← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

الموضوع الصفحة ٩٢١- بنت الكنيري ٢٢٤٣ ٩٢٢- كلثوم بن عمرو العتابي ٢٢٤٣ ٩٢٣- كيسان بن المعرف النحوي ٢٢٤٦ ٩٢٤- الكيس النمري ٢٢٤٨ [تراجم حرف اللام] ٩٢٥- لقيط بن بكير المحاربي ٢٢٥٠ ٩٢٦- لوط بن مخنف الأزدي ٢٢٥٢ ٩٢٧- الليث بن المظفر ٢٢٥٣ [تراجم حرف الميم] ٩٢٨- المبارك بن الحسن الشهرزوري ٢٢٥٩ ٩٢٩- المبارك بن سعيد بن الحمامي ٢٢٥٩ ٩٣٠- المبارك بن الفاخر، أبو الكرم النحوي ٢٢٦٠ ٩٣١- المبارك بن المبارك، أبو البركات الكرخي ٢٢٦١ ٩٣٢- المبارك بن المبارك بن سعيد بن الدهان ٢٢٦٣ ٩٣٣- المبارك بن محمد، أبو السعادات ابن الأثير ٢٢٦٨ ٩٣٤- مبشر بن فاتك أبو الوفاء ٢٢٧١ ٩٣٥- مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني ٢٢٧١ ٩٣٦- مجاهد بن جبر القارىء ٢٢٧٢ ٩٣٧- مجاهد بن عبد الله العامري ٢٢٧٣ ٩٣٨- المحسن بن إبراهيم بن هلال الصابىء ٢٢٧٤ ٩٣٩- المحسن بن الحسين بن علي كوجك ٢٢٧٨ ٩٤٠- المحسن بن علي بن محمد التنوخي القاضي ٢٢٨٠ ٩٤١- محمد بن آدم بن كمال الهروي ٢٢٩٣

стр. 2382

الموضوع الصفحة ٩٤٢- محمد بن أبان بن سيد القرطبي ٢٢٩٤ ٩٤٣- محمد بن إبراهيم بن حبيب الفزاري ٢٢٩٤ ٩٤٤- محمد بن إبراهيم العوامي ٢٢٩٥ ٩٤٥- محمد بن إبراهيم بن عمران الجوزي ٢٢٩٥ ٩٤٦- محمد بن إبراهيم بن عبد الله الأديب ٢٢٩٦ ٩٤٧- محمد بن إبراهيم بن الحسين الجرباذقاني ٢٢٩٦ ٩٤٨- محمد بن إبراهيم بن خلف اللخمي ٢٢٩٦ ٩٤٩- محمد بن إبراهيم بن أحمد البيهقي ٢٢٩٧ ٩٥٠- محمد بن إبراهيم بن داود الأردستاني ٢٢٩٧ ٩٥١- محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي ٢٢٩٧ ٩٥٢- محمد بن أحمد بن محمد المغربي راوية المتنبي ٢٣٠٠ ٩٥٣- محمد بن أحمد بن إسحاق، أبو الطيب الوشاء ٢٣٠٣ ٩٥٤- محمد بن أحمد بن الحسين بن الأصبغ ٢٣٠٤ ٩٥٥- محمد بن أحمد بن مروان أبو مسهر النحوي ٢٣٠٥ ٩٥٦- محمد بن أحمد المزني ٢٣٠٥ ٩٥٧- محمد بن أحمد بن عبد الحميد الكاتب ٢٣٠٥ ٩٥٨- محمد بن أحمد بن إبراهيم الحكمي ٢٣٠٥ ٩٥٩- محمد بن أحمد بن إبراهيم بن كيسان ٢٣٠٦ ٩٦٠- محمد بن أحمد بن منصور بن الخياط ٢٣٠٩ ٩٦١- محمد بن أحمد بن علي المهلبي ٢٣١٠ ٩٦٢- محمد بن أحمد بن محمد، ابن طباطبا الشاعر ٢٣١٠ ٩٦٣- محمد بن أحمد بن نصر الجيهاني ٢٣١٧ ٩٦٤- محمد بن أحمد، أبو الندى الغندجاني ٢٣١٩ ٩٦٥- محمد بن أحمد الأزهر، أبو منصور الأزهري ٢٣٢١

стр. 2383

الموضوع الصفحة ٩٦٦- محمد بن أحمد بن طالب الأخباري ٢٣٢٣ ٩٦٧- محمد بن أحمد بن أيوب، ابن شنبوذ ٢٣٢٣ ٩٦٨- محمد بن أحمد بن إبراهيم الشنبوذي ٢٣٢٦ ٩٦٩- محمد بن أحمد المعمري ٢٣٢٧ ٩٧٠- محمد بن أحمد بن عبد الله القطان المتوثي ٢٣٢٩ ٩٧١- محمد بن أحمد بن يونس الفسوي ٢٣٣٠ ٩٧٢- محمد بن أحمد، أبو الريحان البيروني ٢٣٣٠ ٩٧٣- محمد بن أحمد بن عبيد الله، المفجع ٢٣٣٦ ٩٧٤- محمد بن أحمد بن سليمان النوقاتي ٢٣٤٥ ٩٧٥- محمد بن أحمد بن عمر الخلال ٢٣٤٦ ٩٧٦- محمد بن أحمد بن طالب الحلبي ٢٣٤٦ ٩٧٧- محمد بن أحمد بن محمد بن أشرس ٢٣٤٧ ٩٧٨- محمد بن أحمد بن محمد، أبو سعد العميدي ٢٣٤٨ ٩٧٩- محمد بن أحمد بن محمد، غنجار الحافظ ٢٣٤٩ ٩٨٠- محمد بن أحمد بن علي المعمري ٢٣٥٠ ٩٨١- محمد بن أحمد بن سهل، ابن بشران ٢٣٥٠ ٩٨٢- محمد بن أحمد بن علي الباوردي ٢٣٥٥ ٩٨٣- محمد بن أحمد بن محمد الصفار ٢٣٥٥ ٩٨٤- محمد بن أحمد المعموري البيهقي ٢٣٥٥ ٩٨٥- محمد بن أحمد بن عبد الباقي، ابن الخاضبة ٢٣٥٦ ٩٨٦- محمد بن أحمد بن علي الكركانجي ٢٣٥٨ ٩٨٧- محمد بن أحمد، أبو المظفر الأبيوردي ٢٣٦٠ ٩٨٨- محمد بن أحمد بن طاهر، أبو منصور الخازن ٢٣٧٦

стр. 2384

الجزء السادس [تكملة حرف الميم] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* [٩٨٩] محمد بن أحمد بن جوامرد الشيرازي ، أبو بكر القطان النحوي: شيخ أبي محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن الخشاب ومخرّجه ومؤدّبه وعنه أخذ النحو. قرأ ابن جوامرد على علي بن فضال المجاشعي القيرواني «١» وعلى غيره، وسمع الحديث ورواه، ومات بعد سنة عشر وخمسمائة. قال الشيخ أبو محمد ابن الخشاب فيما قرأته بخطه: كان في أبي علي الحسن بن علي المحوّلي شيخنا سلامة صدر، ولقد كان شيخنا أبو بكر محمد بن جوامرد الشيرازي المعروف بالقطان ﵀ يولع به وبغيره كثيرا، فكان يقول معرّضا به وبغيره ممن هو أعلى منه منزلة وأرفع ذكرا وأبعد صيتا، فكان من قوله: ما عبّر عن البلادة والجمود بأحسن من قولهم هو ثقة. وله- أعني الشيخ أبا بكر- مع هذا المحولي نوادر وأقاصيص لا أطوّل بذكرها. [٩٩٠] محمد بن أحمد بن حمزة بن جيا أبو الفرج: من أهل الحلّة المزيديّة، يلقّب شرف الكتّاب، كان نحويا لغويا فطنا شاعرا مترسلا، شعره ورسائله مدونة، قدم بغداد فقرأ على النقيب أبي السعادات هبة الله ابن الشجري النحوي وأخذ عنه،

стр. 2385

ثم أخذ بعده عن أبي محمد ابن الخشاب، وسمع الحديث على القاضي أبي جعفر عبد الواحد بن أحمد بن الثقفي، وأصله ومولده من مطيراباذ، وصحب ابن هبيرة الوزير، وله رسائل مدونة عملها أجوبة لرسائل أبي محمد القاسم بن الحريري. حدثني أبو علي القيلوي قال: أنا رأيته، ومات في سنة تسع وسبعين وخمسمائة وقد نيف على الثمانين. أنشدني ابن الدبيثي قال، أنشدني أبو الثناء محمود بن عبد الله بن المفرج الحلي قال، أنشدني شرف الكتاب أبو الفرج محمد بن أحمد بن جيا لنفسه: حتام أجري في ميادين الهوى ... لا سابق أبدا ولا مسبوق ما هزّني طرب إلى أرض الحمى ... الا تعرّض أجرع وعقيق شوق بأطراف البلاد مفرّق ... يحوي شتيت الشمل منه فريق ومدامع كفلت بعارض مزنة ... لمعت لها بين الضلوع بروق فكأن جفني بالدموع موكّل ... وكأن قلبي للجوى مخلوق قدم الزمان فصار شوقي عادة ... فليتركنّ دلاله المعشوق قد كان في الهجران ما يزع الهوى ... لو يستفيق من الغرام مشوق لكنني آبى لعهدي أن يرى ... بعد الصفاء وورده مطروق إن عادت الأيام لي بطويلع ... أو ضمني والنازحين طريق لأنبّهنّ على الغرام بزفرتي ... ولتطربنّ بما أبثّ النوق حدثني أبو علي القيلوي قال: سمعت شرف الكتاب يحدّث أنه كان يوما في مجلس الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة، فجاءه فرّاش من دار الخلافة وحدّثه بمحضري شيئا كان يحب كتمانه من كلّ أحد، قال: واتفق خروج الفراش وقد اجتمع عنده الناس، فشغل بهم عني، وقمت أنا وخرجت ومضيت، فما وصلت باب العامة حتى جاءني من ردّني إلى حضرته، فلما وقفت بين يديه قلت: أحسن الله إلى مولانا الوزير وأدام أيامه، بيت الحماسة، فقال: نعم امض بارك الله فيك كذا الظنّ بمثلك؛ قال: وخرجت من عنده ولم يفهم أحد شيئا مما جرى بيننا، وإنما أردت قول

стр. 2386

شاعر الحماسة «١» : وفتيان صدق لست مطلع بعضهم ... على سرّ بعض غير أني جماعها ومن شعره: أما والعيون النجل تصمي نبالها ... ولمع الثنايا كالبروق تخالها ومنعطف الوادي تأرّج نشره ... وقد زار في جنح الظلام خيالها وقد كان في الهجران ما يزع الهوى ... ولكن شديد في الطباع انتقالها ومنها: أيا ابن الألى جادوا وقد بخل الحيا ... وقادوا المذاكي والدماء نعالها ذد الدهر عنّي من رضاك بعزمة ... معوّدة ألا يفلّ رعالها ووجدت بخط بعض بني معيّة العلويين الحسنيين: أنشدني الشيخ أبو الفتح ابن جيا الكاتب لنفسه: قل لحادي عشر البروج أبي «٢» العا ... شر منها ربّ القرآن «٣» الثاني يا ابن شكران ضلة لزمان ... صرت فيه تعدّ في الأعيان ليس طبّي ذمّ الزمان ولكن ... أنت أغريتني بذمّ الزمان ومن كلامه في جواب رسالة لابن الحريري كتبها إلى سديد الدولة ابن الأنباري يشكره: سيدنا الشيخ الإمام في توالي مبارّه والقصور مني في تأدية حقّه وإيفائه كمن يقرض غريما مع عسرته، ويتكثر بمن أفرده الزمان عن أهله وأسرته، فهلّا اقتصر بي من دينه على ما تقادم عهده، ولم يشفعه بطول أضعف قوى شكري وكان مستحكما عقده «٤» : أنت امرؤ أوليتني «٥» مننا ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا

