وابن شهاب والأعمش، ويروي عن فاطمة بنت المنذر بن الزبير امرأة هشام بن عروة، فبلغ ذلك هشاما فقال: هو كان يدخل على امرأتي؟! كأنه أنكر ذلك، وخرج عن المدينة قديما فلم يرو عنه منهم أحد غير إبراهيم بن سعد. وكان محمد بن إسحاق مع العباس بن محمد بالجزيرة، وكان قصد أبا جعفر المنصور بالحيرة فكتب إليه المغازي، فسمع منه أهل الكوفة لذلك السبب، وسمع منه أهل الجزيرة حين كان مع العباس بن محمد، وأتى الريّ فسمع منه أهلها، فرواته من هذه البلدان أكثر ممن روى عنه من أهل المدينة، وأتى بغداد فأقام بها إلى أن مات بها، وكان كثير الحديث، وقد كتب عنه العلماء، ومنهم من يستضعفه، وكان له أخوان عمر وأبو بكر ابنا إسحاق وقد رويا الحديث.
وحدث باسناد رفعه إلى المفضل بن غسان الغلابي قال: سألت يحيى بن معين عن محمد بن إسحاق فقال قال عاصم بن عمر بن قتادة «١» : لا يزال في الناس علم ما عاش محمد بن إسحاق. قال يحيى: وابن إسحاق يسمع من عاصم فكان يقال.....
وحدث فيما رفعه إلى علي بن المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: كان محمد بن إسحاق والحسن بن ضمرة وإبراهيم بن محمد كل هؤلاء يتشيعون ويقدّمون عليا على عثمان.
وقال الشاذكوني: كان محمد بن إسحاق بن يسار يتشيع وكان قدريا.
وقال أحمد بن يونس: أصحاب المغازي يتشيعون كابن إسحاق وأبي معشر ويحيى بن سعيد الأموي وغيرهم، وأصحاب التفسير السدي والكلبي وغيرهما.
وكان له انقطاع إلى عبد الله بن حسن بن حسن، وكان يأتيه بالشيء فيقول له:
أثبت هذا في علمك، فيثبته ويرويه عنه.
وحدث فيما أسنده الى الواقدي قال: كان محمد بن إسحاق يجلس قريبا من النساء في مؤخر المسجد، فيروى عنه أنه كان يسامر النساء، فرفع إلى هشام وهو أمير
стр. 2417
المدينة، وكانت له شعرة حسنة، فرقق رأسه وضربه أسواطا ونهاه عن الجلوس هنالك، وكان حسن الوجه.
وحدث عبد الله بن إدريس قال: كنت عند مالك بن أنس فقال له رجل: إن محمد بن إسحاق يقول: اعرضوا عليّ علم مالك بن أنس فإني أنا بيطاره، فقال مالك: انظروا إلى دجال من الدجاجلة يقول اعرضوا عليّ علم مالك.
قال ابن ادريس: وما رأيت أحدا جمع الدجال قبله.
وحدث هارون بن عبد الله الزهري قال: سمعت ابن أبي خازم قال «١» : كان ابن إسحاق في حلقته، فاغفى ثم انتبه فقال: رأيت حمارا اقتيد بحبل حتى خرج من المسجد، فلم يبرح حتى أتته رسل الوالي فاقتادوه بحبل فأخرجوه من المسجد.
قال: محمد بن إسحاق كانت تعمل له الأشعار فيضعها في كتب المغازي، فصار بها فضيحة عند رواة الأخبار والأشعار، وأخطأ في كثير من النسب الذي أورده في كتابه، وكان يحمل عن اليهود والنصارى ويسميهم في كتبه أهل العلم الأول، وأصحاب الحديث يضعفونه ويتهمونه.
وله من الكتب: كتاب الخلفاء، رواه عنه الأموي. كتاب السير والمغازي.
كتاب المبدأ، رواه عنه إبراهيم بن سعد ومحمد بن عبد الله بن نمير النفيلي، ومات النفيلي بحران سنة أربع وثلاثين ومائتين وكان يكنى أبا عبد الرحمن.
[٩٩٦] محمد بن إسحاق أبو العنبس الصيمري:
قال الخطيب في «تاريخه» :
محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أبي العنبس بن المغيرة بن ماهان، أبو العنبس
стр. 2418
الصيمري الشاعر أحد الأدباء الملحاء، خبيث اللسان هجّاء، هجاء أكثر شعراء زمانه وقدم بغداد؛ مات سنة خمس وسبعين ومائتين، وحمل إلى الكوفة فدفن بها. ونادم المتوكل وهو القائل يهجو أحمد بن المدبر «١» :
أسل الذي عطف الموا ... كب [بالأعنة] نحو بابك
وأراك نفسك مالكا ... ما لم يكن لك في حسابك
وأذلّ موقفي العزي ... ز على وقوفي في رحابك
أن لا يطيل تجرعي ... غصص المنية من حجابك
وهو القائل «٢» :
كم مريض قد عاش من بعد يأس ... بعد موت الطبيب والعوّاد
قد يصاد القطا فينجو سليما ... ويحلّ القضاء بالصيّاد
وذكره محمد بن إسحاق النديم في «الفهرست» فقال «٣» : محمد بن إسحاق أبو العنبس الصيمري من أهل الفكاهات، وأصله من الكوفة، وكان قاضي الصيمرة، وكان مع استعماله للهزل شريفا عارفا بالنجوم، وله فيه كتاب يمدحه المنجمون، وأدخله المتوكل في ندمائه وخصّ به، وله مع البحتريّ خبر معروف بين يدي المتوكل، وعاش إلى أيام المعتمد ودخل في ندمائه، وله يهجو طباخ المعتمد:
يا طيب أيامي بمعشوق ... ونحن في بعد من السوق
إذا طلبت الخبز من فارس ... ينفخ لي صالح بالبوق
وله من الكتب: كتاب تأخير المعرفة. كتاب العاشق والمعشوق. كتاب الرد على المنجمين. كتاب الطبلبنب. كتاب كرزابلا «٤» . كتاب طوال اللحى. كتاب الرد على المتطببين. كتاب عنقاء مغرب. كتاب الراحة ومنافع القيادة «٥» . كتاب فضائل
стр. 2419
حلق الرأس. كتاب هندسة العقل. كتاب الأحاديث الشاذة. كتاب فضائل الزو «١» .
كتاب الرد على أبي ميخائيل الصيدناني في الكيمياء. كتاب عجائب البحر. كتاب مساوي العوام وأخبار السفلة والأغتام. كتاب فضل السلّم على الدرجة. كتاب الفاس بن الحائك. كتاب الدولتين في تفضيل الخلافتين. كتاب تذكية العقول.
كتاب السّحاقات والبغائين. كتاب الخضخضة في جلد عميرة. كتاب أخبار أبي فرعون كندر بن جحدر. كتاب تفسير الرؤيا. كتاب الثقلاء. كتاب نوادر القواد.
كتاب دعوة العامة. كتاب الاخوان والأصدقاء. كتاب كنى الدوابّ. كتاب أحكام النجوم. كتاب المدخل في صناعة التنجيم. كتاب صاحب الزمان. كتاب الحلقتين «٢» . كتاب استغاثة الجمل على ربه. كتاب فضل السرم على الفم.
وقال أبو العنبس الصيمري: قوام أمر الانسان بتسع دالات: دار ودينار ودرهم ودقيق ودابة ودبس ودن ودسم ودعوة.
وحدث الصولي قال حدثني ابن أبي العنبس، وكان قدم الينا بغداد من سر من رأى وكان متأدّبا قال: عرضت لأبي حاجة الى الحسن بن مخلد وزير المعتمد في إقطاع له فخاف معارضته، وذلك أيام تقلده ديوان الضياع، فقال «٣» :
زارني بدر على غصن ... قابلا وصلي يقبلني
خلته في النوم من فرحي ... قد أعاد الروح في بدني «٤»
ان لي عن مثله شغلا ... بمقال الشعر في الحسن
وأبيه مخلد فبه ... قد لبسنا سابغ المنن
كاتب قلّ النظير له ... فاضل في العلم واللّسن
قال: فأمضى له كل ما أراد ولم يعارضه في شيء.
стр. 2420
وأنشد جحظة لأبي العنبس الصيمري:
لئن كنت عن أرض تقلّك نازحا ... فلم يحكني غير السليم المسهد
وعلّمت مذ حرّعتني صاب بينكم ... غريب البكا عين الحمام المغرد
وعن أبي الفرج «١» حدثني أحمد بن جعفر جحظة، قال حدثني أبو العنبس الصيمري قال: كنت عند المتوكل والبحتريّ ينشده:
عن أيّ ثغر تبتسم ... وبأيّ طرف تحتكم
حتى بلغ إلى قوله:
قل للخليفة جعفر ال ... متوكل بن المعتصم
والمجتدى ابن المجتدى ... والمنعم ابن المنتقم
اسلم لدين محمد ... وإذا سلمت فقد سلم
قال: وكان البحتري من أبغض الناس إنشادا، يتشدق ويتزاور في مشيه مرة جائيا ومرة القهقرى، ويهزّ رأسه مرة ومنكبه أخرى، ويشير بكمه ويقول: أحسنت والله، ثم يقبل على المستمعين فيقول: ما لكم لا تقولون أحسنت؟ هذا والله ما لا يحسن أحد أن يقول مثله، فضجر المتوكل من ذلك وأقبل عليّ فقال: أما تسمع يا صيمري ما يقول؟ فقلت: بلى يا سيدي فمر فيه بما أحببت، فقال: بحياتي اهجه على هذا الرويّ الذي أنشدنيه، فقلت:
أدخلت رأسك في الحرم «٢» ... وعلمت أنك تنهزم
يا بحتريّ حذار وي ... لك من قضاقضة ضغم
فلقد أسلت لوالدي ... ك «٣» من الهجا سيل العرم
والله حلفة صادق ... وبقبر أحمد والحرم
стр. 2421
وبحقّ جعفر الاما ... م ابن الامام المعتصم
لأصيّرنّك شهرة ... بين المسيل إلى العلم
فبأيّ عرض تعتصم ... وبهتكه جفّ القلم
حيّ الطلول بذي سلم ... حيث الأراكة والخيم
يا ابن الثقيلة والثقي ... ل على قلوب ذوي النعم
وعلى الصغير مع الكب ... ير مع الموالي والحشم
في أيّ سلح تلتطم «١» ... وبأيّ كفّ تلتقم
يا ابن المباحة للورى ... أمن العفاف أو التهم
إذ رحل أختك للعجم ... وفراش أمك في الظلم
وبباب دارك حانة ... في بيته يؤتى الحكم
قال: وخرج البحتري مغضبا يعدو، وجعلت أصيح به خلفه:
أدخلت رأسك في الحرم ... وعلمت أنك تنهزم
والمتوكل يضحك ويصفق حتى غاب عنه. هذه رواية جحظة، والذي يتعارفه الناس أن أبا العنبس كان واقفا خلف السرير والبحتري ينشد قوله:
عن أيّ ثغر تبتسم ... وبأيّ طرف تحتكم
فقال أبو العنبس ارتجالا:
في أيّ سلح ترتطم ... وبأيّ كفّ تلتقم
أدخلت رأسك في الحرم ... وعلمت أنك تنهزم
فغضب البحتريّ وخرج، وضحك المتوكل حتى أكثر، وأمر لأبي العنبس الصيمري بعشرة آلاف درهم.
