مات ابن القوطية يوم الثلاثاء لسبع بقين من ربيع الأول سنة سبع وستين وثلاثمائة بمدينة قرطبة، ودفن يوم الأربعاء وقت صلاة العصر بمقبرة قريش.
والقوطية نسبة إلى القوط، وهم ينسبون إلى قوط بن حام بن نوح كانوا بالأندلس من أيام إبراهيم ﵇.
ومن شعر أبي بكر ابن القوطية:
ضحى أناخوا بوادي الطلح عيسهم ... فأوردوها عشاء أيّ إيراد
أكرم به واديا حلّ الحبيب به ... ما بين رند وخابور وفرصاد
يا واديا سار عنه الركب مرتحلا ... بالله قل أين سار الركب يا وادي
أبالغضا نزلوا أم للوى عدلوا ... أم عنك قد رحلوا خلفا لميعادي
بانوا وقد أورثوا جسمي الضنا وكأن ... كان النوى لهم أو لي بمرصاد
وقال «١» :
ضحك الثرى وبدا لك استبشاره ... واخضرّ شاربه وطرّ عذاره
ورنت حدائقه وآزر نبته ... وتبسمت أنواره وثماره
واهتز قدّ الغصن لما ان كسي ... ورقا كديباج يروق إزاره
وتعممت صلع الربى بنباتها ... وترنمت في لحنها أطياره
стр. 2592
[١٠٩٦] محمد [بن عمر] بن واقد الواقدي المدني
مولى الأسلميين: أحد أوعية العلم وصاحب التصانيف الكثيرة، سمع من مالك بن أنس والثوري ومعمر بن راشد وابن أبي ذئب وغيرهم، وروى عنه جماعة من الأعيان، وكاتبه محمد بن سعد الزهري، وكان عارفا برأيي مالك وسفيان الثوري.
وقال أبو داود الحافظ: بلغني أنّ ابن المديني قال: كان الواقدي يروي ثلاثين ألف حديث غريب. وكان إلى حفظه المنتهى في المغازي والسير والأخبار وأيام الناس والوقائع والفقه وغير ذلك. ولقي الواقدي ابن جريج وابن عجلان ومعمرا وثور بن يزيد.
وقال الإمام إبراهيم الحربي «١» : الواقدي أمين الناس على الاسلام.
وقال البخاري «٢» : سكتوا عنه.
وقال محمد بن إسحاق «٣» : والله لولا أنه عندي ثقة ما حدثت عنه.
وقال مصعب بن الزبير: والله ما رأينا مثل الواقدي. وقال أيضا: الواقدي ثقة مأمون.
وقال الإمام إبراهيم الحربي: من قال ان مسائل مالك وابن أبي ذئب تؤخذ من
стр. 2593
أوثق من الواقدي فلا تصدقه.
وقال الحافظ الدراوردي «١» : الواقدي أمير المؤمنين في الحديث.
وقال محمد بن سلام الجمحي «٢» : الواقدي عالم دهره.
وقال جابر بن كردي: سمعت يزيد بن هارون يقول: الواقدي ثقة. ووثقه أيضا أبو عبيد القاسم بن سلام.
وقال الخطيب في تاريخه «٣» : قدم الواقدي بغداد وولي قضاء الجانب الشرقي منها، وهو ممن طبق الأرض شرقها وغربها ذكره، ولم يخف على أحد عرف الأخبار أمره، وسارت الركبان بكتبه في فنون العلم من المغازي والسير والطبقات وأخبار النبي ﷺ والأحداث الكائنة في وقته وبعد وفاته وكتب الفقه واختلاف الناس في الحديث وغير ذلك، وكان جوادا مشهورا بالسخاء (انتهى) .
وسئل معن القزاز عن الواقدي فقال: أنا أسأل عن الواقدي؟ الواقدي يسأل عني؛ يعني تحري الواقدي في معرفة الرجال.
قال المؤلف: وهو مع ذلك ضعّفه طائفة من المحدثين كابن معين وأبي حاتم والنسائي وابن عدي وابن راهويه والدارقطني. أما في أخبار الناس والسير والفقه وسائر الفنون فهو ثقة بإجماع. وكان الرشيد ولاه القضاء بشرقي بغداد ثم ولاه المأمون القضاء بعسكر المهدي، وكان يكرم جانبه ويبالغ في رعايته.
وكتب الواقدي «٤» إلى المأمون مرة يشكو ضائقة ركبه بسببها دين، وعيّن مقداره، فوقع المأمون على قصته بخطّه: فيك خلتان سخاء وحياء، فالسخاء أطلق يديك بتبذير ما ملكت، والحياء حملك على أن ذكرت لنا بعض دينك، وقد أمرنا لك
стр. 2594
بضعف ما سألت، وإن كنا قصرنا عن بلوغ حاجتك فبجنايتك على نفسك، وإن كنا بلغنا بغيتك فزد في بسطة يدك فإن خزائن الله مفتوحة ويده بالخير مبسوطة، وأنت حدثتني حين كنت على قضاء الرشيد أن النبي ﷺ قال للزبير: يا زبير إن مفاتيح الرزق بإزاء العرش ينزل الله سبحانه للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم فمن كثّر كثّر له ومن قلل قلل عليه، قال الواقدي: وكنت نسيت الحديث، وكان تذكيره لي به أعجب من صلته.
وعن ابن أبي الأزهر قال: حدثني أبو سهل الداري عمن حدثه عن الواقدي قال «١» : كان لي صديقان أحدهما هاشميّ، وكنا كنفس واحدة فنالتني ضيقة شديدة وحضر العيد، فقالت امرأتي: أما نحن في أنفسنا فنصبر على البؤس والشدة، وأما صبياننا هؤلاء فقد قطّعوا قلبي رحمة لهم لأنهم يرون صبيان الجيران قد تزينوا في عيدهم وأصلحوا ثيابهم وهم على هذه الحال من الثياب الرثة، فلو احتلت بشيء نصرفه في كسوتهم، قال: فكتبت إلى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة عليّ بما حضر فوجّه إليّ كيسا مختوما ذكر أن فيه ألف درهم، فما استقر قراري إذ كتب إليّ الصديق الآخر يشكو مثل ما شكوت إلى صاحبي، فوجهت إليه الكيس بحاله، وخرجت إلى المسجد فأقمت فيه ليلي مستحييا من امرأتي، فلما دخلت عليها وأخبرتها بما فعلت استحسنت ما كان مني ولم تعنفني عليه، فبينا أنا كذلك إذ وافى صديقي الهاشمي ومعه الكيس كهيئته، فقال لي اصدقني عما فعلته فيما وجهت إليك، فعرفته الخبر على وجهه فقال: إنك وجهت إليّ وما أملك على الأرض إلا ما بعثت به إليك، وكتبت إلى صديقنا أسأله المواساة فوجّه إليّ كيسي بخاتمي، قال الواقدي: فتواسينا الكيس أثلاثا. ونمي الخبر إلى المأمون فدعاني فشرحت له الخبر فأمر لنا بسبعة آلاف دينار لكلّ واحد ألفا دينار، وللمرأة ألف دينار.
وروى ابن سعد عن الواقدي أنه قال «٢» : ما من أحد إلا وكتبه أكثر من حفظه، وحفظي أكثر من كتبي.
стр. 2595
وقال يعقوب بن شيبة «١» لما تحول الواقدي من الجانب الغربي يقال إنه حمل كتبه على عشرين ومائة وقر، وقيل كان له ستمائة قمطر كتب.
ولد سنة ثلاثين ومائة وتوفي عشية يوم الاثنين حادي عشر ذي الحجة سنة سبع ومائتين عن سبعة وسبعين عاما، ودفن في مقابر الخيزران.
وله من الكتب كتاب الاختلاف يحتوي على اختلاف أهل المدينة والكوفة في الشفعة والصدقة والعمرى والرقبى والوديعة وعلى كتب الفقه الباقية. كتاب غلط الحديث. كتاب السنة والجماعة وذمّ الهوى. كتاب ذكر القرآن. كتاب الآداب.
كتاب الترغيب في علم القرآن. التاريخ الكبير. كتاب التاريخ والمغازي والبعث.
أخبار مكة. كتاب أزواج النبي ﷺ . كتاب وفاة النبي ﷺ . كتاب السقيفة وبيعة أبي بكر. كتاب سيرة أبي بكر ووفاته. كتاب الردة والدار. كتاب السيرة. كتاب أمر الحبشة والفيل. كتاب حرب الأوس والخزرج. كتاب المناكح. كتاب يوم الجمل.
كتاب صفين. كتاب مولد الحسن والحسين. كتاب مقتل الحسين. كتاب فتوح الشام. كتاب فتوح العراق. كتاب ضرب الدنانير والدراهم. كتاب مراعي قريش والأنصار في القطائع ووضع عمر الدواوين. كتاب الطبقات. تاريخ الفقهاء «٢» .
[١٠٩٧] محمد بن فتوح بن عبد الله بن حميد أبو عبد الله الأزدي
الحميدي الحافظ المؤرخ الأديب: أصله من قرطبة وولد بميورقة، جزيرة بالأندلس، قبل العشرين
стр. 2596
وأربعمائة، وكان يحمل على الكتف للسماع سنة خمس وعشرين وأربعمائة، وأول من سمع منه أبو القاسم [ابن] أصبغ، وتفقه بابن أبي زيد القيرواني وروى عنه رسالته و «مختصر المدونة» ، ورحل سنة ثمان وأربعين وأربعمائة إلى المشرق فحج وسمع بمكة، وقدم مصر فسمع بها من الضراب والقراعي وغيرهما، وكان سمع بالأندلس من الحافظ ابن عبد البر وأبي محمد ابن حزم الظاهري ولازمه وقرأ عليه أكثر مصنفاته وأكثر من الأخذ عنه وشهر بصحبته وكان على مذهبه إلا أنه لم يتظاهر بذلك، وسمع بأفريقية ودمشق، وأقام بواسط مدة ثم رجع إلى بغداد واستوطنها، وروى عن الخطيب البغدادي وكتب عنه أكثر مصنفاته، وروى الخطيب عنه أكثر مصنفاته، وروى عنه الأمير الحافظ الأديب أبو نصر علي بن ماكولا وقال: أخبرنا صديقنا أبو عبد الله الحميدي، وهو من أهل العلم والفضل والتيقظ، لم أر مثله في عفته ونزاهته وورعه وتشاغله بالعلم.
