← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

والآخر: أنا كذا، فلما بلغوا إليّ قالوا: وأنت ما لقبك؟ فقلت: منعت العاهة من اللقب. وحدث المرزباني عن نفطويه قال: كان أبو العباس الأحول يقول «لم يزلوا» وكذا رد عليّ فقلت له «لم يزالوا» أراد أنه كان لحّانا. وحدث عن أبي عبد الله اليزيدي قال: كان أبو العباس الأحول يكتب لي مائة ورقة بعشرين درهما. وقال محمد بن إسحاق النديم: كان محمد بن الحسن الأحول ناسخا. وله من الكتب: كتاب الدواهي. كتاب السلاح. كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه. كتاب فعل وأفعل. كتاب الأشباه، وجمع كما تقدم دواوين مائة وعشرين شاعرا. [١٠٢٩] محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية بن حنتم بن حمامي بن واسع بن وهب بن سلمة بن حنتم بن حاضر بن جشم بن ظالم بن أسد بن عدي بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبد الله بن زهير، ويقال زهران بن كعب بن الحارث بن عبد الله بن مالك بن نضر بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان «١» ؛ مات يوم الأربعاء لثنتي عشرة ليلة

стр. 2487

بقيت من رمضان سنة احدى وعشرين وثلاثمائة، وفي هذا اليوم مات أبو هاشم عبد السلام بن محمد الجبائي فقيل: مات علم اللغة والكلام ودفنا جميعا في مقبرة الخيزران. وقال المرزباني: دفن بالعباسية من الجانب الشرقي في ظهر سوق السلاح من الشارع الأعظم. وقال التنوخي ورجاله: دفن ابن دريد بظهر السوق الجديدة المعروفة بمقابر العباسية من الجانب الشرقي. ومولده بالبصرة في سكة صالح في خلافة المعتصم سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وبالبصرة تأدّب وعلم اللغة وأشعار العرب، وقرأ على علماء البصرة، ثم صار إلى عمان فأقام بها مدة، ثم صار إلى جزيرة ابن عمارة، ثم صار إلى فارس فسكنها مدة، ثم قدم بغداد فأقام بها إلى أن مات. وحدث أبو بكر ابن علي قال: أبو بكر ابن دريد بصريّ المولد ونشأ بعمان وتنقل في جزائر البحر والبصرة وفارس، وطلب الأدب وعلم العربية، وكان أبوه من الرؤساء وذوي اليسار، وورد بغداد بعد أن أسنّ فأقام بها إلى آخر عمره. وروى عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي وأبي حاتم السجستاني وأبي الفضل الرياشي، وكان رأس أهل هذا العلم، وروى عنه خلق منهم أبو سعيد السيرافي وأبو عبيد الله المرزباني وأبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني. وله شعر كثير وروى [من] أخبار العرب وأشعارها [ما] لم يروه كثير من أهل العلم. وقال أبو الطيب اللغوي في «كتاب مراتب النحويين» عند ذكر ابن دريد «١» : هو الذي انتهى إليه [علم] لغة البصريين، وكان أحفظ الناس وأوسعهم علما وأقدرهم على شعر، وما ازدحم العلم والشعر في صدر أحد ازدحامهما في صدر خلف الأحمر وابن دريد. وتصدّر ابن دريد في العلم ستين سنة. وأول شعر قاله «٢» : ثوب الشباب عليّ اليوم بهجته ... فسوف تنزعه عنّي يد الكبر

стр. 2488

أنا ابن عشرين ما زادت ولا نقصت ... ابن ابن عشرين من شيب على خطر وكان يقال ابن دريد أشعر العلماء وأعلم الشعراء. قال الخطيب، وقال محمد بن دريد «١» : كان أول من أسلم من آبائي حمامي، وهو من السبعين راكبا الذين خرجوا مع عمرو بن العاص من عمان إلى المدينة لما بلغهم وفاة رسول الله ﷺ حتى أدوه، وفي ذلك يقول قائلهم: وفينا لعمرو يوم عمرو كأنه ... طريد نفته مذحج والسكاسك وحدث أبو علي التنوخي قال «٢» : حدثني جماعة أن ابن دريد قال: كان أبو عثمان الأشنانداني معلمي، وكان عمي الحسين بن دريد يتولى تربيتي، فكان إذا أراد الأكل استدعى أبا عثمان يأكل معه، فدخل يوما عمي وأبو عثمان يروّيني قصيدة الحارث بن حلزة التي أولها: «آذنتنا ببينها أسماء» فقال لي عمي: إذا حفظت هذه القصيدة وهبت لك كذا وكذا، ثم دعا المعلم ليأكل معه، فدخل إليه فأكلا وتحدثا بعد الأكل ساعة، فالى أن رجع المعلم حفظت «ديوان الحارث بن حلزة» بأسره، فخرج المعلم فعرّفته ذلك فاستعظمه وأخذ يعتبره عليّ فوجدني قد حفظته، فدخل إلى عمي فأخبره فأعطاني ما كان وعدني به. قال الخطيب «٣» عن من رأى ابن دريد أنه قال: كان ابن دريد واسع الحفظ جدا ما رأيت أحفظ منه، وكانت تقرأ عليه دواوين العرب كلها أو أكثرها فيسابق إلى إتمامها وتحفظها، وما رأيته قط قرىء عليه ديوان شاعر إلا وهو يسابق إلى روايته لحفظه له. قال «٤» : وسئل عنه الدارقطني فقال: قد تكلموا فيه. قال وقال أبو ذر عبد الله بن أحمد الهروي: سمعت ابن شاهين يقول «٥» : كنا ندخل على ابن دريد ونستحي منه لما نرى من العيدان المعلّقة والشراب المصفّى

стр. 2489

موضوع، وقد كان جاوز التسعين سنة، هذا كله من كتاب أبي بكر ابن علي. وقال أبو منصور الأزهري في مقدمة «كتاب التهذيب» : وممن ألف في زماننا الكتب فرمي بافتعال العربية وتوليد الألفاظ وإدخال ما ليس من كلام العرب في كلامها أبو بكر محمد بن دريد صاحب «كتاب الجمهرة» و «كتاب اشتقاق الأسماء» و «كتاب الملاحن» ، وقد حضرته في داره ببغداد غير مرة فرأيته يروي عن أبي حاتم والرياشي وعبد الرحمن بن أخي الأصمعي، وسألت إبراهيم بن محمد بن عرفة عنه فلم يعبأ به ولم يوثّقه في روايته، وألفيته أنا على كبر سنه سكران لا يكاد يستمرّ لسانه على الكلام من سكره. وقد تصفحت كتابه الذي أعاره اسم الجمهرة فلم أرد لا على معرفة ثاقبة ولا قريحة جيدة، وعثرت من هذا الكتاب على حروف كثيرة أنكرتها ولم أعرف مخارجها فأثبّتها في كتابي في مواقعها منه لأبحث أنا وغيري عنها. وقال أبو ذر الهروي: سمعت أبا منصور الأزهري يقول: دخلت على ابن دريد فرأيته سكران فلم أعد إليه. وقال غير أبي منصور: كان ابن دريد قد أملى «الجمهرة» في فارس، ثم أملاها بالبصرة وببغداد من حفظه، قال: فلذلك قلما تتفق النسخ وتراها كثيرة الزيادة والنقصان. ولما أملّه بفارس غلامه تعلّم من أول الكتاب، والنسخة التي عليها المعوّل هي الأخيرة، وآخر ما صحّ من النسخ نسخة أبي الفتح عبيد الله بن أحمد النحوي جخجخ لأنه كتبها من عدة نسخ وقرأها عليه. وحدث المرزباني قال، قال ابن دريد: خرجت أريد زهران بعد دخول البصرة، فمررت بدار كبيرة قد خربت فكتبت على حائطها «١» : أصبحوا بعد جميع فرقا ... وكذا كلّ جميع مفترق فمضيت ورجعت فاذا تحته مكتوب: ضحكوا والدهر عنهم صامت ... ثم أبكاهم دما حين نطق قال: وخرجنا نريد عمان في سفر لنا فنزلنا بقرية تحت نخل فإذا بفاختتين

стр. 2490

تتزاقّان، فسنح لي أن قلت «١» : أقول لورقاوين في فرع نخلة ... وقد طفّل الإمساء أو جنح العصر وقد بسطت هاتا لتلك جناحها ... ومرّ على هاتيك من هذه النحر ليهنكما أن لم تراعا بفرقة ... وما دبّ في تشتيت شملكما الدهر فلم أر مثلي قطّع الشوق قلبه ... على أنه يحكي قساوته الصخر قال «٢» : وأخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: سقطت من منزلي بفارس فانكسرت ترقوتي فسهرت ليلي، فلما كان في آخر الليل حملتني عيناي فرأيت في نومي رجلا طويلا أصفر الوجه كوسجا دخل عليّ وأخذ بعضادتي الباب وقال: أنشدني أحسن ما قلت في الخمر، فقلت: ما ترك أبو نواس شيئا، فقال: أنا أشعر منه، فقلت: ومن أنت؟ قال: أبو ناجية من أهل الشام، ثم أنشدني: وحمراء قبل المزج صفراء بعده ... بدت بين ثوبي نرجس وشقائق حكت وجنة المعشوق صرفا فسلطوا ... عليها مزاجا فاكتست لون عاشق فقلت له: أسأت، قال: ولم؟ قلت: لأنك قلت «وحمراء» فقدمت الحمرة ثم قلت «بدت بين ثوبي نرجس وشقائق» فقدمت الصفرة، فالا قدمتها على الأخرى كما قدمتها على الأولى؟ فقال: وما هذا الاستقصاء في هذا الوقت يا بغيض. وحدث قال: كتب ابن دريد الى أبي علي أحمد بن محمد بن رستم «٣» : حجابك صعب يجبه الحرّ دونه ... وقلبي إذا سيم المذلة أصعب وما أزعجتني نحو بابك حاجة ... فأجشم نفسي رجعة حين أحجب وحدث أيضا قال: وعد أبو بكر أبا الحسين عمر بن محمد بن يوسف القاضي أن يصير إليه فقطعه المطر، فكتب إليه أبو بكر «٤» :

