← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

[٩٢١] بنت الكنيري: حدث أبو نصر قال: ومن طريف ما شاهدته أنا أنه كان في الجانب الشرقيّ بمدينة السلام امرأة تعرف ببنت الكنيري، وكانت نهاية في الفضل ولها أخ غاية في الجهل، وكانت حسنة المعرفة بالنحو واللغة ولها تصانيف فيهما تعرف بها، واختصما في ميراث والدهما فطال التنازع بينهما وحضرا يوما مجلس والدي، وزاد الكلام بينهما ونقص، فاغتاظ والدي من تفيهقها وحوشيّ كلامها ومن سقطه وعاميته في مناقضتها، ففطنت لذلك فقالت: أغاظ سيدنا الشيخ، أيده الله، ما يرى مني ومن هذا الأخ أصلحه الله؟ قال: كلا إن شاء الله، ولكن جرّدي الدعوى فإنه أقرب للانجاز، فقالت: لي- أيد الله الشيخ- في ذمته اثنان وعشرون دينارا مطيعية سلامية، فقال له: ما الذي تقول؟ فقال: أما لها عندي اثنان، وسكت ورام أن يقول مثلما قالت فلم يقدر، فقال: بالله يا سيدي كيف قالت فقد والله صدعتنا، فقال له: فضولك، قل كما تحسن، وضحك أهل المجلس وصار طنزا واندفعت الخصومة ذلك اليوم. [٩٢٢] كلثوم بن عمرو العتابي الشاعر: قد ذكرنا أخباره مستوفاة في كتابنا «أخبار الشعراء» ، وأما نسبه فهو كلثوم بن عمرو بن أيوب بن عبيد بن حبيش بن أوس بن مسعود بن عبد الله بن عمرو الشاعر بن كلثوم بن مالك بن عتاب بن سعد بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل، وعمرو بن كلثوم المذكور في أجداده هو شاعر السبع الطوال، وكنية العتابي أبو عمرو، وأصله من الشام من أرض

стр. 2242

قنسرين، صحب البرامكة ثم صحب طاهر بن الحسين وعلي بن هشام القائدين. وكان حسن الاعتذار في رسائله وشعره يشبّه في المحدثين بالنابغة في الجاهلية، فمن ذلك قوله في جعفر بن يحيى وقد كان بلغ الرشيد عنه ما أهدر به دمه فخلصه جعفر فقال فيه «١» : ما زلت في غمرات الموت مطّرحا ... يضيق عني فسيح الرأي من حيلي فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لي ... حتى اختلست حياتي من يدي أجلي قال محمد بن إسحاق النديم: وكان العتابي أديبا مصنفا وله من الكتب: كتاب المنطق. كتاب الآداب. كتاب فنون الحكم. كتاب الخيل لطيف. كتاب الألفاظ رواه أبو عمر الزاهد عن المبرد عنه. قال العتابي «٢» : وقفت بباب المأمون أنتظر من يستأذن لي عليه، فإذا أنا بيحيى بن أكثم، فقلت: استأذن لي على أمير المؤمنين، قال: لست بحاجب، قلت: صدقت ولكنك ذو فضل وذو الفضل معوان، قال: سلكت بي غير سبيلي، قلت: إن الله أتحفك بجاه وهو عليك مقبل بالزيادة إن شكرت وبالتغيير إن كفرت، وأنا لنفسك خير منك لها أدعوك إلى زيادة النعمة وبقائها عليك فتأباها، فدخل على المأمون وحكى له ما جرى بيني وبينه فاستحسنه وأذن لي. قال جحظة في «أماليه» «٣» : كلم العتابي يحيى بن خالد في حاجة له كلمات قليلة، فقال له يحيى: لقد نزر كلامك اليوم وقلّ، فقال له: وكيف لا يقلّ وقد تكنفني ذلّ المسألة وحيرة الطلب وخوف الرد، فقال له يحيى: لئن قلّ كلامك لقد كثرت فوائده. وقال في «أماليه» قال العتابي: لو سكت من لا يعلم عما لا يعلم سقط الاختلاف. ومن شعره «٤» : ولو كان يستغني عن الشكر ماجد ... لعزة ملك أو علوّ مكان

стр. 2243

لما أمر الله العباد بشكره ... فقال اشكروا لي أيها الثقلان قال الحسن بن وهب: بلغ العتابيّ أن عمرو بن مسعدة ذكره عند المأمون بسوء فقال «١» : قد كنت أرجو أن تكون نصيري ... وعلى الذي يبغي عليّ ظهيري وطفقت آمل ما يرجّى سيبه ... حتى رأيت تعلقي بغرور فحضرت قبرك ثم قلت دفنته ... ونفضت كفّي من ثرى المقبور ورجعت مفتريا على الأمل الذي ... قد كان يشهد لي عليك بزور فبلغ الشعر عمرا فركب من وقته إلى العتابي في موكبه حتى اعتذر إليه. قال مالك بن طوق للعتابي «٢» : أما ترى عشيرتك- يعني بني تغلب- كيف تدلّ عليّ وتستطيل وأنا أصبر؟ فقال العتابي: أيها الأمير إن عشيرتك من أحسن عشرتك، وانّ ابن عمّك من عمّك خيره، وإن قريبك من قرب منك نفعه، وإن أحبّ الناس إليك من كان أخفّهم ثقلا عليك، وأنشده: إني بلوت الناس في حالاتهم ... وخبرت ما وصلوا من الأنساب فإذا القرابة لا تقرّب قاطعا ... وإذا المودة أوكد الأسباب وقيل للعتابي: لو تزوجت، فقال: إني وجدت مكابدة العفة خيرا من الاحتيال لمصلحة العيال. وما أحسن قول العتابيّ وأحكمه «٣» : لوم يعيذك من سوء تقارفه ... أبقى لعرضك من قول يداجيكا وقد رمى بك في تيهاء مهلكة ... من بات يكتمك العيب الذي فيكا ومن منثور كلامه: أما بعد فإنه ما من مستخلص غضارة عيش إلا من خلال مكروه، ومن انتظر بمعاجلة الدّرك مواجلة الاستقصاء سلبته الأيام فرصتها.

стр. 2244

وكتب إلى آخر: من اجتمع فيه من خلال الفضل ما اجتمع فيك، وانحاز إلى نواحيك، لم يخش المطنب في الثناء عليك أن يكون مفرطا كما لا يأمن أن يكون مفرّطا، فالاعتراف بالعجز عن بلوغ استحقاقك، من التقريظ أولى من الاطناب الذي غايته التقصير ومآله إلى الحشو. [٩٢٣] كيسان بن المعرف النحوي أبو سليمان الهجيمي قالوا: كان يخرج معنا إلى الأعراب فينشدونا، فيكتب في ألواحه غير ما «١» ينشدونا، وينقل من ألواحه إلى الدفاتر غير ما فيها، ثم يحفظ من الدفاتر غير ما نقله إليها، ثم يحدّث بغير ما حفظ. وذكر أبو الطيب في «كتاب مراتب النحويين» عن الأصمعيّ قال: كيسان ثقة ليس بمتزيد، وقد أخذ عن الخليل. وحدث أبو العيناء قال، قال كيسان لخلف الأحمر: يا أبا محرز المخبّل كان شاعرا أو من بني ضبة؟ فقال: يا مجنون صحّح المسألة حتى يصحّ الجواب. وحدث أبو حاتم قال: قال أبو زيد يوما في مجلسه، وكانت العرب تقول: ليس لحاقن رأي، فقال كيسان: ولا لمنعظ، فقال أبو زيد: ما سمعناه ولكن اكتبوه فإنه حق. وكان كيسان من الطياب المزاحين، قال أبو زيد: جاء صبي إلى كيسان يقرأ عليه شعرا حتى مرّ ببيت فيه ذكر العيس، قال: الابل البيض التي «٢» يخلط بياضها حمرة، قال: وما الابل؟ قال: الجمال، قال: وما الجمال؟ فقام على أربع ورغا في المسجد وقال: الذي تراه طويل الرقبة وهو يقول بوع.

стр. 2245

وحدث المبرد عن التوزي قال: حبس عيسى بن سليمان الهاشمي كيسان، وكان أحد الطيّاب، وكان أبو عبيدة يعبث به كثيرا، فشفع فيه أبو عبيدة إلى الأمير فأمر بإخراجه فقال للجلاوزة: من أخرجني؟ قالوا: تكلّم فيك شيخ مخضوب، فقال: أمه زانية إن برح من الحبس، أحبيس ظلم وطليق ذلّ، لا يكون ذلك أبدا. وقرأت في «كتاب التصحيف» لحمزة الأصبهاني، قال الرياشي «١» : سمعت كيسان يقول: كنت على باب أبي عمرو بن العلاء، فجاء أبو عبيدة فجعل ينشد شعرا لأبي شجرة، وهو قوله: ضنّ علينا أبو عمرو بنائله ... وكلّ مختبط يوما له ورق ما زلت يضربني حتى جذبت له ... وحال من دون بعض البغية الشفق فقلت: جذبت جذبت، وضحكت، فغضب وقال: كيف هو؟ فقلت: إنما هو خذيت، فانخزل وما أحار جوابا (خذيت من قولك خذي البازي إذا ثبت على يد البازيار) . قال أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش، حدثني أبو العباس ثعلب: قرأ بعض أصحاب الأصمعي عليه شعر النابغة الجعدي حتى انتهى إلى قوله: إنك أنت المحزون في أثر الح ... يّ فإن تنو نيّهم تقم قال الأصمعي: معناه وإن تنو نيّهم تقم صدور الإبل وتظعن نحوهم، كما قال الآخر. أقم لها صدورها يا بسبس فقال كيسان: كذبت، أما إنك قد سمعت من أبي عمرو بن العلاء ولكن أنسيت، إنما أراد أنهم قد نووا فراقك فذهبوا وتركوك فإن تنو لهم مثل ما نووا فيك من القطيعة تقم في دارك ومكانك ولا ترحل نحوهم ولا تطلبهم كما قال الآخر: إذا اختلجت عنك النوى ذا مودّة ... قربن بقطّاع من البين ذا شعب