وقال بعض أكابر عصره ممن لقي الأئمة: لم تر عيناي مثل أبي عبد الله الحميدي في فضله ونبله ونزاهته وغزارة علمه وحرصه على نشر العلم وبثه في أهله، وكان ورعا ثقة إماما في علم الحديث وعلله ومعرفة متونه ورواته، محققا في علم الأصول على مذهب أصحاب الحديث، متبحرا في علم الأدب والعربية. وكان يقول: ثلاثة أشياء من علوم الحديث يجب تقديم الاهتمام بها: العلل وأحسن كتاب صنف فيها كتاب الدارقطني، ومعرفة المؤتلف والمختلف وأحسن كتاب وضع فيه كتاب الأمير أبي نصر ابن ماكولا، ووفيات الشيوخ وليس فيها كتاب، وقد كنت أردت أن أجمع في ذلك كتابا فقال لي الأمير ابن ماكولا: رتبه على حروف المعجم بعد أن رتبته على السنين، قال أبو بكر ابن طرخان: فشغله عنه الصحيحان إلى أن مات.
توفي ببغداد ليلة الثلاثاء سابع عشر ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وكان أوصى مظفرا ابن رئيس الرؤساء أن يدفنه عند قبر بشر الحافي، فخالف وصيته ودفنه في مقبرة باب أبرز، فلما مضت مدة رآه مظفر في النوم يعاتبه على مخالفته، فنقل في صفر سنة إحدى وتسعين وأربعمائة إلى مقبرة باب حرب ودفن عند قبر بشر، ووجد كفنه حين نقل وبدنه طريا تفوح منه رائحة الطيب.
стр. 2597
صنف الحميدي جذوة المقتبس «١» في أخبار علماء الأندلس، ألفه في بغداد، وذكر في خطبته أنه كتبه من حفظه. وتاريخ الاسلام. والأماني الصادقة. وتسهيل السبيل إلى علم الترسيل «٢» . والجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم. وكتاب ذم النميمة. والذهب المسبوك في وعظ الملوك. وكتاب ما جاء من النصوص والأخبار في حفظ الجار. ومخاطبات الأصدقاء في المكاتبات واللقاء. وكتاب من ادّعى الأمان من أهل الايمان.
ومن شعره:
كلام الله قولي ... وما صحّت به الآثار ديني
وما اتفق الجميع عليه بدءا ... وعودا فهو عن حقّ مبين
فدع ما صدّ عن هذا وهذا ... تكن منها على عين اليقين
وقال:
ألفت النوى حتى أنست بوحشتي ... وصرت بها لا بالصبابة مولعا
فلم أحص كم رافقت فيها مرافقا ... ولم أحص كم يممت في الأرض موضعا
ومن بعد جوب الأرض شرقا ومغربا ... فلا بدّ لي من أن أوافي مصرعا
وقال:
لقاء الناس ليس يفيد شيئا ... سوى الهذيان من قيل وقال
فأقلل من لقاء الناس إلا ... لأخذ العلم أو إصلاح حال
[١٠٩٨] محمد بن فرح أبو جعفر الغساني الكوفي النحوي:
أخذ عن سلمة بن
стр. 2598
عاصم صاحب الفراء، وقال الداني: أخذ القراءة عن أبي عمرو الدوري، وله عنه نسخة، وروى عنه الحروف أحمد بن جعفر بن عبيد الله بن المنادي ومحمد بن الحسن النقاش وأبو مزاحم الخاقاني وغيرهم.
[١٠٩٩] محمد بن فضلون بن أبي بكر بن الحسن
بن محمد بن شهاب الدين العقري: نسبة إلى العقر، وهي قلعة حصينة في جبال الموصل أهلها أكراد، النحوي اللغوي المتكلم الحكيم. سمع الحديث والأدب على جماعة من أهل العلم. (قال ياقوت في معجم البلدان) : كنت مرة معه أعارض إعراب شيخنا أبي البقاء لقصيدة الشنفرى اللامية إلى أن بلغنا إلى قوله:
واستفّ ترب الأرض كي لا يرى له ... عليّ من الطول امرؤ متطوّل
فأنشدني لنفسه في معناه:
مما يؤجج كربي أنني رجل ... سبقت فضلا ولم أحصل على السّبق
يموت بي حسدا مما خصصت به ... من لا يموت بداء الجهل والحمق
إذا سغبت سففت الترب في سغبي ... ولم أقل للئيم سدّ لي رمقي
وإن صديت وكان الصفو ممتنعا ... فالموت أنفع لي من مشرب رنق
وكم غرائب مال دونها رمق ... زهدت فيها ولم أقدر على الملق
وقد ألين وأجفو في محلهما ... فالحزن والسّهل مخلوقان في خلقي
(قال ياقوت) : فقلت له: قول الشنفرى أبلغ لأنه نزه نفسه عن ذي الطول وأنت نزهتها عن اللئيم، قال: صدقت، لأن الشنفرى كان يرى متطولا فينزه نفسه عنه وأنا لا أرى إلا اللئام فكيف أكذب؟! فخرج من اعتراضي إلى أحسن مخرج.
стр. 2599
[١١٠٠] محمد بن القاسم
وقيل ابن خلاد بن ياسر بن سليمان، الهاشمي بالولاء، أبو عبد الله المعروف بأبي العيناء الاخباري الأديب الشاعر: روى عن أبي عاصم النبيل، وسمع من الأصمعي وأبي عبيدة وأبي زيد الأنصاري والعتبي وغيرهم، وحدث عنه الصولي وابن نجيح وأحمد بن كامل وآخرون. وكان فصيحا بليغا من ظرفاء العالم، آية في الذكاء واللّسن وسرعة الجواب. فمن لطائفه أنه شكا تأخر أرزاقه إلى عبيد الله بن سليمان فقال له: ألم نكن كتبنا لك إلى ابن المدبر، فما فعل في أمرك؟ قال: جرّني على شوك المطل، وحرمني ثمرة الوعد، فقال: أنت اخترته، فقال: وما علي وقد اختار موسى قومه سبعين رجلا فما كان منهم رشيد فأخذتهم الرّجفة، واختار النبي ﷺ ابن أبي سرح كاتبا فلحق بالمشركين مرتدا، واختار علي بن أبي طالب أبا موسى الأشعري حكما فحكم عليه.
وحجبه بعض الأمراء ثم كتب اليه يعتذر منه، فقال: تجبهني مشافهة وتعتذر إليّ مكاتبة.
وقال: أخجلني ابن صغير لعبد الرحمن بن خاقان، قلت له: وددت أن لي ابنا مثلك، قال: هذا بيدك، قلت: كيف ذلك؟ قال: تحمل أبي على امرأتك فتلد لك ابنا مثلي.
وبلغه أن المتوكل قال «١» : لولا أنه ضرير لنادمناه، فقال: إن أعفاني من رؤية
стр. 2600
الأهلة وقراءة نقش الفصوص صلحت للمنادمة.
ودخل على المتوكل «١» في قصره المعروف بالجعفري سنة ست وأربعين ومائتين فقال له: ما تقول في دارنا هذه؟ فقال: إن الناس بنوا الدور في الدنيا وأنت بنيت الدنيا في دارك، فاستحسن كلامه.
ثم قال له: كيف شربك للخمر؟ قال: أعجز عن قليله وافتضح عند كثيره، فقال له: دع هذا عنك ونادمنا، فقال: أنا رجل مكفوف، وكلّ من في مجلسك يخدمك، وأنا محتاج أن أخدم، ولست آمن من أن تنظر إليّ بعين راض وقلبك عليّ غضبان أو بعين غضبان وقلبك راض، ومتى لم أميز بين هذين هلكت، فأختار العافية على التعرض للبلاء، فقال: بلغني عنك بذاء في لسانك، فقال: يا أمير المؤمنين قد مدح الله تعالى وذمّ فقال: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ*
وقال : هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ
(القلم: ١١) . وقال الشاعر:
إذا أنا بالمعروف لم أثن صادقا ... ولم أشتم النكس اللئيم المذمّما
ففيم عرفت الخير والشرّ باسمه ... وشقّ لي الله المسامع والفما
قال: فمن أين أنت؟ قال: من البصرة، قال: فما تقول فيها؟ قال: ماؤها أجاج، وحرها عذاب، وتطيب في الوقت الذي تطيب فيه جهنم.
قرأت في «تاريخ دمشق» قال: قرأت على زاهر بن طاهر عن أبي بكر البيهقي حدثنا أبو عبد الله الحافظ، قال سمعت عبد العزيز بن عبد الملك الأموي يقول:
سمعت إسماعيل بن محمد النحوي يقول: سمعت أبا العيناء يقول: أنا والحافظ وضعنا حديث فدك وأدخلناه على الشيوخ في بغداد فقبلوه إلا ابن شيبة العلوي قال لا يشبه آخر هذا الحديث أوله، فأبى أن يقبله، وكان أبو العيناء يحدث بهذا بعد ما كان.
وكان جد أبي العيناء الأكبر يلقى علي بن أبي طالب ﵁، فأساء المخاطبة بينه وبينه، فدعا عليه بالعمى له ولولده من بعده، فكلّ من عمي من ولد أبي العيناء فهو صحيح النسب فيهم.