стр. 2491

مناويك في بذل النوال وانه ... ليعجز عن أدنى مداك ويحسر عداني عن حظّي الذي لا أبيعه ... بأنفس ما يحظى به المتخير لم الغيث فاعذر من لقاؤك عنده ... يعادل نيل الخلد بل هو أكبر فأجابه أبو الحسين: على الرّسل في برّي فقد عظم الشكر ... ولم أك ذا شكر وان جلّ ما يعرو مدائح مثل الغيث جادت عيونها ... سحاب توالى من جوانبها قطر ومن شعر أبي بكر ابن دريد «١» : عانقت منه وقد مال النعاس به ... والكأس تقسم سكرا بين جلّاسي ريحانة ضمّخت بالمسك ناضرة ... تمجّ برد الندى في حرّ أنفاسي وله يرثي عبد الله بن عمارة «٢» : بنفسي ثرى ضاجعت في بيته البلى ... لقد ضمّ منك الغيث والليث والبدرا فلو أن حيا كان قبرا لميت ... لصيرت أحشائي لأعظمه قبرا ولو أن عمري كان طوع إرادتي ... وساعدني المقدار قاسمتك العمرا وما خلت قبرا وهو أربع أذرع ... يضمّ ثقال المزن والطود والبحرا وحدث الخطيب فيما أسنده إلى إسماعيل بن سويد أن سائلا جاء الى ابن دريد فلم يكن عنده غير دنّ نبيذ فوهبه له، فجاءه غلامه وأنكر عليه ذلك، فقال: أيش اعمل؟ لم يكن عندي غيره، ثم تلا قوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (آل عمران: ٩٢) فما تم اليوم حتى أهدي له عشرة دنان، فقال الغلام: تصدقنا بواحد وأخذنا عشرة. وقال جحظة يرثيه: فقدت بابن دريد كلّ منفعة ... لما غدا ثالث الأحجار والتّرب وكنت أبكي لفقد الجود مجتهدا ... فصرت أبكي لفقد الجود والأدب

стр. 2492

وقال محمد بن إسحاق: ولابن دريد من الكتب: كتاب الجمهرة في اللغة «١» . كتاب المجتنى «٢» . كتاب الأمالي. كتاب اشتقاق أسماء القبائل. كتاب الملاحن «٣» . كتاب المقتبس. كتاب المقصور والممدود. كتاب الوشاح، على حذو المحبّر لابن حبيب. كتاب الخيل الكبير. كتاب الخيل الصغير. كتاب الأنواء. كتاب السلاح. كتاب غريب القرآن، لم يتم. كتاب فعلت وأفعلت. كتاب أدب الكاتب. كتاب تقويم اللسان، على مثال كتاب ابن قتيبة ولم يجرده من المسودة فلم يخرج منه شيء يعوّل عليه. كتاب المطر «٤» . وقال أبو الحسن الدريدي: حضرت وقد قرأ أبو علي ابن مقلة وأبو حفص كتاب المفضل بن سلمة الذي يردّ فيه على الخليل بن أحمد، على أبي بكر ابن دريد، فكان يقول: صدق أبو طالب، في شيء إذا مر به، وكذب أبو طالب، في شيء آخر، ثم رأيت هذا الكلام وقد جمعه أبو حفص في نحو المائة ورقة وترجمه بالتوسط. ومن شعر ابن دريد «٥» : وقد ألفت زهر النجوم رعايتي ... فإن غبت عنها فهي عني تسأل يقابل بالتسليم منهنّ طالع ... ويومىء بالتوديع منهن آفل وأما مقصورة ابن دريد المشهورة فإنه قالها يمدح بها الأمير أبا العباس إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن ميكال بن عبد الواحد بن جبريل بن القاسم بن بكر بن ديواستي، وهو سور بن سور بن سور بن سور- أربعة الملوك، ابن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور، قالها فيه وفي أبيه، وكان الأمير أبو العباس رئيس نيسابور ومتقدّمها. وذكر أبو علي البيهقي المعروف بالسلامي في «كتاب النتف والطرف» أن ابن

стр. 2493

دريد صنف «كتاب الجمهرة» للأمير أبي العباس إسماعيل بن عبد الله بن ميكال أيام مقامه بفارس، فأملاه عليه إملاء ثم قال: حدثني أبو العباس الميكالي قال: أملى عليّ أبو بكر الدريدي «كتاب الجمهرة» من أوله إلى آخره حفظا في سنة سبع وتسعين ومائتين فما رأيته استعان عليه بالنظر في شيء من الكتب إلا في باب الهمزة واللفيف فإنه طالع له بعض الكتب. قال: وكفاك بها فضيلة وعجيبة أن يتمكن الرجل من علمه كل التمكن ثم لا يسلم مع ذلك من الألسن حتى قيل فيه: ابن دريد بقره ... وفيه عيّ وشره ويدّعي من حمقه ... وضع كتاب الجمهره وهو كتاب العين إ ... لا أنه قد غيره وقد ذكرت هذه الحال في أخبار أبي العباس اسماعيل بن عبد الله «١» بأبسط من هذا. وكتب ابن دريد إلى علي بن عيسى بن داود الجراح الوزير «٢» : أبا حسن والمرء يخلق صورة ... تخبّر عما ضمّنته الغرائز إذا كنت لا ترجى لنفع معجّل ... وأمرك بين الشرق والغرب جائز ولم تك يوم الحشر فينا مشفّعا ... فرأي الذي يرجوك للنفع عاجز عليّ بن عيسى خير يوميك أن ترى ... وفضلك مأمول ووعدك ناجز وإني لأخشى بعد هذا بأن ترى ... وبين الذي تهوى وبينك حاجز قرأت بخط أبي سعد السمعاني من «المذيل» باسناد أن ابن دريد قال «٣» : ودّعته حين لا تودّعه ... روحي ولكنها تسير معه ثم افترقنا وفي القلوب لنا ... ضيق مكان وفي الدموع سعه قال أبو هلال، أخبرنا أبو أحمد قال: كنا في مجلس ابن دريد وكان يتضجر ممن يخطىء في قراءته، فحضر غلام وضيء فجعل يقرأ ويكثر الخطأ، وابن دريد

стр. 2494

صابر عليه، فتعجب أهل المجلس، فقال رجل منهم: لا تعجبوا فإن في وجهه غفران ذنوبه، فسمعها ابن دريد، فلما أراد أن يقرأ قال له: هات يا من ليس في وجهه غفران ذنوبه فعجبوا من صحة سمعه مع علوّ سنه. قال وقال بعضهم في مجلس ابن دريد: من يكن للظباء طالب صيد ... فعليه بمجلس ابن دريد إن فيه لأوجها قيّدتني ... عن طلاب العلا بأوثق قيد قال الرصافي: حدثنا بعض أصحابنا قال: حضرت مجلس أبي بكر ابن دريد وقد سأله بعض الناس عن معنى قول الشاعر: هجرتك لا قلى مني ولكن ... رأيت بقاء ودك في الصدود كهجر الحائمات الورد لمّا ... رأت أنّ المنية في الورود تفيض نفوسها ظمأ وتخشى ... حماما فهي تنظر من بعيد فقال: الحائم الذي يدور حول الماء ولا يصل إليه، يقال حام يحوم حياما؛ ومعنى الشعر أن الايائل تأكل الأفاعي في الصيف فتحمى فتلتهب بحرارتها وتطلب الماء، فإذا وقعت عليه امتنعت من شربه وحامت حوله تنسّمه لأنها إن شربته في تلك الحال صادف الماء السمّ الذي في جوفها فتلفت، فلا تزال تدفع بشرب الماء حتى يطول بها الزمان فيسكن ثوران السم ثم تشربه فلا يضرها. ويقال: فاظ الميت وفاضت نفسه وفاظت نفسه أيضا جائز عند الجميع إلا الأصمعي فإنه يقول فاظ الميت فإذا ذكر النفس قال فاضت نفسه بالضاد ولم يجمع بين الظاء والنفس. وحدث أبو علي المحسن، حدثني أبو القاسم الحسن بن علي بن إبراهيم بن خلاد الشاهد العكبري إمام الجامع فيها، حدثني أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد قال: كنت بعمان مع الصلت بن مالك الشاري، وكانت الشراة تدعوه أمير المؤمنين، وكانت السنة كثيرة الأمطار ودامت على الناس فكادت المنازل أن تتهدم، فاجتمع الناس وصاروا إلى الصلت وسألوه أن يدعو لهم، فأجّل بهم أن يركب من الغد الى الصحراء ويدعو، فقال لي بكرة: لتخرج معي في غد، فبت مفكّرا كيف يدعو، فلما أصبحت خرجت معه، فصلّى بهم وخطب ودعا فقال: اللهم إنك أنعمت فأوفيت،

стр. 2495

وسقيت فأرويت، فعلى القيعان ومنابت الشجر، وحيث النفع لا الضرر. فاستحسنت ذلك منه. وقال ابن دريد في النرجس «١» : عيون ما يلمّ بها رقاد ... ولا يمحو محاسنها السهاد إذا ما الليل صافحها استهلّت ... وتضحك حين ينحسر السواد لها حدق من الذهب المصفّى ... صياغة من يدين له العباد وأجفان من الدرّ استفادت ... ضياء مثله لا يستفاد على قصب الزّبرجد في ذراها ... لأعين من يلاحظها مراد قرأت في «كتاب التحبير» «٢» وهو ما أخبرنا به الشريف افتخار الدين أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب الهاشمي إذنا، قال أبو سعد السمعاني إجازة إن لم يكن سماعا، قال: سمعت الأمير أبا نصر أحمد بن الحسين بن أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن الميكالي يقول: تذاكرنا المتنزهات يوما وابن دريد حاضر، فقال بعضهم: أنزه الأماكن غوطة دمشق، وقال آخرون: بل نهر الأبلّة، وقال آخرون: بل سغد سمرقند، وقال بعضهم: نهروان بغداد، وقال بعضهم: شعب بوّان بأرض فارس، وقال بعضهم: نوبهار بلخ. فقال: هذه متنزهات العيون فأين أنتم عن متنزهات القلوب. قلنا وما هي يا أبا بكر؟ قال «عيون الأخبار» للقتيبي و «الزهرة» لابن داود و «قلق المشتاق» لابن أبي طاهر، ثم أنشأ يقول «٣» : ومن تك نزهته قينة ... وكأس تحثّ وكأس تصب فنزهتنا واستراحتنا ... تلاقي العيون ودرس الكتب وقرأت في التاريخ الذي ألفه أبو محمد عبد الله بن أبي القاسم عبد المجيد بن شيران الأهوازي قال: وفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة مات أبو أحمد حجر بن أحمد الجويمي «٤» ، وكان من أهل الفضل بجويم ونواحي فارس، وقد خلف القراء بها