стр. 2387

فاليك بعد اليوم معذرتي ... لاقتك «١» بالتصريح منكشفا لا تسدينّ «٢» إليّ عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا فأما ما يعزوه إليّ من البراعة وحسن الصناعة، ويقرّره من الإحسان كان الطيّ به أولى من الإذاعة، فتلك حال إن ثبت فيها الدعاوي، واتفق على صحة نقلها المخالف والموالي، فإنما جريت إليها بجياد هنّ التوالي لسوابقه، الصوادي إلى مناهل حقائقه، وأين الرذايا بعد ذلك من السابقات، والمقصّرة من اللاحقات، والمقرفة من كريمات المناسك، والمكدية مطالبها من نجيحات المكاسب: سبقت إلى الآداب أبناء دهرنا ... فبؤت بعاديّ على الدهر أقدم وليست كما أبقت ضبيعة أضجم ... وليست كما سادت قبائل جرهم ولكنّ طودا لم يحلحل رسيّه ... وفارعة قعساء لم تتسنم إذا ما بناء شاده الفضل والتقى ... تهدّمت الدنيا ولم يتهدّم فالله تعالى يحرس عليه ما خوّله من هذه الخصائص النفيسة والمنح الشريفة، ولا تعدم القلوب الراحة بمحاضرته، كما لم يخله من النصر إذا أشرع رماح الجدل يوم مناظرته، بمنه وجوده؛ فأما اعتذاره عن إنفاذ ذلك التأليف، وانكاره للفراغ منه بعد التعريف، فما يخفى ما وراء ذلك من المغالطة، وما يقصده في كلّ وقت من قطع حبال المباسطة، ولولا أن المعاتبة إذا حقّت قلما يسلم معها وداد، ويجود في مطاويها من الصفاء عهاد: لأرسلتها مقطوعة العقل تغتدي ... شوارد قد بالغن في الجولان قوارص تبقى ما رأى الشمس ناظر ... وما سمعت من سامع أذنان لكن المقصود ما عاد باجمام خاطره وصفاء مشاربه، والا أكون عليه عونا للدهر ونوائبه، لا سيّما وقد رأيت الصبر على فعاله، أيسر من الصبر على ترك وصاله، فأما الملحة فانني وجدتها عند الوصول كما سماها غريبة في لفظها ومعناها، عارية من لبسة التكلف، بعيدة عن التصنع، تقتاد القلوب بأزمتها. وما كان أولاه لو قرنها إلى

стр. 2388

ذلك العقد المكنون والدر المصون، فكانت النعمى تكمل والمسرة تشمل، وها أنا أرتقب لذلك السمط أن تؤلف فرائده، وتجمع بدائده، وأنتظر لوصوله يوما تقلّ همومه وتكثر حواسده، فما ذاك بمتعذر عليه متى رامه، ولا بمعوزه ان سرح سوام الفكر فيه وشامه. ولرأيه في ذلك ومعرفته وانجاز الوعد جريا على كريم عادته مزيد من علاء لا يطرأ الأفول على أهلته، إن شاء الله تعالى وحده. [٩٩١] محمد بن أحمد بن سليمان الزهري أبو عبد الله الأندلسي : رجل فاضل وأديب كامل متقن، سمع الحديث الكثير ببغداد من ابن كليب وابن بوش وغيره فأكثر، وكتب بخطه الكثير وصنف، ولقيته ببغداد، وكان لي صديقا معاشرا حسن الصحبة عذريّ القلب جيّد الشعر، أنشدني كثيرا من شعره لم أثبته، ثم فارق بغداد وحصل في بلاد الجبال واستوطن بروجرد وتأهّل بها، وولد له، وصنف بها تصانيف في الأدب كثيرة منها «شرح الايضاح» . [٩٩٢] محمد بن أحمد بن محمد بن حمزة بن بريك الأنصاري الدسكري المعروف بابن البرفطي، والدسكرة قرية من قرى نهر الملك سكن بها أجداده، وقرف وغلظ اسمه بالنسبة إلى برفطا، وهي أيضا قرية من قرى نهر الملك فغلب عليه هذا الاسم. ولد ببغداد في شهر رمضان من شهور سنة ست وستين وخمسمائة. ومات ﵀ في أول رجب سنة خمس وعشرين وستمائة، وخلّف خمسة وعشرين قطعة بخطّ ابن البواب لم تجتمع في زماننا عند كاتب، وكان يغالي في شرائها؛ وله شعر من جملته:

стр. 2389

أبدا أميل إليك ميل تذلل ... وتصدّ صدّ تجنّب ودلال حتف المتّيم منك يوم قطيعة ... وحياته في الحبّ يوم وصال قد كدت أغرق في بحار مدامعي ... لولا التمسّك فيك بالآمال عذبت مراشفه وصال بقدّه ... فحمى جنى المعسول بالعسال عهدي وظلّ الوصل غير مقلّص ... عنا وعمر المطل غير مطال وكأنما لبس الزمان سناء بد ... ر الدين ذي الإنعام والافضال خضر الجناب فإن دجت في أزمة ... سود الخطوب فأبيض الافعال منح ابتداء رافعا خبر الندى ... وكفى الوجوه مؤونة التسآل كثرت صنائعه فقلّ نظيره ... وكذا البدور قليلة الأمثال وحوت أزمة دجلة أعماله ... وكذا الجنان تحاز بالأعمال حاط العلا فرماحه أقلامه ... حيث المداد لها رؤوس نصال في ليل ذاك النّقس تطرقنا المنى ... فكأنه في الهدي طيف خيال يحكي بياض الطرس تحت سواده ... أسرار صبح في صدور ليال وابن البرفطي هذا أوحد عصرنا في حسن الخط والمشار إليه في التحرير، قد تخرج به خلق كثير، وسافر إلى دمشق وكتب عليه كتابها، وأقام بحلب مدة مديدة ثم عاد إلى بغداد، وهو صديقنا، أنشدني لنفسه أشعارا منها ما أثبتّه، وحفزه السفر في يوم الخميس ثامن المحرم سنة ثلاث عشرة وستمائة إلى تستر صحبة الأمير ابن أبي محمد الحسن وأبي عبد الله الحسين ابني الأمير الملك المعظم أبي الحسن علي بن سيدنا ومولانا الامام الناصر لدين الله أبي العباس أحمد أمير المؤمنين، لما ولا هما أرض خوزستان بعد موت أبيهما أبي الحسن علي تقدم إلى ابن البرفطي بالخروج في خدمتهما والكون في جملتهما ليكتبا عليه ويصلحا خطهما به ويكون معلما لهما، وهو دمث الأخلاق حسن العشرة لين الكلام، قصير من الرجال فيه دهاء. وكان في أول أمره معلّما فلما جاد خطه صار محرّرا، وكان يبالغ في أثمان خطوط ابن البواب، فحصل له منها ما لم يحصل لأحد غيره، وجدت عنده أكثر من عشرين قطعة بخطه

стр. 2390

أرانيها. وحدثني قال: بلغني عن رجل معلّم في بعض محالّ بغداد أن عنده جزازا كثيرا ورثه عن أبيه، فخيل لي أنه لا يخلو من شيء من الخطوط المنسوبة، فمضيت إليه وقلت له: أحبّ أن تريني ما خلّف لك والدك عسى أن أشتري منه شيئا، فصعد بي إلى غرفة وجلست أفتّش حتى وقع بيدي ورقة بخطّ ابن البواب قلم الرقاع أرانيها أيضا، فضممت إليها شيئا آخر لا حاجة بي إليه وقلت له: بكم هذا؟ فقال لي: يا سيدي ما صلح لك في هذا كله شيء آخر؟ فقلت له: أنا الساعة مستعجل ولعلي أعود إليك مرة أخرى، فقال: هذا الذي اخترته لا قيمة له فخذه هبة مني، فقلت: لا أفعل وأعطيته قطعة قراضة مقدارها نصف دانق فاستكثرها وقال: يا سيدي ما أخذت شيئا يساوي هذا المقدار فخذ شيئا آخر، فقلت: لا حاجة لي في شيء آخر، ثم نزلت من غرفته فاستحييت وقلت: هذا مخادعة ولا شكّ أنه قد باعني ما جهله، وو الله لا جعلت حقّ خط ابن البواب أن يشترى بالمخادعة، فعدت إليه وقلت له: يا أخي هذه الورقة بخط ابن البواب، فقال: وإذا كانت بخط ابن البواب أيّ شيء أصنع؟ قلت له: قيمتها ثلاثة دنانير إمامية. فقال: يا سيدي لا تسخر بي ولعلك قد عزمت على ردها فخذها وحطّ الذهب. فقلت: بل أحضر ميزانا للذهب، فأحضرها فوزنت له ثلاثة دنانير وقلت له: بعتني هذا بهذا؟ فقال: بعتك، فأخذتها وانصرفت. [٩٩٣] محمد بن ادريس الشافعي الإمام: هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن

стр. 2391

عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد. وهاشم هذا الذي في نسب الشافعي ليس هو هاشم جد النبي ﷺ ذاك هاشم بن عبد مناف فهاشم هذا هو ابن أخي ذاك. ولد فيما حكاه الشافعي عن نفسه أنه قال: ولدت بغزة سنة خمسين ومائة، وحملت إلى مكة وأنا ابن سنتين، قال: وكانت أمي من الأزد، وغزة من بيت المقدس على ثلاث مراحل. وفي رواية أخرى عن الشافعي أنه قال: ولدت بعسقلان، وعسقلان من غزة على ثلاثة فراسخ، وكلاهما من فلسطين. وكان مولد الشافعي يوم مات أبو حنيفة، ولا اختلاف في أن وفاة أبي حنيفة كانت سنة خمسين ومائة، ومات الشافعي رحمة الله عليه في رجب سنة أربع ومائتين وهو ابن أربع وخمسين سنة، وكان قدومه مصر سنة ثمان وتسعين ومائة. وقد روى الزعفراني عن أبي عثمان ابن الشافعي أن الشافعي مات وهو ابن ثمان وخمسين سنة. وفي رواية ان الشافعي قال: ولدت باليمن فخافت أمي عليّ الضيعة فحملتني إلى مكة وأنا يومئذ ابن عشر أو شبيه بذلك، وتأول بعضهم قوله باليمن بأرض أهلها وسكانها قبائل اليمن. وبلاد غزة وعسقلان كلها من قبائل اليمن وبطونها. قلت: وهذا عندي تأويل حسن إن صحّت الرواية وإلا فلا شك أنه ولد بغزة وانتقل إلى عسقلان إلى أن ترعرع. وأما طلبه للعلم فحدّث الزبير بن بكار عن عمه مصعب بن عبد الله بن الزبير أنه خرج إلى اليمن فلقي محمد بن إدريس الشافعي وهو مستحصف «١» في طلب الشعر والنحو والغريب، قال فقلت له: إلى كم هذا؟ لو طلبت الحديث والفقه كان أمثل بك، وانصرفت به معي إلى المدينة فذهبت به إلى مالك بن أنس وأوصيته به؛ قال: وكان فتى حلوا، قال: فما ترك عند مالك بن أنس إلا الأقل ولا عند شيخ من مشايخ المدينة إلا جمعه، ثم شخص إلى العراق فانقطع إلى محمد بن الحسن فحمل عنه، ثم جاء

