسين دينارا، فقالوا لي: قد أخذناه بما قلت إن قال ثعلب إنه للخليل، قلت، فإن لم يقل إنه للخليل بكم تأخذونه؟ قالوا: بعشرين دينارا، فأتيت أبا العباس من فوري فقلت له: يا سيدي هب لي خمسين دينارا، فقال لي: أنت مجنون، وهذا تأكيد، فقلت له: لست أريد من مالك، وحدثته الحديث، قال: فأكذب؟ قلت:
стр. 2227
حاشاك ولكن أنت أخبرتنا أن الخليل فرغ من باب العين ثم مات فاذا حضرنا بين يديك للحكومة ضع يدك على ما لا تشكّ فيه، فقال: تريد أن أنجش لك؟ قلت: نعم، قال: هاتهم فبكروا وسبقوني وحضرت فأخرجوا الكتاب وناولوه وقالوا: هذا للخليل أم لا؟ ففتح حتى توسّط باب العين وقال: هذا كلام الخليل ثلاثا، قال: فأخذت خمسين دينارا.
[٩١٠]
القاسم بن محمد الديمرتي أبو محمد الأصبهاني:
من قرية من قراها يقال لها ديمرت، روى عن إبراهيم بن متّويه الأصبهاني. وقال حمزة: أبو محمد القاسم الديمرتي لغوي نحوي عني في صغره بتصحيح كتب وقراءاتها ثم هو منتصب منذ أربعين سنة تقرأ عليه الكتب.
وحدث أبو نصر منصور بن أحمد بن محمد بن الشيرازي خازن كتب عضد الدولة ومعلم ولده صمصام الدولة وقاضي فارس وأعمالها قال: أنشدنا أبو محمد القاسم بن محمد الديمرتي لنفسه وقد سئل أن يجمع الشعراء العشرة:
الأصل أن تحكم شعر العشره ... أشعار قوم في زمان لم تره
أشعار بشر ولبيد وعدي ... نعم والاعشى وعبيد الأسدي
حتى إذا أحكمت شعر النابغة ... [............... ...............]
فابتد في شعر امرىء القيس ... فالفخر في ذاك وشعر أوس
وابتدر القوم وفيهم طرفه ... وكلّ ما قال زهير في صفه
قال المؤلف: وهذا شعر هذا العلامة كما ترى في غاية الركاكة والرداءة ولم يستطع تصريع البيت الذي فيه ذكر النابغة.
قال محمد بن إسحاق: وله من الكتب: كتاب تقويم الألسنة. كتاب العارض في الكامل. كتاب تفسير الحماسة. كتاب غريب الحديث. كتاب الابانة.
стр. 2228
قال حمزة: وله كتب كبار وصغار فمن كبار كتبه: كتاب الصفات. كتاب تفسير ضروب المنطق. كتاب سماه كتاب تهذيب الطبع يشتمل على قطعة كبيرة من نوادر اللغة.
ذكره أبو نعيم في «تاريخ أصبهان» فقال: القاسم بن محمد الديمرتي الأديب أبو محمد روى عن إبراهيم بن متويه وإسحاق بن جميل ومحمد بن سهل بن الصباح.
[٩١١]
القاسم بن محمد بن رمضان أبو الجود النحوي العجلاني:
كان في عصر أبي الفتح ابن جني وفي طبقته، وهو بصري. قال محمد بن إسحاق: وله من الكتب: كتاب المختصر للمتعلمين. كتاب المقصور والممدود. كتاب المذكر والمؤنث. كتاب الفرق.
[٩١٢]
القاسم بن محمد بن مباشر الواسطي أبو نصر النحوي:
لقي ببغداد أصحاب أبي علي، وتنقّل في البلاد حتى نزل مصر فاستوطنها فقرأ عليه أهلها، وأخذ عنه أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ وبه تخرّج وزوجه من أخته، وكان ابن بابشاذ يخدمه وبه انتفع، ومات بمصر.
وله من الكتب: كتاب شرح اللمع. كتاب في النحو، رتبه على أبواب الجمل وشرح من كلّ باب مسألة.
[٩١٣]
القاسم بن معن المسعودي:
هو أبو عبد الله القاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله ﷺ ابن غافل بن حبيب بن
стр. 2229
شمخ بن فار «١» بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، من أهل الكوفة، وكان فقيها على رأي أبي حنيفة ولقيه، وكان عالما ولي القضاء بالكوفة ومات سنة خمس وسبعين ومائة، خرج مع بعض أسباب الرشيد إلى الرّقة فمات في رأس عين.
وقال أحمد بن كامل القاضي: مات القاسم بن معن في سنة ثمان وثمانين ومائة.