стр. 2601
وقال المبرد: إنما صار أبو العيناء أعمى بعد أن نيف على الأربعين، وخرج من البصرة واعتلت عيناه فرمي فيهما بما رمي، والدليل على ذلك قول أبي علي البصير:
قد كنت خفت يد الزما ... ن عليك إذ ذهب البصر
ولم ادر أنّك بالعمى ... تغنى ويفتقر البشر
وقال أحمد بن أبي دواد لأبي العيناء: ما أشدّ ما أصابك في ذهاب بصرك؟
قال: أبدأ بالسلام وكنت أحبّ أن أكون أنا المبتدىء، وأحدّث من لا يقبل على حديثي ولو رأيته لم أقبل عليه، فقال له ابن أبي دواد: أما من بدأك بالسلام فقد كافأته بجميل نيتك له، ومن أعرض عن حديثك انما أكسب نفسه من سوء الأدب أكثر مما نالك من سوء الإعراض.
وقال محمد بن خلف بن المرزبان، قال لي أبو العيناء: أتعرف في شعراء المحدثين رشيدا الرياحي؟ قال: فقلت لا، قال بل هو القائل فيّ:
نسب لابن قاسم ما تراث ... فهو للخير صاحب وقرين
أحول العين والخلائق زين ... لا احولال بها ولا تلوين
ليس للمرء شائنا حول العي ... ن إذا كان فعله لا يشين
فقلت له: وكنت قبل العمى أحول؟ أمن السقم إلى البلى؟ فقال: هنا أظرف خبر تعرج به الملائكة إلى السماء اليوم، وقال: أيما اصلح من السقم إلى البلى أو حال العجوز أصلحها الله من القيادة إلى الزنا.
وحمله بعض الوزراء «١» على دابة فانتظر علفها، فلما أبطأ عليه قال: أيها الوزير هذه الدابة حملتني عليها أو حملتها عليّ؟
وقال له المتوكل «٢» هل رأيت طالبيا حسن الوجه؟ قال: نعم، رأيت ببغداد منذ ثلاثين واحدا، قال: تجده كان مؤاجرا وكنت أنت تقود عليه، فقال: يا أمير المؤمنين أو يبلغ هذا من فراغي؟ أدع مواليّ مع كثرتهم وأقود على الغرباء؟ فقال المتوكل
стр. 2602
للفتح: أردت أن أشتفي منهم فاشتفى لهم مني.
وقال له يوما «١» : إن سعيد بن عبد الملك يضحك منك، فقال: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ
(المطففين: ٢٩) .
وقال له ابن ثوابة يوما «٢» : كتبت أنفاس الرجال، فقال حيث كانوا وراء ظهرك.
وقال له نجاح بن سلمة يوما «٣» : ما ظهورك وقد خرج توقيع أمير المؤمنين في الزنادقة؟ فقال له: أستدفع الله عنك وعن أصهارك.
ودخل يوما «٤» على عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وهو يلعب بالشطرنج فقال:
في أيّ الحيزين أنت؟ فقال: في حيز الأمير أيده الله، وغلب عبيد الله فقال: يا أبا العيناء قد غلبنا، وقد أصابك خمسون رطل ثلج، فقام ومضى إلى ابن ثوابة وقال: إن الأمير يدعوك فلما دخلا قال: أيد الله الأمير قد جئتك بجبل همذان وماسبذان ثلجا فخذ منه ما شئت.
وكان بينه وبين محمد بن مكرم مداعبة، فسمع ابن مكرم أبا العيناء يقول في دعائه: يا رب سائلك، فقال: يا ابن الفاعلة ومن ليس سائله؟.
وقال له ابن مكرم «٥» يوما يعرض به: كم عدد المكدّين بالبصرة؟ فقال له: مثل عدد البغائين ببغداد.
وقال له ابن مكرم ذات يوم «٦» : هممت ان آمر غلامي أن يدوس بطنك، فقال:
الذي تخلفه على عيالك إذا ركبت أو الذي تحمله على ظهرك إذا نزلت؟.
وقال ابن مكرم يوما «٧» : مذهبي الجمع بين الصلاتين، فقال له: صدقت تجمع بينهما بالتّرك.
стр. 2603
وقيل له «١» : ما تقول في محمد بن مكرم والعباس بن رستم؟ فقال: هما الخمر والميسر إثمهما أكبر من نفعهما.
وقال ابن مكرم له يوما «٢» : أحسبك لا تصوم شهر رمضان، فقال له: ويلك وتدعني امرأتك أصوم.
وبات ليلة «٣» عند ابن مكرم، فجعل ابن مكرم يفسو عليه، فقام أبو العيناء وصعد السرير فارتفع اليه فساؤه، فصعد إلى السطح فبلغته رائحته، فقال: يا ابن الفاعلة ما فساؤك إلا دعوة مظلوم.
وقدم إليه «٤» ابن مكرم يوما جنب شواء، فلما جسّه قال: ليس هذا جنبا هذا شريجة قصب.
ومر يوما «٥» على دار عدوّ له فقال: ما خبر أبي محمد؟ فقالوا: كما تحبّ قال:
فما لي لا أسمع الرنة والصياح.
ووعده «٦» ابن المدبر بدابة فلما طالبه قال: أخاف أن أحملك عليها فتقطعني ولا أراك، فقال: عدني أن تضمّ إليها حمارا لأواظب مقتضيا.
ووعده «٧» يوما أن يعطيه بغلا فلقيه في الطريق فقال له: كيف أصبحت يا أبا العيناء؟ فقال: أصبحت بلا بغل، فضحك منه وبعث به اليه.
وقالت «٨» له قينة: هب لي خاتمك وأذكرك به، فقال لها: اذكري أنك طلبته مني ومنعتك.
ولما استوزر صاعد «٩» عقب إسلامه صار أبو العيناء إلى بابه، فقيل له يصلي، فعاد فقيل يصلي، فقال: معذور لكل جديد لذة.
وحضره «١٠» يوما ابن مكرم وأخذ يؤذيه ثم قال: الساعة والله أنصرف، فقال أبو
стр. 2604
العيناء: ما رأيت من يتهدد بالعافية غيرك.
وقال له ابن الجماز المغني «١» : هل تذكر سالف معاشرتنا؟ فقال: اذ تغنّينا ونحن نستعفيك.
ودخل على أبي الصقر إسماعيل بن بلبل الوزير فقال له «٢» : ما الذي أخرك عنا يا أبا العيناء؟ فقال: سرق حماري، فقال: وكيف سرق؟ قال: لم أكن مع اللص فأخبرك، قال: فهلا أتيتنا على غيره؟ قال: قعد بي عن الشراء قلة يساري، وكرهت ذلّ المكاري، ومنة العواري.
وقيل له «٣» إلى متى تمدح الناس وتهجوهم؟ فقال: ما دام المحسن يحسن والمسيء يسيء وأعوذ بالله أن أكون كالعقرب تلسب النبيّ والذمي.
ودخل على ابن ثوابة «٤» عقب كلام جرى بينه وبين الوزير أبي الصقر ابن بلبل، وكان ابن ثوابة تطاول على الوزير، فقال له أبو العيناء: بلغني ما جرى بينك وبين الوزير، وما منعه من استقصاء الجواب إلا أنه لم يجد فيك عزا فيضعه ولا مجدا فينقصه، وبعد فإنه عاف لحمك أن يأكله وسهك «٥» دمك أن يسفكه، فقال ابن ثوابة:
وما أنت والدخول بيني وبين هؤلاء يا مكدّي؟ فقال: لا تنكر على ابن ثمانين قد ذهب بصره وجفاه سلطانه أن يعوّل على إخوانه فيأخذ من أموالهم، ولكن أشدّ من هذا من يستنزل الماء من أصلاب الرجال فيستفرغه في جوفه فيقطع نسلهم ويعظّم أوزارهم، فقال ابن ثوابة: ما تسابّ اثنان الا غلب ألأمهما، فقال أبو العيناء: وبذا غلبت أبا الصقر بالأمس، فأفحمه.
وخاصم يوما علويا فقال له العلوي: تخاصمني وقد أمرت أن تقول اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد؟ فقال: لكني أقول الطيبين الطاهرين فتخرج أنت.
وقال له ابن الجهم يوما «٦» : يا مخنث فقال: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ
(يس: ٧٨) .
стр. 2605
ولما وكل موسى بن عبد الملك الأصبهاني «١» بنجاح بن سلمة ليستأديه ما عليه من الأموال عاقبه موسى فهلك ابن سلمة في المطالبة والعقاب، فلقي بعض الرؤساء أبا العيناء وقال له: ما عندك من خبر نجاح بن سلمة فقال أبو العيناء: فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ
(القصص: ١٥) فبلغت كلمته موسى فلقيه وقال له: أبي تولع والله لأقومنك فقال له أبو العيناء: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ
(القصص: ١٩) .
وقال له العباس بن رستم «٢» يوما: أنا أكفر منك، فقال له: لأنك تكفر ومعك خفير مثل عبيد الله بن يحيى وابن أبي دواد وأنا أكفر بلا خفارة.
وقال أبو العيناء «٣» : مررت يوما في درب بسرّ من رأى فقال لي غلامي: يا مولاي في الدرب حمل سمين، والدرب خال، فأمرته أن يأخذه وغطيته بطيلساني وصرت به إلى منزلي، فلما كان من الغد جاءتني رقعة من بعض رؤساء ذلك الدرب مكتوب فيها: جعلت فداك، ضاع لنا بالأمس حمل فأخبرني صبيان دربنا أنك أنت أخذته فأمر بردّه متفضلا، فكتبت إليه: يا سبحان الله ما أعجب هذا الأمر، مشايخ دربنا يزعمون أنك بغاء وأكذّبهم أنا ولا أصدقهم وتصدّق أنت صبيان دربك أني أخذت الحمل؟! قال: فسكت ولم يعاودني.
وقال له رجل «٤» من بني هاشم: بلغني أنك بغاء، فقال: وما أنكرت من ذلك مع قول رسول الله ﷺ مولى القوم منهم، فقال الهاشمي. إنك دعيّ فينا، قال:
بغائي صحح نسبي فيكم.
ولقيه «٥» بعض الكتاب في السحر فقال متعجبا من بكوره: يا أبا عبد الله أتبكر في مثل هذا الوقت؟ فقال له أبو العيناء: أتشاركني في الفعل وتنفرد بالتعجب؟
ودعا أبو العيناء «٦» سائلا ليعشيه فلم يدع شيئا الا أكله، فقال له: يا هذا دعوتك رحمة فاتركني رحمة.
