وجنّبني أن أفعل الخير والد ... ضئيل إذا ما عدّ أهل التناسب «١»
بعيد من الحسنى قريب من الخنا ... وضيع مساعي الخير جمّ المعايب
إذا رمت أن أسمو صعودا الى العلا ... غدا عرقه نحو الدنية جاذبي
وقال يهجو كحالا «٢» :
لو أنّ طلاب المطالب عندهم ... علم بأنك للعيون تعوّر
لأتوا اليك بكلّ ما أملته ... منهم وكان لك الجزاء الأوفر
ودعوك بالصبّاغ لما ان رأوا ... يعشي العيون لديك ماء أصفر
وبكفّك الميل الذي يحكي عصا ... موسى وكم عين به تتفجر
وقال في العادل سيف الدين بن أيوب «٣» :
إنّ سلطاننا الذي نرتجيه ... واسع المال ضيّق الإنفاق
هو سيف كما يقال ولكن ... قاطع للرسوم والأرزاق
وقال في المحدث الفاضل ابن دحية الكلبي وهو معاصر «٤» .
دحية لم يعقب فلم تعتزي ... إليه بالبهتان والإفك
ما صحّ عند الناس شيء سوى ... أنّك من كلب بلا شك
وقال يمدح فخر الدين الرازي وسيرها إليه من نيسابور إلى هراة «٥» :
ريح الشمال عساك أن تتحملي ... شوقي «٦» الى الصدر الإمام الأفضل
وقفي بواديه المقدّس وانظري ... نور الهدى متألقا لا يأتلي
من دوحة فخرية عمريّة ... طابت مغارس مجدها المتأثل
стр. 2662
مكية الأنساب زاك أصلها ... وفروعها فوق السماك الأعزل
واستمطري جدوى يديه فطالما ... خلف الحيا في كلّ عام ممحل
نعم سحائبها تعود كما بدت ... لا يعرف الوسميّ منها والولي
بحر تصدّر للعلوم ومن رأى ... بحرا تصدّر قبله في محفل
ومشمّر في الله يسحب للتقى ... والدين سربال العفاف المسبل
ماتت به بدع تمادى عمرها ... دهرا وكاد ظلامها لا ينجلي
فعلا به الاسلام أرفع هضبة ... ورسا سواه في الحضيض الأسفل
غلط امرؤ بأبي عليّ قاسه ... هيهات قصّر عن مداه أبو علي «١»
لو أن رسطاليس يسمع لفظة ... من لفظه لعرته هزّة أفكل
ويحار بطلميوس لو لاقاه من ... برهانه في كلّ شكل مشكل
فلو انهم جمعوا لديه تيقنوا ... أنّ الفضيلة لم تكن للأول
وبه يبيت الحلم معتصما إذا ... هزّت رياح الطيش ركني يذبل
يعفو عن الذنب العظيم تكرما ... ويجود مسؤولا وإن لم يسأل
أرضي الإلاه بفضله ودفاعه ... عن دينه وأقرّ عين المرسل
يا أيها المولى الذي درجاته ... ترنو الى فلك الثوابت من عل
ما منصب الا وقدرك فوقه ... فبمجدك السامي يهنّا ما تلي
فمتى أراد الله رفعة منصب ... أفضى إليك فنال أشرف منزل
لا زال ربعك للوفود مثابة ... أبدا وجودك كهف كلّ مؤمل
ولما كان بمصر أهدى اليه الشريف أبو الفضل سليمان الكحال خروفا هزيلا، فكتب إليه يشكره ويداعبه، فقال «٢» :
أبو الفضل وابن الفضل أنت وأهله «٣» ... فغير بديع أن يكون لك الفضل
стр. 2663
أتتني أياديك التي لا أعدها ... لكثرتها لا كفر نعمى ولا جهل
ولكنني أنبيك عنها بطرفة ... تروقك ما وافى لها قبلها مثل
أتاني خروف ما شككت بأنه ... حليف هوى قد شفّه الهجر والعذل
إذا قام في شمس الظهيرة خلته ... خيالا سرى في ظلمة ما له ظل
فناشدته ما يشتهي قال حلبة «١» ... وقاسمته ما شاقه «٢» قال لي الأكل
فأحضرتها خضراء مجاجة الثرى ... مسلّمة ما حصّ أوراقها الفتل
فظلّ يراعيها بعين ضعيفة ... وينشدها والدمع في العين «٣» منهل
«أتت وحياض الموت بيني وبينها ... وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل»
وقال «٤» :
ألين لصعب الخلق قاس فؤاده ... وأعتبه لو يرعوي من أعاتب
من الترك مياس القوام منعم ... له الدرّ ثغر والزمرّد شارب
أسال عذارا في أسيل كأنه ... عبير على كافور خدّيه ذائب
وقال «٥» :
ومهفهف رقّت حواشي حسنه ... فقلوبنا وجدا عليه رقاق
لم يكس عارضه السواد وإنما ... نفضت عليه صباغها الأحداق
وشعره غرر كله، وهو الآن حيّ مقيم في دمشق «٦» .