стр. 2246

أذاقتك مرّ العيش أو متّ حسرة ... كما مات مسقيّ الضّياح على ألب «١» ألب يألب ولاب يلوب واحد. يقول: إذا باعدت بيني وبين من أحبّ قربن- يعني ابلي- قربت إلى منزلي ووطني ومياهي ولم أتبع من فارقني لأني صبور على الفراق جلد متعود لذلك، فقطّاع يعني نفسه هو القطاع لأني أقطع من قطعني، وأذاقتك من تحبّ وهي التي فارقتها فأنت وإن كنت كذا وعلى هذه الحال فأنت صبور قويّ على القطع. وكما قال الراعي «٢» : وإلف صبرت النفس عنه وقد أرى ... غداة فراق الحيّ ألا تلاقيا وقد قادني الجيران حينا وقدتهم ... وفارقت حتى ما تحنّ جماليا [٩٢٤] الكيّس النمريّ النسّاب: الكيس لقب، واسمه زيد بن الحارث بن حارثة بن هلال بن ربيعة بن زيد مناة بن عوف بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعميّ بن جديلة؛ فعوف بن سعد بن الخزرج هو أخو عامر الضحيان، هذا قول الكلبي. وقال غيره: اسم الكيس زيد بن حارثة بن زيد مناة بن تميم بن هلال بن ربيعة بن زيد مناة بن عامر الضحيان رهط نتلة بنت جناب بن كليب بن مالك بن عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر الضحيان، ولدت لعبد المطلب العباس ومرار ابني عبد المطلب؛ قال مسكين الدارمي يخاطب عبد الرحمن بن حسان بن ثابت مفتخرا «٣» :

стр. 2247

وحكّم دغفلا وارحل إليه ... ولا تدع المطيّ من الكلال وعند الكيّس النمريّ علم ... ولو أمسى بمنخرق الشمال وقيل مصعب بن الكيس هو النساب وكان يعدل بدغفل؛ قال الكميت «١» : وما ابن الكيس النمري منكم ... وما أنتم هناك بدغفلينا وقيل الكيس هو مالك بن شراحيل بن زيد بن الحارث بن حارثة بن هلال كلهم ينسب من عبيد إلى الكيس، يعني كلهم نسّاب يعلم النسب.

стр. 2248

حرف اللام [٩٢٥] لقيط بن بكير المحاربي: قال ابن حبيب في «كتاب جمهرة النسب» التي رواها عن ابن الكلبي وغيره: ومنهم يعني بني محارب بن خصفة بن قيس بن عيلان: عائد بن سعيد بن جندب بن جابر بن زيد بن عبد بن الحارث بن بغيض بن شكم بن عبد بن عوف بن زيد بن بكر بن عميرة بن علي بن حرب بن محارب، وفد على رسول الله ﷺ ، من ولده لقيط الرواية وكان صدوقا، ابن بكير، وكان أيضا عالما صدوقا، ابن النضر بن سعيد بن عائد بن سعيد، وقد لقي هشام بن الكلبيّ لقيطا. حدث المرزباني فيما أسنده إلى الخليل النوشجاني قال، قال لي الجهمي: كان لقيط المحاربيّ من رواة الكوفة، وكان سيء الخلق. قال الصولي: ويكنى أبا هلال ومات في سنة تسعين ومائة في خلافة الرشيد. وقال عبد الله بن جعفر: أخبرني ابن مهديّ والسكري قالا: للقيط كتاب مصنّف في الأخبار مبوّب في كلّ فنّ من الفنون كتاب مفرد، فمنها ومن أحسنها كتابه في النساء وهو عندي رواية عنهما عن العمري عنه. وله كتاب السمر. كتاب الخرّاب واللصوص. كتاب أخبار الجن. وأخذ العلم عن لقيط جماعة من أعيانهم، منهم ابن الأعرابيّ. وحدث المرزباني فيما رفعه إلى لقيط بن بكير المحاربي قال: أمر المهدي الناس سنة ستين ومائة بصوم ثلاثة أيام لبطء المطر ليستسقي، فلما كان في اليوم الثالث من الليل طرق الناس ليلتهم كلّها ثلج ملأ الأرض، فقال لقيط:

стр. 2249

يا إمام الهدى سقينا بك الغيث ... وزالت عنّا بك اللأواء وهي أبيات طويلة. وقال لقيط في ذلك أيضا: لما استغاث بك العباد بجهدهم ... متوسّلين إلى إله الناس أسقاهم بك مثلما أسقاهم ... صوب الغمام بجدّك العباس فأتتهم لما دعوت سماؤهم ... منهلّة بالكواكف الرجّاس العدل منه سقاهم وجميل ما ... توليه ذا الإيحاش والايناس فإذا أمرت فبالانابة والهدى ... وإذا وزنت وزنت بالقسطاس قال: ودخل لقيط على الرشيد وهو ولي عهد وقد اشتكى فأنشد: ما بال نومك أمسى لا يؤاتيكا ... كأنّ في الجفن شوكا بات يقذيكا من غير سقم ولا عشق أرقت له ... إلا لأن قيل أمسى الجود موعوكا وقيل هارون أمسى شاكيا وصبا ... فقلت نفسي يا هارون تفديكا ما كنت أحسب جودا يشتكي نهكا ... حتى رأيت وليّ العهد منهوكا فبتّ مرتفقا أرعى النجوم إلى ... أن جاوب الديك فينا سحرة ديكا فكم وكم لي من نذر سأنجزه ... إن كنت عوفيت قد أوجبته فيكا حجّ وصوم وعتق لن أخيس به ... فما تركت لنفسي اليوم مملوكا سعد عتيق وبنتاه وأمهما ... كانوا وأعجب بهم عندي مماليكا توقّعوني كأني قد حذيتكم ... سود النعال وأهديت المساويكا وحدّث فيما أسنده إلى إسحاق الموصلي قال: كان لقيط بن بكير في جراية المهدي، وكان الذي وصله به أبو عبيد الله وزير المهدي، وكان أبو عبيد الله مائلا إليه لعلمه بالشعر والأخبار، فلما مات المهدي لزم الكوفة؛ قال إسحاق فرأيته في سنة تسعين ومائة وهو ينشد قوما شعرا له في الزهد وهو قوله: عزفت عن الغواية والملاهي ... وأخلصت المتاب إلى إلهي

стр. 2250

وغرّتني ليال كنت فيها ... مطيعا للشباب به أباهي أجاري الغيّ في ميدان لهوي ... وقلبي عن طريق الرشد لاهي وألجمني المشيب لجام تقوى ... وركن الشيب بادي العيب واهي ومن لم يكفه العذّال عزم ... فليس له على عذل تناهي قال: وكان ذلك من آخر شعره وفي آخر زمانه، ثم توفي في هذه السنة. وحدث مما رفعه إلى ابن المدوّر قال: سألت ابن الأعرابي عن لقيط بن بكير وموته فقال: مات في آخر أيام الرشيد وهو أزهد الناس، وكان من دعائه: اللهم اغفر لي فإن حسناتي لو كانت مثل حسنات جميع خلقك لعلمت أني لا أستحقّ الجنة إلا بفضلك، ولو كانت عليّ سيئاتهم جميعا ما يئست من عفوك. [٩٢٦] لوط بن مخنف الأزدي: هو لوط بن يحيى بن محنف بن سليمان بن الحارث بن عوف بن ثعلبة بن عامر بن ذهل بن مازن بن ذبيان بن ثعلبة بن سعد مناة بن غامد، واسم غامد عمر، ابن عبد الله بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، يكنى أبا مخنف، ومخنف بن سليمان من أصحاب علي بن أبي طالب ﵇، وقد روى عن النبي ﷺ . مات لوط سنة سبع وخمسين ومائة، وكان راوية أخباريا صاحب تصانيف في الفتوح وحروب الاسلام. قال يحيى بن معين: هو كوفيّ وليس حديثه بشيء. وجدت بخط أحمد بن الحارث الخراز، قال العلماء: أبو مخنف بأمر العراق وفتوحها وأخبارها يزيد على غيره، والمدائني بأمر خراسان والهند وفارس، والواقدي

стр. 2251

بالحجاز والسير، وقد اشتركوا في فتوح الشام. قال محمد بن إسحاق: ولأبي مخنف من الكتب: كتاب الردة. كتاب فتوح الشام. كتاب فتوح العراق. كتاب الجمل. كتاب صفين. كتاب النهروان. كتاب الغارات. كتاب الخرّيت بن راشد وبني ناجية. كتاب مقتل علي كرم الله وجهه. كتاب مقتل حجر بن عدي. كتاب مقتل محمد بن أبي بكر والأشتر ومحمد بن أبي حذيفة. كتاب الشورى ومقتل عثمان ﵁. كتاب المستورد بن علّفة. كتاب مقتل الحسين بن علي ﵉. كتاب المختار بن أبي عبيد. كتاب وفاة معاوية وولاية ابنه ووقعة الحرة وعبد الله بن الزبير. كتاب سليمان بن صرد وعين الوردة. كتاب مرج راهط ومقتل الضحاك بن قيس الفهري. كتاب مصعب بن الزبير والعراق. كتاب مقتل عبد الله بن الزبير. كتاب مقتل عمرو بن سعيد بن العاص. كتاب حديث باخمرا ومقتل ابن الأشعث. كتاب نجدة الحروريّ. كتاب الأزارقة. كتاب حديث روستقباذ. كتاب شبيب الحروريّ وصالح بن المسرح. كتاب المطرف بن المغيرة. كتاب دير الجماجم وخلع ابن الأشعث. كتاب يزيد بن المهلب ومقتله بالعقر. كتاب خالد القسري ويوسف بن عمر وموت هشام وولاية الوليد. كتاب زيد بن علي. كتاب يحيى بن زيد. كتاب الضحاك الخارجي. كتاب الخوارج والمهلب بن أبي صفرة. [٩٢٧] الليث بن المظفر: كذا قال الأزهري في مقدمة كتابه «الليث بن المظفر» ، وقال ابن المعتز في «كتاب الشعراء» من تصنيفه: الليث بن رافع بن نصر بن سيار. قال الأزهري: ومن المتقدمين الليث بن المظفر الذي نحل الخليل بن أحمد تأليف «كتاب العين» جملة لينفّق كتابه باسمه ويرغّب فيه من حوله، وأثبت لنا عن

