له، ثم عاد إلى نيسابور، ثم توجه إلى مكة وجاور بها، ثم عاد إلى غزنة ورجع إلى نيسابور، ثم انتقل إلى اسفراين، ثم استوطن جرجان إلى أن مات، وقرأ عليه أهلها:
منهم عبد القاهر الجرجاني، وليس له أستاذ سواه. وللصاحب ابن عباد مكاتبات إليه مدونة، وله تصانيف منها كتاب الهجاء. وكتاب الشعر، مات سنة احدى وعشرين وأربعمائة، ومن شعره:
ولا غصن إلا ما حواه قباؤه ... ولا دعص إلا ما خبته مآزره
وأمضى من السيف المنوط بخصره ... إذا شيم سيف تنتضيه محاجره
[١٠٤٢] محمد بن الحسين بن محمد الطبري النحوي
يعرف بابن نجدة: مشهور في أهل الأدب، وله خطّ مرغوب فيه قرأ على الفضل بن الحباب الجمحي أبي خليفة.
ومن شعره:
شفاء العمى حسن السؤال وانما ... يطيل العمى طول السكوت على الجهل
فكن سائلا عما عناك فانما ... خلقت أخا عقل لتسأل بالعقل
[١٠٤٣] محمد بن حمد بن محمد بن عبد الله بن محمود
بن فورّجه- بضم الفاء وسكون الواو وتشديد الراء المفتوحة وفتح الجيم- البروجردي: أديب فاضل مصنّف، له كتاب الفتح على أبي الفتح، والتجني على ابن جني، يردّ فيه على أبي الفتح ابن جني في شرح شعر المتنبي، ومولده في ذي الحجة سنة ثلاثين وثلاثمائة، كان موجودا سنة خمس وخمسين وأربعمائة ومن شعره:
стр. 2522
أيها القاتلي بعينيه رفقا ... إنما يستحقّ ذا من قلاكا
أكثر اللائمون فيك عتابي ... أنا واللائمون فيك فداكا
إن لي غيرة عليك من اسمي ... إنه دائما يقبّل فاكا
[١٠٤٤] محمد بن حيويه بن المؤمل الوكيل، أبو بكر
بن أبي روضة الكرجي النحوي: روى عن إبراهيم بن الحسين ومحمد بن المغيرة السكري من أهل همذان، وروى عنه كامل بن أحمد النحوي وأبو الحسن ابن الصباح وأبو سعد عبد الرحمن بن محمد الادريسي السمرقندي الحافظ وقال: لا أعتمد عليه وقد تكلّموا فيه وليس عندهم بذاك، وسئل عن سنه فقال: مائة واثنتا عشرة سنة، ومات سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة.
[١٠٤٥] محمد بن خلصة أبو عبد الله الشذوني النحوي
نزيل دانية: كان كفيفا من كبار النحاة والشعراء، أخذ عن ابن سيده وبرع في اللغة والنحو، وشعره مدون، توفي سنة سبعين وأربعمائة أو ما قبلها ... ومن شعره:
تغرهم بك والآمال كاذبة ... ما جمعوا لك من خيل ومن خول
وما يصمم عظما كل ذي شطب ... ولا يقوم بخصل كلّ ذي خصل
مكنت حزمك من حيزوم مكرهم ... وقد تصاد أسود الغيل بالغيل
стр. 2523
ومنه:
ملك إذا استبقت الأيام باقية ... ممن أبادته أو جادت بمعتقب
طوى الجناح على كسر به حسدا ... كسرى وعاد أبا كرب أبو كرب
ومنه:
بنفسي وقلّت ظعنهم مستقلة ... وللقلب إثر الواخدات بهم وخد
يحفّ سنا الأقمار فيهم سنا الظبا ... وشهد اللمى الماذيّ ماذية حصد
فمن غرب ثغر دونه غرب مرهف ... ومن ورد خدّ دونه أسد ورد
وذكر الحميدي أنه رآه بعد الأربعين بدانية، وأورد له من شعره:
أمدنف نفس ذو هوى أم جليدها ... غداة غدت في حلبة البين غيدها
وقد كنفت منهنّ أكناف منعج ... عباديد سادات الرّجال عبيدها
تبادرن أستار القباب كما بدت ... بدور ولكنّ البروج عقودها
تخدّ بألحاظ العيون خدودها ... وترهب أن تنقدّ لينا قدودها
فيا لدماء الأسد تسفكها الدّمى ... وللصّيد من عفر الظباء تصيدها
وفوق الحشايا كلّ مرهفة الحشا ... حشت كبدي نارا بطيئا خمودها
تحلّ لوى خبت وقلبي محلّها ... وتخلبني غدرا وقلبي وحيدها
لئن زعموا أنّى سلوت لقد بدت ... دلائل من شكواي عدل شهودها
نحول كرقراق السحاب وعبرة ... كما انهملت غرّ السحاب وسودها
تغيض ولوعات الفراق تمدّها ... وتنقص والشّجو الأليم يزيدها
لتفدك أكباد ظماء أجفّها ... هواك وأجفان جفاها هجودها
ومهجة صبّ لم تزل صبة بها ... يد الوجد حتّى عاد عدما وجودها
ضنا جسدي إن كان يرضيك برؤه ... وإتلاف نفسي في هواك خلودها
ولولا الهوى لم ترض نفس نفيسة ... هوانا ولكن حبّ نفس قؤودها
стр. 2524
[١٠٤٦] محمد بن داود بن علي الظاهري
الإمام ابن الإمام الأصفهاني البغدادي الفقيه الأديب صاحب «كتاب الزهرة» : من أذكياء العالم، جلس للفتيا وناظر ابن سريج. سئل عن حدّ السكر متى هو ومتى يكون الانسان سكران فقال: إذا عزبت عنه الهموم وباح بسره المكتوم. حفظ القرآن وله سبع سنين.
وله: كتاب الانذار والاعذار. مختار الأشعار. الايجاز في الفقه. البراعة.
الانتصار لأبيه من الناشىء المتكلم. الانتصار لأبيه من محمد بن جرير. التقصي في الفقه. الايجاز لم يكمل. الوصول إلى معرفة الأصول. اختلاف مسائل الصحابة.
الفرائض. المناسك.
توفي في شهر رمضان سنة سبع وتسعين ومائتين وعمره اثنتان وأربعون سنة. كان يلقب بعصفور الشوك لنحافته وصفرة لونه.
قال محمد: ما انفككت من هوى قط منذ دخلت الكتّاب. [وقال] : بدأت بعمل الزهرة وأنا في الكتاب ونظر أبي في أكثره.
ودخل يوما على ثعلب النحوي فقال له ثعلب: اذكرك شيئا من صبوتك، فقال:
سقى الله أياما لنا ولياليا ... لهن بأكناف الشباب ملاعب
إذ العيش غضّ والزمان بغرة ... وشاهد أوقات المحبين غائب
فبكى ثعلب.
وقال القاضي محمد بن يوسف بن يعقوب: كنت يوما أساير أبا بكر ابن داود، فسمع جارية تغنّي بشعره وتقول:
أشكو غليل فؤاد أنت متلفه ... شكوى عليل إلى إلف يعلّله
سقمي يزيد على الأيام كثرته ... وأنت في عظم ما ألقى تقلله
стр. 2525
الله حرّم قتلي في الهوى سفها ... وأنت يا قاتلي ظلما تحلّله
فقال: يا أبا عمر، كيف السبيل إلى استرجاع مثل هذا؟ فقلت: هيهات سارت به الركبان.
ومن شعره:
أكرّر في روض المحاسن ناظري ... وأمنع نفسي أن تنال المحرما
رأيت الهوى دعوى من الناس كلّهم ... فما إن أرى حبا صحيحا مسلما
ومنه أيضا:
وإني لأدري أن في الصبر راحة ... ولكنّ إنفاقي عليّ من الصبر
فلا تطف نار الشوق بالشوق طالبا ... سلوا فإن الجمر يسعر بالجمر
وكان محمد يهوى فتى حدثا من أهل أصبهان يقال له محمد بن جامع، ويقال ابن زخرف، وكان طاهرا في عشقه عفيفا، وكان ابن جامع ينفق عليه، ولم ير معشوق ينفق على عاشق غيره، ولم يزل في حبه حتى قتله.
دخل ابن جامع يوما إلى الحمام وخرج فنظر في المرآة فأعجبه حسنه، فغطى وجهه بمنديل وجاء إلى محمد بن داود وهو على تلك الحالة، فقال: ما هذا: قال:
نظرت في المرآة فأعجبني حسني فما أحببت أن يراه أحد قبلك، فغشي عليه.
دخل على ابن داود ابراهيم بن محمد نفطويه وقد ضني على فراشه فقال له: يا أبا بكر ما هذا مع القدرة والمحبوب مساعد؟ فقال: أنا في آخر يوم من الدنيا، لا أنالني الله شفاعة محمد ﷺ إن كنت حللت سراويلي على حرام قط. حدثني أبي بإسناده إلى ابن عباس، قال قال رسول الله ﷺ : من عشق فكتم وعفّ فصبر ثم مات مات شهيدا وأدخله الله الجنة ...
ولما مات جلس ابن سريج في عزائه وبكى، وجلس على التراب وقال: ما آسى إلا على لسان أكله التراب من أبي بكر. ويحكى أنه لما بلغته وفاته كان يكتب شيئا، فألقى الكراسة من يده وقال: مات من كنت أحث نفسي وأجهدها على الاشتغال لمناظرته ومقاومته ...