стр. 2664
[١١٢٨] محمد بن هانىء أبو القاسم الأزدي الأندلسي:
من ولد روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب، أديب شاعر مفلق، أشعر المتقدمين والمتأخرين من المغاربة، وهو عندهم كالمتنبي عند أهل المشرق؛ ولد باشبيلية ونشأ بها، ونال حظا واسعا من علوم الأدب وفنونه، وبرز في الشعر فلم يباره في حلبته مبار ولم يشقّ غباره لا حق، وكان متهما بالفلسفة يسلك في أقواله وأشعاره مسلك المعري «١» ، وما زال يغلو في ذلك حتى تعدّى الحقّ وخرج في غلوه إلى ما لا وجه له في التأويل، فأزعجه أهل الأندلس واضطروه إلى الخروج من وطنه، وأشار عليه صاحب إشبيلية بذلك درءا للفتنة، فخرج متنقلا في البلاد ووصل الى عدوة المغرب فلقي بها جوهرا القائد مولى المنصور فمدحه، ثم رحل إلى الزاب واتصل بجعفر ابن الأندلسية وأخيه يحيى، فانتجع بابهما ولزم رحابهما فأكرما وفادته وأحسنا إليه، ثم بلغ خبره المعزّ أبا تميم فاستقدمه وأحسن نزله وبالغ في اكرامه. ولما رحل المعز إلى الديار المصرية استأذنه في الرجوع إلى عياله ليأتي بهم ويلحق به، فأذن له، فخرج قاصدا بلده، فلما بلغ برقة نزل على أحد أعيانها للراحة فأضافه أياما، فخرج ليلة سكران من بيته، فلما أصبح الناس وجدوه ملقى في سانية من سواني البلد مخنوقا بتكة سراويله، ولم يعرف سبب ذلك ولا فاعله، وكانت وفاته كذلك يوم الأربعاء سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وقد جاوز الأربعين. ولما بلغ المعز خبر موته أسف عليه أسفا عظيما وقال: هذا الذي كنا نرجو أن نفاخر به شعراء المشرق فلم يقدر لنا ذلك.
