مستوفز عند السماح وإن تقس ... أحدا به في الحلم قلت حصاة
طود بلوذ به الزمان وعنده ... لجميع أحداث الزمان أداة
بيمينه قلم إذا ما هزّه ... في أوجه الأيام قلت قناة
في سنه بأس السنان وهيبة ال ... سيف الحسام وقد حوته دواة
سحبان عيّا وهو عيّا باقل ... عجل إلى النجوى وفيه أناة
وسنان إلا أنه متنبّه ... يقظان منه الزهو والإخبات
لم يخط في ظلمات ليل مداده ... إلا انجلت عنا به الظلمات
وأبو علي أحمد بن محمد ... قد نمّقت عنّي لديه هنات
فتقاعست دوني عوائد فضله ... وسعت سعاة بيننا وعداة
فافتله عن طول العقوق وهزّه ... فله لدى فعل العلا هزات
والله ما شاني المديح وبذله ... لمؤمّل ليمينه نفحات
إلا مجازاة لمن أضحت له ... عندي يد أغذى بها وأقات
والمسمعيّ له لديّ صنائع ... أيامهن لطيها ساعات
فاخالها عهد الشباب وحسنه ... إذ طار لي في ظله اللذات
خذها الغداة أبا الحسين قصيدة ... ضيمت بها الراءات والكافات
غيّبن عنها ختلة اخواتها ... عند النشيد فما لها اخوات
ولو انهن شهدن لازدوجت لها ... الغينات [والهمزات] والألفات
فاسعد أبا عبد الإله بها إذا ... شقيت بلثغة منشد أبيات
نقصت فتمّت في السماع وألغيت ... منها التي هي بينها آفات
صفّيتها مثل المدام له فما ... فيها لدى حسن السماع قذاة
معشوقة تسبي العقول بحسنها ... ياقوتة في اللين وهي صفاة
علوية حسنية مزهوّة ... تزهى بحسن نشيدها اللهوات
ميزانها عند الخليل معدّل ... متفاعلن متفاعلن فعلات
لو واصل بن عطاء الباني لها ... تليت توهّم أنها آيات
стр. 2312
لولا اجتنابي أن يملّ سماعها ... لأطلتها ما خطّت التاءات
وقال أيضا في الفخر «١» :
حسود مريض القلب يخفي أنينه ... ويضحي كئيب البال عندي حزينه
يلوم على أن رحت في العلم راغبا ... أجمّع من عند الرواة فنونه
وأملك أبكار الكلام وعونه ... وأحفظ مما أستفيد عيونه
ويزعم أنّ العلم لا يجلب الغنى ... ويحسن بالجهل الذميم ظنونه
فيا لائمي دعني أغالي بقيمتي ... فقيمة كلّ الناس ما يحسنونه
إذا عدّ أغنى الناس لم أك دونه ... وكنت أرى الفخر المسوّد دونه
إذا ما رأى الراؤون نطقي وعيّه ... رأوا حركاتي قد هتكن سكونه
وما ثمّ ريب في حياتي وموته ... فأعجب بميت كيف لا يدفنونه
أبى الله لي من صنعه أن يكونني ... إذا ما ذكرنا فخرنا وأكونه
وجدت في «كتاب شعراء أصبهان» لحمزة الأصبهاني قال، وجدت بخط أبي الحسن ﵀ يعني ابن طباطبا أن أبا علي يحيى بن علي بن المهلب وصف له دعوة لأبي الحسن أحمد بن محمد بن إبراهيم الكراريسي ذكر أنهم قربوا فيها مائدة عليها خيار وفي وسطها جامات عليها فطر بحسب «٢» ، فسميتها مسيحية لأنها أدم النصارى، وأنهم قربوا بعد ذلك سكباجة بعظام عارية فسميتها شطرنجية، وأنهم قربوا بعدها مضيرة في غضائر بيض فسميتها معتدّة وكانت بلا دسم، والمعتدة لا تمسّ الدهن والطيب، وانهم قدموا بعدها زير باجة قليلة الزعفران فسميتها عابدة تشبيها بلون العباد في الصفرة، وأنهم قربوا بعدها لونا فسميتها قنّبية، وأنهم قربوا بعدها زبيبية سوداء فسميتها موكبية، وأنهم قربوا بعدها قليّة بعظام الأضلاع فسميتها حسكية، ثم قربوا بعدها فالوذجة بيضاء فسميتها صابونية، وأنه اعتلّ على الجماعة بأنه عليل،
стр. 2313
فحوّلهم من منزله إلى باغ «١» قد طبّق بالكراث، فهيأ المجلس هناك، وأحضرهم جرة منثلمة وكانوا يمزجون شرابهم منها، فإذا أرادوا الغائط نقلوها معهم، فكانت مرة في المجلس ومرة في المخرج، وأن الباغبان «٢» ربط بحذائهم عجلة كانت تخور عليهم خوارا مناسبا لقول القائل يا فاطمة، فقلت في ذلك:
يا دعوة مغبرّة قاتمه ... كأنها من سفر قادمه
قد قدّموا فيها مسيحية ... أضحت على أسلافها نادمه
نعم وشطرنجية لم تزل ... أيد وأيد حولها حائمه
فلم نزل في لعبها ساعة ... ثم نفضناها على قائمه
وبعدها معتدة أختها ... عابدة قائمة صائمه
في حجرها أطراف موءودة ... قد قتلتها أمّها ظالمه
والقنّبيات فلا تنسها ... فحيرتي في وصفها دائمه
أقنّب ما امتدّ في إصبعي ... أم حية في وسطها نائمه
والموكبيات بسلطانها ... قد تركت آنافنا راغمه
والحسكيّات فلا تنس في ... خندقها أوتادها القائمه
وجام صابونية بعدها ... فافخر بها إذ كانت الخاتمه
ظلّ الكراريسي مستعبرا ... من عصبة في داره طاعمه
وقال إنّ ابني عليل ولي ... قيامة من أجله قائمه
وولولت داياته حوله ... وليس إلا عبرة ساجمه
والقصيدة طويلة باردة نشبت في كتابتها فكتبت منها هذا.
وله:
لا تنكرن إهداءنا لك منطقا ... منك استفدنا حسنه ونظامه
فالله يشكر فعل من ... يتلو عليه وحيه وكلامه
стр. 2314
وقال وقد صادف على باب ابن رستم عثمانيين أسودين معتمين بعمامتين حمراوين، فامتحنهما فوجدهما من الأدب خاليين، فدخل إلى مجلس أبي علي وتناول الدواة والكاغد من بين يديه وكتب بديهة:
رأيت باب الدار أسودين ... ذوي عمامتين حمراوين
كجمرتين فوق فحمتين ... قد غادرا الرفض قرير العين
جدّكما عثمان ذو النورين ... فما له أنسل ظلمتين
يا قبح شين صادر عن زين ... حدائد تطبع من لجين
ما أنتما إلا غرابا بين ... طيرا فقد وقعتما للحين
زورا ذوي السنة في المصرين ... المظهرين الحبّ للشيخين
وخليّا الشيعة للسبطيين ... الحسن المرضيّ والحسين
لا تبرما إبرام ربّ الدين ... ستعطيان في مدى عامين
قال وقال لابن أبي عمر ابن عصام وكان ينتف لحيته:
يا من يزيل خلقة ال ... رحمن عما خلقت
تب وخف الله على ... ما [ ... ] اجترحت
هل لك عذر عنده ... إذا الوحوش حشرت
في لحية إن سئلت ... بأيّ ذنب قتلت
وقال:
ما أنس لا أنس حتى الحشر مائدة ... ظلنا لديك بها في أشغل الشّغل
إذ أقبل الجدي مكشوفا ترائبه ... كأنه متمطّ دائم الكسل
قد مدّ كلتا يديه لي فذكّرني ... بيتا تمثّله من أحسن المثل
«كأنه عاشق قد مدّ بسطته ... يوم الفراق إلى توديع مرتحل»
وقد تردّى بأطمار الرقاق لنا ... مثل الفقير إذا ما راح في سمل
وله:
لنا صديق نفسنا ... في مقته منهمكه
стр. 2315
أبرد من سكونه ... وسط النديّ الحركه
وجدريّ وجهه ... يحكيه جلد السمكه
أو جلد أفعى سلخت ... أو قطعة من شبكه
أو حلق الدرع إذا ... أبصرتها مشتبكه
أو كدر الماء إذا ... ما الريح أبدت حبكه
أو سفن محبّب ... أو كرش منفركه
أو منخل أو عرض ... رقيقة منهتكه
أو حجر الحمّام كم ... من وسخ قد دلكه
أو كور زنبور إذا ... أفرخ فيه تركه
أو سلحة يابسة ... قد نقرتها الديكة
ومن محاسن ابن طباطبا في أبي علي الرستمي يهجوه بالدعوة والبرص:
أنت أعطيت من دلائل رسل ... الله آيا بها علوت الرؤوسا
جئت فردا بلا أب وبيمنا ... ك بياض فأنت عيسى وموسى
[٩٦٣]
محمد بن أحمد بن نصر الجيهاني أبو عبد الله:
قال السلامي في «تاريخ خراسان» وفي سنة إحدى وثلاثمائة في جمادى الآخرة ولي أبو الحسن نصر بن
стр. 2316
أحمد بن إسماعيل وهو ابن ثمان سنين، وتولى التدبير أبو عبد الله محمد بن أحمد الجيهاني فأجرى الأسباب على وجوهها، وكان حسن النظر لمن أمله وقصده، معينا لمن أمّه واعتمده، وكان مبتلى بالمذهب «١» فلم يكن يصافح أحدا إلا دون ثوب أو كاغد، ومرّ يوما بنخّاس يعالج دابّة فتأفّف وأبرز يده من كمه وعلّقها إلى أن نزل وصبّ عليها قماقم من الماء تقذرا مما فعله النخاس كأنه هو الذي تولّى ذلك، ولم يكن يأذن في إمساك السنانير في دوره فكان الفأر يتعابث فيها، وفيه يقول أبو الطيب الطاهري:
رأيت الوزير على بابة ... من المذهب الشائع المنتشر
يرى الفأر أنظف شيء يدبّ ... على ثوبه ويعاف البشر
يبيت حفيّا بها معجبا ... ويضحي عليها شديد الحذر
وإن سغبت فهو في جحرها ... يفتّ لها يابسات الكسر
فلم صار يستقذر المسلمين ... ويألف ما هو عين القذر
وله أيضا فيه:
ما فيه من حسن نثني عليه به ... إلا التصنع بالوسواس للناس
ليوهموا شغفا بالطهر منك فلا ... تعدّ فيمن يؤدّي جزية الراس
يا لهف نفسي على دنيا حظيت بها ... عفوا بلا طول إبساس وإيناس
وله أيضا فيه:
قل للوزير الذي عجائبه ... يضرب في سوقنا بها المثل
أنت إذا كنت طول دهرك بال ... مخرج عما سواه تشتغل
فأين ألقاك للحوائج أو ... في أي حين يهمّك العمل
وقال وكان هجّيرا الجيهاني يقول في أضعاف كلامه «بدواندرون» ، وهجيرا علي بن محمد العارض أن يقول «هزين» ، وفيهما يقول الطاهري:
وزيران أما بالمقدّم منهما ... فخبل وبالثاني يقال جنون
стр. 2317
إذا نحن كلمناهما فجوابنا ... بدواندرون دائم وهزين
متى تلق ذا أو تلق ذاك لحادث ... تلاق مهينا لا يكاد يبين
ومعنى بدو اندرون «اعد إلى داخل» ومعنى هزين «الفرار» .