стр. 2392

إلى المدينة بعد سنين؛ قال: فخرجت به إلى مكة فكلمت له ابن داود وعرّفته حاله الذي صار إليه، فأمر له بعشرة آلاف درهم. حدث الآبري «١» وهو أبو الحسن محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم الآبري السّجزي قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن المولد الرقي يحكي عن زكريا بن يحيى البصري ويحيى بن زكريا بن حيويه النيسابوري، كلاهما عن الربيع بن سليمان، وبعضهم يزيد على بعض في الحكاية، قال الربيع، سمعت الشافعي يقول: كنت أنا في الكتّاب أسمع المعلم يلقّن الصبيّ الآية فأحفظها أنا، ولقد كان [الصبيان] يكتبون أمليتهم «٢» فإلى أن يفرغ المعلم من الإملاء عليهم، قد حفظت جميع ما أملى، فقال لي ذات يوم: ما يحلّ لي أن آخذ منك شيئا. قال: ثم لما خرجت من الكتّاب كنت أتلقط الخزف والرقوق «٣» وكرب النخل وأكتاف الجمال أكتب فيها الحديث وأجيء إلى الدواوين فأستوهب منها الظهور فأكتب فيها حتى كانت لأمي حباب فملأتها أكتافا وخزفا وكربا مملوءة حديثا. ثم إني خرجت عن مكة «٤» فلزمت هذيلا في البادية أتعلم كلامها وآخذ طبعها وكانت أفصح العرب. قال: فبقيت فيهم سبع عشرة سنة أرحل برحيلهم وأنزل بنزولهم، فلما رجعت إلى مكة جعلت أنشد الأشعار وأذكر الآداب والأخبار وأيام العرب، فمرّ بي رجل من الزبيريين «٥» من بني عمي فقال لي: يا أبا عبد الله عزّ عليّ ألا يكون مع هذه اللغة وهذه الفصاحة والذكاء فقه فتكون قد سدت أهل زمانك، فقلت: فمن بقي ممن يقصد «٦» ؟ فقال لي: مالك بن أنس سيد المسلمين يومئذ، قال: فوقع [ذلك] في قلبي فعمدت إلى «الموطأ» فاستعرته من رجل بمكة فحفظته في تسع ليال ظاهرا، قال: ثم دخلت إلى والي مكة وأخذت كتابه إلى والي المدينة وإلى مالك بن أنس، قال: فقدمت المدينة فأبلغت الكتاب إلى الوالي، فلما أن قرأ قال: يا فتى إن مشيي من جوف المدينة إلى جوف مكة حافيا راجلا أهون عليّ من المشي إلى باب مالك بن أنس، فلست أرى الذلّ حتى أقف على بابه، فقلت: أصلح الله الأمير إن رأى الأمير يوجه إليه ليحضر،

стр. 2393

قال: هيهات، ليت أني إذا ركبت أنا ومن معي وأصابنا من تراب العقيق نلنا بعض حاجتنا؛ قال: فواعدته العصر، وركبنا جميعا فوالله لكان كما قال، لقد أصابنا من تراب العقيق، قال: فتقدم رجل فقرع الباب فخرجت إلينا جارية سوداء فقال لها الأمير: قولي لمولاك إني بالباب، قال: فدخلت فأبطأت ثم خرجت فقالت: إن مولاي يقرئك السلام ويقول: إن كانت مسألة فارفعها في رقعة يخرج إليك الجواب، وإن كان للحديث فقد عرفت يوم المجلس فانصرف، فقال لها: قولي له إن معي كتاب والي مكة إليه في حاجة مهمة، قال: فدخلت وخرجت وفي يدها كرسي فوضعته، ثم إذا أنا بمالك قد خرج وعليه المهابة والوقار، وهو شيخ طويل مسنون اللحية، فجلس وهو متطلّس، فرفع إليه الوالي الكتاب فبلغ إلى هذا: «إن هذا رجل من أمره وحاله، فتحدثه وتفعل وتصنع» . فرمى بالكتاب من يده ثم قال: سبحان الله، وصار علم رسول الله ﷺ يؤخذ بالوسائل «١» ؟ قال: فرأيت الوالي وقد تهيّبه أن يكلمه، فتقدمت إليه وقلت: أصلحك الله، إني رجل مطّلبيّ ومن حالي وقصتي، فلما أن سمع كلامي نظر إليّ ساعة، وكانت لمالك فراسة فقال لي: ما اسمك؟ قلت: محمد، فقال لي: يا محمد اتق الله واجتنب المعاصي فإنه سيكون لك شأن من الشأن، ثم قال: نعم وكرامة، إذا كان غدا تجيء ويجيء من يقرأ لك، قال فقلت: أنا أقوم بالقراءة، قال: فغدوت عليه وابتدأت أن أقرأه ظاهرا والكتاب في يدي، فكلّما تهيبت مالكا وأردت أن أقطع أعجبه حسن قراءتي وإعرابي فيقول: يا فتى زد، حتى قرأته في أيام يسيرة، ثم أقمت بالمدينة حتى توفي مالك بن أنس، ثم خرجت إلى اليمن فارتفع لي بها الشأن، وكان بها وال من قبل الرشيد وكان ظلوما غشوما وكنت ربما آخذ على يديه وأمنعه من الظلم. قال: وكان باليمن تسعة من العلوية قد تحركوا [فكتب الوالي إلى الخليفة يقول إن ناسا من العلوية قد تحركوا] «٢» وإنى أخاف أن يخرجوا وإن هاهنا رجلا من ولد شافع المطلبيّ لا أمر لي معه ولا نهي. قال: فكتب إليه هارون أن احمل هؤلاء واحمل الشافعي معهم فقرنت معهم؛ قال: فلما قدمنا على هارون الرشيد أدخلنا عليه وعنده محمد بن الحسن، قال: فدعا

стр. 2394

هارون بالنطع والسيف وضرب رقاب العلوية ثم التفت محمد بن الحسن فقال: يا أمير المؤمنين هذا المطلبي لا يغلبنك بفصاحته فإنه رجل لسن، فقلت: مهلا يا أمير المؤمنين فإنك الداعي وأنا المدعوّ، وأنت القادر على ما تريد مني ولست القادر على ما أريده منك، يا أمير المؤمنين ما تقول في رجلين أحدهما يراني أخاه والآخر يراني عبده أيهما أحبّ إليّ؟ قال: الذي يراك أخاه، قال قلت: فذاك أنت يا أمير المؤمنين، قال فقال لي: كيف ذاك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين إنكم ولد العباس وهم ولد علي، ونحن بنو المطلب، فأنتم ولد العباس ترونا اخوتكم وهم يرونا عبيدهم، قال: فسرّي ما كان به، فاستوى جالسا فقال «١» : يا ابن ادريس كيف علمك بالقرآن؟ قلت: عن أيّ علومه تسألني؟ عن حفظه فقد حفظته ووعيته بين جنبي وعرفت وقفه وابتداءه وناسخه ومنسوخه وليليّه ونهاريّه ووحشيّه وإنسيّه وما خوطب به العام يراد به الخاص وما خوطب به الخاص يراد به العام؛ فقال لي: والله يا ابن ادريس لقد ادّعيت علما فكيف علمك بالنجوم؟ فقلت: إني لأعرف منها البريّ من البحريّ والسهليّ والجبليّ والفيلق والمصبح وما تجب معرفته، قال: فكيف علمك بأنساب العرب؟ قال فقلت: إني لأعرف أنساب اللئام وأنساب الكرام ونسبي ونسب أمير المؤمنين، قال: لقد ادّعيت علما، فهل من موعظة تعظ بها أمير المؤمنين؟ قال: فذكرت موعظة لطاوس اليماني «٢» فوعظته بها فبكى وأمر لي بخمسين ألفا. وحملت على فرس، وركبت من بين يديه وخرجت، فما وصلت الباب حتى فرقت الخمسين ألفا على حجّاب أمير المؤمنين وبوابيه، قال: فلحقني هرثمة وكان صاحب هارون فقال: اقبل هذه مني، قال فقلت له: إني لا آخذ العطية ممّن هو دوني وإنما آخذها ممن هو فوقي، قال: فوجد في نفسه، قال: وخرجت كما أنا حتى جئت منزلي، فوجهت إلى كاتب محمد بن الحسن بمائة دينار وقلت: اجمع الوراقين الليلة على كتب محمد بن الحسن وانسخها لي ووجه بها إليّ، قال: فكتبت لي ووجّه بها إليّ. قال: اجتمعنا أنا ومحمد بن الحسن على باب هارون، وكان يجلس فيه القضاة والأشراف ووجوه الناس إلى أن يؤذن لهم، قال: واجتمعنا في ذلك المكان، قال:

стр. 2395

وفيه جماعة من بني هاشم وقريش والأنصار والخلق يعظمون محمد بن الحسن لقربه من أمير المؤمنين وتمكّنه، قال: فاندفع يعرّض بي ويذمّ أهل المدينة، فقال: من أهل المدينة؟ وأيّ شيء يحسن أهل المدينة؟ والله لقد وضعت كتابا على أهل المدينة كلها لا يخالفني فيه أحد، ولو علمت أن أحدا يخالفني في كتابي هذا تبلغني إليه آباط الابل لصرت حتى أردّ عليه، قال الشافعي: فقلت إن أنا سكتّ نكّست رؤوس من هاهنا من قريش، وإن أنا رددت عليه أسخطت عليّ السلطان، ثم إني استخرت الله في الردّ عليه، فتقدمت إليه فقلت: أصلحك الله، طعنك على أهل المدينة وذمك لأهل المدينة إن كنت أردت رجلا واحدا وهو مالك بن أنس فألّا ذكرت ذلك الرجل بعينه ولم تطعن على أهل حرم الله وحرم رسوله، وكلّهم على خلاف ما ادّعيته. وأما كتابك الذي ذكرت أنك وضعته على أهل المدينة فكتابك من بعد بسم الله الرحمن الرحيم خطأ إلى آخره: قلت في شهادة القابلة كذا وكذا وهو خطأ، وفي مسألة الحامل كذا وكذا وهو خطأ، وقلت في مسألة كذا وكذا كذا وهو خطأ، فاصفرّ محمد بن الحسن ولم يحر جوابا. وكتب أصحاب الأخبار إلى الرشيد بما كان، فضحك وقال: ماذا ننكر لرجل من ولد المطّلب أن يقطع مثل محمد بن الحسن. قال فعارضني رجل من أهل المجلس من أصحابه فقال: ما تقول في رجل دخل منزل رجل فرأى بطة ففقأ عينها ماذا يجب عليه؟ قال قلت: ينظر إلى قيمتها وهي صحيحة وقيمتها وقد ذهبت عينها فيقوّم ما بين القيمتين. ولكن ما تقول أنت وصاحبك في رجل محرم نظر إلى فرج امرأة فأنزل؟ قال: ولم يكن لمحمد حذاقة بالمناسك، قال فصاح به محمد وقال له: ألم أقل لك لا تسأله؟ قال: ثم أدخلنا على الرشيد، فلما أن استوينا بين يديه قال لي يا أبا عبد الله تسأل أو اسأل؟ قال قلت: ذاك إليك، قال: فأخبرني عن صلاة الخوف أواجبة هي «١» ؟ قلت: نعم، فقال: ولم؟ فقلت: لقول الله : إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ (النساء: ١٠٢) فدل أنها واجبة. فقال: وما تنكر من قائل قال لك إنما أمر الله تعالى نبيه ﷺ وهو فيهم، فلما زال عنهم النبي ﷺ زالت تلك الصلاة، فقلت: وكذلك قال الله لنبيه