стр. 2422
[٩٩٧] محمد بن إسحاق بن أسباط الكندي أبو النضر المصري:
ذكره أبو بكر الزبيدي، قال الزبيدي: أخذ عن الزجاج، وله كتاب في النحو سماه «كتاب العيون والنكت» ذهب فيه إلى حدّ الاسم والفعل والحرف، وتلا ذلك بذكر شيء من أبواب الياء والواو ولم يصنع شيئا.
وقال ابن مسعر: نزل أبو النضر أنطاكية مدة ثم سار عنها إلى مصر، وله كتابان: كتاب التلقين. كتاب الموقظ. ورأيت أنا له كتاب المغني في النحو.
وذكره ابن عبد الرحيم فقال: نقلت من خطّ أبي الحسن ابن الخطيب حدثنا الببغا قال: كان يجتمع معنا في خدمة سيف الدولة شيخ من أهل الأدب والتقدم في النحو وعلم المنطق ممن درس على الزجاج وأخذ عنه، يكنى بأبي النضر، وذكر اسمه ونسبه، وحكى أنه كان حسن الشعر، وأخبرنا أن الأبيات التي ينسبها قوم إلى ابن المغيرة وآخرون إلى أبي نضلة (قلت أنا: ووجدتها أنا في ديوان أبي القاسم التنوخي معزوّة إلى أبي القاسم وتروى لغيرهم أيضا) أنها لأبي النضر من قديم شعره وأنشدها لنفسه، وهي «١» :
وكأس من الشمس مخلوقة ... تضمنها قدح من نهار
هواء ولكنه ساكن ... وماء ولكنّه غير جار
فهذا النهاية في الإبيضاض ... وهذا النهاية في الإحمرار
وما كان في الحكم أن يوجدا ... لفرط التنافي وفرط النفار
ولكن تجاور سطحاهما ال ... بسيطان فاجتمعا بالجوار
كأن المدير لها باليمين ... إذا طاف للسقي أو باليسار
стр. 2423
تدرّع ثوبا من الياسمين ... له فرد كمّ من الجلنار
وقد أورد التنوخي هذه الحكاية في «كتاب النشوار» وحكى أن أبا النضر كان عالما بالهندسة قيما بعلوم الأوائل.
ولأبي النضر أيضا «١» :
هات اسقني بالكبير وانتخب ... نافية للهموم والكرب
فلو تراني إذا انتشيت وقد ... حركت كفّي بها من الطرب
لخلتني لا بسا مشهّرة ... من لازورد يشفّ عن ذهب
وقال أبو علي التنوخي: أنشدني أبو عمر ابن جعفر الخلال لأبي النضر المصري النحوي من قصيدة يذكر فيها رجلا مدحه قال: وكان متسعا في الشعر الجيد المستحسن:
ورأيت أحمدنا وسيدنا ... متصدرا للورد والصّدر
خلت النجوم خلقن دائرة ... موصولة الطرفين بالقمر
[٩٩٨] محمد بن إسحاق أبو عبد الله الشابشتي:
صاحب خزانة كتب العزيز بن المعز بمصر والمتوالي عرضها، وكان من أهل الفضل والأدب، مات سنة تسع وتسعين وثلاثمائة للهجرة في أيام الحاكم بن العزيز وله عدة تصانيف منها: كتاب الديارات.
كتاب اليسر بعد العسر. كتاب مراتب الفقهاء. كتاب التوقيف والتخويف. كتاب مراسلات. كتاب ديوان شعره. كتاب في الزهد والمواعظ.
стр. 2424
وقد اختلف في اسمه فرأيت أنا «كتاب الديارات» من تصنيفه وهو مترجم محمد ابن إسحاق كما ترى، ونقل لي بمصر بعض من اختبرت صحة نقله أنه أبو الحسن علي بن أحمد، والله أعلم.
[٩٩٩] محمد بن اسحاق النديم:
كنيته أبو الفرج، وكنية أبيه أبو يعقوب، مصنف «كتاب الفهرست» الذي جوّد فيه واستوعب استيعابا يدلّ على اطلاعه على فنون من العلم وتحققه لجميع الكتب، ولا أبعد أن يكون قد كان وراقا يبيع الكتب، وذكر في مقدمة هذا الكتاب أنه صنف في سنة سبع وسبعين وثلاثمائة. وله من التصانيف:
فهرست الكتب. كتاب التشبيهات. وكان شيعيا معتزليا.
[١٠٠٠] محمد بن إسحاق بن علي بن داود بن حامد
أبو جعفر القاضي الزوزني البحاثي: ذكره عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي وأنه مات بغزنة سنة ثلاث وستين وأربعمائة وقال: هو أحد الفضلاء المعروفين والشعراء المفلقين، صاحب التصانيف العجيبة المفيدة جدا وهزلا، والفائق أهل «١» عصره ظرفا وفضلا، المتعصب لأهل السنة، المخصوص بخدمة البيت الموفقي، المحترم بين الأئمة والكبار لفضله مرة، وللتوقي من حمات لسانه وعقارب هجائه ثانية، ولقد رزق من الهجاء في النظم والنثر طريقة لم يسبق إليها، وما ترك أحدا من الكبراء والأئمة والفقهاء وسائر الأصناف من الناس «٢» إلا هجاه ووقع فيه، فكان الكل يتترسون باحترامه وإيوائه، عن سهام هجائه.
стр. 2425
قال عبد الغافر: وكان صديق والدي من البائتين عنده «١» في الأحايين، والمقترحين عليه ما يشتهيه من الطبائخ والمطعومات. سمعته ﵀ يحكي عن أحواله وتهتكه واشتغاله في جميع الأحوال بما لا يليق بالعلماء والأفاضل، ولكنه كان يحتمل عنه اتقاء لسانه. ومما حكاه لي ﵀ قال: ما وقع بصري قطّ على شخص إلا تصوّر في قلبي هجاؤه قبل أن أكلّمه وأجربه أو أخبر أحواله. وحكى لي بعض من أثق به أنه قال: لم يفلت أحد من هجائي إلا القاضي الامام صاعد بن محمد ﵀، فإني كنت زورت في نفسي أن أهجوه، فحيث تأملت في حسن عبادته وكمال فضله ومرضيّ سيرته استحييت من الله تعالى وتركت ما أجلته في فكري، على أني سمعت فيما قرع سمعي تشبيبا منه بشيء من ذلك عفا الله عنه، ولقد خصّ طائفة من الأكابر والعلماء بوضع التصنيف فيهم ورميهم بما برأهم الله عنه. وبالغ في الافحاش، وأغرق في قوس الايحاش، وأظهر النّسخ بين الناس، وأغرب في فنون الهجاء، وأتى بالعبارات الرشيقة والمعاني الصحيحة من حيث الصنعة، وإن كانت عن آخرها أوزارا وآثاما وكذبا وبهتانا. واتفق الأفاضل على أنه أهجى عصره من الفضلاء، وأفتقهم شتما قبيحا تعريضا وتصريحا، وكان يسكن مدرسة السيوري بباب عزرة ويخصّ جماعة سكانها من الأئمة في عصره بالهجاء، وله معهم ثارات وأحوال يطول ذكرها، ثم مع تبحره وانفراده بفنّ الهجاء كان له شعر في الطبقة العليا في المدح والثناء وسائر المعاني، قصائده الغرّ في السادة والأئمة مشهورة، ومقطعاته في الغزل مأثورة، وكان ينسخ كتب الأدب بخطّ مقروء صحيح أحسن النّسخ، ولقد رأيت نسخة من «كتاب يتيمة الدهر» لأبي منصور الثعالبي في خمس مجلدات بخطه المليح بيعت بثلاثين دينارا نيسابورية وكانت تساوي أكثر من ذلك، ولقد كتب نسخة من «غريب الحديث» لأبي سليمان الخطابي وقرأها على جدي الشيخ عبد الغافر بن محمد الفارسي قراءة سماع، وعلى الحاكم الامام أبي سعد ابن دوست قراءة تصحيح وإتقان، أقطع على الله تعالى أن لم يبق من ذلك الكتاب نسخة أبين ولا أملح منها، وهي الآن برسم خزانة الكتب الموضوعة في الجامع القديم موقوفة على المسلمين من
стр. 2426
أراد صدقي في ادعائي فليطالعه منها. ولم أظفر من مسموعاته في الأحاديث بشيء يمكنني أن أودعه هذا الكتاب مع أني لا أشك في سماعه، ولقد ذكر الحافظ أنه روى عنه عن خاله أبي الحسن هارون الزوزني عن أبي حاتم ابن حبان ولم يقع إلي بعد.
ومن شعره في بعض الأكابر:
يرتاح للمجد مهتزّا كمطرد ... مثقّف من رماح الخطّ عسّال
فمرة باسم عن ثغر برق حيا ... وتارة كاشف عن ناب رئبال
فما أسامة مطرورا براثنه ... ضخم الجزارة يحمي خيس أشبال
يوما بأشجع منه حشو ملحمة ... والحرب تصدع أبطالا بأبطال
ولا خضارة صخابا غواربه ... تسمو أواذيّه حالا على حال
أندى وأسمح منه إذ يبشّره ... مبشّروه بروّاد ونزّال
إلى غير ذلك من أمثاله إلى تمام القصيدة. وله:
وذي شنب لو أنّ حمرة ظلمه ... أشبهها بالجمر خفت به ظلما
قبضت عليه خاليا واعتنقته ... فأوسعني شتما وأوسعته لثما
ومن شعره يصف البرد:
متناثر فوق الثرى حبّاته ... كثغور معسول الثنايا أشنب
برد تحدّر من ذرى صخّابة ... كالدرّ إلا أنه لم يثقب
قال عبد العافر: واقتصرت على هذا الأنموذج من كلامه مخافة الاملال ومن أراد يزيد عليه فديوان شعره هزلا وجدا موجود، والله يغفر له ويعفو عنه.
قال المؤلف: ولم أر من تصانيف البحاثي هذا شيئا إلا «شرح ديوان البحتري» ولعمري إن هذا شيء ابتكره، فإني ما رأيت هذا الديوان مشروحا ولا تعرّض له أحد من أهل العلم، ولا سمعت أحدا قال اني رأيت ديوان أبي عبادة البحتري مشروحا، وتأملته فرأيته قد ملىء علما وحشي فهما، وذاك أن شروح الدواوين المعروفة كأبي تمام والمتنبي وغيرهما تساعدت القرائح عليه وترافدت الهمم إليه، وما أرى له فيما اعتمده من شرح هذا الكتاب عمدة إلا أن يكون «كتاب عبث الوليد» للمعري
стр. 2427
و «كتاب الموازنة» للآمدي لا غير.