ووقف عليه رجل من العامة، فلما أحس به قال: من هذا قال: رجل من بني
стр. 2606
آدم، فقال أبو العيناء: مرحبا بك أطال الله بقاءك، كنت أظنّ أن هذا النسل قد انقطع.
وكتب «١» إلى بعض الرؤساء وقد وعده بشيء فلم ينجزه: ثقتي بك تمنعني من استبطائك، وعلمي بشغلك يدعوني إلى تذكيرك، ولست آمن- مع استحكام ثقتي بطولك، والمعرفة بعلو همتك- اخترام الأجل، فإن الآجال آفات الآمال، فسح الله في أجلك وبلغك منتهى أملك والسلام.
وغداه ابن مكرم «٢» يوما فقدم إليه عراقا فلما جسه قال: قدركم هذه طبخت بالشطرنج.
وقدم يوما «٣» إليه قدرا فوجدها كثيرة العظام فقال له: هذه قدر أم قبر؟
وأكل عنده «٤» يوما فسقي على المائدة ثلاث شربات باردة، ثم استسقى فسقي شربة حارة، فقال: لعل مزملتكم تعتريها حمّى الرّبع.
ودخل «٥» يوما على المتوكل فقدّم إليه طعام فغمس أبو العيناء لقمته في خلّ كان حاضرا وأكلها فتأذى بالحموضة، وفطن المتوكل له فجعل يضحك، فقال لا تلمني يا أمير المؤمنين فقد محت حلاوة الايمان من قلبي.
وأكل يوما عند بعض أصحابه طعاما وغسل يده عشر مرات فلم تنق فقال: كادت هذه القدر أن تكون نسبا وصهرا.
وقال له رجل «٦» من ولد سعيد بن سلم: إن أبي يبغضك، فقال يا بني لي أسوة بآل محمد ﷺ .
واعترضه يوما «٧» أحمد بن سعيد فسلم عليه فقال له أبو العيناء: من أنت؟
قال: أنا أحمد بن سعيد، فقال: إني بك لعارف، ولكن عهدي بصوتك يرتفع إليّ
стр. 2607
من أسفل فما له ينحدر عليّ من علو؟ قال: لأني راكب، فقال عهدي بك وأنت في طمرين لو أقسمت على الله في رغيف لأعضّك بما تكره.
ودق «١» إنسان عليه الباب فقال: من هذا؟ قال: أنا، فقال: أنا والدق سواء.
وذكر يوما «٢» ولد موسى بن عيسى فقال: كأنّ أنوفهم قبور نصبت على غير قبلة.
وقيل له «٣» : لم اتخذت خادمين أسودين؟ قال: أما أسودان فلئلا أتهم بهما، وأما خادمين فلئلا يتهما بي.
وقال يوما لابن ثوابة «٤» : إذا شهدت على الناس ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون شهد عليك أنتن عضو فيك.
وقال له ابن ثوابة «٥» يوما: أنا والله أحبك بكل جوارحي، فقال أبو العيناء الا بعضو واحد أيدك الله، فبلغ ذلك ابن أبي دواد فقال: قد وفق في التحديد عليه.
وسئل يوما «٦» عن مالك بن طوق فقال: لو كان في بني إسرائيل حين نزلت آية البقرة ما ذبحوا غيره.
وقال أبو العيناء «٧» : أنا أول من أظهر العقوق بالبصرة، قال لي أبي: يا بني إن الله تعالى قرن طاعته بطاعتي فقال اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ
(لقمان: ١٤) فقلت له: يا ابة ان الله ائتمنني عليك ولم يأتمنك علي فقال تعالى وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ
(الاسراء: ٣١) .
وقال له عبيد الله بن سليمان: اعذرني فاني مشغول عنك، فقال له: إذا فرغت لم احتج اليك، يعني إذا عزل.
ووضع أبو العيناء كتابا «٨» في ذم أحمد بن الخصيب حكى فيه ان جماعة من
стр. 2608
الفضلاء اجتمعوا في مجلس وكلّ منهم يكره ابن الخصيب لما كان فيه من الفدامة والجهالة والتغفل، فتجاذبوا أطراف الملح في ذمه، فقال أحدهم: كان جهله غامرا لعقله وسفهه قاهرا لحلمه، وقال آخر: لو كان دابة لتقاعس في عنانه وحرن في ميدانه، وقال آخر: كنت إذا وقع لفظه في سمعي أحسست النقصان في عقلي، وقال بعض كتابه: كنت أرى قلم ابن الخصيب يكتب بما لا يصيب، ولو نطق لنطق بنوك عجيب. وقال إبراهيم بن المدبر: كنت يوما عنده فقدم الطعام وفيه هليون فأكبّ عليه، فقلت له: أراك راغبا في الهليون، فقال: إنه يزيد في الباه. وقال آخر: لو غابت عنه العافية لنسيها.
وقال أبو العيناء في آخر هذا التصنيف: كان ابن الخصيب إذا ناظر شغب، وربما رفس من ناظره إذا عجز عن الجواب وخفي عليه الصواب واستولت عليه البلادة وعري كلامه عن الافادة، وكان إن دنوت منه غرّك، وان بعدت عنه ضرّك، فحياته لا تنفع وموته لا يضرّ.
وقال الخطيب في تاريخه «١» اخبرنا الأزهري أخبرنا محمد بن جعفر التميمي، أخبرنا الصولي عن أبي العيناء قال: كان سبب تحولي من البصرة أني رأيت غلاما ينادى عليه بثلاثين دينارا يساوي ثلاثمائة دينار، فاشتريته، وكنت أبني دارا فأعطيته عشرين دينارا لينفقها على الصناع، فأنفق عشرة واشترى بعشرة ملبوسا له، فقلت: ما هذا؟
فقال: لا تعجل فان أرباب المروءات لا يعيبون على غلمانهم هذا، فقلت في نفسي: أنا اشتريت الأصمعيّ ولم أدر. ثم أردت ان أتزوج امرأة سرا من بنت عمي فاستكتمته، ودفعت إليه دينارا يشتري به حوائج وسمك هازبى، فاشترى غيره فغاظني، فقال: رأيت بقراط يذم الهازبى، فقلت: يا ابن الفاعلة لم أعلم أني اشتريت جالينوس، فضربته عشر مقارع فأخذني وضربني سبعا وقال: يا مولاي الأدب ثلاث وإنما ضربتك سبعا قصاصا، قال: فرميته فشججته فذهب إلى بنت عمي وقال: الدين النصيحة ومن غشّنا فليس منا، إن مولاي قد تزوج واستكتمني فقلت:
لا بدّ من تعريف مولاتي الخبر فضربني وشجني، فمنعتني بنت عمي دخول الدار
стр. 2609
وحالت ما بيني وبين ما فيها وما زالت كذلك حتى طلقت المرأة، وسمت بنت عمي الغلام الناصح فلم يمكني أن أكلمه، فقلت أعتق هذا وأستريح، فلما أعتقته لزمني وقال: الآن وجب حقك عليّ، ثم انه أراد الحجّ فزودته فغاب عشرين يوما ورجع وقال: قطع الطريق ورأيت حقك قد وجب، ثم أراد الغزو فجهزته، فلما غاب بعت مالي بالبصرة وخرجت منها خوفا ان يرجع.
ولد أبو العيناء بالأهواز سنة احدى وتسعين ومائة وتوفي ببغداد في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين ومائتين وقيل سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وقال ابنه أبو جعفر مات أبي لعشر ليال خلون من جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين ومائتين.