قال المرزباني والأول أصحّ. وقال عبد الله بن جعفر: من علماء الكوفة بالعربية والفقه والشعر والأخبار والنسب القاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي صاحب رسول الله ﷺ وكان فقيها محدثا قاضيا، وله في اللغة: كتاب النوادر. كتاب غريب المصنف. وكتب في النحو ومذهب متروك. وكان الليث بن المظفر صاحب الخليل بن أحمد أحد من أخذ عنه النحو واللغة وروى عنه وأدخل في كتاب الخليل من علم القوم شيئا كثيرا فأفسد الكتاب بذلك، إلا أن القاسم من المحدّثين والفقهاء والزهاد والثقات، ولم يكن له بالكوفة في عصره نظير ولا أحد يخالفه في شيء يقوله، والفراء كثير الرواية عنه.
وحدث محمد بن سعد قال: القاسم بن معن يكنى أبا عبد الله، ولي قضاء الكوفة ولم يرزق عليه شيئا حتى مات، وكان عالما بالحديث والفقه والشعر والنسب وأيام الناس، وكان يقال له شعبيّ زمانه وكان ثقة سخيا.
وقال أحمد بن كامل: كان القاسم بن معن الهذلي قاضي الكوفة، وكان من أصحاب أبي حنيفة الأثبات في النقل، الرّفعاء في اللغة والفقه.
وحدث حماد بن إسحاق الموصلي قال: سمعت محمد بن كناسة قال، سمعت القاسم بن معن يقول: دخلت على عيسى بن موسى فقال لي: ما بعثت إليك إلا
стр. 2230
لخير، قال: فهان والله في عيني حتى جلست واحتبيت في مجلسه، فقال لي:
تحتبي في مجلسي؟! يا غلام حلّ حبوته، قال قلت: لا عدمت تقويم الأمير، قال:
بعثت إليك لأولّيك القضاء، قلت: لا أفعل، قال: إن أبيت ضربتك خمسة وسابعين سوطا. قال قلت: لا يجيء من بعد إلا سابعين، قال قلت: وإن لم أفعل فعلت؟
قال: نعم، قال قلت، فذا إليّ.
وحدث الهيثم بن عدي قال: استقضى المنصور على الكوفة بعد عبد الرحمن بن أبي ليلى شريك بن عبد الله النخعي فلم يزل قاضيا حتى كانت خلافة الرشيد فاستقضى نوح بن دراج.
وحدث المرزباني عن علي بن صالح عن القاسم بن معن قال: عدت خشافا في مرضه الذي مات فيه فقال لي: يا أبا عبد الله ما أشوقني إليك، ولو كان لي نهوض خرجت إليك، ولولا أن بيتي قد آلى فأكرس لأحببت أن تدخله (يريد بالموالاة البعر بعر الشاء، وأكرس من الكرس وهو السرجين، قال العجاج:
يا صاح هل تعرف رسما مكرسا
) وكان خشاف من علماء أهل الكوفة باللغة. وحدث عن سليمان بن أبي شيخ قال، قال ابن حبيبات الكوفي للقاسم بن معن المسعودي القاضي «١» :
يا أيها العادل الموفّق وال ... قاسم بين الأرامل الصّدقه
ماذا ترى في عجائز رزح ... أمسين يشكون قلة النفقه
ما إن لهنّ الغداة من نشب ... يعرف الا قطيفة خلقه
بنات تسعين قد خرفن فما ... يفصلن بين الشواء والمرقه
فهنّ لولا انتظارهن دنا ... نيرك قطّعن بعد في السرقه
قال فقال القاسم: العجب أنه يوجب علينا دنانير ولا يوجب دراهم، قال:
وأعطاه ثلاثة دنانير.
стр. 2231
[٩١٤]
قتادة بن دعامة السدوسي أبو الخطاب:
وكان أكمه ولد أعمى، وكان أبوه أعرابيا ولد بالبادية، وأمه سرّية من مولّدات الأعراب، وكان يقول بشيء من القدر ثم رجع عنه، ويقال أيضا إنه كان ذا علم في القرآن والحديث والفقه.
قال الأصمعي: وقتادة حاطب ليل من الطبقة الثالثة من النابغين «١» بالبصرة؛ مات بالبصرة سنة سبع عشرة ومائة في أيام هشام بن عبد الملك وأخذ القراءة عن الحسن البصري وابن سيرين.
عن التوزي عن أبي عبيدة قال: ما كنا نفقد في كلّ أيام راكبا من ناحية بني أمية ينيخ على باب قتادة يسأله عن خبر أو نسب أو شعر، وكان قتادة أجمع الناس.
