عباس خمسة طرق، وعن سعيد بن جبير طريقين، وعن مجاهد بن جبر ثلاثة طرق، وربما كان عنه في مواضع أكثر من ذلك، وعن قتادة بن دعامة ثلاثة طرق، وعن الحسن البصري ثلاثة طرق، وعن عكرمة ثلاثة طرق، وعن الضحاك بن مزاحم طريقين، وعن عبد الله بن مسعود طريقا، وتفسير عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وتفسير ابن جريج وتفسير مقاتل بن حيان، سوى ما فيه من مشهور الحديث عن المفسرين وغيرهم، وفيه من المسند حسب حاجته إليه، ولم يتعرض لتفسير غير موثوق به فانه لم يدخل في كتابه شيئا عن كتاب محمد بن السائب الكلبي ولا مقاتل بن سليمان ولا محمد بن عمر الواقدي لأنهم عنده أظنّاء والله أعلم. وكان إذا رجع إلى التاريخ والسير وأخبار «١» العرب حكى عن محمد بن السائب الكلبي وعن ابنه هشام وعن محمد بن عمر الواقدي وغيرهم فيما يفتقر إليه ولا يؤخذ إلا عنهم، وذكر فيه مجموع الكلام والمعاني من كتاب علي بن حمزة الكسائي ومن كتاب يحيى بن زياد الفراء ومن كتاب أبي الحسن الأخفش ومن كتاب أبي علي قطرب وغيرهم مما يقتضيه الكلام عند حاجته إليه، إذ كانوا هؤلاء هم المتكلمون في المعاني وعنهم يؤخذ معانيه واعرابه، وربما لم يسمّهم إذا ذكر شيئا من كلامهم. وهذا كتاب يشتمل على عشرة آلاف ورقة أو دونها حسب سعة الخط أو ضيقه، قال عبد العزيز بن محمد الطبري:
وقد رأيت منه نسخة ببغداد تشتمل على أربعة آلاف ورقة.
ومن كتبه: كتاب الفصل بين القرأة، ذكر فيه اختلاف القراء في حروف القرآن، وهو من جيد الكتب، وفصل فيه أسماء القراء بالمدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام وغيرها، وفيه من الفصل بين كل قراءة، فيذكر وجهها وتأويلها والدلالة على ما ذهب إليه كل قارىء لها، واختياره الصواب منها، والبرهان على صحة ما اختاره، مستظهرا في ذلك بقوته على التفسير والاعراب الذي لم يشتمل على حفظ مثله أحد من القراء، وان كان لهم ﵏ من الفضل والسبق ما لا يدفع ذو بصيرة، بعد أن صدّره بخطبة تليق به، وكذلك كان يعمل في كتبه: أن يأتي بخطبته على معنى كتابه، فيأتي الكتاب منظوما على ما تقتضيه الخطبة، وكان أبو جعفر مجوّدا في القراءة موصوفا
стр. 2452
بذلك يقصده القراء البعداء ومن الناس للصلاة خلفه يسمعون قراءته وتجويده.
وقال أبو بكر ابن كامل، قال لنا أبو بكر ابن مجاهد، وقد كان لا يجري ذكره إلا فضله: ما صنف في معنى كتابه مثله. وقال لنا: ما سمعت في المحراب أقرأ من أبي جعفر، أو كلاما هذا معناه. قال ابن كامل: وكان أبو جعفر يقرأ قديما لحمزة قبل أن يختار قراءته.
وقال أبو محمد عبد الله بن أحمد الفرغاني: قال لنا أبو جعفر: قرأت القرآن على سليمان بن عبد الرحمن بن حماد الطلحي، وكان الطلحي قد قرأ على خلاد، وخلاد قرأ على سليم بن عيسى، وسليم قرأ على حمزة. ثم أخذها أبو جعفر عن يونس بن عبد الأعلى عن علي بن كيسة «١» عن سليم عن حمزة.
وقال ابن كامل، قال لنا أبو بكر ابن مجاهد، وقد ذكر فضل كتابه في القراءات وقال: إلا أني وجدت فيه غلطا، وذكره لي وعجبت من ذلك مع قراءته لحمزة وتجويده له ثم قال: والعلة في ذلك أبو عبيد القاسم بن سلام لأنه بنى كتابه على كتاب أبي عبيد، فأغفل أبو عبيد هذا الحرف فنقله أبو جعفر على ذلك.
وقال أبو بكر ابن كامل، قال لنا أبو جعفر: وصف لي [قارىء] بسوق يحيى فجئت إليه، فتقدمت فقرأت عليه من أول القرآن حتى بلغت إلى قوله إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا
(البقرة: ٢٦) فأعاد عليّ، فأعدته في كل قراءتي أبين فيه اليائين، وهو يردّ عليّ، إلى أن قلت له: تريد أكثر من تبيين اليائين بكسر الأولى؟
فلم يدر ما أقول، فقمت ولم أعد إليه.
قال: وكان عند أبي جعفر رواية ورش عن نافع عن يونس بن عبد الأعلى عنه، وكان يقصد فيها، فحرص على ما بلغني أبو بكر ابن مجاهد مع موضعه في نفسه وعند أبي جعفر أن يسمع منه هذه القراءة منفردا، فأبى إلا أن يسمعها مع الناس، فما أثر ذلك في نفس أبي بكر، وكان ذلك كرها من أبي جعفر أن يخصّ أحدا بشيء من العلم، وكان في أخلاقه ذلك، لأنه كان إذا قرأ عليه جماعة كتابا ولم يحضره أحدهم لا يأذن لبعضهم أن يقرأ دون بعض، وإذا سأله إنسان في قراءة كتاب وغاب، لم يقرئه
стр. 2453
حتى يحضر، إلا كتاب الفتوى فانه كان أيّ وقت سئل عن شيء منه أجاب فيه. وكتابه في القراءات يشتمل على كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام لأنه كان عنده عن أحمد بن يوسف الثعلبي عنه وعليه بنى كتابه.
ومنها كتابه كتاب التاريخ الكبير المسمى بتاريخ الرسل والملوك وأخبارهم ومن كان في زمن كل واحد منهم، بدأ فيه بالخطبة المشتملة على معانيه، ثم ذكر الزمان ما هو، ثم مدة الزمان على اختلاف أهل العلم من الصحابة وغيرهم، والامم المخالفة لنا في ذلك، والسنن الدالة على ما اختاره من ذلك، وهذا باب لا يحدّد «١» بوجود إلا له.
قال أبو الحسن عبد الله بن أحمد بن محمد بن المغلس الفقيه، وكان أفضل من رأيناه فهما وعناية بالعلم ودرسا له، ولقد كان لعنايته بدرس العلم تعبى كتبه في جانب حارته «٢» ثم يبتدىء فيدرس الأول فالأول منها إلى أن يفرغ منها، وهو ينقلها إلى الجانب الآخر، فإذا فرغ منها عاد في درسها ونقلها إلى حيث كانت، فقال يوما: ما عمل أحد في تاريخ الزمان وحصر الكلام فيه مثل ما عمله أبو جعفر؛ قال ولقد قال لي أبو الحسن ابن المغلس يوما وهو يذاكرنا شيئا من العلم وفضل العلماء فقال: والله إني لأظن أبا جعفر الطبري قد نسي مما حفظ إلى أن مات ما حفظه فلان طول عمره، وذكر رجلا كبيرا من أهل العلم.
ثم ذكر أبو جعفر في التاريخ الكلام في الدلالة على حدث الزمان: الأيام والليالي، وعلى أن محدثها الله وحده، وذكر أول ما خلق وهو القلم وما بعد ذلك شيئا شيئا على ما وردت الآثار به واختلاف الناس في ذلك. ثم ذكر آدم وحواء واللعين ابليس وما كان من نزول آدم ﵇، وما كان بعده من أخبار نبي نبي ورسول رسول وملك وملك على اختصار منه لذلك إلى نبينا ﵇ مع ملوك الطوائف وملوك الفرس والروم، ثم ذكر مولد رسول الله ﷺ ونسبه وآباءه وأمهاته وأولاده وأزواجه ومبعثه ومغازيه وسراياه وحال أصحابه ﵃، ثم ذكر الخلفاء الراشدين المهديين بعده، ثم ذكر ما كان من أخبار بني أمية وبني العباس في القطعين المنسوب أحدهما إلى قطع بني أمية والثاني إلى قطع بني العباس، وما شرحه
стр. 2454
في كتاب التاريخ، وإنما خرج ذلك إلى الناس على سبيل الاجازة إلى سنة أربع وتسعين ومائتين، ووقف على الذي بعد ذلك لأنه كان في دولة المقتدر، وقد كان سئل شرح القطعين، فلما سئل ذلك شرحه وسماه القطعين، وهذا الكتاب من الأفراد في الدنيا فضلا ونباهة وهو يجمع كثيرا من علوم الدين والدنيا وهو في نحو خمسة آلاف ورقة.
ومنها كتابه المسمى بكتاب «ذيل المذيل» المشتمل على تاريخ من قتل أو مات من أصحاب رسول الله ﷺ في حياته أو بعده على ترتيب الأقرب فالأقرب منه أو من قريش من القبائل، ثم ذكر موت من مات من التابعين والسلف بعدهم، ثم الخالفين إلى أن بلغ شيوخه الذين سمع منهم وجملا من أخبارهم ومذاهبهم، وتكلم في الذبّ عن ذوي الفضل منهم ممن رمي بمذهب هو بريء منه، كنحو الحسن البصري وقتادة وعكرمة وغيرهم، وذكر ضعف من نسب إلى ضعف من الناقلين ولينه، وفي آخره أبواب حسان من باب من حدث عنه الاخوة، أو الرجل وولده، ومن شهر بكنيته دون اسمه، أو باسمه دون كنيته، وهو من محاسن الكتب وأفاضلها يرغب فيه طلاب الحديث وأهل التواريخ وكان خرج إملاؤه بعد سنة ثلاثمائة وهو في نحو من ألف ورقة.
ومنها كتابه المشهور بالفضل شرقا وغربا المسمى بكتاب «اختلاف علماء الأمصار في أحكام شرائع الإسلام» قصد به إلى ذكر أقوال الفقهاء وهم: مالك بن أنس فقيه أهل المدينة بروايتين، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي فقيه أهل الشام، ومن أهل الكوفة سفيان الثوري بروايتين، ثم محمد بن إدريس الشافعي ما حدّث به الربيع بن سليمان عنه، ثم من أهل الكوفة أبو حنيفة النعمان بن ثابت وأبو يوسف يعقوب بن محمد الأنصاري وأبو عبد الله محمد بن الحسن الشيباني مولى لهم ثم إبراهيم بن خالد أبو نصر الكلبي، وقد كان أولا ذكر في كتابه بعض أهل النظر وهو:
عبد الرحمن بن كيسان لأنه كان في الوقت الذي عمله ما كان يتفقه على مذهبه، فلما طال الزمان به وفقه أصحابه بسهو سقّطه من كتابه، وكان أول ما عمل هذا الكتاب (على ما سمعته يقول وقد سأله عن ذلك أبو عبد الله أحمد بن عيسى الرازي) إنما عمله ليتذكر به أقوال من يناظره ثم انتشر وطلب منه، فقرأه على أصحابه. وقد كان محمد بن داود الأصبهاني لما صنف كتابه المعروف ب «كتاب الوصول إلى معرفة
стр. 2455
الأصول» ذكر في باب الاجماع عن أبي جعفر الطبري أن الاجماع عنده إجماع هؤلاء المقدّم ذكرهم الثمانية نفر دون غيرهم تقليدا منه لما قال أبو جعفر «اجمعوا وأجمعت الحجة على كذا» ثم قال في تصدير باب الخلاف «ثم اختلفوا فقال مالك وقال الاوزاعي كذا وقال فلان كذا» ان الذين حكى عنهم الاجماع هم الذين حكى عنهم الاختلاف، وهذا غلط من ابن داود ولو رجع إلى كتابه في «رسالة اللطيف» وفي «رسالة الاختلاف» وما أودعه كثيرا من كتبه من ان الاجماع هو نقل المتواترين لما أجمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ من الآثار دون أن يكون ذلك رأيا ومأخوذا جهة القياس لعلم ان ما ذهب إليه من ذلك غلط فاحش وخطأ بين.