وقد ذكر البحاثيّ هذا أبو منصور الثعالبي في «تتمة يتيمة الدهر» بما أنا ذاكره إن شاء الله، قال أبو منصور: أبو جعفر محمد بن إسحاق البحاثي زينة زوزن، وطرف الطرف، وريحان الروح، يقول في هجاء لحيته الطويلة:
يا لحية قد علّقت من عارضي ... لا أستطيع لقبحها تشبيها
طالت فلم تفلح ولم تك لحية ... لتطول إلا والحماقة فيها
إني لأظهر للبرية حبّها ... والله يعلم أنني أقليها
ويقول في ذم خال على وجه بعض من يهجوه:
أبو طاهر في الشؤم واللؤم غاية ... بعيد عن الاسلام والعقل والدين
على وجهه خال قريب من انفه ... كمثل ذباب واقع فوق سرقين
وله:
ينيكون غزلان الحسان ولا أرى ... غزالا من الغزلان فردا بساحتي
فمن يك قد لاقى من النيك راحة ... ففي راحتي أنسي ورفقي وراحتي
وله:
ولما رأيت الفقر ضربة لازب ... ولم يك لي في الكفّ عقد على نقد
ولا لي غلام قد يناك ولم يكن ... سبيل إلى التّرك المكحلة المرد
شريت قبيحا من بني الهند أسودا ... ونيك الهنود السود خير من الجلد
وله أيضا يهجو «١» :
فسوي وضرطي والخرا مائعا ... على الذي مقلوبه فسوي
من خلقه أقبح من خلقه ... وجحره أوسع من دلوي
وله:
تعوّد هتك الستر نسوان سكبر ... وجئن لباس الفسق من أحسن الكسا
стр. 2428
وطرن سرورا حين لقبن سكبرا ... فسكبر إذ قلّبته صار رب كسا
وللبحاثي في صفة دعوة:
سألونا عن قراه ... فاختصرنا في الجواب
كان فيه كلّ شيء ... بارد غير الشراب
ومن خبيث شعره:
الحمد لله وشكرا على ... إنعامه الشامل في كلّ شي
إن الذي لاعبني في الصبا ... مات ومن قد نكته بعد حي
نقلت من خط أبي سعد السمعاني عن رجل عن أسعد بن محمد العتبي قال:
حكى أبو جعفر البحاثي أن أبا بكر الصبغي كان يختلف معنا إلى الحاكم أبي سعد ابن دوست، وكان من أنجب تلامذته نظما ونثرا، فاختطف في ريعان شبابه ونضارة عمره، فرأيته في المنام ليلة، قلت: ما وجدت من أشعارك شيئا يكون لي تذكرة، فقال: ليس لي شعر، فقلت ألست القائل:
باكر أبا بكر بكاس ... ما بين إبريق وطاس
فقال وأنا أقول:
حلّ الخطوب بساحتي ... لا كنت أيتها الخطوب
غادرتنا فغدرت إنّ الدهر خدّاع خلوب ... دنيا تقضّت لم يكن
لي في أطايبها نصيب
قال: فانتبهت وأشعلت السراج وكتبت عنه هذه الأبيات.
حكى يعقوب بن أحمد النيسابوري أن القاضي البحاثي دخل على أبي سعد ابن دوست فأنشده:
ليت شعري إذا خرجت من الدن ... يا فأصبحت ساكن الأجداث
هل يقولنّ إخوتي بعد موتي ... رحم الله ذلك البحاثي
فلما مات البحاثي قال فيه أبو سعد ابن دوست:
стр. 2429
يا أبا جعفر بن إسحاق إني ... خانني فيك نازل الأحداث
من هوى من مصاعد العزّ قسرا ... يك تحت الرجام في الأجداث
فلك اليوم من قواف حسان ... سرن في المدح سيرها في المراثي
مع كتب جمعن في كلّ فنّ ... حين يروين ألف باك وراثي
قائل كلها بغير لسان ... رحم الله ذلك البحاثي
وذكر محمد بن محمود النيسابوري في «كتاب سر السرور» أن شعر البحاثي نيف على عشرين ألف بيت، وأنه وقف عليه في تسع مجلدات، فانتخبت من ذلك المنتخب في هذه الورقة:
بأبي من عند لثمي ... زاد في عشقي بشتمه
ومضى يبكي ويمحو ... أثر اللثم بكمّه
وله مثله:
بليت بطفل قلّ طائل نفعه ... سوى قبل يزري بها طول منعه
ويمسحها من عارضيه بكمّه ... ويغسلها عن وجنتيه بدمعه
يكاشفني إن لاح شخصي بعينه ... ويغتابني إن مرّ ذكري بسمعه
ولم أجد له في غير الهجاء السخيف شيئا استحسنته، قال يهجو:
ألا إن هذا البيهقيّ محدّث ... مسيلمة الكذاب في جنبه ملك
ففي وجهه قبح وفي قلبه عمى ... وفي نطقه كذب وفي دينه حلك
لو ابن معين كان حيّا لجاءه ... وبالسلح سلح الكلب لحيته دلك
فلا تعجبا إن مدّ في عمر مثله ... ويهلك أهل الفضل إذ خرف الفلك
وله:
مأتم الشيخ مأنس للكرام ... جئته قاضيا لحقّ الحمام
مع حزن يحكي حزين الأغاني ... وبكاء يحكي بكاء الحمام
كجهام الغمام جفنا ووجها ... مكدي الدمع واري الإبتسام
стр. 2430
وكان البارع الزوزني عرضة لأهاجيه، وغرضا لطعان قوافيه، وكان يلقبه بالباعر، ويدّعي أنه افترسه ظبيا غريرا، وافترشه بدرا منيرا، فلما التحى أنكر صحبته، ونبذ وراء ظهره مودته، فمن ذلك:
كان البويعر بدرا في حداثته ... ما كان أحسنه وجها وأبهاه
والطيب أجمع فيما تحت مئزره ... والسحر ما بثه في الناس عيناه
ربيته وهو في حجري ألاعبه ... نهاره وفراشي كان مأواه
أفيده في جنايا العلم أحسنها ... وأستفيد لذيذا من جنى فاه
حتى إذا ما عسا جلد أسته وغدا ... مشعّرا ودجا واسودّ قطراه
وصار كلبا وخنزيرا وزوبعة ... وغول قفر يميت الإنس لقياه
أنشا يمزّق عرضي منكرا أدبي ... وليس يحسن إلا ما أفدناه
إن كان ينكر ما قدمت من أدبي ... فليس ينكر أيري شمّ مفساه
لو لم تغير صروف الدهر صورته ... لكان مغفورة عندي خطاياه
وله في السخف أبيات [....] «١»
وله:
إني لمرزوق من الناس إذ ... أصبحت من أحذق حذّاقهم
ما ذاك من فضل ولكنني ... أخالق الناس بأخلاقهم
[١٠٠١] محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن محمد
بن ميكال أبو جعفر الميكالي: قد استوفينا هذا النسب في باب أبي الفضل عبد الله بن أحمد فأغنى. وكان أبو جعفر أديبا شاعرا لغويا فقيها، مات في صفر سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وكان قد تفقه على
стр. 2431
قاضي الحرمين أبي الحسين وعقد له مجلس الاملاء سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، سمع منه الحاكم أبو عبد الله ابن البيع الحافظ.
[١٠٠٢] محمد بن إسماعيل النحوي أبو عبد الله
يعرف بالحكيم: من أهل قرطبة، سمع محمد بن وضاح ومحمد بن عبد السلام الخشني ومطرف بن قيس وعبد الله بن مسرة ومحمد بن عبد الله الغاز. وكان عالما بالنحو والحساب، دقيق النظر، مثيرا للمعاني الغامضة، مؤكدا لها، لا يتقدمه أحد في ذلك، وعمر إلى أن بلغ ثمانين عاما، وأدب الحكم المستنصر، وتوفي لعشر خلون من ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة ونسله انقرض.
[١٠٠٣] محمد بن إسماعيل بن زنجي أبو عبد الله
الكاتب: له نباهة وذكر في أيام المعتضد وإلى آخر أيام الراضي، وكان من جلة الكتاب ومشايخهم، معروف بجودة الخط، وله تصانيف: منها كتاب الكتاب والصناعة. كتاب رسائله.
قال ابن شيران: مات محمد بن إسماعيل المعروف بزنجي الكاتب الأنباري في شوال سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة: وكان متقدما في كتاب الانشاء والرسائل والكلام حسن المجلس، وله أخبار كثيرة حسنة.
[١٠٠٤] محمد بن بحر الرهني أبو الحسين الشيباني
، والرهني، بالراء المهملة والنون، منسوب إلى رهنة- قرية من قرى كرمان، وكان يسكن نرماسير من أرض
стр. 2432
كرمان، وهو يكنى أبا الحسين، شيباني الأصل معروف بالفضل والفقه.
قال ابن النحاس في كتابه: قال بعض أصحابنا إنه كان في مذهبه ارتفاع، وحديثه قريب من السلامة، ولا أدري من أين فيّل.
قال شيخنا رشيد الدين: كان لقنا حافظا يذاكر بثمانية آلاف حديث غير أنه كثر حفظه وتتبع الغرائب وعمّر، ومن طلب غرائب الحديث كذب. قال: ووقفت على كتابه «البدع» فما أنكرت فيه شيئا، وعند الله علمه. وكان عالما بالأنساب وأخبار الناس شيعي المذهب غاليا فيه، له تصانيف في أخبار الشيعة منها: كتاب سماه كتاب «نحل العرب» يذكر فيه تفرق العرب في البلاد في الإسلام ومن كان منهم شيعيا ومن كان منهم خارجيا أو سنيا، فيحسن قوله في الشيعة ويقع فيمن عداهم. وقفت على جزء من هذا الكتاب ذكر فيه نحل أهل المشرق خاصة من كرمان وسجستان وخراسان وطبرستان، وذكر فيه أن له تصنيفا آخر سماه «كتاب الدلائل على نحل القبائل» وذكر فيه أعني كتاب النحل: أخبرني ابن المحتسب ببغداد في درب عبدة بالحربية، قال أخبرنا أحمد بن الحارث الخراز، قال أخبرني المدائني علي بن محمد بن أبي سيف عن سلمة بن سليمان المغني وغيره، فذكر قصة الملبد بن يزيد بن عون بن حرملة بن بسطام بن قيس بن حارثة بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان الخارج في أيام المنصور شاريا بالجزيرة حتى قتل.
وقال في موضع آخر: حدثني سعد بن عبد الله بن أبي خلف، قال حدثني أبو هاشم الجعفري، وقال فيه: حدثني النوفلي علي بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن أبيه.
وقال فيه: سمعت أحمد بن محمد بن كيسان النحوي وأنا أقرأ عليه «كتاب سيبويه» يقول لم يجىء على فعّل إلا أربعة أسماء البقّم هي الخشبة التي يصبغ بها، وهي معروفة، وشلّم اسم بيت المقدس بالنبطية، وبذّر وهو اسم ماء من مياه العرب، قال كثير «١» :
стр. 2433
سقى الله أمواها عرفت مكانها ... جرابا وملكوما وبذّر والغمرا
وخصّم اسم للعنبر بن عمرو بن تميم.