стр. 2252

إسحاق بن إبراهيم الحنظلي الفقيه أنه قال: كان الليث رجلا صالحا ومات الخليل ولم يفرغ من «كتاب العين» فأحبّ الليث أن ينفّق الكتاب كلّه فسمّى لسانه الخليل فإذا رأيت في الكتاب «سألت الخليل» أو «أخبرني الخليل» فإنه يعني الخليل نفسه، قال: وإذا قال «قال الخليل» فإنه يعني لسان نفسه. قال: وإنما وقع الاضطراب فيه من خليل الليث. قال: وأخبرني المنذري أنه سأل ثعلبا عن «كتاب العين» فقال: ذاك كتاب ملىء غدد، قال: وهذا لفظ أبي العباس وحقّه عند النحويين ملآن غددا ولكن كان أبو العباس يخاطب العامة على قدر فهمهم. قلت: ليس هذا بعذر لأبي العباس فإنه لو قال: ملآن غددا لم يخف معنى الكلام على صغار العامة فكيف وفي مجلسه الأئمة من أهل العلم ثم سائله الذي أجابه ليس بتلك الصورة، وإنما عذره أنه كان لا يتكلّف الاعراب في المفاوضة وهي سنّة جلّة العلماء. وأراد في جراب العين «١» حروفا كثيرة قد أزيلت عن صورها ومعانيها بالتصحيف والتغيير فهي تضرّ حافظها كما تضرّ الغدد آكلها. قال أبو الطيب اللغوي: مصنف «كتاب العين» الليث بن المظفر بن نصر بن سيار، روي ذلك عن أبي عمر الزاهد قال: حدثني فتى قدم علينا من خراسان وكان يقرأ عليّ «كتاب العين» قال أخبرني أبي عن إسحاق بن راهويه قال: كان الليث بن المظفر بن نصر بن سيار صاحب الخليل رجلا صالحا، وكان الخليل قد عمل من «كتاب العين» باب العين فأحبّ الليث أن ينفّق سوق الخليل ثم ذكر كما ذكر الأزهري. وحدث عبد الله بن المعتز في «كتاب الشعراء» عن الحسن بن علي المهلبي قال «٢» : كان الخليل منقطعا إلى الليث بن رافع بن نصر بن سيار، وكان الليث من أكتب الناس في زمانه، بارع الأدب بصيرا بالشعر والغريب والنحو، وكان كاتبا للبرامكة وكانوا معجبين به، فارتحل إليه الخليل وعاشره فوجده بحرا فأغناه وأحبّ الخليل أن يهدي إليه هدية تشبهه، فاجتهد الخليل في تصنيف «كتاب العين» فصنّفه

стр. 2253

له وخصّه به دون الناس وحبّره وأهداه إليه، فوقع منه موقعا عظيما وسرّ به وعوّضه عنه مائة ألف درهم واعتذر إليه، وأقبل الليث ينظر فيه ليلا ونهارا لا يملّ النظر فيه حتى حفظ نصفه، وكانت ابنة عمه تحته، فاشترى الليث جارية نفيسة بمال جليل، فبلغها ذلك فغارت غيرة شديدة فقالت: والله لأغيظنّه ولا أبقي غاية فقالت: إن غظته في المال فذاك ما لا يبالي به، ولكني أراه مكبا ليله ونهاره على هذا الدفتر، والله لأفجعنّه به، فأخذت الكتاب وأضرمت نارا وألقته فيها، وأقبل الليث إلى منزله ودخل إلى البيت الذي كان فيه الكتاب، فصاح بخدمه وسألهم عن الكتاب فقالوا: أخذته الحرة، فبادر إليها وقد علم من أين أتي، فلما دخل عليها ضحك في وجهها وقال لها: ردّي الكتاب فقد وهبت لك الجارية وحرّمتها على نفسي، وكانت غضبى، فأخذت بيده وأدخلته [البيت الذي أحرقته فيه، وفيه] رماده، فسقط في يد الليث، فكتب نصفه من حفظه وجمع على الباقي أدباء زمانه وقال لهم: مثّلوا عليه واجتهدوا، فعملوا هذا النصف الذي بأيدي الناس، فهو ليس من تصنيف الخليل ولا يشقّ غباره، وكان الخليل قد مات. وجدت على ظهر جزء من «كتاب التهذيب» لأبي منصور الأزهري: ابن دريد بقره ... وفيه عجب وشره ويدعي بجهله ... وضع كتاب الجمهره وهو كتاب العين إ ... لا أنه قد غيره ... الأزهريّ وزغه ... وحمقه حمق دغه ويدّعي بجهله ... كتاب تهذيب اللغة وهو كتاب العين إ ... لّا أنه قد صبغه ... في الخارزنجي بله ... وفيه حمق ووله ويدّعي بجهله ... وضع كتاب التكمله وهو كتاب العين إ ... لّا أنه قد نقله [حاشية: دغة بنت مغنج يضرب بها المثل في الحمق، زوجت وهي صغيرة في

стр. 2254

بني العنبر فحملت، فلما ضربها المخاض ظنت أنها تحتاج إلى الخلاء فبرزت إلى بعض الغيطان ووضعت ذا بطنها، فاستهلّ الوليد فجاءت منصرفة وهي لا تظن إلا أنها أحدثت، فقالت لأمها: يا أمتاه وهل يفتح الجعر فاه؟ قالت: نعم ويدعو أباه، فسبّ بنو العنبر به وسموا بنو الجعراء، ولها حماقات كثيرة] «١» . قرأت بخط أبي منصور الأزهري في «كتاب نظم الجمان» تصنيف أبي الفضل المنذري: نصر بن سيار كان والي خراسان، والليث بن المظفر بن نصر صاحب العربية وصاحب الخليل بن أحمد هو [ابن] ابنه، حدث عنه قتيبة بن سعيد، سمعت محمد بن إبراهيم العبدي يقول، سمعت قتيبة يقول: كنت عند ليث بن نصر بن سيار فقال: ما تركت شيئا من فنون العلم إلا نظرت فيه إلا هذا الفن وما عجزت إلا أني رأيت العلماء يكرهونه، يعني النجوم. سمعت محمد بن سعيد القزاز قال: نصر بن سيار والي خراسان المحمول إليه رأس جهم، وكان نصر من تحت يدي هشام بن عبد الملك، وكان بمرو، وكان سلم بن أحوز والي بلخ والجوزجان من [تحت] يده، وهو الذي قتل يحيى بن زيد بن علي بن الحسين وجهم بن صفوان الذي ينسب إليه مذهب جهم ووجّه برأسيهما إلى مرو إلى نصر بن سيار، فنصبا على باب قهندز مرو، فكان سلم بن أحوز يقول: قتلت خير الناس وشر الناس. قال المنذري: وسمعت محمد بن إبراهيم العبدي قال: سمعت أبا رجاء قتيبة يقول: دخل الليث بن نصر بن سيار على علي بن عيسى بن ماهان وعنده رجل يقال له حماد الخزربك، فجاءه رجل فقصّ رؤيا رآها لعلي بن عيسى، فهمّ حماد أن يعبرها فقال ليث: كفّ فلست هناك. فقال علي: يا أبا هشام وتعبرها؟ قال: نعم وأنا أعبر أهل خراسان. فكانت الرؤيا كأنّ علي بن عيسى مات وحمل على جنازة وأهل خراسان يتبعونه، ثم انقضّ غراب من السماء ليحمله فكسروا رجل الغراب. فقال

стр. 2255

الليث: أما الموت فبقاء، وأما الجنازة فهو سرير وملك، وأما ما حملوك فهو ما علوتهم وكنت على رقابهم، وأما الغراب فهو رسول، قال الله تعالى فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ (المائدة: ٣١) يقدم فلا ينفذ أمره. فما مكثوا إلا يومين أو ثلاثة حتى قدم رسول من عند الخليفة في حمل عليّ بن عيسى، فاجتمع قواد خراسان فأثنوا عليه خيرا ولم يتركوه يحمل وقالوا: يخشى انتقاض البلاد فبقي. قال المنذري: هو الليث بن المظفر بن نصر بن سيار صاحب العربية وكان له ابن يقال له رافع؛ سمعت بعض أصحابي قال، سمعت محمد بن إسحاق السرّاج قال، سمعت إسحاق بن راهويه قال: سألت رافع بن الليث بن المظفر عن قول النبي ﷺ : كلّ مسكر حرام، أيقع على جميع المسكر، يعني جميع ما يسكر منه من قليله وكثيره أم على الشربة التي تسكرك؟ فقال: بل على جميع ما يسكر منه من قليله وكثيره إذا أسكر كثيره فقليله بمنزلته، ولو كان عنى الشربة التي تسكرك لقال: كل سكر حرام. قال ابن المنذري: وبلغني أنّ المظفر بن نصر مرّ به عناق وابنه الليث قد حضره، فقال له وأراد أن يخبره: ما هذا؟ فقال: بز بالفارسية، فقال: لأسيرنّك إلى حيث لا تعرف بز، فسيره إلى البادية، فمكث فيها قريبا من عشر سنين أو أكثر، ففيها تأدّب ثم رجع، فعجب أهله من كثرة أدبه. هذا آخر ما كتبته من خط الأزهري وكتاب المنذري. وحدث الحاكم أبو عبد الله بن البيّع في «كتاب نيسابور» عن العباس بن مصعب قال: سئل النضر بن شميل عن الكتاب الذي ينسب إلى الخليل بن أحمد ويقال له «كتاب العين» فأنكره، فقيل له: لعلّه ألفه بعدك فقال: أو خرجت من البصرة حتى دفنت الخليل بن أحمد. وحدث أبو الحسن علي بن مهدي الكسروي، حدثني محمد بن منصور المعروف بالراح المحدث، قال قال الليث بن المظفر بن نصر بن سيار: كنت أصير إلى الخليل بن أحمد فقال لي يوما: لو أن إنسانا قصد وألّف حروف اب ت ث على ما أمثّله لاستوعب في ذلك جميع كلام العرب، وتهيأ له أصل لا يخرج منه شيء البتة،

стр. 2256

فقلت له: وكيف يكون ذلك؟ قال يؤلفه على الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي فانه ليس يعرف في كلام العرب أكثر منه. قال الليث: فجعلت أستفهمه ويصف لي ولا أقف على ما يصف، فاختلفت إليه في هذا المعنى أياما ثم اعتلّ وحججت فما زلت مشفقا عليه وخشيت أن يموت في علته فيبطل ما كان يشرحه لي، فرجعت من الحج وصرت إليه فإذا هو قد ألف الحروف كلّها على ما هي في الكتاب وكان يملي عليّ ما يحفظ، وما شكّ فيه يقول لي سل عنه، فإذا صحّ فأثبته، إلى أن عملت الكتاب.