ومن غرر شعره قصيدته الرائية المشهورة التي مدح بها المعز المذكور،
стр. 2665
وهي «١» :
فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر ... وأمدّكم فلق الصباح المسفر
وجنيتم ثمر الوقائع يانعا ... بالنصر من ورق الحديد الأخضر
وضربتم هام الكماة ورعتم ... بيض الخدور بكلّ ليث مخدر
أبني العوالي السمهرية والسيو ... ف المشرفية والعديد الأكثر
من منكم الملك المطاع كأنه ... تحت السوابغ تبّع في حمير
القائدي الخيل العتاق شوازبا ... خزرا الى لحظ السنان الأخزر
شعث النواصي حشرة آذانها ... قبّ الأياطل داميات الأنسر «٢»
تنبو سنابكهنّ عن عفر الثرى ... فيطأن في خدّ العزيز الأصعر
جيش تقدّمه الليوث وفوقه ... كالغيل من قصب الوشيج الأسمر
وكأنما سلب القشاعم ريشها ... مما يشقّ من العجاج الأكدر
وكأنما شملت قناه ببارق ... متألق أو عارض مثعنجر «٣»
تمتدّ ألسنة الصواعق فوقه ... عن ظلّتي مزن عليه كنهور «٤»
ويقوده الليث الغضنفر معلما ... من كلّ شثن اللبدتين غضنفر
نحر القبول من الدبور وسار في ... جيش الهرقل وعزمة الإسكندر
في فتية صدأ الدروع عبيرهم ... وخلوقهم علق النجيع الأحمر
لا يأكل السرحان شلو طعينهم ... مما عليه من القنا المتكسر
أنسوا بهجران الأنيس كأنهم ... في عبقريّ البيد جنّة عبقر
ومنها:
стр. 2666
قوم يبيت على الحشايا غيرهم ... ومبيتهم فوق الجياد الضمّر
وتظلّ تسبح في الدماء قبابهم ... فكأنهنّ سفائن في أبحر
من كلّ أهرت كالح ذي لبدة ... أو كلّ أبيض واضح ذي مغفر
ومنها في ذكر الممدوح:
لي منهم سيف إذا جردته ... يوما ضربت به رقاب الأعصر
وفتكت بالزمن المدجّج فتكة ال ... براض يوم هجائن ابن المنذر «١»
صعب إذا نوب الزمان استصعبت ... متنمّر للحادث المتنمر
فإذا عفا لم تلق غير مملّك ... واذا سطا لم تلق غير مظفر
وكفاك من حبّ السماحة أنها ... منه بموضع مقلة من محجر
فغمامه من رحمة وعراصه ... من جنة ويمينه من كوثر
وقال أيضا يمدحه من قصيدة «٢» :
ألؤلؤ دمع هذا الغيث أم نقط ... ما كان أحسنه لو كان يلتقط
بين السحاب وبين الريح ملحمة ... معامع وظبا في الجوّ تخترط
كأنه ساخط يرضى على عجل ... فما يدوم رضى منه ولا سخط
أهدى الربيع إلينا روضة أنفا ... كما تنفس عن كافوره السّفط
ومنها:
والريح تبعث أنفاسا معطّرة ... مثل العبير بماء الورد يختلط
كأنما هي أنفاس المعزّ سرت ... لا شبهة للندى فيها ولا غلط
تالله لو كانت الأنواء تشبهه ... ما مرّ بؤس على الدنيا ولا قنط
أبدى الزمان لنا من نور طلعته ... عن دولة ما بها وهن ولا سقط
стр. 2667
حتى تسلّط منه في الورى ملك ... زينت بدولته الأملاك والسّلط
إمام عدل وفى في كلّ ناحية ... كما قضوا في الإمام العدل واشترطوا
قد بان بالفضل عن ماض ومؤتنف ... كالعقد عن طرفيه يفضل الوسط
وقال يمدح جعفر ابن الأندلسية «١» :
أليلتنا إذ أرسلت واردا وحفا ... وبتنا نرى الجوزاء في أذنها شنفا «٢»
[وبات لنا ساق يقوم على الدجى ... بشمعة نجم لا تقط ولا تطفا] «٣»
ولم يبق إرعاش المدام له يدا ... ولم يبق إعنات التثني له عطفا
نزيف ثناه السكر الا ارتجاجة ... إذا كلّ عنها الخصر حمّلها الردفا
يقولون حقف فوقه خيزرانة ... أما يعرفون الخيزرانة والحقفا
جعلنا حشايانا ثياب مدامنا ... وقدّت لنا الظلماء من جلدها لحفا
فمن كبد تدني إلى كبد هوى ... ومن شفة توحي إلى شفة رشفا
بعيشك نبه كأسه وجفونه ... فقد نبّه الابريق من بعد ما أغفى
وقد فكّت الظلماء بعض قيودها ... وقد قام جيش الليل للفجر «٤» واصطفّا
ومنها في المديح:
كأن لواء الشمس غرّة جعفر ... رأى القرن فازدادت طلاقته ضعفا
وقد جاشت الدأماء بيضا صوارما ... ومارنة سمرا وفضفاضة زغفا «٥»
وجاءت عتاق الخيل تجري كأنما ... تخطّ له أقلام آذانها صحفا
هنالك تلقى جعفرا غير جعفر ... وقد بدّلت يمناه من رفقها عنفا
وكائن تراه في الكريهة جاعلا ... عزيمته برقا وصولته خطفا
стр. 2668
وكائن تراه في المقامة جاعلا ... مشاهده فصلا وخطبته حرفا
وقد بلغ في هذه القصيدة غايات الاجادة، ولولا طولها لاوردتها بتمامها.