ابن دريد عن عبد الرحمن عن عمه الأصمعي عن محمد بن سلام الجمحي عن عامر بن عبد الملك المسمعي قال: لقد كان الرجلان من بني مروان يختلفان في بيت شعر فيرسلان راكبا إلى قتادة يسأله، قال: ولقد قدم عليه رجل من عند بعض الخلفاء من بني مروان فقال لقتادة: من قتل عمرا وعامرا «٢» ؟ فقال: قتلهما جحدر بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة. قال فشخص بها ثم عاد إليه فقال: أجل قتلهما جحدر ولكن كيف قتلهما جميعا؟ فقال: اعتوراه فطعن هذا بالسنان وهذا بالزجّ فعادى «٣» بينهما.
стр. 2232
قال أبو يحيى الساجي حدثنا نصر بن علي الجهضمي مولاي عن خالد بن قيس قال، قال قتادة: ما نسيت شيئا قط، ثم قال: يا غلام ناولني نعلي، قال: نعلك في رجلك «١» .
[٩١٥]
قثم بن طلحة بن علي بن محمد بن علي
بن الحسن الزينبي أبو القاسم:
يعرف بابن الأتقى، وهو لقب أبيه طلحة. تولى قثم نقابة العباسيين مرتين: أولاهما في أيام المستضيء بأمر الله في سنة ست وستين وخمسمائة وعزل في ذي الحجة سنة ثمان وستين، والثانية في صفر سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة في أيام الناصر وعزل في سابع عشر ذي الحجة سنة تسعين، وولي بعد ذلك حجابة باب النوبي يوم الخميس خامس عشر ذي القعدة سنة ستمائة فوقعت فتنة ببغداد بين أهل باب الأزج والمأمونية، فركب ليسكّن الفتنة فلم تسكن فأخذ بيده حربة وحمل على إحدى الطائفتين ونادى يا لهاشم، وتداركه الشحنة حتى سكنت الفتنة، فعيب عليه وقيل أردت خرق الهيبة، لو ضربك أحد العوام فقتلك؟! فعزل عن حجبة الباب في ثالث عشر شهر رمضان سنة إحدى وستمائة ولم يستخدم بعد ذلك.
وكان فيه فضل وتميّز ومعرفة بالعلم وحرص عليه جدا خصوصا ما يتعلق بالأنساب والأخبار والأشعار، وجمع في ذلك جموعا بأيدي الناس، وكتب الكثير بخطه المليح، إلا أنّ خطّه لا يخلو من السقط مع ذلك. وسمع الحديث من أبي عبد الله الحسين بن عبد الرحمن الغزي وأبي بكر أحمد بن المقرب الكرخي وأبي الفتح محمد بن عبد الباقي بن سليمان وغيرهم، وسئل عن مولده فقال في سابع محرم سنة خمس وخمسين ومات في سادس رجب سنة سبع وستمائة.
стр. 2233
[٩١٦]
قدامة بن جعفر بن قدامة الكاتب
أبو الفرج: كان نصرانيا وأسلم على يد المكتفي بالله، وكان أحد البلغاء الفصحاء والفلاسفة الفضلاء وممن يشار إليه في علم المنطق، وكان أبوه جعفر ممن لا يفكّر فيه ولا علم عنده.
وذكر أبو الفرج ابن الجوزي في تاريخه: قدامة بن جعفر بن قدامة أبو الفرج الكاتب، له كتاب في الخراج وصناعة الكتابة، وقد سأل ثعلبا عن أشياء. مات في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة في أيام المطيع. وأنا لا أعتمد على ما تفرّد به ابن الجوزي لأنه عندي كثير التخليط، ولكنّ آخر ما علمنا من أمر قدامة أن أبا حيان ذكر أنه حضر مجلس الوزير الفضل بن جعفر بن الفرات وقت مناظرة أبي سعيد السيرافي ومتّى المنطقي في سنة عشرين وثلاثمائة «١» .
قال محمد بن إسحاق: وله من الكتب: كتاب الخراج تسع منازل كان ثمانية منازل فأضاف إليه تاسعا «٢» .
كتاب نقد الشعر «٣» . كتاب صابون الغم. كتاب صرف الهم. كتاب جلاء الحزن. كتاب درياق الفكر. كتاب السياسة. كتاب الردّ على ابن المعتز فيما عاب به أبا تمام. كتاب حشو حشاء الجليس. كتاب صناعة الجدل. كتاب الرسالة في أبي علي ابن مقلة وتعرف بالنجم الثاقب. كتاب نزهة القلوب وزاد المسافر. كتاب زهر الربيع في الأخبار.