стр. 2496

فمدحه جماعة من الشعراء وقصده من انتفع به، ولأبي بكر ابن دريد فيه مدائح منها «١» : نهنه بوادر دمعك المهراق ... أيّ ائتلاف لم يرع بفراق حجر بن أحمد فارع الشرف الذي ... خضعت لعزته طلى الأعناق قبّل أنامله فلسن أناملا ... لكنهنّ مفاتح الأرزاق وانظر إلى النور الذي لو أنه ... للبدر لم يطبع برين محاق [١٠٣٠] محمد بن الحسن بن سهل المعروف بشيلمة الكاتب: وشيلمة لقب لمحمد هذا، وأبوه الحسن بن سهل هو الوزير المعروف أخو الفضل بن سهل، مات محروقا. وكان شيلمة أولا مع العلويّ صاحب الزنج، ثم صار إلى بغداد وأومن ثم خلّط وسعى لبعض الخوارج فحرقه المعتضد حيّا وكان مصلوبا على عمود خيمة. ذكر ذلك محمد بن إسحاق وقال: له من الكتب المصنفة: كتاب أخبار صاحب الزنج. كتاب رسائله. حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن الأزرق قال حدثني أبي قال: كنت أكتب لبدر اللاني في أيام الموفق وابنه المعتضد بالله وأدخل الدار معه، فرأيت محمد بن الحسن بن سهل المعروف بشيلمة، وقد جعله كردناكا «٢» ، قال قلت له: وكيف كان ذلك وما كان سببه؟ فقال: إن رجلا من أولاد الواثق كان يسكن مدينة المنصور سعى في طلب الخلافة هو وشيلمة ليستوزره، وأخذ له البيعة على أكثر أهل الحضرة من الهاشميين والقضاة والقواد والجيش وأهل بغداد والأحداث وأهل العصبية، وقوي أمره

стр. 2497

وانتشر خبره، وهمّ بالظهور في المدينة والاعتصام بها، حتى إذا أخذ المعتضد صار إلى دار الخلافة، فبلغ المعتضد الخبر على شرحه إلا اسم المستخلف، فكبس شيلمة وأخذ فوجد في داره جرائد بأسماء من بايع، وبلغ الخبر الهاشميّ فهرب، وأمر المعتضد بالجرائد فأحرقت ظاهرا ولم يقف على شيء منها لئلا يفسد قلوب الجيش بوقوفه عليها لما يعتقدون من فساد نيته عليهم، وأخذ يسائل شيلمة عن الخبر فصدقه عن جميع ما جرى إلا اسم الرجل الذي يستخلف، فرفق به ليصدقه عنه فلم يفعل، فطال الكلام بينهما، فقال له شيلمة: والله لو جعلتني كردناكا ما أخبرتك باسمه قطّ، فقال المعتضد للفراشين: هاتم أعمدة الخيم الكبار الثقال، وأمر أن يشدّ عليها شدّا وثيقا وأحضروا فحما عظيما، وفرش على الطوابيق بحضرته، وأجّجوا نارا وجعل الفراشون يقلّبون تلك النار وهو مشدود على الأعمدة إلى أن مات، وأخرج من بين يديه ليدفن فرأيته على هذه الصورة. [١٠٣١] محمد بن الحسن بن رمضان النحوي: له من الكتب فيما ذكره محمد بن اسحاق: كتاب أسماء الخمر وعصيرها. كتاب الديرة. [١٠٣٢] محمد بن الحسن بن محمد بن زياد بن هارون بن جعفر بن سند النقاش الشعراني الدارقطني، أبو بكر المقرىء: مات فيما ذكره الخطيب يوم الثلاثاء لثلاث خلون من شوال سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، ومولده سنة ست وستين ومائتين. ودفن في داره بدارالقطن.

стр. 2498

قال أبو بكر «١» : وأصله من الموصل، ويقال: إنه مولى أبي دجانة سماك بن خرشة الأنصاري، وكان حافظا للتفسير، صنّف فيه كتابا سماه «شفاء الصدور» وله تصانيف في القراءات وغيرها من العلوم، وكان قد سافر الكثير شرقا وغربا، وكتب بالكوفة والبصرة ومكة ومصر والشام والجزيرة والموصل والجبال وبلاد خراسان وما وراء النهر، وحدّث عن خلق كثير، وروى عنه أبو بكر ابن مجاهد والدارقطني وأبو حفص ابن شاهين. قال: وحدثنا عنه أبو الحسن ابن رزقويه وجماعة آخرهم أبو علي ابن شاذان، وفي حديثه مناكير بأسانيد مشهورة. قال: حدثني عبيد الله بن أبي الفتح عن طلحة بن محمد بن جعفر أنه ذكر النقاش فقال: كان يكذب في الحديث والغالب عليه القصص. قال: وسألت البرقانيّ عنه فقال: كلّ حديثه منكر. قال: وحدثني من سمع أبا بكر البرقاني وذكر تفسير النقاش فقال: ليس فيه حديث صحيح. وقال هبة الله بن الحسن الطبري وذكر تفسير النقاش فقال: ذاك إشفا الصدور وليس شفاء الصدور. هذا كله من تاريخ أبي بكر ابن علي. وقال محمد بن اسحاق: له من الكتب: كتاب الإشارة في غريب القرآن. كتاب الموضح في معاني القرآن. كتاب المناسك. كتاب فهم المناسك. كتاب أخبار القصاص. كتاب ذم الحسد. كتاب دلائل النبوة. كتاب الأبواب في القرآن. كتاب إرم ذات العماد. كتاب المعجم الأوسط. كتاب المعجم الأصغر. كتاب المعجم الأكبر في أسماء القراء وقراءاتهم. كتاب السبعة الأوسط. كتاب السبعة الأصغر. كتاب التفسير الكبير، اثنا عشر ألف ورقة. كتاب العقل. كتاب ضد العقل. حدث القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا النهرواني قال: أخبرنا محمد بن الحسن بن زياد النقاش المقرىء قال: لقيت رقعة قد رفع فيها إلى القاضي أبي بكر أحمد بن موسى الأنطاكي:

стр. 2499

أيّهذا القاضي الكبير المواتي «١» ... صانك الله عن مقام الدناة أيكون القصاص في فتك لحظ ... من غزال مورّد الوجنات أم يخاف العذاب من هو صبّ ... مبتلى بالزفير والحسرات ليس إلا العفاف والصوم والنّس ... ك له زاجر عن الشبهات فأخذ الرقعة وكتب على ظهرها: يا ظريف الصنيع والآلات ... وعظيم الأشجان واللوعات ان تكن عاشقا فلم تأت ذنبا ... بل ترقيت رفعة الدرجات فلك الحقّ واجبا ان عرفنا ... من تعلّقته من الحجرات ضأن أكون الرسول جهرا إليه ... إن تنكبت موبق الشبهات ومتى أقض بالقصاص على لح ... ظ حبيب أخطىء طريق القضاة [١٠٣٣] محمد بن الحسن بن جمهور القمي الكاتب أبو علي: قال أبو علي التنوخي: وكان من شيوخ أهل الأدب بالبصرة وكثير الملازمة لأبي، وحرّر لي خطي لما قويت على الكتابة لأنه كان جيد الخط حسن الترسّل كثير المصنفات لكتب الأدب، فكثرت ملازمتي له وكان يمدح أبي، فأنشدني لنفسه، وهو من مشهور شعره: إذا تمنّع صبري ... وضاق بالهجر صدري ناديت والليل داج ... وقد خلوت بفكري يا ربّ هب لي منه ... وصال يوم بعمري

стр. 2500

وأنشدني أيضا لنفسه: كثرت عندي أياديك ... فجلّ الوصف عنها فأحاطت بجميع ال ... فهم حتى لم أبنها فمتى ازددتك منها ... كنت كالناقص منها قلت أنا: وهو صاحب النوادر مع زادمهر المغنية جارته المنصورية. [١٠٣٤] محمد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن بن الحسين بن محمد بن سليمان بن داود بن عبيد الله بن مقسم، أبو بكر العطار المقرىء: ولد سنة خمس وستين ومائتين، ومات لثمان خلون من ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، سمع أبا مسلم الكجي وثعلبا وإدريس بن عبد الكريم وغيرهم، روى عنه ابن رزقويه وابن شاذان وغيرهما، وكان ثقة من أعرف الناس بالقراءات وأحفظهم لنحو الكوفيين، وله في معاني القرآن كتاب سماه «الأنوار» وما رأيت مثله، وله عدة تصانيف، ولم يكن له عيب إلا أنه قرأ بحروف تخالف الإجماع واستخرج لها وجوها من اللغة والمعنى مثل ما ذكر في «كتاب الاحتجاج» للفراء في قوله تعالى: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا (يوسف: ٨٠) [فقال لو قرىء خلصوا نجباء بالباء لكان جائزا] وهذا مع كونه يخالف الاجماع بعيد من المعنى، إذ لا وجه للنجابة عند يأسهم من أخيهم، إنما اجتمعوا يتناجون. وله من هذا الجنس- من تصحيف الكلمة واستخراج وجه بعيد لها مع كونها لم يقرأ بها أحد-[كثير] . وحدث أبو بكر الخطيب قال: ومما طعن به على أبي بكر ابن مقسم أنه عمد إلى حروف من القرآن فخالف الاجماع فيها وقرأها على وجوه ذكر أنها تجوز في اللغة