وقال يصف سيفا ليحيى أخي جعفر المذكور «١» :
لله أيّ شهاب حرب واقد ... صحب ابن ذي يزن وأدرك تبّعا
في كفّ يحيى منه أبيض مرهف ... عرف المعزّ بآله «٢» فتشيعا
وجرى الفرند بصفحتيه كأنما ... ذكر القتيل بكربلاء فدمّعا
يكفيك مما شئت في الهيجاء أن ... تلقى العدى فتسلّ منه إصبعا
وقال أيضا يمدح المعز وهي أول قصيدة مدحه بها حين قدم عليه بالقيروان «٣» :
هل من أعقّة عالج يبرين ... أم منهما بقر الحدوج العين «٤»
ولمن ليال ما ذممنا عهدها ... مذ كنّ إلا أنهنّ شجون
المشرقات كأنهنّ كواكب ... والناعمات كأنهنّ غصون
بيض وما ضحك الصباح وإنها ... بالمسك من طرر الحسان لجون «٥»
أدمى لها المرجان صفحة خدّه ... وبكى عليها اللؤلؤ المكنون
ومنها:
لأعطّشنّ الروض بعدهم ولا ... يرويه لي دمع عليه هتون
أأعير لحظ العين بهجة منظر ... وأخونهم إني إذن لخؤون
لا الجوّ جوّ مشرق ولو اكتسى ... زهرا ولا الماء المعين معين
ومنها:
عهدي بذاك الجوّ وهو أسنّة ... وكناس ذاك الخشف وهو عرين
стр. 2669
هل يدنينّي منه أجرد سابح ... مرح وجائلة النّسوع أمون «١»
ومنها في المديح:
الروض ما قد قيل في أيامه ... لا أنه ورد ولا نسرين
والمسك ما لثم الثرى من ذكره ... لا أنّ كلّ قرارة دارين
ملك كما حدّثت عنه رأفة ... فالخمر ماء والشراسة لين
شيم لو ان اليمّ أعطي رفقها ... لم يلتقم ذا النون فيه النون
تالله لا ظلل الغمام معاقل ... تأبى عليه ولا النجوم حصون
ووراء حقّ ابن الرسول ضراغم ... أسد وشهباء السلاح منون
الطالبان المشرفية والقنا ... والمدركان النصر والتمكين
وصواهل لا الهضب يوم مغارها ... هضب ولا البيد الحزون حزون
حيث الحمام وما لهنّ قوادم ... وعلى الريود وما لهنّ وكون «٢»
فكأنها تحت الغبار كواكب ... وكأنها تحت الحديد دجون
عرفت بساعة سبقها لا أنها ... علقت بها يوم الرهان عيون
وأجلّ علم البرق فيها أنها ... مرّت بجانحتيه وهي ظنون
ومنها:
انظر إلى الدنيا باشفاق فقد ... أرخصت هذا العلق وهو ثمين
لو يستطيع البحر لاستعدى على ... جدوى يديك وإنه لقمين
امدده أو فاصفح له عن نيله ... فلقد تخوّف أن يقال ضنين
واعذر أميّة أن تغصّ بريقها ... فالمهل ما سقيته والغسلين «٣»
ألقت بأيدي الذلّ ملقى عمرها ... بالثوب إذ فغرت له صفين
стр. 2670
وهذه القصيدة أطول قصائده، وهي نيف وثمانون بيتا، اقتصرنا منها على ما أوردناه.