стр. 2234
وبلغني عن بعض متعاطي علم الأدب أنه شرح «كتاب المقامات الحريرية» فقال عند قوله: «ولو أوتي بلاغة قدامة» أن قدامة بن جعفر كان كاتبا لبني بويه، وجهل في هذا القول، فان قدامة كان أقدم عهدا، أدرك زمن ثعلب والمبرد وأبي سعيد السكري وابن قتيبة وطبقتهم، والأدب يومئذ طريء، فقرأ واجتهد وبرع في صناعتي البلاغة والحساب، وقرأ صدرا صالحا من المنطق، وهو لائح على ديباجة تصانيفه وإن كان المنطق في ذلك العصر لم يتحرر تحريره الآن، واشتهر في زمانه بالبلاغة ونقد الشعر، وصنّف في ذلك كتبا منها «كتاب نقد الشعر» له، وقد تعرض ابن بشر الآمدي إلى الردّ عليه فيه، وله كتاب في الخراج رتبه مراتب وأتى فيه بكلّ ما يحتاج الكاتب إليه وهو من الكتب الحسان، إلى غير ذلك من الكتب. ولم يزل يتردد في أوساط الخدم الديوانية بدار السلام إلى سنة سبع وتسعين ومائتين، فإن الوزير أبا الحسن ابن الفرات لما توفي أخوه أبو عبد الله جعفر بن محمد بن الفرات في يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة سبع وتسعين ومائتين وكان أسنّ من أخيه أبي الحسن ابن محمد الوزير بثلاث سنين ردّ ما كان إليه من الديوان المعروف بمجلس الجماعة إلى ولده أبي الفتح الفضل بن جعفر وإليه ديوان المشرق، ثم ظهر له بعد ذلك اختلال من النواب فولّاه لولده أبي أحمد المحسّن، واستخلف المحسن عليه القاسم بن ثابت، وجعل قدامة بن جعفر يتولّى مجلس الزمام في هذا الديوان، وبانت عند ذلك صناعة المحسّن، وأثار من جهة العمال أموالا جليلة.
[٩١٧]
قعنب بن المحرّر الباهلي أبو عمرو
الرواية: من أهل البصرة المكثرين، وكان أبو هفان يتردد إليه فأخذ عنه ثم وجد عليه فهجاه.
حدث قعنب قال: دخلت على سعيد بن سلم الباهلي وهو يضحك، فسألته عن سبب ذلك فقال: جاءتني جارية ليست عندي كغيرها فغمزتني فانتشرت فقلت:
ادعي لي فلانة لجارية كنت أهواها، فقالت: لا والله، فقلت: ولم؟ قالت: لأنك
стр. 2235
تروي عن النبي ﷺ من أحيا أرضا مواتا فهي له، وقد أحييت أنا هذا فهو لي، فواقعتها وما كنت فعلت ذلك قبل وقربت من قلبي.
وحدت أبو العيناء قال: كان قعنب الباهلي قد تعشّق فتى من فتيان المهالبة، واتصل بأبيه وبخادم له، ثم نذر به فدعاه الفتى وقد جمع له عدة من المهالبة ومواليهم إلى بستان له، فأكلوا وشربوا ثم حملهم على قعنب فهتكوا ستره، فقال أبو العالية الشاميّ:
نبئت أنّ المرء قعنب ... دمرت «١» عليه بنو المهلب
بأسنة تدع الكم ... يّ وأنفه دام مترّب
فتجلّت الغمّى وك ... لّ سلاحهم بدم مخضّب
قال أبو العيناء: فحدث بهذا الحديث الأصمعي بحضرتي، فذهبت أذبّ عن قعنب تقرّبا إلى الأصمعي للباهلية بينهما، فقال الأصمعي: اسكت يا بنيّ فقد بلغني أنه لقي بكمر ككيزان الفقّاع عندها إرزاز.
وقال عبد الصمد بن المعذل في قعنب «٢» :
أراك الله يا ذلفاء ما قد ... لقيه قعنب يوم الهنيّه
غدا يبغي النكاح فعاد فيه ... أيور كالعصيّ مهلبيّه
تشقّق دبره ويقول هذا ... جزاء ذوي التلوّط بالنسيّه
وحدث عمر بن محمد الفقيه قال: سمعت محمد بن عثمان بن أبي شبيبة يقول: سمعت عمي القاسم بن أبي شبيبة يعاتب قعنب بن المحرر في شربه النبيذ ويقول له: قد كبرت وشخت فلو تركته، فقال له قعنب: يا أبا محمد لم تجد وقتا تعاتبني فيه إلا أيام الورد؟!
стр. 2236
[٩١٨]
قنبل بن عبد الرحمن بن محمد بن خالد
بن سعيد بن جرجة المكي: قال أبو علي الأهوازي، سمعت أبا عبد الله محمد بن أحمد العجلي المقرىء بالبصرة يقول:
هو أبو عمر قنبل بن عبد الرحمن، وقنبل لقب غلب عليه، وإنما سمّي بذلك لأنه كان يستعمل دواء يقال له قنبيل يسقى للبقر معروف عند العطارين لمرض كان به فسمي بذلك. وقيل بل هو من قوم يقال لهم القنابلة من أهل مكة، ولو كان كذلك لقيل له قنبلي. مات في سنة احدى وتسعين ومائتين في أيام المكتفي عن ست وتسعين سنة لأن مولده في سنة خمس وتسعين ومائة في أيام الأمين، وكان قد قطع الاقراء قبل موته بعشر سنين. قرأ على عبد الله بن كثير وكان من جلة أصحابه ومن جهته انتشرت قراءته، وكان قنبل يلي الشرطة بمكة وكان لا يليها إلا أهل العلم والفضل لتقوم بواجباتها، وكان ابن مجاهد يزعم أنه قرأ عليه، وكان ابن شنبوذ يدفع ذلك، وكان ابن مجاهد يقول: قرأت على قنبل ولا يقول قرأت القرآن من أوله إلى آخره عليه.