واجتمع محمد يوما هو وابن سريج في مجلس الوزير ابن الجراح، فتناظرا في
стр. 2526
الإيلاء فقال له ابن سريج: أنت بقولك: من كثرت لحظاته دامت حسراته، أبصر منك بالكلام في الإيلاء، فقال له أبو بكر: لئن قلت ذلك فإني أقول:
انزّه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما
وأحمل من ثقل الهوى ما لو انه ... يصبّ على الصخر الأصمّ تهدما
وينطق طرفي عن مترجم خاطري ... فلولا اختلاسي ردّه لتكلما
فقال له ابن سريج: وبم تفتخر عليّ، ولو شئت أنا أيضا لقلت:
ومساهر بالغنج من لحظاته ... قد بتّ أمنعه لذيذ سباته
ضنا بحسن حديثه وعتابه ... واكرّر اللحظات في وجناته
حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولّى بخاتم ربه وبراته
فقال أبو بكر: يحفظ الوزير عليه ذلك، حتى يقيم عليه شاهدي عدل أنه ولّى بخاتم ربه وبراته، فقال ابن سريج: يلزمني في ذلك ما يلزمك في قولك: أنزّه في روض المحاسن مقلتي ... فضحك الوزير وقال: لقد جمعتما ظرفا ولطفا وفهما وعلما.
[ووردت هذه الحكاية برواية أخرى] قال أبو علي التنوخي: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن البختري الدّاودي، حدّثني أبو الحسن ابن المغلّس الدّاودي، قال: كان محمد بن داود، وابن سريج إذا حضرا مجلس أبي عمر القاضي، لم يجر بين اثنين فيما يتفاوضانه أحسن مما يجري بينهما، فسأل أبا بكر عن العود الموجب لكفّارة الظّهار، فقال: إعادة القول ثانيا، وهو مذهبه، ومذهب أبيه، فطالبه بالدليل، فشرع فيه، فقال ابن سريج: يا أبا بكر هذا قول من من المسلمين [تقدمكم فيه] ؟ فغضب أبو بكر، وقال: أتظنّ أنّ من اعتقدت قولهم إجماعا في هذه المسألة عندي إجماع؟ أحسن أحوالهم أن أعدهم خلافا [وهيهات أن يكونوا كذلك] . فغضب ابن سريج، وقال: أنت بكتاب «الزّهرة» أمهر منك بهذه الطّريقة، قال: [وبكتاب «الزهرة» تعيرني؟] والله ما تحسن تستتمّ قراءته قراءة من يفهم، وإنه لمن أحد المناقب لي إذ أقول فيه:
أكرّر في روض المحاسن مقلتي
... الأبيات
стр. 2527
فقال ابن سريج: فأنا الذي أقول:
ومشاهد بالغنج من لحظاته
... الأبيات فقال أبو بكر: أيّد الله القاضي، قد أخبر بحاله، ثمّ ادعى البراءة مما توجبه، فعليه البيّنة، فقال ابن سريج: [من] مذهبي أن المقرّ إذا أقرّ إقرارا ناطه بصفة، كان إقراره موكولا إلى صفته تلك.
[١٠٤٧] محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي
أبو عبد الله: كان مولى لبني هاشم لأنه من موالي العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وكان أبوه زياد عبدا سنديا، وكان من أكابر أئمة اللغة المشار إليهم في معرفتها، نحويا لم يكن للكوفيين أشبه برواية البصريين منه راوية لأشعار القبائل ناسبا، وكان ربيبا للمفضل الضبي: سمع منه الدواوين وصححها، وأخذ عن الكسائي «كتاب النوادر» وأخذ عن أبي معاوية الضرير والقاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود القاضي، وأخذ عنه إبراهيم الحربي وأبو عكرمة الضبي وأبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب وابن السكيت، وكانت طريقته طريقة الفقهاء والعلماء، وكان أحفظ الناس للغات والأيام والأنساب.
وقال أبو العباس ثعلب: قال لي ابن الأعرابي أمليت قبل أن تجيئني يا أحمد حمل جمل.
وقال ثعلب: انتهى علم اللغة والحفظ إلى ابن الأعرابي. وكان يزعم أن الأصمعي وأبا عبيدة لا يحسنان قليلا ولا كثيرا.
стр. 2528
وقال ثعلب: سمعت ابن الأعرابي يقول في كلمة رواها الأصمعي: سمعت من ألف أعرابي خلاف ما قاله الأصمعي.
وقال: شاهدت ابن الأعرابي وكان يحضر مجلسه زهاء مائة إنسان، كل يسأله أو يقرأ عليه ويجيب من غير كتاب. قال: ولزمته بضع عشرة سنة ما رأيت بيده كتابا قط، وما أشك في أنه أملى على الناس ما يحمل على أجمال، ولم ير أحد في علم الشعر واللغة أغزر منه.
وقال محمد بن الفضل الشعراني: كان للناس رؤساء: كان سفيان الثوري رأسا في الحديث، وأبو حنيفة رأسا في القياس، والكسائي رأسا في القرآن، فلم يبق الآن رأس في فن من الفنون أكبر من ابن الأعرابي فإنه رأس في كلام العرب، وكان ممن وسم بالتعليم فكان يأخذ كلّ شهر ألف درهم فينفقها على أهله وإخوانه، وتماسك في آخر أيامه بعد سوء حاله.
ويحكى أنه اجتمع أبو عبد الله الأعرابي وأبو زياد الكلابي على الجسر ببغداد، فسأل أبو زياد ابن الأعرابي عن قول النابغة «١» :
على ظهر مبناة [جديد سيورها]
فقال: النطع، بفتح النون وسكون الطاء، فقال أبو زياد: النطع بكسر النون وفتح الطاء، فقال أبو عبد الله: نعم، وإنما أنكر أبو زياد النطع بفتح النون وسكون الطاء لأنها لم تكن لغته.
ورأى ابن الأعرابي في مجلسه يوما رجلين يتحدثان فقال لأحدهما: من أين أنت؟ فقال: من اسفيجاب وقال: للآخر من أين أنت؟ فقال: من الأندلس، فعجب من ذلك وأنشد:
رفيقان شتّى ألّف الدهر بيننا ... وقد يلتقي الشتّى فيأتلفان
ثم أملى على من حضر مجلسه بقية الأبيات الآتية «٢» :
نزلنا على قيسية يمنية ... لها نسب في الصالحين هجان
стр. 2529
فقالت وأرخت جانب الستر بيننا ... لأية أرض أم من الرجلان
فقلت لها أما رفيقي فقومه ... تميم وأما أسرتي فيماني
رفيقان شتّى ألّف الدهر بيننا ... وقد يلتقي الشتّى فيأتلفان
وحكى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: اجتمع عندنا أبو نصر أحمد بن حاتم وابن الأعرابي، فتجاذبا الحديث إلى أن حكى أبو نصر أن أبا الأسود دخل على عبيد الله بن زياد وعليه ثياب رثة فكساه ثيابا جددا من غير أن يعرض له بسؤال، فخرج وهو يقول «١» :
كساك ولم تستكسه فحمدته ... أخ لك يعطيك الجزيل وناصر
فإن أحقّ الناس إن كنت مادحا ... بمدحك من أعطاك والعرض وافر
فأنشد أبو نصر قافية البيت الأول «وياصر» بالياء يريد و «يعطف» فقال له ابن الأعرابي: وناصر بالنون فقال: دعني يا هذا وياصري، وعليك بناصرك.
وحدث الصولي قال: غني في مجلس الواثق بشعر الأخطل «٢» :
وشارب مربح بالكاس نادمني ... لا بالحصور ولا فيها بسوّار
فقيل بسوار وبسئّار، فوجه إلى ابن الأعرابي وهو يومئذ بسرّ من رأى فسئل عن ذلك فقال: بسوار يريد بوثاب، أي لا يثب على ندمائه، وبسئّار أي لا يفضل في القدح سؤره، وقد رويا جميعا، فأمر له الواثق بعشرة آلاف درهم. وحكي عن ابن الأعرابي أنه روى قول الشاعر «٣» :
ولا عيب فينا غير عرق لمعشر ... كرام وأنا لا نحطّ على النمل
نحطّ بحاء مهملة وقال: معناه أنا لا نحط على بيوت النمل لنصيب ما جمعوه- وهذا تصحيف- وإنما الرواية لا نخط على النمل واحدتها نملة، وهي قرحة تخرج بالجنب تزعم المجوس أن ولد الرجل إذا كان من أخته ثم خط على النملة شفي صاحبها، ومعنى البيت إنا لسنا بمجوس ننكح الأخوات.
стр. 2530
وعن أبي عمران قال: كنت عند أبي أيوب أحمد بن محمد بن شجاع فبعث غلامه إلى أبي عبد الله ابن الأعرابي يسأله المجيء إليه، فعاد إليه الغلام فقال: قد سألته ذلك فقال لي: عندي قوم من الأعراب فإذا قضيت أربي معهم أتيت، قال الغلام: وما رأيت عنده أحدا إلا أني رأيت بين يديه كتبا ينظر فيها، فينظر في هذا مرة وفي هذا مرة، ثم ما شعرنا حتى جاء، فقال له أبو أيوب: إنه ما رأى عندك أحدا وقد قلت له إنا مع قوم من الأعراب فإذا قضيت أربي معهم أتيت، فأنشد «١» :
لنا جلساء ما نملّ حديثهم ... ألبّاء مأمونون غيبا ومشهدا
يفيدوننا من علمهم علم ما مضى ... وعقلا وتأديبا ورأيا مسدّدا
فلا فتنة نخشى ولا سوء عشرة ... ولا نتقي منهم لسانا ولا يدا
فإن قلت أموات فما أنت كاذب ... وإن قلت أحياء فلست مفنّدا
وقال محمد بن حبيب: سألت أبا عبد الله ابن الأعرابي في مجلس واحد عن بضع عشرة مسألة من شعر الطرماح يقول في كلها لا أدري، ولم أسمع، أفأحدث لك برأيي؟
وقال أبو العباس ثعلب: سمعت ابن الأعرابي يقول: من لا قبول عليه فلا حياة لأدبه. وقال: ما رأيت قوما أكذب على اللغة من قوم يزعمون أنّ القرآن مخلوق.