وقال أيضا في مجلس أنس حضره عند الأمير جعفر «١» :
وثلاثة لم تجتمع في مجلس ... إلا لمثلك والأديب أريب
الورد في رامشنة من نرجس ... والياسمين وكلهن عجيب «٢»
فاصفرّ ذا واحمرّ ذا وابيضّ ذا ... فأتت بدائع «٣» أمرهنّ عجيب
فكأنّ هذا عاشق وكأن ذا ... ك معشّق وكأنّ ذاك رقيب «٤»
وقال أيضا في شمعة «٥» :
لقد أشبهتني شمعة في صبابتي ... وفي هول ما ألقى وما أتوقّع
نحول وحزن في فناء ووحدة ... وتسهيد عين واصفرار وأدمع
وقال أيضا «٦» :
وليل بتّ أسقاها سلافا ... معتقة كلون الجلنار
كأنّ حبابها خرزات درّ ... علت ذهبا بأقداح النضار
بكفّ مقرطق يزهى بردف ... يضيق بحمله وسع الازار
أقمت لشربها عبثا وعندي ... بنات اللهو تعبث بالعقار
ونجم الليل يركض في الدياجي ... كأنّ الصبح يطلبه بثار
стр. 2671
[١١٢٩] محمد بن هبيرة أبو سعيد
الأسدي النحوي المعروف بصعوداء: من أعيان أهل الكوفة وعلمائها، عارف بالنحو واللغة وفنون الأدب، قدم بغداد واختص بعبد الله بن المعتز وعمل له رسالة فيما انكرته العرب على أبي عبيد القاسم بن سلام ووافقته فيه، وأدّب أولاد محمد بن يزداد وزير المأمون، وله كتاب فيما يستعمله الكاتب، وغير ذلك.
[١١٣٠] محمد بن ولاد
هكذا اشتهر، وقيل هو ابن الوليد أبو الحسين التميمي النحوي: أخذ بمصر عن أبي علي الدينوري ختن ثعلب، ثم رحل إلى العراق وأخذ عن المبرد وثعلب. وكان جيّد الخط والضبط، وفيه عرج، وغلب عليه الشيب.
وتزوج الدينوري أمه. وله كتاب في النحو سماه «المنمّق» لم يصنع فيه شيئا. وكتاب المقصور والممدود، وغير ذلك. وكان المبرد لا يمكن أحدا من نسخ «كتاب سيبويه» من عنده، فكلم ابن الولاد المبرد في نسخه على شيء سماه له فأجابه، فأكمل نسخه وأبى أن يعطيه شيئا حتى يقرأه عليه، فغضب المبرد وسعى به إلى بعض خدم السلطان ليعاقبه على ذلك، فالتجأ ابن ولاد إلى صاحب الخراج ببغداد وكان يؤدب ولده، فأجابه، ثم ألحّ على المبرد حتى اقرأه الكتاب.
مات ابن ولاد سنة ثمان وتسعين ومائتين وقد بلغ الخمسين.
ومن شعره:
إذا ما طلبت أخا مخلصا ... فهيهات منك الذي تطلب
فكن بانفرادك ذا غبطة ... فما في زمانك من يصحب
стр. 2672
[١١٣١] محمد بن يحيى بن علي بن مسلم بن موسى
بن عمران الحنفي الزبيدي، أبو عبد الله النحوي: كانت له معرفة بالنحو واللغة والأدب، صحب الوزير ابن هبيرة مدة وقرأ عليه، وكان صبورا على الفقر لا يشكو حاله.
قال ابن الجوزي: حدثني الوزير ابن هبيرة قال: جلست مع الزبيدي من بكرة إلى قريب الظهر وهو يلوك شيئا في فمه، فسألته فقال: لم يكن عندي شيء فأخذت نواة وجعلتها في فمي أتعلّل بها. وكان يحكى عنه أنه على مذهب السالمية ويقول:
إن الأموات يأكلون ويشربون في القبر وإن العاصي لا يلام لأنه بقدر الله ﵎.
وكان يقول: قل الحق وان كان مرّا.
ودخل على الوزير الزينبي وعليه خلعة الوزارة، والناس يهنونه فقال: هذا يوم عزاء لا هناء، فقيل: لم؟ فقال: أيهنّأ على لبس الحرير؟
وحكي عنه قال: خرجت إلى المدينة على الوحدة، فآواني الليل إلى جبل فصعدت عليه وناديت: اللهم إني الليلة ضيفك، ثم نزلت فتواريت عند صخرة فسمعت مناديا ينادي: مرحبا يا ضيف الله، إنك مع طلوع الشمس تمرّ على قوم على بئر يأكلون خبزا وتمرا، فإذا دعوك فأجب فهذه ضيافتك، فلما كان من الغد سرت فلما كان وقت طلوع الشمس لاحت لي أهداف بئر، فوجدت عندها قوما يأكلون خبزا وتمرا، فدعوني إلى الأكل فأجبت.