стр. 2396

خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ (التوبة: ١٠٣) فلما أن زال عنهم النبي ﷺ زالت عنهم الصدقة. فقال: لا، قلت: وما الفرق بينهما والنبي ﷺ هو المأمور بهما جميعا؟ قال: فسكت ثم قال: يا أهل المدينة ما أجرأكم على كتاب الله، فقلت: الأجرأ على كتاب الله من خالفه، قال فقد قال الله وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (الطلاق: ٢) فقلتم أنتم: نقضي باليمين مع الشاهد، فقلت: لكنا نقول بما قال الله ونقضي بما قضى به رسول الله ﷺ ، ولكنك أنت إذا خالفت قضاء رسول الله ﷺ فقد خالفت كتاب الله. قال: وأين لكم ردّ اليمين؟ قال قلت: سنة رسول الله ﷺ ، قال: وأين؟ قلت: قصة حويصة ومحيصة وعبد الرحمن حين قال لهم رسول الله ﷺ في قصة القتيل تحلفون وتستحقون دم صاحبكم، قالوا: لم نشهد ولم نعاين؛ قال: فيحلف لكم يهود، فلما أن نكلوا ردّ اليمين إلى اليهود. قال فقال لي: إنما كان ذلك استفهاما من رسول الله ﷺ ، قال فقلت: يا أمير المؤمنين هذا بحضرتك يزعم أن رسول الله ﷺ يستفهم من اليهود، فقال الرشيد. ثكلتك أمك يا ابن الحسن، رسول الله ﷺ يستفهم من اليهود؟ نطع وسيف، قال فلما رأيت الجدّ من أمير المؤمنين قلت: مهلا يا أمير المؤمنين فإن الخصمين إذا اجتمعا تكلّم كلّ واحد منهما بما لا يعتقده ليقطع به صاحبه وما أرى أن محمدا يرى نقصا لرسول الله ﷺ ، قال: فسريت عنه، قال: ثم ركبنا جميعا وخرجنا من الدار، قال فقال لي: يا أبا عبد الله فعلتها؟ قال: فقلت: فكيف رأيتها بعد ذلك؟ وللشافعي ﵁ مع محمد بن الحسن مناظرات في عدة مواطن اقتصرنا على هذه قصدا للاختصار. (مناظرة إسحاق بن راهويه «١» مع الشافعي ﵁:) نقلت من «تاريخ نيسابور» للحاكم ومن «كتاب مناقب الشافعي» للآبري وجمعت بين الخبرين قصدا للاختصار مع نسبة كلّ قول إلى قائله «٢» : حدث الآبري

стр. 2397

باسناده، قال إسحاق بن راهويه: كنا عند سفيان بن عيينة نكتب أحاديث عمرو بن دينار، فجاءني أحمد بن حنبل فقال لي: يا أبا يعقوب قم حتى أريك رجلا لم تر عيناك مثله، قال: فقمت فأتى بي فناء زمزم، فإذا هناك رجل عليه ثياب بيض، تعلو وجهه السمرة، حسن السمت حسن العقل، وأجلسني إلى جانبه، فقال له: يا أبا عبد الله هذا إسحاق بن راهويه الحنظلي فرحّب بي وحيّاني، فذاكرته وذاكرني فانفجر لي منه علم وأعجبه حفظي، قال: فلما أن طال مجلسنا قلت له: يا أبا عبد الله قم بنا إلى الرجل، قال: هذا هو الرجل، فقلت له: يا سبحان الله أقمنا من عند رجل يقول «حدثنا الزهري» فما توهمت إلا أن تأتي بنا إلى رجل مثل الزهري أو قريبا منه، فأتيت بنا إلى هذا الشاب (أو هذا الحدث) «١» . فقال لي: يا أبا يعقوب اقتبس من الرجل فانه ما رأت عيناي مثله. قال الآبري، قال إسحاق: فسألته عن سكنى بيوت مكة (أراد الكرى) فقال جائز. فقلت: أي يرحمك الله، وجعلت أذكر له الحديث عن عائشة وعبد الرحمن وعمر وأصحاب رسول الله ﷺ ومن كره كرى بيوت مكة، وهو ساكت يسمع، وأنا أسرد عليه، فلما فرغت سكت ساعة وقال: أي يرحمك الله، أما علمت أن النبي ﷺ قال: هل ترك لنا عقيل من رباع أو دار، قال: فوالله ما فهمت عنه ما أراد بها ولا أرى أن أحدا فهمه. (قال الحاكم) فقال إسحاق: أتأذن لي في الكلام؟ فقال: نعم فقلت: حدثنا يزيد بن هارون عن هشام عن الحسن أنه لم يكن يرى ذلك، وأخبرنا أبو نعيم وغيره عن سفيان عن منصور عن إبراهيم أنه لن يكن يرى ذلك. (قال الحاكم) ولم يكن الشافعي عرف إسحاق فقال الشافعي لبعض من عرفه: من هذا؟ فقال: هذا إسحاق بن إبراهيم بن الحنظلي بن راهويه الخراساني، فقال له الشافعي: أنت الذي يزعم أهل خراسان أنك فقيههم؟ قال إسحاق: هكذا يزعمون، قال الشافعي: ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك فكنت آمر بعرك أذنيه. وقال الحاكم في خبر آخر: قال له الشافعي لو قلت قولك احتجت إلى أن أسلسل، أنا أقول لك «قال رسول الله ﷺ » وأنت تقول «عطاء وطاوس ومنصور

стр. 2398

وإبراهيم والحسن وهؤلاء لا يرون ذلك» بل [ليس] لاحد مع رسول الله ﷺ حجة. قال إسحاق لبعض من معه من المراوزة بلسانهم «مردك لا كمالانيست» «١» قرية عندهم بمرو يدّعون العلم وليس لهم علم واسع. وقال الابري قال إسحاق لبعض من معه: الرجل مالكاني، ومالكان قرية من قرى مرو أهلها فيهم سلامة. قال الحاكم في خبره، فلما سمع الشافعي تراطنه علم أنه قد نسبه إلى شيء فقال: تناظر؟ وكان إسحاق جريئا فقال: ما جئت إلا للمناظرة، فقال له الشافعي: قال الله لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ الآية (الحشر: ٨) نسب الدار إلى المالكين أو إلى غير المالكين؟ قال إسحاق: إلى المالكين، قال الشافعي: فقوله أصدق الأقاويل، وقد قال رسول الله ﷺ من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، أنسب رسول الله ﷺ الدار إلى مالك أو إلى غير مالك؟ قال إسحاق: إلى مالك، فقال الشافعي: وقد اشترى عمر بن الخطاب دار الحجّامين فأسكنها، وذكر له جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ اشتروا دور مكة وجماعة باعوها، وقال إسحاق له: قال الله سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ (الحج: ٢٥) فقال الشافعي: اقرأ أول الآية، قال وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ (الحج: ٢٥) قال الابري، قال الشافعي: والعكوف يكون في المسجد، ألا ترى إلى قوله لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ (البقرة: ١٢٥) والعاكفون يكونون في المساجد، ألا ترى إلى قوله جل وعز وأنتم عاكفون في المساجد فدل قوله سواء العاكف فيه والباد في المسجد خاص، فأما من ملك شيئا فله أن يكري وأن يبيع. (قال الحاكم) وقال الشافعي: ولو كان كما تزعم لكان لا يجوز أن تنشد فيها ضالة، ولا ينحر فيها البدن، ولا تنثر فيه الأرواث، ولكن هذا في المسجد خاصة. قال: فسكت إسحاق ولم يتكلم. وفي خبر الآبري: فلما تدبرت ما قال من قول رسول الله ﷺ : هل ترك لنا عقيل من رباع أو دار علمت أنه قد فهم ما ذهب عنا؛ قال إسحاق: ولو كنت قد

стр. 2399

أدركني هذا الفهم وأنا بحضرته لعرّفته ذاك، ثم نظرنا في كتبه فوجدنا الرجل من علماء هذه الأمة. قال الآبري: وقرأت في بعض ما حكي عن أبي الحسن أنه كان يأخذ بلحيته في يده ويقول: واحيائي من محمد بن إدريس الشافعي، يعني في هذه المسألة. ومن كتاب الحاكم: سمعت أبا بكر محمد بن علي بن إسماعيل الفقيه الأديب الشاشي أبا بكر القفال إمام عصره بما وراء النهر للشافعيين يقول: دخلت على أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة أول ما قدمت نيسابور، وتكلمت بين يديه وأنا شاب حدث السن، فقال لي: من أين أنت؟ فقلت: من أهل الشاش، قال لي: إلى من اختلفت؟ قلت: إلى أبي الليث، قال: وأبو الليث هذا أي مذهب يعتقد؟ قلت: حنبلي، فقال: يا بني قل شافعي وهل كان أحمد بن حنبل إلا غلاما من غلمان الشافعي؟ قال: ومات أبو بكر القفال بالشاش في ذي الحجة سنة خمس وستين وثلاثمائة. ومن كتاب الآبري: حدثني محمد بن عبد الله الرازي، حدثنا الحسن بن حبيب الدمشقي عن محمود المصري، وكان من أفصح الناس، قال: سمعت ابن هشام (قال محمود: وما رأيت بعيني ممن فهمت عنه مثل ابن هشام) قال محمود: ورأيت الشافعيّ وأنا صغير، قال محمود، وسمعت ابن هشام يقول «١» : جالست الشافعيّ زمانا فما سمعته تكلم بكلمة إذا اعتبرها المعتبر لا يجد كلمة في العربية أحسن منها. قال «٢» وسمعت ابن هشام يقول: الشافعي كلامه لغة يحتجّ بها. وحدثت عن الحسن بن محمد الزعفراني قال: كان قوم من أهل العربية يختلفون إلى مجلس الشافعي معنا ويجلسون ناحية، قال فقلت لرجل من رؤسائهم: إنكم لا تتعاطون العلم فلم تختلفون معنا؟ قالوا: نسمع لغة الشافعي؛ قال: وسمعت أبا علي الحسين بن أحمد البيهقي الفقيه ببغداد قال: سمعت حسان بن محمد يحكي عن الأصمعي انه قال «٣» : صححت أشعار هذيل على فتى من قريش