وكان أبو جعفر يفضل «كتاب الاختلاف» وهو أول ما صنف من كتبه، وكان يقول كثيرا: لي كتابان لا يستغني عنهما فقيه: الاختلاف واللطيف.
وكتاب الاختلاف نحو ثلاثة آلاف ورقة، ولم يستقص فيه اختياره لأجل أنه قد جوّد ذلك في «كتاب اللطيف» ولئلا يتكرر كلامه في ذلك. وقد كان جعل لكتاب الاختلاف رسالة بدأ بها ثم قطعها، ذكر فيها [لدى] الكلام في الاجماع وأخبار الآحاد العدول زيادات ليست في كتاب اللطيف وشيئا من الكلام في المراسيل والناسخ والمنسوخ.
وله كتاب الشروط المسمى أمثلة العدول، وهو من جيد كتبه التي يعوّل عليها أهل مدينة السلام؛ وكان أبو جعفر مقدما في علم الشروط قيما به.
ومن جياد كتبه: كتابه المسمى ب «كتاب لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام» وهو مجموع مذهبه الذي يعوّل عليه جميع أصحابه، وهو من أنفس كتبه وكتب الفقهاء وأفضل أمهات المذاهب وأسدّها تصنيفا، ومن قرأه وتدبره رأى ذلك إن شاء الله. وكان أبو بكر ابن راميك يقول: ما عمل كتاب في مذهب أجود من كتاب أبي جعفر «اللطيف» لمذهبه، وكان يعتذر في اختصاره كثيرا في أوله، وكتبه تزيد على كتاب الاختلاف في القدر، وثلاثة كتب: كتاب اللباس، كتاب أمهات الأولاد، كتاب الشرب. وهو من جيد الكتب وأحسنها، وهو كالمنفرد فيه. ولا يظن ظان أن قوله «كتاب اللطيف» إنما أراد به صغره وخفة محمل وزنه، وإنما أراد بذلك لطيف القول كدقة معانيه وكثرة ما فيه من النظر والتعليلات، وهو يكون نحو ألفين وخمسمائة ورقة.
стр. 2456
وفيه كتاب جيد في الشروط يسمى بأمثلة العدول من اللطيف، ولهذا الكتاب رسالة فيها الكلام في أصول الفقه، والكلام في الاجماع، وأخبار الآحاد، والمراسيل، والناسخ والمنسوخ في الأحكام، والمجمل والمفسر من الأخبار والأوامر والنواهي، والكلام في أفعال الرسل، والخصوص والعموم، والاجتهاد، وفي إبطال الاستحسان، إلى غير ذلك مما تكلم فيه.
ومن جياد كتبه كتابه المعروف ب «كتاب الخفيف في أحكام شرائع الإسلام» وهو مختصر من كتاب اللطيف، وقد كان أبو أحمد العباس بن الحسن العزيزي أراد النظر في شيء من الأحكام فراسله في اختصار كتاب له، فعمل هذا الكتاب ليقرب متناوله، وهو نحو من الأربعمائة ورقة، وهو كتاب قريب على الناظر فيه، كثير المسائل، يصلح لتذكر العالم والمبتدىء المتعلم.
ومنها كتاب «تهذيب الآثار وتفضيل الثابت عن رسول الله ﷺ من الأخبار» وهو كتاب يتعذر على العلماء عمل مثله ويصعب عليهم تتمته؛ قال أبو بكر ابن كامل: لم أر بعد أبي جعفر أجمع للعلم وكتب العلماء ومعرفة اختلاف الفقهاء وتمكنه من العلوم منه لأني أروض نفسي في عمل مسند عبد الله بن مسعود في حديث منه نظير ما عمله أبو جعفر فما أحسن عمله ولا يستوي لي.
ومن كتبه الفاضلة: كتابه المسمى ب «كتاب بسيط القول في أحكام شرائع الإسلام» وهذا الكتاب قدم له كتابا سماه «كتاب مراتب العلماء» حسنا في معناه، ذكر فيه خطبة الكتاب وحضّ فيه على طلب العلم والتفقه، وغمز فيه على من اقتصر من أصحابه على نقله دون التفقه بما فيه، ثم ذكر فيه العلماء ممن تفقه على مذهبه من أصحاب رسول الله ﷺ ومن أخذ عنهم ثم من أخذ عنهم ثم من أخذ عمن أخذ عنهم من فقهاء الأمصار: بدأ بالمدينة لأنها مهاجر النبيّ ﷺ ومن خلفه أبو بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم، ثم بمكة لأنها الحرم الشريف، ثم العراقين: الكوفة والبصرة، ثم الشام وخراسان، ثم خرج إلى كتاب الصلاة بعد ذكر الطهارة، وذكر في هذا الكتاب اختلاف المختلفين واتفاقهم فيما تكلموا فيه على الاستقصاء والتبيين في ذلك، والدلالة لكل قائل منهم، والصواب من القول في ذلك، وخرّج منه نحو ألفي ورقة، وأخرج من هذا الكتاب «كتاب آداب القضاء» وهو أحد الكتب المعدودة له المشهورة
стр. 2457
بالتجويد والتفصيل لأنه ذكر فيه بعد خطبة الكتاب الكلام في مدح القضاة وكتابهم، وما ينبغي للقاضي إذا ولي أن يعمل به، وتسليمه له ونظره فيه، ثم ما ينقض فيه أحكام من تقدمه، والكلام في السجلات والشهادات والدعاوي والبينات، وسيأتي ذكر ما يحتاج إليه الحاكم من جميع الفقه إلى أن فرغ منه، وهو في ألف ورقة. وكان يجتهد بأصحابه أن يأخذوا البسيط والتهذيب ويجدّوا في قراءتهما ويشتغلوا بهما دون غيرهما من الكتب.
ومن جياد كتبه كتابه المسمى ب «كتاب أدب النفوس الجيدة والأخلاق النفيسة» وربما سماه بأدب النفس الشريفة والأخلاق الحميدة، وربما زاد في ترجمته: المشتمل على علوم الدين والفضل والورع والاخلاص والشكر والكلام في الرياء والكبر والتخاضع والخشوع والصبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبدأ فيه بالكلام في الوسوسة وأعمال القلوب، ثم ذكر شيئا كثيرا من الدعاء وفضل القرآن وأوقات الإجابة ودلائلها، وما روي من السنن وأقوال الصحابة والتابعين في ذلك، وقطع الاملاء في بعض الكلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان ما خرّج نحو خمسمائة ورقة، وكان قد عمل أربعة أجزاء ولم يخرجها إلى الناس في الإملاء، ووقع ذلك إلى أبي سعيد عمر بن أحمد الدينوري الوراق، وخرج به إلى الشام فقطع عليه ولم يبق معه إلا جزءان فيهما الكلام في حقوق الله الواجبة على الإنسان في بصره والحقوق الواجبة في سمعه، وكان ابتدأ في سنة عشر وثلاثمائة، ومات بعد مديدة من قطعه الإملاء، وكان يقول: إن خرج هذا الكتاب كان فيه جمال، لأنه كان أراد أن يخرج بعد الكلام في الحقوق اللازمة للانسان إلى ما يعيذنا منه من أهوال القيامة وشروطها وأحوال الآخرة وما ورد فيها وذكر الجنة والنار.
ومما صنف وخرج «كتاب المسند المجرد» وقد كتب أصحاب الحديث الأكثر منه، وذكر فيه من حديثه عن الشيوخ ما قرأه على الناس.
ومنها كتابه المسمى ب «كتاب الرد على ذي الأسفار» يردّ فيه على داود بن علي الأصبهاني، وكان سبب تصنيف هذا الكتاب أن أبا جعفر كان قد لزم داود بن علي مدة وكتب من كتبه كثيرا، ووجدنا في ميراثه من كتبه ثمانين جزءا بخطه الدقيق، وكان فيها المسألة التي جرت بين داود بن علي وبين أبي المجالد الضرير المعتزلي بواسط عند
стр. 2458
خروجهما إلى الموفق لما وقع التنازع في خلق القرآن، وكان داود بن علي قد أخذ من النظر ومن الحديث ومن الاختلاف ومن السنن حظا ليس بالمتسع، وكان بسيط اللسان حسن الكلام متمكنا من نفسه، وله أصحاب فيهم دعابة قد تمكنت منهم حتى صارت لبعضهم خلقا يستعمله في النظر لقطع مخالفيه، وكان ربما ناظر داود بن علي الأثبات في المسألة في الفقه فيراه مقصرا في الحديث فينقله إليه، أو يكلمه في الحديث فينقله إلى الفقه، أو إلى الجدل إذا كان خصمه مقصرا فيهما، وكان هو مقصرا في النحو واللغة وإن كان عارفا بقطعة منه، وكان أبو جعفر مليا بما نهض فيه من أيّ علم كان، وكان متوقفا عن الأخلاق التي لا تليق بأهل العلم ولا يؤثرها إلى أن مات، وكان يحبّ الجدّ في جميع أحواله، وجرت مسألة يوما بين داود بن علي وبين أبي جعفر، فوقف الكلام على داود بن علي، فشق ذلك على أصحابه وكلّم رجل من أصحاب داود بن علي أبا جعفر بكلمة مضة، فقام من المجلس وعمل هذا الكتاب، وأخرج منه شيئا بعد شيء إلى أن أخرج منه قطعة نحو مائة ورقة، وكان ابتدأ الكلام فيه بخطبة من غير إملاء، وهو من جيد ما عمله أبو جعفر ومن أحسنه كلاما فيه حملا على اللغط عليه، ثم قطع ذلك بعد ما مات داود بن علي فلم يحصل في أيدي أصحابه من ذلك إلا ما كتبه منه مقدمو أصحابه ولم ينقل. فممن كتب هذا الكتاب منه أبو إسحاق ابن الفضل بن حيان الحلواني، قال أبو بكر ابن كامل وسمعناه منه عنه، وأبو الطيب الجرجاني وأبو علي الحسن بن الحسين بن الصواف وأبو الفضل العباس بن محمد بن المحسن وغيرهم. وقال الرواسي، وكان من مقدمي أصحاب داود بن علي: إن داود قطع كلام ذلك الإنسان الذي كلم أبا جعفر سنة مجازاة له على ما جرى منه على أبي جعفر.
ثم تعرض محمد بن داود بن علي للردّ على أبي جعفر فيما ردّه على أبيه، فتعسّف الكلام على ثلاث مسائل خاصة، وأخذ في سبّ أبي جعفر، وهو كتابه المنسوب إلى الرد على أبي جعفر ابن جرير. قال أبو الحسن ابن المغلس، قال لي أبو بكر ابن داود بن علي: كان في نفسي مما تكلّم به ابن جرير على أبي، فدخلت يوما على أبي بكر ابن أبي حامد، وعنده أبو جعفر، فقال له أبو بكر: هذا أبو بكر محمد بن داود بن علي الأصبهاني، فلما رآني أبو جعفر وعرف مكاني رحّب بي وأخذ يثني على أبي ويمدحه ويصفني بما قطعني عن كلامه.