[١٠٠٥] محمد بن بكر البسطامي:
لا أعرف من حاله إلّا ما ذكره حمزة الأصبهاني، وقد ذكر الخليل وغيره، ثم قال: وصنف بالأمس محمد بن بكر البسطامي كتابا على كتاب محمد بن الحسن بن دريد المسمى «الجمهرة» وقال: كان السبب لوضعي هذا الكتاب تطرفي «١» الكتاب المسمى «كتاب الياقوتة» وأن مصنفه حشا أكثر الكتاب مما [لم] ينطق به العرب وعزاه إلى ثعلب، وقد طلبنا ما ادعى من ذلك على العرب في المصنفات فلم نجده، ثم سألنا عنه أصحاب ثعلب فلم يعرفوه، والذي صنف هذه الكتب لم يقم على ما أودعه شاهدا ولا دليلا من القرآن أو الحديث أو المثل ولا نحا «٢» فيما رواه إلا إلى: أخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي، فتمت له رواية تلك الأباطيل بين قوم لم يطالبوه بدليل، وظنوا أنه فيها مصيب، ثم ذكر «كتاب العين» وأنه من تصنيف تلاميذ الخليل كما ذكرته في ترجمة الخليل.
[١٠٠٦] محمد بن ثابت بن محمد بن سوار بن علوان
النميري الأصبهاني، أبو بكر:
إمام الجامع باصبهان في باب كوشك، ذكره يحيى بن منده فقال: كان سنيا فاضلا من الناس بارعا في الأدب شاعرا فصيحا كثير السماع قليل الرواية، مسكنه في درب البخاري. روى عن عبد الله بن محمد بن محمد بن فورك وأبي بكر محمد بن
стр. 2434
إبراهيم بن المقرىء وأحمد بن عبد الله النهرديري، كتب عنه عمي الامام وجماعة، ﵏.
[١٠٠٧] محمد بن تميم أبو المعالي «١» البرمكي
اللغوي: له كتاب كبير في اللغة سماه «المنتهى في اللغة» منقول من «كتاب الصحاح» للجوهري، وزاد فيه أشياء قليلة، وأغرب في ترتيبه، إلا أنه والجوهري كانا في عصر واحد، لأني وجدت كتاب الجوهري بخطه وقد فرغ منه في سنة ست وتسعين وثلاثمائة. وذكر البرمكي في مقدمة كتابه أنه صنفه في سنة سبع وتسعين وثلاثمائة، ولا شك أن أحد الكتابين منقول من الآخر نقلا، والذي أشك فيه أن البرمكي نقل «كتاب الصحاح» لأن أبا سهل محمد بن علي الهروي كان بمصر وحكى عن البرمكي، وقد روى الهروي «الصحاح» عن ابن عبدوس، ولعل الكتاب خرج عن الجوهري وهو حيّ وقدم به إلى مصر.
[١٠٠٨] محمد بن بحر الأصفهاني
الكاتب، يكنى أبا مسلم: كان كاتبا مترسلا بليغا متكلما جدلا، مات فيما ذكره حمزة في «تاريخه» في آخر سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ومولده سنة أربع وخمسين ومائتين، وكان الوزير أبو الحسن علي بن عيسى بن داود بن الجراح يشتاقه ويصفه.
وقال أبو علي التنوخي، وقد ذكر محمد بن زيد الداعي فقال: وهو الذي كان أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني الكاتب المعتزلي العالم بالتفسير وبغيره من صنوف
стр. 2435
العلم مذ صار عامل أصبهان وعامل فارس للمقتدر يكتب له ويتولى أمره.
ذكره محمد بن إسحاق وقال. له من الكتب: كتاب جامع التأويل لمحكم التنزيل على مذهب المعتزلة أربعة عشر مجلدا. كتاب جامع رسائله «١» [وله في] كتاب حمزة: كتاب الناسخ والمنسوخ. كتاب في النحو، وسمى حمزة كتابه في القرآن شرح التأويل.
وكان ابن أبي البغل ولي في سنة ثلاثمائة ديوان الخراج والضياع بأصبهان وهو ببغداد فورد «٢» كتاب على أبي مسلم ابن بحر بأن يخلفه على ديوان الضياع بها، ثم ورد ابن أبي البغل إلى أصبهان فأقره على خلافته، ثم مات أبو علي محمد بن أحمد بن رستم في سنة احدى وعشرين وثلاثمائة، فرتب مكانه أبو مسلم ابن بحر وذلك في شوال، ثم ورد علي بن بويه في خمسمائة فارس فهزم المظفر بن ياقوت في خمسة آلاف فارس ودخل ابن بويه أصبهان في منتصف ذي القعدة فعزل أبو مسلم.
نقلت من «كتاب أصفهان» قال: وقال أبو مسلم في أبيات بالفارسية لأبي الأشعث القمي:
يا للشباب وغصنه النّضر ... والعيش في أيامه الزّهر
لو دام لي عهد المتاع به ... وأمنت فيه حوادث الدهر
لكنه لي معقب هرما ... وهو النذير بآخر العمر
قال وقال في أبي المعمر «٣» :
هل أنت مبلغ هذا القائد البطل ... عني مقالة طبّ غير ذي خطل
إن كنت أخطأت قرطاسا عمدت له ... فأنت في رمي قلبي من بني ثعل
قال: ودخل يوما إلى دار أخيه أحمد بن بحر فرأى معه دفترا على ظهره أبيات
стр. 2436
نصر بن سيار، وذاك عندما بيّض ماكان بن كاكي الديلمي ووردت خيله قمّ، وأبيات نصر «١» :
أرى خلل الرماد وميض جمر ... ويوشك أن يكون له ضرام
وان النار بالزندين تورى ... وان الحرب يقدمها الكلام
أقول من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام
فكتب أبو مسلم تحتها «٢» :
أرى نارا تشبّ بكلّ واد ... لها في كل منزلة شعاع
وقد رقدت بنو العباس عنها ... وأضحت وهي آمنة رتاع
كما رقدت أمية تم هبّت ... لتدفع حين ليس بها دفاع
ولما مات قال فيه علي بن حمزة بن عمارة الأصبهاني يرثيه:
وقالوا ألا ترثي ابن بحر محمدا ... فقلت لهم ردّوا فؤادي واسمعوا
فلن يستطيع القول من طار قلبه ... جريحا قريحا بالمصائب يقرع
ومن بان عنه إلفه وخليله ... فليس له إلا إلى البعث مرجع
ومن كان أوفى الأوفياء لمخلص ... ومن حيز في سرباله الفضل أجمع
سحابا كماء المزن شيب به الجنى ... جنى الشهد في صفو المدام يشعشع
وغرب ذكاء واقد مثل جمرة ... وطبع به العضب المهنّد يطبع
ومن كان من بيت الكتابة في الذرى ... وذا منطق في الحفل لا يتتعتع
وله «٣» :
стр. 2437
وقد كنت أرجو أنه حين يلتحي ... يفرّج عني أو يجدّد لي صبرا
فلما التحى واسودّ عارض وجهه ... تحوّل لي البلوى بواحدة عشرا
[١٠٠٩] محمد بن بركات بن هلال بن عبد الواحد
بن عبد الله السعيدي الصوفي:
نقلت نسبه هذا من خط يده، يكنى أبا عبد الله مات في سنة عشرين وخمسمائة، وقيل إن مولده في سنة عشرين وأربعمائة، فيكون عمره على هذا مائة سنة. أحد فضلاء المصريين وأعيانهم المبرزين، أخذ النحو والأدب عن أبي الحسن ابن بابشاذ فأتقنه، وله أيضا معرفة حسنة بالأخبار والأشعار، وكان يقول الشعر فيجيد، ومن قوله «١» :
يا عنق الأبريق من فضة ... ويا قوام الغصن الرطب
هبك تجافيت وأقصيتني ... تقدر أن تخرج من قلبي
ومنه:
وإذا الصنيعة وافقت أهلا لها ... دلّت على توفيق مصطنع اليد
وله من الكتب: كتاب خطط مصر أجاد فيه. وله عدة تصانيف في النحو.
وكتاب الناسخ والمنسوخ، فيما بلغني، والله أعلم.
وقال محمد بن بركات السعيدي يخاطب أبا القاسم هبة الله [بن] علي بن مسعود بن ثابت البوصيري الأنصاري:
فله أوامر من حجاه حكيمة ... وله زواجر من نهاه [نواهي]
стр. 2438
يقظان من فهم لكلّ فضيلة ... بنباهة جلّت عن الأشباه
علامة ما مشكل مستبهم ... خاف عن الأفهام من أنباه
[١٠١٠] محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب
، أبو جعفر الطبري المحدث الفقيه المقرىء المؤرخ المعروف المشهور: مات فيما ذكره أبو بكر الخطيب يوم السبت لأربع بقين من شوال سنة عشر وثلاثمائة ودفن يوم الأحد بالغداة في دار برحبة يعقوب، ولم يغير شيبه، وكان السواد في شعر رأسه ولحيته كثيرا. ومولده سنة أربع أو أوّل سنة خمس وعشرين ومائتين، وكان أسمر الأدمة أعين نحيف الجسم مديد القامة فصيح اللسان.
قال غير الخطيب: ودفن ليلا خوفا من العامة لأنه يتهم بالتشيع، وأما الخطيب فإنه قال: ولم يؤذن به أحد، فاجتمع على جنازته من لا يحصي عددهم إلا الله، وصلي على قبره عدة شهور ليلا ونهارا، ورثاه خلق كثير من أهل الدين والأدب.
قال «١» : وسمع محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب وأحمد بن منيع البغوي وأحمد «٢» بن حميد الرازي وأبا همام الوليد بن شجاع وأبا كريب محمد بن العلاء، وعدّد خلقا كثيرا من أهل العراق والشام ومصر. وحدث عنه أحمد بن كامل القاضي وغيره، واستوطن بغداد وأقام بها إلى حين وفاته.
قال «٣» : وكان أحد أئمة العلماء يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله،
стр. 2439
وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظا لكتاب الله ، عارفا بالقرآن بصيرا بالمعاني، فقيها بأحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها وصحيحها وسقيمها وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المخالفين في الأحكام ومسائل الحلال والحرام، عارفا بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في تاريخ الأمم والملوك، وكتاب في تفسير القرآن لم يصنف أحد مثله، وكتاب سماه «تهذيب الآثار» «١» لم أر سواه في معناه، لم يتممه.
وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة واختيار من أقاويل الفقهاء وتفرد بمسائل حفظت عنه.
قال الخطيب: وسمعت علي بن عبيد الله اللغوي السمسمي «٢» يحكي أن محمد بن جرير مكث أربعين سنة يكتب في كلّ يوم منها أربعين ورقة، قال: وقال أبو حامد الاسفرائني الفقيه: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن ذلك كثيرا أو كلاما هذا معناه.
وحدث «٣» عن القاضي أبي عمر عبيد الله بن أحمد السمسار وأبي القاسم بن عقيل الوراق أن أبا جعفر الطبري قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ قال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة. ثم قال: تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحوا مما ذكره في التفسير، فأجابوه بمثل ذلك، فقال:
إنا لله ماتت الهمم، فاختصره في نحو مما اختصر التفسير.