ومن شعره:
إن يأخذ الله من عينيّ نورهما ... ففي لساني وسمعي منهما نور
قلب ذكيّ وعقل غير ذي خطل ... وفي فمي صارم كالسيف مأثور
وقال:
حمدت إلا هي إذ بلاني بحبها ... على حول يغني عن النّظر الشّزر
نظرت إليها والرقيب يظنني ... نظرت إليه فاسترحت من العذر
وقال يهجو أسد بن جوهر:
تعس الزمان لقد أتى بعجاب ... ومحا رسوم الظرف والآداب
وافى بكتّاب لو انبسطت يدي ... فيهم رددتهم إلى الكتاب
جيل من الأنعام إلا أنهم ... من بينها خلقوا بلا أذناب
لا يعرفون إذا الجريدة جرّدت ... ما بين عيّاب إلى عتاب
أو ما ترى أسد بن جوهر قد غدا ... متشبّها بأجلّة الكتاب
فإذا أتاه مسائل في حاجة ... ردّ الجواب له بغير جواب
وسمعت من غثّ الكلام ورثه ... وقبيحه باللحن والاعراب
ثكلتك أمك هبك من بقر الفلا ... ما كنت تغلط مرة بصواب
стр. 2610
وقال في الوزير أحمد بن الخصيب:
قل للخليفة يا ابن عمّ محمد ... اشكل وزيرك إنه ركّال
قد أحجم المتظلمون مخافة ... منه وقالوا ما نروم محال
ما دام مطلقة علينا رجله ... أو دام للنزق الجهول مقال
قد نال من أعراضنا بلسانه ... ولرجله بين الصدور مجال
امنعه من ركل الرجال وان ترد ... مالا فعند وزيرك الأموال
وقال:
الحمد لله ليس لي فرس ... ولا على باب منزلي حرس
ولا غلام إذا هتفت به ... بادر نحوي كأنه قبس
ابني غلامي وزوجتي أمتي ... ملّكنيها الملاك والعرس
غنيت باليأس واعتصمت به ... عن كلّ فرد بوجهه عبس
فما يراني ببابه أبدا ... طلق المحيا سمح ولا شرس
وقال:
من كان يملك درهمين تعلّمت ... شفتاه أنواع الكلام فقالا
وتقدم الفصحاء فاستمعوا له ... ورأيته بين الورى مختالا
لولا دراهمه التي في كيسه ... لرأيته شرّ البرية حالا
إن الغني إذا تكلم كاذبا ... قالوا صدقت وما نطقت محالا
وإذا الفقير أصاب قالوا لم تصب ... وكذبت يا هذا وقلت ضلالا
إن الدراهم في المواطن كلّها ... تكسو الرجال مهابة وجلالا
فهي اللسان لمن أراد فصاحة ... وهي السلاح لمن اراد قتالا
وقال:
تولت بهجة الدنيا ... فكلّ جديدها خلق
وخان الناس كلهم ... فما أدري بمن أثق
стр. 2611
رأيت معالم الخيرا ... ت سدّت دونها الطرق
فلا حسب ولا أدب ... ولا دين ولا خلق
وقال:
ألم تعلمي يا عمرك الله أنني ... كريم على حين الكرام قليل
وأني لا أخزى إذا قيل مقتر ... جواد وأخزى أن يقال بخيل
وإلا يكن عظمي طويلا فإنني ... له بالخصال الصالحات وصول
إذا كنت في القوم الطوال فضلتهم ... بطولي لهم حتى يقال طويل
ولا خير في حسن الجسوم وطولها ... إذا لم يزن طول الجسوم عقول
وكائن رأينا من جسوم طويلة ... تموت إذا لم تحيهنّ أصول
ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو وأما وجهه فجميل
وقال:
يا ويح هذي الأرض ما تصنع ... أكلّ حيّ فوقها تصرع
تزرعهم حتى إذا ما أتوا ... أشدّهم تحصد ما تزرع
[١١٠١] محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسين
بن بيان بن سماعة بن فروة بن قطن بن دعامة، أبو بكر ابن الانباري النحوي اللغوي الأديب: كان من أعلم الناس بنحو الكوفيين، وأكثرهم حفظا للغة، وكان صدوقا زاهدا متواضعا فاضلا أديبا
стр. 2612
ثقة خيرا من أهل السنة حسن الطريقة، أخذ عن أبي العباس ثعلب وخلق، وروى عنه الدارقطني وجماعة، وكتب عنه وأبوه حي. وكان يملي في ناحية من المسجد وأبوه في ناحية أخرى. ومرض يوما «١» فعاده أصحابه فرأوا من انزعاج والده أمرا عظيما، فطيبوا نفسه فقال: كيف لا أنزعج وهو يحفظ جميع ما ترون، وأشار إلى خزانة مملوءة كتبا.
وقال أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي «٢» : كان أبو بكر ابن الانباري يحفظ ثلاثمائة ألف بيت شاهدا في القرآن، وكان يحفظ مائة وعشرين تفسيرا بأسانيدها.
وقال له أبو الحسن العروضي: قد أكثر الناس في حفظك فكم تحفظ؟ فقال:
ثلاثة عشر صندوقا.
قال وسألته جارية الراضي «٣» يوما عن تعبير رؤيا فقال: أنا حاقن، ثم مضى من يومه فحفظ كتاب الكرماني في التعبير، وجاء من الغد وقد صار معبرا للرؤيا.
وقال حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق «٤» : كان أبو بكر ابن الانباري يملي كتبه المصنفة ومجالسه المشتملة على الحديث والتفسير والأخبار والأشعار، كل ذلك من حفظه.
وقال محمد بن جعفر التميمي: أما أبو بكر ابن الانباري فما رأينا أحفظ منه ولا أغزر منه علما، وكان يحفظ ثلاثة عشر صندوقا، وهذا مما لم يحفظه أحد قبله ولا بعده.
وقال أبو العباس يونس النحوي: كان أبو بكر آية من آيات الله تعالى في الحفظ، وكان أحفظ الناس للغة والشعر.
وحكى أبو الحسن الدارقطني «٥» أنه حضر مجلس إملائه في يوم جمعة، فصحّف اسما أورده في إسناد حديث، إما كان حبان فقال حيان، قال الدارقطني:
فأعظمت أن يحمل عن مثله في فضله وجلالته وهم، وهبت أن أوقفه على ذلك، فلما
стр. 2613
فرغ من إملائه تقدمت إليه فذكرت له وهمه وعرفته صواب القول فيه وانصرفت، ثم حضرت الجمعة الثانية مجلسه فقال أبو بكر للمستملي: عرّف جماعة الحاضرين أنا صحفنا الاسم الفلاني لما أملينا حديث كذا في الجمعة الماضية، ونبهنا ذلك الشاب على الصواب، وهو كذا، وعرّف ذلك الشاب أنا رجعنا إلى الأصل فوجدناه كما قال.
وقال أحمد بن يوسف الأصبهاني «١» : رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله عمن آخذ علم القرآن؟ فقال: عن أبي بكر ابن الانباري.
وقال أبو الحسن العروضي «٢» : اجتمعت أنا وأبو بكر ابن الانباري عند الراضي بالله على الطعام، وكان الطباخ قد عرف ما يأكل أبو بكر، وشوى له قلّية يابسة، قال: فأكلنا نحن ألوان الطعام وأطايبه وهو يعالج تلك القلية، ثم فرغنا وأتينا بحلواء فلم يأكل منها، فقمنا ونمنا إلى الخيش، فنام بين يدي الخيش ونمنا نحن في خيشين ولم يشرب ماء إلى العصر، فلما كان بعد العصر قال: يا غلام، الوظيفة فجاءه بماء من الحب وترك الماء المزمّل بالثلج، فغاظني أمره وصحت: يا أمير المؤمنين، فأمر باحضاري وقال: ما قصتك؟ فأخبرته وقلت يا أمير المؤمنين يحتاج هذا إلى ان يحال بينه وبين تدبير نفسه لأنه يقتلها ولا يحسن عشرتها، فضحك وقال: له في هذا لذة، وقد جرت له به عادة، وصار آلفا لذلك فلن يضره. ثم قلت له: يا أبا بكر لم تفعل هذا بنفسك؟ فقال: أبقي على حفظي.
ويحكى «٣» أنه كان يأخذ الرطب ويشمه ويقول: أما إنك طيّب، ولكن أطيب منك ما وهب الله لي من العلم وحفظه.
وحكي أنه «٤» مرّ يوما بالنخاسين فرأى جارية تعرض حسنة الصورة كاملة الوصف، قال: فوقعت في قلبي ثم مضيت إلى دار أمير المؤمنين الراضي بالله فقال:
أين كنت إلى الساعة؟ فعرفته الأمر وأخبرته بالجارية، فأمر بشرائها وحملت إلى منزلي ولم أعلم، فجئت فوجدتها في المنزل، فقلت لها: اعتزلي إلى الاستبراء، وكنت
стр. 2614
أطلب مسألة قد خفيت عليّ فاشتغل قلبي بالجارية فقلت للخادم: خذها وامض بها إلى النخاس فليس يبلغ قدرها ان يشغل قلبي عن علمي، فأخذها الغلام فقالت:
دعني حتى أكلمه، فقالت لي: انت رجل لك محلّ وعقل، فإذا أخرجتني ولم تبين ذنبي لم آمن أن يظن الناس بي ظنا قبيحا فعرفنيه قبل أن تخرجني، فقلت: مالك عندي ذنب غير أنك شغلتني عن علمي، فقالت: هذا سهل عندي، قال: فبلغ الراضي ما كان من أمري فقال: لا ينبغي أن يكون العلم في قلب أحد أحلى منه في قلب هذا الرجل.
ولا بن الانباري شعر لطيف فمن ذلك قوله:
إذا زيد شرا زاد صبرا كأنما ... هو المسك ما بين الصّلاية والفهر
فانّ فتيت المسك يزداد طيبه ... على السّحق والحرّ اصطبارا على الضرّ
ومن أماليه:
فهلا منعتم إذ منعتم كلامها ... خيالا يوافيني على النأي هاديا
سقى الله أطلالا بأكثبة الحمى ... وإن كنّ قد أبدين للناس ما بيا
منازل لو مرّت بهنّ جنازتي ... لقال الصدى يا صاحبيّ انزلا بيا
وأملى أيضا:
وبالهضبة البيضاء إن زرت أهلها ... مها مهملات ما عليهنّ سائس
خرجن لخوف الريب من غير ريبة ... عفائف باغي اللهو منهنّ آيس
ولأبي بكر ابن الأنباري من التصانيف: غريب الحديث قيل انه خمس وأربعون ألف ورقة أملاه من حفظه. ومما أملاه أيضا من مصنفاته كتاب الهاءات نحو ألف ورقة. وشرح الكافي نحو ألف ورقة. وكتاب الأضداد وما ألف في الاضداد أكبر منه «١» . وكتاب المذكر والمؤنث ما صنف أحد أتمّ منه «٢» . ورسالة المشكل ردّ فيها على ابن قتيبة وأبي حاتم السجستاني. وكتاب المشكل في معاني القرآن بلغ فيه إلى طه
стр. 2615
وأملاه سنين كثيرة ولم يتمه. وشرح الجاهليات سبعمائة ورقة «١» . وكتاب الوقف والابتداء «٢» . والكافي في النحو. والزاهر «٣» . وكتاب اللامات. وشرح المفضليات «٤» . والامالي. وأدب الكاتب. والواضح في النحو. والموضح في النحو أيضا. وشرح شعر النابغة. وشرح شعر الأعشى. وشرح شعر زهير. وشعر الراعي.
والمقصور والممدود. وكتاب الالفات. وكتاب الهجاء. والمجالسات. وكتاب مسائل ابن شنبوذ. وكتاب الرد على من خالف مصحف عثمان. وغير ذلك.
وكانت ولادة أبي بكر ابن الانباري يوم الأحد لاحدى عشرة ليلة خلت من رجب سنة احدى وسبعين ومائتين، وتوفي ليلة عيد النحر سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة وقيل سبع وعشرين وثلاثمائة.