واغتاب رجل عنده بعض العلماء فقال له: لو لم تقل فينا ما قلت عندنا فلا تجلسنّ إلينا.
وله من التصانيف: كتاب النوادر وهو كبير. كتاب الأنواء. كتاب صفة النخل.
كتاب صفة الزرع. كتاب الخيل. كتاب النبت والبقل. كتاب نسب الخيل. كتاب تاريخ القبائل. كتاب تفسير الأمثال. كتاب النبات. كتاب معاني الشعر. كتاب صفة الدرع. كتاب الألفاظ. كتاب نوادر الزبيريين. كتاب نوادر بني فقعس. كتاب الذباب، وغير ذلك «٢» .
قال أبو العباس ثعلب سمعت ابن الأعرابي يقول: ولدت في الليلة التي مات
стр. 2531
فيها أبو حنيفة. وقال أبو غالب علي بن النضر: توفي ابن الاعرابي سنة ثلاثين ومائتين وقيل سنة إحدى وثلاثين وقيل سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وقد بلغ من العمر احدى وثمانين سنة وأربعة أشهر وثلاثة أيام، وكانت وفاته في خلافة الواثق بن المعتصم وصلى عليه قاضي القضاة أحمد بن أبي دواد الإيادي.
[١٠٤٨] محمد بن زيد بن مسلمة ،
أبو الحسن النحوي المعروف بابن أبي الشملين:
لا أعرف من حاله الا ما قرأته في «كتاب أدب المريض والعائد» لأبي شجاع البسطامي قال: كتب محمد بن علي بن ميمون النرسي الحافظ بخطه وأذن لنا في روايته عنه، أخبرنا محمد بن علي بن عبد الرحمن، أنشدنا أبو الحسن محمد بن زيد بن مسلمة النحوي، قال أنشدنا أبو علي الفارسي والسيرافي، قالا أنشدنا أبو بكر السراج، قال عدنا أبا الحسن ابن الرومي في مرضه فأنشدنا لنفسه «١» :
ولقد سئمت مآربي ... فكأنّ أطيبها خبيث
إلا الحديث فانه ... مثل اسمه أبدا حديث
[وقرأت بخط هلال بن المحسن وقد عدد مشايخه الذين رآهم وقرأ عليهم فقال: وأبو الحسن محمد بن زيد بن مسلمة المعروف بأبي الشملين] «٢» .
[١٠٤٩] محمد بن السري بن سهل ،
أبو بكر ابن السراج البغدادي النحوي، قال
стр. 2532
المرزباني: كان أحدث أصحاب أبي العباس المبرد، مع ذكاء وفطنة، قرأ عليه كتاب سيبويه، ثم اشتغل بالموسيقى، فسئل عن مسألة بحضرة الزجاج فأخطأ في جوابها فوبخه الزجاج وقال: مثلك يخطىء في مثل هذه المسألة؟ والله لو كنت في منزلي لضربتك ولكنّ المجلس لا يحتمل ذلك، فقال: قد ضربتني يا أبا إسحاق، وكان علم الموسيقى قد شغلني عن هذا الشأن. ثم رجع إلى كتاب سيبويه ونظر في دقائقه وعوّل على مسائل الأخفش والكوفيين وخالف أصول البصريين في مسائل كثيرة، ويقال: ما زال النحو مجنونا حتى عقله ابن السراج بأصوله. وكان أحد العلماء المذكورين وأئمة النحو المشهورين، واليه انتهت الرئاسة في النحو بعد المبرد. وأخذ عنه أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي وأبو سعيد السيرافي وأبو علي الفارسي وعلي بن عيسى الرماني.
ويحكى انه اجتمع هو وأبو بكر ابن مجاهد وإسماعيل القاضي في بستان، وكان فيه دولاب، فعنّ لهم أن يعبثوا بادارتها فلم يقدروا على ذلك، فالتفت أحدهم وقال:
اما تستحيون، مقرىء البلد ونحويه وقاضيه لا يجيء منهم ثور.
وحكي «١» أن أبا بكر ابن السراج كان يهوى جارية فجفته، فاتفق وصول الامام المكتفي في تلك الأيام من الرقّة، فاجتمع الناس لرؤيته، فلما شاهد أبو بكر جمال المكتفي تذكّر جمال معشوقته وجفاءها له، فأنشد بحضرة أصحابه:
ميزت بين جمالها وفعالها ... فإذا الملاحة بالخيانة لا تفي
حلفت لنا أن لا تخون عهودنا ... فكأنما حلفت لنا أن لا تفي
والله لا كلّمتها ولو انها ... كالبدر أو كالشمس أو كالمكتفي
ثم إن أبا عبد الله محمد بن إسماعيل بن زنجي الكاتب أنشدها لأبي العباس ابن
стр. 2533
الفرات وقال: هي لابن المعتز، وأنشدها أبو العباس للقاسم بن عبيد الله الوزير، فاجتمع الوزير بالمكتفي وأنشده أياها وقال للمكتفي: هي لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر، فأمر له بألف دينار فوصلت إليه، فقال ابن زنجي ما أعجب هذه القصة: يعمل أبو بكر ابن السراج أبياتا تكون سببا لوصول الرزق إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر.
قال أبو الفتح عبيد الله بن أحمد النحوي: توفي أبو بكر ابن السراج يوم الأحد لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ست عشرة وثلاثمائة في خلافة المقتدر.
وله من المصنفات: كتاب الأصول، وهو أحسنها وأكبرها وإليه المرجع عند اضطراب النقل واختلافه، جمع فيه أصول علم العربية وأخذ مسائل سيبويه ورتبها أحسن ترتيب. وكتاب جمل الأصول، وهو الأصول الصغير. وشرح كتاب سيبويه.
والموجز «١» . كتاب الاشتقاق لم يتم. كتاب الرياح والهواء والنار. كتاب الشعر والشعراء. كتاب الجمل. كتاب احتجاج القراء. كتاب الخط. كتاب المواصلات والمذكرات. كتاب الهجاء، وغير ذلك.
وحكى الرماني «٢» : ذكر كتاب الأصول بحضرته فقال قائل: هو أحسن من «المقتضب» فقال أبو بكر: لا تقل هكذا، وأنشد:
ولو قبل مبكاها بكيت صبابة ... بسعدى شفيت النفس قبل التندم
ولكن بكت قبلي فهيّج لي البكا ... بكاها فقلت الفضل للمتقدم
وقال أبو علي الفارسي: جئت لأسمع منه كتاب سيبويه وحملت إليه ما حملت، فلما انتصف الكتاب عسر عليّ إتمامه، فانقطعت عنه لتمكني من مسائله، فقلت في نفسي بعد مدة: إذا عدت إلى فارس وسئلت عن إتمامه فان قلت: نعم كذبت، وان قلت لا بطلت الرواية، فدعتني الضرورة ان حملت إليه رزمة وأقبلت إليه، فلما أبصرني من بعيد أنشد «٣» .
стр. 2534
كم قد تجرعت من غيظ ومن حنق ... لكن تجدد وجدي هوّن الماضي
وكم غضبت ولم يلووا على غضبي ... فعدت طوعا بقلب ساخط راضي
[١٠٥٠] محمد بن سعدان الضرير
أبو جعفر الكوفي النحوي المقرىء: ولد سنة احدى وستين ومائة، وروى عن عبد الله بن إدريس وأبي معاوية الضرير، وروى عنه محمد بن سعد كاتب الواقدي وعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل وابن المرزبان، وكان ثقة، وكان يقرأ بقراءة حمزة ثم اختار لنفسه ففسد عليه الأصل والفرع، إلا أنه كان نحويا.
وقال بعضهم: أخذ ابن سعدان القراءات عن أهل مكة والمدينة والشام والكوفة والبصرة، ونظر في الاختلاف، وكان ذا علم بالعربية وصنّف كتابا في النحو، وكتابا في القراءات.
قال ابن عرفة: مات يوم عيد الأضحى سنة احدى وثلاثين ومائتين، وكان ذلك في خلافة الواثق بن المعتصم. وله ولد يقال له إبراهيم من أهل العلم.
وقال الداني في «طبقات القراء» : أخذ القراءة عراضا عن سليم بن عيسى عن حمزة وعن يحيى بن المبارك اليزيدي عن أبي محمد إسحاق بن محمد المسيبي عن نافع وعن معلى بن منصور عن أبي بكر ابن عاصم: وروى عنه القراءة محمد بن أحمد بن واصل، وهو من أجلّ أصحابه وأثبتهم له.
[١٠٥١] محمد بن سعد الرازي
الكاتب الأوحد: لم يكن بعد ابن البواب من كتب الثلث والمحقق مثله، (قال ياقوت) : ورأيت جماعة يفضلونه على جماعة من الكتاب حتى قيل إنه كتب ذلك أصفى من ابن البواب.
стр. 2535
[١٠٥٢] محمد بن سعد بن محمد بن محمد بن محمد
الديباجي المروزي النحوي ابن النحوي، أبو الفتح: (قال ياقوت) : شيخ جليل عالم حسن العشرة، أخذ النحو عن أبيه، ولقي الزمخشري وقرأ على تلميذه البقالي.