стр. 2501

والعربية، وشاع ذلك عنه عند أهل العلم فأنكروه، وارتفع الأمر إلى السلطان فأحضره واستتابه بحضرة القراء والفقهاء، فأذعن بالتوبة وكتب محضرا بتوبته، وأثبت جماعة من حضر ذلك المجلس خطوطهم فيه بالشهادة عليه، وقيل إنه لم ينزع عن تلك الحروف، وكان يقرأ بها إلى حين وفاته. قال الخطيب «١» : وقد ذكر حاله أبو طاهر ابن أبي هاشم المقرىء صاحب ابن مجاهد في كتابه الذي سماه «كتاب البيان» فقال: وقد نبغ نابغ في عصرنا هذا فزعم أنّ كل ما صحّ عنده وجه في العربية لحرف من القرآن يوافق خطّ المصحف فقراءته جائزة في الصلاة وغيرها، فابتدع بقيله ذلك بدعة ضلّ بها عن قصد السبيل، وأورط نفسه [في] مزلة عظمت بها جنايته على الإسلام وأهله، وحاول إلحاق كتاب الله من الباطل ما لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه، إذ جعل لأهل الالحاد في دين الله بسيّء رأيه طريقا من بين يدي «٢» أهل الحق، بتخير القراءات من جهة البحث والاستخراج بالآراء دون الاعتصام والتمسك بالأثر المفترض، وقد كان أبو بكر «٣» شيخنا- نضر الله وجهه- نشله «٤» عن بدعته المضلّة باستتابته منها، وأشهد عليه الحكام والشهود المقبولين عند الحكام بترك ما أوقع نفسه فيه من الضلالة، بعد أن سئل البرهان على صحّة ما ذهب إليه فلم يأت بطائل ولم يكن له حجة قوية ولا ضعيفة، فاستوهب أبو بكر ﵁ تأديبه من السلطان عند توبته وإظهاره الإقلاع عن بدعته، ثم عاود في وقتنا هذا إلى ما كان ابتدعه واستغوى من أصاغر المسلمين ممن هو في الغفلة والغباوة دونه ظنّا منه أن ذلك يكون للناس دينا، وأن يجعلوه فيما ابتدعه إماما، ولن يعدو ما ضلّ به مجلسه، لأن الله تعالى قد أعلمنا أنه حافظ لكتابه من لفظ الزائغين وشبهات الملحدين بقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (الحجر: ٩) وقد دخلت عليه شبهة لا تخيل بطولها وفسادها على ذي لبّ، وذلك انه قال: لما كان لخلف بن هشام وأبي عبيد وابن سعدان أن يختاروا، وكان ذلك مباحا لهم غير منكر، كان ذلك [لي] أيضا مباحا غير مستنكر، فلو كان حذا حذوهم وسلك طريقهم كان

стр. 2502

لعمري له غير مستنكر، ولكنه سلك من الشذوذ ما لا يقول به إلا مبتدع. قال الخطيب «١» : وذكر أبو طاهر كلاما كثيرا نقلنا منه هذا المقدار وهو في كتابه مستقصى. وحدث فيما أسنده إلى أبي أحمد الفرضي قال «٢» : رأيت في المنام كأني في المسجد الجامع أصلّي مع الناس، وكان ابن مقسم قد ولّى ظهره القبلة وهو يصلّي مستدبرها، فأوّلت ذلك مخالفته الأئمة فيما اختاره لنفسه من القراءات. وذكره محمد بن إسحاق فقال مات في سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة، وله من الكتب: كتاب الأنوار في تفسير القرآن. كتاب المدخل إلى علم الشعر. كتاب الاحتجاج في القراءات. كتاب في النحو كبير. كتاب المقصور والممدود. كتاب المذكر والمؤنث. كتاب الوقف والابتداء. كتاب المصاحف. كتاب عدد التمام. كتاب أخبار نفسه. كتاب مجالسات ثعلب. كتاب مفرداته. كتاب الانتصار لقراء الأمصار. كتاب الموضح. كتاب شفاء الصدور. كتاب الأوسط. كتاب اللطائف في جمع هجاء المصاحف. كتاب في قوله تعالى ومن يقتل والرد على المعتزلة. ولابن مقسم ابن يكنى أبا الحسن، وكان حفظة عالما له «كتاب عقلاء المجانين» . [١٠٣٥] محمد بن الحسن بن المظفر الحاتمي، أبو علي: ذكره الخطيب في «تاريخه» فقال: روى عن أبي عمر وغيره «٣» أخبارا في مجالس الأدب، قلت أنا:

стр. 2503

وأدرك ابن دريد وأخذ عنه، وهو من حذّاق أهل اللغة والأدب شديد العارضة، وكان مبغّضا إلى أهل العلم، فهجاه ابن الحجاج وغيره بأهاج مرّة. ومات سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. وذكره الثعالبي في كتاب «يتيمة الدهر» فقال: محمد بن الحسن الحاتمي حسن التصرف في الشعر موف على كثير من شعراء العصر، وأبوه أيضا شاعر، وأبو علي شاعر كاتب يجمع بين البلاغة في النثر والبراعة في النظم، وله الرسالة المعروفة في وقعة الأدهم، قال: وليس يحضرني من شعره إلا بيتان: لي حبيب لو قيل لي ما تمنّى ... ما تعديته ولو بالمنون أشتهي أن أحلّ في كلّ جسم ... فأراه بلحظ تلك العيون قال: ومما اخترته لأبيه قوله من قصيدة في القادر بالله أمير المؤمنين ﵀، أولها: حيّ رسم الغميم تحي الغميما ... إن فقدت الهوى فحيّ الرسوما وذكر قصيدة. وذكره أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الحصري في «كتاب النورين» وذكر أشعارا في قصر الليل وطوله فقال: وقال بعض أهل العصر وهو أبو علي محمد بن الحسن الحاتمي: يا ربّ يوم سرور خلته قصرا ... كعارض البرق في أفق الدجى برقا قد كاد يعثر أولاه بآخره ... وكاد يسبق منه فجره الشفقا كأنما طرفاه طرف اتفق ال ... جفنان منه على الإطراق وافترقا قال: وقد ملح الحاتمي في وصف الثريا: وليل أقمنا فيه نعمل كأسنا ... إلى أن بدا للصبح في الليل عسكر ونجم الثريا في السماء كأنه ... على حلّة زرقاء جيب مدنّر وللحاتمي تصانيف عدة منها: كتاب حلية المحاضرة في صناعة الشعر «١» .

стр. 2504

كتاب الموضحة في مساوي المتنبىء «١» . كتاب الهلباجة في صنعة الشعر. كتاب سر الصناعة في الشعر أيضا. كتاب الحالي والعاطل في الشعر أيضا. كتاب المجاز في الشعر أيضا. كتاب الرسالة الناجية. كتاب مختصر العربية. كتاب في اللغة لم يتم. كتاب عيون الكاتب. كتاب الشراب رسالة. كتاب منتزع الأخبار ومطبوع الأشعار. كتاب البراعة. كتاب المعيار والموازنة لم يتم. كتاب المغسل وهي الرسالة الباهرة في خصال أبي الحسن البتّي. قرأت في «كتاب الهلباجة» من تصنيفه، وهو كتاب صنفه للوزير أبي عبد الله ابن سعدان في رجل سبعه عنده وسمّى الرجل الهلباجة من غير أن يصرّح باسمه قال فيه: وقد خدمت سيف الدولة، تجاوز الله عن فرطاته، وأنا ابن تسع عشرة سنة، تميل بي سنة الصبا وتنقاد بي أريحية الشباب، بهذا العلم، وكان كلفا به علقا علاقة المغرم بأهله، منقّبا عن أسراره، ووزنت في مجلسه، تكرمة وإدناء وتسوية في الرتبة ولم تسفر خداي عن عذاريهما، بأبي علي الفارسي، وهو فارس العربية وحائز قصب السبق فيها منذ أربعين سنة، وبأبي عبد الله ابن خالويه وكان له السهم الفائز في علم العربية تصرفا في أنواعه، وتوسّعا في معرفة قواعده وأوضاعه، وبأبي الطيب اللغوي وكان كما قيل: حتف الكلمة الشرود حفظا وتيقظا، ونازعت العلماء ومدحت في مصنفاتهم، وعددت في الأفراد الذين منهم أبو سعيد السيرافي وعلي بن عيسى الرماني، وأبو سعيد المعلى وقدحه الأعلى، واتخذت بعضا ممن كان يقع الايماء إليه سخرة وأنا إذ ذاك غزير الغرارة تميد بي أسرار السرور، ويسري عليّ رخاء الاقبال، وأختال في ملاءة العز، في بلهنية من العيش وخفض من النعيم، وخطوب الدهر راقدة وأيامه مساعدة. وأنشد لنفسه في هذا الكتاب يمدح سيف الدولة: تأوبنى همّ من الليل وارد ... وعاودني من لاعج الوجد عائد فبتّ قضيض الجنب مسترجف الحشا ... كأني سقتني سمّهنّ الأساود

стр. 2505

كأنّ القنا فيه على القرن ضاغن ... وحدّ الحسام الهندوانيّ حاقد فصمت به الاشراك وهو مقوّم ... وقومت دين المصطفى وهو مائد فلا يشفق الاسلام من سوء عثرة ... وفي الروع من آل ابن حمدان ذائد وأنشد لنفسه في هذا الكتاب أبياتا ضمنها أعجاز أبيات للنابغة وهي في «الحماسة» : لا يهنأ الناس ما يرعون من كلأ ... وما يسوقون من أهل ومن مال فقال الحاتمي: وليلة ضلّ عنها الصبح داجية ... لبستها بمطول الجري هطّال وقد رمى البين شعب الحيّ فاقتسموا ... أيدي سبا بين تقويض وترحال فناسبت أنجم الآفاق عيسهم ... «وما يسوقون من أهل ومن مال» ترى الهلال نحيلا من مطالعه ... «أمسى ببلدة لا عمّ ولا خال» والجدي كالطرف يستنّ المراح به ... «إلى ذوات الذرى حمال أثقال» والليل والصبح في غبراء مظلمة ... «هذا عليها وهذا تحتها بال» وفي هذا الكتاب لنفسه في الهلباجة الذي صنف الكتاب لأجله: لقد سخف الفعليّ لما تحذّفا ... فنكّر في تعريفه ما تعرفا ويا ربّ وجه حذّفوه لزينة ... فأصبح من قبح لصاحبه قفا وهذه مخاطبة جرت بين أبي الطيب المتنبي وبين أبي علي الحاتمي حكيتها كما وجدتها: قال أبو علي الحاتمي: كان أبو الطيب المتنبي عند وروده مدينة السلام التحف رداء الكبر، وأذال ذيول التيه، وصعّر خده، ونأى بجانبه، وكان لا يلقى أحدا إلا نافضا مذرويه، رافلا في التيه في برديه، يخيّل إليه أن العلم مقصور عليه، وأن الشعر بحر لم يغترف نمير مائه غيره، وروض لم يرع نواره سواه، فأدلّ بذلك مديدة أجرّته رسن الجهل فيها، فظلّ يمرح في ثنييه، حتى إذا تخيل أنه القريع الذي لا يقارع، والنزيع الذي لا يجارى ولا ينازع، وأنه ربّ الغلب ومالك القصب، وثقلت وطأته على أهل الأدب بمدينة السلام، فطأطأ كلّ منهم رأسه وخفض جناحه وطامن