стр. 2459
ومن كتب أبي جعفر رسالته المسماة ب «كتاب رسالة التبصير في معالم الدين» التي كتب بها إلى أهل طبرستان فيما وقع بينهم فيه من الخلف في الاسم والمسمى، وفي مذاهب أهل البدع، وهو نحو ثلاثين ورقة.
ومنها أيضا: رسالته المعروفة ب «كتاب صريح السنة» في أوراق ذكر فيها مذهبه وما يدين به ويعتقده. وكتاب فضائل علي بن أبي طالب ﵁ تكلم في أوله بصحة الأخبار الواردة في غدير خمّ ثم تلاه بالفضائل ولم يتم. كتاب فضائل أبي بكر وعمر ﵄ ولم يتمّ أيضا. كتاب فضائل العباس وانقطع أيضا بموته.
كتاب في عبارة الرؤيا جمع فيه أحاديث فمات ولم يعمله. وكتاب مختصر مناسك الحج. كتاب مختصر الفرائض. كتاب في الردّ على ابن عبد الحكم على مالك، ولم يقع إلى أصحابه. كتاب الموجز في الأصول، ابتدأ فيه برسالة الأخلاق ثم قطع ووعد بكتاب الآدر في الأصول ولم يخرج منه شيء، وأراد أن يعمل كتابا في القياس فلم يعمله.
قال أبو القاسم الحسين بن حبيش الوراق: كان قد التمس مني أبو جعفر أن أجمع له كتب الناس في القياس، فجمعت له نيّفا وثلاثين كتابا، فأقامت عنده مديدة، ثم كان من قطعه للحديث قبل موته بشهور ما كان، فردّها عليّ وفيها علامات له بحمرة قد علّم عليها.
قال عبد العزيز بن محمد: وقد وقع إليّ كتاب صغير في الرمي بالنشاب منسوب إليه، وما علمت أحدا قرأه عليه، ولا ضابطا ضبط عنه ولا ينسبه إليه، وأخاف أن يكون منحولا إليه.
وقال عبد العزيز بن محمد الطبري: كان أبو جعفر يذهب في جل مذاهبه إلى ما عليه الجماعة من السلف وطريق أهل العلم المتمسكين بالسنن، شديدا عليه مخالفتهم، ماضيا على منهاجهم، لا تأخذه في ذلك ولا في شيء لومة لائم، وكان يذهب إلى مخالفة أهل الاعتزال في جميع ما خالفوا فيه الجماعة من القول بالقدر وخلق القرآن وإبطال رؤية الله في القيامة، وفي قولهم بتخليد أهل الكبائر في النار وإبطال شفاعة رسول الله ﷺ ، وفي قولهم إن استطاعة الانسان قبل فعله. وكان
стр. 2460
أبو جعفر يزعم أن ما في العالم من أفعال العباد فخلق الله، وان ما منّ الله به على أهل الإيمان من الاستطاعة التي وفقهم لها غير ما أعطاه لأهل الكفر من الدار والعقل، وان الله ختم على قلوب من كفر به مجازاة لهم على كفرهم.
قلت: وهذا الفصل رديء جدا، لأنه إن كان ختم قبل الكفر فقد ظلم، وإن كان بعده فقد ختم على مختوم، وهذا لم يقل به أحد من أهل السنة والجماعة إنما هو من أقوال الروافض والمعتزلة قبحهم الله.
وكان أبو جعفر يعتقد أن ما أخطأه ما كان ليصيبه، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن جميع ما في العالم لا يكون إلا بمشيئة الله، وان الله جل وعز لم يزل موصوفا بصفاته التي هي علمه وقدرته، وكلامه غير محدث.
قال أبو علي: وهذا الفصل يدلّ على أن ما لم يكن من الصفات كالعلم والقدرة والكلام أنها محدثة مخلوقة، وهذا محض كلام المعتزلة والأشعرية. قال: وكان أبو جعفر يذهب في الإمامة إلى إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، وما عليه أصحاب الحديث في التفضيل، وكان يكفّر من خالفه في كلّ مذهب، إذ كانت أدلّة العقول تدفع كالقول في القدر وقول من كفّر أصحاب رسول الله ﷺ من الروافض والخوارج، ولا يقبل أخبارهم ولا شهاداتهم، وذكر ذلك في كتابه في الشهادات وفي الرسالة وفي أول «ذيل المذيل» وكان لا يورّث من الكفرة منهم، وذكر ذلك في «مسند أسامة بن زيد» عند كلامه في قول رسول الله ﷺ : لا يورث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ولا يتوارث أهل ملتين شتّى، وكان لا يورث متكافرين، لا يورث يعقوبيا من النصارى من ملكي، ولا ملكيا من نسطوريّ، ولا شمعتيّا من اليهود سامريا، ولا عنانيا من الشمعتي، ووافقه على هذا المذهب الأوزاعي، فإذا اختلفت الكنائس والبيع لم يورث بعضهم من بعض.
قال أبو بكر ابن كامل: حضرت أبا جعفر حين حضرته الوفاة، فسألته أن يجعل كلّ من عاداه في حلّ، وكنت سألته ذلك لأجل أبي الحسن ابن الحسين الصواف، لأني كنت قرأت عليه القرآن فقال: كلّ من عاداني وتكلم فيّ حلّ إلّا رجل رماني ببدعة، وكان الصواف من أصحاب أبي جعفر، وكانت فيه سلامة، ولم يكن فيه ضبط
стр. 2461
دون الفصل، فلما أملى أبو جعفر «ذيل المذيل» ذكر أبا حنيفة وأطراه وقال: كان فقيها عالما ورعا، فتكلم الصواف في ذلك الوقت فيه لأجل مدحه لأبي حنيفة وانقطع عنه وبسط لسانه فيه. قال أبو بكر ابن كامل: من سبقك إلى إكفار أهل الأهواء؟ قال فقال: إماما عدل عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان. وكان إذا عرف من إنسان بدعة أبعده واطرحه، وكان قد قال بعض الشيوخ ببغداد بتكذيب غدير خمّ وقال: إنّ علي بن أبي طالب كان باليمن في الوقت الذي كان رسول الله ﷺ بغدير خمّ، وقال هذا الإنسان في قصيدة مزدوجة يصف فيها بلدا بلدا ومنزلا أبياتا يلوّح فيها إلى معنى حديث غدير خم فقال:
ثم مررنا بغدير خم ... كم قائل فيه بزور جم
على عليّ والنبيّ الأمي
وبلغ أبا جعفر ذلك، فابتدأ بالكلام في فضائل علي بن أبي طالب، وذكر طرق حديث خم، فكثر الناس لاستماع ذلك، واجتمع قوم من الروافض ممن بسط لسانه بما لا يصلح في الصحابة ﵃، فابتدأ بفضائل أبي بكر وعمر ﵄، ثم سأله العباسيون في فضائل العباس، فابتدأ بخطبة حسنة وأملى بعضه، وقطع جميع الإملاء قبل موته وكان يظنّ أن فيه لجاجة؛ قال أبو بكر ابن كامل: ولم يكن فيه ذلك، وقد كان رجع إلى طبرستان فوجد الرفض قد ظهر، وسبّ أصحاب رسول الله ﷺ بين أهلها قد انتشر، فأملى فضائل أبي بكر وعمر حتى خاف أن يجري عليه ما يكرهه، فخرج منها من أجل ذلك.
وقال عبد العزيز بن محمد الطبري: أخبرني غير واحد من أصحابنا أنه رأى عند أبي جعفر شيخا مسنّا، فقام له أبو جعفر وأكرمه، ثم قال أبو جعفر: إن هذا الرجل ناله فيّ ما قد صار له عليّ به الحقّ الكثير، وذلك أني دخلت إلى طبرستان، وقد شاع سبّ أبي بكر وعمر فيهما، فسألوني أن أملي فضائلهما ففعلت، وكان سلطان البلدة يكره ذلك، فاجتمع إليه من عرّفه ما أمليته، فوجّه إليّ، فبادر هذا وأرسل إليّ من أخبرني أني قد طلبت، فخرجت من وقتي عن البلد ولم يشعر بي، وحصل هذا في أيديهم فضرب بسببي ألفا.
قال: وكان شديد التوقي والحذر والنزاهة والورع، يدلّ على ذلك ما أودعه
стр. 2462
«كتاب آداب النفوس» المنبه على دينه وفضله. ومع ما كان فيه من الاشتغال بالتصانيف والحديث والاملاء لا بد له مع ذلك من حزبه من القرآن، ويقال إنه كان يقرأ كلّ ليلة ربعا أو حظا وافرا.
قال عبد العزيز بن محمد: وكان أبو جعفر ظريفا في ظاهره، نظيفا في باطنه، حسن العشرة لمجالسيه، متفقدا لأحوال أصحابه، مهذبا في جميع أحواله، جميل الأدب في مأكله وملبسه وما يخصه في أحوال نفسه، منبسطا مع إخوانه حتى ربما داعبهم أحسن مداعبة، وربما جيء بين يديه بشيء من الفاكهة فيجري في ذلك المعنى ما لا يخرج من العلم والفقه والمسائل حتى يكون كأجدّ جدّ وأحسن علم.
وكان إذا أهدى إليه مهد هدية مما يمكنه المكافأة عليه قبله وكافأه، وإن كانت مما لا يمكنه المكافأة عليها ردها واعتذر إلى مهديها. ووجه إليه أبو الهيجاء ابن حمدان ثلاثة آلاف دينار، فلما نظر إليها عجب منها ثم قال: لا أقبل ما لا أقدر على المكافأة عنه، ومن أين لي ما أكافىء عن هذا؟ فقيل: ما لهذا مكافأة إنما أراد التقرب الى الله بهذا، فأبى أن يقبله وردّه إليه.
وكان يختلف إليه أبو الفرج ابن أبي العباس الأصبهاني الكاتب يقرأ عليه كتبه، فالتمس أبو جعفر حصيرا لصفّة له صغيرة، فدخل أبو الفرج الأصفهاني وأخذ مقدار الصفّة واستعمل له الحصير متقربا بذلك له وجاءه به، وقد وقع موقعه، فلما خرج دعا ابنه ودفع إليه أربعة دنانير، فأبى أن يأخذها وأبى أبو جعفر أن يأخذ الحصير إلا بها.
وأهدى إليه أبو المحسن المحرر جاره فرخين فأهدى اليه ثوبا.
وقال أبو الطيب القاسم بن أحمد بن الشاعر [و] سليمان بن الخاقاني: أهدى أبو علي محمد بن عبيد الله الوزير إلى أبي جعفر محمد بن جرير برمّان فقبله وفرقه في جيرانه، فلما كان بعد أيام وجّه اليه بزنبيل فيه بدرة فيها عشرة آلاف درهم وكتب معها رقعة وسأله أن يقبلها. قال سليمان، قال لي الوزير: إن قبلها وإلا فسلوه أن يفرّقها في أصحابه ممن يستحق فصرت بالبدرة إليه، فدققت الباب، وكان يأنس إليّ، وكان أبو جعفر إذا دخل منزله بعد المجلس لا يكاد يدخل إليه أحد لتشاغله بالتصنيف إلا في أمر مهم، قال: فعرفته أني جئت برسالة الوزير، فأذن لي فدخلت وأوصلت إليه الرقعة،
стр. 2463
فقال: يغفر الله لنا وله، اقرأ ﵇ وقل له: ارددنا إلى الرمان، وامتنع من قبول الدراهم، فقلت له: فرّقها في أصحابك على من يحتاج إليها ولا تردّها، فقال:
هو أعرف بالناس إذا أراد ذلك. وأجاب عن الرقعة وانصرفت. قال أبو الطيب وسليمان: فلما كان بعد مدة قدم الحاجّ وكان يأتيه مال ضيعته معهم، فربما جيء إليه بالشيء فجعله بضاعة، فدعانا وإذا بين يديه شيء مشدود، فقال: امضيا بهذا إلى الوزير واقرءا ﵇ وأوصلا إليه هذه الحزمة والرقعة، قالا: فصرنا إليه ولا نعرف ما فيها، فلما قرأ الرقعة وإذا فيها «إنه قد أنفذ اليه شيء من طبرستان فآثر إنفاذه إليه» قال فتقدم إلى من فتحه، فإذا فيه سمور حسن، فقوّم له ذلك أربعين دينارا، ولم يجد بدا من قبوله، وكان داعيا إلى امتناعه من الاهداء إليه.