وله [المحصل في] شرح المفصل. شرح الأنموذج «١» . تهذيب مقدمة الأدب [للزمخشري] . القانون الصلاحي في أودية النواحي. فلك الأدب. منافع أعضاء الحيوان.
وكان ينظر في خزانة الكتب التي بالجامع الأكبر بمرو؛ ومولده في المحرم سنة سبع عشرة وخمسمائة، وعثر بعتبة بابه فسقط على وجهه، ووهن عظمه وهنا أداه إلى الموت، وذلك في يوم الأحد ثامن عشر صفر سنة تسع وستمائة.
قال جمال الدين ابن القفطي، قال لي ياقوت مولى عسكر الحموي: لما دخلت مرو حضرت الجامع فرأيت به خزانة كتب، وقفا يعرف بوقف الفقاعي، وفيها كتب جميلة، خازنها ختن هذا الرجل، فذاكرته بتصنيفه فقال: قد كان صنف شرحا للمفصل، فطلبته منه، فقال لي: لم يأت فيه بغريب، ولم يتكلم على عبارة المصنف وأنما أتى بنفس النحو، قال: فسألته أن يريني منه، فأراني كراسة بخط المصنف من مسوادته....
[١٠٥٣] محمد بن سعد ويقال ابن سعيد الرباحي
- بالباء الموحدة- أبو عبد الله الأعرج الطليطلي الخطيب النحوي اللغوي: أصله من قلعة رباح من أعمال طليطلة
стр. 2536
بالأندلس، رحل إلى المشرق وسمع بمصر ابن الورد وابن السكن، وحدث وأفاد، مولده سنة تسع وثلاثمائة وتوفي في ربيع الآخر سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
[١٠٥٤] محمد بن سعيد أبو جعفر
البصير الموصلي العروضي النحوي: كان أبو إسحاق الزجاج معجبا به، وكان في النحو ذا قدم ثابتة، اجتمع يوما مع أبي علي الفارسي عند أبي بكر ابن شقير فقال لأبي علي: في أيّ شيء تنظر يا فتى؟ فقال:
في التصريف، فجعل يلقي عليه من المسائل على مذهب البصريين والكوفيين حتى ضجر، فهرب أبو علي منه إلى النوم وقال: إني أريد النوم، فقال: هربت يا فتى، فقال: نعم هربت.
وكان ذكيا فهما له في الشعر رتبة عالية، اماما في استخراج المعمى والعروض، قال له الزجاج يوما، وقد سأله عن أشياء من العروض: يا أبا جعفر لو رآك الخليل لفرح بك. قرأ عليه عبيد الله بن جعفر الأسدي النحوي وغيره.
[١٠٥٥] محمد بن سعيد بن يحيى بن علي
بن الحجاج بن محمد بن الحجاج الحافظ الكبير المؤرخ أبو عبد الله ابن أبي المعالي الدبيثي [بضم الدال المهملة وفتح الباء الموحدة والياء آخر الحروف ساكنة والثاء المثلثة] ثم الواسطي الشافعي العدل:
ولد في رجب سنة ثمان وخمسين وخمسمائة وسمع بواسط وقرأ الفقه والعربية، ورحل إلى بغداد في حدود الثمانين، وسمع من أبي شاتيل والقزاز وأبي العلاء ابن عقيل وخلق كثير ببغداد والحجاز والموصل، وعلق الأصول والخلاف وعني بالحديث ورجاله، وصنف تاريخا كبيرا لواسط، وذيل على الذيل للسمعاني ...
стр. 2537
[توفي سنة سبع وثلاثين وستمائة] .
[وقال ياقوت في معجم الأدباء] : شيخنا الذي استفدنا منه وعنه أخذنا. قلت له: هل تنسبون إلى قبيلة من قبائل العرب؟ فقال: الناس يقولون اننا من ولد الحجاج بن يوسف الثقفي وما عرفت أحدا من أهلنا يعرف ذلك. وتولى وقوف المدرسة النظامية سنة ستمائة، ومن شعره:
تمكن مني في الفؤاد وحله ... وأضعف وجدا عقد صبري وحلّه
وأيقن أني في هواه مدلّه ... فعاد وأبدى بالغرام ودلّه
بديع جمال فاق في الحسن أهله ... وسلّط إعناتا على القلب دلّه
وأسلمني للوجد حسن قوامه ... وطلّ دمي في حبه وأحلّه
وكنت طليقا لا أخاف من الهوى ... فأسكن قلبي شوقه وأحلّه
إذا رمت عنه الصبر عزّ تصبري ... وأنهل قلبي من هواه وعلّه
وان قلت كم ذا الوجد يا قلب فاتئد ... يقول مجيبا لي عساه وعلّه
فشكواي من وجدي به وبعاده ... وبلواي من صبري إذا ما استقلّه
وإني على الحالات منه لذو غنى ... وشوق عظيم القدر قلبي استقله
فمن مسعدي في الحب والحبّ ظالم ... ومن مرشد لي فيه قلبا أضله
كأني إذا ما غاب عني شخصه ... من الوجد ذو حزن بشيء أضله
[١٠٥٦] محمد بن سلام بن عبد الله بن سالم الجمحي
البصري أبو عبد الله: كان
стр. 2538
من أعيان أهل الأدب، وألف كتابا في «طبقات الشعر» وله «غريب القرآن» وأخذ عن حماد بن سلمة ومبارك بن فضالة وجماعة، وروى عنه الامام أحمد بن حنبل وابنه عبد الله وأبو العباس ثعلب وأحمد بن علي الابار.
قال أبو خليفة: ابيضت لحية محمد بن سلام ورأسه وله سبع وعشرون سنة.
وقال محمد بن أحمد بن يعقوب بن شبة: حدثنا جدي قال: كان محمد بن سلام له علم بالشعر والأخبار وهما من جملة علوم الأدب.
وقال الحسين بن فهم: قدم علينا محمد بن سلام سنة اثنتين وعشرين ومائتين فاعتلّ علة شديدة فما تخلّف عنه أحد، وأهدى له الأجلاء أطباءهم، فكان ابن ماسويه من جملة من أهدي إليه، فلما جسه ونظر إليه قال له: لا أرى بك من العلة ما أرى بك من الجزع، فقال: والله ما ذاك على الدنيا مع اثنتين وسبعين سنة، ولكنّ الانسان في غفلة حتى يوقظ بعلّة، فقال ابن ماسويه: لا تجزع فقد رأيت في عرقك من الحرارة الغريزية ما إن سلمت من العوارض بلّغك عشر سنين. قال ابن فهم. فوافق كلامه قدرا، فعاش محمد بن سلام بعد ذلك عشر سنين وتوفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وكان ذلك في السنة التي مات فيها الواثق وبويع المتوكل بن المعتصم، وقال موسى بن هارون: توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
[١٠٥٧] محمد بن سليمان البغدادي
ابن قطرمش بن تركان شاه أبو نصر البغدادي المولد، السمرقندي الأصل، النحوي اللغوي الأديب: أحد أدباء عصرنا وأعيان أولي الفضل بمصرنا، تجمعت فيه أشتات الفضائل، وقد أخذ من كلّ فنّ من العلم بنصيب وافر، وهو من بيت الامارة، وكانت له اليد الباسطة في حلّ اقليدس وعلم الهندسة مع اختصاصه التام بالنحو واللغة وأخبار الأمم والأشعار. خلّف له والده أموالا كثيرة
стр. 2539
فضيّعها في القمار واللعب بالنرد حتى احتاج إلى الوراقة فكان يورق بأجرة بخطّه المليح الصحيح المعتبر، فكتب كثيرا من الكتب، حتى ذكر للإمام الناصر فولاه حاجب الحجاب، فلم يزل بها إلى أن مات في ربيع الآخر سنة عشرين وستمائة، ومولده في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. وله شعر رائق فمن ذلك:
لا والذي سخّر قلبي لها ... عبدا كما سخّر لي قلبها
ما فرحي في حبّها غير أن ... زيّن عندي هجرها قلبها
[١٠٥٨] محمد بن سهل المرزبان الكرجي الأشل الجهارعتي ،
أبو منصور، ويلقب بالباحث عن معتاص العلم: هو من أهل الكرج، وهو أحد البلغاء الفصحاء. (قال ياقوت في معجم الأدباء) : لم تقع إلي وفاته ولا شيء من شأنه، غير أني وجدت في كتابه «المنتهى في الكمال» أنشدني ابن طباطبا العلوي، وابن طباطبا مات سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.
قال محمد بن إسحاق، قال لي من رآه إنه أشل اليد، وله من الكتب المنتهى في الكمال يحوي على اثني عشر كتابا وهي. مدح الأدب. كتاب صفة البلاغة.
كتاب الدعاء والتحاميد. كتاب الشوق والفراق. كتاب الحنين إلى الأوطان. كتاب التهاني والتعازي. كتاب الآمل والمأمول. كتاب التنبيهات والطلب. كتاب الحمد والذم. كتاب الاعتذارات. كتاب الألفاظ. كتاب نفائس الحكم.
[١٠٥٩] محمد بن طويس القصري أبو الطيب:
هو من النحويين المعتزلة، أحد
стр. 2540
تلاميذ أبي علي الفارسي، أملى عليه «المسائل القصريات» وبه سميت، وأظنه من قصر ابن هبيرة من نواحي الكوفة، وقرأت في «المفاوضة» انه لما كان حدثا كان أبو علي الفارسي يتعشقه ويخصه بالطرف ويحرص على الاملاء عليه والالتفات إليه، مات شابا.