وحدث «٤» فيما أسنده الى أبي بكر ابن بالويه قال، قال لي أبو بكر محمد بن إسحاق، يعني ابن خزيمة: بلغني أنك كتبت التفسير عن محمد بن جرير، قلت:
نعم كتبنا التفسير عنه إملاء، قال: كله؟ قلت: نعم، قال: في أي سنة؟ قلت من سنة ثلاث وثمانين إلى سنة تسعين، قال: فاستعاره مني أبو بكر وردّه بعد سنين، ثم
стр. 2440
قال: نظرت فيه من أوله إلى آخره، وما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير، ولقد ظلمته الحنابلة؛ قال: وكانت الحنابلة تمنع [منه] ولا تترك أحدا يسمع عليه.
وأنشد محمد بن جرير «١» :
إذا أعسرت لم أعلم رفيقي ... وأستغني فيستغني صديقي
حيائي حافظ لي ماء وجهي ... ورفقي في مطالبتي رفيقي
ولو أني سمحت ببذل وجهي ... لكنت إلى الغنى سهل الطريق
وأنشد أيضا «٢» :
خلقان لا أرضى طريقهما ... تيه الغنى ومذلّة الفقر
فإذا غنيت فلا تكن بطرا ... وإذا افتقرت فته على الدهر
وحدث فيما أسنده إلى محمد بن جرير قال: كتب إليّ أحمد بن عيسى العلوي من بلد «٣» :
ألا إنّ إخوان الثقات قليل ... فهل لي الى ذاك القليل سبيل
سل الناس تعرف غثّهم من سمينهم ... فكلّ عليه شاهد ودليل
قال أبو جعفر فأجبته:
يسيء أميري الظنّ في جهد جاهد ... فهل لي بحسن الظنّ منه سبيل
تأمل أميري ما ظننت وقلته ... فإن جميل القول منك جميل
هذا آخر ما نقلته من تاريخ أبي بكر.
وحدث عبد الله بن أحمد بن جعفر الفرغاني في كتابه المعروف «كتاب الصلة» وهو كتاب وصل به تاريخ ابن جرير: أن قوما من تلاميذ ابن جرير حصلوا أيام حياته منذ بلغ الحلم الى أن توفي وهو ابن ست وثمانين، ثم قسموا عليها أوراق مصنفاته، فصار منها على كل يوم أربع عشرة ورقة، وهذا شيء لا يتهيأ لمخلوق إلا بحسن عناية الخالق. وفرغ من تصنيف كتاب التاريخ ومن عرضه عليه في يوم الأربعاء لثلاث بقين
стр. 2441
من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثمائة، وقطعه على آخر سنة اثنتين وثلاثمائة.
وجدت على جزء من «كتاب التفسير» لابن جرير بخط الفرغاني ما ذكر فيه قطعة من تصانيف ابن جرير فنقلته على صورته لذلك وهو: قد أجزت لك يا علي بن عمران وإبراهيم بن محمد ما سمعته من أبي جعفر الطبري ﵀ من كتاب التفسير المسمى بجامع البيان عن تأويل آي القرآن. وكتاب تاريخ الرسل والأنبياء والملوك والخلفاء، والقطعين من الكتاب ولم أسمعه وإنما أخذته إجازة، وكتاب تاريخ الرجال المسمى بذيل المذيل، وكتاب القراءات وتنزيل القرآن، وكتاب لطيف القول وخفيفه في شرائع الاسلام، وما سمعته من كتاب التهذيب من مسند العشرة ومسند ابن عباس إلى حديث المعراج. وكتاب آداب القضاة والمحاضر والسجلات. وكتاب اختلاف علماء الأمصار فليرويا ذلك عني، وكتب عبد الله بن أحمد الفرغاني بخطه في شعبان سنة ست وثلاثين وثلاثمائة.
وحدث أبو علي الحسن بن علي الأهوازي المقرىء في «كتاب الاقناع» في إحدى عشرة قراءة قال: كان أبو جعفر الطبري عالما بالفقه والحديث والتفاسير والنحو واللغة والعروض، له في جميع ذلك تصانيف فاق بها على سائر المصنفين، وله في القراءات كتاب جليل كبير رأيته في ثماني عشرة مجلدة الا [أنه] كان بخطوط كبار ذكر فيه جميع القراءات من المشهور والشواذ، وعلل ذلك وشرحه، واختار منها قراءة لم يخرج بها عن المشهور ولم يكن منتصبا للاقراء ولا قرأ عليه أحد إلا آحاد من الناس كالصفار شيخ كان ببغداد من الجانب الشرقي يروي عنه رواية عبد الحميد بن بكار عن ابن عامر. وأما القراءة عليه باختياره فإني ما رأيت أحدا أقرأ به غير أبي الحسين الجبّي وكان ضنينا به، ولقد سألته زمانا حتى أخذ عليّ به وقال: ترددت إلى أبي جعفر نحوا من سنة أسأله ذلك زمانا حتى أجرمت عليه وسألته، وكنت قد سمعت منه صدرا من كتبه فأخذه عليّ على جهته وقال: لا تنسبها إليّ وأنا حي، فما أقرأت بها أحدا حتى مات ﵀ في شوال سنة عشر وثلاثمائة. وقال أبو الحسين الجبي: ما قرأ عليه به إلا اثنان وأنت ثالثهم، ولا قرأ عليه أحد إلى أن مات سنة ثمانين وثلاثمائة.
وقرأت بخط أبي سعد بإسناده رقعة إلى أبي العباس البكري من ولد أبي بكر
стр. 2442
الصديق قال «١» : جمعت الرحلة بين محمد بن جرير الطبري ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ومحمد بن نصر المروزي ومحمد بن هارون الروياني بمصر فأرملوا وافتقروا ولم يبق عندهم ما يمونهم وأضرّ بهم الحال، فاجتمعوا ليلة في منزل كانوا يأوون إليه واتفقوا على أن يستهموا فمن خرجت عليه القرعة سأل الناس لأصحابه الطعام، فخرجت القرعة على محمد بن إسحاق بن خزيمة فقال لأصحابه: أمهلوني حتى أتوضأ وأصلي صلاة الخيرة، فاندفع بالصلاة فإذا هم بالشموع وخصيّ من قبل والي مصر يدقّ عليهم، فأجابوه وفتحوا له الباب، فقال: أيكم محمد بن نصر؟ فقيل هذا، وأشاروا إليه، فأخرج صرة فيها خمسون دينارا ودفعها إليه، وقال: أيكم محمد بن جرير؟ فأشاروا إليه فدفع إليه خمسين دينارا، ثم قال: أيكم محمد بن هارون؟ فقيل هذا، فدفع إليه مثلها، ثم قال: وأيكم محمد بن إسحاق بن خزيمة؟ فقيل هو ذا يصلي، فلما فرغ من صلاته دفع إليه صرة فيها خمسون دينارا ثم قال: إن الأمير كان قائلا فرأى في النوم خيالا أو طيفا يقول له: إن المحامد طووا كشحهم، فبعث بهذه الصرر، وهو يقسم عليكم إذا نفدت أن تبعثوا إليه ليزيدكم.
قال المؤلف: وقد ذكر أبو بكر الخطيب هذه الحكاية في ترجمة محمد بن حرب إلا أنني نقلتها من كتاب السمعاني.
وسأله يوما سائل عن نسبه فقال: محمد بن جرير، فقال السائل: زدنا في النسب فأنشده لرؤبة:
قد رفع العجّاج ذكري فادعني ... باسمي إذا الأنساب طالت يكفني
قال القاضي ابن كامل: كان مولده في آخر سنة أربع وعشرين ومائتين أو أول سنة خمس وعشرين ومائتين. قال ابن كامل: فقلت له كيف وقع لك الشك في ذلك؟
فقال: لأن أهل بلدنا يؤرخون بالأحداث دون السنين، فأرّخ مولدي بحدث كان في البلد، فلما نشأت سألت عن ذلك الحادث فاختلف المخبرون لي فقال بعضهم: كان ذلك في آخر سنة أربع، وقال آخرون: بل كان في أول سنة خمس وعشرين ومائتين، وكان مولده بآمل طبرستان وهي قصبة طبرستان.
стр. 2443
قال أبو جعفر: جئت إلى أبي حاتم السجستاني، وكان عنده حديث عن الأصمعي عن أبي زائدة عن الشعبي في القياس، فسألته عنه فحدثني به، وقال لي أبو حاتم: من أيّ بلد أنت؟ فقلت: من طبرستان، فقال: ولم سميت طبرستان؟
فقلت: لا أدري، فقال: لما افتتحت وابتدئ ببنائها كانت أرضا ذات شجر، فالتمسوا ما يقطعون به الشجر، فجاءهم بهذا الطبر الذي يقطع به الشجر فسمي الموضع به.
وقال أبو بكر ابن كامل: جئت الى أبي جعفر قبل المغرب ومعي ابني أبو رفاعة وهو شديد العلة، فوجدت تحت مصلاه «كتاب فردوس الحكمة» لعلي بن ربن الطبري سماعا له، فمددت يدي لأنظره، فأخذه ودفعه إلى الجارية وقال لي: هذا [ابنك] ؟ فقال قلت: نعم، قال: ما اسمه؟ قلت: عبد الغني، قال: أغناه الله، وبأي شيء كنيته؟ قلت: بأبي رفاعة، قال: رفعه الله، أفلك غيره؟ قلت: نعم أصغر منه، قال: وما اسمه؟ قلت: عبد الوهاب أبو يعلى، قال: أعلاه الله، لقد اخترت الكنى والأسماء. ثم قال لي: كم لهذا سنة؟ قلت: تسع سنين، قال: لم لم تسمعه مني شيئا؟ قلت: كرهت صغره وقلة أدبه، فقال لي: حفظت القرآن ولي سبع سنين، وصليت بالناس وأنا ابن ثماني سنين، وكتبت الحديث وأنا ابن تسع سنين، ورأى لي أبي في النوم أنني بين يدي رسول الله ﷺ ، وكان معي مخلاة مملوءة حجارة وأنا أرمي بين يديه، فقال له المعبر: إنه إن كبر نصح في دينه وذبّ عن شريعته، فحرص أبي على معونتي على طلب العلم وأنا حينئذ صبي صغير.
قال ابن كامل: فأول ما كتب الحديث ببلده، ثم بالري وما جاورها، وأكثر من الشيوخ حتى حصل كثيرا من العلم، وأكثر من محمد بن حميد الرازي ومن المثنى بن إبراهيم الأبلي وغيرهما.
قال أبو جعفر: كنا نكتب عند محمد بن حميد الرازي فيخرج الينا في الليل مرات ويسأل عما كتبناه ويقرؤه علينا، قال: وكنا نمضي إلى أحمد بن حماد الدولابي، وكان في قرية من قرى الري بينها وبين الري قطعة، ثم نعدو كالمجانين حتى نصير الى ابن حميد فنلحق مجلسه. وكتب عن أحمد بن حماد «كتاب المبتدإ والمغازي» عن سلمة بن المفضل عن محمد بن إسحاق وعليه بنى تاريخه. ويقال إنه
стр. 2444
كتب عن ابن حميد فوق مائة ألف حديث.