قال: وقد كان يمضي إلى الدعوة يدعى إليها وإلى الوليمة يسأل فيها، ويكون ذلك يوما مشهودا من أجله وشريفا بحضوره، وكان يخرج مع بعضهم إلى الصحراء فيأكل معهم.
قال ابن كامل، قال لي أبو عليّ محمد بن إدريس الجمال، وكان من وجوه الشهود بمدينة السلام: حضرنا يوما مع أبي جعفر الطبري وليمة، فجلست معه على مائدة، فكان أجمل الجماعة أكلا وأظرفهم عشرة، قال: وحضر جماعة من الغلمان على رؤوسنا لسقي الماء والخدمة، قال: فرأيت بعض الغلمان قد مدّ عينه إلى بعض ما قدّم إلينا، فأخذت لقمة فناولتها الغلام، قال فزبرني أبو جعفر وقال: من أذن لك أن تأكل أو تطعم؟ قال: فأخجلني.
قال ابن كامل: ما رأيت أظرف أكلا من أبي جعفر، كان يدخل يده في الغضارة فيأخذ منها لقمة، فإذا عاد بأخرى كسح باللقمة ما التطخ من الغضارة باللقمة الأولى، فكان لا يلتطخ من الغضارة إلا جانب واحد. وكان إذا تناول اللقمة ليأكل سمّى ووضع يده اليسرى على لحيته ليوقيها من الزهومة، فإذا حصلت اللقمة في فيه أزال يده.
قال أبو بكر ابن كامل، قال لنا أبو بكر ابن مجاهد: كان أبو جعفر ربما خرج إلى الصحراء فنخرج معه، فدعانا يوما أبو الطيب ابن المغيرة الثلاج، وكان جارا لأبي جعفر، في محلة ببغداد، فجاء بنا الى قراح باقلّى فأكلنا وأكل أبو جعفر أكلا فيه إفراط، ورأينا من حسن عشرته وانبساطه أمرا عظيما، ثم انصرفنا، فصرت إليه
стр. 2464
لأعرف خبره من تعبه وما أكله، فإذا بين يديه أدوية وجوارشنات يأكل منها ليدفع بها ضرر ما كان أكله. وكان إذا جلس لا يكاد يسمع له تنخم ولا تبصّق ولا يرى له نخامة، وإذا أراد أن يمسح ريقه أخذ ذؤابة منديله ومسح جانبي فيه. قال أبو بكر ابن كامل: ولقد حرصت مرارا أن يستوي لي مثل ما يفعله ويتعذر عليّ اعتياده.
قال: وما سمعته قطّ لاحنا ولا حالفا بالله .
قال: وكان لا يأكل الدسم، وإنما كان يأكل اللحم الأحمر الصرف، ولا يطبخه الا بالزبيب، وكان يقول: السمين يلطّخ المعدة؛ وكان يتجنب السمسم والشهد ويقول: إنهما يفسدان المعدة ويغيران النكهة، ويقول: إن التمر يلطخ المعدة ويضعف البصر ويفسد الأسنان ويفعل في اللحم كذا وكذا، فقال له أبو علي الصواف: أنا آكله طول عمري ولا أرى منه إلا خيرا، فقال أبو جعفر: وما بقي على التمر أن يعمل بك أكثر مما عمل. قال: وكان الصواف قد وقعت أسنانه، وضعف بصره، ونحف جسمه، وكثر اصفراره.
قال: وكان أبو جعفر كبير اللحية، حسن القيام على نفسه، لا يأكل من الخبز إلا السميد لأجل غسل القمح لأنّ من مذهبه أن الشمس والنار والريح لا تطهّر نجسا، وكان ربما أكل شيئا من العنب الرازقي والتين الوزيري والرطب، وربما أخذ له من اللبن الحليب من غنم ترعى فيصفّى ويجعل في قدر على النار حتى يذهب منه جزء ثم يثرد في الاناء ويصبّ عليه اللبن الحارّ ويدعه حتى يبرد ويطرح عليه الصعتر وحبة السوداء والزيت، وكان يكثر من الاسفيذباج والزيرباج، وكان ربما أكل بالحصرم في وقته، وكان لا يعدم في الصيف الحيس والريحان واللينوفر، فإذا أكل نام في الخيش في قميص قصير الأكمام مصبوغ بالصندل وماء الورد، ثم يقوم فيصلي الظهر في بيته، ويكتب في تصنيفه إلى العصر، ثم يخرج فيصلّي العصر ويجلس للناس يقرىء ويقرأ عليه إلى المغرب، ثم يجلس للفقه والدرس بين يديه إلى عشاء الآخرة، ثم يدخل منزله وقد قسم ليله ونهاره في مصلحة نفسه ودينه والخلق كما وفقه الله .
وكان أبو الطيب الثلاج قد سأله أن يجعل شربه الماء من عنده، لأنه كان يكره الثلج، وكان له كراز يدفئه فيه. وكان أبو القاسم سليمان بن فهر الموصلي يهدي له
стр. 2465
العسل ويقبله منه، فلما مات وجد عنده إحدى عشرة جرة عسلا ومنها ما قد نقص منه.
وكان قد كتب «فردوس الحكمة» لعلي بن ربن الطبري وأخذه عن علي بن ربن مصنفه سماعا؛ قال أبو بكر ابن كامل: ورأيته عنده في ستة أجزاء.
وقال أبو العباس ابن المغيرة الثلاج: لما اعتل ابني أبو الفرج، وكان حسن الأدب ويتفقه على مذهب أبي جعفر، قال لي أبو جعفر: تقبل مني ما أصفه لك؟
فقلت: نعم، وكنت أتبرك بقوله ورأيه، قال: احلق رأسه واعمل له جوذاية سمينة من رقاق وأكثر دسمها وقدّمها إليه وأطعمه منها حتى يمتلىء شبعا، ثم خذ ما بقي فاطرحه على دماغه واحرص أن ينام على حاله تلك، فإنه يصلح إن شاء الله تعالى، ففعلت فكان سبب برئه.
وأبو الفرج هذا مات قبل أبي جعفر بمديدة، وكان أبو الفرج هذا يتعسف في كلامه: تجاروا يوما عند أبي جعفر فذكر الطبيخ فقال أبو الفرج: لكني أكلت طباهقة، قال أبو جعفر: وما الطباهقة؟ قال الطباهجة، ألا ترى أن العرب تجعل الجيم قافا. فقال أبو جعفر: فأنت إذا أبو الفرق ابن الثلّاق، فصار يعرف بأبي الفرق بن الثلاق، ويمزح معه بذلك.
وكان أبو بكر ابن الجواليقي يأخذ لسانه بالإعراب ويكثر الإشارات فيه إلى حدّ البغض، فأخذ يوما في ذلك، فقال أبو جعفر: أنت بغيض، فسمي بغيض الطبري، قال: ورأيت أنا هذا الانسان يوما وقد ورد إلى باب الطاق وكان مهاجرا لبعض الوراقين، فوقف علينا فسلم ثم اعتذر من وقوفه بالمكان لأجل الوراق، فقال: لولا من ما كنت بالذي (يعني لولا من هاهنا ما كنت لأقف على حانوتك) .
وكان بأبي جعفر ذات الجنب تعتاده وتنتقض عليه، فوجه إليه عليّ بن عيسى طبيبا، فسأل الطبيب أبا جعفر عن حاله فعرّفه حاله وما استعمل وأخذ لعلته، وما انتهى إليه في يومه ذاك، وما كان رسمه أن يعالج به، وما عزم على أخذه من العلاج، فقال له الطبيب: ما عندي فوق ما وصفته لنفسك شيء، والله لو كنت في ملتنا لعددت من الحواريين، وفقك الله. ثم جاء إلى علي بن عيسى فعرفه ذلك فأعجبه.
قلت: أكثر هذه الأخبار عن عبد العزيز بن محمد الطبري من كتاب له أفرده في
стр. 2466
سيرة أبي جعفر، ومن كتاب لأبي بكر ابن كامل في أخباره، والله ولي الخير.
قال أبو علي الأهوازي: مات ببغداد في سنة عشر وثلاثمائة، كذا وجدته بخط أبي سليمان ابن يزيد مكتوبا، ورأيت أيضا من يقول إنه مات في سنة إحدى عشرة وست عشرة، والله أعلم وأحكم، وهذه السنون كلها في أيام المقتدر بالله.
[١٠١١] محمد بن جعفر الصيدلاني:
كان صهر أبي العباس المبرد على ابنته، ويلقب برمة، وكان أديبا شاعرا روى عن أبي هفان الشاعر أخبارا، وحدّث عنه أبو الفرج الأصفهاني وغيره. وأنشد الخطيب في «تاريخه» لمحمد بن جعفر الصيدلاني:
أما ترى الروض قد لاحت زخارفه ... ونشّرت في رباه الريط والحلل
واعتمّ بالأرجوان النبت منه فما ... يبدو لنا منه إلا مونق خضل
والنرجس الغضّ يرنو من محاجره ... إلى الورى مقل تحيا بها المقل
تبر حواه لجين فوق أعمدة ... من الزمرد فيها الزهر مكتهل
فعج بنا نصطبح يا صاح صافية ... صهباء في كأسها من لمعها شعل
فقد تجلّت لنا عن حسن بهجتها ... رياض قطربّل واللهو مشتمل
وعندنا شادن شدّت قراطقه ... على نقا وقضيب فهو معتدل
يدور بالكأس بين الشّرب آونة ... ما دام للشّرب منه العلّ والنهل
وقينة ان تشأ غنتك من طرب ... «ودّع هريرة إن الركب مرتحل»
وان أشرت إلى صوت تكرره ... «إنا محيّوك فاسلم أيها الطلل»
ليست بمظهرة تيها ولا صلفا ... وليس يغضبها التجميش والقبل
فنحن في تحف منها وفي غزل ... مما يغازلنا طرف لها غزل
стр. 2467
[١٠١٢] محمد بن جعفر بن ثوابة الكاتب
يكنى أبا الحسن، كاتب بليغ منشىء فاضل كان ينشىء في الديون أيام المقتدر بالله، ومات في سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة.
قال الرئيس أبو الحسين: كان أبو الحسن هذا صاحب ديوان الرسائل في ديوان المقتدر.
وقال ثابت: في سنة أربع وثلاثمائة قبض على علي بن عيسى بن الجراح الوزير واستوزر أبو الحسن محمد بن الفرات فأقر أبا الحسن محمد بن جعفر بن ثوابة على ديوان الرسائل والمعاون.