حدث ابن طرّادة الحلواني قال: سألت أبا الحسين ابن المنادي وقلت له: إن ابن مجاهد يزعم أنه قرأ على قنبل وابن شنبوذ في سنة واحدة، في سنة تسع وسبعين ومائتين [فقال: كنا] نحن على نية القراءة على قنبل فوجدناه قد اختل واضطرب وخلط في القراءات، فأما أنا فلم أقرأ عليه ولا حرفا واحدا، وأما ابن مجاهد فانه قرأ عليه بعض القرآن فخلّط عليه فترك القراءة، وأخرج له تعليق ابن عون الواسطي عنه وكان معه فقرأه عليه إلى آخره. وأما ابن شنبوذ فانه جاور سنتين بمكة وقرأ عليه ختمتين، فقول ابن مجاهد قرأت عليه يصدق، يعني بعض القرآن، وقول ابن شنبوذ لم يقرأ عليه يصدق، يعني القرآن كله لم يقرأه عليه.
стр. 2237
حرف الكاف
[٩١٩]
كامل بن الفتح بن ثابت بن سابور ،
أبو تمام الضرير: من أهل بادرايا، سكن بغداد، وكان أديبا فاضلا ذكيا جدا، قرأ فنون العلم وحفظ الأشعار والأخبار وأخذ أهل الأدب ببغداد عنه علما كثيرا، وكان متهما في دينه. مات سنة ست وتسعين وخمسمائة وكان يسكن باب الأزج، وصاهر بني زهمويه الكتّاب، وله ترسل وشعر، وقد سمع شيئا من الحديث من أبي الفتح علي بن علي بن زهمويه، وقيل إنه كان يدخل على الناصر ويحاضره ويخلو معه وانه علّمه علم الأوائل وهوّن عليه علم الشرائع والله أعلم، ومن شعره:
وفي الأوانس من بغداد آنسة ... لها من القلب ما تهوى وتختار
ساومتها نفثة من ريقها بدمي ... وليس إلا خفيّ الطرف سمسار
عند العذول اعتراضات ولائمة ... وعند قلبي جوابات وأعذار
[٩٢٠]
كلاب بن حمزة العقيلي أبو الهيذام اللغوي:
قال محمد بن إسحاق النديم:
هو من أهل حران أقام بالبادية، وقيل إنه كان معلما ودخل الحضرة أيام القاسم بن
стр. 2238
عبيد الله بن سليمان ومدحه، وكان عالما بالشعر، وخطّه معروف، وخلط المذهبين، وكان أبو الحسين محمد بن محمد بن لنكك البصري الشاعر مولعا بهجوه، وكان أبو الهيذام قد ورد البصرة، فمن قول ابن لنكك فيه:
نفسي تقيك أبا الهيذام كلّ أذى ... إني بكلّ الذي ترضاه لي راضي
ما بال جعسك مركوما على ذكري ... يا أكرم الناس من باق ومن ماضي
ما كان أيري فقيها إذ ظفرت به ... فكيف ألبسته دنيّة القاضي
ووجدت بخط أبي أحمد عبد السلام بن الحسين البصري اللغوي ما صورته:
مسطح أصدر عكلا وله ... ضغث تشجذ قيظ بن فخز
هذا البيت لأبي الهيذام كلاب بن حمزة العقيلي جمع فيه حروف المعجم فجعل ما لا ينقط في الصدر وما ينقط في العجز، أنشدنيه جماعة من أهل العلم منهم أبو الحسن علي بن الحسين الآمدي النحوي ﵀.
وذكره المرزباني في «كتاب المعجم» فقال: أبو الهيذام كلاب بن حمزة العقيلي محدث، وهو القائل يرثي أبا أحمد يحيى بن علي المنجم ومات سنة ثلاثمائة من قصيدة:
لقد عاش يحيى وهو محمود عيشة ... ومات فقيدا «١» واحد العلم والجود
فان كان صرف الدهر خلّى كنوزه ... وأفقدنا منه بأنفس مفقود
فما زال حكم البيض والسود نافذا ... بحكم الردى في أنفس البيض والسود
فللثكل ترجي حملها كلّ حامل ... وللموت يغذو والد كلّ مولود
قال محمد بن إسحاق النديم: وله من الكتب: كتاب جامع النحو. كتاب الأراكة. كتاب ما يلحن فيه العامة.