قال أبو جعفر: كان يقرأ علينا ابن حميد من التفسير، فإذا بلغ إلى قوله : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ
قال: أَوْ يُخْرِجُوكَ
(الأنفال: ٣٠) ثم دخل أبو جعفر إلى مدينة السلام وكان في نفسه أن يسمع من أبي عبد الله أحمد بن حنبل فلم يتفق له ذلك لموته قبيل دخوله الينا، وقد كان أبو عبد الله قطع الحديث قبل ذلك بسنين، فأقام أبو جعفر بمدينة السلام وكتب عن شيوخها فأكثر، ثم انحدر إلى البصرة فسمع من كان بقي من شيوخها في وقته: كمحمد بن موسى الحرشي وعماد بن موسى القزاز ومحمد بن عبد الأعلى الصنعاني وبشر بن معاذ وأبي الأشعث ومحمد بن بشار بندار ومحمد بن المثنّى وغيرهم فأكثر، وكتب في طريقه عن شيوخه الواسطيين، ثم صار إلى الكوفة فكتب فيها عن أبي كريب محمد ابن العلاء الهمداني وهناد بن السري وإسماعيل بن موسى وغيرهم.
وكان أبو كريب شرس الخلق من كبار أصحاب الحديث، قال أبو جعفر: حضرت باب داره مع أصحاب الحديث، فاطّلع من باب خوخة له، وأصحاب الحديث يلتمسون الدخول ويضجّون، فقال: أيكم يحفظ ما كتب عني؟ فالتفت بعضهم إلى بعض ثم نظروا إلي وقالوا: أنت تحفظ ما كتبت عنه، قال قلت: نعم، فقالوا: هذا فسله، فقلت: حدثتنا في كذا بكذا وفي يوم كذا بكذا. قال: وأخذ أبو كريب في مسألة إلى أن عظم في نفسه فقال له: ادخل إليّ، فدخل إليه وعرف قدره على حداثته، ومكّنه من حديثه. وكان الناس يسمعون به فيقال إنه سمع من أبي كريب أكثر من مائة ألف حديث، ثم عاد إلى مدينة السلام فكتب بها ولزم المقام بها مدة وتفقه بها وأخذ في علوم القرآن.
وقال رجل لأبي جعفر: إن أصحاب الحديث يختارون، فقال: ما كنا نكتب هكذا، كتبت مسند يعقوب بن إبراهيم الدورقي وتركت شيئا منه، ولم أعلم ما كتبت عنه، ثم رجعت لأضع الحديث موضعه وأصنفه فبقي عليّ حديث كثير مما كتبته، وطال عليّ ما فاتني، وكتبت المسند كله ثانيا، والناس يختارون فربما فاتهم أكثر ما يحتاجون إليه، أو نحو هذا الكلام.
стр. 2445
ثم غرّب فخرج إلى مصر وكتب في طريقه من المشايخ بأجناد الشام والسواحل والثغور وأكثر منها. ثم صار إلى الفسطاط في سنة ثلاث وخمسين ومائتين، وكان بها بقية من الشيوخ وأهل العلم، فأكثر عنهم الكتبة من علوم مالك والشافعي وابن وهب وغيرهم، ثم عاد إلى الشام، ثم رجع إلى مصر، وكان بمصر وقت دخوله إليها أبو الحسن علي بن سراج المصري، وكان متأدبا فاضلا في معناه، وكان من دخل الفسطاط من أهل العلم إذا ورد لقيه وتعرض له، فوافى أبو جعفر إلى مصر وبان فضله عند وروده إليها في القرآن والفقه والحديث واللغة والنحو والشعر، فلقيه أبو الحسن ابن سراج فوجده فاضلا في كلّ ما يذاكره به من العلم، ويجيب في كلّ ما يسأله عنه، حتى سأله عن الشعر فرآه فاضلا بارعا فيه، فسأله عن شعر الطرمّاح وكان من يقوم به مفقودا في البلد، فإذا [هو] يحفظه، فسئل أن يمليه حفظا بغريبه فعهدي به وهو يمليه عند بيت المال في الجامع. وكان قد لقي بمصر أبا إبراهيم إسماعيل بن إبراهيم المزني، فتكلما في أشياء منها الكلام في الاجماع، وكان أبو جعفر قد اختار من مذاهب الفقهاء قولا اجتهد فيه بعد أن كان ابتدأ بالفقه في مدينة السلام على مذهب الشافعي ﵁، وكتب كتابه عن الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني عنه، ودرسه في العراق على جماعة منهم أبو سعيد الاصطخري وغيره، وهو حدث قبل خروجه إلى الفسطاط.
وقال أبو بكر ابن كامل: خرج إلينا ليلة أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد ونحن نقرأ عليه كتاب قراءة أبي عمرو بن العلاء الكبير، فوجدنا نتناظر في بسم الله الرحمن الرحيم مع بعض إخواننا من الشافعيين، وهل هي من فاتحة الكتاب أم لا، وكان المجلس حفلا بجماعة من الفقهاء من أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأصحابنا، وكان يسميني في بعض الأوقات لقراءتي عليه الكسائي، فقال لي:
كسائي فيم أنتم؟ فعرّفته، فقال: وعلى مذهب من تتفقه؟ فقلت: على مذهب أبي جعفر الطبري، فقال: رحم الله أبا جعفر حدّثنا بحديث نوح بن أبي بلال عن سعيد المقبري عن أبي هريرة في بسم الله الرّحمن الرّحيم، ثم أخذ أبو بكر ابن مجاهد في مدح أبي جعفر الطبري وقال: بلغنا أنه التقى مع المزني فلا تسأل كيف استظهاره عليه والشافعيون حضور يسمعونه، ولم يذكر مما جرى بينهما شيئا.
стр. 2446
قال أبو بكر ابن كامل: سألت أبا جعفر عن المسألة التي تناظر فيها هو والمزني فلم يذكرها لأنه كان أفضل من أن يرفع نفسه وأن يذكر [علوّه] على خصم في مسألة. وكان أبو جعفر يفضّل المزني فيطريه ويذكر دينه، وقال: جفا [عليّ] بعض أصحابه في مجلسه، فانقطعت عنه زمانا، ثم إنه لقيني فاعتذر إليّ كأنه قد جنى جناية ولم يزل في ترفّقه وكلامه حتى عدت إليه. وبلغنا أنه سئل بالفسطاط أن يردّ على مالك في شيء فردّ عليه في شيء كان الكلام فيه لابن عبد الحكم، وكانت أجزاء ولم تقع في أيدينا، ولعله مما منع الخصوم نشره.
وقال لنا أبو جعفر: لما وردت مصر في سنة ست وخمسين ومائتين نزلت على الربيع بن سليمان، فأمر من يأخذ لي دارا قريبة منه، وجاءني أصحابه فقالوا: تحتاج إلى قصرية وزير وحمارين وسدّة، فقلت: أما القصرية فأنا لا ولد لي وما حللت سراويلي على حرام ولا حلال قط، وأما الزير فمن الملاهي وليس هذا من شأني، وأما الحماران فإن أبي وهب لي بضاعة أنا أستعين بها في طلب العلم، فإن صرفتها في ثمن حمارين فبأي شيء أطلب العلم؟ قال: فتبسموا فقلت: إلى كم يحتاج هذا؟
فقالوا: يحتاج إلى درهمين وثلثين، فأخذوا ذلك مني، وعلمت أنها أشياء متفقة، وجاءوني باجانة وحبّ للماء وأربع خشبات قد شدوا وسطها بشريط وقالوا: الزير للماء، والقصرية للخبز، والحماران والسدة تنام عليها من البراغيث، فنفعني ذلك، وكثرت البراغيث فكنت إذا جئت نزعت ثيابي وعلقتها على حبل قد شددته واتزرت وصعدت إلى السدة خوفا منهم.
وقال هارون بن عبد العزيز، قال أبو جعفر: لما دخلت مصر لم يبق أحد من أهل العلم إلا لقيني وامتحنني في العلم الذي يتحقق به، فجاءني يوما رجل فسألني عن شيء من العروض، ولم أكن نشطت له قبل ذلك، فقلت له: عليّ قول ألا أتكلم اليوم في شيء من العزوض، فإذا كان في غد فصر إليّ، وطلبت من صديق لي العروض للخليل بن أحمد فجاء به، فنظرت فيه ليلتي، فأمسيت غير عروضي وأصبحت عروضيا.
ثم رجع إلى مدينة السلام وكتب أيضا، ثم رجع إلى طبرستان وهي الدفعة الأولى ثم الثانية كانت في سنة تسعين ومائتين، ثم رجع إلى بغداد فنزل في قنطرة
стр. 2447
البردان، واشتهر اسمه في العلم وشاع خبره بالفهم والتقدم.
قال عبد العزيز بن هارون: لما دخل أبو جعفر إلى الدينور ماضيا إلى طبرستان دعاه بعض أهل العلم بها، فلما اجتمعا قلت: يا أبا جعفر ما يحسن بنا أن نجتمع ولا نتذاكر، فقال عبد الله بن حمدان: قد ذاكرته فأغربت عليه خمسة وثمانين حديثا، وأغرب عليّ ثمانية عشر حديثا. قال عبد العزيز: ثم لقيت بعد ذلك أبا بكر ابن سهل الدينوري، وكان من العلماء والحفاظ للحديث، فحدثته بذلك فقال: كذب والله الذي لا إله إلا هو، لقد قدم إلينا أبو جعفر فدعاه المعروف بالكسائي، ودعا معه أهل العلم وكنت حاضرا ومعنا ابن حمدان، فقرأ على أبي جعفر كتاب الجنائز من «الاختلاف» فقال له أبو جعفر: ليس يصلح لنا أن نفترق من غير مذاكرة، وهذا كتاب الجنائز فنتذاكر بمسنده ومقطوعه وما اختلف فيه الصحابة والتابعون والعلماء، فقال ابن حمدان: أما المسند فأذاكر به وأما سواه فلا أذاكر به، فأغرب عليه ثلاثة وثمانين حديثا وأغرب عليه ابن حمدان ثمانية عشر حديثا. قال: وكان ابن حمدان فيما أغرب به على أبي جعفر أقبح مما أغرب به أبو جعفر لأنه كان إذا أغرب ابن حمدان بحديث قال له أبو جعفر هذا خطأ من جهة كذا ومثلي لا يذاكر به، فيخجل وينقطع. فلما قدم إلى بغداد من طبرستان بعد رجوعه إليها تعصب عليه أبو عبد الله الجصاص وجعفر بن عرفة والبياضي، وقصده الحنابلة فسألوه عن أحمد بن حنبل في الجامع يوم الجمعة، وعن حديث الجلوس على العرش، فقال أبو جعفر: أما أحمد بن حنبل فلا يعدّ خلافه، فقالوا له: فقد ذكره العلماء في الاختلاف، فقال: ما رأيته روي عنه، ولا رأيت له أصحابا يعوّل عليهم، وأما حديث الجلوس على العرش فمحال، ثم أنشد:
سبحان من ليس له أنيس ... ولا له في عرشه جليس
فلما سمع ذلك الحنابلة منه وأصحاب الحديث وثبوا ورموه بمحابرهم، وقيل كانت ألوفا، فقام أبو جعفر بنفسه ودخل داره، فرموا داره بالحجارة حتى صار على بابه كالتلّ العظيم، وركب نازوك صاحب الشرطة في عشرات ألوف من الجند يمنع عنه العامة، ووقف على بابه يوما إلى الليل وأمر برفع الحجارة عنه، وكان قد كتب على بابه:
سبحان من ليس له أنيس ... ولا له في عرشه جليس
стр. 2448
فأمر نازوك بمحو ذلك وكتب مكانه بعض أصحاب الحديث:
لأحمد منزل لا شكّ عال ... إذا وافى إلى الرحمن وافد
فيدنيه ويقعده كريما ... على رغم لهم في أنف حاسد
على عرش يغلّفه بطيب ... على الأكياد من باغ وعاند
[له] هذا المقام [لديه] حقا ... كذاك رواه ليث عن مجاهد
فخلا في داره وعمل كتابه المشهور في الاعتذار إليهم، وذكر مذهبه واعتقاده، وجرّح من ظن فيه غير ذلك، وقرأ الكتاب عليهم، وفضل أحمد بن حنبل وذكر مذهبه وتصويب اعتقاده، ولم يزل في ذكره إلى أن مات، ولم يخرج كتابه في الاختلاف حتى مات، فوجدوه مدفونا في التراب، فأخرجوه ونسخوه، أعني «اختلاف الفقهاء» هكذا سمعت من جماعة منهم أبي ﵀.