ومن كلامه رسالة كتبها عن المقتدر بالله أمير المؤمنين إلى البلدان في وزارة ابن الفرات الثانية: لما لم يجد أمير المؤمنين غنى عنه، ولا للملك بدّا منه، وكان كتّاب الدواوين على اختلاف اقتدارهم، وتفاوت ما بين أخطارهم، مقرّين برياسته، معترفين بكفايته، متحاكمين إليه إذا اختلفوا، واقفين عند غايته إذا استبقوا، مذعنين بأنه الحوّل القلّب، المحنّك المجرّب، العالم بدرّة المال كيف تحلب، ووجوهه كيف تطلب، انتضاه من غمده، فعاود ما عرف من حدّه، فنفّذ الأعمال كأن لم يغب عنها، ودبّر الأمور كأن لم يخل منها. ورأى أمير المؤمنين ألا يدع شيئا من أسباب التكرم كان قديما جعله له إلا وفّاه إياه، ولا نوعا من أنواع المثوبة والجزاء كان أخّره عنه إلا حباه به، فخاطبه بالتكنية.
ومما يستحسنه الكتاب من كلامه قوله لما أجاب خمارويه بن أحمد عن المعتضد عن الكتاب بانفاذ ابنته فقال في الفصل الذي احتاج فيه إلى ذكرها: وأما الوديعة فهي بمنزلة ما انتقل من شمالك إلى يمينك عناية بها وحياطة لرأيك فيها.
[١٠١٣] محمد بن جعفر بن محمد بن سهل
بن شاكر الخرائطي:
стр. 2468
قال أبو بكر الخطيب: كنيته أبو بكر، وهو من أهل سرّ من رأى، مات سنة سبع وعشرين وثلاثمائة بعسقلان من بلاد الشام، وكان سمع عمر بن شبّة وغيره، وكان حسن الأخبار مليح التصانيف، سكن الشام وحدّث بها فحصل حديثه عند أهلها.
ومن مصنفاته «كتاب اعتلال القلوب في أخبار العشاق» وكان قدم دمشق في سنة خمس وعشرين وثلاثمائة ثم مات بعد ذلك بعسقلان في الوقت المقدم ذكره.
وله من التصانيف: كتاب مكارم الأخلاق. كتاب مساوي الأخلاق. كتاب قمع الحرص بالقناعة. كتاب هواتف الجانّ وعجيب ما يحكى عن الكهان «١» . كتاب القبور.
[١٠١٤] محمد بن جعفر بن حاتم الواسطي
أبو جعفر غلام ثعلب: له شعر صالح، مات في سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، ذكر ذلك كله أبو محمد عبد الله بن شيران في «تاريخه» .
[١٠١٥] محمد بن أبي جعفر المنذري
الهروي أبو الفضل: ذكره أبو النضر عبد الرحمن بن عبد الجبار بن أبي سعيد الفامي في «تاريخ هراة» وقال: مات في رجب سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
قال المؤلف: وهو نحوي لغوي مصنف في ذلك، وهو شيخ أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري الذي أملى «كتاب التهذيب» بالرواية عنه. وقدم بغداد لأنه قال «٢» : سألت ثعلبا عن «كتاب العين» فقال: ذلك كتاب مليء غدد، قال: وهذا
стр. 2469
لفظ أبي العباس، وحقه عند النحويين ملآن غددا، ولكن أبا العباس يخاطب العامة على قدر فهمهم.
وذكر الأزهري في مقدمة كتابه «١» ان أبا الفضل المنذري لازم أبا الهيثم الرازي سنين وعرض عليه الكتب وكتب عنه من أماليه وفوائده أكثر من مائتي جلد.
قال الأزهري: فما وقع في كتابي لأبي الهيثم فهو ما أفادنيه المنذري عنه في كتاب الشامل وكتاب الفاخر «٢» . كتاب الزيادات التي زادها في معاني القرآن للفرّاء.
كتاب زيادات أمثال أبي عبيد. وكتاب ما زاد من المصنف وغريب الحديث.
وقال أبو النضر: صنف أبو الفضل المنذري كتاب نظم الجمان وكتاب الملتقط وذكر الفاخر والشامل.
قال الأزهري «٣» : أخبرني أبو الفضل المنذري أن أبا الهيثم الرازي حثه على النهوض إلى أبي العباس، يعني ثعلبا، قال: فرحلت إلى العراق ودخلت مدينة السلام يوم الجمعة ومالي همة غيره، فأتيته وعرفته خبري وقصدي إياه، فاتخذ لي مجلسا في النوادر التي سمعها من ابن الأعرابي حتى سمعت الكتاب كلّه منه.
قال: وسألته عن حروف كانت أشكلت على أبي الهيثم فأجابني عنها.
قال الأزهري «٤» : أخبرني المنذري انه اختلف إلى ثعلب سنة في سماع «كتاب النوادر» لابن الأعرابي لأنه كان في أذنه وقر، وكان يتولى قراءة ما يسمع منه. قال:
وكتبت عنه من أماليه في معاني القرآن وغيرها أجزاء كثيرة، فما عرّض ولا صرّح بشيء من أسباب الطمع قال: واختلفت إلى أبي العباس المبرد وانتخبت عليه أجزاء من كتابيه المعروفين ب «الروضة» و «الكامل» قال: وقاطعته من سماعها على شيء مسمى وانه لم يأذن لي في قراءة حكاية واحدة لم يكن وقع عليها الشرط.
стр. 2470
[١٠١٦] محمد بن جعفر العطار النحوي
أبو جعفر، ويلقب فرتك، قال الخطيب:
هو من أهل المخرم، حدث عن الحسن بن عرفة، روى عنه الدارقطني ولم يزد الخطيب على هذا.
[١٠١٧] محمد بن جعفر بن محمد الهمذاني
ثم المراغي: ذكره محمد بن إسحاق فقال: كان يعلّم عز الدولة أبا منصور بختيار بن معز الدولة بن بويه.
قال الخطيب: يكنى أبا الفتح، سكن بغداد، وروى بها عن أبي جعفر أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة، حدث عنه أبو الحسين المحاملي القاضي وروى عنه في سنه احدى وسبعين وثلاثمائة.
قال محمد بن إسحاق: وكان حافظا نحويا بليغا في نهاية السرو والحرية. وله من الكتب: كتاب البهجة «١» على مثال «الكامل» . كتاب الاستدراك لما أغفله الخليل.
وقال أبو حيان في «الامتاع» ووصف جماعة من النحويين: أبا سعيد السيرافي والرماني وأبا علي الفارسي ثم قال: وأما ابن المراغي فلا يلحق هؤلاء، مع براعة اللفظ وسعة الحفظ وقوة النفس وبلل الريق وغزارة النفث وكثرة الرواية، ومن نظر في كتاب البهجة له عرف ما أقول واعتقد فوق ما أصف ونحل أكثر ما أبذل.
ذكر أبو حيان في «كتاب المحاضرات» قال: ولما مات المراغي، وكان قدوة
стр. 2471
في النحو وعلما في الأدب كبيرا مع حداثة سنه ورقة حاله (وان قلت إني ما رأيت في الأحداث مثله كان كذلك) استرجع أبو سعيد السيرافي واستعبر وأنشد:
من عاش لم يخل من همّ ومن حزن ... بين المصائب من دنياه والمحن
وإنما نحن في الدنيا على سفر ... فراحل خلّف الباقي على الظعن
وكلّنا بالردى والموت مرتهن ... فما نرى فيهما فكّا لمرتهن
من الذي أمن الدنيا فلم تخن ... أو الذي اعتزّ بالدنيا فلم يهن
كلّ يقال له قد كان ثم مضى ... كأن ما كان في دنياه لم يكن
ثم قال: قوموا بنا لتجهيزه وتولية أمره، فتبعناه على ذلك، فلما أخرجت جنازته بكى وأنشد:
أساءت بنا الأيام ثمّت أحسنت ... وكلّ من الأيام غير بديع
وما زال صرف الدهر مذ كان مولعا ... بتأليف شتّى أو بشتّ جميع
[١٠١٨] محمد بن جعفر بن محمد بن هارون
بن فروة بن ناجية بن مالك أبو الحسن التميمي النحوي المعروف بابن النجار: من أهل الكوفة، ولد سنة ثلاث وثلاثمائة بالكوفة، وقدم بغداد وحدث بها عن ابن دريد ونفطويه والصولي وغيرهم.
قال الخطيب: وهو ثقة مات في جمادى الأولى سنة اثنتين وأربعمائة بالكوفة؛ نقلت ذلك من تاريخ ابن الجوزي ونقله هو من تاريخ الخطيب حرفا حرفا، ونقلت من زيادات الوزير المغربي في فهرست النديم انه ولد سنة احدى عشرة وثلاثمائة قال:
وكان من مجوّدي القراء أخذ عن النقار وغيره، وكان يقرىء لحمزة، والكسائي الغالب في أخذه، ولقي أحمد بن يونس، وروى قراءة عاصم عنه عن الأعمش عن أبي بكر ابن عياش عن عاصم، ولقي من المحدثين القدماء ابن الأشناني الكبير وابن الأشناني
стр. 2472
القاضي وابن مروان القطان وأبا عبيدة وغيرهم، قال: وكنا سمعنا منه: كتاب القراءات. وكتاب مختصر في النحو. كتاب الملح والنوادر. كتاب التحف والطرف. كتاب الملح والمسارّ. كتاب روضة الأخبار ونزهة الأبصار. كتاب تاريخ الكوفة، رأيته.
[١٠١٩] محمد بن جعفر بن محمد الغوري
، أبو سعيد: أحد أئمة اللغة المشهورين، والأعلام في علم هذا اللسان المذكورين، صنف «كتاب ديوان الأدب» في عشرة أجلد ضخمة، أخذ كتاب أبي إبراهيم إسحاق الفارابي المسمى بهذا الاسم وزاد في أبوابه، وأبرزه في أبهى أثوابه، فصار أولى به منه، لأنه هذّبه وانتقاه وزاد فيه ما زيّنه وحلّاه؛ لم أعرف شيئا من حاله فأذكره، إلا انه ذكر في أول كتابه بعد البسملة قال: محمد بن جعفر بن محمد المعروف جده بالغوري، ثم ذكر أنه هذب كتاب الفارابي، وختم الكلام بأن قال وأهديته- يعني الكتاب- إلى الدهقان الكبير أبي نصر منصور مولى أمير المؤمنين.
[١٠٢٠] محمد بن جعفر القزاز القيرواني
أبو عبد الله التميمي: كان إماما علامة قيّما بعلوم العربية، ذكره الحسن بن رشيق في «كتاب الأنموذج» فقال: مات بالقيروان سنة اثنتي عشرة وأربعمائة وقد قارب التسعين، وهو جامع «كتاب الجامع» في اللغة وهو كتاب كبير حسن متقن يقارب «كتاب التهذيب» لأبي منصور الأزهري رتبه على حروف المعجم؛ وكتاب ما يجوز للشاعر استعماله في ضرورة الشعر «١» .
стр. 2473
قال ابن رشيق: وكان مهيبا عند الملوك والعلماء وخاصة الناس محبوبا عند العامة يملك لسانه ملكا شديدا، وقد مدحه الشعراء فقال فيه يعلى بن إبراهيم الأربسي «١» :
نسجت شعاعا بيننا فكأننا ... بتنا جميعا «٢» تحت ثوب مذهب
فمزجتها من فيه ثم شربتها ... ولثمته برضاب ثغر أشنب
في ليلة للدهر كانت غرّة ... يرنو إليها الخطب كالمتعجب
فتّ الأنام بها كما فتّ الورى ... سبقا محمد بالفخار الأغلب
أبدا على طرف السؤال جوابه ... فكأنما هو دفعة من صيّب
يغدو مساجله بعزّة صافح ... ويروح معترفا بذلة مذنب
فالأبعد النائي عليه في الذي ... يفترّ كالداني إليه الأقرب
وكان القزاز معجبا بهذه الكلمة ويقول: ما مدحت بأحبّ إليّ منها. وقال الحسن بن رشيق في «العمدة» «٣» : وحاجى شيخنا أبو عبد الله بعض تلاميذه فقال:
أحاجيك عباد كزينب في الورى ... ولم تؤت إلّا من صديق وصاحب
فأجابه التلميذ في الحال:
سأكتم حتى ما تحسّ جوارحي ... بما انهلّ منها في دموعي السواكب
فمعكوس عباد كزينب، سرّك ذائع. وسأكتم جواب على الظاهر حسن.