стр. 2400

يقال له محمد بن إدريس الشافعي. قال «١» : وحكي لنا عن مصعب الزبيري قال: كان أبي والشافعي يتناشدان، فأتى الشافعي على شعر هذيل حفظا وقال: لا تعلم بهذا أحدا من أهل الحديث فانهم لا يحتملون هذا. قال الشافعي ﵁، قال: ما رأيت أحدا أعلم بهذا الشأن مني وقد كنت أحبّ أن أرى الخليل بن أحمد. وحدث ابن خزيمة قال، سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: كان الشافعي إذا أخذ في العربية قلت: هو بهذا أعلم، وإذا تكلم في الشعر وإنشاده قلت: هو بهذا أعلم، وإذا تكلم في الفقه قلت: هو بهذا أعلم. وتحدث ابن عيينه «٢» بحديث عن النبي ﷺ أقرّوا الطير في مكناتها، قال: وكان الشافعي إلى جنب ابن عيينة، فالتفت إليه سفيان فقال: يا أبا عبد الله ما معنى قول النبي ﷺ أقروا الطير على مكناتها، فقال الشافعي: ان علم العرب كان في زجر الطير والخط والاعتياف، كان أحدهم إذا غدا من منزله يريد أمرا نظر أول طير يراه فان سنح عن يساره فاجتاز عن يمينه قال هذا طير الأيامن فمضى في حاجته ورأى أنه يستنجحها، وإن سنح عن يمينه فمر عن يساره قال هذا طير الأشائم فرجع. وقال: هذه حالة مشئومة، فيشبه قول رسول الله ﷺ أقروا الطير على مكناتها أي لا تهيجوها فان تهييجها وما تعملون به من الطيرة لا يصنع شيئا وإنما يصنع فيما توجهون فيه قضاء الله . قال وكان سفيان يفسره بعد ذلك على ما قال الشافعي. وحدث الابري حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الرقي إملاء، قال حدثنا عبد الواحد بن سعيد عن صالح بن أحمد قال: جاء الشافعي يوما إلى أبي يعوده، وكان عليلا، فوثب أبي إليه فقبّل ما بين عينيه ثم أجلسه في مكانه، وجلس بين يديه، قال: فجعل يسائله ساعة، فلما وثب الشافعي ليركب قام أبي فأخذ بركابه ومشى معه، فبلغ يحيى بن معين، فوجّه إلى أبي يا أبا عبد الله يا سبحان الله اضطرّك الأمر إلى ان تمشي إلى جانب بغلة الشافعي؟! فقال له أبي: وأنت يا أبا زكريا لو مشيت من

стр. 2401

الجانب الآخر لانتفعت به. قال ثم قال أبي: من أراد الفقه فليشمّ ذنب هذه البغلة. وفي رواية أخرى عن أحمد بن حنبل أنه قال: قدم علينا نعيم بن حماد فحضنا على طلب المسند، فلما قدم الشافعي وضعنا على المحجة البيضاء. ورواية أخرى عن حميد بن الربيع الخراز قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما أعلم أحدا أعظم منة على الإسلام في زمن الشافعي من الشافعي، واني لأدعو الله له في أدبار صلواتي فأقول: اللهم اغفر لي ولوالديّ ولمحمد بن إدريس الشافعي. وحدث الحارث بن محمد الأموي عن أبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي قال: كنت من أصحاب محمد بن الحسن، فلما قدم الشافعي علينا جئته إلى مجلسه شبه المستهزىء فسألته عن مسألة من الدور فلم يجبني وقال لي: كيف ترفع يديك في الصلاة؟ قلت: هكذا، قال لي: أخطأت، فقلت: كيف أصنع؟ فقال: حدثني ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه وإذا ركع وإذا رفع. قال أبو ثور: فوقع في قلبي من ذاك فجعلت أزيد في المجيء إلى الشافعي وأقصّر في الاختلاف إلى محمد بن الحسن، فقال لي ابن الحسن يوما: يا أبا ثور أحسب هذا الحجازيّ قد غلب عليك، قال قلت: أجل، الحقّ معه، قال: وكيف ذاك؟ قال فقلت: كيف ترفع يديك في الصلاة؟ فأجابني على نحو ما أجبت الشافعي، فقلت: أخطأت، قال: كيف أصنع؟ قلت: حدثني الشافعي عن ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه أنّ النبي ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه وإذا ركع وإذا رفع. قال أبو ثور: فلما كان بعد شهر قال: يا أبا ثور خذ مسألتك في الدور فانما منعني أن أجيبك يومئذ لأنك كنت متعنّتا. وحدث المزني وهو أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى قال: دخلت على الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقلت: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلا، وللاخوان مفارقا، ولكأس المنية شاربا، وعلى الله جل ذكره واردا، ولا والله ما أدري روحي تصير إلى الجنة أو إلى النار فأعزيها، ثم بكى وأنشأ يقول «١» :

стр. 2402

فلما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت رجائي نحو عفوك سلما تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل ... تجود وتعفو منة وتكرما فلولاك لم يقدر بابليس عابد ... فكيف وقد أغوى صفيّك آدما وحدث الربيع بن سليمان قال: كان الشافعي ﵀ يجلس في حلقته إذا صلى الصبح فيجيئه أهل القرآن، فإذا طلعت الشمس قاموا وجاء أهل الحديث فيسألونه تفسيره ومعانيه، فإذا ارتفعت الشمس قاموا فاستوت الحلقة للمذاكرة والنظر، فإذا ارتفع الضحى تفرقوا وجاء أهل العربية والعروض والنحو والشعر فلا يزالون إلى قرب انتصاف النهار ثم ينصرف ﵁. وحدث يونس بن عبد الأعلى الصدفي قال، قال لي الشافعي ﵁: يا أبا موسى رضي الناس غاية لا تدرك، ما أقوله لك إلا نصحا ليس إلى السلامة من الناس سبيل، فانظر ما فيه صلاح نفسك فالزمه ودع الناس وما هم فيه. وحدث الحسن بن محمد الزعفراني قال «١» : كنا نحضر مجلس بشر المريسي فكنا لا نقدر على مناظرته، فمشينا إلى أحمد بن حنبل فقلنا له: ائذن لنا في أن نحفظ «الجامع الصغير» الذي لأبي حنيفة نخوض معهم إذا خاضوا، فقال: اصبروا فالآن يقدم عليكم المطلبي الذي رأيته بمكة، قال: فقدم علينا الشافعي، فمشوا «٢» إليه وسألناه شيئا من كتبه فأعطانا كتاب اليمين مع الشاهد، فدرسته في ليلتين ثم غدوت على بشر المريسي وتخطيت إليه، فلما رآني قال: ما جاء بك؟ لست «٣» صاحب حديث، قال قلت: ذرني من هذا، أيش الدليل على إبطال اليمين مع الشاهد؟ فناظرته فقطعته، فقال: ليس هذا من كيسكم، هذا من كلام رجل رأيته بمكة معه نصف عقل أهل الدنيا. وحدث الربيع بن سليمان قال «٤» : كنا عند الشافعي إذ جاءه رجل برقعة فنظر

стр. 2403

فيها وتبسم، ثم كتب فيها ودفعها إليه، قال فقلنا: يسأل الشافعي عن مسألة لا ننظر فيها وفي جوابها؟ فلحقنا الرجل وأخذنا الرقعة فقرأناها وإذا فيها: سل المفتي المكيّ هل في تزاور ... وضمة مشتاق الفؤاد جناح قال وإذا اجابة أسفل من ذلك: أقول معاذ الله أن يذهب التقى ... تلاصق أكباد بهن جراح قرأت في أمال أملاها أبو سليمان الخطابي على بعض تلامذته: قال الشيخ «١» : كان الشافعي ﵀ يوما من أيام الجمع جالسا للنظر فجاءت امرأة فألقت إليه رقعة فيها: عفا الله عن عبد أعان بدعوة ... خليلين كانا دائمين على الودّ إلى أن مشى واشي الهوى بنميمة ... إلى ذاك من هذا فزالا عن العهد قال: فبكى الشافعي ﵀ وقال: ليس هذا يوم نظر، هذا يوم دعاء، ولم يزل يقول، اللهم اللهم حتى تفرق أصحابه. ومثله ما بلغني أن رجلا جاءه برقعة فيها: سل المفتي المكيّ من آل هاشم ... إذا اشتد وجد بامرىء كيف يصنع قال فكتب الشافعي تحته: يداوي هواه ثم يكتم وجده ... ويصبر في كلّ الأمور ويخضع فأخذها صاحبها وذهب بها ثم جاءه وقد كتب تحت هذا البيت الذي هو الجواب: فكيف يداوي والهوى قاتل الفتى ... وفي كلّ يوم غصّة يتجرّع فكتب الشافعي ﵀: فان هو لم يصبر على ما أصابه ... فليس له شيء سوى الموت أنفع

стр. 2404

ويروى للشافعي ﵀ «١» : أأنثر درّا بين سارحة البهم ... وأنظم منثورا لراعية الغنم لعمرى لئن ضيّعت في شرّ بلدة ... فلست مضيعا فيهم غرر الكلم لئن سهّل الله العزيز بلطفه ... وصادفت أهلا للعلوم وللحكم بثثت مفيدا واستفدت ودادهم ... والا فمكنون لديّ ومكتتم ومن منح الجهال علما أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم وله ﵁ في تعزية «٢» : إني أعزّيك لا أني على طمع ... من الخلود ولكن سنّة الدين فما المعزّي بباق بعد صاحبه ... ولا المعزّى وان عاشا إلى حين وحدث باسناد رفعه إلى ابن عمر الشافعي قال: كان لأبي عبد الله الشافعي امرأة يحبها فقال «٣» : أليس شديدا أن تح ... بّ ولا يحبك من تحبّه ويصدّ عنك بوجهه ... وتلجّ أنت فلا تغبّه وحدث الآبري باسناد إلى المزني عن الشافعي قال: كنا في سفر بأرض اليمن، فوضعنا سفرتنا لنتعشى وحضرت صلاة المغرب، فقلنا: نصلي ثم نتعشى، فتركنا سفرتنا كما هي، وكان في السفرة دجاجتان، فجاء ثعلب فأخذ إحدى الدجاجتين، فلما قضينا صلاتنا أسفنا عليها وقلنا، حرمنا طعامنا، فبينا نحن كذلك إذ جاء الثعلب وفي فيه شيء كأنه الدجاجة فوضعه، فبادرنا إليه لنأخذه، ونحن نحسبه الدجاجة قد ردها، فلما قمنا لخلاصها فإذا هو قد جاء إلى الأخرى فأخذها من السفرة، وأصبنا الذي قمنا إليه لنأخذه ليفة قد هيأها مثل الدجاجة. وحدث الحسن بن محمد الزعفراني قال: سئل الشافعي عن مسألة فأجاب فيها