وقال أبو محمد عبد العزيز بن محمد الطبري: كان أبو جعفر من الفضل والعلم والذكاء والحفظ على ما لا يجهله أحد عرفه، لجمعه من علوم الإسلام ما لم نعلمه اجتمع لأحد من هذه الأمة، ولا ظهر من كتب المصنفين وانتشر من كتب المؤلفين ما انتشر له، وكان راجحا في علوم القرآن والقراءات، وعلم التاريخ من الرسل والخلفاء والملوك، واختلاف الفقهاء مع الرواية كذلك على ما في كتابه «البسيط» و «التهذيب» و «أحكام القراءات» من غير تعويل على المناولات والاجازات ولا على ما قيل في الأقوال، بل يذكر ذلك بالأسانيد المشهورة، وقد بان فضله في علم اللغة والنحو على ما ذكره في كتاب التفسير وكتاب التهذيب مخبرا عن حاله فيه، وقد كان له قدم في علم الجدل يدل على ذلك مناقضاته في كتبه على المعارضين لمعاني ما أتى به. وكان فيه من الزهد والورع والخشوع والأمانة وتصفية الأعمال وصدق النية وحقائق الأفعال ما دلّ عليه كتابه «في آداب النفوس» وكان يحفظ [من] الشعر للجاهلية والاسلام ما لا يجهله إلا جاهل به.
وقال أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد سمعت ثعلبا يقول: قرأ عليّ أبو جعفر الطبري شعر الشعراء قبل أن يكثر الناس عندي بمدة طويلة.
وقال أبو بكر ابن المجاهد، قال أبو العباس يوما: من بقي عندكم- يعني في
стр. 2449
الجانب الشرقي ببغداد- من النحويين؟ فقلت: ما بقي أحد، مات الشيوخ، فقال:
حتى خلا جانبكم؟ قلت: نعم إلا أن يكون الطبري الفقيه، فقال لي: ابن جرير؟
قلت: نعم، قال: ذاك من حذّاق الكوفيين. قال أبو بكر: وهذا من أبي العباس كثير، لأنه كان شديد النفس شرس الأخلاق، وكان قليل الشهادة لأحد بالحذق في علمه.
وقال عبد العزيز بن محمد: قنطرة البردان محظوظة من العلماء النحويين، كان فيها أبو عبيد القاسم بن سلام ومسجده وراء سويقة جعفر معروف به، وكان فيها علّان الأزدي ومسجده في هذا الموضع معروف به، وكان أبو بكر هشام بن معاوية الضرير النحوي وكان فاضلا مسجده عند مسجد أبي عبد الله الكسائي، وكان بها أبو عبيد الله محمد بن يحيى الكسائي وعنه انتشرت رواية أبي الحارث عن الكسائي وقرأ عليه كبار الناس، ونزلها أبو جعفر الطبري وكان أبو جعفر قد نظر في المنطق والحساب والجبر والمقابلة وكثير من فنون أبواب الحساب وفي الطب، وأخذ منه قسطا وافرا يدلّ عليه كلامه من الوصايا. وكان ظلفا «١» عن الدنيا تاركا لها ولأهلها يرفع نفسه عن التماسها، وكان كالقارىء الذي لا يعرف إلا القرآن، وكالمحدّث الذي لا يعرف إلا الحديث، وكالفقيه الذي لا يعرف إلا الفقه، وكالنحويّ الذي لا يعرف إلا النحو، وكالحاسب الذي لا يعرف إلا الحساب، وكان عاملا للعبادات جامعا للعلوم، وإذا جمعت بين كتبه وكتب غيره وجدت لكتبه فضلا على غيرها.
ومن كتبه: كتابه المسمى جامع البيان عن تأويل القرآن، قال أبو بكر ابن كامل: أملى علينا كتاب التفسير مائة وخمسين آية ثم خرج بعد ذلك إلى آخر القرآن فقرأه علينا وذلك في سنة سبعين ومائتين، واشتهر الكتاب وارتفع ذكره، وأبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب وأبو العباس محمد بن يزيد المبرد يحييان، ولأهل الإعراب والمعاني معقلان، وكان أيضا في الوقت غيرهما مثل أبي جعفر الرستمي وأبي الحسن ابن كيسان والمفضل بن سلمة والجعد «٢» وأبو إسحاق الزجاج وغيرهم من النحويين من فرسان هذا اللسان، وحمل هذا الكتاب مشرقا ومغربا وقرأه كل من كان في وقته من العلماء وكلّ فضّله وقدمه.
стр. 2450
قال أبو جعفر: حدثتني به نفسي وأنا صبي.
قال عبد العزيز بن محمد الطبري: كان أبو عمر الزاهد يعيش زمانا طويلا بمقابلة الكتب مع الناس، قال أبو عمر: فسألت أبا جعفر عن تفسير آية فقال: قابل بهذا الكتاب من أوله إلى آخره [قلت: فقابلت] فما وجدت فيه حرفا واحدا خطأ في نحو ولا لغة.
قال أبو جعفر: استخرت الله تعالى في عمل كتاب التفسير وسألته العون على ما نويته ثلاث سنين قبل أن أعمله فأعانني.
وقال أبو محمد عبد الله بن أحمد بن جعفر الفرغاني: أخبرني شيخ من جسر ابن عفيف قال: رأيت في النوم كأني في مجلس أبي جعفر والناس يقرؤون عليه كتاب التفسير، فسمعت هاتفا بين السماء والأرض يقول: من أراد أن يسمع القرآن كما أنزل فليسمع هذا الكتاب.
وقال أبو بكر محمد بن مجاهد: سمعت أبا جعفر يقول: إني أعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله كيف يلتذ بقراءته.
وكتاب التفسير كتاب ابتدأه بخطبة ورسالة [في] التفسير تدل على ما خصّ الله به القرآن العزيز من البلاغة والاعجاز والفصاحة التي نافى بها سائر الكلام، ثم ذكر من مقدمات الكلام في التفسير، وفي وجوه تأويل القرآن وما يعلم تأويله، وما ورد في جواز تفسيره، وما حظر من ذلك، والكلام في قول النبي ﷺ أنزل القرآن على سبعة أحرف، وبأي الألسنة نزل، والرد على من قال إن فيه أشياء من غير الكلام العربي، وتفسير أسماء القرآن والسور، وغير ذلك مما قدمه، ثم تلاه بتأويل القرآن حرفا حرفا، فذكر أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من تابعي التابعين وكلام أهل الإعراب من الكوفيين والبصريين، وجملا من القراءات، واختلاف القراءة فيما فيه من المصادر واللغات والجمع والتثنية، والكلام في ناسخه ومنسوخه، واحكام القرآن والخلاف فيه والردّ عليهم من كلام أهل النظر فيما تكلم فيه بعض أهل البدع، والرد عليهم على مذاهب أهل الإثبات ومبتغي السنن، إلى آخر القرآن، ثم اتبعه بتفسير أبي جاد وحروفها، وخلاف الناس فيها، وما اختاره من تأويلها بما لا يقدر أحد ان يزيد فيه، بل لا يراه مجموعا لا حد غيره، وذكر فيه من كتب التفاسير المصنفة عن ابن
стр. 2451
عباس خمسة طرق، وعن سعيد بن جبير طريقين، وعن مجاهد بن جبر ثلاثة طرق، وربما كان عنه في مواضع أكثر من ذلك، وعن قتادة بن دعامة ثلاثة طرق، وعن الحسن البصري ثلاثة طرق، وعن عكرمة ثلاثة طرق، وعن الضحاك بن مزاحم طريقين، وعن عبد الله بن مسعود طريقا، وتفسير عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وتفسير ابن جريج وتفسير مقاتل بن حيان، سوى ما فيه من مشهور الحديث عن المفسرين وغيرهم، وفيه من المسند حسب حاجته إليه، ولم يتعرض لتفسير غير موثوق به فانه لم يدخل في كتابه شيئا عن كتاب محمد بن السائب الكلبي ولا مقاتل بن سليمان ولا محمد بن عمر الواقدي لأنهم عنده أظنّاء والله أعلم. وكان إذا رجع إلى التاريخ والسير وأخبار «١» العرب حكى عن محمد بن السائب الكلبي وعن ابنه هشام وعن محمد بن عمر الواقدي وغيرهم فيما يفتقر إليه ولا يؤخذ إلا عنهم، وذكر فيه مجموع الكلام والمعاني من كتاب علي بن حمزة الكسائي ومن كتاب يحيى بن زياد الفراء ومن كتاب أبي الحسن الأخفش ومن كتاب أبي علي قطرب وغيرهم مما يقتضيه الكلام عند حاجته إليه، إذ كانوا هؤلاء هم المتكلمون في المعاني وعنهم يؤخذ معانيه واعرابه، وربما لم يسمّهم إذا ذكر شيئا من كلامهم. وهذا كتاب يشتمل على عشرة آلاف ورقة أو دونها حسب سعة الخط أو ضيقه، قال عبد العزيز بن محمد الطبري:
وقد رأيت منه نسخة ببغداد تشتمل على أربعة آلاف ورقة.
ومن كتبه: كتاب الفصل بين القرأة، ذكر فيه اختلاف القراء في حروف القرآن، وهو من جيد الكتب، وفصل فيه أسماء القراء بالمدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام وغيرها، وفيه من الفصل بين كل قراءة، فيذكر وجهها وتأويلها والدلالة على ما ذهب إليه كل قارىء لها، واختياره الصواب منها، والبرهان على صحة ما اختاره، مستظهرا في ذلك بقوته على التفسير والاعراب الذي لم يشتمل على حفظ مثله أحد من القراء، وان كان لهم ﵏ من الفضل والسبق ما لا يدفع ذو بصيرة، بعد أن صدّره بخطبة تليق به، وكذلك كان يعمل في كتبه: أن يأتي بخطبته على معنى كتابه، فيأتي الكتاب منظوما على ما تقتضيه الخطبة، وكان أبو جعفر مجوّدا في القراءة موصوفا
стр. 2452
بذلك يقصده القراء البعداء ومن الناس للصلاة خلفه يسمعون قراءته وتجويده.