[١١٠٢] محمد بن أبي القاسم بايجوك
أبو الفضل البقالي الخوارزمي الآدمي الملقب زين المشايخ، النحوي الأديب: كان إماما في الأدب، وحجة في لسان العرب، أخذ اللغة وعلم الإعراب عن أبي القاسم الزمخشري، وجلس بعده مكانه، وسمع الحديث منه ومن غيره، وكان جمّ الفوائد حسن الاعتقاد كريم النفس نزيه العرض غير خائض فيما لا يعنيه، له يد في الترسل ونقد الشعر.
وله من التصانيف: مفتاح التنزيل. وتقويم اللسان في النحو. والاعجاب في الاعراب. والبداية في المعاني والبيان. وكتاب منازل العرب. وشرح أسماء الله الحسنى، وغير ذلك.
مات في سلخ جمادى الآخرة سنة اثنتين وستين وخمسمائة عن نيف وسبعين سنة.
стр. 2616
[١١٠٣] محمد بن محمد بن جعفر بن مختار
أبو الفتح الواسطي النحوي: كان نحويا فاضلا جالس ابن كردان وسمع منه، وجالس أبا الحسين ابن دينار وغيره، وكان حسن الايراد جيد المحفوظ متيقظا ولم يتصدر لاقراء النحو، بلغ تسعين سنة ومات سنة أربع وسبعين وخمسمائة.
[١١٠٤] محمد بن محمد بن جعفر
أبو الحسن المعروف بابن لنكك البصري النحوي الشاعر الأديب: كان فرد البصرة وصدر أدبائها في زمانه، أدركته حرفة الأدب فقصّر به جهده عن بلوغ الغاية التي كانت تسمو إليها نفسه إذ كان التقدم في زمنه لأبي الطيب المتنبي وأبي رياش اليمامي، فكسدت بضاعته بنفاق سوقهما، وانحط نجمه «١» عن مطلع سعادتهما، فولع بثلبهما والتشفّي بهجوهما وذمهما، فكان أكثر شعره في شكوى الزمان وأهله وهجاء شعراء عصره. وكان أبلغ شعره ما لم يتجاوز البيتين والثلاثة، وكان يروي قصيدة دعبل التي أولها «٢» :
مدارس آيات خلت من تلاوة
يرويها عن أبي الحسين العباداني عن أخيه عن دعبل، ورواها عنه ابن جخجخ النحوي.
ومن شعره «٣» :
نحن والله في زمان غشوم ... لو رأيناه في المنام فزعنا
стр. 2617
يصبح الناس فيه من سوء حال ... حقّ من مات منهم أن يهنّا
وقال «١» :
جار الزمان علينا في تصرفه ... وأيّ دهر على الأحرار لم يجر
عندي من الدهر ما لو أنّ أيسره ... يلقى على الفلك الدوّار لم يدر
وقال:
نحن من الدهر في أعاجيب ... فنسأل الله صبر أيوب
أقفرت الأرض من محاسنها ... فابك عليها بكاء يعقوب
وقال «٢» :
زمان قد تفرغ للفضول ... وسوّد كلّ ذي حمق جهول
فان احببتم فيه ارتفاعا ... فكونوا جاهلين بلا عقول
وقال:
يعيب الناس كلّهم الزمانا ... وما لزماننا عيب سوانا
نعيب زماننا والعيب فينا ... ولو نطق الزمان إذا هجانا
ذئاب كلنا في زيّ ناس ... فسبحان الذي فيه برانا
يعاف الذئب يأكل لحم ذئب ... ويأكل بعضنا بعضا عيانا
وقال أيضا:
أقول لعصبة بالفقه صالت ... وقالت ما خلا ذا العلم باطل
أجل لا علم يوصلكم سواه ... إلى مال اليتامى والأرامل
أراكم تقلبون الحكم قلبا ... إذا ما صبّ زيت في القنادل
القنادل والقناديل بمعنى، وصبّ الزيت فيها كناية عن الرشوة.
стр. 2618
وقال:
مضى الأحرار وانقرضوا وبادوا ... وخلفني الزمان على علوج
وقالوا قد لزمت البيت جدا ... فقلت لفقد فائدة الخروج
فمن ألقى إذا أبصرت فيهم ... قرودا راكبين على السروج
زمان عزّ فيه الجود حتى ... كأنّ الجود في أعلى البروج
وقال «١» :
يا زمانا ألبس الأح ... رار ذلا ومهانه
لست عندي بزمان ... إنما أنت زمانه
كيف نرجو منك خيرا ... والعلا فيك مهانه
أجنون ما نراه ... منك يبدو أم مجانه
وقال يهجو أبا رياش اليمامي الشاعر المشهور «٢» :
نبئت أن أبا رياش قد حوى ... علم اللغات وفاق فيما يدّعي
من مخبري عنه فإني سائل ... من كان حنّكه بأير الأصمعي
وقال يهجو أبا الطيب المتنبي وكان يزعم أن أباه كان سقاء بالكوفة «٣» :
قولا لأهل زمان لا خلاق لهم ... ضلّوا عن الرشد من جهل بهم وعموا
أعطيتم المتنبي فوق منيته ... فزوّجوه برغم أمهاتكم
لكنّ بغداد جاد الغيث ساكنها ... نعالهم في قفا السقاء تزدحم
وقال فيه أيضا «٤» :
ما أوقح المتنبي ... فيما حكى وادّعاه
أبيح مالا عظيما ... حتى أباح قفاه
يا سائلي عن غناه ... من ذاك كان غناه
стр. 2619
إن كان ذاك نبيا ... فالجاثليق إلاه
وقال فيه «١» :
متنبيكم ابن سقاء كوفا ... ن ويوحى من الكنيف إليه
كان من فيه يسلح الشعر حتى ... سلحت فقحة الزمان عليه
وقال في الرملي الشاعر «٢» :
حلف الرمليّ فيما ... قصّ عني وحكاه
يدّعي يوم اصطلحنا ... أنني قبلت فاه
لم أقبل فاه لكن ... قبلت نعلي قفاه
وقال في مبرمان النحوي «٣» :
صداع من كلامك يعترينا ... وما فيه لمستمع بيان
مكابرة ومخرقة وبهت ... لقد أبرمتنا يا مبرمان
وقال «٤» :
تولى شباب كنت فيه منعما ... تروح وتغدو دائم الفرحات
فلست تلاقيه ولو سرت خلفه ... كما سار ذو القرنين في الظلمات
وقال «٥» :
قد شربنا على شقائق روض ... شربت عبرة السحاب السكوب
صبغت من دم القلوب فما تب ... صر الا تعلقت بالقلوب
وقال أيضا وفيه الايماء إلى حديث: «امرؤ القيس قائد الشعراء إلى النار» «٦» :
إذا خفق اللواء عليّ يوما ... وقد حمل امرؤ القيس اللواء
رجوت الله لا أرجو سواه ... لعلّ الله يرحم من أساء
стр. 2620
[١١٠٥] محمد بن محمد بن حامد بن عبد الله بن علي
أبو عبد الله المعروف بالعماد الكاتب الأصبهاني: ولد بأصبهان يوم الاثنين [ثاني] جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وخمسمائة ونشأ بها، وقدم بغداد شابا وانتظم في سلك طلبة المدرسة النظامية فتفقه بها بأبي منصور سعيد بن محمد بن الرزاز، وسمع منه ومن أبي بكر الأشقر وأبي الحسن علي بن عبد السلام وأبي القاسم علي بن الصباغ وأبي منصور ابن خيرون وأبي المكارم المبارك بن علي السمرقندي وجماعة، وأجاز له أبو عبد الله الفراوي وأبو القاسم ابن الحصين، ثم عاد إلى أصبهان فتفقه بها أيضا على محمد بن عبد اللطيف الخجندي وأبي المعالي الوركاني، ثم رجع إلى بغداد واشتغل بصناعة الكتابة فبرع فيها ونبغ، فاتصل بالوزير عون الدين يحيى بن هبيرة فولاه النظر بالبصرة ثم بواسط، ولما توفي الوزير ابن هبيرة وتشتت شمل المنتسبين إليه أقام العماد مدة ببغداد منكّد العيش، فانتقل إلى دمشق ووصل إليها في شعبان سنة اثنتين وستين وخمسمائة، فأنزله قاضي القضاة كمال الدين أبو الفضل محمد بن الشهرزوري بالمدرسة النورية الشافعية المنسوبة إلى العماد الآن المعروفة بالعمادية، وإنما نسبت إليه لأن الملك العادل نور الدين ولاه إياها سنة سبع وستين وخمسمائة. وكان العماد له معرفة بنجم الدين أيوب والد السلطان صلاح الدين، عرفه بتكريت حين كان نجم الدين واليا عليها، فلما سمع نجم الدين بوصوله بادر لتبجيله والسلام عليه في منزله، ومدحه العماد إذ ذاك بقصيدة أولها:
يوم النوى ليس من عمري بمحسوب ... ولا الفراق إلى عيشي بمنسوب
ما اخترت بعدك لكنّ الزمان أتى ... كرها بما ليس يا محبوب محبوبي
стр. 2621
أرجو إيابي إليكم غانما عجلا ... فقد ظفرت بنجم الدين أيوب
موفّق الرأي ماضي العزم مرتفع ... على الأعاجم مجدا والأعاريب
أحبّك الله إذ لازمت نصرته ... على جبين بتاج الملك معصوب