وأنشد الخالدي في «كتاب الديرة» لأبي الهيذام:
سقيا لحران إنه بلد ... أصبح للهو وهو مضمار
стр. 2239
بقيعة سجسج تخرّقها ... ومن حواشي الرياض أنهار
يشرع فيه من الصنوبر وال ... عرعر والزورفين أشجار «١»
في يوم باعوثهم وقد نشروا ال ... صلبان والمسلمون نظّار
فمن مهاة هناك هبّلة «٢» ... ومن غزال عليه زنار
أزحم هذا وتلك تزحمني ... وفي الحشا والفواد إسعار
فعارضتني هناك شاطرة ... منهم بها في الذراع أسوار
تقول لي والدلال يصرعها ... أنحن يا مسلمون كفار
فقلت يا غايتي ويا أملي ... بل أنتم المؤمنون أخيار
أطلب منها بذاك تقربة ... والشعراء الخبّاث فجار
فرقّ لي قلبها وملت بها ... في دير زكى ونعمت الدار
تقول لي عند وقت منصرفي ... إنك من بعدها لغدار
حللت عقد الأمان منك لنا ... فما لعقد لديك إمرار
لا أنس يومي من الفتاة لدى ... الديرين والمشركون حضّار
فقلت قد كان ذاك عن خطأ ... لا قود عندنا ولا ثار
أستغفر الله ثم أسأله ال ... تّوب فلي بالذنوب إقرار
قرأت في جزازة عتيقة أملاها أبو الهيذام كلاب بن حمزة العقيلي ما صورته: قال أبو الهيذام: كتبت إلى أبي الحسن محمد بن عبد الوهاب الزينبي الهاشمي بالبصرة بما توهّم أنه مديح له وهو:
اسلم على الدهر يا أبا حسن ... وعش على ما تودّ ألف سنه
فأنت عندي حليف ضدّ سوى ... غير حليف الشمائل الحسنه
وأنت سلم لحرب سلم عدى ... حرب عداة اللئام والخونه
يعجب منك الكرام أعجب ما ... يدعو به الله عاقل فتنه
стр. 2240
فهو يرى فرقة الفراق لما ... يخشى من الخير غاية الأمنه
إذا بنور الهدى توسّم إع ... راض معاريض دهره الدّرنه
كم سائل عنك يا محمد لا ... يأذن خلق لجابتي اذنه
ألقيت في روعه جواب فتى ... لو غبن الدهر عاقلا غبنه
إن قلت شروى أبي حسن ... للعرض بالمال أصون الصّونه
سنته غرّة وناصية ... للزينبيين فاجتنب سننه
لا سيما وهو قلقل ذهن ... يهرب من رجم ذهنه الشطنه
قد كان بالأمس قال لي وجرى ... ذكر شقيّ حرمته وسنه
بعدا وسحقا لمن يشرّف بالم ... دح ولم يعط شاعرا ثمنه
وكيف تحتال فيه إن خزن الن ... ذل وأعطاك خازنا رسنه
فقلت أبدى بكلّ سيئة ... من مدحه في هجائه حسنه
لعل ربّ العباد يغفر بالع ... فو أباطيل مدحه اللحنه
كقاتل الصيد وهو في حرم الل ... هـ يجازي الحمار بالبدنه
والثور بالثور والغزالة بال ... شاة وجفرا بالأرنب الأرنه
أليس هذا الجزاء أثقل إذ ... أحضر للوزن والحساب زنه
ولا تطع في السماح متّهما ... أخلاقه بالسّفال ممتحنه
فأنت من أسرة مفضّلة ... على كرام الأخلاق مؤتمنه
والزينبيون معشر زهر ... لا سرّ يلفى وهم له خزنه
غير سوى ضدّ غير غيرهم ... أيديهم بالسماح مرتهنه
فلا تضع يا ابن خيرهم أملي ... فيك فعقبى الفعال مختزنه
стр. 2241
[٩٢١]
بنت الكنيري:
حدث أبو نصر قال: ومن طريف ما شاهدته أنا أنه كان في الجانب الشرقيّ بمدينة السلام امرأة تعرف ببنت الكنيري، وكانت نهاية في الفضل ولها أخ غاية في الجهل، وكانت حسنة المعرفة بالنحو واللغة ولها تصانيف فيهما تعرف بها، واختصما في ميراث والدهما فطال التنازع بينهما وحضرا يوما مجلس والدي، وزاد الكلام بينهما ونقص، فاغتاظ والدي من تفيهقها وحوشيّ كلامها ومن سقطه وعاميته في مناقضتها، ففطنت لذلك فقالت: أغاظ سيدنا الشيخ، أيده الله، ما يرى مني ومن هذا الأخ أصلحه الله؟ قال: كلا إن شاء الله، ولكن جرّدي الدعوى فإنه أقرب للانجاز، فقالت: لي- أيد الله الشيخ- في ذمته اثنان وعشرون دينارا مطيعية سلامية، فقال له: ما الذي تقول؟ فقال: أما لها عندي اثنان، وسكت ورام أن يقول مثلما قالت فلم يقدر، فقال: بالله يا سيدي كيف قالت فقد والله صدعتنا، فقال له:
فضولك، قل كما تحسن، وضحك أهل المجلس وصار طنزا واندفعت الخصومة ذلك اليوم.