وللطاهري فيهما:
إنّ الأمور إذا أضحت يدبّرها ... طفل رضيع وسكران ومجنون
لمخبرات بأن لن يستقيم بها ... لمن توسّطها دنيا ولا دين
[٩٦٤]
محمد بن أحمد أبو الندى الغندجاني اللغوي:
رجل واسع العلم راجح المعرفة باللغة وأخبار العرب وأشعارها، وما عرفت له شيخا ينسب إليه ولا تلميذا يعوّل عليه غير الحسن بن أحمد الأعرابي المعروف بالأسود صاحب التصانيف المشهورة التي تصدّى فيها للأخذ على أعيان العلماء، فإن روايته في كتبه كلّها عن أبي الندى هذا.
وأنا أرى أنّ هذا الرجل خرج إلى البادية واقتبس علومه من العرب الذين يسكنون الخيم، وقد وقع لي شيء من خبره في ذلك أنا أورده هاهنا ليستدل به على ما ذهبت إليه كما استدللت أنا به.
وجدت بخط صديقنا كمال الدين أبي القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة الحلبي الفقيه المدرس الكاتب الأديب ما أسنده إلى ليث الطويل قال: سألت أبا الندى، وكان من أعلم من شاهدت بأخبار العرب: هل تعرف من شعر الذلفاء بنت الأبيض في ابن عمها نجدة بن الأسود؟ قال: نعم، كنت فيمن حضر جنازة نجدة حتى وضعناه في قبره وأهلنا عليه التراب، وصدرنا عنه غير بعيد، فأقبلن نسوة يتهادين فيهنّ امرأة قد فاقتهنّ طولا، كالغصن الرطب، وإذا هي الذلفاء، فأقبلت حتى أكبّت على القبر وبكت بكاء محرقا وأظهرت من وجدها ما خفن معه على نفسها، فقلن لها:
يا ذلفاء إنه قد مات السادات من قومك قبل نجدة، فهل رأيت نساءهم قتلن أنفسهنّ
стр. 2318
عليهم؟ فلم يزلن بها حتى قامت فانصرفت عن القبر، فلما صارت منه غير بعيد عطفت بوجهها عليه وقالت:
سئمت حياتي حين فارقت قبره ... ورحت وماء العين ينهلّ هامله
وقالت نساء الحيّ قد مات قبله ... شريف فلم تهلك عليه حلائله
صدقن لقد مات الرجال ولم يمت ... كنجدة من إخوانه من يعادله
فتى لم يصق عن جسمه لحد قبره ... وقد وسع الأرض الفضاء فضائله
قال فقلت: أحسنت والله يا أبا الندى وأحسنت، فهل تعرف من شعرها شيئا آخر؟ قال: نعم، كنت ممن حضر قبر نجدة عند زيارتها إياه لتمام لحول فرأيتها أقبلت حتى أكبّت على القبر وبكت بكاء شديدا ثم أنشأت تقول:
يا قبر نجدة لم أهجرك مقلية ... ولا جفوتك من صبري ولا جلدي
لكن بكيتك حتى لم أجد مددا ... من الدموع ولا عونا من الكمد
وايستني جفوني من مدامعها ... فقلت للعين فيضي من دم الكبد
فلم أزل بدمي أبكيك جاهدة ... حتى بقيت بلا عين ولا جسد
ولله يعلم لولا الله ما رضيت ... نفسي عليك سوى قتل لها بيدي
قال فقلت: أحسنت والله يا أبا الندى وأحسنت، فهل تعرف من شعرها شيئا آخر؟ قال: نعم، حضرنا عيدا لنا في زمن الربيع، ونحن في رياض خضرة معشية فركب الفتيان وعقدوا العذب الصّفر في القنا الحمر وجعلوا يتجاولون، فلما أردنا الانصراف قال بعضنا لبعض: ألا تجعلون طريقكم على الذلفاء فلعلها إذا نظرت إليكم تسلّت بمن بقي عمن هلك؛ قال: فخرجنا نؤمّها فأصبناها بارزة من خبائها، وهي كالشمس الطالعة إلا أنه يعلوها كسوف الحزن، فسلّمنا عليها وقلنا: يا ذلفاء إلى كم يكون هذا الوجد على نجدة؟ أما آن لك أن تتسلّي بمن بقي من بني عمك عمن هلك؟ ها نحن سادات قومك وفتيانهم ونجومهم، وفينا السادة والذادة والبأس والنجدة، فأطرقت مليا ثم رفعت رأسها باكية تقول:
صدقتم إنكم لنجوم قومي ... ليوث عند مختلف العوالي
стр. 2319
ولكن كان نجدة بدر قومي ... وكهفهم المنيف على الجبال
فما حسن السماء بلا نجوم ... وما حسن النجوم بلا هلال
ثم دخلت خباءها وأرسلت سترها فكان آخر العهد بها.
وقرأت بخط أبي سعد في «المذيل» : أنشدنا شافع بن علي الحمامى، أنشدنا إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي، أنشدني أبو حرب رزماشوب بن زياد الجيلي بشيراز، أنشدنا أبو محمد الحسن بن علي الغندجاني الأديب، أنشدنا أبو محمد الأسود الغندجاني الأديب، أنشدنا أبو الندى قال: سمعت أعرابيا بالبصرة يقال له الوليد بن عاصم ينشد لنفسه:
وما معزل بالعور غور تهامة ... بأودية صابت عليها عهودها
ترود الضحى افنان ضال وتتفي ... ويخرج من بين الأراكة جيدها
بأحسن من سلمى ولا ضوء درّة ... تسمّى إليها غائص يستجيدها
قرأت في «كتاب اللقائط» لأبي يعلى ابن الهبّارية، وقد ذكر أبا محمد الأعرابي، ووضع منه وانتصر للنمري الذي شرح «الحماسة» وغيره واستدلّ على صحة روايانهم وإتقان علمهم ومقالانهم ثم قال: فكيف نترك أمثال هذه الروايات لرواية مثل أبي الندى، ولم يذكر لي من لقيته من شيوخ بلاد فارس من فضل أبي الندى إلا أنه غاب عن أهله مدة، وأقام في البادية سنين عدة، وعاد يروي ويخبر، وكان له ابن فأخذ يطليه بالزيت ويقفه في شمس القيط بالغندجان، وهي حارة جدا، ولم يزل يفعل به ذلك ليكون أسمر اللون كالعرب حتى مات ذلك المسكين.
[٩٦٥]
محمد بن أحمد الأزهر بن طلحة بن نوح بن الأزهر بن نوح
بن حاتم بن سعيد بن عبد الرحمن الأزهري أبو منصور اللغوي الأديب الشافعي المذهب الهروي:
стр. 2320
مات فيما ذكره أبو النصر عبد الرحمن بن عبد الجبار بن أبي سعيد الفامي في «تاريخ هراة» في سنة سبعين وثلاثمائة، ووافقه الحاكم أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسين الكتبي الهروي في «كتاب الوفيات» له، وزاد في ربيع الآخر، قال الحاكم: ورأيت في «كتاب تاريخ السنين» تصنيف أبي يعقوب إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن بن الفرات الهروي الحافظ، وأصله عندي بخطه في عشرة أجزاء، أن مولد أبي منصور الأزهري في سنة اثنتين وثلاثمائة.
أخذ الأزهري عن أبي الفضل محمد بن أبي جعفر المنذري عن ثعلب وغيره فأكثر، وعن أبي محمد المزني عن أبي خليفة الجمحي، وعن أبي محمد عبد الله بن عبد الوهاب البغوي عن الربيع بن سليمان عن الشافعي، وعن عبد الله بن محمد بن هاجك وأبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي.
ورد بغداد وأدرك ابن دريد فلم يرو عنه، قال: ودخلت داره ببغداد غير [مرة] فألفيته على كبر سن سكران لا يكاد يستمرّ لسانه على الكلام من سكره. وأخذ الأزهريّ ببغداد عن أبي عبد الله إبراهيم بن عرفة نفطويه وعن ابن السراج.
وصنف: كتاب التهذيب في اللغة «١» . كتاب معرفة الصبح. كتاب التقريب في التفسير. كتاب تفسير ألفاظ كتاب المزني. كتاب علل القراءات. كتاب في الروح وما جاء فيه من القرآن والسنة. كتاب تفسير أسماء الله . كتاب معاني شواهد غريب الحديث. كتاب الردّ على الليث. كتاب تفسير شواهد غريب الحديث. كتاب تفسير إصلاح المنطق. كتاب تفسير السبع الطوال. كتاب تفسير شعر أبي تمام.
كتاب الأدوات.