стр. 2257

حرف الميم [٩٢٨] المبارك بن الحسن بن أحمد بن علي بن فتحان بن منصور الشهر زوري أبو الكرم المقرىء: إمام في القراءات عالم بها؛ مات فيما ذكره أبو سعد عن ابن حرز في الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة خمسين وخمسمائة، ودفن في دكة بشر الحافي بباب حرب ببغداد إلى جنب أبي بكر الخطيب، قال: وكتب عنه، وذكر أن مولده في سابع عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وأربعمائة. قال: وكان يسكن دار الخلافة ببغداد مما يلي باب العامة شيخ صالح ديّن خيّر قيّم بكتاب الله عالم باختلاف الروايات والقراءات، وصنف فيها «كتاب المصباح في القراءات» وهو حسن السيرة جيّد الأخذ على الطلاب، له روايات عالية، سمع الحديث من أبي الفضل أحمد بن الحسن بن جيرون الأمين وغيره. [٩٢٩] المبارك بن سعيد بن الحمامي المؤدب ، أبو الفرج المؤدب: كان يسكن قراح بني رزين من بغداد، وله به مكتب يعلّم فيه الصبيان، وكان أديبا فاضلا وشيخا صالحا تخرّج به خلق كثير، وكان محمود السيرة مشكورا عند الناس، وكان ذا هيبة «١»

стр. 2258

على الصبيان، وكان أولاد الأكابر يقصدون مكتبه من جميع بغداد لما شاع من خيره وصلاحه، أدركت زمانه ورأيت مكتبه وكان مكتبا حفيلا مزدحما إلا أنني لم ألفه «١» شيئا، وكان يكتب خطا حسنا معروفا عند الناس مرغوبا فيه. مات فيما بلغني في جمادى الآخر سنة ثمانين وخمسمائة، وكان له ابن على سيرته في الصلاح والدين والخير قام مقامه في مكتبه وخلفه بعده في مكتبه «٢» ، وكان اسمه أيضا المبارك مات سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. [٩٣٠] المبارك بن الفاخر بن محمد بن يعقوب أبو الكرم النحوي، أخو أبي عبد الله الحسين بن محمد المعروف بالبارع الدباس لأمه: ولد سنة ثمان وأربعين وأربعمائة ومات في ذي القعدة سنة خمسين وخمسمائة، ودفن بباب حرب. سمع الحديث من أبي الطيب الطبري والجوهري «٣» وغيرهما، وكان قيما بالنحو عارفا باللغة، قال أبو الفرج: غير أن مشايخنا جرّحوه؛ كان أبو الفضل ابن ناصر سيء الرأي فيه يرميه بالكذب والتزوير قال: وكان يدّعي سماع ما لم يسمعه، ولما مات دفن بمقبرة باب حرب. وقرأ النحو على ابن برهان الأسدي. وله من الكتب: كتاب المعلم في النحو. كتاب نحو العرف. كتاب شرح خطبة أدب الكاتب. وجدت بخط السمعاني مولده على ما تقدم، فان صحّ ذلك لا يصحّ أخذه النحو عن ابن برهان لأن ابن برهان مات سنة ست وخمسين وأربعمائة، بل إن كان سمع منه شيئا جاز ذلك، ثم لما وردت إلى مرو نظرت في «كتاب المذيل» للسمعاني وقد ألحق بخطّه في تضاعيف السطور بخط دقيق: قرأت بخطّ والدي ﵀: سألت

стр. 2259

المبارك بن الفاخر عن مولده فقال ولدت في سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، قلت: فإذا صحت هذه الرواية فقد صحّ أخذه عن ابن برهان. وكان والد السمعاني قد لقي ابن الفاخر وأخذ عنه، وحكى عنه شيئا من النحو واللغة. رأيت بخط الشيخ أبي محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن الخشاب ﵀: حكى لي محمد بن محمد بن قزما الاسكافي عن شيخنا أبي الكرم المبارك بن فاخر بن يعقوب النحوي المعروف بابن الدباس أنه كان يكرم المترددين إليه لطلب العلم بالقيام لهم في مجلسه، وكان الشيخ أبو زكريا يحيى بن علي يأبي ذلك وينكره عليه وعلى غيره ممن يعتمده، وينشد: قصّر بالعلم وأزرى به ... من قام في الدرس لأصحابه قال الشيخ أبو محمد: ولعمري إن حرمة العلم آكد من حرمة طالبه، وإعزاز العلم أبعث لطلبه، وبحسب الصبر على مرارة طلبه تحلو ثمرة مكتسبه. وكان الشيخ أبو الكرم ابن الدباس ﵀ يجمع إلى هذا التساهل في الخطاب إذا أخذ خطه على ظهر كتاب، ويقصد بذلك اجتذاب الطلاب، لأن النفوس تميل إلى هذا الباب، وحال أبي علي ﵀ في عكس هذه الحال معلومة متعارفة يأثرها أصحابه عنه، وكان أمره مع العالم في ذاك على حدّ سواء من ملك وسوقة وعالم ومتعلم، ونحن نسأل الله العون على زمن نحن فيه. آخر ما فيه من خطّ ابن الخشاب. [٩٣١] المبارك بن المبارك بن المبارك أبو طالب الكرخي بن أبي البركات الفقيه الشافعي صاحب أبي الحسن ابن الخلّ: مات في ثامن ذي القعدة سنة خمس وثمانين وخمسمائة، أدركت زمانه ولقيت ببغداد أوانه، إلا أنني لم أره لصغر السنّ حينئذ

стр. 2260

والاشتغال في ذلك الزمان بغير هذا الشان. كان ﵀ فاضلا زاهدا عابدا ورعا إماما أوحد زمانه في حسن الخط على طريقة علي بن هلال بن البوّاب. سمعت جماعة يحكون أنه لم يكتب أحد قبله ولا بعده مثله في قلم الثلث، حتى رأيت من يغالي فيه فيقول: إنه كتب خيرا من ابن البوّاب، وكان ضنينا بخطه جدّا فلذلك قلّ وجوده، كان إذا اجتمع عنده شيء من تجويداته يستدعي طستا ويغسله، فأما إذا استفتي فانه كان يكسر قلمه ويجهد في تغيير خطه، وكان أحد الشهود المعدّلين. تفقه على أبي الحسن ابن الخلّ ولازمه مدة حتى صار بارعا في الفقه وصارت له معرفة بالمذهب ولسان تام في الخلاف، شهد عند قاضي القضاة أبي القاسم الزينبي في تاسع جمادى الآخر سنة ثلاثين وخمسمائة، ولم يزل على ذلك إلى أن عزل نفسه عن تحمل الشهادة وأدائها قبل موته بمدة مديدة، ولم يدع الطيلسان، وتولّى التدريس بمدرسة كمال الدين أبي الفتوح حمزة بن علي بن طلحة الرازي التي بباب العامة المحروس بعد وفاة شيخه أبي الحسن ابن الخل المدرّس كان بها، ثم تولّى تدريس النظامية وذكر الدرس بها في تاسع صفر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة وأضيف إليه التقدم بالرباط الجديد المجاور لتربة الجهة الشريفة السلجوقية المعروف بالأخلاطية عند مشهد عون ومعين بالجانب الغربي، وانتقل إلى هناك وسكن الدار المجاورة للرباط المذكور، وكان يعبر إلى الجانب الشرقيّ ويذكر الدروس بالنظامية ويعود إلى منزله بالجانب الغربي، وكان له قبول عند الخاصّ والعامّ وجاه عند أرباب الولايات، وهو الذي تولّى خدمة الأمير أبي نصر محمد وأبي الحسن علي ابني مولانا الناصر لدين الله أمير المؤمنين خلّد الله سلطانه في تعليم الخط، وسمع الحديث من ابن الحصين وقاضي البيمارستان وشيخه ابن الحاج وغيرهم، وحدث عنهم، ثم خرج من منزله لصلاة العصر بالرباط الجديد المذكور، وكان يؤمّ فيه، فلما توجّه للصلاة عرضت له سعلة وتتابعت فوقع إلى الأرض وحمل إلى منزله فمات لوقته في الوقت المقدّم ذكره، وصلّي عليه في غده، واجتمع له خلق عظيم، ودفن بتربة الجهة السلجوقية المجاورة للرباط، وهو فيما يقال ابن اثنتين وثمانين سنة.

стр. 2261

[٩٣٢] المبارك بن المبارك بن سعيد بن الدهان ، أبو بكر الضرير النحوي المعروف بالوجيه: من أهل واسط، قدم بغداد مع أبيه في صباه فأقام بها إلى أن مات في السادس عشر من شعبان سنة اثنتي عشرة وستمائة ﵀، ودفن بالوردية، ومولده في سنة اثنتين وخمسمائة، وهو شيخي الذي به تخرجت وعليه قرأت، وهو قرأ بواسط على أبي سعيد نصر بن محمد بن سلم المؤدب وغيره، وأدرك ببغداد ابن الخشّاب فأخذ عنه، ولازم الكمال أبا البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري النحوي وقرأ عليه وتلمذ له فهو أشهر شيوخه، وسمع تصانيفه، وسمع الحديث من طاهر بن محمد المقدسي، وتولّى تدريس النحو بالنظامية سنين فتخرج عليه جماعة كثيرة منهم الحسن بن الباقلاوي الحلّي والموفّق عبد اللطيف بن يوسف البغدادي والمنتجب سالم بن أبي الصقر العروضي وغيرهم. وكان ﵀ قليل الحظّ من التلامذة يتخرجون عليه ولا ينسبون إليه، ولم يكن فيه عيب إلا أنه كان فيه كيس ولين، وكان إذا جلس للدرس يقطع أكثر وقته بالأخبار والحكايات وإنشاد الأشعار حتى يسأم الطالب وينصرف عنه وهو ضجر وينقم ذلك عليه، وكان يحسن بكلّ لغة من الفارسية والتركية والحبشية والرومية والأرمنية والزنجية، فكان إذا قرأ عليه عجميّ واستغلق عليه المعنى بالعربية فهّمه إياه بالعجمية على لسانه، وكان حسن التعليم طويل الروح كثير الاحتمال للتلامذة، وكان شاعرا مجيدا أنشدني لنفسه كثيرا من شعره، منه في التجنيس: ولو وقعت في لجة البحر قطرة ... من المزن يوما ثم شاء لمازها ولو ملك الدنيا فأضحى ملوكها ... عبيدا له في الشرق والغرب ما زها