стр. 2506

على التسليم له جأشه، تخيل أبو محمد المهلبي أن أحدا لا يقدر على مساجلته ومجاراته، ولا يقوم لتتبعه بشيء من مطاعنه، وساء معزّ الدولة أن يرد عن حضرة عدوه رجل فلا يكون في مملكته أحد يماثله في صناعته ويساويه في منزلته، نهدت حينئذ متتبّعا عواره، ومتعقبا آثاره، ومطفيا ناره، ومهتكا أستاره، ومقلّما أظفاره، وناشرا مطاويه، وممزقا جلباب مساويه، متحينا أن نجتمع، وأجري وهو في مضمار يعرف فيه السابق من المسبوق، حتى إذا لم أجد ذلك قصدت موضعه الذي كان يحلّه في ربض حميد، فوافق مصيري إليه حضور جماعة تقرأ شيئا من شعره عليه، فحين أوذن بحضوري واستؤذن عليه لدخولي نهض عن مجلسه مسرعا، ووارى شخصه عني مستخفيا، فنزلت عن بغلة كانت تحتي ناجية وهو يراني نازلا عنها لانتهائي بها إلى أن حاذيته، فجلست في موضعه، وإذا تحته قطعة من زيلوبة مخلقة قد أكلتها الأيام وتعاورتها السنون فهي رسوم خافية وسلوك بادية، حتى إذا خرج إليّ نهضت إليه فوفيته حقّ السلام غير مشاح له في القيام، لأنه إنما اعتمد بنهوضه ألا ينهض لي عند موافاتي، وإذا هو قد لبس سبعة أقبية: كلّ قباء منها لون، وكان الوقت أحرّ أيام الصيف وأخلقها بتخفيف اللبس، فجلست وجلس، وأعرض عني ساعة لا يعيرني فيها طرفه ولا يسألني ما قصدت له، وقد كدت أتميّز غيظا، وأقبلت أسخّف رأيي في قصده، وأفنّد نفسي في التوجّه نحو مثله، ولوى عذاره عني مقبلا على تلك الزعنفة التي بين يديه: كلّ واحد يومىء إليه ويوحي بطرفه ويشير إلى مكاني بيده ويوقظه من سنة جهله، ويأبى إلا ازورارا ونفارا وجريا على شاكلة خلقه المشكلة، ثم رأى أن يثني رأسه إليّ، فوالله ما زادني على أن قال: أيش خبرك؟ قلت: أنا بخير لولا ما جنيت على نفسي من قصدك، وكلّفت قدمي في المصير إلى مثلك. ثم تحدرت عليه تحدر السيل إلى القرار وقلت له: أبن لي عافاك الله ممّ تيهك وخيلاؤك وعجبك؟ وما الذي يوجب ما أنت عليه من التجبّر والتنمّر؟ هل هاهنا نسب في الأبطح تبحبحت في بحبوحة الشرف وفرعت سماء المجد به؟ أم علم أصبحت علما يقع الايماء إليك فيه؟ هل أنت إلا وتد بقاع في شرّ البقاع وجفاء سيل بدفّاع؟ يا لله، استنّت الفصال حتى القرعى، وإني لأسمع جعجعة ولا أرى طحنا. فامتقع لونه عند سماع كلامي وعصب ريقه وجحظت عيناه وسقط في يده، وجعل يلين في الاعتذار لينا كاد يعطف عليه

стр. 2507

عطف صفحي عنه، ثم قلت: يا هذا إن جاءك رجل شريف في نسبه تجاهلت نسبه، أو عظيم في أدبه صغّرت أدبه، أو متقدّم عند سلطانه لم تعرف موضعه، فهل العزّ تراث لك دون غيرك؟ كلا والله، لكنك مددت الكبر سترا على نقصك، وضربته رواقا دون جهلك. فعاد إلى الاعتذار، وأخذت الجماعة في تليين جانبي والرغبة إليّ في قبول عذره واعتماد مياسرته، وأنا آبى إلا استشراء واجتراء، وهو يؤكد الأقسام ويواصلها أنه لم يعرفني، فأقول: يا هذا ألم يستأذن لي عليك باسمي ونسبي؟ أما في هذه العصابة من يعرّفك بي لو كنت جهلتني؟ وهب أن ذلك كذلك، ألم ترني ممتطيا بغلة رائعة يعلوها مركب ثقيل، وبين يديّ عدة من الغلمان؟ أما شاهدت لباسي؟ أما شممت نشر عطري؟ أما راعك شيء من أمري أتميز به في نفسك من غيري؟ وهو في أثناء ما أكلمه يقول: خفّض عليك، ارفق، استأن، فأصحب جانبي بعض الإصحاب، ولان شماسي بعض الليان، وأقبل عليّ وأقبلت عليه ساعة ثم قلت: أشياء تختلج في صدري من شعرك احبّ أن أراجعك فيها. قال: وما هي؟ قلت: خبرني عن قولك: فإن كان بعض الناس سيفا لدولة ... ففي الناس بوقات لها وطبول أهكذا تمدح الملوك؟ وعن قولك: ولا من في جنازتها تجار ... يكون وداعهم نفض النعال أهكذا تؤبن أخوات الملوك [والله لو كان هذا في أدنى عبيدها لكان قبيحا] وأخبرني عن قولك: خف الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت حاضت في الخدور العواتق أهكذا تنسب بالمحبوبين؟ وعن قولك في هجاء ابن كيغلغ: وإذا أشار محدثا فكأنه ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم أما كان لك في أفانين الهجاء التي تصرّفت فيها الشعراء مندوحة عن هذا الكلام الرذل الذي ينفر عنه كلّ طبع ويمجّه كل سمع؟ وعن قولك: وضاقت الأرض حتى صار هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنّه رجلا

стр. 2508

أفتعلم مرئيا يتناوله النظر لا يقع عليه اسم شيء؟ وما أراك نظرت إلا إلى قول جرير: ما زلت تحسب كلّ شيء بعدهم ... خيلا تكرّ عليهم ورجالا فأحلت المعنى عن جهته وعبرت عنه بغير عبارته، وعن قولك: أليس عجيبا أنّ وصفك معجز ... وأن ظنوني في معاليك تظلع فاستعرت الظلع لظنونك، وهي استعارة قبيحة، وتعجبت من غير متعجب لأن من أعجز وصفه لم يستنكر قصور الظنون وتحيرها في معاليه، وإنما نقلته- وأفسدته- من قول أبي تمام: ترقّت مناه طود عزّ لو ارتقت ... به الريح فترا لانثنت وهي ظالع وعن قولك تمدح كافورا: فإن نلت ما أملت منك فربما ... شربت بماء يعجز الطير ورده إنها مدح أو ذم؟ قال: مدح، قلت: انك جعلته بخيلا لا يوصلك إلى خيره من جهته، وشبهت نفسك في وصولك إلى ما وصلت إليه منه بشربك من ماء يعجز الطير ورده لبعده وترامي موضعه. وأخبرني أيضا عن قولك في صفة كلب وظبي: فصار ما في جلده في المرجل ... فلم يضرنا معه فقد الأجدل فأيّ شيء أعجبك من هذا الوصف: أعذوبة عبارته أم لطف معناه؟ أما قرأت رجز ابن هانىء وطرد ابن المعتز؟ أما كان هناك من المعاني التي ابتدعها هذان الشاعران وغرر المعاني التي اقتضباها ما تتشاغل به عن بنيّات صدرك هذه؟ وألا اقتصرت على ما في أرجوزتك هذه من الكلام السليم ولم تسفّ إلى هذه الألفاظ القلقة والأوصاف المختلقة. فأقبل عليّ ثم قال: أين أنت من قولي: كأن الهام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد وقد صغت الأسنة من هموم ... فما يخطرن إلا في فؤاد

стр. 2509

وأين أنت من قولي في صفة جيش: في فيلق من حديد لو رميت به ... صرف الزمان لما دارت دوائره وأين أنت من قولي: لو تعقل الشجر التي قابلتها ... مدّت محيّية إليك الأغصنا وأين أنت من قولي: أينفع في الخيمة العذّل ... ويشمل من دهره يشمل وما اعتمد الله تقويضها ... ولكن أشار بما تفعل وفيها أصف كتيبة: وملمومة زرد ثوبها ... ولكنها بالقنا مخمل وأين أنت عن قولي: الناس ما لم يروك أشباه ... والدهر لفظ وأنت معناه والجود عين وأنت ناظرها ... والبأس باع وفيك يمناه أما يلهيك إحساني في هذه عن إساءتي في تلك؟ قلت: ما أعرف لك إحسانا في جميع ما ذكرته، إنما أنت سارق متبع وآخذ مقصر، وفي ما تقدم من هذه المعاني التي ابتكرها أصحابها مندوحة عن التشاغل بقولك. فأما قولك: كأن الهام في الهيجا عيون ... (البيت) فهو منقول من بيت منصور النمري: فكأنما وقع الحسام بهامه ... خدر المنية أو نعاس الهاجع وأما قولك «في فيلق» ... (البيت) فنقلته نقلا لم تحسن فيه، من قول الناجم: ولي في حامد أمل بعيد ... ومدح قد قدمت به طريف مديح لو مدحت به الليالي ... لما دارت عليّ به صروف والناجم إنما نظمه من قول ارسطاطاليس «قد تكلمت بكلام لو مدحت به الدهر لما دارت عليّ صروفه» . وأما قولك «لو تعقل الشجر التي قابلتها» ... (البيت) فهذا معنى متداول تساجلته الشعراء وأكثرت فيه، فمن ذلك قول الفرزدق:

стр. 2510

يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم ثم تكرر في أفواه الشعراء إلى أن قال أبو تمام: لو سعت بقعة لإعظام أخرى ... لسعى نحوها المكان الجديب وأخذه البحتري فقال: لو أن مشتاقا تكلّف غير ما ... في وسعه لمشى إليك المنبر وأما قولك «وما اعتمد الله تقويضها» فقد نظرت فيه إلى قول رجل مدح بعض الأمراء بالموصل، وقد كان عزم على السير فاندق لواؤه فقال: ما كان مندقّ اللواء لريبة ... تخشى ولا أمر يكون مزيّلا لكن لأنّ العود ضعّف متنه ... صغر الولاية فاستقلّ الموصلا وأما قولك «وملمومة زرد ثوبها» فمن قول أبي نواس: أمام خميس أرجوان كأنه ... قميص محوك من قنا وجياد وأما قولك «الناس ما لم يروك أشباه» فمن قول علي بن نصر بن بسام في عبيد الله بن سليمان يرثيه: قد استوى الناس ومات الكمال ... وصاح صرف الدهر أين الرجال هذا أبو القاسم في نعشه ... قوموا انظروا كيف تزول الجبال فقوله «قد استوى الناس ومات الكمال» هو قولك «الناس ما لم يروك أشباه» ، فقال بعض من حضر: ما أحسن قوله «قوموا انظروا كيف تزول الجبال» فقال أبو الطيب: اسكت ما فيه من حسن، ألم يسرقه من قول النابغة الذبياني: يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم ... وكيف بحصن والجبال جنوح فقال الحاتمي: فقلت قد سرقه النابغة من أوس حين قال: ألم تكسف الشمس شمس النها ... ر والبدر للقمر الواجب لفقد فضالة لا تستوي ال ... فقود ولا خلّة الذاهب قلت: والله لئن كان أخذه فقد أحسن وأخفى الأخذ. فقال الرجل: أجل، فقال المتنبي: يا محسّد، خذ بيده وأخرجه- يريد بمحسد ابنه- فوقفت إلى ان تركه.

стр. 2511

ثم قلت له: وأما قولك «والدهر لفط وأنت معناه» فمنقول من قول الأخطل إن كان البيت له في عبد الملك بن مروان: وان أمير المؤمنين وفعله ... لكالدهر لا عار بما فعل الدهر وقد قال جرير حين قال له الفرزدق: فإني أنا الموت الذي هو نازل ... بنفسك فانظر كيف أنت تجاوله وقال جرير: أنا الدهر يفني الموت والدهر خالد ... فجئني بمثل الدهر شيئا يطاوله ثم قلت له: أترى أن جريرا أخذ قوله «يفني الموت» من أحد وان أحدا شركه في إفناء الموت؟ ففكر طويلا ثم قال: لا، قلت: بلى عمران بن حطان حيث يقول: لن يعجز الموت شيء دون خالقه ... والموت فان إذا ما ناله الأجل وكلّ كرب أمام الموت متضع ... بالموت والموت فيما بعده جلل فأمات الموت وأحياه وما سبقه إلى ذلك أحد. ثم قلت له: أترى أن البيت المتقدم الذي يقول فيه «لكالدهر لا عار بما فعل الدهر» مأخوذ من أحد؟ فأطرق هنيهة ثم قال: وما تصنع بهذا؟ قلت: يستدل على موضعك ومواضع أمثالك من سرقة الشعر. فقال: الله المستعان «أساء سمعا فأساء جابة» ما أردت ما ذهبت إليه، قلت: فانه أخذه من قول النابغة وهو أول من ابتكره: وعيّرتني بنو ذبيان خشيته ... وما عليّ بأن أخشاك من عار ثم أخذه أبو تمام فأحسن بقوله: خشعوا لصولتك التي هي فيهم ... كالموت يأتي ليس فيه عار قال: ومن أبو تمام؟ قلت: الذي سرقت شعره فأنشدته، قال: هذه خلائق السفهاء لا خلائق العلماء، قلت: أجل أنت سفهت رأيي ولم يكن سفيها، ألست القائل: ذي المعالي فليعلون من تعالى ... هكذا هكذا وإلا فلا لا شرف ينطح الثريا بروقي ... هـ وفخر يقلقل الأجبالا

стр. 2512

قال: بلى، قلت: فإنك أخذت البيت الأول من بيت بكر بن النطاح: يتلقى الندى بوجه حييّ ... وصدور القنا بوجه وقاح هكذا هكذا تكون المعالي ... طرق الجدّ غير طرق المزاح وأخذت البيت الثاني فأفسدته من قول أبي تمام: همة تنطح الثريا وجدّ ... آلف للحضيض فهو حضيض قال: وبأيّ شيء أفسدته؟ قلت: بأن جعلت للشرف قرنا، قال: وأنى لك بذلك؟ قلت: ألم تقل «ينطح السماء بروقيه» والروقان القرنان. قال: أجل إنما هي استعارة، قلت: نعم هي استعارة خبيثة. قال: أقسمت غير محرج في قسمي أنني لم أقرأ شعرا قط لأبي تمامكم هذا، فقلت: هذه سوءة لو سترتها كان أولى، قال: السوءة قراءة شعر مثله، أليس هو الذي يقول: خشنت عليه أخت بني خشين ... وأنجح فيك قول العاذلين والذي يقول: لعمري لقد حرّرت يوم لقيته ... لو أن القضاء وحده لم يبرّد والذي يقول: تكاد عطاياه يجنّ جنونها ... إذا لم يعوّذها بنغمة طالب والذي يقول: تسعون ألفا كآساد الشرى نضجت ... أعمارهم قبل نضج التين والعنب والذي يقول: ولّى ولم يظلم وهل ظلم امرؤ ... حثّ النجاء وخلفه التنين والذي يقول: فضربت الشتاء في أخدعيه ... ضربة غادرته عودا ركوبا والذي يقول: كانوا رداء زمانهم فتصدعوا ... فكأنما لبس الزمان الصوفا

стр. 2513

والذي يقول: أقول لقرحان من البين لم يضف ... رسيس الهوى بين الحشا والترائب ما «قرحان البين» أخرس الله لسانه؟ فأحفظني ذلك وقلت: يا هذا من أدلّ الدليل على أنك قرأت شعر هذا الرجل تتبعك مساويه، فهل في الدلالة على اختلاقك إنكاره أوضح مما ذكرته؟ وهل يصم أبا تمام أو يسمه بميسم النقيصة ما عددته من سقطاته وتخونته من أبياته؟ وهو الذي يقول في النونية: نوالك ردّ حسّادي فلولا ... وأصلح بين أيامي وبيني فهلا اغتفرت الأول لهذا البيت الذي لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، وأما قوله: تسعون ألفا كآساد الشرى نضجت ... أعمارهم قبل نضج التين والعنب فلهذا البيت خبر لو استقريت صحفه لأقصرت عمن تناولته بالطعن فيه. ثم قصصت الخبر وقلت: في هذه القصيدة ما لا يستطيع أحد من متقدمي الشعراء وأمراء الكلام وأرباب الصناعة أن يأتي بمثله. قال: وما هو؟ قلت: لو قال قائل إن أحدا لم يبتدىء بأوجز ولا أحسن ولا أخصر من قوله: السيف أصدق إنباء من الكتب ... في حدّه الحدّ بين الجد واللعب لما عنف في ذلك. وفيها يقول: رمى بك الله برجيها فهدّمها ... ولو رمى بك غير الله لم يصب وفيها يقول: لما رأى الحرب رأي العين توفلس ... والحرب مشتقة المعنى من الحرب وفيها يقول: فتح تفتّح أبواب السماء له ... وتبرز الأرض في أبرادها القشب وفيها يقول: بكر فما افترعتها كفّ حادثة ... ولا ترقّت إليها همة النوب وفيها يقول: غادرت فيها بهيم الليل وهو ضحى ... يشلّه وسطها صبح من اللهب

стр. 2514

حتى كأن جلابيب الدجى رغبت ... عن لونها وكأن الشمس لم تغب وفيها يقول: أجبته معلنا بالسيف منصلتا ... ولو أجبت بغير السيف لم تجب وأما قوله «أقول لقرحان من البين» فانه يريد رجلا لم يقطعه أحبابه ولم يبينوا عنه قبل ذلك، وإذ كانت حاله كذلك كان موقع البين أشدّ عليه وأفتّ في عضده، والأصل في هذا أن القرحان الذي لم يجدر قط، وقد قال جرير: وكنت من زفرات البين قرحانا وفي هذه القصيدة من المعاني الرائعة والتشبيهات الواقعة والاستعارات البارعة ما يغتفر معه هذا البيت وأمثاله، على أنّا أبنّا عن صحة معناه وعن أمثاله، فمن ذلك: إذا العيس لاقت بي أبا دلف فقد ... تقطّع ما بيني وبين النوائب يرى أقبح الأشياء أوبة آمل ... كسته يد المأمول حلّة خائب وأحسن من نور يفتّحه الندى ... بياض العطايا في سواد المطالب وقد علم الأفشين وهو الذي به ... يصان رداء الملك عن كل جاذب بأنك لما استحنك النصر واكتسى ... أهابي تسفى في وجوه التجارب تجللته بالرأي حتى رأيته ... به ملء عينيه مكان العواقب بأرشق إذ سالت عليهم غمامة ... جرت بالعوالي والعتاق الشوازب ولو كان يفنى الشعر أفناه ما قرت ... حياضك منه في العصور الذواهب ولكنه فيض العقول إذا انجلت ... سحائب جود أعقبت بسحائب فبهره مما أوردته ما قصّر عنان عبارته، وحبس بنيات صدره، وعقل عن الإجابة لسانه، وكاد يشغب لولا ما تخوفه من عاقبة شغبه، وعرفه من مكاني في تلك الأيام، وأن ذلك لا يتم له، فما زاد على أن قال: قد أكثرت من أبي تمام لا قدس الله أبا تمام وذويه. قلت: ولا قدس السارق منه والواقع فيه. ثم قلت له: ما الفرق في كلام العرب بين التقديس والقدّاس والقداس والقادس، فقال: وأيش غرضك في هذا؟ فقلت: المذاكرة، فقال: بل المهاترة،