[٩٢٢]
كلثوم بن عمرو العتابي الشاعر:
قد ذكرنا أخباره مستوفاة في كتابنا «أخبار الشعراء» ، وأما نسبه فهو كلثوم بن عمرو بن أيوب بن عبيد بن حبيش بن أوس بن مسعود بن عبد الله بن عمرو الشاعر بن كلثوم بن مالك بن عتاب بن سعد بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل، وعمرو بن كلثوم المذكور في أجداده هو شاعر السبع الطوال، وكنية العتابي أبو عمرو، وأصله من الشام من أرض
стр. 2242
قنسرين، صحب البرامكة ثم صحب طاهر بن الحسين وعلي بن هشام القائدين.
وكان حسن الاعتذار في رسائله وشعره يشبّه في المحدثين بالنابغة في الجاهلية، فمن ذلك قوله في جعفر بن يحيى وقد كان بلغ الرشيد عنه ما أهدر به دمه فخلصه جعفر فقال فيه «١» :
ما زلت في غمرات الموت مطّرحا ... يضيق عني فسيح الرأي من حيلي
فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لي ... حتى اختلست حياتي من يدي أجلي
قال محمد بن إسحاق النديم: وكان العتابي أديبا مصنفا وله من الكتب: كتاب المنطق. كتاب الآداب. كتاب فنون الحكم. كتاب الخيل لطيف. كتاب الألفاظ رواه أبو عمر الزاهد عن المبرد عنه.
قال العتابي «٢» : وقفت بباب المأمون أنتظر من يستأذن لي عليه، فإذا أنا بيحيى بن أكثم، فقلت: استأذن لي على أمير المؤمنين، قال: لست بحاجب، قلت: صدقت ولكنك ذو فضل وذو الفضل معوان، قال: سلكت بي غير سبيلي، قلت: إن الله أتحفك بجاه وهو عليك مقبل بالزيادة إن شكرت وبالتغيير إن كفرت، وأنا لنفسك خير منك لها أدعوك إلى زيادة النعمة وبقائها عليك فتأباها، فدخل على المأمون وحكى له ما جرى بيني وبينه فاستحسنه وأذن لي.
قال جحظة في «أماليه» «٣» : كلم العتابي يحيى بن خالد في حاجة له كلمات قليلة، فقال له يحيى: لقد نزر كلامك اليوم وقلّ، فقال له: وكيف لا يقلّ وقد تكنفني ذلّ المسألة وحيرة الطلب وخوف الرد، فقال له يحيى: لئن قلّ كلامك لقد كثرت فوائده.
وقال في «أماليه» قال العتابي: لو سكت من لا يعلم عما لا يعلم سقط الاختلاف.
ومن شعره «٤» :
ولو كان يستغني عن الشكر ماجد ... لعزة ملك أو علوّ مكان
стр. 2243
لما أمر الله العباد بشكره ... فقال اشكروا لي أيها الثقلان
قال الحسن بن وهب: بلغ العتابيّ أن عمرو بن مسعدة ذكره عند المأمون بسوء فقال «١» :
قد كنت أرجو أن تكون نصيري ... وعلى الذي يبغي عليّ ظهيري
وطفقت آمل ما يرجّى سيبه ... حتى رأيت تعلقي بغرور
فحضرت قبرك ثم قلت دفنته ... ونفضت كفّي من ثرى المقبور
ورجعت مفتريا على الأمل الذي ... قد كان يشهد لي عليك بزور
فبلغ الشعر عمرا فركب من وقته إلى العتابي في موكبه حتى اعتذر إليه.
قال مالك بن طوق للعتابي «٢» : أما ترى عشيرتك- يعني بني تغلب- كيف تدلّ عليّ وتستطيل وأنا أصبر؟ فقال العتابي: أيها الأمير إن عشيرتك من أحسن عشرتك، وانّ ابن عمّك من عمّك خيره، وإن قريبك من قرب منك نفعه، وإن أحبّ الناس إليك من كان أخفّهم ثقلا عليك، وأنشده:
إني بلوت الناس في حالاتهم ... وخبرت ما وصلوا من الأنساب
فإذا القرابة لا تقرّب قاطعا ... وإذا المودة أوكد الأسباب
وقيل للعتابي: لو تزوجت، فقال: إني وجدت مكابدة العفة خيرا من الاحتيال لمصلحة العيال.