стр. 2262

وكان قد فوّض إلى عضد الدولة أبي الفتوح ابن الوزير عضد الدين ابن رئيس الرؤساء أمر المخزن المعمور والأعمال التي كانت مفوّضة قبله إلى ابن ناصر في عاشر شعبان سنة خمس وستمائة وخلع عليه في باب الحجرة الشريفة، وهو موضع لا يخلع فيه إلا على الوزراء، وركب منه والعالم بين يديه ليمضي إلى منزله، فعثرت به فرسه وسقط من عليها، ثم ركبها سالما من ساعته، فأكثر الناس القول في الطيرة من هذا، فقال الوجيه وأنشدنيه لنفسه: لا تعذل الفرس التي عثرت ... بك أمس قبل سماعك العذرا قالت مقالا لو علمت به ... لم تولها هجرا ولا هجرا لما رأى الأملاك أنّ على ... سرجي فتى أعلى الورى قدرا رفعت يدي حتى تقبلها ... شغفا بها فوهت يدي الأخرى ثم لم يلبث المذكور إلا يسيرا حتى عزل وألزم بيته. وأنشدني الوجيه أيضا لنفسه: لست أستقبح اقتضاءك بالوعد ... وإن كنت سيد الكرماء فإله السماء قد ضمن الرز ... ق عليه ويقتضى بالدعاء وأنشدني الوجيه أيضا لنفسه في التجنيس: لا راح مسترفدي جذلان من صفدي ... يوما ولا عزّ بي في مشهد جاري إن لم تكبّ على الأذقان أوجههم ... سيوف قومي بسيل من دم جاري وحدثني الوجيه ﵀ قال: دخلت يوما إلى فخر الدين أبي علي الحسن ابن هبة الله بن الدوامي، وهو من علمت أدبا وفضلا وحسن بشر وكرم سجية، فجلسنا نتذاكر الشعراء إلى أن انتهى بنا الكلام إلى البحتري، فأنشد قوله في الفتح بن خاقان «١» : هب الدار ردّت رجع ما أنت قائله ... وأبدى الجواب الربع عما تسائله

стр. 2263

إلى قوله: ولما حضرنا سدّة الإذن أخّرت ... رجال عن الباب الذي أنا داخله بدا لي محمود السجية شمّرت ... سرابيله عنه وطالت حمائله كما انتصب الرمح الردينيّ ثقّفت ... أنابيبه للطعن واهتزّ عامله فكالبدر وافته لوقت سعوده ... وتمّ سناه واستهلت منازله فسلمت واعتاقت جناني هيبة ... تنازعني القول الذي أنا قائله فلما تأملت الطلاقة وانثنى ... إليّ ببشر أنّستني مخايله دنوت فقبلت الندى من يد امرىء ... جميل محياه سباط أنامله صفت مثل ما يصفو المدام خلاله ... ورقّت كما رقّ النسيم شمائله فهشّ الجميع وأخذ كلّ منهم يصف حسن ألفاظها ورشاقة معانيها وجودة مقاصدها، وجعلوا يقولون هذا هو السهل الممتنع والفضل المتسع والديباج الخسرواني والزهر الأنيق، وأطنبوا في ذلك وحقّ لهم، فقلت ارتجالا: لمن تنظم الأشعار والناس كلهم ... سواسية إلا امرؤ أنا جاهله ولو علموا أن اللهى تفتح اللها ... دروا أنّ ذا الشعر ابن خاقان قائله وكان الوجيه قد التزم سماحة الأخلاق وسعة الصدر فكان لا يغضب من شيء، ولم ير من أحد قطّ حردان، وشاع ذلك عنه وبلغ ذلك بعض الخلفاء «١» ، فقال: ليس له من يغضبه، ولو أغضب لغضب، وخاطروه على أن يغضبه فجاءه فسلّم عليه ثم سأله عن مسألة نحوية فأجابه الشيخ بأحسن جواب ودلّه على محجة الصواب فقال له: أخطأت فأعاد الشيخ الجواب بألطف من ذلك الخطاب وسهّل طريقته وبيّن له حقيقته، فقال له: أخطأت أيها الشيخ، والعجب ممن يزعم أنك تعرف النحو ويهتدى بك في العلوم، وهذا مبلغ معرفتك، فلاطفه وقال له: يا بنيّ لعلك لم تفهم الجواب، وإن أحببت أن أعيد القول عليك بأبين من الأول فعلت، قال له: كذبت لقد فهمت ما قلت، ولكن لجهلك تحسب أنني لم أفهم، فقال له الشيخ وهو يضحك: قد عرفت

стр. 2264

مرادك، ووقفت على مقصودك، وما أراك إلا وقد غلبت، فأدّ ما بايعت عليه فلست بالذي تغضبني أبدا، وبعد يا بنيّ فقد قيل إن بقّة جلست على ظهر فيل، فلما أرادت أن تطير قالت له: استمسك فإني أريد الطيران، فقال لها الفيل: والله يا هذه ما أحسست بك لما جلست فكيف أستمسك إذا أنت طرت؟! والله يا ولدي ما تحسن أن تسأل ولا تفهم الجواب فكيف أستفيد منك؟ وحدثني محب الدين محمد بن النجار قال: حضر الوجيه النحوي بدار الكتب التي برباط المأمونية، وخازنها يومئذ أبو المعالي أحمد بن هبة الله، فجرى حديث المعرّي، فذمّه الخازن وقال: كان عندي في الخزانة كتاب من تصانيفه فغسلته، فقال له الوجيه: وأيّ شيء كان هذا الكتاب؟ قال: كان كتاب نقض القرآن، فقال له: أخطأت في غسله، فعجب الجماعة منه وتغامزوا عليه، واستشاط ابن هبة الله وقال له: مثلك ينهى عن مثل هذا؟ قال: نعم لا يخلو أن يكون هذا الكتاب مثل القرآن أو خيرا منه أو دونه، فإن كان مثله أو خيرا منه وحاش لله أن يكون ذلك فلا يجب أن يفرّط في مثله، وإن كان دونه وذلك ما لا شكّ فيه فتركه معجزة للقرآن فلا يجب التفريط فيه، فاستحسن الجماعة قوله ووافقه ابن هبة الله على الحقّ وسكت. وكان الوجيه ﵀ حنبليا ثم صار حنفيا، فلما درّس النحو بالنظامية صار شافعيا، فقال فيه المؤيد أبو البركات محمد بن أبي الفرج التكريتي ثم البغدادي، وكان أحد تلامذته، وسمعته من لفظه غير مرة: ألا مبلغ عنّي الوجيه رسالة ... وإن كان لا تجدي إليه الرسائل تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل ... وذلك لما أعوزتك المآكل وما اخترت دين الشافعي تديّنا ... ولكنما تهوى الذي هو حاصل وعما قليل أنت لا شكّ صائر ... إلى مالك فافطن لما أنا قائل وأنشدني الوجيه لنفسه في التجنيس: أطلت ملامي في اجتنابي لمعشر ... طغام لئام جودهم غير مرتجى ترى بابهم لا بارك الله فيهم ... على طالب المعروف إن جاء مرتجا حموا مالهم والدين والعرض منهم ... مباح فما يخشون من هجو من هجا

стр. 2265

إذا شرع الأجواد في الجود منهجا ... لهم شرعوا في البخل سبعين منهجا وأنشدني الوجيه النحوي لنفسه يمدح أبا الفضل مسعود بن جابر صاحب المخزن: ما مرّ يوم ولا شهر ولا عيد ... فاخضرّ فيه لنا من وصلكم عود عودوا تعد بكم الأيام مشرقة ... وإن أبيتم ففي الأسقام لي عودوا كم ذا التجني وكم هذا الصدود صلوا ... من حظّه منكم همّ وتسهيد لو تسألوا كيف حالي بعد بعدكم ... فالحال شاهدة والسقم مشهود لولا التعلل بالآمال متّ أسى ... يفنى الزمان وما تفنى المواعيد ولو شكوت الذي ألقى بحبكم ... إلى الجلاميد رقّت لي الجلاميد يا هذه ما أنام الليل من ولهي ... كأنما حاجبي بالجفن معقود قلّ اصطباري وزاد الوجد بي فأنا ... بك الشقيّ وغيري منك مسعود تلذّ في حبك الأيام لي وأرى ... التعذيب عذبا به والقلب مجهود كأنّك المجد أو بذل الندى وأنا ... في فرط حبّك فخر الدين مسعود مولى إذا السحب ضنّت بالحيا فله ... في الخلق بحر عظيم الريّ مورود وله مطلع قصيدة في ابن جابر أيضا: يا من أقام قيامتي بقوامه ... وأطال تعذيبي بطول مطاله أمط اللثام عن العذار تقم به ... عند العذول عليك عذر الواله وارفق ببال في هواك معذّب ... بجفاك ما خطر السلوّ بباله طبع الحبيب على الملال وليته ... يوما يميل إلى ملال ملاله لو كنت تسمع ما أقول وقوله ... لعجبت من ذلّي له ودلاله شدّ الرحال فحلّ عقد تصبري ... لما سرت أجماله بجماله أنشدني الحافظ أبو عبد الله محمد بن النجار صديقنا حرسه الله قال، أنشدني شيخنا الوجيه النحوي لنفسه: أرفع الصوت إن مررت بدار ... أنت فيها إذ ما إليك وصول

стр. 2266

وأحيي من ليس عندي بأهل ... أن يحيّا كي تسمعي ما أقول وكان ملازما لدار الوزير عضد الدين أبي الفرج ابن رئيس الرؤساء ويبيت ويصبح يقرىء أهله، ونال من جهته ثروة، فحدثني عز الدين أبو الحسن علي بن محمود بن محمد المعروف بالسرخسي النحوي قال، حدثني الوجيه قال: اقترحت عليّ بعض حظايا الوزير أن أعمل أبياتا تكتبها على قميص أصفر، فعملت: انظر إلى لابسي وانظر إليّ وكن ... من مثل ما حلّ بي منه على خطر هذا اصفراري يراه الناظرون وما ... في القلب من حبّه يخفى على البصر أموت في خلعه بالليل لي كمدا ... لولا انتظار وصال منه في السحر أقول عجبا إذا ما رام يلبسني ... ما كنت أطمع أن أعلو على القمر ونقشتها على القميص، ورآه الوزير عليها فنلت منه بذلك السبب خيرا كثيرا. [٩٣٣] المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني أبو السعادت الملقب بمجد الدين المعروف بابن الأثير، والأثير هو أبو محمد: محمد بن عبد الكريم من أهل جزيرة ابن عمر: مات فيما حدثني به أخوه عز الدين أبو الحسن علي بن محمد في يوم الخميس سلخ ذي الحجة سنة ست وستمائة؛ قال: ومولده في أحد الربيعين سنة أربع وأربعين وخمسمائة بالجزيرة وانتقل إلى الموصل في سنة خمس وستين ولم يزل بها إلى أن مات. قال المؤلف: وكان عالما فاضلا وسيدا كاملا قد جمع بين علم العربية والقرآن