وذكر في مقدمة كتابه قال «٢» : وكنت امتحنت بالإسار سنة عارضت القرامطة الحاجّ بالهبير، وكان القوم الذين وقعت في سهمهم عربا نشأوا بالبادية يتتبعون مساقط الغيث أيام النجع ويرجعون إلى أعداد المياه في محاضرهم زمن القيظ، ويرعون النعم
стр. 2321
ويعيشون بألبانها، ويتكلمون بطباعهم البدوية وقرائحهم التي اعتادوها، ولا يكاد [يقع] في منطقهم لحن أو خطأ فاحش، فبقيت في إسارهم دهرا طويلا، وكنا نتشتّى الدهناء ونتربع الصمّان ونتقيظ الستارين، واستفدت من مخاطباتهم ومحاورة بعضهم بعضا ألفاظا جمة ونوادر كثيرة أوقعت أكثرها في الكتاب، وستراها في مواضعها إذا أتت قراءتك عليها إن شاء الله تعالى.
وذكر في تضاعيف كتابه أنه أقام بالصمّان شتوتين، ورأى ببغداد أبا إسحاق الزجاج وأبا بكر ابن الأنباري ولم يذكر أنه أخذ عنهم شيئا.
قال المؤلف: كانت سنة الهبير هي سنة احدى عشرة وثلاثمائة وذكر بعضهم أنها كانت سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة، عارضهم أبو طاهر الجنابي فقتل بعضهم واسترقّ بعضهم واستولى على جميع أموالهم، وذلك في أيام المقتدر بالله ابن المعتضد.
[٩٦٦]
محمد بن أحمد بن طالب الأخباري:
قال الخطيب مات بعد سنة سبعين وثلاثمائة، ويكنى أبا الحسن، سكن الشام وحدث بطرابلس، أنشد أبو الحسن محمد بن أحمد البغدادي قال: أنشدني أبو علي الأعرابي لنفسه:
كنت دهرا أعلّل النفس بالوع ... د وأخلو مستأنسا بالأماني
فمضى الواعدون واقتطعتنا «١» ... عن فضول المنى صروف الزمان
[٩٦٧]
محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت بن شنبوذ أبو الحسن المقرىء:
مات
стр. 2322
فيما ذكره الخطيب في سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.
قال الخطيب: قد تخيّر لنفسه حروفا من شواذّ القراءات فقرأ بها فصنّف أبو بكر الأنباري وغيره كتبا في الرد عليه.
قرأت بخط أبي علي ابن أبي إسحاق الصابىء، قال القاضي أبو سعيد السيرافي ﵀: كان ابن شنبوذ- واسمه محمد بن أحمد بن أيوب- كثير اللحن قليل العلم، وكان دينا وفيه سلامة وحمق ثم ذكر توبته كما ذكرنا بعد.
حدث إسماعيل بن علي الخطبي في «كتاب التاريخ» قال: واشتهر ببغداد أمر رجل يعرف بابن شنبوذ يقرىء الناس ويقرأ في المحراب بحروف يخالف فيها المصحف فيما يروي عن عبد الله بن مسعود وأبيّ بن كعب وغير هما مما كان يقرأ به قبل المصحف الذي جمعه عثمان، ويتتبع الشواذّ فيقرأ بها ويجادل حتى عظم أمره وفحش وأنكره الناس، فوجه السلطان وقبض عليه في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وحمل إلى دار الوزير محمد بن مقلة، وأحضر القضاة والفقهاء والقراء وناظره الوزير بحضرته، فأقام على ما ذكر عنه ونصره، واستنزله الوزير عن ذلك فأبى أن ينزل عنه أو يرجع عما يقرأ به من هذه الشواذ المنكرة التي تزيد على المصحف العثماني، فأنكر ذلك جميع من حضر المجلس وأشاروا بعقوبته ومعاملته بما يضطره الى الرجوع، فأمر بتجريده وإقامته بين الهنبازين، وأمر بضربه بالدرة على قفاه فضرب نحو العشرة ضربا شديدا فلم يصبر واستغاث وأذعن بالرجوع والتوبة، فخلّي عنه وأعيدت عليه ثيابه واستتيب، وكتب عليه كتاب توبته، وأخذ فيه خطه بالتوبة، فتقوّل أصحابه أنه دعا على ابن مقلة بقطع اليد فاستجيب له.
قال المؤلف «١» : وهذا من عجيب الاتفاق إن صحّ.
وذكره محمد بن اسحاق النديم فقال: كان ابن شنبوذ يناوىء أبا بكر ابن مجاهد ولا يعشره «٢» وكان دينا فيه سلامة وحمق؛ قال لي الشيخ أبو محمد يوسف بن السيرافي:
إنه كان كثير اللحن قليل العلم، وقد روى قراءات كثيرة وله كتب مصنفة في ذلك.
وكان مما خالف فيه قراءة الجمهور (قال القاضي أبو يوسف: وسئل عنه بحضرة الوزير
стр. 2323
أبي علي ابن مقلة فاعترف به ولم ينكره إذا نودي للصّلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله (الجمعة: ٩) . وقرأ وكان أمامهم ملك يأخذ كلّ سفينة صالحة غصبا (الكهف: ٧٩) . وقرأ كالصّوف المنفوش (القارعة: ٥) . وقرأ تبّت يدا أبي لهب وقد تبّ ما أغنى (المسد: ١) . وقرأ أليوم ننجّيك بيديك لتكون لمن خلفك آية (يونس: ٩٢) . وقرأ وتجعلون شكركم أنّكم تكذّبون (الواقعة: ١٢) . وقرأ واللّيل إذا يغشى والنّهار إذا تجلّى والذّكر والانثى (الليل: ١) . وقرأ وقد كذّب الكافرون فسوف يكون لزاما (الفرقان: ٧٧) . وقرأ إلّا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض (الأنفال: ٧٣) إلى غير ذلك.
وله من التصانيف: كتاب ما خالف فيه ابن كثير أبا عمرو. كتاب قراءة علي ﵊. كتاب اختلاف القراء. كتاب شواذ القراءات. كتاب انفراداته.
وقرأت في كتاب ألفه القاضي أبو يوسف عبد السلام القزويني سماه «أفواج القراء» ، قال: كان ابن شنبوذ أحد القراء والمتنسكين، وكان يرجع إلى ورع ولكنه كان يميل إلى الشواذ ويقرأ بها وربما أعلن ببعضها في بعض صلواته التي يجهر فيها بالقراءة وسمع ذلك منه وأنكر عليه فلم ينته للانكار، فقام أبو بكر ابن مجاهد فيه حقّ القيام وأشهر أمره، ورفع حديثه إلى الوزير في ذلك الوقت وهو أبو علي ابن مقلة، فأخذ وضرب أسواطا زادت على العشرة ولم تبلغ العشرين، وحبس واستتيب فتاب وقال: إني قد رجعت عما كنت أقرأ به، ولا أخالف مصحف عثمان ولا أقرأ إلا بما فيه من القراءة المشهورة، وكتب عليه بذلك الوزير أبو علي محضرا بما سمع من لفظه، وأمره أن يكتب في آخره بخطه، وكان المحضر بخط أبي الحسين أحمد بن محمد بن ميمون. وكان أبو بكر ابن مجاهد تجرد في كشفه ومناظرته فانتهى أمره إلى أن خاف على نفسه من القتل، وقام أبو أيوب السمسار في إصلاح أمره، وسأل الوزير أبا علي أن يطلقه وأن ينفذه إلى داره مع أعوانه بالليل خيفة عليه لئلا يقتله العامة، ففعل ذلك، ووجه إلى المدائن سرّا مدة شهرين ثم دخل بيته ببغداد مستخفيا من العامة.
ونسخة المحضر المعمول على ابن شنبوذ بخط ابن ميمون: يقول محمد بن أحمد بن أيوب المعروف بابن شنبوذ: قد كنت أقرأ حروفا تخالف ما في مصحف عثمان بن عفان ﵁ المجمع عليه والذي اتفق أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
стр. 2324
ورضي عنهم على تلاوته، ثم بان لي أنّ ذلك خطأ، فأنا تائب وعنه مقلع وإلى الله عزوجل بريء، إذ كان مصحف عثمان هو الحقّ الذي لا يجوز خلافه ولا أن يقرأ بغير ما فيه.
نسخة خط ابن شنبوذ في هذا المحضر: يقول محمد بن أحمد بن أيوب بن شنبوذ: ما في هذه الرقعة صحيح وهو قولي واعتقادي، وأشهد الله وسائر من حضر على نفسي بذلك، وكتب بخطه، فمتى خالفت ذلك أو بان مني غيره فأمير المؤمنين أطال الله بقاءه في حلّ وسعة من دمي، وذلك في يوم الأحد لسبع خلون من ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة في مجلس الوزير أبي علي محمد بن علي أدام الله توفيقه، وحسبي الله وحده وصلاته على سيدنا محمد وآله.
خط ابن مجاهد: اعترف ابن شنبوذ بما في هذه الرقعة، وكتب ابن مجاهد بيده وذكر التاريخ.
خط ابن أبي موسى: اعترف المعروف بابن شنبوذ بما في هذه الرقعة بحضوري طوعا، وكتب محمد بن أبي موسى الهاشمي، وذكر التاريخ.
شهادة أخرى: شهد محمد بن أحمد بن محمد على إقرار محمد بن أحمد بن أيوب المعروف بابن شنبوذ بجميع ما في هذا الكتاب، وذكر التاريخ.
وقال ابن شنبوذ في المجلس إن رسول الله ﷺ وجماعة من أصحابه خالفوا بعض ما في هذا المصحف الذي في أيدينا، وكان اعترافه به طوعا، شهد بذلك محمد بن أبي موسى، وكتب بيده، وشهد أحمد بن موسى بن مجاهد، وكتب بيده.
قال القاضي أبو يوسف: كنت قد سمعت من مشايخنا بالري ثم ببغداد أن سبب الانكار على ابن شنبوذ أنه قرأ، أو قرى عليه، في آخر سورة المائدة عند حكاية قول عيسى إن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرّحيم من العزيز الحكيم.
[٩٦٨]
محمد بن أحمد بن إبراهيم الشنبوذي أبو الفرج المقرىء ،
يعرف بغلام ابن
стр. 2325
شنبوذ: مات سنة سبع وثمانين وثلاثمائة وقيل سنة ثمان ومولده في سنة ثلاثمائة.