وهي طويلة، فشكره نجم الدين وأحسن إليه وأكرمه وقدّمه على الأعيان وميزه، وعرّف به ابنه صلاح الدين. وكان القاضي كمال الدين ابن الشهرزوري يحضر مجالس العماد ويذاكره بمسائل الخلاف في الفروع، فنوّه القاضي بذكر العماد عند السلطان نور الدين وذكر له تقدمه في العلم والكتابة، وأهّله لكتابة الانشاء، فتردد العماد في الدخول فيما لم يتقدم له اشتغال طويل به مع توفر موادّ هذه الصناعة عنده خوفا من التقصير فيما لم يمارسه، ثم أقدم بعد الاحجام فباشرها وأجاد فيها حتى زاحم القاضي الفاضل بمنكب ضخم. وكان ينشىء الرسائل بالفارسية أيضا فيجيد فيها إجادته بالعربية. وعلت منزلته عند نور الدين وصار صاحب سرّه، وفوّض إليه تدريس المدرسة العمادية كما تقدم، وولاه الإشراف على ديوان الانشاء. ولما توفي نور الدين وولي ابنه الملك الصالح إسماعيل اغراه بالعماد جماعة كانوا يحسدونه ويكرهونه، فخاف على نفسه وخرج من دمشق قاصدا بغداد، فوصل إلى الموصل ومرض بها، ولما أبلّ من مرضه بلغه خروج السلطان صلاح الدين من مصر قاصدا دمشق ليستولي عليها فعزم على الرجوع إلى الشام وخرج من الموصل سنة سبعين وخمسمائة فوصل إلى دمشق وسار منها إلى حلب، وصلاح الدين يومئذ نازل عليها، فلاقاه في حمص وقد استولى على قلعتها، فلزم بابه ومدحه بقصيدة طويلة كان نظمها قبلا في الشوق إلى دمشق والتأسف عليها، فجعل مدح صلاح الدين مخلصها، أولها «١» :
أجيران جيرون ما لي مجير ... سوى عدلكم «٢» فاعدلوا أو فجوروا
وما لي سوى طيفكم زائر ... فلا تمنعوه إذا لم تزوروا
يعزّ عليّ بأنّ الفؤاد ... لديكم أسير وعنكم أسير
стр. 2622
وما كنت أعلم أني أعي ... ش بعد الأحبة «١» أني صبور
وفت أدمعي غير أن الكرى ... وقلبي وصبري كلّ غدور
إلى ناس باناس لي صبوة ... لها الوجد داع وذكري مثير
يزيد اشتياقي وينمو كما ... يزيد يزيد وثورا يثور
ومن بردى حرّ قلبي المشوق ... فها أنا من حرّه أستجير «٢»
وبالمرج مرجوّ عيشي الذي ... على ذكره العذب عيشي مرير
فقدتكم ففقدت الحياة ... ويوم اللقاء يكون النشور
تطاول لسؤلي عند القصير ... فعن نيله اليوم باعي قصير
وكن لي بريدا لباب البريد ... فأنت بأخبار شوقي خبير
ومنها:
ترى بالسلامة يوما يكون ... بباب السلامة مني عبور
وأن جوازي بباب الصغير ... لعمري لعمري «٣» حظّ كبير
وما جنة الخلد إلا دمشق ... وفي القلب شوقا إليها سعير
وجامعها الرحب والقبة ال ... منيفة والفلك المستدير
وفي قبّة النسر لي سادة ... بهم للمكارم أفق منير
وباب الفراديس فردوسها ... وسكانها أحسن الناس حور
والارزة فالسهم فالنيربان ... فجنات مزّتها فالكفور
كأن الجواسق مأهولة ... بروج تطلّع منها البدور
بنيربها يستنير الفؤاد ... ويربو بربوتها لي السرور «٤»
стр. 2623
ومنها:
وأين تأملت فلك يدور ... وعين تفور ونهر يمور
وأين نظرت نسيم يرقّ ... وزهر يروق وروض نضير
ومنذ ثوى نور دين الالاه ... لم يبق للدين والشام نور
وللناس بالملك الناصر ال ... صلاح صلاح ونصر وخير
هو الشمس أنوارها بالبلاد ... ومطلعها سرجه والسرير
إذا ما سطا أو حبا واحتبى ... فما الليث أو حاتم أو ثبير
بيوسف مصر وأيامه ... تقرّ العيون وتشفى الصدور
وقد أطال نفسه في هذه القصيدة وكلها غرر، وقد اكتفينا بما أوردناه منها.
ثم لزم العماد من ذلك اليوم باب السلطان صلاح الدين ينزل لنزوله ويرحل لرحيله، ولم يزل يغشى مجالسه ملازما لخدمته حتى قرّبه واستكتبه واعتمد عليه، فتصدر وزاحم الوزراء وأعيان الدولة، وعلا قدره وطار صيته. وكان إذا انقطع القاضي الفاضل عن الديوان ناب عنه في النظر عليه، وألقى إليه السلطان مقاليده وركن إليه بأسراره، فتقدم الأعيان وأشير إليه بالبنان؛ وكان بينه وبين القاضي الفاضل مراسلات ومحاورات، فمن ذلك أنه لقي القاضي يوما وهو راكب على فرس فقال له: سر فلا كبا بك الفرس، فقال له الفاضل: دام علا العماد، وكلا القولين يقرأ عكسا وطردا.
واجتمعا يوما في موكب السلطان وقد ثار الغبار لكثرة الفرسان، وتعجب القاضي من ذلك فأنشد العماد:
أما الغبار فانه ... مما أثارته السنا بك
والجوّ منه مظلم ... لكن أنارته السنا بك
يا دهر لي عبد الرحي ... م فلست أخشى مسّ نابك
ولما توفي السلطان صلاح الدين ﵀ اختلّت أحوال العماد ولزم بيته وأقبل على التصنيف والافادة، حتى توفي يوم الاثنين مستهل رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة.
стр. 2624
وله من المصنفات: خريدة القصر وجريدة العصر «١» ذيل به زينة الدهر لأبي المعالي سعد بن علي الحظيري الوراق، جمع العماد في هذا الكتاب تراجم شعراء الشام والعراق ومصر والجزيرة والمغرب وفارس ممن كان بعد المائة الخامسة إلى ما بعد سنة سبعين وخمسمائة، وهو يدخل في عشر مجلدات لطيفة. وله البرق الشامي «٢» ، وهو تاريخ بدأ فيه بذكر نفسه ونشأته ورحلته من العراق إلى الشام وأخباره مع الملك العادل نور الدين والسلطان صلاح الدين وما جرى له في خدمتهما، وذكر فيه بعض الفتوحات بالشام وأطرافها، وهو بضعة مجلدات. وله الفتح القسي في الفتح القدسي «٣» في مجلد كبير. وكتاب السيل على الذيل «٤» جعله ذيلا على كتابه خريدة القصر. وله نصرة الفطرة وعصرة القطرة في أخبار الدولة السلجوقية «٥» . وله رسالة سماها عتبى الزمان، وتسمى أيضا العتبى والعقبى. وكتاب سماه نحلة الرحلة ذكر فيها اختلال الأحوال وتغير الأمور بعد موت السلطان صلاح الدين، واختلاف أولاده وما وقع من الخلاف بين الأمراء والعمال. وله ديوان رسائل في مجلدات.
وديوان شعر «٦» في مجلدين. وديوان دو بيت صغير وغير ذلك ومن إنشاء العماد الكتاب الكتاب الذي كتبه عن السلطان صلاح الدين إلى ديوان الخلافة ببغداد مبشرا بفتح بيت المقدس سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة افتتحه بقوله تعالى وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
(النور: ٥٥) الآية ثم قال: الحمد لله الذي أنجز لعباده الصالحين وعد الاستخلاف، وقهر بأهل التوحيد أهل الشرك والخلاف، وخصّ سلطان الديوان العزيز بهذه الخلافة، ومكّن دينه المرتضى وبدّل بالأمان المخافة، وذخر هذا الفتح الأسنى،
стр. 2625
والنصر الأهنى، للعصر الامامي النبوي الناصري على يد الخادم أخلص أوليائه، والمختصّ من الاعتزاز باعتزائه إليه وانتمائه؛ وهذا الفتح العظيم، والنجح الكريم، قد انقرضت الملوك الماضية، والقرون الخالية، على مسرة تمنيه، وحيرة ترجيه، ووحشة اليأس من تسنيه، وتقاصرت عنه طوال الهمم، وتخاذلت عن الانتصار له أملاك الأمم، فالحمد لله الذي أعاد القدس إلى القدس، وطهره من الرجس، وحقق من فتحه ما كان في النفس، وبدّل وحشة الكفر فيه من الإسلام بالأنس، وجعل عزّ يومه ماحيا ذلّ أمس، وأسكنه الفقهاء والعلماء بعد الجهال والضلال من بطرك وقس، وعبدة الصليب ومستقبلي الشمس. وقد أظهر الله على المشركين الضالين، جنوده المؤمنين العالمين، وقطع دابر القوم الظالمين، والحمد لله رب العالمين، فكأن الله شرّف هذه الأمة فقال لهم: اعزموا على اقتناء هذه الفضيلة التي بها فضّلكم، وحقّق في حقكم امتثال أمره الذي خالفه اليهود في قوله ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
(المائدة: ٢١) وهذا الفتح قد أقدر الله على افتضاضه بالحرب العوان، وجعل ملائكته المسوّمة له من أعز الأنصار وأظهر الأعوان، واخرج من بيته المقدس يوم الجمعة أهل يوم الأحد، وقمع من كان يقول ان الله ثالث ثلاثة بمن يقول هو الله أحد. واعان الله بانزال الملائكة والروح، واتى بهذا النصر الممنوح، الذي هو فتح الفتوح، وقد تعالى ان يحيط به وصف البليغ نظما ونثرا، وعبد الله في البيت المقدّس سرا وجهرا، وملكت بلاد الاردنّ وفلسطين غورا ونجدا وبرا وبحرا، وملئت إسلاما وقد كانت ملئت كفرا، وتقاضى الخادم دين الدين الذي غلق رهنه دهرا، والحمد لله وشكرا، حمدا يجدّ للإسلام كلّ يوم نصرا، ويزيد وجوه أهله بشرى فتتوجّه بشرا.
والكتاب طويل ذكر فيه فصولا عن الوقائع التي تقدمت فتح القدس، فاكتفينا منه بما أوردناه.