وقال أبو بكر ابن كامل، قال لنا أبو بكر ابن مجاهد، وقد كان لا يجري ذكره إلا فضله: ما صنف في معنى كتابه مثله. وقال لنا: ما سمعت في المحراب أقرأ من أبي جعفر، أو كلاما هذا معناه. قال ابن كامل: وكان أبو جعفر يقرأ قديما لحمزة قبل أن يختار قراءته.
وقال أبو محمد عبد الله بن أحمد الفرغاني: قال لنا أبو جعفر: قرأت القرآن على سليمان بن عبد الرحمن بن حماد الطلحي، وكان الطلحي قد قرأ على خلاد، وخلاد قرأ على سليم بن عيسى، وسليم قرأ على حمزة. ثم أخذها أبو جعفر عن يونس بن عبد الأعلى عن علي بن كيسة «١» عن سليم عن حمزة.
وقال ابن كامل، قال لنا أبو بكر ابن مجاهد، وقد ذكر فضل كتابه في القراءات وقال: إلا أني وجدت فيه غلطا، وذكره لي وعجبت من ذلك مع قراءته لحمزة وتجويده له ثم قال: والعلة في ذلك أبو عبيد القاسم بن سلام لأنه بنى كتابه على كتاب أبي عبيد، فأغفل أبو عبيد هذا الحرف فنقله أبو جعفر على ذلك.
وقال أبو بكر ابن كامل، قال لنا أبو جعفر: وصف لي [قارىء] بسوق يحيى فجئت إليه، فتقدمت فقرأت عليه من أول القرآن حتى بلغت إلى قوله إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا
(البقرة: ٢٦) فأعاد عليّ، فأعدته في كل قراءتي أبين فيه اليائين، وهو يردّ عليّ، إلى أن قلت له: تريد أكثر من تبيين اليائين بكسر الأولى؟
فلم يدر ما أقول، فقمت ولم أعد إليه.
قال: وكان عند أبي جعفر رواية ورش عن نافع عن يونس بن عبد الأعلى عنه، وكان يقصد فيها، فحرص على ما بلغني أبو بكر ابن مجاهد مع موضعه في نفسه وعند أبي جعفر أن يسمع منه هذه القراءة منفردا، فأبى إلا أن يسمعها مع الناس، فما أثر ذلك في نفس أبي بكر، وكان ذلك كرها من أبي جعفر أن يخصّ أحدا بشيء من العلم، وكان في أخلاقه ذلك، لأنه كان إذا قرأ عليه جماعة كتابا ولم يحضره أحدهم لا يأذن لبعضهم أن يقرأ دون بعض، وإذا سأله إنسان في قراءة كتاب وغاب، لم يقرئه
стр. 2453
حتى يحضر، إلا كتاب الفتوى فانه كان أيّ وقت سئل عن شيء منه أجاب فيه. وكتابه في القراءات يشتمل على كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام لأنه كان عنده عن أحمد بن يوسف الثعلبي عنه وعليه بنى كتابه.
ومنها كتابه كتاب التاريخ الكبير المسمى بتاريخ الرسل والملوك وأخبارهم ومن كان في زمن كل واحد منهم، بدأ فيه بالخطبة المشتملة على معانيه، ثم ذكر الزمان ما هو، ثم مدة الزمان على اختلاف أهل العلم من الصحابة وغيرهم، والامم المخالفة لنا في ذلك، والسنن الدالة على ما اختاره من ذلك، وهذا باب لا يحدّد «١» بوجود إلا له.
قال أبو الحسن عبد الله بن أحمد بن محمد بن المغلس الفقيه، وكان أفضل من رأيناه فهما وعناية بالعلم ودرسا له، ولقد كان لعنايته بدرس العلم تعبى كتبه في جانب حارته «٢» ثم يبتدىء فيدرس الأول فالأول منها إلى أن يفرغ منها، وهو ينقلها إلى الجانب الآخر، فإذا فرغ منها عاد في درسها ونقلها إلى حيث كانت، فقال يوما: ما عمل أحد في تاريخ الزمان وحصر الكلام فيه مثل ما عمله أبو جعفر؛ قال ولقد قال لي أبو الحسن ابن المغلس يوما وهو يذاكرنا شيئا من العلم وفضل العلماء فقال: والله إني لأظن أبا جعفر الطبري قد نسي مما حفظ إلى أن مات ما حفظه فلان طول عمره، وذكر رجلا كبيرا من أهل العلم.
ثم ذكر أبو جعفر في التاريخ الكلام في الدلالة على حدث الزمان: الأيام والليالي، وعلى أن محدثها الله وحده، وذكر أول ما خلق وهو القلم وما بعد ذلك شيئا شيئا على ما وردت الآثار به واختلاف الناس في ذلك. ثم ذكر آدم وحواء واللعين ابليس وما كان من نزول آدم ﵇، وما كان بعده من أخبار نبي نبي ورسول رسول وملك وملك على اختصار منه لذلك إلى نبينا ﵇ مع ملوك الطوائف وملوك الفرس والروم، ثم ذكر مولد رسول الله ﷺ ونسبه وآباءه وأمهاته وأولاده وأزواجه ومبعثه ومغازيه وسراياه وحال أصحابه ﵃، ثم ذكر الخلفاء الراشدين المهديين بعده، ثم ذكر ما كان من أخبار بني أمية وبني العباس في القطعين المنسوب أحدهما إلى قطع بني أمية والثاني إلى قطع بني العباس، وما شرحه
стр. 2454
في كتاب التاريخ، وإنما خرج ذلك إلى الناس على سبيل الاجازة إلى سنة أربع وتسعين ومائتين، ووقف على الذي بعد ذلك لأنه كان في دولة المقتدر، وقد كان سئل شرح القطعين، فلما سئل ذلك شرحه وسماه القطعين، وهذا الكتاب من الأفراد في الدنيا فضلا ونباهة وهو يجمع كثيرا من علوم الدين والدنيا وهو في نحو خمسة آلاف ورقة.
ومنها كتابه المسمى بكتاب «ذيل المذيل» المشتمل على تاريخ من قتل أو مات من أصحاب رسول الله ﷺ في حياته أو بعده على ترتيب الأقرب فالأقرب منه أو من قريش من القبائل، ثم ذكر موت من مات من التابعين والسلف بعدهم، ثم الخالفين إلى أن بلغ شيوخه الذين سمع منهم وجملا من أخبارهم ومذاهبهم، وتكلم في الذبّ عن ذوي الفضل منهم ممن رمي بمذهب هو بريء منه، كنحو الحسن البصري وقتادة وعكرمة وغيرهم، وذكر ضعف من نسب إلى ضعف من الناقلين ولينه، وفي آخره أبواب حسان من باب من حدث عنه الاخوة، أو الرجل وولده، ومن شهر بكنيته دون اسمه، أو باسمه دون كنيته، وهو من محاسن الكتب وأفاضلها يرغب فيه طلاب الحديث وأهل التواريخ وكان خرج إملاؤه بعد سنة ثلاثمائة وهو في نحو من ألف ورقة.
ومنها كتابه المشهور بالفضل شرقا وغربا المسمى بكتاب «اختلاف علماء الأمصار في أحكام شرائع الإسلام» قصد به إلى ذكر أقوال الفقهاء وهم: مالك بن أنس فقيه أهل المدينة بروايتين، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي فقيه أهل الشام، ومن أهل الكوفة سفيان الثوري بروايتين، ثم محمد بن إدريس الشافعي ما حدّث به الربيع بن سليمان عنه، ثم من أهل الكوفة أبو حنيفة النعمان بن ثابت وأبو يوسف يعقوب بن محمد الأنصاري وأبو عبد الله محمد بن الحسن الشيباني مولى لهم ثم إبراهيم بن خالد أبو نصر الكلبي، وقد كان أولا ذكر في كتابه بعض أهل النظر وهو:
عبد الرحمن بن كيسان لأنه كان في الوقت الذي عمله ما كان يتفقه على مذهبه، فلما طال الزمان به وفقه أصحابه بسهو سقّطه من كتابه، وكان أول ما عمل هذا الكتاب (على ما سمعته يقول وقد سأله عن ذلك أبو عبد الله أحمد بن عيسى الرازي) إنما عمله ليتذكر به أقوال من يناظره ثم انتشر وطلب منه، فقرأه على أصحابه. وقد كان محمد بن داود الأصبهاني لما صنف كتابه المعروف ب «كتاب الوصول إلى معرفة
стр. 2455
الأصول» ذكر في باب الاجماع عن أبي جعفر الطبري أن الاجماع عنده إجماع هؤلاء المقدّم ذكرهم الثمانية نفر دون غيرهم تقليدا منه لما قال أبو جعفر «اجمعوا وأجمعت الحجة على كذا» ثم قال في تصدير باب الخلاف «ثم اختلفوا فقال مالك وقال الاوزاعي كذا وقال فلان كذا» ان الذين حكى عنهم الاجماع هم الذين حكى عنهم الاختلاف، وهذا غلط من ابن داود ولو رجع إلى كتابه في «رسالة اللطيف» وفي «رسالة الاختلاف» وما أودعه كثيرا من كتبه من ان الاجماع هو نقل المتواترين لما أجمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ من الآثار دون أن يكون ذلك رأيا ومأخوذا جهة القياس لعلم ان ما ذهب إليه من ذلك غلط فاحش وخطأ بين.
وكان أبو جعفر يفضل «كتاب الاختلاف» وهو أول ما صنف من كتبه، وكان يقول كثيرا: لي كتابان لا يستغني عنهما فقيه: الاختلاف واللطيف.
وكتاب الاختلاف نحو ثلاثة آلاف ورقة، ولم يستقص فيه اختياره لأجل أنه قد جوّد ذلك في «كتاب اللطيف» ولئلا يتكرر كلامه في ذلك. وقد كان جعل لكتاب الاختلاف رسالة بدأ بها ثم قطعها، ذكر فيها [لدى] الكلام في الاجماع وأخبار الآحاد العدول زيادات ليست في كتاب اللطيف وشيئا من الكلام في المراسيل والناسخ والمنسوخ.
وله كتاب الشروط المسمى أمثلة العدول، وهو من جيد كتبه التي يعوّل عليها أهل مدينة السلام؛ وكان أبو جعفر مقدما في علم الشروط قيما به.
ومن جياد كتبه: كتابه المسمى ب «كتاب لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام» وهو مجموع مذهبه الذي يعوّل عليه جميع أصحابه، وهو من أنفس كتبه وكتب الفقهاء وأفضل أمهات المذاهب وأسدّها تصنيفا، ومن قرأه وتدبره رأى ذلك إن شاء الله. وكان أبو بكر ابن راميك يقول: ما عمل كتاب في مذهب أجود من كتاب أبي جعفر «اللطيف» لمذهبه، وكان يعتذر في اختصاره كثيرا في أوله، وكتبه تزيد على كتاب الاختلاف في القدر، وثلاثة كتب: كتاب اللباس، كتاب أمهات الأولاد، كتاب الشرب. وهو من جيد الكتب وأحسنها، وهو كالمنفرد فيه. ولا يظن ظان أن قوله «كتاب اللطيف» إنما أراد به صغره وخفة محمل وزنه، وإنما أراد بذلك لطيف القول كدقة معانيه وكثرة ما فيه من النظر والتعليلات، وهو يكون نحو ألفين وخمسمائة ورقة.