ومعكوسه: منك أتيت، وهو جواب لما حوجي به بديع مقابل ولم تؤت إلا من صديق وحبيب تفسير حسن بديع جدا.
وشعر أبي عبد الله جيد مطبوع مصنوع ومن شعره يتغزل «٤» :
أما ومحلّ حبّك من فؤادي ... وقدر مكانه فيه المكين
стр. 2474
لو انبسطت لي الآمال حتى ... تصيّر من عنانك في يميني
لصنتك في مكان سواد عيني ... وخطت عليك من حذر جفوني
فأبلغ منك غايات الأماني ... وآمن فيك آفات الظنون
فلي نفس تجرّع كلّ حين ... عليك بهنّ كاسات المنون
إذا أمنت قلوب الناس خافت ... عليك خفيّ ألحاظ العيون
فكيف وأنت دنياي ولولا ... عقاب الله فيك لقلت ديني
ومن شعره أيضا «١» :
إذا كان حظي منك لحظة ناظر ... على رقبة لا أستديم لها لحظا
رضيت بها في مدة الدهر مرة ... وأعظم بها من حسن وجهك لي حظا
وله أيضا «٢» :
لو أنّ في حكم قلبي فيك أو بصري ... ما استمتعت لي عين منك بالنظر
أخشى وأحذر من عيني القريحة ما ... أخشى وأحذره من أعين البشر
ويلاه إن كان حظّي فيه مشتركا ... وكيف يشترك الحيان في عمر
يناله وادع لا يستعدّ له ... ولست أبلغ أولاه من الحذر
وله أيضا «٣» :
أضمروا لي ودّا ولا تظهروه ... يهده منكم إليّ الضمير
ما أبالي إذا بلغت رضاكم ... في هواكم لأيّ حال أصير
وله أيضا «٤» :
أحين علمت أنك نور عيني ... وأني لا أرى حتى أراكا
جعلت مغيب شخصك عن عياني ... يغيّب كلّ مخلوق سواكا
стр. 2475
وله أيضا «١» :
وا حسرتا مات أحبابي وخلّاني ... وشيّب الدهر أترابي وأخداني
وغيرت غير الأيام خالصتي ... والمنتصى الحرّ من أهلي وإخواني
ومن تصانيف أبي عبد الله أيضا: كتاب أدب السلطان والتأدب له، عشر مجلدات. كتاب التعريض والتصريح، مجلد. كتاب إعراب الدريدية، مجلد.
كتاب شرح رسالة البلاغة، في عدة مجلدات. كتاب أبيات معان في شعر المتنبي.
كتاب ما أخذ على المتنبي من اللحن والغلط. كتاب الضاد والظاء، مجلد.
[١٠٢١] محمد بن الجهم بن هارون السمري، أبو عبد الله الكاتب:
مات سنة سبع وسبعين ومائتين عن تسع وثمانين سنة، ذكر ذلك أبو بكر ابن علي وقال: سمع يعلى بن عبيد الطنافسي وعبد الوهاب بن عطاء ويزيد بن هارون وآدم بن أبي إياس وروى عن الفراء تصانيفه. حدث عنه موسى بن هارون الحافظ والقاسم بن محمد الأنباري وأبو بكر ابن مجاهد المقرىء ونفطويه وإسماعيل بن محمد الصفار وغيرهم.
قال الدارقطني: هو ثقة صدوق.
قال المرزباني: محمد بن الجهم بن هارون السمري أبو عبد الله صاحب الفراء، وروى كتابه في معاني القرآن، وهو أحد الثقات من رواة المسند، وهو القائل يمدح الفراء ويصف مذهبه في النحو:
أكثر النحو يزعم الفرّاء ... من وجوه تأويلهنّ الجزاء
وهي أبيات يقول فيها:
стр. 2476
نحوه أحسن النحوّ فما فيه معيب ولا به إزراء
ليس من صنعة الضعائف لكن ... فيه فقه وحكمة وضياء
وبيان تصغي القلوب إليه ... يجتبيه الملوك والحكماء «١»
حجة توضح «٢» الصواب وما قا ... ل سواه فباطل وخطاء
ليس من قال بالصواب كمن قا ... ل بجهل والجهل داء عياء
وكأني أراه يملي علينا ... وله واجبا علينا الدعاء
«كيف نومي على الفراش ولما ... يشمل الشام غارة شعواء»
«تذهل المرء عن بنيه وتبدي ... عن خدام العقيلة العذراء»
هذان البيتان لعبد الله بن قيس الرقيات ضمنهما «٣» .
[١٠٢٢] محمد بن حارث الخشني الأندلسي صاحب التواريخ:
ذكره الحميدي في كتابه فقال: هو من أهل العلم والفضل، فقيه محدّث روى عن ابن وضاح ونحوه، وله من الكتب: كتاب أخبار القضاة بالأندلس. كتاب أخبار الفقهاء والمحدثين. كتاب الاتفاق والاختلاف لمالك بن أنس وأصحابه وغير ذلك. ومات في حدود الثلاثين والثلاثمائة «٤» ذكره أبو عمر ابن عبد البر وأبو محمد علي بن أحمد، وأورد عنه أبو سعيد ابن يونس في تاريخه وفيات الجماعة من أهل الأندلس ممن مات قبل الثلاثمائة وبعدها بمدة، وقد أفصح أبو سعيد باسمه في موضعين من تاريخه في باب السين
стр. 2477
وباب النون، وما أراه لقيه ولكنه عاصره وكان في زمانه. وإنما يقول فيما يورده عنه «ذكره الخشني في كتابه» .
وذكر الحميدي في باب محمد بن عبد السلام الخشني أن عبد الغني بن سعيد الحافظ غلط فيه فقال محمد بن عبد السلام الخشني صاحب التاريخ، وإنما هو محمد بن حارث فغلط، هذا تلخيص كلام الحميدي لا على وجهه.
[١٠٢٣] محمد بن حبيب أبو جعفر:
ذكره المرزباني فقال: قال عبد الله بن جعفر:
من علماء بغداد باللغة والشعر والأخبار والأنساب الثقات محمد بن حبيب، ويكنى أبا جعفر، وكان مؤدّبا ولا يعرف أبوه، وإنما نسب إلى أمه، وهي حبيب. وهو ممن يروي كتب ابن الأعرابي وابن الكلبي وقطرب، وكتبه صحيحة، وله مصنفات في الأخبار منها كتاب المحبّر والموشّى وغيرهما. مات ابن حبيب بسامرا في ذي الحجة سنة خمس وأربعين ومائتين في أيام المتوكل.
قال أبو الحسن بن أبي رؤبة، قال أبو رؤبة: عبرت الى ابن حبيب في مكتبه وكان يعلم ولد العباس بن محمد في شكوك شككت فيها.
وروى محمد بن موسى البريري عن ابن حبيب قال: إذا قلت للرجل ما صناعتك فقال: معلم، فاصفع، وأنشد ابن حبيب:
إنّ المعلم لا يزال معدّما ... لو كان علم آدم الأسماء
من علم الصبيان أصبوا عقله ... حتى بني الخلفاء والخلفاء
стр. 2478
ومحمد بن حبيب مولى لبني هاشم ثم مولى لمحمد بن العباس بن محمد الهاشمي وأمه مولاة لهم.
وقال ابن النديم: نقلت من خط أبي سعيد السكري قال: هو محمد بن حبيب بن أمية بن عمرو، وكان يروي عن هشام ابن الكلبي وابن الأعرابي وقطرب وأبي عبيدة وأبي اليقظان، وأكثر الأخذ عنه أبو سعيد السكري.
قال المرزباني: وكان محمد بن حبيب يغير على كتب الناس فيدّعيها ويسقط أسماءهم. فمن ذلك الكتاب الذي ألفه إسماعيل بن [أبي] عبيد الله واسم أبي عبيد الله معاوية وكنيته هي الغالبة على اسمه، فلم يذكرها لئلا يعرف، وابتدأ فساق كتاب الرجل من أوله إلى آخره فلم يخلطه بغيره ولم يغير منه حرفا ولا زاد فيه شيئا، فلما ختمه أتبع ذلك بذكر من لقب من الشعراء ببيت قاله؛ قال: وما علمت أن أحدا من العلماء صنع صنيعه هذا، ولا من استحسن أن يضع نفسه هذا الموضع القبيح، وأحسب أن الذي حمله على ذلك أن كتاب إسماعيل هذا لم تكثر روايته، ولا اتسع في أيدي الأدباء، فقدّر ابن حبيب أنّ أمره ينستر وأن إغارته عليه تميت ذكر صاحبه.
وحدث المرزباني عن أحمد بن محمد الكاتب عن علي بن عبد الله بن المسيب قال: كان علي بن العباس الرومي يختلف إلى محمد بن حبيب لأنّ محمدا كان صديقا لأبيه العباس بن جورجس، وكان يخصّ عليا لما يرى من ذكائه، فحدّث علي عنه أنه كان إذا مرّ به شيء يستغربه ويستجيده يقول لي: يا أبا الحسن ضع هذا في تامورك.
وحدث أبو بكر ابن علي قال، قال أبو طاهر القاضي: محمد بن حبيب، وهي أمه، وهو ولد ملاعنة. وحدث أيضا فيما أسنده إلى ثعلب قال: حضرت مجلس ابن حبيب فلم يمل فقلت ويحك أمل، مالك؟ فلم يفعل حتى قمت، وكان والله حافظا صدوقا، وكان يعقوب أعلم منه وكان هو أحفظ للأنساب والأخبار منه، وهو بغدادي.
وحدث أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي الاشبيلي في كتابه قال، قال ثعلب:
أتيت ابن حبيب وقد بلغني أنه يملي شعر حسّان بن ثابت، فلما عرف موضعي قطع الاملاء، فانصرفت وعدت إليه وترفقت به فأملى، وكان لا يقعد في المسجد الجامع، فعذلته على ذلك حتى قعد جمعة من الجمع واجتمع إليه الناس، فسأله
стр. 2479
سائل عن هذه الأبيات «١» :
أزحنة عني تطردين تبدّدت ... بلحمك طير طرن «٢» كلّ مطير
قفي لا تزلّي زلة ليس بعدها ... جبور وزلات النساء كثير
وإني واياه كرجلي نعامة ... على كلّ حال من غنى وفقير
ففسر ما فيه من اللغة، فقيل له كيف قيل: «غنى وفقير» ولم يقل «من غنى وفقر» قال: فاضطرب، فقلت للسائل: هذا غريبة وأنا أنوب عنه وبينت العلة، وانصرف ثم لم يعد للقعود بعد ذلك وانقطعت عنه.
قوله «رجلي نعامة» إنما شبه به لأنه لا تنوب إحداهما عن الأخرى، لأنه لا مخّ فيها، وسائر الحيوان إذا أعيت إحدى رجليه استعان بالأخرى، فيقال هما رجلا نعامة، إي لا غنى لإحداهما عن الأخرى، والأسماء ترد على المصادر، والمصادر على الأسماء، لأنّ المصادر إنما ظهرت لظهور الأسماء وتمكن الأعراب منها.