стр. 2515

ثم قال: التقديس التطهير في كلام العرب، ولذلك سمي القدس قدسا لأنه يشتمل على الذي به الطهور، وكل هذه الأحرف تؤول إليه، فقلت له: ما أحسبك أنعمت النظر في شيء من علوم العرب، ولو تقدمت منك مطالعة لها لما استجزت أن تجمع بين معاني هذه الكلمات مع تباينها، وذلك لأن القدّاس بتشديد الدال حجر يلقى في البئر ليعلم به غزارة مائها من قلته، حكى ذلك ابن الأعرابي، والقداس الجمان، حكى ذلك الخليل واستشهد بقوله [كنظم جمان سلكه متقطع. والقادس السفينة، قال الشاعر بصف ناقة:] وتهفو بهاد لها متلع ... كما اقتحم القادس الأردمونا فلما علوته بالكلام قال: يا هذا مسلّمة إليك اللغة. قلت: وكيف تسلمها وأنت أبو عذرتها، ومن نصابها وسرها، وأولى الناس بالتحقق بها والتوسع في اشتقاقها والكلام على أفانينها، وما أحد أولى بأن يسأل عن لغته منك. فشرعت الجماعة الحاضرة في إعفائه وقبول عذره والتوطيء له، وقال كل منهم: أنت أولى بالمراجعة والمياسرة لمثل هذا الرجل من كل أحد. وكنت قد بلغت شفاء نفسي، وعلمت أن الزيادة على الحدّ الذي انتهيت إليه ضرب من البغي لا أراه في مذهبي، ورأيت له حقّ القدمة في صناعته، فطأطأت له كتفي، واستأنفت جميلا من وصفه، ونهضت فنهض لي مشيّعا الى الباب حتى ركبت، وأقسمت عليه أن يعود إلى مكانه، وتشاغلت بقية يومي بشغل عنّ لي تأخرت معه عن حضرة المهلبي، وانتهى إليه الخبر وأتتني رسله ليلا فأتيته فأخبرته بالقصة على الحال، فكان من سروره وابتهاجه بما جرى ما بعثه على مباكرة معز الدولة، قال له: أعلمت ما كان من فلان والمتنبي؟ قال: نعم قد شفا منه صدورنا. [١٠٣٦] محمد بن الحسن الزبيدي الاشبيلي أبو بكر، النحوي اللغوي: سكن

стр. 2516

قرطبة من بلاد الأندلس وأخذ عن أبي [علي] إسماعيل القالي، واعتمد عليه الحكم ابن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس (والحكم هو المتغلب على بلاد الغرب المتلقب بالمستنصر) في تعليم ولده. مات الزبيدي باشبيلية في جمادى الأولى سنة تسع وسبعين وثلاثمائة، كذا ذكر ابن بشكوال، وقال الحميدي: توفي قريبا من سنة ثمانين وثلاثمائة. وروى عنه غير واحد منهم ابنه أبو الوليد محمد وابراهيم بن محمد الافليلي النحوي وغيرهما. والزبيدي نسبة إلى زبيد بن صعب بن سعد العشيرة، رهط عمرو بن معد يكرب الزبيدي. وقد ذكره الحميدي في كتابه في باب الحسن بن عبد الله بن مذحج بن محمد بن عبيد الله بن بشير بن أبي ضمرة بن ربيعة بن مذحج الزبيدي، سمع بالأندلس من عبيد الله بن يحيى بن يحيى الليثي ومن غيره ورحل وسمع، وكانت وفاته بالأندلس قريبا من سنة عشرين وثلاثمائة، وقد سمعت من يقول إنه والد أبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي النحوي مؤلف «كتاب الواضح» ويشبه أن يكون ذلك [كذلك] والله أعلم. قال الحميدي: أبو بكر الزبيدي من الأئمة في اللغة والعربية ألف في النحو كتابا سماه كتاب الواضح. واختصر كتاب العين اختصارا حسنا. وله كتاب في أبنية سيبويه. وله كتاب ما يلحن فيه عوام الأندلس. وكتاب طبقات النحويين «١» . قال المؤلف: وقد نقلت الى كتابي هذا ما نسبته اليه. وبلغني أن أهل الغرب يتنافسون في كتبه خصوصا كتابه الذي اختصره من «كتاب العين» لأنه أتمه باختصاره وأوضح مشكله وزاد فيه ما عساه كان مفتقرا إليه. وله غير ما ذكرناه من التصانيف في كل نوع من الأدب. قال الحميدي: وكان شاعرا كثير الشعر، أخبرنا أبو عمر ابن عبد البر قال: كتب الزبيدي الى أبي مسلم ابن فهد: أبا مسلم إنّ الفتى بجنانه ... ومقوله لا بالمراكب واللبس

стр. 2517

وليس ثياب المرء تغني قلامة ... إذا كان مقصورا على قصر النفس وليس يفيد العلم والحلم والحجى ... أبا مسلم طول القعود على الكرسي قال، وقال أبو محمد علي بن أحمد: كتب الوزير أبو الحسن جعفر بن عثمان المصحفي إلى صاحب الشرطة أبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي [كتابا فيه: «فاضت نفسه» بالضاد، فجاوبه الزبيدي] بمنظوم بيّن له فيه الخطأ دون تصريح وهو: قل للوزير السنيّ محتده ... لي ذمة منك أنت حافظها عناية بالعلوم معجزة ... قد بهظ الأولين باهظها يقرّ لي عمرها ومعمرها ... فيها ونظّامها وجاحظها قد كان حقا قبول حرمتها ... لكنّ صرف الزمان لافظها وفي خطوب الزمان لي عظة ... لو كان يثني النفوس واعظها ان لم تحافظ عصابة نسبت ... إليك قدما فمن يحافظها لا تدعن حاجتي مطرّحة ... فإن نفسي قد فاظ فائظها فأجابه المصحفي: خفّض فواقا فأنت أوحدها ... علما ونقّابها وحافظها كيف تضيع العلوم في بلد ... أبناؤه كلّهم يحافظها ألفاظهم كلّها معطلة ... ما لم يعوّل عليك لا فظها من ذا يساويك ان نطقت وقد ... أقرّ بالعجز عنك جاحظها علم ثنى العالمين عنك كما ... ثنى سنا الشمس من يلاحظها فقد أتتني فديت شاغلة ... للنفس أن قلت فاظ فائظها فأوضحنها نفز بنادرة ... قد بهظ الأولين باهظها فأجابه الزبيدي وضمّن الشعر الشاهد على ذلك: أتاني كتاب من كريم مكرّم ... فنفّس عن نفس تكاد تفيظ

стр. 2518

فسرّ جميع الأولياء وروده ... وسيء رجال آخرون وغيظوا لقد حفظ العهد الذي قد أضاعه ... لديّ سواه والكريم حفيظ وباحث عن «فاظت» وقبلي قالها ... رجال لديهم في العلوم حظوظ روى ذاك عن كيسان سهل وأنشدوا ... مقال أبي الغيّاظ وهو مغيظ «فلا حفظ الرحمن روحك حية ... ولا هي في الأرواح حين تفيظ» «١» قال الحميدي قال لي أبو محمد: وقد يقال فاضت نفسه بالضاد، ذكر ذلك يعقوب بن السكيت في «كتاب الألفاظ» له. قال: وله وقد استأذن الحكم المستنصر في الرجوع إلى اشبيلية فلم يأذن له، فكتب إلى جارية له هناك تدعى سلمى: ويحك يا سلم لا تراعى ... لا بد للبين من زماع لا تحسبيني صبرت إلا ... كصبر ميت على النزاع ما خلق الله من عذاب ... أشدّ من وقفة الوداع ما بينها والحمام فرق ... لولا المناحات والنواعي إن يفترق شملنا وشيكا ... من بعد ما كان ذا اجتماع فكلّ شمل الى افتراق ... وكل شعب إلى انصداع وكلّ قرب إلى بعاد ... وكل وصل الى انقطاع قال المؤلف: هذا آخر ما كتبنا من كتاب الحميدي وهو الذي وجدناه فيه من خبره. [١٠٣٧] محمد بن الحسن المذحجي أبو عبد الله، يعرف بابن الكتاني: ذكره

стр. 2519

الحميدي في «تاريخ الأندلس» وقال: له مشاركة قوية في علم الأدب والشعر، وله تقدم في علوم الطب والمنطق والكلام في الحكم ورسائل في كل ذلك وكتب معروفة، مات بعد الأربعمائة، وله «كتاب محمد وسعدى» مليح في معناه. ومن شعره: ألا قد هجرنا الهجر واتصل الوصل ... وبانت ليالي البين واشتمل الشمل فسعدى نديمي والمدامة ريقها ... ووجنتها روضي وقبلتها النقل ومنه أيضا: نأيت عنكم بلا صبر ولا جلد ... وصحت واكبدي حتى مضت كبدي أضحى الفراق رفيقا لي يواصلني ... بالبعد والشجو والأحزان والكمد وبالوجوه التي تبدو فأنشدها ... وقد وضعت على قلبي يدي بيدي إذا رأيت وجوه الطير قلت لها ... لا بارك الله في الغربان والصّرد [١٠٣٨] محمد بن الحسن الجبلي النحوي: ذكره الحميدي في «تاريخه» أيضا، وهو أديب شاعر كثير القول كان يقرأ عليه الأدب؛ أنشدني لنفسه: وما الإنس بالإنس الذي عهدتهم ... بأنس ولكن فقد أنسهم أنس إذا سلمت نفسي وديني منهم ... فحسبي أن العرض مني لهم ترس قال ابن ماكولا: قتل سنة خمس وأربعمائة، وقال لي الحميدي: تركته حيا. [١٠٣٩] محمد بن الحسن البرجي الأديب الأصفهاني: قال ابن منده: مات في محرم سنة ثمان وأربعين وأربعمائة.