قال الخطيب: روى عن أبي الحسن محمد بن أحمد بن شنبوذ وغيره كتبا في القراءات، وتكلم الناس في رواياته، وسئل الدارقطني عنه فأساء القول فيه والثناء عليه. قال: وسمعت عبيد الله الصيرفي يذكر أبا الفرج الشنبوذي فعظم أمره ووصف علمه بالقرآن وحفظ التفسير وقال: سمعته يقول: أحفظ خمسين ألف بيت من الشعر شواهد للقرآن.
وله من التصانيف: كتاب الشارة في تلطيف العبارة في علم القرآن. كتاب التفسير ولم يتم.
[٩٦٩]
محمد بن أحمد المعمري أبو العباس النحوي:
أحد شيوخ النحاة ومشهوريهم، صحب الزجاج وأخذ عنه، وكان أبو الفتح المراغي تلميذه وصاحبه، وكان أكثر مقامه بالبصرة وبها توفي وأظنه من أهلها، وله شعر صالح متوسط من أشعار الأدباء، ومات فيما أحسب بين الخمسين والثلاثمائة، والثلاثمائة، قال ذلك ابن عبد الرحيم، قال: وأنشدني أبو القاسم التنوخي عن أبيه له من قصيدة مدح بها جدّه أبا القاسم أولها:
وجفون المضانيات «١» المراض ... والثنايا يلحن بالإيماض
والعهود التي تلوح بها الصح ... ف خلاف الصدود والاعراض
لبرتني الخطوب حتى نضتني ... حرضا باليا من الأحراض
وجدتني والدهر سلمي سليمى ... لم ينلني بنابه العضاض
بين برد من الشباب جديد ... ورداء من الصبا فضفاض
ومدير عرى الأمور برأي ... يقظ الحزم مبرم نقّاض
стр. 2326
دقّ معنى وجل قدرا فجادت ... في معانيه نهية الاعماض
وأنشد أيضا له:
لو قد وجدت إلى شفائك منهجا ... جبت الصباح إليه أو حلك الدجى
لكن رأيتك لا يحيك العتب في ... ك ولا العتاب ولا المديح ولا الهجا
فاذهب سدى ما فيك شرّ يتّقى ... يوما وليس لديك خير يرتجى
وإذا امرؤ كانت خلائق نفسه ... هذي الخلائق فالنّجا منه النجا
قال وحدثني أبو علي محمد بن وشاح، قال حدثني أبي، قال حدثني القاضي أبو تمام الحسن بن محمد الزينبي ﵀ قال: جاءتني في بعض البكر رسالة محمد بن أحمد المعمري النحوي بالبصرة، وكنت أغشى مجلسه دائما وآخذ عنه، أن أدركني، فبادرت إليه وتبعني جماعة من أصحابي، فلما صرت إليه عرّفني أن صبية مملوكة له مولدة قد كنت أشاهدها في ولده قد هربت منه وتناولت صدرا مما كان في منزله، وأنفذت أصحابي وبثثتهم في الجيران وبحيث يظنّ بها الحصول فيه، فما بعد أن أحضرت وما أخذت، فسرّ المعمري وطابت نفسه، فلما هممت بالانصراف أنشدني:
ما لأيري كبست عا ... دية الدهر عموده
كان حرباء فأضحى ... لشقاء البخت دوده
قال ابن وشاح: وحدثني أبي قال حدثني القاضي ﵀ قال: كان رسم المعمريّ أن يجلس لأهل العلم في يوم الأربعاء، فبكرنا إليه في بعض الأيام فقال للجماعة: ليس لكم اليوم عندي فائدة ولا مني حظّ، فلما هممنا بالانصراف قال:
إذا كان يوم الاربعاء ولم أنك ... ولم أصطبح فالأربعاء مشوم
فإن نكت فيه واصطبحت ولمته ... فإني ليوم الأربعاء ظلوم
انصرفوا مأجورين، فانصرفنا.
قال: وكان شديد المحبة لشرب النبيذ، كثير التوفر عليه، قاطعا أكثر زمانه به.
ولما مات رثاه أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي صاحب «كتاب الموازنة» بقوله:
يا عين أذري الدموع وانسكبي ... أصبح ترب العلوم في الترب
стр. 2327
لقيت بالمعمريّ يوم ثوى ... أول رزء بآخر الأدب
كان على أعجميّ نسبته ... فضيلة من فضائل العرب
وكتب أبو القاسم الآمدي إلى المعمري جواب أبيات كتب بها إليه.
يا مهدي الشعر إلى من يرى ... أنك تستعلي عن الشعر
أنت الذي تحكم فيه إذا ... أعيا على الباقعة «١» الحبر
وتكشف الغامض حتى يرى ... أوضح أسبابا من الفجر
بنت عن المثل ومن ذا الذي ... إلى مدى تبلغه يجري
كلّ إلى علمك ذو حاجة ... كحاجة الأرض إلى القطر
[٩٧٠]
محمد بن أحمد بن عبد الله بن زياد القطان
ويعرف بالمتوثي ويكنى أبا سهل: أحد الشيوخ الفضلاء المقدمين سمع الحديث ورواه، وكان ثقة جيد المعرفة بالعلوم، ومات سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، وسمع كثيرا من كتب الأدب عن بشر بن موسى الأسدي ومحمد بن يونس الكديمي وأبي العيناء وثعلب والمبرد وغيرهم، ولقي السكريّ أبا سعيد وسمع عليه «أشعار اللصوص» من صنعه، وسمعه منه الخالع أبو عبد الله الشاعر، وفلج في آخر عمره، وكان ينزل بدار القطن من غربى دار السلام بغداد، وله بقية حال حسنة.
قال الخالع: وحكى لنا أنه كان في ابتداء أمره يتوكل لعلي بن عيسى بن الجراح الوزير وأنه صحبه حين نفي من بغداد وعاد بعوده، وأنهم نزلوا في بعض طريقهم بأحد
стр. 2328
أمراء الشام وأنه حمل على يده إلى علي بن عيسى سمكة فضة وزنها زيادة على خمسة آلاف درهم مبيتة للطيب، وعليها جوهر وياقوت قد رصّعت به، فامتنع من قبولها على عادته في ذلك، فرددتها إلى صاحبها فوهبها لي ولم أتجاسر على قبولها إلا بعد استئذانه فاستأذنته فأذن لي فكانت أصل حالي.
قال الخالع: وكانت بضاعة أبي سهل جيدة في العلم، فكان يحفظ القرآن ويعرف القراءات ويرويها، ويطلع على قطعة من اللغة، ويعرف النحو ويحفظ الشعر ويقوله، وكان يتشيع على مذهب الامامية ويظاهر به، إلا أنه كان في الأصول على رأي المجبرة، ولم يعقب ولدا ذكرا، وكانت له ابنة بقيت إلى سنة أربعين وباعت كتبه. وله أشعار كثيرة ركيكة باردة ومن أصلحها:
غضب الصوليّ لمّا ... كسر الضيف وسمّى
ثم عند المضغ منه ... كاد أن يتلف غمّا
قال للضيف ترفق ... شمّ ريح الخبز شمّا
واغتنم شكري فقال ال ... ضيف بل أكلا وذمّا
[٩٧١]
محمد بن أحمد بن يونس الفسوي أبو عبد الله ،
يعرف بخاطف: صاحب أبي بكر ابن السراج وروى عن ابن دريد وغيره.
[٩٧٢]
محمد بن أحمد أبو الريحان البيروني الخوارزمي ،
وهذه النسبة معناها
стр. 2329
البراني، لأن بيرون بالفارسية معناه برّا، وسألت بعض الفضلاء عن ذلك فزعم أن مقامه بخوارزم كان قليلا، وأهل خوارزم يسمون الغريب بهذا الاسم، كأنه لما طالت غربته عنهم صار غريبا، وما أظنه يراد به إلا أنه من أهل الرستاق، يعني أنه من برّا البلد. ومات السلطان محمود بن سبكتكين في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وأبو الريحان حيّ بغزنة، وجدت «كتاب تقاسيم الأقاليم» تصنيفه وخطّه وقد كتبه في هذا العام.
ذكره محمد بن محمود النيسابوري فقال «١» : له في الرياضيات السبق الذي لم يشقّ المحضرون غباره، ولم يلحق المضمّرون المجيدون مضماره، وقد جعل الله الأقسام الأربعة له أرضا خاشعة سخت «٢» له لواقح مزنها واهتزّت به يوانع نبتها «٣» فكم مجموع له [رفرف] على روض النجوم ظله، وترقرق «٤» على كبد السماء طله.
وبلغني أنه لما صنف «القانون المسعودي» أجازه السلطان بحمل فيل من نقده الفضي «٥» [إليه] فرده إلى الخزانة بعذر الاستغناء عنه، ورفض العادة في الاستغناء به، وكان ﵀ مع الفسحة في التعمير، وجلالة الحال في عامة الأمور، مكبّا على تحصيل العلوم منصبّا إلى تصنيف الكتب، يفتح أبوابها، ويحيط شواكلها وأقرابها، ولا يكاد يفارق يده القلم وعينه النظر وقلبه الفكر إلا في يومي النيروز والمهرجان من السنة لإعداد ما تمسّ إليه الحاجة في المعاش، من بلغة الطعام وعلقة الرياش، ثم هجّيراه في سائر الأيام من السنة علم يسفر عن وجهه قناع الأشكال ويحسر عن ذراعيه كمام الاغلاق.
حدث القاضي كثير بن يعقوب البغدادي النحوي في الستور عن الفقيه أبي الحسن علي بن عيسى الولوالجي قال: دخلت على أبي الريحان وهو يجود بنفسه، قد حشرج نفسه وضاق به صدره، فقال لي في تلك الحال: كيف قلت لي يوما حساب
стр. 2330
الجذرات «١» الفاسدة؟ فقلت له إشفاقا عليه: أفي هذه الحالة؟ قال لي: يا هذا أودّع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة، ألا يكون خيرا من أن أخلّيها وأنا جاهل بها؟ فأعدت ذلك عليه وحفظ وعلمني ما وعد، وخرجت من عنده وأنا في الطريق، فسمعت الصراخ.