وما أحسن قول العتابيّ وأحكمه «٣» :
لوم يعيذك من سوء تقارفه ... أبقى لعرضك من قول يداجيكا
وقد رمى بك في تيهاء مهلكة ... من بات يكتمك العيب الذي فيكا
ومن منثور كلامه: أما بعد فإنه ما من مستخلص غضارة عيش إلا من خلال مكروه، ومن انتظر بمعاجلة الدّرك مواجلة الاستقصاء سلبته الأيام فرصتها.
стр. 2244
وكتب إلى آخر: من اجتمع فيه من خلال الفضل ما اجتمع فيك، وانحاز إلى نواحيك، لم يخش المطنب في الثناء عليك أن يكون مفرطا كما لا يأمن أن يكون مفرّطا، فالاعتراف بالعجز عن بلوغ استحقاقك، من التقريظ أولى من الاطناب الذي غايته التقصير ومآله إلى الحشو.
[٩٢٣]
كيسان بن المعرف النحوي أبو سليمان الهجيمي
قالوا: كان يخرج معنا إلى الأعراب فينشدونا، فيكتب في ألواحه غير ما «١» ينشدونا، وينقل من ألواحه إلى الدفاتر غير ما فيها، ثم يحفظ من الدفاتر غير ما نقله إليها، ثم يحدّث بغير ما حفظ.
وذكر أبو الطيب في «كتاب مراتب النحويين» عن الأصمعيّ قال: كيسان ثقة ليس بمتزيد، وقد أخذ عن الخليل.
وحدث أبو العيناء قال، قال كيسان لخلف الأحمر: يا أبا محرز المخبّل كان شاعرا أو من بني ضبة؟ فقال: يا مجنون صحّح المسألة حتى يصحّ الجواب.
وحدث أبو حاتم قال: قال أبو زيد يوما في مجلسه، وكانت العرب تقول: ليس لحاقن رأي، فقال كيسان: ولا لمنعظ، فقال أبو زيد: ما سمعناه ولكن اكتبوه فإنه حق.
وكان كيسان من الطياب المزاحين، قال أبو زيد: جاء صبي إلى كيسان يقرأ عليه شعرا حتى مرّ ببيت فيه ذكر العيس، قال: الابل البيض التي «٢» يخلط بياضها حمرة، قال: وما الابل؟ قال: الجمال، قال: وما الجمال؟ فقام على أربع ورغا في المسجد وقال: الذي تراه طويل الرقبة وهو يقول بوع.
стр. 2245
وحدث المبرد عن التوزي قال: حبس عيسى بن سليمان الهاشمي كيسان، وكان أحد الطيّاب، وكان أبو عبيدة يعبث به كثيرا، فشفع فيه أبو عبيدة إلى الأمير فأمر بإخراجه فقال للجلاوزة: من أخرجني؟ قالوا: تكلّم فيك شيخ مخضوب، فقال:
أمه زانية إن برح من الحبس، أحبيس ظلم وطليق ذلّ، لا يكون ذلك أبدا.
وقرأت في «كتاب التصحيف» لحمزة الأصبهاني، قال الرياشي «١» : سمعت كيسان يقول: كنت على باب أبي عمرو بن العلاء، فجاء أبو عبيدة فجعل ينشد شعرا لأبي شجرة، وهو قوله:
ضنّ علينا أبو عمرو بنائله ... وكلّ مختبط يوما له ورق
ما زلت يضربني حتى جذبت له ... وحال من دون بعض البغية الشفق
فقلت: جذبت جذبت، وضحكت، فغضب وقال: كيف هو؟ فقلت: إنما هو خذيت، فانخزل وما أحار جوابا (خذيت من قولك خذي البازي إذا ثبت على يد البازيار) .
قال أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش، حدثني أبو العباس ثعلب: قرأ بعض أصحاب الأصمعي عليه شعر النابغة الجعدي حتى انتهى إلى قوله:
إنك أنت المحزون في أثر الح ... يّ فإن تنو نيّهم تقم
قال الأصمعي: معناه وإن تنو نيّهم تقم صدور الإبل وتظعن نحوهم، كما قال الآخر.
أقم لها صدورها يا بسبس
فقال كيسان: كذبت، أما إنك قد سمعت من أبي عمرو بن العلاء ولكن أنسيت، إنما أراد أنهم قد نووا فراقك فذهبوا وتركوك فإن تنو لهم مثل ما نووا فيك من القطيعة تقم في دارك ومكانك ولا ترحل نحوهم ولا تطلبهم كما قال الآخر:
إذا اختلجت عنك النوى ذا مودّة ... قربن بقطّاع من البين ذا شعب