[١٠٦٠] محمد بن العباس أبو بكر الخوارزمي
الشاعر المشهور: يقال له الطبرخزي لأنه كانت أمه من خوارزم وأبوه من طبرستان، وكان ابن أخت محمد بن جرير الطبري «١» .
قال الحاكم في «تاريخه» كان أوحد عصره في حفظ اللغة والشعر، وكان يذاكرني بالأسماء والكنى حتى يحيرني من حفظه....
وقد أقام الخوارزمي بالشام مدة وسكن حلب وتوفي بنيسابور سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة ...
(قال ياقوت) : قرأت في آخر ديوانه له:
بآمل مولدي وبنو جرير ... فأخوالي ويحكي المرء خاله
فها أنا رافضي عن تراث ... وغيري رافضي عن كلاله
..... [وجرت بينه وبين البديع الهمذاني مناقضات ذكرها ياقوت في كتاب معجم الأدباء في ترجمتيهما] .
стр. 2541
[١٠٦١] محمد بن [عبد الله بن] حمدان الدلفي العجلي
أبو الحسن النحوي، من أصحاب أبي الحسن علي الرماني كان نحويا فاضلا بارعا شرح ديوان المتنبي، ومات بمصر سنة ستين وأربعمائة.
[١٠٦٢] محمد بن عبد الله أبو الحسن الوراق النحوي:
مات سنة احدى وثمانين وثلاثمائة؛ كان في طبقة أبي طالب العبدي، وكان زوج بنت أبي سعيد السيرافي.
وله شرح مختصر الجرمي الأكبر سمّاه «الفصول في نكت الأصول» . شرح مختصر الجرمي الأصغر سماه «الهداية» . كتاب العلل في النحو.
(قال ياقوت) : بلغني أن كتاب الفصول أملاه عليه أبو سعيد السيرافي فنسبه هو إلى نفسه.
[١٠٦٣] محمد بن عبد الله بن قادم أبو جعفر النحوي:
كان حسن النظر في علل النحو، وكان يؤدب ولد سعيد بن قتيبة الباهلي، وكان من أعيان أصحاب الفراء، وأخذ عنه ثعلب.
حكي عنه قال «١» وجه إليّ إسحاق بن إبراهيم المصعبي يوما فأحضرني ولم أدر
стр. 2542
ما السبب، فلما قربت من مجلسه تلقاني ميمون بن إبراهيم كاتبه على الرسائل وهو على غاية الهلع والجزع، فقال لي بصوت خفي: إنه إسحاق، ومرّ غير متلبث حتى رجع إلى مجلس إسحاق، فراعني ذلك، فلما مثلت بين يديه قال لي: كيف يقال وهذا المال مال أو هذا المال مالا؟ قال: فعلمت ما أراد ميمون، فقلت: الوجه مال ويجوز مالا، فأقبل إسحاق على ميمون يغلّطه «١» وقال: الزم الوجه في كتبك ودعنا من يجوز ويجوز، ورمى بكتاب كان في يده، فسألت عن الخبر فإذا ميمون قد كتب إلى المأمون وهو ببلاد الروم عن إسحاق وذكر مالا حمله إليه: «وهذا المال مالا» فخط المأمون على الموضع في الكتاب ووقع بخطه على الحاشية: تخاطبني بلحن؟ فقامت القيامة على إسحاق، فكان ميمون بعد ذلك يقول: لا أدري كيف [أشكر] ابن قادم، أبقى على روحي ونعمتي.
وحكى عن أحمد بن إسحاق بن بهلول «٢» انه دخل هو وأخوه بغداد، فدار على الخلق يوم الجمعة، فوقف على رجل يتلهّب ذكاء ويجيب عن كلّ ما يسأل عنه من مسائل الأدب والقرآن، فقلنا: من هذا؟ قالوا: ثعلب، فبينا نحن كذلك إذ ورد شيخ يتوكأ على عصا فقال لأهل الحلقة: أفرجوا للشيخ، فأفرجوا له حتى جلس إلى جانبه، ثم إن سائلا سأل ثعلبا عن مسألة فقال: قال الرؤاسي فيها كذا، وقال الكسائي كذا، وقال الفراء كذا، وقال هشام كذا، وقلت أنا كذا، فقال له الشيخ: لا أراني أعتقد فيها إلا جوابك فالحمد لله الذي بلّغني فيك هذه المنزلة، فقلنا: من هذا الشيخ؟ فقيل أستاذه ابن قادم.
وكان ابن قادم «٣» يعلم المعتز قبل الخلافة، فلما ولي بعث إليه فقيل له: أجب أمير المؤمنين، فقال: أليس هو ببغداد- يعني المستعين- فقالوا: لا وقد ولي المعتز، وكان قد حقد عليه بطريق تأديبه له، فخشي من بادرته، فقال لعياله: عليكم السلام، فخرج ولم يرجع إليهم وذلك في سنة احدى وخمسين ومائتين.
وله من الكتب الكافي في النحو. والمختصر فيه أيضا. وكتاب غرائب الحديث.
стр. 2543
[١٠٦٤] محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الفضل
أبو عبد الله المرسي السلمي شرف الدين، الأديب النحوي المفسر المحدث الفقيه: أحد أدباء عصرنا، أخذ من النحو والشعر بأوفر نصيب، وضرب فيه بالسهم المصيب، وخرج التخاريج، وتكلم على «المفصل» للزمخشري وأخذ عليه عدة مواضع، بلغني أنه سبعون موضعا أقام على خطأها البرهان، واستدل على سقمها ببيان. وله عدة تصانيف. خرج من بلاد المغرب سنة سبع وستمائة، ودخل مصر وسار إلى الحجاز ودخل مع قافلة الحجاج إلى بغداد وأقام بها يسمع ويقرأ الفقه والخلاف والأصلين بالنظامية، ورحل إلى خراسان بغداد وأقام بها يسمع ويقرأ الفقه والخلاف والأصلين بالنظامية، ورحل إلى خراسان ووصل إلى مرو الشاهجان وسمع بنيسابور وهراة ومرو ولقي المشايخ، وعاد إلى بغداد، وأقام بحلب ودمشق، ورأيته بالموصل، ثم حجّ ورجع إلى دمشق، ثم عاد إلى المدينة فأقام على الاقراء، ثم انتقل إلى مصر وأنا بها سنة أربع وعشرين وستمائة، ولزم النسك والعبادة والانقطاع.
أخبرني أن مولده بمرسية سنة سبعين وخمسمائة، وانه قرأ القرآن على ابن غلبون وغيره، والنحو على أبي الحسن علي بن يوسف بن شريك الداني والطيب بن محمد بن الطيب النحوي والشلوبيني وتاج الدين الكندي، والأصول على إبراهيم بن دقماق والعميدي، والخلاف على معين الدين الجاجرمي، وسمع الحديث الكثير بواسط من ابن عبد السميع، ومن ابن الماندائي مشيخته، وبهمذان من جماعة وبنيسابور «صحيح مسلم» من المؤيد الطوسي وجزءا من ابن نجيد ومن منصور بن عبد المنعم الفراوي وأم المؤيد زينب بنت الشعري، وبهراة من ابن روح الهروي،
стр. 2544
وبمكة من الشريف يونس بن يحيى الهاشمي.
وكان نبيلا ضريرا يحلّ بعض مشكلات اقليدس، وحدث بكتاب «السنن الكبرى» للبيهقي عن منصور بن عبد المنعم الفراوي، وبكتاب «غريب الحديث» للخطابي.
صنف الضوابط النحوية في علم العربية. والاملاء على المفصل. وتفسير القرآن سماه «ري الظمآن في تفسير القرآن» كبير جدا قصد فيه ارتباط الآي بعضها ببعض. وكتابا في أصول الفقه والدين. وكتابا في البديع والبلاغة. وله تفسير القرآن الأوسط عشرة أجزاء. وتفسير القرآن الصغير ثلاثة أجزاء. ومختصر صحيح مسلم.
والكافي في النحو. وتعليق على الموطأ. وتعاليق أخرى.
وكان كثير الشيوخ والسماع، وحدث بالكثير بمصر والشام والعراق والحجاز، وكانت له كتب في البلاد التي يتنقل فيها بحيث لا يستصحب كتبا في سفره اكتفاء بما له من الكتب في البلد الذي يسافر إليه، وله النظم الرائق والنثر الفائق، فمن شعره قوله:
من كان يرغب في النجاة فما له ... غير اتّباع المصطفى فيما أتى
ذاك السبيل المستقيم وغيره ... سبل الغواية والضلالة والردى
فاتبع كتاب الله والسنن التي ... صحّت فذاك إذا اتبعت هو الهدى
ودع السؤال بكم وكيف فانه ... باب يجرّ ذوي البصيرة للعمى
الدين ما قال النبيّ وصحبه ... والتابعون ومن مناهجهم قفا
وقال أيضا:
قالوا فلان قد أزال بهاءه ... ذاك العذار وكان بدر تمام
فأجبتهم بل زاد نور بهائه ... ولذا تضاعف فيه فرط غرامي
استقصرت ألحاظه فتكاتها ... فأتى العذار يمدّها بسهام
وقال:
قالوا محمد قد كبرت وقد أتى ... داعي المنون وما اهتممت بزاد
قلت الكريم من القبيح لضيفه ... عند القدوم مجيئه بالزاد
стр. 2545
[١٠٦٥] محمد بن عبد الله بن محمد بن موسى
أبو عبد الله الكرماني النحوي الوراق: كان عالما فاضلا عارفا بالنحو واللغة، مليح الخطّ صحيح النقل يورّق بالأجرة. قرأ على ثعلب وخلط المذهبين، وله من الكتب: الموجز في النحو.