стр. 2405

ثم أنشأ يقول «١» : إذا المشكلات تصدّين لي ... كشفت حقائقها بالنظر لسان كشقشقة الأرحبيّ ... أو كالحسام اليماني الذكر ولست بإمّعة في الرجال ... أسائل هذا وذا ما الخبر ولكنني مدره الأصغرين جلّاب خير وفرّاج شر وحدث الربيع بن سليمان قال: لما دخل الشافعيّ مصر أول قدومه إليها جفاه الناس فلم يجلس إليه أحد، قال فقال له بعض من قدم معه: لو قلت شيئا يجتمع إليك الناس، قال فقال: إليك عني وأنشأ يقول: أأنثر درّا بين سارحة النعم ... وأنظم منثورا لراعية الغنم الأبيات التي مرت آنفا. وجرى بين الشافعي وبين بعض من صحبه مجانة فقال «٢» : وأنزلني طول النوى دار غربة ... إذا شئت لاقيت امرءا لا أشاكله أحامقه حتى يقال سجية ... ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله وحدث الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي يقول «٣» : يا راكبا قف بالمحصّب من منى ... واهتف بقاعد خيفها والناهض سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى ... فيضا كملتطم الفرات الفائض إن كان رفضا حبّ آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي ومن كتاب الامام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي باسناده إلى الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعيّ، وسأله رجل عن مسألة، فقال «٤» يروى عن النبي ﷺ أنه قال كذا وكذا، فقال له السائل: يا أبا عبد الله أتقول بهذا؟ فارتعد الشافعي واصفرّ

стр. 2406

لونه وحال وتغير وقال: ويحك أي أرض تقلّني وأيّ سماء تظلني إذا رويت عن رسول الله ﷺ ولم أقل به؟ نعم على الرأس والعينين. قال «١» : وسمعت الشافعي يقول: ما من أحد إلا وتذهب عنه سنّة لرسول الله ﷺ وتعزب عنه، فمهما قلت من قول أو أصّلت من أصل فيه عن رسول الله ﷺ خلاف ما قلت فالقول ما قال رسول الله ﷺ ، وهو قولي، وجعل يردد هذا الكلام. وباسناده عن أحمد بن حنبل أنه قال لعبد الملك بن عبد الحميد الميموني «٢» : مالك لا تنظر في كتب الشافعي فما من أحد وضع الكتب حتى ظهرت أتبع للسنة من الشافعي ﵁. وباسناده إلى أبي عثمان المازني قال «٣» : سمعت الأصمعي يقول: قرأت شعر الشنفري على الشافعيّ بمكة، قال زكريا بن يحيى الساجي: فذكرت ذلك للرياشي فقال: ما أنكره، قرأتها على الأصمعي فقال: أنشدنيها رجل من قريش بمكة. وباسناده إلى عبد الرحمن بن أخي الأصمعي قال «٤» : قلت لعمي: يا عماه على من قرأت شعر هذيل؟ فقال على رجل من آل المطلب يقال له محمد بن إدريس. وحدث الصولي عن المبرد انه قال «٥» : كان الشافعي من اشعر الناس وآدب الناس وأعرفهم بالقراءات. وباسناده «٦» إلى عبد الملك بن هشام النحوي صاحب «كتاب المغازي» أنه قال: طالت مجالستنا [للشافعي] فما سمعت منه لحنة قط ولا كلمة غيرها أحسن منها. وباسناده إلى جبير بن مطعم قال «٧» : لما قسم رسول الله ﷺ سهم ذوي القربى

стр. 2407

من خيبر على بني هاشم وبني المطلب مشيت أنا وعثمان بن عفان فقلنا: يا رسول الله هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ينكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله به منهم، أرأيت إخوتنا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال: إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، ثم شبك رسول الله ﷺ يديه إحداهما بالأخرى، أخرجه البخاري في الصحيح. وهذا لأن عبد مناف كان له أربعة أولاد: هاشم والمطلب وعبد شمس جدّ بني أمية ونوفل، وكان جبير بن مطعم من بني نوفل وعثمان من بني عبد شمس وهما أخوا المطلب. وباسناده «١» إلى الحارث بن سريج النقال قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أنا أدعو الله للشافعي أخصه به. وباسناده «٢» : كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي وهو شاب أن يضع له كتابا فيه معاني القرآن ويجمع قبول الأخبار فيه وحجة الاجماع وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة فوضع له كتاب الرسالة. قال عبد الرحمن: ما أصلي صلاة إلا وأدعو للشافعي فيها. وباسناده: قال أحمد بن حنبل: كان الفقه قفلا على أهله حتى فتحه الله بالشافعي. وباسناده: قال إبراهيم الحربي: سئل أحمد بن حنبل عن مالك بن أنس فقال: حديث صحيح ورأي صحيح، وسئل عن آخر فقال: لا رأي ولا حديث. وباسناده «٣» إلى محمد بن مسلم بن وارة قال: لما قدمت من مصر أتيت أبا عبد الله أحمد بن حنبل أسلّم عليه، فقال لي: كتبت كتب الشافعي؟ فقلت: لا، فقال لي: فرّطت، ما عرفنا العموم من الخصوص وناسخ حديث رسول الله ﷺ من منسوخه حتى جالسنا الشافعي. قال ابن وارة: فحملني ذلك على أن رجعت إلى مصر فكتبتها. وباسناده قال الزعفراني «٤» : كنت مع يحيى بن معين في جنازة فقلت له: يا أبا

стр. 2408

زكريا ما تقول في الشافعي؟ فقال: دعنا لو كان الكذب له مطلقا لكانت مروءته تمنعه أن يكذب. وباسناده «١» إلى عبد الملك الميموني قال: كنت عند أحمد بن حنبل وجرى ذكر الشافعي، فرأيت أحمد يرفعه وقال: يروى عن النبي ﷺ أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يقرر لها دينها، فكان عمر بن عبد العزيز في رأس المائة الأولى، وأرجو أن يكون الشافعي على رأس المائة الأخرى. وباسناده: قال الشيخ أبو الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول: كنا في مجلس القاضي أبي العباس ابن سريج سنة ثلاث وثلاثمائة، فقام إليه شيخ من أهل العلم فقال له: أبشر أيها القاضي فان الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدّد لها أمر دينها، وانه تعالى بعث على رأس المائة عمر بن عبد العزيز وتوفي سنة ثلاث ومائة، وبعث على رأس المائتين أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي وتوفي سنة أربع ومائتين، وبعثك على رأس الثلاثمائة، ثم أنشأ يقول: اثنان قد مضيا فبورك فيهما ... عمر الخليفة ثم حلف السؤدد الشافعيّ الألمعيّ محمد ... إرث النبوة وابن عمّ محمد أبشر أبا العباس إنك ثالث ... من بعدهم سقيا لنوبة أحمد قال: فصاح القاضي وبكى وقال: إن هذا الرجل قد نعى إليّ نفسي. قال فمات القاضي أبو العباس في تلك السنة. وذكر الخطيب في «تاريخه» أن ابن سريج مات سنة ست وثلاثمائة. وباسناد البيهقي إلى داود بن علي الأصبهاني أنه قال «٢» : اجتمع للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره، فأوّل ذلك شرف نفسه ومنصبه وأنه من رهط النبي ﷺ ، ومنها صحة الدين وسلامة الاعتقاد من الأهواء والبدع، ومنها سخاوة النفس، ومنها معرفته بصحة الحديث وسقمه، ومنها معرفته بناسخ الحديث ومنسوخه، ومنها حفظه لكتاب الله وحفظه لأخبار رسول الله ﷺ ومعرفته بسير النبي ﷺ وبسير خلفائه، ومنها

стр. 2409

كشفه لتمويه مخالفيه، ومنها تأليف الكتب القديمة والجديدة، ومنها ما اتفق له من الأصحاب والتلامذة مثل أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل في زهده وعلمه وورعه وإقامته على السنة، ومثل سليمان بن داود الهاشمي وعبد الله بن الزبير الحميدي والحسين الفلّاس «١» وأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني وأبي يعقوب يوسف بن يحيى البويطي وحرملة بن يحيى التجيبي والربيع بن سليمان المرادي وأبي الوليد موسى بن [أبي] الجارود والحارث بن سريج النقال وأحمد بن خالد الخلال وأبي عبيد القاسم بن سلام والقائم بمذهبه أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني. قال الشيخ أحمد البيهقي، إنما عدّد داود بن عليّ من أصحاب الشافعي جماعة يسيرة، وقد عدّ أبو الحسن الدارقطني من روى عنه أحاديثه وأخباره أو كلامه زيادة على مائة، هذا مع قصور سنه عن سن أمثاله من الأئمة، وإنما تكثر الرواة عن العالم إذا جاوز سنه الستين أو السبعين، والشافعي لم يبلغ في السنّ أكثر من أربع وخمسين. ومن «كتاب مرو» مسندا إلى عبد الله بن محمد بن هارون الفريابي قال «٢» : وقفت بمكة على حلقة عظيمة وفيها رجل، فسألت عنه فقيل هذا محمد بن إدريس الشافعي، فسمعته يقول: سلوني عما شئتم أخبركم بآية من كتاب الله وسنة عن رسول الله ﷺ وقول صحابي. فقلت في نفسي: إنّ هذا الرجل جريء، ثم قلت له: ما تقول في المحرم يقتل الزنبور. فقال قال الله تعالى ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (الحشر: ٧) وحدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي عن حذيفة قال قال رسول الله ﷺ : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، وحدثنا سفيان بن عيينة عن مسعر عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب أن عمر ﵁ أمر المحرم بقتل الزنبور. وعن المزني سمعت الشافعي يقول: رأيت بالمدينة أربع عجائب، رأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة، ورأيت رجلا فلّسه القاضي في مدّي نوى، ورأيت شيخا قد

стр. 2410

أتى عليه تسعون سنة يدور نهاره حافيا راجلا على القيان يعلّمهن الغناء فإذا جاءت الصلاة صلّى قاعدا، وكان بالمدينة وال وكان رجلا صالحا فقال: مالي لا أرى الناس يجتمعون على بابي كما يجتمعون على أبواب الولاة؟ فقالوا: إنك لا تضرب أحدا ولا تؤذي الناس، فقال: أهكذا؟ عليّ بالإمام، فنصب بين العقابين وجعل يضرب والإمام يقول: أعز الله الأمير أيش جرمي؟ وهو يقول: جمّلنا بنفسك، حتى اجتمع الناس على بابه. وعن خيثمة بن سليمان بن حيدرة قال «١» : جاء رجل إلى الشافعي فقال له: أصلحك الله، صديقك فلان عليل، فقال الشافعي: والله لقد أحسنت إليّ وأيقظتني لمكرمة ودفعت عني اعتذارا يشوبه الكذب، ثم قال: يا غلام هات السبتية، ثم قال: للمشي على الحفاء على علة الوجاء في حرّ الرمضاء من ذي طول أهون من اعتذار إلى صديق يشوبه الكذب، ثم أنشأ يقول: أرى راحة للحقّ عند قضائه ... ويثقل يوما ان تركت على عمد وحسبك حظّا أن ترى عذر كاذب ... وقولك لم أعلم وذاك من الجهد ومن يقض حقّ الجار بعد ابن عمه ... وصاحبه الأدنى على القرب والبعد يعش سيدا يستعذب «٢» الناس ذكره ... وإن نابه حقّ أتوه على قصد ومما يروى للشافعي ﵁ «٣» : أصبحت مطّرحا في معشر جهلوا ... حقّ الاديب فباعوا الرأس بالذنب والناس يجمعهم سمل وبينهم ... في العقل فرق وفي الآداب والحسب كمثلما الذهب الابريز يشركه ... في لونه الصّفر والتفضيل للذهب والعود لو لم تطب منه روائحه ... لم يفرق الناس بين العود والحطب وعن أبي بكر ابن بنت الشافعي قال، قال الشافعي بمكة حين أراد الخروج إلى مصر «٤» :