стр. 2267

والنحو واللغة والحديث وشيوخه وصحّته وسقمه والفقه، وكان شافعيا، وصنّف في كلّ ذلك تصانيف هي مشهورة بالموصل وغيرها. حدثني أخوه أبو الحسن قال: قرأ أخي الأدب على ناصح الدين أبي محمد سعيد بن الدهان البغداديّ وأبي بكر يحيى بن سعدون المغربى القرطبي وأبي الحزم مكى بن الريان بن شبّة الماكسي النحوي الضرير، وسمع الحديث بالموصل من جماعة منهم الخطيب أبو الفضل ابن الطوسي وغيره، وقدم بغداد حاجا فسمع بها من أبي القاسم صاحب ابن الخلّ وعبد الوهاب بن سكيتة، وعاد إلى الموصل فروى بها وصنّف ووقف داره على الصوفية وجعلها رباطا. وحدثني أخوه أبو الحسن قال: تولى أخي أبو السعادات الخزانة لسيف الدين الغاري بن مودود بن زنكي، ثم ولاه ديوان الجزيرة وأعمالها، تم عاد إلى الموصل فناب في الديوان عن الوزير جلال الدين أبي الحسن على بن جمال الدين محمد بن منصور الأصبهاني، ثم اتصل بمجاهد الدين قايماز بالموصل أيضا فنال عنده درجة رفيعة، فلما قبض على مجاهد الدين اتصل بخدمة أتابك عز الدين مسعود بن مودود إلى أن توفي عز الدين، فاتصل بخدمه ولده نور الدين أرسلان شاه فصار واحد دولته حقيقة بحيث إن السلطان كان يقصد منزله في مهام نفسه لأنه أقعد في آخر زمانه، فكانت الحركة تصعب عليه، فكان يحيئه بنفسه أو يرسل إليه بدر الدين لؤلؤ الذي هو اليوم أمير الموصل. وحدثني أخوه المذكور قال. حدثني أخي أبو السعادات قال: لقد ألزمني نور الدين بالوزارة غير مرة وأنا أستعفيه حتى غضب منّي وأمر بالتوكيل بي، قال: فجعلت أبكي، فبلغه ذلك فجاءني وأنا على تلك الحال فقال لي: أبلغ الأمر إلى هذا؟ ما علمت أنّ رجلا ممن خلق الله بكره ما كرهت، فقلت: أنا يا مولانا رجل كبير، وقد خدمت العلم عمري واشتهر ذلك عنّي في البلاد بأسرها، واعلم أنني لو اجتهدت في إقامة العدل بغاية جهدي ما قدرت أؤدي حقه، ولو طلم أكّار في ضيعة من أقصى أعمال السلطان لنسب ظلمه إليّ، ورجعت أنت وغيرك باللائمة عليّ، والملك لا يستقيم إلا بالتسمح في العسف وأخذ هذا الخلق بالشدة، وأنا لا أقدر على ذلك، فأعفاه، وجاءنا إلى دارنا فخبرنا بالحال، فأما والده وأخوه فلاماه على الامتناع فلم يؤثر

стр. 2268

اللوم عنده سفا، وذكر ذلك في قصة طويلة بتفاصيلها إلا أن هذا الذى ذكرته هو معناها. وحدثني عز الدين أبو الحسن قال: حدثني أخي أبو السعادات ﵀ قال: كنت أشتغل بعلم الأدب على الشيخ أبي محمد سعيد بن المبارك بن الدهان النحوي البغدادي بالموصل، وكان كثيرا ما يأمرني بقول الشعر وأنا أمتنع من ذلك، قال: فبينا أنا ذات ليلة نائم رأيت الشيخ في النوم وهو يأمرني بقول الشعر، فقلت له: ضع لي مثالا أعمل عليه فقال: جب لفلا مدمنا إن فاتك الطفر ... وخدّ حدّ الثرى والليل معتكر فقلت أنا: فالعزّ في صهوات الخيل مركبه ... والمجد ينتجه الإسراء والسهر فقال لي: أحسنت هكذا فقل، فاستيقظت فأتممت عليها نحو العشرين بيتا. وحدثني عز الدين أبو الحسن قال: كتب أخي أبو السعادات إلى صديق له في صدر كتاب والشعر له. وإني لمهد عن حنين مبرّح ... إليك على الأقصى من الدار والأدني وإن كانت الاشواق تزداد كلما ... تناقص بعد الدار واقترب المغنى سلاما كسر الروض باكره الحيا ... وهبّت عليه نسمة السّحر الأعلى فحا بمسكيّ الهوا متحلّيا ... ببعض سحايا ذلك المجلس الأسمى وأنشدني عز الدين قال، أنشدني أخي مجد الدين أبو السعادات لنفسه: عليك سلام فاح من نشر طيبه ... نسيم تولى بثّه الرند والبان وحاز على اطلال مي عشية ... وجاد عليه معدق الوبل هتّان فحملته شوقا حوته ضمائري ... تميد له أعلام رضوى ولبنان واستنشدته شيئا آخر من شعره فقال: كان أخي قليل الشعر لم يكن له به تلك العناية، وما أعرف الآن له غير هذا، فقلت له: فأملّ عليّ تصانيفه، فأملى عليّ: كتاب البديع في النحو نحو الأربعين كراسة وقفني عليه فوجدته بديعا كاسمه سلك فيه

стр. 2269

مسلكا عريبا وبوبّه تبويبا عجيبا. كتاب الباهر في الفروق في النحو أيضا. كتاب تهذيب فصول ابن الدهان. كتاب الإنصاف في تفسير القرآن أربع مجلدات. كتاب الشافي وهو شرح مسند الشافعي أبدع في تصنيفه فدكر أحكامه ولغته ونحوه ومعانيه نحو مائة كراسة. كتاب غريب الحديث على حروف المعجم اربع مجلدات كتاب جامع الأصول في أحاديث الرسول عشر مجلدات جمع فيه بين البخارى ومسلم والموطأ وسنن أبي داود وسنن النسائي والترمذي عمله على حروف المعجم، وشرح غريب الأحاديث ومعانيها وأحكامها ووصف رجالها ونبه على جميع ما يحتاج إليه منها قال المؤلف. أقطع قطعا أنه لم يصنّف مثله قط ولا يصنف وله رسائل في الحساب مجدولات. كتاب ديوان رسائله. وكتاب البنين والبنات والآباء والأمهات والأذواء والذوات مجلد. كتاب المختار في مناقب الأخيار أربع مجلدات، إلى غير ذلك. [٩٣٤] مبشر بن فاتك أبو الوفاء الأمير أحد أدباء مصر العارفين بالأخبار والتواريخ المصنفين فيها، وكان في أيام الدوله المصريه في ايام الظاهر والمستنصر. وله من التصانيف. كتاب سيرة المستصر ثلاث مجلدات، وله تواليف في علوم الأوائل، وملك من الكتب ما لا يحصى عدده كثرة. [٩٣٥] مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني: روى عن الشعبي فأكثر، وروى عنه الهيثم بن عدي، مات في سنة احدى وأربعين ومائة وكان رواية للأخبار والأنساب والأشعار، وهو عند أصحاب الحديث ضعيف.

стр. 2270

[٩٣٦] مجاهد بن جبر القارىء ، وقيل مجاهد بن جبير مولى عبد الله بن السائب، وقيل مولى قيس بن السائب المخزومي: من كبار التابعين يكنى أبا الحجاج، مات سنة أربع ومائة، وقيل سنة ثلاث عن ثلاث وثمانين سنة من عمره. سمع ابن عباس؟؟؟ وأبا هريرة وأبا سعيد الخدري وأبا ريحانة وعبد الله بن عمر وغيرهم. أحد القراءة عن عبد الله بن عباس وعن عبد الله بن أبي ليلى وقرأ على علي بن أبي طالب وأبي بن كعب ﵃، روى عنه الأعمش والليث بن أبي سليم والحكم ومنصور بن نجيح وغيرهم. وقال مجاهد: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين عرضة. قال مجاهد. وكنت أصحب ابن عمر في السفر فكنت إذا أردت أن أركب يأتيني فيمسك ركابي فإذا ركبت سوّى على ثيابي قال مجاهد: فجاءني مرة فكأني كرهت ذلك، فقال: يا مجاهد إنك ضيّق الخلق. نقلت ذلك كله من «كتاب الأمالي» لأبي بكر محمد بن منصور السمعاني. وقرأت بخط أبي سعد باسناد رفعه إلى مجاهد أنه قال: انطلق علام من بني إسرائيل بفخّ فنصبه منتبذا عن الطريق، فجاء عصفور فوقع قريبا منه وانطق الله العصفور وأفهم الفخ، فقال العصفور. مالى أراك منتبدا عن الطريق؟ قال: اعتزلت شرور الناس، قال: فمالى أراك نحيفا؟ قال: أنهكتنى العبادة قال: فما هذه الحبة في فيك: قال: أرصد بها مسكينا أو ابن سبيل، قال فانا مسكين وابن سبيل، قال:؟؟؟ قال؟؟؟ العصفور فأخذ الحية، فوتب القح فوقع في عنقه، فجعل العصفور يقول عيق عيق، وعزة ربي لا غرّنى بعدها قارىء مراء ابدا قال مجاهد: وهذا مثل قرائين مرتين يكونون آخر الزمان.