وأما «٢» نباهة قدره وجلالة خطره عند الملوك فقد بلغني من حظوته لديهم أن شمس المعالي قابوس بن وشمكير أراد أن يستخلصه لصحبته ويرتبطه في داره على أن تكون له الإمرة المطاعة في جميع ما يحويه ملكه، ويشتمل عليه ملكه، فأبي عليه ولم يطاوعه، ولما أسمحت قرونته بمثل ذلك لخوارزمشاه [آواه] في داره وأنزله معه في قصره، ودخل خوارزمشاه يوما وهو يشرب على ظهر الدابة فأمر باستدعائه من الحجرة فأبطأ قليلا فتصور الأمر على غير صورته، وثنى العنان نحوه ورام النزول فسبقه أبو الريحان إلى البروز وناشده الله ألا يفعل، فتمثل خوارزمشاه:
العلم من أشرف الولايات ... يأتيه كلّ الورى ولا ياتي
ثم قال: لولا الرسوم الدنياوية لما استدعيتك فالعلم يعلو ولا يعلى. وكأنه سمع هذا في أخبار المعتضد فانه كان يوما يطوف في البستان وهو آخذ بيد ثابت بن قرّة الحراني، إذ جذبها دفعة وخلّاها، فقال ثابت: ما بدا يا أمير المؤمنين؟ قال: كانت يدي فوق يدك والعلم يعلو ولا يعلى.
ولما استبقاه «٣» السلطان الماضي لخاصّة أمره وحوجاء صدره كان يفاوضه فيما يسنح لخاطره من أمر السماء والنجوم، فيحكى أنه ورد عليه رسول من أقصى بلاد الترك، وحدّث بين يديه بما شاهد فيما وراء البحر نحو القطب الجنوبي من دور الشمس عليه ظاهرة في كلّ دورها فوق الأرض بحيث يبطل الليل، فتسارع على عادته في التشدد في الدين إلى نسبة الرجل إلى الالحاد والقرمطة، على براءة أولئك القوم عن هذه الآفات، حتى قال أبو نصر ابن مشكان: إن هذا لا يذكر ذلك عن رأي
стр. 2331
يرتأيه، ولكن عن مشاهدة يحكيه، وتلا قوله عزوجل وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً
(الكهف: ٩٠) فسأل أبا الريحان عنه فأخذ يصف له على وجه الاختصار ويقرّره على طريق الاقناع. وكان السلطان في بعض الأوقات يحسن الإصغاء ويبذل الإنصاف، فقبل ذلك، وانقطع الحديث بينه وبين السلطان وقتئذ.
وأما ابنه السلطان مسعود فقد كان فيه إقبال على علم النجوم ومحبة لحقائق العلوم، ففاوضه يوما في هذه المسألة وفي سبب اختلاف مقادير الليل والنهار في الأرض وأحبّ أن يتّضح له برهان ما لم يصحّ له من ذلك بعيان، فقال له أبو الريحان: أنت المنفرد اليوم بامتلاك الخافقين والمستحقّ بالحقيقة اسم ملك الأرض فأخلق بهذه المرتبة إيثار الاطلاع على مجاري الأمور وتصاريف أحوال الليل والنهار، ومقدارها في عامرها وغامرها، وصنّف له عند ذلك كتابا في اعتبار مقدار الليل والنهار بطريق تبعد عن مواضعات المنجمين وألقابهم، ويقرّب تصوّرهم من فهم من لم يرتض بها ولم يعتدها، وكان السلطان الشهيد قد مهر بالعربية فسهل وقوفه عليه وأجزل إحسانه إليه.
وكذلك صنّف كتابه «في لوازم الحركتين» بأمره، وهو كتاب جليل لا مزيد عليه مقتبس أكثر كلماته عن آيات من كتاب الله عزوجل. وكتابه المترجم «بالقانون المسعودي» يعفّي على أثر كلّ كتاب صنّف في تنجيم أو حساب. وكتابه الآخر المعنون بالدستور الذي صنفه باسم شهاب الدولة أبي الفتح مودود بن السلطان الشهيد مستوف أحاسن المحاسن.
قال مؤلف الكتاب: هذا ذكره محمد بن محمود، وإنما ذكرته أنا هاهنا لأن الرجل كان أديبا أريبا لغويا له تصانيف في ذلك رأيت أنا منها: كتاب شرح شعر أبي تمام رأيته بخطه لم يتمه. كتاب التعلل باجالة الوهم في معاني نظم أولي الفضل.
كتاب تاريخ أيام السلطان محمود وأخبار أبيه. كتاب المسامرة في أخبار خوارزم.
كتاب مختار الأشعار والآثار. وأما سائر كتبه في علوم النجوم والهيئة والمنطق والحكمة فانها تفوق الحصر، رأيت فهرستها في وقف الجامع بمرو في نحو الستين ورقة بخط مكتنز.
وحدثني بعض أهل الفضل أن السبب في مصيره إلى غزنة أن السلطان محمودا لما استولى على خوارزم قبض عليه وعلى أستاذه عبد الصمد أول بن عبد الصمد
стр. 2332
الحكيم واتهمه بالقرمطة والكفر، فأذاقه الحمام، وهمّ أن يلحق به أبا الريحان فساعده فسحة الأمل بسبب خلّصه من القتل، وقيل له إنه إمام وقته في علم النجوم وإن الملوك لا يستغنون عن مثله، فأخذه معه، ودخل إلى بلاد الهند وأقام بينهم وتعلّم لغتهم واقتبس علومهم، ثم أقام بغزنة حتى مات بها أرى في حدود سنة ثلاث وأربعمائة عن سن عالية. وكان حسن المحاضرة طيّب العشرة خليعا في ألفاظه عفيفا في أفعاله، لم يأت الزمان بمثله علما وفهما، وكان يقول شعرا إن لم يكن في الطبقة العليا فانه من مثله حسن، منه في ذكر صحبة الملوك ويمدح أبا الفتح البستي، من «كتاب سر السرور» :
مضى أكثر الأيام في ظلّ نعمة ... على رتب فيها علوت كراسيا
فآل عراق قد غذوني بدرّهم ... ومنصور منهم قد تولّى غراسيا
وشمس المعالي كان يرتاد خدمتي ... على نفرة مني وقد كان قاسيا
وأولاد مأمون ومنهم عليّهم ... تبدّى بصنع صار للحال آسيا
وآخرهم مأمون رفّه حالتي ... ونوّه باسمي ثم رأس راسيا
ولم ينقبض محمود عني بنعمة ... فأغنى وأقنى مغضيا عن مكاسيا
عفا عن جهالاتي وأبدى تكرما ... وطرّى بجاه رونقي ولباسيا
عفاء على دنياي بعد فراقهم ... وواحزني أن لم أزر قبل آسي
اولما مضوا واعتضت منهم عصابة ... دعوا بالتناسي فاغتنمت التناسيا
وخلّفت في غزنين لحما كمضغة ... على وضم للطير للعلم ناسيا
فأبدلت أقواما وليسوا كمثلهم ... معاذ الهي أن يكونوا سواسيا
بجهد شأوت الجالبين أئمة ... فما اقتبسوا في العلم مثل اقتباسيا
فما بركوا للبحث عند معالم ... ولا احتبسوا في عقدة كاحتباسيا
فسائل بمقداري هنودا بمشرق ... وبالغرب من قد قاس قدر عماسيا
فلم يثنهم عن شكر جهدي نفاسة ... بل اعترفوا طرا وعافوا انتكاسيا
أبو الفتح في دنياي مالك ربقتي ... فهات بذكراه الحميدة كاسيا
стр. 2333
فلا زال للدنيا وللدين عامرا ... ولا زال فيها للغواة مواسيا
ومن أقوم شعره قوله لشاعر اجتداه:
يا شاعرا جاءني يخرى على الأدب ... وافى ليمدحني والذمّ من أدبي
وجدته ضارطا في لحيتي سفها ... كلا فلحيته عثنونها ذنبي
وذاكرا في قوافي شعره حسبي ... ولست والله حقا عارفا نسبي
إذ لست أعرف جدّي حقّ معرفة ... وكيف أعرف جدي إذ جهلت أبي
إني أبو لهب شيخ بلا أدب ... نعم ووالدتي حمالة الحطب
المدح والذمّ عندي يا أبا حسن ... سيّان مثل استواء الجدّ واللعب
فأعفني عنهما لا تشتغل بهما ... بالله لا توقعن مفساك في تعب
وله:
ومن حام حول المجد غير مجاهد ... ثوى طاعما للمكرمات وكاسيا
وبات قرير العين في ظلّ راحة ... ولكنه عن حلة المجد عاريا
وله في التجنيس:
فلا يغررك مني لين مسّ ... تراه في دروس واقتباس
فأني أسرع الثقلين طرّا ... إلى خوض الردى في وقت باس
ومنه:
تنغص بالتباعد طيب عيشي ... فلا شيء أمرّ من الفراق
كتابك إذ هو الفرج المرجّى ... أطبّ لما ألمّ من الف راق
وله:
أتأذنون لصبّ في زيارتكم ... إن كان مجلسكم خلوا من الناس
فأنتم الناس لا أبغي بكم بدلا ... وأنتم الراس والانسان بالراس
وكدّكم لمعال تنهضون بها ... وغيركم طاعم مسترجع كاسي
فليس يعرف من أيام عيشته ... سوى التلهي بأير قام أو كاس
لدى المكايد إن راجت مكايده ... ينسى الإله وليس الله بالناسي
стр. 2334
[٩٧٣]-
محمد بن أحمد بن عبيد الله الكاتب
المعروف بالمفجع صاحب ثعلب: كذا وجدت نسبه بخط الطبري المعروف بمضراب اللبن من أهل البصرة، ويكنى أبا عبد الله، ذكره ابن النديم فقال: إنه لقي ثعلبا وأخذ عنه وعن غيره، وكان شاعرا شيعيا، وله قصيدة يسميها بالأشباه يمدح فيها عليا ﵇، وبينه وبين ابن دريد مهاجاة، وذكره أبو منصور الثعالبي في «كتاب اليتيمة» فقال: المفجع البصري صاحب ابن دريد والقائم مقامه في التأليف والاملاء، حدث ابن نصر قال حدثني بعض المشايخ البصريين قال: كان المفجع وشمال يتهاجيان، وكان شمال سنيا والمفجع:
شيعيا، فقال فيه المفجع:
دار شمال في بني أصمع
فقال شمال: كذا هو، فقال المفجع:
انظر إليها فهي في بلقع
قال شمال: أيّ شيء ذنبي إذا خربت المحلة؟ قال:
وهو خبيث النفس مستهتر ... بكلّ أير قائم أصلع
فقال شمال: هو شيعي وكان يجب أن ينزه ذكر القائم والأصلع عن لفظ الهجاء، قال:
وذا قبيح أن يرى شاعر ... يناك في السرم على أربع
قال شمال: وغير الشاعر أيضا قبيح أن يرى كذا.