стр. 2520

[١٠٤٠] محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن حمدون غرس الدولة أبو نصر المنشىء الأديب: من كتاب الانشاء ببغداد له ترسل وشعر، توفي سنة خمس وأربعين وخمسمائة، وهو أخو محمد بن الحسن صاحب التذكرة وذاك لقبه أبو المعالي وهذا لقبه أبو نصر. وكتب في الديوان في أوائل سنة ثلاث عشرة وخمسمائة إلى أن توفي. وكان منفردا بالمهمات، ولم يثبت رسائله لأنها كانت تنثال عليه انثيالا ويكتبها ارتجالا، وله: كتاب رسائل: وتاريخ الحوادث. [١٠٤١] محمد بن الحسين بن محمد بن الحسين بن عبد الوارث، أبو الحسين الفارسي النحوي، ابن أخت أبي علي الفارسي: أخذ عن خاله علم العربية، وطوّف الآفاق ورجع إلى الوطن، وكان خاله أوفده على الصاحب ابن عباد إلى جهة الري فارتضاه وأكرم مثواه، ثم تقرب أبو الحسين ولقي الناس في انتقاله، وورد خراسان ونزل بنيسابور دفعات وأملى بها من الأدب والنحو ما سارت به الركبان، وآل أمره إلى أن وزر للأمير شاد غرسي ستان ثم اختصّ بالأمير اسماعيل بن سبكتكين بغزنة ووزر

стр. 2521

له، ثم عاد إلى نيسابور، ثم توجه إلى مكة وجاور بها، ثم عاد إلى غزنة ورجع إلى نيسابور، ثم انتقل إلى اسفراين، ثم استوطن جرجان إلى أن مات، وقرأ عليه أهلها: منهم عبد القاهر الجرجاني، وليس له أستاذ سواه. وللصاحب ابن عباد مكاتبات إليه مدونة، وله تصانيف منها كتاب الهجاء. وكتاب الشعر، مات سنة احدى وعشرين وأربعمائة، ومن شعره: ولا غصن إلا ما حواه قباؤه ... ولا دعص إلا ما خبته مآزره وأمضى من السيف المنوط بخصره ... إذا شيم سيف تنتضيه محاجره [١٠٤٢] محمد بن الحسين بن محمد الطبري النحوي يعرف بابن نجدة: مشهور في أهل الأدب، وله خطّ مرغوب فيه قرأ على الفضل بن الحباب الجمحي أبي خليفة. ومن شعره: شفاء العمى حسن السؤال وانما ... يطيل العمى طول السكوت على الجهل فكن سائلا عما عناك فانما ... خلقت أخا عقل لتسأل بالعقل [١٠٤٣] محمد بن حمد بن محمد بن عبد الله بن محمود بن فورّجه- بضم الفاء وسكون الواو وتشديد الراء المفتوحة وفتح الجيم- البروجردي: أديب فاضل مصنّف، له كتاب الفتح على أبي الفتح، والتجني على ابن جني، يردّ فيه على أبي الفتح ابن جني في شرح شعر المتنبي، ومولده في ذي الحجة سنة ثلاثين وثلاثمائة، كان موجودا سنة خمس وخمسين وأربعمائة ومن شعره:

стр. 2522

أيها القاتلي بعينيه رفقا ... إنما يستحقّ ذا من قلاكا أكثر اللائمون فيك عتابي ... أنا واللائمون فيك فداكا إن لي غيرة عليك من اسمي ... إنه دائما يقبّل فاكا [١٠٤٤] محمد بن حيويه بن المؤمل الوكيل، أبو بكر بن أبي روضة الكرجي النحوي: روى عن إبراهيم بن الحسين ومحمد بن المغيرة السكري من أهل همذان، وروى عنه كامل بن أحمد النحوي وأبو الحسن ابن الصباح وأبو سعد عبد الرحمن بن محمد الادريسي السمرقندي الحافظ وقال: لا أعتمد عليه وقد تكلّموا فيه وليس عندهم بذاك، وسئل عن سنه فقال: مائة واثنتا عشرة سنة، ومات سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة. [١٠٤٥] محمد بن خلصة أبو عبد الله الشذوني النحوي نزيل دانية: كان كفيفا من كبار النحاة والشعراء، أخذ عن ابن سيده وبرع في اللغة والنحو، وشعره مدون، توفي سنة سبعين وأربعمائة أو ما قبلها ... ومن شعره: تغرهم بك والآمال كاذبة ... ما جمعوا لك من خيل ومن خول وما يصمم عظما كل ذي شطب ... ولا يقوم بخصل كلّ ذي خصل مكنت حزمك من حيزوم مكرهم ... وقد تصاد أسود الغيل بالغيل

стр. 2523

ومنه: ملك إذا استبقت الأيام باقية ... ممن أبادته أو جادت بمعتقب طوى الجناح على كسر به حسدا ... كسرى وعاد أبا كرب أبو كرب ومنه: بنفسي وقلّت ظعنهم مستقلة ... وللقلب إثر الواخدات بهم وخد يحفّ سنا الأقمار فيهم سنا الظبا ... وشهد اللمى الماذيّ ماذية حصد فمن غرب ثغر دونه غرب مرهف ... ومن ورد خدّ دونه أسد ورد وذكر الحميدي أنه رآه بعد الأربعين بدانية، وأورد له من شعره: أمدنف نفس ذو هوى أم جليدها ... غداة غدت في حلبة البين غيدها وقد كنفت منهنّ أكناف منعج ... عباديد سادات الرّجال عبيدها تبادرن أستار القباب كما بدت ... بدور ولكنّ البروج عقودها تخدّ بألحاظ العيون خدودها ... وترهب أن تنقدّ لينا قدودها فيا لدماء الأسد تسفكها الدّمى ... وللصّيد من عفر الظباء تصيدها وفوق الحشايا كلّ مرهفة الحشا ... حشت كبدي نارا بطيئا خمودها تحلّ لوى خبت وقلبي محلّها ... وتخلبني غدرا وقلبي وحيدها لئن زعموا أنّى سلوت لقد بدت ... دلائل من شكواي عدل شهودها نحول كرقراق السحاب وعبرة ... كما انهملت غرّ السحاب وسودها تغيض ولوعات الفراق تمدّها ... وتنقص والشّجو الأليم يزيدها لتفدك أكباد ظماء أجفّها ... هواك وأجفان جفاها هجودها ومهجة صبّ لم تزل صبة بها ... يد الوجد حتّى عاد عدما وجودها ضنا جسدي إن كان يرضيك برؤه ... وإتلاف نفسي في هواك خلودها ولولا الهوى لم ترض نفس نفيسة ... هوانا ولكن حبّ نفس قؤودها

стр. 2524

[١٠٤٦] محمد بن داود بن علي الظاهري الإمام ابن الإمام الأصفهاني البغدادي الفقيه الأديب صاحب «كتاب الزهرة» : من أذكياء العالم، جلس للفتيا وناظر ابن سريج. سئل عن حدّ السكر متى هو ومتى يكون الانسان سكران فقال: إذا عزبت عنه الهموم وباح بسره المكتوم. حفظ القرآن وله سبع سنين. وله: كتاب الانذار والاعذار. مختار الأشعار. الايجاز في الفقه. البراعة. الانتصار لأبيه من الناشىء المتكلم. الانتصار لأبيه من محمد بن جرير. التقصي في الفقه. الايجاز لم يكمل. الوصول إلى معرفة الأصول. اختلاف مسائل الصحابة. الفرائض. المناسك. توفي في شهر رمضان سنة سبع وتسعين ومائتين وعمره اثنتان وأربعون سنة. كان يلقب بعصفور الشوك لنحافته وصفرة لونه. قال محمد: ما انفككت من هوى قط منذ دخلت الكتّاب. [وقال] : بدأت بعمل الزهرة وأنا في الكتاب ونظر أبي في أكثره. ودخل يوما على ثعلب النحوي فقال له ثعلب: اذكرك شيئا من صبوتك، فقال: سقى الله أياما لنا ولياليا ... لهن بأكناف الشباب ملاعب إذ العيش غضّ والزمان بغرة ... وشاهد أوقات المحبين غائب فبكى ثعلب. وقال القاضي محمد بن يوسف بن يعقوب: كنت يوما أساير أبا بكر ابن داود، فسمع جارية تغنّي بشعره وتقول: أشكو غليل فؤاد أنت متلفه ... شكوى عليل إلى إلف يعلّله سقمي يزيد على الأيام كثرته ... وأنت في عظم ما ألقى تقلله

стр. 2525

الله حرّم قتلي في الهوى سفها ... وأنت يا قاتلي ظلما تحلّله فقال: يا أبا عمر، كيف السبيل إلى استرجاع مثل هذا؟ فقلت: هيهات سارت به الركبان. ومن شعره: أكرّر في روض المحاسن ناظري ... وأمنع نفسي أن تنال المحرما رأيت الهوى دعوى من الناس كلّهم ... فما إن أرى حبا صحيحا مسلما ومنه أيضا: وإني لأدري أن في الصبر راحة ... ولكنّ إنفاقي عليّ من الصبر فلا تطف نار الشوق بالشوق طالبا ... سلوا فإن الجمر يسعر بالجمر وكان محمد يهوى فتى حدثا من أهل أصبهان يقال له محمد بن جامع، ويقال ابن زخرف، وكان طاهرا في عشقه عفيفا، وكان ابن جامع ينفق عليه، ولم ير معشوق ينفق على عاشق غيره، ولم يزل في حبه حتى قتله. دخل ابن جامع يوما إلى الحمام وخرج فنظر في المرآة فأعجبه حسنه، فغطى وجهه بمنديل وجاء إلى محمد بن داود وهو على تلك الحالة، فقال: ما هذا: قال: نظرت في المرآة فأعجبني حسني فما أحببت أن يراه أحد قبلك، فغشي عليه. دخل على ابن داود ابراهيم بن محمد نفطويه وقد ضني على فراشه فقال له: يا أبا بكر ما هذا مع القدرة والمحبوب مساعد؟ فقال: أنا في آخر يوم من الدنيا، لا أنالني الله شفاعة محمد ﷺ إن كنت حللت سراويلي على حرام قط. حدثني أبي بإسناده إلى ابن عباس، قال قال رسول الله ﷺ : من عشق فكتم وعفّ فصبر ثم مات مات شهيدا وأدخله الله الجنة ... ولما مات جلس ابن سريج في عزائه وبكى، وجلس على التراب وقال: ما آسى إلا على لسان أكله التراب من أبي بكر. ويحكى أنه لما بلغته وفاته كان يكتب شيئا، فألقى الكراسة من يده وقال: مات من كنت أحث نفسي وأجهدها على الاشتغال لمناظرته ومقاومته ... واجتمع محمد يوما هو وابن سريج في مجلس الوزير ابن الجراح، فتناظرا في
следующие страницы →