стр. 2411

لقد أصبحت نفسي تتوق إلى مصر ... ومن دونها قطع المهامه والقفر فوالله ما أدري أللفوز والغنى ... أساق إليها أم أساق إلى القبر قال: فخرج فقطع عليه الطريق، فدخل بعض المساجد وليس عليه إلا خرقة، فدخل الناس وخرجوا فلم يلتفت إليه أحد، فقال «١» : عليّ ثياب لو يباع جميعها ... بفلس لكان الفلس منهنّ أكثرا وفيهن نفس لو يقاس ببعضها ... نفوس الورى كانت أجلّ وأكبرا وما ضرّ نصل السيف إخلاق غمده ... إذا كان عضبا أين وجّهته برى قرأت في «كتاب خطط مصر» لأبي عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن علي القضاعي المصري صاحب «كتاب الشهاب» قال: محمد بن إدريس الشافعي المطلبي الفقيه يكنى أبا عبد الله، توفي في سلخ رجب سنة أربع ومائتين بمصر، ودفن غربي الخندق في مقابر قريش، وحوله جماعة من بني زهرة من ولد عبد الرحمن بن عوف الزهري وغيرهم، وقبره مشهور هناك مجمع على صحته ينقل الخلف عن السلف في كل عصر إلى وقتنا هذا، وهو البحري من القبور الثلاثة التي تجمعها مصطبة واحدة غربيّ الخندق، بينه وبين المشهد، والقبران الآخران اللذان إلى جنب قبر الشافعي أحدهما قبر عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث بن رافع مولى قريش مات سنة أربع عشرة ومائتين، ودفن إلى جنب من الشافعي، وهو مما يلي القبلة، وهو القبر الأوسط من القبور الثلاثة، وكان من ذوي الجاه والمال والذبائح، وكان يزكي الشهود، ولم يشهد قطّ لدعوة سبقت فيهم، والقبر الثالث قبر ولده عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم مات في سنة سبع وخمسين ومائتين، وقبره مما يلي القبلة، وعبد الرحمن هذا هو صاحب «كتاب فتوح مصر» وكان عالما بالتواريخ. يقال ان الشافعي ﵁ قدم إلى مصر سنة تسع وتسعين ومائة في أول خلافة المأمون، وكان سبب قدومه إلى مصر أن العباس بن عبد الله بن العباس بن موسى بن عبد الله بن العباس استصحبه فصحبه، وكان العباس هذا خليفة لأبيه

стр. 2412

عبد الله على مصر، ولم يزل الشافعي بمصر إلى أن ولي السري بن الحكم البلخي، من قوم يقال لهم الزطّ، مصر واستقامت له، وكان يكرم الشافعي ويقدّمه ولا يؤثر أحدا عليه، وكان الشافعي محببا إلى الخاص والعام لعلمه وفقهه وحسن كلامه وأدبه وحلمه، وكان بمصر رجل من أصحاب مالك بن أنس يقال له فتيان فيه حدة وطيش، وكان يناظر الشافعي كثيرا ويجتمع الناس عليهما، فتناظرا يوما في مسألة بيع الحر، وهو العبد المرهون إذا أعتقه الراهن ولا مال له غيره، فأجاب الشافعي بجواز بيعه على أحد أقواله، ومنع فتيان منه لأنه يمضي عتقه بكل وجه، وهو أحد أقوال الشافعي، فظهر عليه الشافعي في الحجاج، فضاق فتيان بذلك ذرعا فشتم الشافعيّ شتما قبيحا، فلم يردّ عليه الشافعيّ حرفا، ومضى في كلامه في المسألة، فرفع ذلك رافع إلى السري، فدعا الشافعي وسأله عن ذلك وعزم عليه فأخبره بما جرى، وشهد الشهود على فتيان بذلك، فقال السري: لو شهد آخر مثل الشافعي على فتيان لضربت عنقه، وأمر فتيان فضرب بالسياط وطيف به على جمل وبين يديه مناد ينادي هذا جزاء من سبّ آل رسول الله ﷺ . ثم إن قوما تعصبوا لفتيان من سفهاء الناس وقصدوا حلقة الشافعي حتى خلت من أصحابه وبقي وحده، فهجموا عليه وضربوه، فحمل إلى منزله فلم يزل فيه عليلا حتى مات في الوقت المقدم ذكره. قال ابن يونس: كان للشافعي ابن اسمه محمد قدم مع أبيه مصر، توفي بها في شعبان سنة إحدى وثلاثين ومائتين. وقيل كان له ولد آخر اسمه محمد أيضا يروي عن سفيان بن عيينة ولي قضاء الجزيرة وتوفي بها بعد أربعين ومائتين. هذا آخر ما ذكره القضاعي نقلته على وجهه. ومن مشهور أصحاب الشافعي: أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني «١» ، مات في سنة أربع وستين ومائتين. والربيع بن سليمان وكان من أجلّ أصحاب الشافعي وأورعهم وأكثرهم تصنيفا. ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم «٢» يكنى أبا عبد الله، صحب الشافعي وقرأ

стр. 2413

عليه ومات سنة ثمان وستين ومائتين، ودفن إلى جنب الشافعي مع قبر أخيه وأبيه المذكورين، وكان من أهل الدين والورع. والربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي «١» مولى لهم المؤذن الفقيه، يكنى أبا محمد، وهو صاحب الشافعي المشهور بصحبته ومات سنة سبعين ومائتين، وقبره غربي الخندق مما يلي الفقاعي، وهو آخر من روى بمصر عن الشافعي، وكان جليلا مصنفا حدث بكتب الشافعي كلها ونقلها الناس عنه ويقال انه أعان المزني على غسل الشافعي. والربيع بن سليمان بن داود بن الأعرج الجيزي «٢» مولى الأزد، وأظنه صحب الشافعي ومات في سنة ست وخمسين ومائتين وقبره بالجيزة. وهذا فهرست كتب الشافعيّ ﵁: كتاب الطهارة. كتاب مسألة المني. كتاب استقبال القبلة. كتاب الإمامة. كتاب إيجاب الجمعة. كتاب صلاة العيدين. كتاب صلاة الكسوف. كتاب صلاة الاستسقاء. كتاب صلاة الجنائز. كتاب الحكم في تارك الصلاة. كتاب الصلاة الواجبة والتطوع والصيام. كتاب الزكاة الكبير. كتاب زكاة الفطر. كتاب زكاة مال اليتيم. كتاب الصيام الكبير. كتاب المناسك الكبير. كتاب المناسك الأوسط. كتاب مختصر المناسك. كتاب الصيد والذبائح. كتاب البيوع الكبير. كتاب الصرف والتجارة. كتاب الرهن الكبير. كتاب الرهن الصغير. كتاب الرسالة. كتاب أحكام القرآن. كتاب اختلاف الحديث. كتاب جماع العلم. كتاب اليمين مع الشاهد. كتاب الشهادات. كتاب الاجارات الكبير. كتاب كري الابل والرواحل. كتاب الاجارات إملاء. كتاب اختلاف الأجير والمستأجر. كتاب الدعوى والبينات. كتاب الاقرار والمواهب. كتاب ردّ المواريث. كتاب بيان فرض الله . كتاب صفة نهي النبي ﵇. كتاب النفقة على الأقارب. كتاب المزارعة. كتاب المساقاة. كتاب الوصايا الكبير. كتاب الوصايا بالعتق. كتاب الوصية للوارث. كتاب وصية الحامل. كتاب صدقة الحي عن

стр. 2414

الميت. كتاب المكاتب. كتاب المدبّر. كتاب عتق أمهات الأولاد. كتاب الجناية على أم الولد. كتاب الولاء والحلف. كتاب التعريض بالخطبة. كتاب الصداق. كتاب عشرة الصداق. كتاب تحريم ما يجمع من النساء. كتاب الشغار. كتاب إباحة الطلاق. كتاب العدة. كتاب الإيلاء. كتاب الخلع والنشوز. كتاب الرضاع. كتاب الظهار. كتاب اللعان. كتاب أدب القاضي. كتاب الشروط. كتاب اختلاف العراقيين. كتاب اختلاف علي وعبد الله. كتاب سير الأوزاعي. كتاب الغصب. كتاب الاستحقاق. كتاب الأقضية. كتاب إقرار أحد الابنين بأخ. كتاب الصلح. كتاب قتال أهل البغي. كتاب الأسارى والغلول. كتاب القسامة. كتاب الجزية. كتاب القطع في السرقة. كتاب الحدود. كتاب المرتدّ الكبير. كتاب المرتدّ الصغير. كتاب الساحر والساحرة. كتاب القراض. كتاب الأيمان والنذور. كتاب الأشربة. كتاب الوديعة. كتاب العمري. كتاب بيع المصاحف. كتاب خطأ الطبيب. كتاب جناية معلم الكتّاب. كتاب جناية البيطار والحجام. كتاب اصطدام الفرسين والنفسين. كتاب بلوغ الرشد. كتاب اختلاف الزوجين في متاع البيت. كتاب صفة النفي. كتاب فضائل قريش والأنصار. كتاب الوليمة. كتاب صول الفحل. كتاب الضحايا. كتاب البحيرة والسائبة. كتاب قسم الصدقات. كتاب الاعتكاف. كتاب الشفعة. كتاب السبق والرمي. كتاب الرجعة. كتاب اللقيط والمنبوذ. كتاب الحوالة والكفالة. كتاب كري الأرض. كتاب التفليس. كتاب اللقطة. كتاب فرض الصدقة. كتاب قسم الفيء. كتاب القرعة. كتاب صلاة الخوف. كتاب الديات. كتاب الجهاد. كتاب جراح العمد. كتاب الخرص. كتاب العتق. كتاب عمارة الأرضين. كتاب إبطال الاستحسان. كتاب العقول. كتاب الأولياء. كتاب الردّ على محمد بن الحسن. كتاب صاحب الرأي. كتاب سير الواقدي. كتاب حبل الحبلة. كتاب خلاف مالك والشافعي. كتاب قطاع الطريق. قال: والذي لم يسمعه الربيع من الشافعي ﵁ وأرضاه: كتاب الوصايا الكبير. كتاب اختلاف أهل العراق على علي وعبد الله. كتاب ديات الخطأ. كتاب قتال المشركين. كتاب الاقرار بالحكم الظاهر. كتاب الأجناس. كتاب اتباع أمر رسول الله ﷺ . كتاب مسألة الجنين. كتاب وصية الشافعي. كتاب ذبائح بني