وكتاب آخر فيه لم يتم. والجامع في اللغة، ذكر فيه ما أغفله الخليل في «العين» وما ذكر أنه مهمل وهو مستعمل وقد أهمل، وكان بينه وبين ابن دريد مناقضة. مات سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
[١٠٦٦] محمد بن عبد الله أبو الخير
الضرير المروزي النحوي: كان فقيها فاضلا أديبا لغويا نحويا، تفقه على القفال المروزي فبرع في الفقه، واشتهر في النحو واللغة والأدب.
قال السمعاني: كان من أصحاب الرأي فصار من أصحاب الحديث بصحبة الامام أبي بكر القفال، سمع الحديث منه ومن أبي نصر المحمودي «١» ، وروى عنه القاضي الحافظ أبو منصور السمعاني «٢» ، وكان إذا دخل في داره يقرأ عليه الفقهاء الأدب، والباب مردود، فإذا اجتاز به القفال راكبا وسمع صوت حافر فرسه على الأرض قام إلى داخل الدار لئلا يسمع الصوت القفال تعظيما للأستاذ. مات أبو الخير سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة.
والمروزي هذا هو المعروف بالمسعودي عند الشافعية، وقد يلقبونه بأبي
стр. 2546
عبد الله، وهو أحد ائمتهم، معدود من أقران شيخه القفال، وله شرح على «مختصر المزني» «١» عمدة في المذهب. ومن شعره:
تنافى المال والعقل ... فما بينهما شكل
هما كالورد والنرج ... س لا يحويهما فصل
فعقل حيث لا مال ... ومال حيث لا عقل
[١٠٦٧] محمد بن عبد الله
خطيب القلعة الفخرية، أبو عبد الله المعروف بالخطيب الاسكافي: الأديب اللغوي صاحب التصانيف الحسنة، أحد أصحاب ابن عباد الصاحب، وكان من أهل أصبهان وخطيبا بالريّ.
قال ابن عباد: فاز بالعلم من أهل أصبهان ثلاثة: حائك وحلاج وإسكاف، فالحائك أبو علي المرزوقي، والحلاج أبو منصور [ابن] ماشدة، والاسكاف أبو عبد الله الخطيب.
وصنف كتاب غلط كتاب العين. والغرة تتضمن شيئا من غلط أهل الأدب.
ومبادىء اللغة. وشواهد كتاب سيبويه. ونقد الشعر. ودرة التنزيل وغرة التأويل في الآيات المتشابهة. وكتاب لطف التدبير في سياسات الملوك «٢» . وغير ذلك. توفي سنة عشرين وأربعمائة.
[١٠٦٨] محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مسعود بن أحمد
بن الحسين بن مسعود
стр. 2547
المسعودي، أبو سعيد البندهي: وكان يكتب بخطه البنجديهي، اللغوي الفقيه الشافعي، من أهل الفضل والأدب والدين والورع، ورد بغداد ثم الشام وحصل له سوق نافقة وقبول تام عند صلاح الدين ابن أيوب، وأقبلت عليه الدنيا فحصل كتبا لم تحصل لغيره ووقفها بخانقاه السميساطي، وأكثرها من خزانة كتب حلب التي أباح له السلطان صلاح الدين أن يأخذ منها ما شاء، وكان البنجديهي يعلم الملك الأفضل أبا الحسن علي بن صلاح الدين، وحدث وأملى بالشام، وصنف شرحا لمقامات الله يري في خمس مجلدات متوسطة استوعب وأحسن فيها ما شاء، ولد في وقت الغروب ليلة الثلاثاء غرة ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، ومات بدمشق في ليلة السبت التاسع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وكان كثيرا ما يتمثل بهذه الأبيات:
قالت عهدتك تبكي ... دما حذار التنائي
فلم تعوّضت عنا ... بعد الدماء بماء
فقلت ما ذاك منّي ... لسلوة أو عزاء
لكن دموعي شابت ... من طول عمر بكائي
[١٠٦٩] محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد
بن محمد بن جعفر أبو سعيد النيسابوري الكنجروذي الفقيه الأديب النحوي الطبيب الفارسي: شيخ مشهور، أدرك الأسانيد العالية في الحديث والأدب، وله شعر. توفي في صفر سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، وكانت له يد في الطب والفروسية وأدب السلاح، وحدث سنين وسمع منه خلق كثير، وجرت بينه وبين أبي جعفر الزوزني البحاثي محاورات أدت إلى وحشة، فرماه بأشياء.
стр. 2548
[١٠٧٠] محمد بن عبد الغفار الخزاعي:
ذكر أبو الطيب عبد الواحد بن علي اللغوي أنه عمل كتاب الخيل، فعزاه الناس إلى أبي عبيدة فهو اليوم بأيديهم؛ (قال ياقوت في «معجم الأدباء» ) : الصواب أن مؤلف كتاب الخيل هو عبد الغفار أبوه.
[١٠٧١] محمد بن عبد الملك بن زهر بن عبد الملك بن محمد
بن مروان بن زهر الأندلسي الاشبيلي أبو بكر: ولد باشبيلية ونشأ بها وحفظ القرآن وسمع الحديث وأقبل على الأدب واللغة والعربية فبرع في ذلك كله، وعانى الشعر فبلغ الاجادة فيه، وكان يحفظ شعر ذي الرمة، وانفرد بالاجادة في نظم الموشحات التي فاق بها أهل المغرب على أهل المشرق، ولازم عبد الملك الباجيّ سبع سنين وقرأ عليه «المدونة» في مذهب مالك، وأخذ صناعة الطبّ عن أبيه أبي مروان عبد الملك، وباشر أعمالها ففاق فيها أهل زمانه وخدم بها دولة الملثمين في آخر عهدهم ثم خدم بها دولة الموحدين بني عبد المؤمن، ومات في أول دولة الناصر محمد. وكان حسن المعالجة جيد التدبير لا يماثله أحد في ذلك، وكان صحيح البنية قويّ الأعضاء، وبلغ الشيخوخة ولم يفقد قوة عضو من أعضائه إلا ثقل في السمع اعتراه في أواخر عمره.
حكى أبو مروان محمد بن أحمد الباجي أن أبا بكر ابن زهر كان شديد البأس يجذب قوسا مائة وخمسين رطلا بالاشبيلي، وهو ست عشرة أوقية، وكان يحسن اللعب بالشطرنج بارعا فيه. ولد سنة سبع وخمسمائة وتوفي بمراكش سنة خمس وتسعين وخمسمائة وقيل في أول سنة ست وتسعين، ودفن بمقابر الشيوخ وقد ناهز التسعين.
стр. 2549
ومن شعر الوزير أبي بكر ابن زهر قوله «١» :
إني نظرت إلى المرآة إذ جليت ... فأنكرت مقلتاي كلّ ما رأتا
رأيت فيها شييخا لست أعرفه ... وكنت أعهده من قبل ذاك فتى
فقلت أين الذي بالأمس كان هنا ... متى ترحّل عن هذا المكان متى
فاستجهلتني وقالت لي وما نطقت ... قد كان ذاك وهذا بعد ذاك أتى
كان الغواني يقلن يا أخي ولقد ... صار الغواني يقلن اليوم يا أبتا
وقال في كتاب «حيلة البرء» لجالينوس وأجاد «٢» :
حيلة البرء صنّفت لعليل ... يترجّى الحياة أو لعليله
فإذا جاءت المنية قالت ... حيلة البرء ليس في البرء حيله
ومن موشحاته قوله «٣» :
أيها الشاكي إليك المشتكى ... قد دعوناك وإن لم تسمع
ونديم همت في غرّته ... وشربت الراح من راحته
كلما استيقظ من سكرته ... جذب الزقّ إليه واتكا
وسقاني أربعا في أربع ... غصن بان [مال] من حيث استوى
بات من يهواه من فرط الجوى ... خفق الأحشاء موهون القوى
كلما فكّر في البين بكى ... ماله يبكي لما لم يقع
стр. 2550
ليس لي صبر ولا لي جلد ... يا لقومي هجروا واجتهدوا
أنكروا شكواي مما أجد ... مثل حالي «١» حقه أن يشتكى
كمد اليأس وذلّ الطمع ... ما لعيني عشيت بالنظر
أنكرت بعدك ضوء القمر ... واذا ما شئت فاسمع خبري
قرحت «٢» عيني من طول البكا ... وبكى بعضي على بعضي معي
كبد حرّى ودمع يكف ... يعرف الذنب ولا يعترف
أيها المعرض عما أصف ... قد نمى حبّك عندي وزكا
لا يظنّ الحبّ أني مدعى
ومن موشحاته أيضا «٣» :
شاب مسك الليل كافور الصباح ... ووشت بالروض أعراف الرياح
فاسقنيها قبل نور الفلق ... وغناء الورق بين الورق
كاحمرار الشمس عند الشفق ... نسج المزج عليها حين لاح
فلك اللهو وشمس الإصطباح ... وغزال سامني بالملق
وبرى جسمي وأذكى حرقي ... أهيف مذ سلّ سيف الحدق
стр. 2551
قصّرت عنه مشاهير الصفاح ... وانثنت بالذعر أغصان الرماح
صار بالذلّ فؤادي كلفا ... وجفوني ساهرات وطفا
كلما قلت جوى الحبّ انطفا ... أمرض القلب بأجفان صحاح
وسبى العقل بجدّ ومزاح ... يوسفيّ الحسن عذب المبتسم