قال محمد بن إسحاق: ولابن حبيب من الكتب: كتاب النسب. كتاب الأمثال على أفعل ويسمى المنمق «٣» . كتاب السعود والعمود. كتاب العمائر والربائع. كتاب الموشح. كتاب المختلف والمؤتلف في أسماء القبائل. كتاب المحبّر، وهو من جيد كتبه. كتاب المقتنى. كتاب غريب الحديث. كتاب الأنواء. كتاب المشجر. كتاب من استجيبت دعوته. كتاب الموشّى. كتاب المذهب في أخبار الشعراء وطبقاتهم.
كتاب نقائض جرير وعمر بن لجأ. كتاب نقائض جرير والفرزدق. كتاب المفوّف.
كتاب تاريخ الخلفاء. كتاب من سمّي ببيت قاله. كتاب مقاتل الفرسان. كتاب الشعراء وأنسابهم. كتاب العقل. كتاب كنى الشعراء. كتاب السمات. كتاب أيام جرير التي ذكرها في شعره. كتاب أمهات أعيان بني عبد المطلب. كتاب المقتبس.
كتاب أمهات السبعة من قريش. كتاب الخيل. كتاب النبات. كتاب ألقاب القبائل
стр. 2480
كلها. كتاب الأرحام التي بين رسول الله ﷺ وأصحابه سوى العصبة. كتاب ألقاب اليمن ومضر وربيعة. كتاب القبائل الكبيرة والأيام، جمعه للفتح بن خاقان. قال محمد بن إسحاق: ورأيت أنا النسخة بعينها في طلحي نيفا وعشرين جزءا، وكانت تنقص ما يدلّ على أنها كانت نحوا من أربعين جزءا في كل جزء مائتا ورقة وأكثر، ولهذه النسخة فهرست لما يحتوي عليه من القبائل والأيام في طلحي نحو خمسة عشر ورقا. ومن صنعه في أشعار العرب: كتاب ديوان زفر بن الحارث. كتاب شعر الشماخ «١» . كتاب شعر الأقيشر. كتاب شعر الصمة. كتاب شعر لبيد العامري.
[١٠٢٤] محمد بن حرب بن عبد الله النحوي
الحلبي، أبو المرجّى: أحد أعيان حلب والمشهورين منهم بعلم الأدب، مات بدمشق في سنة احدى وثمانين أو اثنتين وثمانين. وحدثني ابن الجبراني «٢» قال: مات شيخنا بدمشق في سنة ثمانين وخمسمائة.
حدثني كمال الدين أبو القاسم عمر بن أبي جرادة أدام الله أيامه قال، حدثني محمد بن عبد الواحد بن حرب الخطيب- خطيب قلعة حلب- إملاء من لفظه قال، حدثني أبو المرجّى محمد بن حرب أبو عبد الله النحوي قال: رأيت في النوم إنسانا ينشدني هذا البيت:
أروم عطا الأيام والدهر مهلكي ... بمرّ لها والدهر رهن عطاها
فأجزته بأبيات:
أيا طالب الدنيا الدنيّة إنها ... سترديك يوما إن علوت مطاها
صن النفس لا تركن إليها فان أبت ... فردّد عليها آي آخر طاها «٣»
стр. 2481
ودع روضة الآمال والحرص إنه ... إذا ردع النفس الهدى بسطاها
فلا بدّ يوما أن تلمّ ملمّة ... فتبسط منا عقدة نشطاها «١»
أنشدني الأخ أبو القاسم أحمد بن هبة الله بن سعد الجبراني النحوي الحلبي قال: أنشدني شيخي أبو المرجّى محمد بن حرب الأنابي- وأناب قرية من بلد أعزاز من نواحي حلب- لنفسه في صفة الرمّان:
ولما فضضت الختم عنهنّ لاح لي ... فصوص عقيق في بيوت من التبر
ودرّ ولكن لم يدنّسه غائص ... وماء ولكن في مخازن من خمر
وأنشدني قال أنشدني المذكور لنفسه:
لما بدا ليل عارضيه لنا ... يحكي سطورا كتبن بالمسك
تلا علينا العذار سورة والل ... يل وغنّى لنا «قفا نبك»
وأنشدني له:
تجلى سنا شمعة تشابهني ... وقدا ولونا وأدمعا وفنا
قال: وله أرجوزة في مخارج الحروف.
[١٠٢٥] محمد بن حسان النملي، يكنى أبا حسان:
أحد الكتّاب الطيّاب والأدباء، وكان في أيام المتوكل وله معه أحاديث، وله كتاب برجان وحباحب- وهو كبير- في أخبار النساء والباه. كتاب آخر صغير في هذا المعنى. كتاب البغاء. كتاب السحق.
كتاب خطاب المكاري لجارية البقال.
стр. 2482
[١٠٢٦] محمد بن حسان الضبي، أبو عبد الله:
كان نحويا فاضلا وأديبا شاعرا، وكان يؤدب العباس بن المأمون وغيره من ولده فماتوا فقال يرثيهم:
خلّ دمع العين ينهمل ... بان من أهواه فاحتملوا
كلّ دمع صانه كلف ... فهو يوم البين مبتذل
يا أخلائي الذين نأت ... بهم الطيات وانتقلوا
قد أبى أن ينثني بكم ... أوبة يحيا بها الأمل
وحدّث شبّاب العصفري قال: ولّى المأمون محمد بن حسان الضبي مظالم الجزيرة وقنسرين والعواصم والثغور سنة خمس عشرة ومائتين ثم زاده بعد ذلك مظالم الموصل وأرمينية.
قال: وولى المعتصم محمد بن حسان مظالم الرقة في سنة أربع وعشرين ومائتين إلى ان توفي المعتصم فأقره الواثق عليها.
وحدث المرزباني باسناده قال: قدم محمد بن حسان الضبي على أبي المغيث الرافقي فمدحه فوعده بثواب فتأخر عنه، فكتب إليه محمد:
عذّبت بالمطل وعدا رفّ مورقه ... حتى لقد جفّ منه الماء والعود
سقيا للفظك ما أحلى مخارجه ... لولا عقارب في أثنائه سود
فلما قرأها أبو المغيث تبسم وأجابه:
لا تعجلنّ على لومي فقد سبقت ... مني إليك بما تهوى المواعيد
فان صبرت أتاك النجح عن كثب ... وكلّ طالعه سعد ومسعود
وفي الكريم أناة ربما اتصلت ... إن لم يعامل بصبر أيبس العود
وعجل له صلته.
وقال أبو الحسن بن البراء: أنشدني محمد بن حسان الضبي لنفسه:
стр. 2483
كتمت الهوى حتى بدا السقم ظاهرا ... وحتى جرى دمعي يسيل بدارا
وأخفيت من أهوى وألقيت دونه ... من الحبّ أستارا فعدن جهارا
وله أيضا في رواية المرزباني:
ففيم أجنّ الصبر والبين حاضر ... وأمنع تذراف الدموع السواكب
وقد فرقت جمع الهوى طيّة النوى ... وغودرت فردا شاهدا مثل غائب
[١٠٢٧] محمد بن الحسن بن أبي سارة الرؤاسي
، يكنى أبا جعفر: هو ابن أخي معاذ الهراء، وهم من موالي محمد بن كعب القرظي، قال «١» : وسمّي الرؤاسي لكبر رأسه، وكان ينزل النيل فقيل له النيلي، وكان أول من وضع من الكوفيين كتابا في النحو، ومات في أيام الرشيد.
قال أحمد بن يحيى ثعلب: كان الرؤاسيّ أستاذ علي بن حمزة الكسائي والفراء، قال الفراء: فلما خرج الكسائي إلى بغداد قال لي الرؤاسي: قد خرج الكسائي وأنت أسنّ منه، فجئت إلى بغداد فرأيت الكسائي فسألته عن مسائل الرؤاسي فأجابني بخلاف ما عندي، فغمزت عليه قوما كوفيين كانوا معي، فرآني فقال لي:
مالك قد أنكرت، لعلك من أهل الكوفة؟ قلت: نعم. قال الرؤاسي يقول كذا وكذا وليس صوابا، وسمعت العرب تقول كذا وكذا حتى أتى على مسائلي فلزمته.
قال: وكان الرؤاسي رجلا صالحا وقال: بعث الخليل إليّ يطلب كتابي فبعثت به إليه فقرأه، قال: وكلّ ما في كتاب سيبويه «وقال الكوفي كذا» فانما يعني الرؤاسيّ.
قال: وكتاب الرؤاسي يقال له «الفيصل» . وزعم ثعلب أن أول من وضع من
стр. 2484
الكوفيين كتابا في النحو أبو جعفر الرؤاسي، وكان له كتاب معروف عندهم يقدمونه.
وقال سلمة: سئل الفراء عن الرؤاسي فأثنى عليه وقال: قد كان دخل البصرة دخلتين وقلّ مقامه بالكوفة فلذلك قلّ أخذ الناس عنه.
قال، وقال المبرد: ما عرف الرؤاسي بالبصرة، وقد زعم بعض الناس انه صنف كتابا في النحو فدخل البصرة ليعرضه على أصحابنا فلم يلتفت إليه، أو لم يجسر على إظهاره لما سمع كلامهم.
وقال ابن درستويه: وزعم جماعة من البصريين أن الكوفي الذي يذكره الأخفش في آخر «كتاب المسائل» ويردّ عليه هو الرؤاسي.
حدث محمد بن جعفر الأشعثي عن الرؤاسي قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي إن لي تجارة بالنيل، أفأشتري بالنيل دارا؟ فقال: اشتر ما ينفعك فربّ عزلة كانت داعية خير، وإياك وجميع ما يعنيك، فأما ما لا يعنيك فاياك واياه.
وحدث عبد الله بن جعفر عن علي بن المبارك الأحمر عن الكسائي قال: كان للرؤاسي امرأة من أهل النيل تزوجها بالكوفة وانتقلت إليه من النيل وشرطت عليه أنها تلمّ بأهلها في كلّ مدة، فكانت لا تقيم عنده إلا القليل ثم يحتاج إلى إخراجها وردّها، فملّ ذلك منها وفارقها وقال فيها:
بانت لمن تهوى حمول ... فأسفت في أثر الحمول
أتبعتهم عينا علي ... هم ما تفيق من الهمول
ثم ارعويت كما ارعوى ... عنها المسائل للطلول
لاحت مخايل خلفها ... وخلافها دون القبول
ملّت وأبدت جفوة ... لا تركننّ إلى ملول
ولأبي جعفر الرؤاسي قصيدة منها:
ألا يا نفس هل لك في صيام ... عن الدنيا لعلك تهتدينا
يكون الفطر وقت الموت منها ... لعلك عنده تستبشرينا
أجيبيني هديت وأسعفيني ... لعلك في الجنان تخلّدينا
стр. 2485
وحدث أبو الطيب اللغوي في «كتاب المراتب» قال: وممن أخذ عن أبي عمرو بن العلاء من أهل الكوفة أبو جعفر الرؤاسي عالم أهل الكوفة، الا أنه ليس بنظير لمن ذكرنا ولا قريبا منهم، وكان ذكر يونس بن حبيب وعيسى بن عمر والخليل بن أحمد ونظائرهم، قال وقال أبو حاتم: كان بالكوفة نحويّ يقال له أبو جعفر الرؤاسي وهو مطروح العلم ليس بشيء.