وللعماد قصيدة من قصائده الطوال ضمنها فتح القدس وفلسطين، ومدح السلطان صلاح الدين اقتصرنا على إيراد طرف منها قال «١» :
أطيب بأنفاس تطيب لكم نفسا ... وتعتاض من ذكراكم وحشتي أنسا
стр. 2626
وأسأل عنكم عافيات دوارس ... غدت بلسان الحال ناطقة خرسا
معاهدكم ما بالها كعهودكم ... وقد كرّرت من درس آثارها درسا
وقد كان في حدسي لكم كلّ طارف ... وما جئتم من هجركم خالف الحدسا
أرى حدثان الدهر ينسي حديثه ... وأما حديث الغدر منكم فلا ينسى
تزول الجبال الراسيات وثابت ... رسيس غرام في فؤادي لكم أرسى
حسبت حبيبي قاسي القلب وحده ... وقلب الذي يهوى بحمل الهوى أقسى
ومنها:
وإن نهاري صار ليلا لبعدكم ... فما أبصرت عيني صباحا ولا شمسا
بكيت على مستودعات خدوركم» ... كما قد بكت قدما على صخرها الخنسا
فلا تحبسوا عني الجميل فانني ... جعلت على حبي لكم مهجتي حبسا
ومنها:
رأيت صلاح الدين أفضل من غدا ... وأشرف من أضحى وأكرم من أمسى
وقيل لنا في الأرض سبعة أبحر ... ولسنا نرى إلا أنامله الخمسا
سجيته الحسنى وشيمته الرضى ... وبطشته الكبرى وعزته القعسا
فلا عدمت أيامنا منه مشرقا ... ينير بما يولي ليالينا الدمسا
جنودك أملاك السماء وظنّهم ... أعاديك جنا في المعارك أو إنسا «٢»
سحبت على الأردنّ ردنا من القنا ... ردينية ملدا وخطّية ملسا
ونعم مجال الخيل حطين لم تكن ... معاركها للجرد ضرسا ولا دهسا
غداة أسود الحرب معتقلو القنا ... أساود تبغي من نحور العدا نهسا
أتوا شكس الأخلاق خشنا فليّنت ... حدود الرقاق الخشن أخلاقها الشّكسا
طردتهم في الملتقى وعكستهم ... مجيدا بحكم العزم طردك والعكسا
стр. 2627
فكيف مكست المشركين رؤوسهم ... ورأيك «١» في الاحسان أن تطلق المكسا
كسرتهم إذ صحّ عزمك فيهم ... ونكّستهم من بعد أعلامهم نكسا
بواقعة رجّت بها أرض جيشهم ... ومارت كما بسّت جبالهم بسّا
بطون ذئاب البرّ صارت قبورهم ... ولم ترض أرض ان تكون لهم رمسا
وحامت «٢» على نار المواضي فراشهم ... لتطفى فزادت من خمودهم قبسا
وقد خشعت أصوات أبطالها فما ... يعي السمع إلا من صليل الظبا همسا
تقاد بدأماء الدماء ملوكهم ... أسارى كسفن اليمّ نيطت بها القلسا
سبايا بلاد الله مملوءة بها ... وقد عرضت نخسا وقد شريت بخسا
يطاف بها الأسواق لا راغب لها ... لكثرتها كم كثرة توجب الوكسا
شكا يبسا رأس البرنس الذي به ... تندّى حسام حاسم ذلك اليبسا
حسا دمه ماضي الغرار لغدره ... وما كان لولا غدره دمه يحسى
ومنها:
ومن قبل فتح القدس كنت مقدسا ... فلا عدمت أخلاقك الطهر والقدسا
نزعت لباس الكفر عن قدس أرضها ... وألبستها الدين الذي كشف اللبسا
ومنها:
جرى بالذي تهوى القضاء وظاهرت ... ملائكة الرحمن أجنادك الحمسا
وكم لبني أيوب عبد كعنتر ... فان ذكروا بالبأس لم يذكروا عبسا
ومن غزلياته قوله «٣» :
أفدي الذي خلبت قلبي لواحظه ... وخلّفت لذعات الوجد في كبدي
صفات ناظره سقم بلا ألم ... سكر بلا قدح جرح بلا قود
على محياه من نار الصّبا شعل ... وورد خديه من ماء الجمال ندي
стр. 2628
ومن حكمياته «١» :
اقنع ولا تطمع فان الغنى ... كماله في عزّة النفس
فانما ينقص بدر الدجى ... لأخذه الضوء من الشمس
وقال «٢» :
وما هذه الأيام الا صحائف ... يؤرّخ فيها ثم يمحى ويمحق
ولم أر في دهري كدائرة المنى ... توسّعها الآمال والعمر ضيق
[١١٠٦] محمد بن محمد بن عباد أبو عبد الله
البغدادي المقريء النحوي: كان مقدما في علم القراءات بارعا في النحو وعلوم العربية، قرأ النحو على أبي سعيد السيرافي النحوي، وأخذ عنه القراءة أبو العباس أحمد بن الفرج بن منصور بن محمد بن الحجاج بن هارون، وصنف «كتاب الوقف والابتداء» وأجاد فيه، وسمعه منه أبو العباس ابن هارون المذكور. توفي أبو عبد الله ابن عباد البغدادي يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.
[١١٠٧] محمد بن محمد بن عبد الجليل بن عبد الملك
بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن يحيى بن مردويه بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁، رشيد الدين المعروف بالوطواط الأديب الكاتب الشاعر: كان من
стр. 2629
نوادر الزمان وعجائبه، وأفراد الدهر وغرائبه، أفضل زمانه في النظم والنثر، وأعلم الناس بدقائق كلام العرب وأسرار النحو والأدب، طار في الآفاق صيته وسار في الأقاليم ذكره، وكان ينشىء في حالة واحدة بيتا بالعربية من بحر وبيتا بالفارسية من بحر آخر ويمليهما معا.
وله من التصانيف: حدائق السحر في دقائق الشعر باللغة الفارسية، ألّفه لأبي المظفر خوارزم شاه وعارض به كتاب «ترجمان البلاغة» لفرحي الشاعر الفارسي.
وللوطواط أيضا ديوان شعر وديوان رسائل عربي. وديوان رسائل فارسي. وتحفة الصديق من كلام أبي بكر الصديق. وفصل الخطاب من كلام عمر بن الخطاب.
وأنس اللهفان من كلام عثمان بن عفان. ومطلوب كلّ طالب من كلام علي بن أبي طالب، وغير ذلك.
مولده ببلخ ومات بخوارزم سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.
ومن رسائله ما كتبه لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري وهي «١» :
لقد حاز جار الله دام جماله ... فضائل فيها لا يشقّ غباره
تجدّد رسم الفضل بعد اندراسه ... بآثار جار الله فالله جاره
أنا منذ لفظتني الأقدار من أوطاني، ومعاهد أهلي وجيراني، إلى هذه الخطة التي هي اليوم بمكان جار الله أدام الله دولته جنّة للكرام، وجنّة من نكبات الأيام، كانت قصوى منيتي وقصارى بغيتي أن أكون أحد الملازمين لسدته الشريفة التي هي مخيم السيادة، ومقبّل أفواه السادة، من ألقى فيها عصاه حاز في الدارين مناه، ونال في المحلين مبتغاه، ولكنّ سوء التقصير أو مانع التقدير حرمني تلك الخدمة، وحرّم عليّ هذه النعمة، والآن أظنّ، وظن المؤمن لا يخطىء، أنّ آفل جدّي همّ بالاشراق، وذابل إقبالي أقبل على الإيراق، فقد أجد في نفسي نورا مجدّدا يهديني إلى جنته، ومن شوقي داعيا موفقا يدعوني إلى حضرته، ويقرع لسان الهيبة كلّ ساعة سمعي بنداء: اخلع نعلك، واطرح بالوادي المقدّس رحلك، ولا تحفل بقصد
стр. 2630
قاصد، وحسد حاسد، فإن حضرة جار الله أوسع من أن تضيق على راغب في فوائده، وأكرم من أن تستثقل وطأة طالب لعوائده. ومع هذا أرجو إشارة تصدر من مجلسه المحروس، إما بخطه الشريف فإن في ذلك شرفا لي يدوم مدى الدهر والأيام، وفخرا يبقى على مرّ الشهور والأعوام، وإما على لسان من يوثق بصدق مقالته، ويعتمد على تبليغ رسالته، من المنخرطين في سلك خدمته، والراتعين في رياض نعمته، ورأيه في ذلك أعلى وأصوب.
ومن إنشائه أيضا تقليد حسبة صدر عن ديوان خوارزم وهو «١» : إن أولى الأمور بأن تصرف أعنّة العناية إلى ترتيب نظامه، وتقصر الهمم على مهمة إتمامه، أمر يتعلّق به ثبات الدين، ويتوقّف «٢» عليه صلاح المسلمين، وهو أمر الاحتساب، فإن فيه تثقيف الزائغين عن الحقّ، وتأديب المنهمكين بالفسق، وتقوية أعضاد أرباب الشرع وسواعدها، وإجراء معاملات الدين على قوانينها وقواعدها. وينبغي أن يكون متقلد هذا الأمر موصوفا بالديانة، معروفا بالصيانة، معرضا عن مراصد الرّيب، بعيدا عن مواقف التهم والعيب، لا بسا مدارع السداد، سالكا مناهج الرشاد. والشيخ الامام فلان أدام الله فضله متحلّ بهذه الخصائص المذكورة، والفضائل المشهورة، ومستظهر في دولتنا للحقوق المرعية، ومستشعر للصفات المرضية، فقلدناه هذا الأمر الذي هو من مهمات الأعمال، ومعظّمات الأشغال، واعتمدنا في التقليد والتقلد على دينه المتين، وفضله المبين، وعقيدته الطاهرة، وأمانته الظاهرة، وأمرناه أولا أن يجعل التقوى شعاره، والزهد دثاره، والعلم معلمه والدين مناره، ثم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقيم حدود الشرع على وفق النصوص والأخبار، ومقتضى السنن والآثار، من غير أن يتسور الحيطان، ويتسلّق الجدران، ويرفع الحجب المسدولة، ويكسر الأبواب المقفولة «٣» ، ويسلّط الأوباش على دور المسلمين وحرم المؤمنين، فيغيروا على أموالهم، ويمدوا الأيدي الى نسائهم وأطفالهم، ويظهروا ما أمر الله