قمريّ الوجه ليليّ اللمم ... عنتريّ البأس عبسيّ الهمم
غصنيّ القدّ مهضوم الوشاح ... مادريّ الوصل طائيّ السماح
قدّ بالقد فؤادي هيفا ... وسبى عقلي لما انعطفا
ليته بالوصل أحيا دنفا ... مستطار العقل مقصوص الجناح
ما عليه في هواه من جناح ... يا عليّ أنت نور المقل
جد بوصل منك لي يا أملي ... كم أغنيك إذا ما لحت لي
«طرقت والليل ممدود الجناح ... مرحبا بالشمس من غير صباح»
وقال أيضا:
لله ما صنع الغرام بقلبه ... أودى به لما ألمّ بلبّه
لبّاه لما أن دعاه وهكذا ... من يدعه داعي الغرام يلبّه
بأبي الذي لا يستطيع لعجبه ... ردّ السلام وإن شككت فعج به
ظبي من الأعراب ما ترك الضنا ... في لحظه من سلوة لمحبه
إن كنت تنكر ما جنى بلحاظه ... في سلبه يوم الغوير فسل به
стр. 2552
أو شئت أن تلقى غزالا أغيدا ... في سربه أسد العرين فسر به
يا ما أميلحه وأعذب ريقه ... وأعزّه وأذلّني في حبه
بل ما أليطف وردة في خده ... وأرقّها وأشدّ قسوة قلبه
كم من خمار دون خمرة ريقه ... وعذاب قلب دون رائق عذبه
نادى بنفسج عارضيه وقد بدا ... يا عاشقين تمتعوا من قربه
وقال أيضا «١» :
ما زلت أسقيهم وأشرب فضلهم ... حتى سكرت ونالهم ما نالني
والخمر تعلم حين تأخذ ثارها ... أني أملت إناءها فأمالني
وقال أيضا وأوصى أن يكتب على قبره:
تأمل بحقك يا واقفا ... ولاحظ مكانا دفعت إليه
فاني حذّرت منه الأنام ... وها أنا قد صرت رهنا لديه «٢»
[١٠٧٢] محمد بن عبد الملك أبو عبد الله الكلثومي النحوي:
من الفضلاء الكبراء، علامة في الاعراب واللغة والحساب ومعرفة الأيام والانساب والنجوم، دخل خوارزم مع عدة من الأدباء والشعراء حين ضاق بهم الحال بخراسان وأنشد بها:
تقول سعاد ما تغرّد طائر ... على فنن إلا وأنت كئيب
«أجارتنا إنا غريبان هاهنا ... وكلّ غريب للغريب نسيب»
أجارتنا إنّ الغريب وان غدت ... عليه غوادي الصالحات غريب
أجارتنا من يغترب يلق للأذى ... نوائب تقذي عينه فيشيب
стр. 2553
يحنّ إلى أوطانه وفؤاده ... له بين أحناء الضلوع وجيب
سقى الله ربعا بالعراق فإنه ... إليّ وان فارقته لحبيب
أحنّ إليه من خراسان نازعا ... وهيهات لو أنّ المزار قريب
وإن حنينا من خوارزم ينتهي ... إلى منتهى أرض العراق عجيب
[١٠٧٣] محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، أبو عمر الزاهد
المطرز الباوردي:
غلام ثعلب اللغوي من أئمة اللغة وأكابر أهلها وأحفظهم لها، قال أبو علي بن أبي علي التنوخي عن أبيه: ومن الرواة الذين لم ير قطّ أحفظ منهم أبو عمر الزاهد محمد بن عبد الواحد المعروف بغلام ثعلب، أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة في اللغة فيما بلغني، وكان لسعة حفظه يطعن عليه بعض أهل الأدب ولا يوثقونه في علم اللغة، حتى قال عبيد الله بن أبي الفتح «١» : لو طائر طار في الجو لقال أبو عمر الزاهد حدثنا ثعلب عن ابن الأعرابي، ويذكر في معنى ذلك شيئا، وكان المحدثون يوثقونه.
قال الخطيب البغدادي «٢» : رأيت جميع شيوخنا يوثقونه ويصدقونه، وكان يسأل عن الشيء فيجيب عنه، ثم يسأل عنه بعد سنة فيجيب بذلك الجواب. ويروى أن جماعة من أهل بغداد اجتازوا على قنطرة الصراة وتذاكروا ما يرمى به من الكذب فقال أحدهم: أنا أصحّف له القنطرة وأسأله عن معناها فننظر ما يجيب، فلما دخلوا عليه قال له الرجل: أيها الشيخ ما الهرطنق عند العرب؟ فقال: كذا وكذا، وذكر شيئا،
стр. 2554
فتضاحك الجماعة وانصرفوا، فلما كان بعد شهر أرسلوا اليه شخصا آخر فسأله عن الهرطنق فقال: أليس قد سئلت عن هذه المسألة منذ كذا وكذا؟ ثم قال: هو كذا وكذا كما أجاب أولا، قال القوم: فما ندري من أيّ الأمرين نعجب، من حفظه إن كان علما، أم من ذكائه إن كان كذبا، فإن كان علما فهو اتساع عجيب، وإن كان كذبا فكيف تناول ذكاؤه المسألة وتذكر الوقت بعد أن مرّ عليه زمان فأجاب بذلك الجواب بعينه؟.
وحكي أن «١» معز الدولة بن بويه قلد شرطة بغداد غلاما تركيا من مماليكه اسمه خواجا فبلغ ذلك أبا عمر الزاهد وكان يملي كتابه «اليواقيت» في اللغة فقال للجماعة في مجلس الاملاء: اكتبوا ياقوتة خواجا، الخواج في أصل اللغة الجوع، ثم فرّع على هذا بابا وأملاه عليهم فاستعظموا كذبه وتتبعوه، فقال أبو علي الحاتمي- وكان من أصحابه- أخرجنا في «أمالي» الحامض عن ثعلب عن ابن الأعرابي الخوارج الجوع.
وحكى «٢» رئيس الرؤساء أبو القاسم علي بن الحسن عن من حدثه أن أبا عمر الزاهد كان يؤدب ولد القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، فأملى على الغلام نحوا من ثلاثين مسألة في النحو ذكر غريبها وختمها ببيتين من الشعر، وحضر أبو بكر ابن دريد وأبو بكر الأنباري وأبو بكر ابن مقسم العطار المقرىء عند القاضي أبي عمر، فعرض عليهم تلك المسائل فما عرفوا منها شيئا، وأنكروا الشعر، فقال لهم القاضي: ما تقولون فيها؟ فقال ابن الأنباري: أنا مشغول بتصنيف «مشكل القرآن» ولست أقول شيئا، وقال ابن مقسم مثل ذلك واعتذر باشتغاله بالقراءات، وقال ابن دريد: هذه المسائل من موضوعات أبي عمر الزاهد، ولا أصل لشيء منها في اللغة، وانصرفوا، فبلغ ذلك أبا عمر فاجتمع بالقاضي وسأله إحضار دواوين جماعة من قدماء الشعراء عينهم، ففتح القاضي خزانته وأخرج له تلك الدواوين، فلم يزل أبو عمر الزاهد يعمد إلى كلّ مسألة منها ويخرج لها شاهدا من تلك الدواوين ويعرضه على القاضي حتى استوفى جميع المسائل، ثم قال: وهذان البيتان أنشدهما ثعلب بحضرة القاضي
стр. 2555
وكتبهما القاضي بخطه على ظهر الكتاب كما ذكر أبو عمر، وانتهت القصة إلى ابن دريد فلم يذكر أبا عمر الزاهد بلفظة إلى أن مات.
وقال رئيس الرؤساء أيضا «١» : رأيت أشياء كثيرة مما أنكر على أبي عمر ونسب فيها إلى الكذب فوجدتها مدونة في كتب اللغة وخاصة في «الغريب المصنف» لأبي عبيد.
وقال أبو القاسم عبد الواحد بن علي بن برهان الأسدي «٢» : لم يتكلم في اللغة أحد من الأولين والآخرين بأحسن من كلام أبي عمر الزاهد، أخذ أبو عمر عن أبي العباس ثعلب وصحبه زمانا طويلا فنسب إليه وعرف بغلام ثعلب، وأخذ عنه أبو علي الحاتمي الأديب الكاتب اللغوي وأبو القاسم ابن برهان وغيرهما، وروى عنه أبو الحسن محمد بن رزقويه وأبو علي ابن شاذان وغيرهما.
وقال أبو الحسن المرزبان «٣» : كان إبراهيم بن أيوب بن ماسي ينفذ إلى أبي عمر الزاهد كفايته وقتا بوقت، فقطع ذلك عنه مدة لعذر، ثم أنفذ إليه جملة ما كان انقطع عنه وكتب إليه رقعة يعتذر بها من تأخير رسمه، فردّه، وأمر بعض من كان عنده من أصحابه أن يكتب له على ظهر رقعته:
أكرمتنا فملكتنا ... وتركتنا فأرحتنا
وكانت صناعة أبي عمر الزاهد التطريز فنسب إليها، وكان جماعة من الأشراف والكتاب يحضرون مجلسه للسماع منه، وكان قد جمع جزءا في فضائل معاوية، فكان لا يمكّن أحدا من السماع منه حتى يبتدىء بقراءة ذلك الجزء.
وعن محمد بن العباس بن الفرات قال: كان مولد أبي عمر الزاهد سنة إحدى وستين ومائتين، وقال الخطيب البغدادي «٤» : توفي يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وأربعين وثلاثمائة وذلك في خلافة المطيع لله، ودفن يوم الاثنين في الصفّة التي تقابل قبر معروف الكرخي، وبينهما عرض الطريق. وعن أبي
стр. 2556
الحسن بن رزقويه توفي سنة أربع وأربعين وثلاثمائة والصحيح الأول.