стр. 2271

وذكر ابن عفير قال: قدم عمرو بن العاص بعد فتحه مصر على عمر بن الخطاب ﵄ قدمتين استخلف في إحداهما زكريا بن الجهم العندري على الجند ومجاهد بن جبر مولى بني نوفل بن عبد مناف على الحراح (وهو جد معاذ بن موسى النفاط أبي إسحاق بن معاذ الشاعر) فسأله عمر من استخلفت؟ فذكر له مجاهد بن جبر، فقال له عمر مولى ابنه غزوان؟ قال: نعم إنه كاتب، فقال عمر: إن العلم ليرفع صاحبه (وبنت غزوان هي أخت عتبة بن غزوان، وقد شهد عتبة بدرا، وكان حليف بني نوفل بن عبد مناف) قال: وحطه مجاهد بن جبر دار صالح صاحب السوق. [٩٣٧] مجاهد بن عبد الله العامري أبو الجيش الموفق مولى عبد الرحمن الناصر بن المنصور محمد بن أبي عامر أمير الأندلس: مات بدانية في سنة ست وثلاثين وأربعمائة، وأصله مملوك رومي من مماليك ابن أبي عامر. كان من أهل الأدب والشجاعة والمحبة للعلوم وأهلها. نشأ بقرطبه وكانت له همة وجلادة وجرأة، فلما جاءت أيام الفتنة وتغلبت العساكر على النواحي سار هو فى من تبعه الى الجزائر التي في شرق الأندلس وهي دانية ومنورقة (بالنون) ، ودانية هي ذات حصب وسعة، فغلب عليها وحماها، وقصد إلى سردانية في قصة ذكرتها في التاريخ الذي سميته «المبدأ» . وكان الكرماء على العلماء يبذل لهم الرغائب خصوصا على يقراء حتى صارت دانيه معدن القراء بالعرب. وهو الذي بذل لأبي غالب تمام بن غالب ألف دينار ليزيد اسمه في ديباجة كتابه كما ذكرنا فى باب تمام «١» ، وفيه يقول أبو العلاء صاعد بن

стр. 2272

الحسن اللغوي وقد استماله بحريطة مال ومركب أهداهما إليه، قصيدة اولها: أتتني الخريطة والمركب ... كما اقترن السعد والكوكب وحطّ بمينائه قلعه ... كما وضعت حملها المقرب على ساعة قام فيها النباء ... على هامة المشتري يحطب مجاهد رضت إباء الشموس ... فأصحب ما لم يكن يصحب فقل واحتكم لي فسمع الزمان ... مصيح إليك بما ترغب وقد ألف مجاهد كتاب عروض يدلّ على قوته فيه، ومن أعظم فضائله تقديمه للوزير أبي العباس أحمد بن رشيق وتعويله عليه وبسط يده في العدل. [٩٣٨] المحسن بن إبراهيم بن هلال بن زهرون الصابىء أبو علي بن أبي إسحاق صاحب الرسائل، ووالد هلال بن المحسن صاحب التواريخ والرسائل: كان أديبا فاضلا بارعا قد لقي الأدباء والعلماء وأخذ عنهم كأبي سعيد السيرافى وأبي على الفارسي وأبي عبيد الله المرزباني. مات في تامن محرم سنة احدى وأربعمائة عن ابنه هلال، وله شعر حسن من مثله، وكان بوجهه شامة حمراء فكان يعرف بصاحب الشامة، وابنه هلال بن المحسن أعلى منزلة منه. ومات هذا على دين أبيه، وأما ابنه فأسلم على ما ذكرته في بابه. وكان لأبي اسحاق ابن آخر يقال له أبو سعيد سنان لبس بالنبيه وآخر كنيته أبو العلاء صاعد، ومات ابو سعيد سنان في حياة أبيه في رجب سنة ثمانين. ولما قبض على أبيه أبي إسحاق قبض معه على ولديه أبي عليّ هذا وأبي سعيد. فحدث أبو الحسين هلال قال حدثني أبو عليّ والدي قال: أمر عضد الدولة أبا القاسم المطهر بن عبد الله وزيره وقال له: أفرج عن [ابن] أبي إسحاق صاحب الشامة فان له قديم خدمة، فتقدم بذاك، فثقل على أبي سعيد أخى إطلاقي من دونه ودمدم على والدنا دمدمة قال له عندها: أيّ أمر لنا يا بني في نفوسنا أم أيّ ذنب لى

стр. 2273

فيما لطف به لأخيك وحرمته؟ ثم عدل إلى مسألتي أن أخرج أسبوعا ويخرج أسبوعا ويقع بيننا مناوبة في ذاك، فامتنعت وأبيت ورفق بي رفقا استحييت معه وأجبت، فكتب أبو إسحاق إلى أبي القاسم المطهر: ابناي عيناي كفّ الحبس لحظهما ... وعزّ حسّهما عن منظر النور أطلقت لي منهما عينا وقد بقيت ... عين فصرت من الابنين كالعور فسوّ بينهما في فكّ أسرهما ... مستوفرا منهما من أجر مأجور يفديك بالأنفس اللاتي مننت بها ... أبوهما وهما من كلّ محذور فقال المطهر: الأمر إلى الملك فهو الذي رسم لي إطلاق ولدك صاحب الشامة، ولو كنت مستطيعا للجمع بينهما لفعلت، بل لم أقنع حتى تكون أنت المطلق فعاوده وشكره وقال: إذا كان قد أخذ في تخلية واحد فيجوز أن يتناوبا في الخروج، وفسح المطهر في ذلك. قال أبو علي: وكانت خدمتي التي رعاها الملك عضد الدولة أن أبا طاهر ابن بقية لما أفرج عن أبي إسحاق والدي بعد القبض عليه عقيب خروج عضد الدولة من مدينة السلام استحلفه على أن يعرّفه ما يرد عليه من كتبه ويسلّم إليه من يجيئه من رسله، فاتفق أن جاء أبو سعد المدبر إليه بكتاب من عضد الدولة وعمل على تسليمه، فاجتهدت به ألّا يفعل، فخاف وأشفق ولم يقبل، وحمله إلى ابن بقية فتقدم باعتقاله بعد أن ضربه وقرّره، وشقّ ذلك عليّ لما يراعى من عواقبه، وحملني الشباب ونزقه والاغترار وبواعثه على أن قمت ليلا وحملت معي خمسين درهما في صرّة وعشرين درهما في صرّة أخرى وجئت إلى الحبس متنكرا وعلى رأسي منشفة وقلت للسجّان: هذه عشرون درهما خذها ومكنّي من الدخول على هذا الجاسوس وأجتمع معه وأخاطبه وأخرج، فاخذها وأدخلني، وجئت إلى أبي سعد وتوجعت له مما حصل فيه، ووعدته بما أستطيعه من المعاونة على خلاصه، ثم قلت له: وأنت غريب وربما احتجت إلى شيء وهذه خمسون درهما اصرفها في نفقتك واستعن بها على أمرك، فشكرني وانصرفت، وأظنّه ذكر ذلك لعضد الدولة عند خلاصه وعوده إليه، فحصل لي في نفسه ما كانت هذه الحال ثمرته.

стр. 2274

قرأت بخط أبي علي المحسّن في مجموع جمعه لولده هلال ما هذا صورته: لبعض المحدثين في عصرنا (وعلى الحاشية بخطّ ابنه هلال: هذه الأبيات لأبي، المحسن بن إبراهيم بن هلال ﵀ : أأهجو مجوسيا لو أنّي أمرته ... بنيك امّه جهرا إذا ما تأثّما إذا ذكرت يوما له ريع قلبه ... وأنعظ مشتاقا إليها متيما يحنّ إليها حنّتين لأنه ... يكون لها بعلا وكان لها ابنما قضاها رضاع الثدي منه بأيره ... ففرّ لها فرجا وفرّت له فما فان طرّقت بالحمل يوما فانما ... يكون أخا وابنا له كلما انتمى ينيك الأقاصي والأداني محللا ... بذلك ما كان الإله محرما إذا ما ذوو الأديان صلّوا لربّهم ... تقدّم يهذي في الصلاة مزمزما ويخرج مما كلّفوا من مشقّة ... ويحتسب اللذات أجرا ومغنما وكتب أبو علي إلى أبيه في بعض نكباته: لا نأس للمال إن غالته غائلة ... ففي حياتك من فقد اللهى عوض إذ أنت جوهرنا الأعلى وما جمعت ... يداك من طارف أو تالد عرض فاجابه أبو إسحاق بأبيات ذكرتها في بابه فأغنى. قرأت بخط أبي علي المحسن، أنشدني القاضي أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي ﵀. الجود والغول والعنقاء ثالثة ... أسماء أشياء لم تخلق ولم تكن وأنشدني: ألهى بني جشم «١» عن كل مكرمة ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم يفاخرون بها مذ كان أولهم ... يا للرجال لفخر غير مسئوم وأنشدني في المعنى:

стр. 2275

كأن وجوه شمّاس بن لأي ... من السوءات ملبسة عصيما إذا ذكروا الخطيئة لم يعدّوا ... حديثا بعد ذاك ولا قديما وأنشدني: أيا ابن صليبا أين طبك والذى ... به كنت تشفي من به مثل دائكا أأنكرت مما قيل ما قد عرفته ... بغيرك أم آثرتهم بشفائكا بل الموت ميقات النفوس متى يحن ... فداء الذي داويته في دوائكا ومن خط أبي على المحسن قال: سألت القاضي أبا سعيد السيرافي ﵀ عن الأخبار التي يرويها عن أبي بكر ابن دريد وكنت أقرأها عليه: أكان يمليها من حفظه؟ فقال: لا، كانت تجمع من كتبه وغيرها ثم تقرأ عليه. وسألت أبا عبد الله محمد بن عمران المرزباني ﵀ عن ذلك فقال: لم يكن يمليها من كتاب ولا حفظ ولكن كان يكتبها ثم يخرجها إلينا بخطه فإذا كتبناها خرّق ما كانت فيه. وقرأت بخط أبي علي المحسن: لأبي لحسن محمد بن عبد الله بن سكرة الهاشمي اليّ يتقاضاني دفترا أعطانيه: كنت يا سيدي استعرت كتابا ... لي فيه قصائد للخليع في الربيع الماضي وهذا ربيع ... فتفصّل بردّه يا ربيعي تغتنم مدحتي وإن جدت أيضا ... لي بفلسين لم يكن ببديع يا جميل الصنيع لم قد تغير ... ت وعاملتني بسوء الصنيع من عذيرى يا آل زهرون منكم ... من تراه يطفي لهيت ضلوعي لست في المنع بالملوم تعلم ... ت من السد الجليل الرفيع كنت أعددتكم لنائبة الده ... ر وللحادث الملمّ الفظيع ورجوت الغنى فخاب رجائي ... لم يخب فيك أنت بل في الجميع واقريضي واخيبتي واعنائي ... واضنائي واذّلتي واحضوعي واشبابي الذي تقضّى ضياعا ... واسهادي وافقد طيب هجوعى