ثم عمل فيه شمال يعرّض به:
رجل نازل بدرب سطيح ... أيّ شخص بالليل يركب سطحه
стр. 2335
أخذ الله لابن عفان منه ... ولشيخيه والزبير وطلحه
فلما سمعت ربيعة بذلك قصدت دار المفجع فهرب منها.
ومن شعر المفجع «١» :
لي أير أراحني الله منه ... صار حزني به عريضا طويلا
نام إذ زارني الحبيب عنادا ... ولعهدي به ينيك الرسولا
حسبت زورة عليّ لحيني ... وافترقنا وما شفيت غليلا
ووجدت له أيضا فيما رواه الحميدي:
لنا صديق مليح الوجه مقتبل ... وليس في وده نفع ولا بركه
شبهته بنهار الصيف يوسعنا ... طولا ويمنع منّا النوم والحركه
وقد هجاه بعض الشعراء فقال «٢» :
إنّ المفجع ويله ... شرّ الأوائل والأواخر
ومن النوادر أنه ... يملي على الناس النوادر
كأنه من قول أبي تمام:
وما لك بالغريب يد ولكن ... تعاطيك الغريب من الغريب
قال المرزباني: لقب بالمفجع ببيت قاله، وهو شاعر مكثر عالم أديب، مات قبل الثلاثين وثلاثمائة. قال: وهو القائل في أبي الحسن محمد بن عبد الوهاب الزينبي الهاشمي يمدحه «٣» :
للزينبيّ على جلالة قدره ... خلق كطعم الماء غير مزنّد
وشهامة تقصي الليوث إذا سطا ... وندى يغرّق كلّ بحر مزبد
يحتلّ بيتا في ذؤابة هاشم ... طالت دعائمه محلّ الفرقد
حرّ يروح المستميح ويغتدي ... بمواهب منه تروح وتغتدي
стр. 2336
فإذا تحيّف ماله إعطاؤه ... في يومه نهك البقية في غد
بضياء سنّته المكارم تهتدي ... وبجود راحته السحائب تقتدي
مقدار ما بيني وما بين الغنى ... مقدار ما بيني وبين المربد
وقال الثعالبي: وأما شعره فقليل كثير الحلاوة يكاد يقطر منه ماء الظّرف، وفيه يقول اللحام «١» :
إن المفجّع فالعنوه بزيت «٢» ... نغل يدين ببغض أهل البيت
يهوى العلوق وإنما يهواهم ... بمؤخر حيّ وقلب ميت
ومن شعره ويروى لابن لنكك «٣» :
لنا سراج نوره ظلمة ... ليس له ظلّ على الأرض
كأنه شخص الإمام الذي ... يبغي الهدى منه أولو الرفض
وللمفجع تصانيف منها: كتاب الترجمان في الشعر ومعانيه يشتمل على ثلاثة عشر حدا وهي: حدّ الاعراب. حدّ المديح. حد البخل. حد الحلم والرأي. حد الغزل. حد المال. حد الاغتراب. حد المطايا. حد الخطوب. حد النبات. حد الحيوان. حد الهجاء. حد اللغز، وهو آخر الكتاب. وله أيضا كتاب المنقذ في الإيمان، يشبه «كتاب الملاحن» لابن دريد إلا أنه أكبر منه وأجود وأتقن. كتاب أشعار الجواري لم يتم. كتاب عرائس المجالس. كتاب غريب شعر زيد الخيل الطائي. كتاب قصيدته في أهل البيت. ذكره أبو جعفر في مصنفي الإمامية.
ومما أنشده الثعالبي له في غلام يكنى أبا سعد «٤» :
زفرات تعتادني عند ذكرا ... ك وذكراك ما تريم فؤادي
وسروري قد غاب عني مذ غب ... ت فهل كنتما على ميعاد
حاربتني الأيام فيك أبا سع ... د بسيف الهوى وسهم البعاد
стр. 2337
ليس لي مفزع سوى عبرات ... من جفون مكحولة بالسهاد
في سهادي لطول أنسي بذكرا ... ك اعتياض من الكرى والرقاد
وبحسبي من المصائب أني ... في بلاد وأنتم في بلاد
وله «١» :
ألا يا جامع البصر ... ة لا خرّبك الله
وسقّى صحنك الغيث ... من المزن فروّاه
فكم من عاشق فيك ... يرى ما يتمناه
وكم ظبي من الانس ... مليح فيك مرعاه
نصبنا الفخّ بالعلم ... له فيك فصدناه
بقرآن قرأناه ... وتفسير رويناه
وكم من طالب للشع ... ر بالشعر طلبناه
فما زالت يد الأيام ... حتى لان متناه
وحتى ثبت السرج ... عليه وركبناه
ألا يا طالب الأمر ... د كذّب ما ذكرناه
فلا يغررك ما قلنا ... فما بالجدّ قلناه
ولو كان من البغض ... يزنّى حين يلقاه
فردّ الدرهم الضرب ... اليه يتلقاه
فبالدرهم يستنزل ... ما في الجو مأواه
وبالدرهم يستخرج ... ما في القفر مثواه
قال أبو محمد عبد الله بن أبي القاسم عبد المجيد بن شيران بن إبراهيم بن العباس بن محمد بن العباس بن محمد بن جعفر في «تاريخه» قال «٢» : وفيها يعني
стр. 2338
في سنة سبع وعشرين وثلاثمائة توفي أبو عبد الله محمد بن عبد الله المفجع الكاتب الشاعر، وكان شاعر البصرة وأديبها، وكان يجلس في الجامع بالبصرة فيكتب عنه ويقرأ عليه الشعر واللغة والمصنفات، وامتنع من الجلوس مدة لسبب لحقه من بعض من حضره، فخوطب في ذلك فقال: لو استطعت أن أنسيهم أسماءهم لفعلت.
وشعره مشهور، فمنه وقد دامت الأمطار وقطعت عن الحركة:
يا خالق الخلق أجمعينا ... وواهب المال والبنينا
ورافع السبع فوق سبع ... لم يستعن فيهما معينا
ومن إذا قال كن لشيء ... لم تقع النون أو يكونا
لا تسقنا العام صوب غيث ... أكثر من ذا فقد روينا
وله يخاطب أبا عبد الله البريدي وقد أعاد عليه ذكر سبب «١» :
قل لمن كان قد عفا ... عن ذنوب المفجّع
لا تعد ذكر ما مضى ... من عفا لم يقرّع
وله وقد سأل بعض أصدقائه أيضا رقعة وشعرا له يهنئه في مهرجان الى بعضهم فقصر حتى مضى المهرجان «٢» :
إن الكتاب وان تضمّن طيه ... كنه البلاغة كالفصيح الأخرس
فإذا أعانته عناية حامل ... فجوابه يأتي بنجح منفس
وإذا الرسول ونى وقصّر عامدا ... كان الكتاب صحيفة المتلمس
قد فات يوم المهرجان فذكره ... في الشعر أبرد من سخاء المفلس
فسئل عن سخاء المفلس فقال: يعد في إفلاسه بما لا يفي به عند إمكانه.
قال «٣» : دخل المفجع يوما إلى القاضي أبي القاسم علي بن محمد التنوخي فوجده [يقرأ] معاني الشعر على العبيسي فأنشد:
стр. 2339
قد قدّم العجب «١» على الرّويس ... وشارف الوهد أبا قبيس
وطاول البقل فروع الميس ... وهبّت العنز لقرع التيس
وادّعت الروم أبا في قيس ... واختلط الناس اختلاط الحيس
إذ قرأ القاضي حليف الكيس ... معاني الشعر على العبيسي
وألقى ذلك الى التنوخي وانصرف.
وكان أبو عبد الله الأكفاني راويته وكتب لي بخطه من مليح شعره شيئا كثيرا.
قال: ومدح أبا القاسم التنوخي فرأى منه جفاء فكتب إليه «٢» :
لو أعرض الناس كلهم وأبوا ... لم ينقصوا رزقي الذي قسما
كان وداد فزال وانصرما ... وكان عهد فبان وانهدما
وقد صحبنا في عصرنا أمما ... وقد فقدنا من قبلهم أمما
فما هلكنا هزلا ولا ساخت ال ... أرض ولم تقطر السماء دما
في الله من كلّ هالك خلف ... لا يرهب الدهر من به اعتصما
حرّ ظننّا به الجميل فما ... حقّق ظنّا ولا رعى الذمما
فكان ماذا ما كلّ معتمد ... عليه يرعى الوفاء والكرما
غلطت والناس يغلطون وهل ... تعرف خلقا من غلطة سلما
من ذا إذا أعطي السداد فلم ... يعرف بذنب ولم يزل قدما
شلّت يدي لم جلست عن تفه ... أكتب شجوي وأمتطي القلما
يا ليتني قبلها خرست فلم ... أعمل لسانا ولا فتحت فما
يا زلة ما أقلت عثرتها ... أبقت على القلب والحشا ألما
من راعه بالهوان صاحبه ... فعاد فيه فنفسه ظلما
وله «٣» :
стр. 2340
أظهرت للرئم بعض وجدي ... وانما الوجد ما سترته
وقلت حبّيك قد براني ... فقال دعه بذا أمرته
وله «١» قصيدته ذات الأشباه، وسميت بذات الأشباه لقصده فيما ذكره من الخبر الذي رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، قال قال رسول الله ﷺ ، وهو في محفل من أصحابه، إن تنظروا إلى آدم في علمه، ونوح في همه «٢» ، وإبراهيم في خلقه، وموسى في مناجاته، وعيسى في سنه، ومحمد في هديه وحلمه، فانظروا إلى هذا المقبل، فتطاول الناس فإذا هو علي بن أبي طالب ﵇، فأورد المفجع ذلك في قصيدته، وفيها مناقب كثيرة، وأولها:
أيها اللائمي لحبي عليّا ... قم ذميما إلى الجحيم خزيّا
أبخير الأنام عرّضت لا زل ... ت مذودا عن الهدى مزويّا
أشبه الأنبياء كهلا وزولا ... وفطيما وراضعا وغذيّا
كان في علمه كآدم إذا علّ ... م شرح الأسماء والمكنيّا
وكنوح نجّى من الهلك من س ... يّر في الفلك إذ علا الجوديّا
وجفا في رضى الإله أباه ... واجتواه وعدّه أجنبيّا
كاعتزال الخليل آزر في اللّ ... هـ وهجرانه أباه مليّا
ودعا قومه فآمن لوط ... أقرب الناس منه رحما وريّا
وعليّ لما دعاه أخوه ... سبق الحاضرين والبدويّا
وله من أبيه ذي الأيد إسما ... عيل شبه ما كان عني خفيّا
إنّه عاون الخليل على الكع ... بة إذا شاد ركنها المبنيّا
ولقد عاون الوصيّ حبيب الل ... هـ إذ يغسلان منها الصفيّا
رام حمل النبي كي يقطع الأص ... نام من سطحها المثول الخبيّا
فحناه ثقل النبوّة حتى ... كاد ينآد تحته مثنيّا
стр. 2341
فارتقى منكب النبيّ عليّ ... صنوه ما أجلّ ذا المرتقيّا
فأماط الأوثان عن ظاهر الكع ... بة ينفي الرجاس عنها نفيّا
ولو انّ الوصيّ حاول مسّ الن ... جم بالكفّ لم يجده قصيّا
أفهل تعرفون غير عليّ ... وابنه استرحل النبي مطيّا
وشعر أبي عبد الله المفجع كثير حسن.