ولأبي عمر من الكتب: شرح الفصيح لثعلب. وفائت الفصيح جزء لطيف.
واليواقيت في اللغة. والمرجان في اللغة. والكتاب الحضري في الكلمات. وغريب الحديث صنفه على مسند أحمد بن حنبل. وكتاب المكنون والمكتوم. وفائت المستحسن. وكتاب ما أنكره الأعراب على أبي عبيدة فيما رواه. والموشح.
والسريع. والتفاحة. وفائت الجمهرة. وفائت العين. وتفسير أسماء القراء.
والمداخل في اللغة. وحل المداخل. والنوادر. وكتاب العشرات. وكتاب البيوع.
وكتاب الشورى. والمستحسن في اللغة. وكتاب القبائل. وكتاب يوم وليلة. وكتاب الساعات. وغير ذلك «١» .
وأملى في آخر كتابه «اليواقيت» في اللغة قوله:
لما فرغنا من نظام الجوهره ... أعورت العين وفضّ الجمهره
ووقف الفصيح عند القنطره
وعن أبي علي الحاتمي «٢» أنه اعتل فتأخر عن مجلس أبي عمر، فسأل عنه فقيل إنه كان عليلا، فجاءه من الغد يعوده، فاتفق أنه كان قد خرج إلى الحمام فكتب على باب داره بالاسفيداج:
وأعجب شيء سمعنا به ... عليل يعاد فلا يوجد
قال: وهو من شعره.
وحدث عباس بن محمد الكلوذاني قال: سمعت أبا عمر الزاهد يقول: ترك قضاء حقوق الاخوان مذلة وفي قضائها رفعة، فاحمدوا الله تعالى على ذلك وسارعوا في قضاء حوائجهم ومسارّهم تكافأوا عليه.
وحكى أبو الفتح عبيد الله بن أحمد النحوي قال: أنشد أبو العباس اليشكري في مجلس أبي عمر الزاهد يمدحه «٣» :
стр. 2557
أبو عمر يسمو من العلم مرتقى ... يزلّ مساميه ويردى مطاوله
ولو أنني أقسمت ما كنت حانثا ... بأن لم ير الراؤون حبرا يعادله
هو الشخت جسما والسمين فضيلة ... فأعجب بمهزول سمان فضائله
تدفّق بحرا بالمسائل زاخرا ... تغيب على من لجّ فيه سواحله
إذا قلت شارفنا أواخر علمه ... تفجّر حتى قلت هذي أوائله
[١٠٧٤] محمد بن عبيد الله بن الحسن بن الحسين
ابن أبي البقاء البصري قاضي البصرة، أبو الفرج النحوي: قدم بغداد وواسط وقرأ الأدب على أبي غالب ابن بشران وغيره، والفقه على القاضي أبي الطيب والشيخ أبي إسحاق الشيرازي والماوردي، وسمع بالأهواز من الحسين الخوزي وبالبصرة من الفضل القصباني وعبيد الله الرقي والحسن بن رجاء بن الدهان النحويين، وروى عن الماوردي كتبه كلها، وكان حافظا للفقه حسن المذاكرة كثير القراءة متحشما عن السلاطين.
وله تصانيف حسان منها: مقدمة في النحو. كتاب المتقعرين. توفي في تاسع عشر المحرم سنة تسع وتسعين وأربعمائة، وسمع في مرضه يقول: ما أخشى أن الله يحاسبني أنني أخذت شيئا من وقف أو مال يتيم.
[١٠٧٥] محمد بن عبيد الله أبو الفتح ابن التعاويذي
، ويعرف أيضا بسبط ابن التعاويذي، وكلاهما نسبة لجدّه لأمه أبي محمد المبارك بن المبارك بن علي السراج الجوهري المعروف بابن التعاويذي الزاهد: كان شاعر العراق في وقته، وكان كاتبا
стр. 2558
بديوان الاقطاع ببغداد، واجتمع به العماد الكاتب الأصفهاني لما كان بالعراق وصحبه مدة، فلما انتقل العماد إلى الشام واتصل بالسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب كان ابن التعاويذي يراسله، فكان بينهما مراسلات ذكر بعضها العماد في «الخريدة» .
وعمي أبو الفتح في آخر عمره سنة تسع وسبعين وخمسمائة، وله في ذلك أشعار كثيرة يندب بها بصره وزمان شبابه. ومدح السلطان صلاح الدين بثلاث قصائد أنفذها إليه من بغداد، إحداها عارض بها قصيدة أبي منصور علي بن الحسن المعروف بصرّدرّ التي أولها:
أكذا يجازى ودّ كلّ قرين
فقال ابن التعاويذي وأحسن ما شاء «١» :
إن كان دينك في الصبابة ديني ... فقف المطيّ برملتي يبرين
والثم ثرى لو شارفت بي هضبه ... أيدي المطيّ لثمته بجفوني
وانشد فؤادي في الظباء معرّضا ... فبغير غزلان الصريم جنوني
ونشيدتي بين الخيام وإنما ... غالطت عنها بالظباء العين
لولا العدى لم أكن عن ألحاظها ... وقدودها بجآذر وغصون
لله ما اشتملت عليه قبابهم ... يوم النوى من لؤلؤ مكنون
من كل تائهة على أترابها ... في الحسن غانية عن التحسين
خود ترى قمر السماء إذا بدت ... ما بين سالفة لها وجبين
غادين ما لمعت بروق ثغورهم ... إلا استهلّت بالدموع شؤوني
إن تنكروا نفس الصّبا فلأنها ... مرّت بزفرة قلبي المحزون
وإذا الركائب في المسير تلفّتت ... فحنينها لتلفّتي وحنيني
يا سلم إن ضاعت عهودي عندكم ... فأنا الذي استودعت غير أمين
أو عدت مغبونا فما أنا في الهوى ... لكم بأول عاشق مغبون
стр. 2559
رفقا فقد عسف الفراق بمطلق ال ... عبرات في أسر الغرام رهين
ما لي ووصل الغانيات أرومه ... ولقد بخلن عليّ بالماعون
وعلام أشكو والعهود نقضنها ... بلحاظهنّ إذا لوين ديوني
هيهات ما للغيد في حبّ امرىء ... أرب وقد أربى على الخمسين
ومن البلية أن تكون مطالبي ... جدوى بخيل أو وفاء خؤون
ليت الضنين على المحبّ بوصله ... ألف السماحة عن صلاح الدين
ملك إذا علقت يد بذمامه ... علقت بحبل في الوفاء متين
قاد الجياد معاقلا وان اكتفى ... بمعاقل من رأيه وحصون
سهرت جفون عداه خيفة فاتح ... خلقت صوارمه بغير جفون
لو أنّ لليث الهزبر سطاه لم ... يلجا إلى غاب له وعرين
أضحت دمشق وقد حللت بجوها ... مأوى الضعيف وموئل المسكين
لك عفة في قدرة وتواضع ... في عزة وصرامة في لين
وأريتنا بجميل صنعك ما روى ال ... راوون عن أمم خلت وقرون
وضمنت أن تحيي لنا أيامهم ... بالمكرمات فكنت خير ضمين
كاد الأعادي أن يصيبك كيدها ... لو لم تكدك برأيها المأفون
تخفي عداوتها وراء بشاشة ... فتشفّ عن نظر لها مشفون
دفنت حبائل مكرها فرددتها ... تبلى بغيظ صدورها المدفون
وعلمت ما أخفوا كأنّ قلوبهم ... أفضت إليك بسرها المخزون
فهوت نجوم سعودهم وقضى لهم ... بالنحس طائر جدّك الميمون
وأما قصيدته الثانية فهي «١» :
حتّام أرضى في هواك وتغضب ... وإلى متى تجني عليّ وتعتب
ما كان لي لولا ملالك زلة ... لما مللت زعمت أني مذنب
стр. 2560
خذ في أفانين الصدود فإن لي ... قلبا على العلّات لا يتقلب
أتظنني أضمرت يوما سلوة ... هيهات عطفك من سلوّي أقرب
لي فيك نار جوانح ما تنطفي ... شوقا وماء مدامع لا ينضب
أنسيت أياما لنا ولياليا ... للهو فيها والخلاعة ملعب
أيام لا الواشي يشي بتولّهي ... بك للرقيب ولا العذول يؤنب
قد كنت تنصفني المودة راكبا ... في الحبّ من أخطاره ما أركب
واليوم أقنع أن يمرّ بمضجعي ... في النوم طيف خيالك المتأوب
قالت وريعت من بياض مفارقي ... ونحول جسمي بان عنك الأطيب
إن تنقمي سقمي فخصرك ناحل ... أو تنكري شيبي فثغرك أشنب
يا طالبا بعد المشيب غضارة ... من عيشه ذهب الزمان المذهب
أتروم بعد الأربعين تعدّها ... وصل الدمى هيهات عزّ المطلب
لولا الهوى العذريّ يا دار الهوى ... ما هاج لي ذكراك برق خلّب
كلا ولا استسقيت للطلل الحيا ... وندى صلاح الدين هام صيّب
ثم مضى في المدح فأجاد وأحسن.
وأما الثالثة فنكتفي بإيراد أبيات من مديحها قال «١» :
فلا يضجرنك ازدحام الوفود ... عليك وكثرة ما تبذل
فإنك في زمن ليس فيه ... جواد سواك ولا مفضل
وقد قلّ في أهله المنعمون ... وقد كثر البائس المرمل
وما فيه غيرك من يستماح ... وما فيه إلّاك من يسأل
وقال من قصيدة يندب بصره «٢» :
لقد رمتني رميت بالأذى ... بنكبة قاصمة الظهر