стр. 2276

واشقائي من ذلّ بختي عليكم ... من إليكم يا قوم كان شفيعي كنت أبكي منكم فلما نكبتم ... قمت أبكي لكم فعزّت دموعي قال أبو علي: وكنت مع أبي الحسن ابن سكرة على المائدة فحمل بعض الغلمان غضارة فيها مضيرة، فاضطربت يده وانقلب شيء منها على ثياب أبي الحسن، فادّعى عليه أنه ضرط وهجاه بأبيات لم يبق في حفظي منها غير بيتين وهما: قليل الصواب كثير الغلط ... شديد العثار قبيح السّقط جنى بالمضيرة ما قد جنى ... ولم يكفه ذاك حتى ضرط [٩٣٩] المحسّن بن الحسين بن علي [بن] كوجك أبو القاسم الأديب: من أهل الفضل، وكان الغالب عليه الوراقة، ويقول الشعر، وخطّه معروف مرغوب فيه يشبه خطّ الطبري. قال أبو محمد أحمد بن الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الروذبارى في «تاريخه الذي ألّف بمصر» : وفي شوال سنة ست عشرة وأربعمائة مات أبو القاسم المحسن بن الحسين العبسي الأديب الوراق، سمع من أبي مسلم محمد بن أحمد كاتب ابن حنزابة، وسمع معه أخوه علي بن الحسين، وكان أبوه أيضا من أهل الفضل وله شعر ذكرته في ترجمة ابنه الآخر علي بن الحسين. وقرأت في «كتاب الشام» : المحسن بن علي بن كوجك أبو عبد الله من أهل الأدب، أملى بصيدا حكايات مقطّعة بعضها عن ابن خالويه، روى عنه أبو نصر طلاب قال: أنبأنا عبد الله بن أحمد بن عمر، قال أخبرنا أبو نصر ابن الحسين بن محمد بن أحمد بن طلاب، قال أملى علينا الأستاذ أبو عبد الله المحسن بن علي بن كوجك بصيدا وقرأته عليه في سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، أنشدنا لبعضهم:

стр. 2277

ودّعك الحسن فهو مرتحل ... وانصرفت عن حمالك المقل ومتّ من بعد ما أمتّ و ... أحييت وكلّ الأمور تنتقل كم قائل لي وقد رأى كلفي ... فيك ووجدي فقال مكتهل يرحمك الله يا غلام إذا ... قال لك العاشقون يا رحل قال ابن طلاب. وحضرنا معه يوما فى محرس عرق «١» بمدينة صيدا وفيه قبة فيها مكتوب أسماء من حضرها وأشعار من جملتها رحم الله من دنا لأناس ... نزلوا هاهنا يريدون مصرا فرّقت بينهم صروف الليالي ... فتحلّوا عن الأحبة قسرا فقال له قائل من حماعتنا: إن المائدة لا تقعد على رجلين ولا تسقر إلا على ثلاثة، فأجز لنا هذين البيتين بثالث، فأطرق ساعة ثم قال: اكتبوا: نزلوا والثياب بيض فلما ... أزف البين منهم صرن حمرا قال ابن طلال: وكان بين الأستاذ وبين رجل كاتب لبني بزال «٢» إحن وملاحاه «٣» مستهجنة أوقعت بينهما العداوة بعد وكيد الصداقة، وكان هذا الرجل يقال له أبو المنتصر مبارك الكاتب، فهجاه الأستاذ بأشعار كثيرة وجمعها في جرء وكتب على ظهر هذا الجزء شعرا له وهو: هذا جزاء صديق ... لم برع حقّ الصداقه سعى على دم حرّ ... محرّم فأراقه قال وأنشدنا لنفسه فيه أيضا: مبارك بورك في الطول لك ... فأصبحت أطول من في الفلك ولولا انحناؤك نلت السماء ... ولكنّ ربك ما عدّلك

стр. 2278

[٩٤٠] المحسن بن علي بن محمد بن داود بن الفهم التنوحى أبو علي القاضي، وقد مر ذكر أبيه علي بن محمد وابنه علي بن المحسن في مواضعهما. مات لحمس بقين من محرم سنة أربع وثمانين وثلاثمائة ومولده سنة تسع وعشرين وثلاثمائة بالبصرة، وكانت وفاته ببغداد، وله من التصانيف. كتاب الفرح بعد الشدة ثلاث مجلدات. كتاب نشوار المحاضرة اشترط فيه انه لا يضمنه شيئا نقله من كتاب، احد عشر مجلدا، كلّ مجلد له فاتحة بخطبة. قال غرس النعمة: صنف أبو علي المحسن «كتاب نشوار المحاضرة» في عشرين سنة أولها سنة ستين وثلاثمائة. وذيله غرس النعمة بكتاب سماه «كتاب الربيع» قال: ابتدأته في سنة ثمان وستين وأربعمائة. ولي لقضاء بعدة نواح، حكى عن نفسه أنه في سنة ثلاث وستين وثلاثمائة كان متولي القضاء بواسط، وقال في موضع آخر من كتابه: حضرت أنا مجلس أبي العباس ابن أبي الشوزب قاضي القضاة إذ ذاك، وكنت حينئذ أكتب له على الحكم ولوقوف بمدينة السلام مضافا إلى ما كنت أخلفه عليه بتكريت ودقوقاء وخانيحار وقصر ابن هبيرة والجامعين وسوراء وبابل والايغارين وخطرنيه؛ وذكر قصة، وذكر في موضع آخر أنه [كان] يتقلد القضاء بعسكر مكرم في أيام المطيع لله وعز الدولة ابن بويه وقد ذكر أبو الفرج الشلجي أنه تقلد القضاء بالأهواز نيابة عن القاضي أبي بكر بن قريعة، وقد ذكرت ذلك في خبر الشلحي. قال أبو الفرج: وحدثني أبو علي التنوخي القاضي قال: لما قلدني القاضي أبو بكر ابن قريعة قصاء الأهواز خلافة له كتب إلى المعروف بابن سركر الشاهد، وكان

стр. 2279

حليفته على القضاء قبلي، كتابا على يدىّ وعنونه. إلى المخالف الشاقّ، السيء الاخلاق، الظاهر النفاق، محمد بن إسحاق. وذكره النعالبي فقال «١» : هلال ذلك القمر، وغصن ذلك الشجر، الشاهد العدل لمحد أبيه وفصله، والفرع المشيد «٢» لأصله، والنائب عنه في حياته، والقائم مقامه بعد وفاته، وفيه يقول أبو عبد الله الحسين بن الحجاج «٣» . إذا ذكر القضاة وهم شهود ... تخيرت الشباب على الشيوخ ومن لم يرض لم أصفعه الّا ... بحضرة سيدي القاضي التنوخي قال: وأخبرني أبو نصر سهل بن المرزبان أنه رأي ديوان شعره ببغداد أكبر حجما من ديوان شعر أبيه، ومما علق بحفظ أبي نصر من شعره قوله في معنى ظريف لم يسبق إليه «٤» : خرجنا لتسسقي بيمن دعائه ... وقد كاد هدب العيم أن يبلغ الأرضا فلما ابتدا يدعو نقشّعت السما ... فما تمّ إلا والعمام قد انفضا قال: وأنشدني غيره له، وأنا مرتاب به لفرط جودته وارتفاعه عن طبقته «٥» . أقول لها والحيّ قد فطنوا بنا ... وما لي عن أيدي المنون براح لما ساءني أن وشّحتني سيوفهم ... وأنك لي دون الوشاح وشاح وأنشد لنفسه في «كتاب الفرج بعد الشدة» «٦» : لئن أشمت الحساد صرفى ورحلتى ... فما صرفوا فصلي ولا ارتحل المجد

стр. 2280

مقام وترحال وقبض وبسطة ... كذا عادة الدنيا وأخلاقها النّكد قرأت في «كتاب الوزراء» لهلال بن المحسن «١» : حدث القاضي أبو علي قال: نزل الوزير أبو محمد المهلبي السوس فقصدته للسلام عليه وتحديد العهد بخدمته، فقال لي: بلغني أنك شهدت عند ابن سيار قاضي الأهواز، قلت: نعم، قال: ومن ابن سيار حتى تشهد عنده، وأنت ولدي وابن أبي القاسم التنوخي أستاذ ابن سيار؟ قلت: إلا أن في الشهادة عنده مع الحداثة جمالا (وكانت سنّي يومئذ عشرين سنة) ، قال: وجب أن تجيء إلى الحضرة لأتقدّم إلى أبي السائب قاضي القضاة بتقليدك عملا تقبل أنت فيه شهودا، قلت: ما فات ذاك إذا أنعم سيدنا الوزير به، وسبيلي إليه الآن مع قبول الشهادة أقرب، فضحك وقال لمن كان بين يديه: انظروا إلى ذكائه كيف اغتنمها. ثم قال لي اخرج معي إلى بغداد، فقبّلت يده ودعوت له، وسار من السوس إلى بغداد، ووردت إلى بغداد في سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، فتقدم إلى أبي السائب في أمري بما دعاه إلى أن قلّدني عملا بسقي الفرات، وكنت ألازم الوزير أبا محمد وأحضر طعامه ومجالس أنسه، واتفق أن جلس يوما مجلسا عاما وأنا بحضرته، وقيل له: أبو السائب في الدار، قال. يدخل، ثم أومأ إليّ بأن أتقدم إليه، فتقدمت ومدّ يده ليسارّني فقبلتها فمدّ يدي وقال: ليس بيننا سر، وإنما أردت أن يدخل أبو السائب فيراك تسارّني في مثل هذا المجلس الحافل، فلا يشكّ أنك معي في أمر من أمور الدولة، فيرهبك ويحشمك ويتوفر عليك ويكرمك، فإنه لا يحيء إلا بالرهبة، وهو يبغضك بزيادة عداوة كانت لأبيك، ولا يشتهي أن يكون له خلف مثلك، وأخذ يوصل معي في مثل هذا الفنّ من الحديث إلى أن دخل أبو السائب، فلما رآه في سرار وقف ولم يحبّ أن يجلس إلّا بعد مشاهدة الوزير له تقربا إليه وتلطفا في استمالة قلبه، فإنه كان إذ ذاك فاسد الرأي فيه، فقال الحاجب لأبي السائب: يجلس قاضي القضاة، وسمعه الوزير فرفع رأسه وقال له: اجلس يا سيدي، وعاد إلى سراري وقال لي: هذه أشدّ من تلك، فامض إليه في عد فسترى ما يعاملك به، وقطع السرار وقال لي ظاهرا: قم فامض فيما أنفذتك فيه وعد إليّ الساعة بما تعمله،
следующие страницы →