وكان «١» يوما بالأهواز جالسا مع جماعة فاجتاز به غلام لموسى بن الطيب نديم أبي عبد الله البريدي يقال له طريف، وهو أمرد مليح، فسأل المفجع عنه فقيل: هذا غلام نديم البريدي فقال:
اجتاز بي اليوم في الطريق فتى ... يختال في مورق من البان
فقلت من ذا فقال لي خبر ... بالأمر هذا غلام صفعان
ولأبي «٢» عبد الله في جماعة من كبار أهل الأهواز مدائح كثيرة وأهاج، وله قصيدة في أبي عبد الله ابن درستويه يرثيه فيها وهو حيّ يقول فيها ويلقبه بدهن الآجرّ:
مات دهن الآجرّ فاخضرّت الأر ... ض وكادت جبالها لا تزول
ويصف أشياء كثيرة فيها.
قال «٣» : وكان المفجع يكثر عند والدي ويطيل المقام عنده، وكنت أراه عنده وأنا صبي بالأهواز، وله إليه مراسلات وله فيه مدائح كثيرة كنت جمعتها فضاعت أيام دخول ابن أبي ليلى الأهواز ونهبت روزناماتها «٤» ، وكان منها قصيدة بخطّه عندي يقول فيها:
لو قيل للجود من مولاك قال نعم ... عبد المجيد المغيريّ بن شيران
وأذكر له من قصيدة أخرى:
يا من أطال يدي إذ هاضني زمني ... وصرت في المصر مجفوّا ومطّرحا
стр. 2342
أنقذتني من أناس عند دينهم ... قتل الأديب إذا ما علمه اتضحا
قال: وكانت وفاته قبل وفاة والدي بأيام يسيرة، ومات والدي في يوم السبت لعشر خلون من شعبان سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وفيها مات الحراوري الشاعر.
ومن ملحه «١» المشهورة قوله لانسان أهدى إليه طبقا فيه قصب السكر والاترنج والنارنج، وأراه أبا سعد غلامه:
إن شيطانك في الظّر ... ف لشيطان مريد
فلهذا أنت فيه ... تبتدي ثم تعيد
قد أتتنا تحفة من ... ك على الحسن تزيد
طبق فيه قدود ... ونهود وخدود
وأنشد الثعالبي له في غلام مغن جدّر فازداد حسنا وجمالا «٢» :
يا قمرا جدّر حتى استوى ... فزاده حسنا وزادت هموم
كأنه غنّى لشمس الضحى ... فنقطته طربا بالنجوم
وأنشد له أيضا «٣» :
فسا على قوم فقالوا له «٤» ... إن لم تقم من بيننا قمنا
فقال لا عدت فقالوا له ... من نتن فيه ذا كما كنا
وأنشد له أيضا «٥» :
أداروها ولليل اعتكار ... فخلت الليل فاجأه النهار
فقلت لصاحبي والليل داج ... ألاح الصبح أم بدت العقار
فقال هي العقار تداولوها ... مشعشعة يطير لها شرار
فلولا أنني أمتاح منها ... حلفت بأنها في الكاس نار
стр. 2343
[٩٧٤]
محمد بن أحمد بن سليمان بن أيوب بن غيثة النوقاتي
-: بالتاء قبل ياء النسبة- ونوقات محلة بسجستان يقال لها نوها فعربت؛ يكنى أبا عمر السجستاني، وهو والد عمر وعثمان، وصاحب التصانيف المشهورة، ذكره أبو سعد السمعاني في «كتاب تاريخ مرو» فقال: دخل إلى خراسان، وكتب بهراة ومرو وبلخ وما وراء النهر، وسمع الكثير من الشيوخ وأكثر، واشتغل بالتصنيف وبلغ فيها الغاية، وكان مرزوقا فيها محسنا، جمع من كلّ جنس وفنّ، وأحسن في كل التصانيف. سمع أبا عبد الله محمد بن إسحاق القرشي ثم ذكر خلقا كثيرا منهم الحاكم أبو عبد الله محمد ابن عبد الله بن البيّع الحافظ وأبو حاتم محمد بن حبّان البستي وأبو يعلى النسفي وأبو علي حامد بن محمد الرفّاء وأبو سليمان الخطابي. وروى عنه ابناه عمر وعثمان.
وله تصانيف كثيرة: منها كتاب آداب المسافرين. كتاب العتاب والاعتاب.
كتاب فضل الرياحين. كتاب العلم. كتاب الشيب. كتاب محنة الظراف في أخبار العشاق. كتاب معاشرة الأهلين. وأنشد لنفسه في «كتاب محنة الظراف» :
نمّت دموعي على سرّي وكتماني ... وشرّد النوم عن عينيّ أحزاني
وأقلقتني عما أستعين به ... على الهوى حسرات منك تغشاني
يا من جفاني وأقصاني وغادرني ... صبّا وأشمت بي من كان يلحاني
لا تنس أيام أنس قد مننت بها ... وداو غلّة قلب فيك أعياني
ومن «كتاب محنة الظراف» مما نسبه أبو عمر إلى نفسه ومن خطّه نقلت:
سأهجركم ما دمتم في حجابكم ... على الكره حتى تأمنوا الرقباء
مساعدة منّي لكم لا تصبرا ... ولم يصبر العطشان يبصر ماء
وأنشد أيضا لنفسه:
أصابك عين بعد فرطك في حبي ... أم اذنبت فاستحسنت يا سيدي ذنبي
стр. 2344
أحين سلبت القلب مني صبابة ... وصيرتني عبدا تجافيت عن قربي
سأصبر حتى تعجبوا من تصبّري ... وأنتظر الحسنى على ذاك من ربي
وأنشد السمعاني باسناد له رفعه إلى النوقاتي عن الحسين بن أحمد عن الصولي عن ثعلب عن أبي العالية:
أرى بصري في كلّ يوم وليلة ... يكلّ وخطوي عن مدى الخطو يقصر
ومن يصحب الأيام ستين حجة ... يغيّرنه والدهر لا يتغير
لعمري لئن أمسيت أمشي مقيّدا ... لما كنت أمشي مطلق القيد أكثر
قال: وحدث أبو عمر ابن النوقاتي في رجب سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة فيكون وفاته بعد هذا الشهر.
[٩٧٥]
محمد بن أحمد بن عمر الخلال أبو الغنائم اللغوي
: إمام عالم جيد الضبط صحيح الخط معتمد عليه معتبر، أخذ عن أبي سعيد السيرافي وأبي علي الفارسي وأبي الحسن الرماني وتلك الطبقة.
[٩٧٦]
محمد بن أحمد بن طالب الفقيه الأديب الحلبي أبو الحسن
: سمع ببغداد أبا بكر ابن دريد وأبا بكر ابن الأنباري وأبا علي ابن الحسين بن أحمد الكاتب المعروف بالكوكبي وأبا عبد الله نفطويه وأبا عيسى محمد بن أحمد بن قطن السمسار، وبحلب أبا عبد الله أحمد بن جعفر بن أحمد بن ماست الحاضري الحلبي والقاضي أبا حصين.
ومات بعد سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، قرىء عليه كتابه في هذه السنة، وله «كتاب الشبان والشيب» أحسن فيه.
стр. 2345
[٩٧٧]
محمد بن أحمد بن محمد بن أشرس أبو الفتح النحوي اللغوي
: أديب فاضل شاعر من أهل نيسابور، كان من تلاميذ أبي بكر محمد بن العباس الخوارزمي بنيسابور، وقدم بغداد فلقي بها جماعة من أصحاب أبي علي الفارسي كالربعي علي بن عيسى وأبي الحسن السمسمي وغيرهما، ذكره الباخرزي في كتابه فقال:
حدثني القاضي أبو جعفر البحاثي «١» قال، حدثني الحاكم أبو سعد ابن دوست قال:
كان أبو الفتح ابن أشرس من ناحية الرخّ «٢» ، وكان يؤدب بنيسابور ويختلف إلى أبي بكر الخوارزمي، فلما نزف ما عنده ارتحل إلى مدينة السلام. قال: فرأيت كتابا بخطّ يده، وقد كتب به إلى بعض أصدقائه، وذكر في أثنائه أن ليس اليوم بخراسان من يقوم باختيار «٣» «فصيح الكلام» لثعلب و «ألفاظ الكتبة» لعبد الرحمن بن عيسى. قال أبو سعد: وكان الخوارزمي يومئذ حيا يرزق، والألسنة بفضله تطلق، وهذان الكتابان من زغب فراخ الكتب، وأنكر معرفة أهل خراسان بهما، فما ظنّك بالقشاعم اللقمانية من أمهاتها؟! وأنشدني القاضي أبو جعفر، قال أنشدني الحاكم أبو سعد، قال أنشدني ابن الأشرس لنفسه في أبي الحسن الأهوازي يهجوه:
يا عجبا لشيخنا الأهوازي ... يزهى علينا وهو في هوّاز
قال الحاكم أبو سعد وأنشدني أيضا لنفسه:
كأنما الأغصان لما علا ... فروعها قطر الندى قطرا «٤»
ولاحت الشمس عليها ضحى ... زبرجد قد أثمر الدرّا
نقد الحاكم أبو سعد على بيته فقال قوله: «قد أثمر الدر» لا يستقيم في النحو لأنه لا يقال أثمرت النخلة الثمر، وإنما يقال أثمرت ثمرا بغير الألف واللام.