وقال محمد بن إسحاق في الكتاب الذي ألفه في سنة سبع وسبعين وثلاثمائة:
وللرؤاسي من الكتب: كتاب الفيصل رواه جماعة وهو يروى إلى اليوم. كتاب معاني القرآن. كتاب التصغير. كتاب الوقف والابتداء الكبير. كتاب الوقف والابتداء الصغير.
[١٠٢٨] محمد بن الحسن بن دينار الأحول ،
أبو العباس: كان غزير العلم واسع الفهم جيد الدراية حسن الرواية، روى عنه أبو عبد الله محمد بن العباس اليزيدي، وقرأ عليه ديوان عمرو بن الأهتم في سنة خمسين ومائتين.
قال أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي المعروف بنفطويه: جمع أبو العباس محمد بن الحسن بن دينار الأحول أشعار مائة شاعر وعشرين شاعرا، وعملت أنا خمسين شاعرا.
وذكره أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي وجعله في طبقة المبرّد وثعلب.
وحدث المرزباني أنه كان ورّاقا يورّق لحنين بن إسحاق المتطبب في منقولاته لعلوم الأوائل، وكان محدودا، أي قليل الحظّ من الناس. وحدّث عن علي بن سليمان الأخفش قال، حدثني محمد بن الحسن الأحول قال: اجتمعنا مع أبي العباس ثعلب في بيته [وحضر] ابن بوكران، رجل من أهل الأدب، فقال بعض أصحابنا: عرفوني ألقابكم، فقال ثعلب: أنا ثعلب، وقال الآخر: أنا كذا،
стр. 2486
والآخر: أنا كذا، فلما بلغوا إليّ قالوا: وأنت ما لقبك؟ فقلت: منعت العاهة من اللقب.
وحدث المرزباني عن نفطويه قال: كان أبو العباس الأحول يقول «لم يزلوا» وكذا رد عليّ فقلت له «لم يزالوا» أراد أنه كان لحّانا.
وحدث عن أبي عبد الله اليزيدي قال: كان أبو العباس الأحول يكتب لي مائة ورقة بعشرين درهما.
وقال محمد بن إسحاق النديم: كان محمد بن الحسن الأحول ناسخا. وله من الكتب: كتاب الدواهي. كتاب السلاح. كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه. كتاب فعل وأفعل. كتاب الأشباه، وجمع كما تقدم دواوين مائة وعشرين شاعرا.
[١٠٢٩] محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية بن حنتم
بن حمامي بن واسع بن وهب بن سلمة بن حنتم بن حاضر بن جشم بن ظالم بن أسد بن عدي بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبد الله بن زهير، ويقال زهران بن كعب بن الحارث بن عبد الله بن مالك بن نضر بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان «١» ؛ مات يوم الأربعاء لثنتي عشرة ليلة
стр. 2487
بقيت من رمضان سنة احدى وعشرين وثلاثمائة، وفي هذا اليوم مات أبو هاشم عبد السلام بن محمد الجبائي فقيل: مات علم اللغة والكلام ودفنا جميعا في مقبرة الخيزران.
وقال المرزباني: دفن بالعباسية من الجانب الشرقي في ظهر سوق السلاح من الشارع الأعظم.
وقال التنوخي ورجاله: دفن ابن دريد بظهر السوق الجديدة المعروفة بمقابر العباسية من الجانب الشرقي.
ومولده بالبصرة في سكة صالح في خلافة المعتصم سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وبالبصرة تأدّب وعلم اللغة وأشعار العرب، وقرأ على علماء البصرة، ثم صار إلى عمان فأقام بها مدة، ثم صار إلى جزيرة ابن عمارة، ثم صار إلى فارس فسكنها مدة، ثم قدم بغداد فأقام بها إلى أن مات.
وحدث أبو بكر ابن علي قال: أبو بكر ابن دريد بصريّ المولد ونشأ بعمان وتنقل في جزائر البحر والبصرة وفارس، وطلب الأدب وعلم العربية، وكان أبوه من الرؤساء وذوي اليسار، وورد بغداد بعد أن أسنّ فأقام بها إلى آخر عمره. وروى عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي وأبي حاتم السجستاني وأبي الفضل الرياشي، وكان رأس أهل هذا العلم، وروى عنه خلق منهم أبو سعيد السيرافي وأبو عبيد الله المرزباني وأبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني. وله شعر كثير وروى [من] أخبار العرب وأشعارها [ما] لم يروه كثير من أهل العلم.
وقال أبو الطيب اللغوي في «كتاب مراتب النحويين» عند ذكر ابن دريد «١» : هو الذي انتهى إليه [علم] لغة البصريين، وكان أحفظ الناس وأوسعهم علما وأقدرهم على شعر، وما ازدحم العلم والشعر في صدر أحد ازدحامهما في صدر خلف الأحمر وابن دريد. وتصدّر ابن دريد في العلم ستين سنة. وأول شعر قاله «٢» :
ثوب الشباب عليّ اليوم بهجته ... فسوف تنزعه عنّي يد الكبر
стр. 2488
أنا ابن عشرين ما زادت ولا نقصت ... ابن ابن عشرين من شيب على خطر
وكان يقال ابن دريد أشعر العلماء وأعلم الشعراء.
قال الخطيب، وقال محمد بن دريد «١» : كان أول من أسلم من آبائي حمامي، وهو من السبعين راكبا الذين خرجوا مع عمرو بن العاص من عمان إلى المدينة لما بلغهم وفاة رسول الله ﷺ حتى أدوه، وفي ذلك يقول قائلهم:
وفينا لعمرو يوم عمرو كأنه ... طريد نفته مذحج والسكاسك
وحدث أبو علي التنوخي قال «٢» : حدثني جماعة أن ابن دريد قال: كان أبو عثمان الأشنانداني معلمي، وكان عمي الحسين بن دريد يتولى تربيتي، فكان إذا أراد الأكل استدعى أبا عثمان يأكل معه، فدخل يوما عمي وأبو عثمان يروّيني قصيدة الحارث بن حلزة التي أولها: «آذنتنا ببينها أسماء» فقال لي عمي: إذا حفظت هذه القصيدة وهبت لك كذا وكذا، ثم دعا المعلم ليأكل معه، فدخل إليه فأكلا وتحدثا بعد الأكل ساعة، فالى أن رجع المعلم حفظت «ديوان الحارث بن حلزة» بأسره، فخرج المعلم فعرّفته ذلك فاستعظمه وأخذ يعتبره عليّ فوجدني قد حفظته، فدخل إلى عمي فأخبره فأعطاني ما كان وعدني به.
قال الخطيب «٣» عن من رأى ابن دريد أنه قال: كان ابن دريد واسع الحفظ جدا ما رأيت أحفظ منه، وكانت تقرأ عليه دواوين العرب كلها أو أكثرها فيسابق إلى إتمامها وتحفظها، وما رأيته قط قرىء عليه ديوان شاعر إلا وهو يسابق إلى روايته لحفظه له.
قال «٤» : وسئل عنه الدارقطني فقال: قد تكلموا فيه.
قال وقال أبو ذر عبد الله بن أحمد الهروي: سمعت ابن شاهين يقول «٥» : كنا ندخل على ابن دريد ونستحي منه لما نرى من العيدان المعلّقة والشراب المصفّى
стр. 2489
موضوع، وقد كان جاوز التسعين سنة، هذا كله من كتاب أبي بكر ابن علي.
وقال أبو منصور الأزهري في مقدمة «كتاب التهذيب» : وممن ألف في زماننا الكتب فرمي بافتعال العربية وتوليد الألفاظ وإدخال ما ليس من كلام العرب في كلامها أبو بكر محمد بن دريد صاحب «كتاب الجمهرة» و «كتاب اشتقاق الأسماء» و «كتاب الملاحن» ، وقد حضرته في داره ببغداد غير مرة فرأيته يروي عن أبي حاتم والرياشي وعبد الرحمن بن أخي الأصمعي، وسألت إبراهيم بن محمد بن عرفة عنه فلم يعبأ به ولم يوثّقه في روايته، وألفيته أنا على كبر سنه سكران لا يكاد يستمرّ لسانه على الكلام من سكره. وقد تصفحت كتابه الذي أعاره اسم الجمهرة فلم أرد لا على معرفة ثاقبة ولا قريحة جيدة، وعثرت من هذا الكتاب على حروف كثيرة أنكرتها ولم أعرف مخارجها فأثبّتها في كتابي في مواقعها منه لأبحث أنا وغيري عنها.
وقال أبو ذر الهروي: سمعت أبا منصور الأزهري يقول: دخلت على ابن دريد فرأيته سكران فلم أعد إليه.
وقال غير أبي منصور: كان ابن دريد قد أملى «الجمهرة» في فارس، ثم أملاها بالبصرة وببغداد من حفظه، قال: فلذلك قلما تتفق النسخ وتراها كثيرة الزيادة والنقصان. ولما أملّه بفارس غلامه تعلّم من أول الكتاب، والنسخة التي عليها المعوّل هي الأخيرة، وآخر ما صحّ من النسخ نسخة أبي الفتح عبيد الله بن أحمد النحوي جخجخ لأنه كتبها من عدة نسخ وقرأها عليه.
وحدث المرزباني قال، قال ابن دريد: خرجت أريد زهران بعد دخول البصرة، فمررت بدار كبيرة قد خربت فكتبت على حائطها «١» :
أصبحوا بعد جميع فرقا ... وكذا كلّ جميع مفترق
فمضيت ورجعت فاذا تحته مكتوب:
ضحكوا والدهر عنهم صامت ... ثم أبكاهم دما حين نطق
قال: وخرجنا نريد عمان في سفر لنا فنزلنا بقرية تحت نخل فإذا بفاختتين
стр. 2490
تتزاقّان، فسنح لي أن قلت «١» :
أقول لورقاوين في فرع نخلة ... وقد طفّل الإمساء أو جنح العصر
وقد بسطت هاتا لتلك جناحها ... ومرّ على هاتيك من هذه النحر
ليهنكما أن لم تراعا بفرقة ... وما دبّ في تشتيت شملكما الدهر
فلم أر مثلي قطّع الشوق قلبه ... على أنه يحكي قساوته الصخر
قال «٢» : وأخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: سقطت من منزلي بفارس فانكسرت ترقوتي فسهرت ليلي، فلما كان في آخر الليل حملتني عيناي فرأيت في نومي رجلا طويلا أصفر الوجه كوسجا دخل عليّ وأخذ بعضادتي الباب وقال: أنشدني أحسن ما قلت في الخمر، فقلت: ما ترك أبو نواس شيئا، فقال: أنا أشعر منه، فقلت: ومن أنت؟ قال: أبو ناجية من أهل الشام، ثم أنشدني:
وحمراء قبل المزج صفراء بعده ... بدت بين ثوبي نرجس وشقائق
حكت وجنة المعشوق صرفا فسلطوا ... عليها مزاجا فاكتست لون عاشق
فقلت له: أسأت، قال: ولم؟ قلت: لأنك قلت «وحمراء» فقدمت الحمرة ثم قلت «بدت بين ثوبي نرجس وشقائق» فقدمت الصفرة، فالا قدمتها على الأخرى كما قدمتها على الأولى؟ فقال: وما هذا الاستقصاء في هذا الوقت يا بغيض.
وحدث قال: كتب ابن دريد الى أبي علي أحمد بن محمد بن رستم «٣» :
حجابك صعب يجبه الحرّ دونه ... وقلبي إذا سيم المذلة أصعب
وما أزعجتني نحو بابك حاجة ... فأجشم نفسي رجعة حين أحجب
وحدث أيضا قال: وعد أبو بكر أبا الحسين عمر بن محمد بن يوسف القاضي أن يصير إليه فقطعه المطر، فكتب إليه أبو بكر «٤» :