стр. 2415

إسرائيل. كتاب غسل الميت. كتاب ما ينجس الماء مما خالطه. كتاب الأمالي في الطلاق. كتاب مختصر البويطي، رواه الربيع عن الشافعي ﵁. [٩٩٤] محمد بن أزهر بن عيسى : أحد الأخباريين المشهورين. قال محمد بن إسحاق النديم: مات سنة تسع وسبعين ومائتين، ومولده سنة [مائتين، وتوفي عن] تسع وسبعين، وكان قد سمع من ابن الأعرابيّ وغيره، وله من الكتب كتاب التاريخ، من خيار «١» الكتب. [٩٩٥] محمد بن إسحاق بن يسار: صاحب «السيرة» كنيته أبو عبد الله وقيل أبو بكر، مولى عبد الله بن قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، ويسار من سبي عين التمر، وهو أول سبي دخل المدينة من العراق. قال ابن أبي خيثمة: وموسى بن يسار أخو إسحاق بن يسار عم محمد بن إسحاق راوية أيضا علامة. مات محمد بن إسحاق سنة خمسين أو إحدى أو اثنتين وخمسين ومائة، ودفن بمقابر الخيزران عند قبر أبي حنيفة. قال المرزباني: ومحمد بن إسحاق أول من جمع مغازي رسول الله ﷺ وألّفها، وكان يروي عن عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان ومحمد بن إبراهيم

стр. 2416

وابن شهاب والأعمش، ويروي عن فاطمة بنت المنذر بن الزبير امرأة هشام بن عروة، فبلغ ذلك هشاما فقال: هو كان يدخل على امرأتي؟! كأنه أنكر ذلك، وخرج عن المدينة قديما فلم يرو عنه منهم أحد غير إبراهيم بن سعد. وكان محمد بن إسحاق مع العباس بن محمد بالجزيرة، وكان قصد أبا جعفر المنصور بالحيرة فكتب إليه المغازي، فسمع منه أهل الكوفة لذلك السبب، وسمع منه أهل الجزيرة حين كان مع العباس بن محمد، وأتى الريّ فسمع منه أهلها، فرواته من هذه البلدان أكثر ممن روى عنه من أهل المدينة، وأتى بغداد فأقام بها إلى أن مات بها، وكان كثير الحديث، وقد كتب عنه العلماء، ومنهم من يستضعفه، وكان له أخوان عمر وأبو بكر ابنا إسحاق وقد رويا الحديث. وحدث باسناد رفعه إلى المفضل بن غسان الغلابي قال: سألت يحيى بن معين عن محمد بن إسحاق فقال قال عاصم بن عمر بن قتادة «١» : لا يزال في الناس علم ما عاش محمد بن إسحاق. قال يحيى: وابن إسحاق يسمع من عاصم فكان يقال..... وحدث فيما رفعه إلى علي بن المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: كان محمد بن إسحاق والحسن بن ضمرة وإبراهيم بن محمد كل هؤلاء يتشيعون ويقدّمون عليا على عثمان. وقال الشاذكوني: كان محمد بن إسحاق بن يسار يتشيع وكان قدريا. وقال أحمد بن يونس: أصحاب المغازي يتشيعون كابن إسحاق وأبي معشر ويحيى بن سعيد الأموي وغيرهم، وأصحاب التفسير السدي والكلبي وغيرهما. وكان له انقطاع إلى عبد الله بن حسن بن حسن، وكان يأتيه بالشيء فيقول له: أثبت هذا في علمك، فيثبته ويرويه عنه. وحدث فيما أسنده الى الواقدي قال: كان محمد بن إسحاق يجلس قريبا من النساء في مؤخر المسجد، فيروى عنه أنه كان يسامر النساء، فرفع إلى هشام وهو أمير

стр. 2417

المدينة، وكانت له شعرة حسنة، فرقق رأسه وضربه أسواطا ونهاه عن الجلوس هنالك، وكان حسن الوجه. وحدث عبد الله بن إدريس قال: كنت عند مالك بن أنس فقال له رجل: إن محمد بن إسحاق يقول: اعرضوا عليّ علم مالك بن أنس فإني أنا بيطاره، فقال مالك: انظروا إلى دجال من الدجاجلة يقول اعرضوا عليّ علم مالك. قال ابن ادريس: وما رأيت أحدا جمع الدجال قبله. وحدث هارون بن عبد الله الزهري قال: سمعت ابن أبي خازم قال «١» : كان ابن إسحاق في حلقته، فاغفى ثم انتبه فقال: رأيت حمارا اقتيد بحبل حتى خرج من المسجد، فلم يبرح حتى أتته رسل الوالي فاقتادوه بحبل فأخرجوه من المسجد. قال: محمد بن إسحاق كانت تعمل له الأشعار فيضعها في كتب المغازي، فصار بها فضيحة عند رواة الأخبار والأشعار، وأخطأ في كثير من النسب الذي أورده في كتابه، وكان يحمل عن اليهود والنصارى ويسميهم في كتبه أهل العلم الأول، وأصحاب الحديث يضعفونه ويتهمونه. وله من الكتب: كتاب الخلفاء، رواه عنه الأموي. كتاب السير والمغازي. كتاب المبدأ، رواه عنه إبراهيم بن سعد ومحمد بن عبد الله بن نمير النفيلي، ومات النفيلي بحران سنة أربع وثلاثين ومائتين وكان يكنى أبا عبد الرحمن. [٩٩٦] محمد بن إسحاق أبو العنبس الصيمري: قال الخطيب في «تاريخه» : محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أبي العنبس بن المغيرة بن ماهان، أبو العنبس

стр. 2418

الصيمري الشاعر أحد الأدباء الملحاء، خبيث اللسان هجّاء، هجاء أكثر شعراء زمانه وقدم بغداد؛ مات سنة خمس وسبعين ومائتين، وحمل إلى الكوفة فدفن بها. ونادم المتوكل وهو القائل يهجو أحمد بن المدبر «١» : أسل الذي عطف الموا ... كب [بالأعنة] نحو بابك وأراك نفسك مالكا ... ما لم يكن لك في حسابك وأذلّ موقفي العزي ... ز على وقوفي في رحابك أن لا يطيل تجرعي ... غصص المنية من حجابك وهو القائل «٢» : كم مريض قد عاش من بعد يأس ... بعد موت الطبيب والعوّاد قد يصاد القطا فينجو سليما ... ويحلّ القضاء بالصيّاد وذكره محمد بن إسحاق النديم في «الفهرست» فقال «٣» : محمد بن إسحاق أبو العنبس الصيمري من أهل الفكاهات، وأصله من الكوفة، وكان قاضي الصيمرة، وكان مع استعماله للهزل شريفا عارفا بالنجوم، وله فيه كتاب يمدحه المنجمون، وأدخله المتوكل في ندمائه وخصّ به، وله مع البحتريّ خبر معروف بين يدي المتوكل، وعاش إلى أيام المعتمد ودخل في ندمائه، وله يهجو طباخ المعتمد: يا طيب أيامي بمعشوق ... ونحن في بعد من السوق إذا طلبت الخبز من فارس ... ينفخ لي صالح بالبوق وله من الكتب: كتاب تأخير المعرفة. كتاب العاشق والمعشوق. كتاب الرد على المنجمين. كتاب الطبلبنب. كتاب كرزابلا «٤» . كتاب طوال اللحى. كتاب الرد على المتطببين. كتاب عنقاء مغرب. كتاب الراحة ومنافع القيادة «٥» . كتاب فضائل

стр. 2419

حلق الرأس. كتاب هندسة العقل. كتاب الأحاديث الشاذة. كتاب فضائل الزو «١» . كتاب الرد على أبي ميخائيل الصيدناني في الكيمياء. كتاب عجائب البحر. كتاب مساوي العوام وأخبار السفلة والأغتام. كتاب فضل السلّم على الدرجة. كتاب الفاس بن الحائك. كتاب الدولتين في تفضيل الخلافتين. كتاب تذكية العقول. كتاب السّحاقات والبغائين. كتاب الخضخضة في جلد عميرة. كتاب أخبار أبي فرعون كندر بن جحدر. كتاب تفسير الرؤيا. كتاب الثقلاء. كتاب نوادر القواد. كتاب دعوة العامة. كتاب الاخوان والأصدقاء. كتاب كنى الدوابّ. كتاب أحكام النجوم. كتاب المدخل في صناعة التنجيم. كتاب صاحب الزمان. كتاب الحلقتين «٢» . كتاب استغاثة الجمل على ربه. كتاب فضل السرم على الفم. وقال أبو العنبس الصيمري: قوام أمر الانسان بتسع دالات: دار ودينار ودرهم ودقيق ودابة ودبس ودن ودسم ودعوة. وحدث الصولي قال حدثني ابن أبي العنبس، وكان قدم الينا بغداد من سر من رأى وكان متأدّبا قال: عرضت لأبي حاجة الى الحسن بن مخلد وزير المعتمد في إقطاع له فخاف معارضته، وذلك أيام تقلده ديوان الضياع، فقال «٣» : زارني بدر على غصن ... قابلا وصلي يقبلني خلته في النوم من فرحي ... قد أعاد الروح في بدني «٤» ان لي عن مثله شغلا ... بمقال الشعر في الحسن وأبيه مخلد فبه ... قد لبسنا سابغ المنن كاتب قلّ النظير له ... فاضل في العلم واللّسن قال: فأمضى له كل ما أراد ولم يعارضه في شيء.

стр. 2420

وأنشد جحظة لأبي العنبس الصيمري: لئن كنت عن أرض تقلّك نازحا ... فلم يحكني غير السليم المسهد وعلّمت مذ حرّعتني صاب بينكم ... غريب البكا عين الحمام المغرد وعن أبي الفرج «١» حدثني أحمد بن جعفر جحظة، قال حدثني أبو العنبس الصيمري قال: كنت عند المتوكل والبحتريّ ينشده: عن أيّ ثغر تبتسم ... وبأيّ طرف تحتكم حتى بلغ إلى قوله: قل للخليفة جعفر ال ... متوكل بن المعتصم والمجتدى ابن المجتدى ... والمنعم ابن المنتقم اسلم لدين محمد ... وإذا سلمت فقد سلم قال: وكان البحتري من أبغض الناس إنشادا، يتشدق ويتزاور في مشيه مرة جائيا ومرة القهقرى، ويهزّ رأسه مرة ومنكبه أخرى، ويشير بكمه ويقول: أحسنت والله، ثم يقبل على المستمعين فيقول: ما لكم لا تقولون أحسنت؟ هذا والله ما لا يحسن أحد أن يقول مثله، فضجر المتوكل من ذلك وأقبل عليّ فقال: أما تسمع يا صيمري ما يقول؟ فقلت: بلى يا سيدي فمر فيه بما أحببت، فقال: بحياتي اهجه على هذا الرويّ الذي أنشدنيه، فقلت: أدخلت رأسك في الحرم «٢» ... وعلمت أنك تنهزم يا بحتريّ حذار وي ... لك من قضاقضة ضغم فلقد أسلت لوالدي ... ك «٣» من الهجا سيل العرم والله حلفة صادق ... وبقبر أحمد والحرم
следующие страницы →