стр. 2346
وكتب ابن أشرس من بغداد إلى أبي الفتح الحداد بنيسابور:
ربّ غلام صار في ... بغداد إحدى الفتن
رقعت خرق ظهره ... برقعة من بدني
قال الحاكم: في هذين البيتين خلل لأنه لا يمكن أن يفسّر على وجه قبيح لأن لحيته أيضا من بدنه. قال القاضي البحّاثي: فقلت له وهذا التفسير أشبه لأن اللحية أشبه بالرقعة من الفعل، قال: نعم لأن اللحية ترقع وذاك يمزق؛ هذا آخر ما ذكره الباخرزي في كتابه.
قال القاضي أبو المحاسن ابن مسعر المعري «١» في كتابه «٢» : وممن قرأت عليه أبو الفتح محمد بن أشرس النيسابوري؛ وكان ملازما دار الخلافة ويأتي يوم الثلاثاء إلى قطيعة الملحم «٣» فكنت أصل إليه في هذا الموضع، وكان واسع العلم غزير الحفظ، وكان حيّا في سنة خمس عشرة وأربعمائة، ولم تتجاوز وفاته سنة عشرين وأربعمائة وما لقيت أحدا من البغداديين يحقق لي وقت وفاته فأثبته على الحقيقة.
[٩٧٨]
محمد بن أحمد بن محمد، أبو سعد العميدي
: أديب نحوي لغوي مصنف سكن مصر.
قال أبو إسحاق الحبال: أبو سعد العميدي له أدبيات، مات يوم الجمعة لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وكان العميدي يتولّى ديوان الترتيب وعزل عنه كما ذكر الروذباري في سنة ثلاث عشرة في أيام الظاهر، ووليه ابن معشر، ثم تولى ديوان الانشاء بمصر في أيام المستنصر، استخدم فيه عوضا من ولي
стр. 2347
الدولة ابن خيران الكاتب في صفر سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، وتولى الديوان بعده أبو الفرج الدهلي في جمادى الآخرة من سنة ست وثلاثين وأربعمائة.
وله تصانيف في الأدب، منها كتاب تنقيح البلاغة في عشر مجلدات، رأيته بدمشق في خزانة الملك المعظم، خلّد الله دولته، وعليه خطه وقد قرىء عليه في شعبان سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. كتاب الارشاد إلى حل المنظوم والهداية إلى نظم المنثور. كتاب انتزاعات القرآن. كتاب العروض. كتاب القوافي كبير.
قال علي بن مشرف: أنشدنا أبو الحسين محمد بن محمود بن الدليل الصواف بمصر قال أنشدنا أبو سعد محمد بن أحمد العميدي لنفسه:
إذا ما ضاق صدري لم أجد لي ... مقرّ عبادة إلا القرافه
لئن لم يرحم المولى اجتهادي ... وقلّة ناصري لم ألق رافه
[٩٧٩]
محمد بن أحمد بن محمد بن سلمان بن كامل بن عبد الله بن عامر بن سنان البخاري المعروف بالغنجار الحافظ، أبو عبد الله بن أبي بكر
: لم يكن من أهل الأدب فيجب ذكره، إنما ذكرته لأنه ألف كتاب «تاريخ بخارا» .
قال أبو سعد السمعاني: مات الغنجار البخاري سنة عشر وأربعمائة ومولده في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، ودفن في مقبرة حوض الفدام ببخارا.
قال أحمد بن ماما الأصبهاني الحافظ فيما زاده على تاريخ غنجار، بعد ذكر نسب غنجار كما ذكرنا، قال: سمي غنجارا لتتبعه وجمعه في حال شبابه أحاديث أبي أحمد عيسى بن موسى غنجار البخاري، قال: وأول من كتب عنه الحديث كثير عن أبي بكر محمد بن أحمد بن حبيب، ومشايخه أكثرهم مذكورون في تصنيفه لتاريخ بخارا، سمعته يقول ولدت سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، ومات يوم الجمعة عند طلوع الشمس الثاني والعشرين من شهر شعبان سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة.
стр. 2348
[٩٨٠]
محمد بن أحمد بن علي المعمري أبو بكر الأديب
: مات في محرم سنة ثمان وعشرين وأربعمائة. قال عبد الغافر: الأديب المعمري مشهور ثقة حدث عن جماعة من الشيوخ، وكان يؤدب، وتخرج عليه جماعة من أولاد المشايخ، سمع أبا حفص محمد بن علي الفقيه إملاء، روى عنه أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله الكريزي.
[٩٨١]
محمد بن أحمد بن سهل، يعرف بابن بشران
وبشران جده لأمه، ويعرف بابن الخالة أيضا، ويكنى أبا غالب: من أهل واسط أحد الأئمة المعروفين والعلماء المشهورين، تجمّع فيه أشتات العلوم، وقرن بين الرواية والدراية والفهم وشدة العناية، صاحب نحو ولغة وحديث وأخبار ودين وصلاح، وإليه كانت الرحلة في زمانه، وهو عين وقته وأوانه، وكان مع ذلك ثقة ضابطا محررا حافظا إلا انه كان مجدودا أخذ العلم عن خلق لا يحصون: منهم أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الرحمن بن دينار الكاتب صاحب أبي علي الفارسي.
وحدث أبو عبد الله الحميدي قال: كتب إليّ أبو الحسن علي بن محمد بن محمد الجلّابي الواسطي صديقنا من واسط أن أبا غالب ابن بشران النحوي مات بواسط في خامس عشر رجب سنة اثنتين وستين وأربعمائة ومولده سنة ثمانين وثلاثمائة. قال الجلّابي: ودخلت إليه قبل موته، وجاءه من أخبره أن القاضي وجماعة معه قد ختموا على كتبه حراسة لها وخوفا عليها فقال:
لئن كان الزمان عليّ أنحى ... بأحداث غصصت لها بريقي
стр. 2349
فقد أسدى إليّ يدا بأني ... عرفت بها عدوّي من صديقي
قال: وهذا آخر ما قاله من الشعر.
قال الحميدي: وما أظن البيتين إلا لغيره.
قال: وأنشدنا وقد انقطع الناس عن عيادته والدخول إليه:
ما لي أرى الأبصار بي جافيه ... لم تلتفت منّي إلى ناحيه
لا ينظر الناس إلى الميت لا «١» ... وإنما الناس مع العافية
وله حظّ وافر من الشعر في قوله وعلمه، فمن شعره «٢» :
لولا تعرّض ذكر من سكن الغضا ... ما كان قلبي للضنى متعرضا
لكن جفا جفني الكرى بجفائهم ... وحشا حشاي فراقهم جمر الغضا
ولو ان ما بي بالرياح لما جرت ... والبرق لو يمنى به ما أومضا
يا راكبا يطوي الدجنّة عيسه ... فتريه رضراض الحصى مترضرضا
بلّغ رعاك الله سكان الغضا ... عنّي التحية إن عرضت معرّضا
وقل انقضى عصر الشباب وودّنا ... باق على مرّ الليالي ما انقضى
إن كان قد حكم الزمان ببعدكم ... أبدا فتسليما لما حكم القضا
ونضا الشباب قناعه لما رأى ... سيف المشيب على المفارق منتضى
قد كنت ألقى الدهر أبيض ناضرا ... فاسودّ لما صار رأسي أبيضا
لولا اعترافي بالزمان وريبه ... ما كنت ممن يرتضي غير الرضى
وله «٣» :
لا تغترر بهوى الملاح فربما ... ظهرت خلائق للملاح قباح
وكذا السيوف يروق حسن صقالها ... وبحدها تتخطّف الأرواح
стр. 2350
وله:
هوى النفس سكر والسلوّ إفاقة ... ولن يستبين الرشد ذو الرشد أو يصحو
فدع نصح من أعماه عن رشده الهوى ... فإن سواء عنده الغشّ والنصح
وله «١» :
ولما أثاروا العيس للبين بيّنت ... غرامي لمن حولي دموع وأنفاس
فقلت لهم لا بأس بي فتعجبوا ... وقالوا الذي أبديته كلّه باس
تعوّض بأنس الصبر من وحشة الأسى ... فقد فارق الأحباب من قبلك الناس
وله:
توهمه قلبي فأوحى ضميره ... قبولا فأحكمنا الهوى بالسرائر
فلما التقينا شبّت الحرب بيننا ... على السلم منا مقلتاه وناظري
جرحت بلحظي وجنتيه فأقصدت ... لواحظه قلبي بأسهم ثائر
وله:
سقى الله ليلا بتّ فيه مغازلا ... غزالا حكى لي وجهه طلعة البدر
أصبت به من غرة الدهر فرصة ... فبادرتها علما بعاقبة الدهر
وله:
أفدي الذي عارضه خدّيه لم يدعا ... إذ أعرضا جوهرا مني ولا عرضا
ولم يزل ممرضي تمريض مقلته ... حتى ثناني على فرش الضنى حرضا
قال الوشاة إلى كم ذا الغرام به ... فقلت حتى أرى من حسنه عوضا
قالوا فقد كنت ذا صبر تعوذ به ... فقلت شرّده عني الهوى فمضى
وله «٢» :
إن قدّم الحظّ قوما ما لهم قدم ... في فضل علم ولا حزم ولا جلد