وله من التصانيف: منار الاقتضاء ومنهاج الاقتفاء. وكتاب الرد على ابن الخشاب. وكتاب العروض. والمقدمة في النحو. وكتاب الحساب. وكتاب القوافي. وكتاب تعليل قراءة وَنَحْنُ عُصْبَةٌ*
(يوسف: ٨ و ١٤) بالنصب. مات في ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وخمسمائة.
стр. 2673
[١١٣٢] محمد بن يحيى بن محمد
، أبو عبد الله ابن الحذاء التميمي الأندلسي: كان محدثا فقيها وخطيبا بليغا عارفا بفنون الأدب بارعا بها، له معرفة تامة بعلم التعبير.
أخذ عن ابن عون الله وابن بطال وابن زرب وغيرهم، وتفقه على ابن أبي زيد القيرواني وقرأ عليه تآليفه، ورحل إلى مصر فأخذ بها عن الحافظ عبد الغني والجوهري وغيرهما، ثم رجع إلى الأندلس فولي القضاء ببلنسية وغيرها، ثم رحل في فتنة البربر فاستوطن سرقسطة إلى أن مات بها سنة عشر وأربعمائة.
ومن تصانيفه كتاب الخطب والخطباء في مجلدين. والبشرى في تعبير الرؤيا، كبير يدخل في عشر مجلدات. والانباء بمعاني الأسماء، أسماء الله تعالى.
والاستنباط لمعاني السنن والأحكام، في عدة أسفار. والتعريف برجال الموطّأ، وغير ذلك.
[١١٣٣] محمد بن يحيى بن سعادة
أبو عبد الله المرسي: كان عالما بالتفسير والحديث والكلام خطيبا مصقعا عارفا بفنون الأدب، أخذ عن أبي علي الصدفي وأبي بكر ابن العربي وأبي الوليد ابن رشد وأبي بحر الأسدي وغيرهم، وولي القضاء والشورى بمرسية ثم بشاطبة فاستوطنها. ومولده بمرسية في رمضان سنة ست وتسعين
стр. 2674
وأربعمائة، وتوفي بشاطبة في العشر الأخير من ذي الحجة سنة أربع وستين وخمسمائة.
ومن تصانيفه: شجرة الوهم المرقية إلى ذروة الفهم. وفهرسة أسماء الشيوخ.
[١١٣٤] محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس
بن محمد بن صول الكاتب المعروف بالصولي: كان جده ابن صول التركي أحد دعاة بني العباس. ولد أبو بكر ببغداد ونشأ بها، وأخذ عن ثعلب والمبرد وأبي داود السجستاني، وأخذ عنه أبو عبد الله المرزباني الكاتب الاخباري وغيره. وكان اخباريا أديبا كاتبا، وكان نديما للخلفاء متمكنا عندهم، نادم المكتفي ثم الراضي ثم المقتدر «١» ، وكان واحد عصره في لعب الشطرنج حتى قيل إنه هو الذي وضعه، وليس كذلك، وانما وضع الشطرنج صصه الهندي لشهرام ملك الفرس.
حكي ان الراضي بالله خرج إلى النزهة فأتى بستانا مونقا مزهرا فقال لمن حضر: هل رأيتم منظرا أحسن من هذا؟ فكلّ أثنى بما حضره ووصف محاسنه، فقال الراضي: لعب الصولي بالشطرنج أحسن من هذا ومما وصفتم.
وكان لأبي بكر الصولي خزانة أفردها لما جمع من الكتب المختلفة رتبها فيها أجمل ترتيب، وكان يقول لأصحابه: كلّ ما في هذه الخزانة سماعي، وإذا أراد مراجعة كتاب منها قال: يا غلام هات الكتاب الفلاني، فسمعه يوما أبو سعيد العقيلي يقول ذلك فأنشد:
стр. 2675
إنما الصوليّ شيخ ... أعلم الناس خزانه
إن سألناه بعلم ... نبتغي عنه الإبانه
قال يا غلمان هاتوا ... رزمة العلم فلانه
وللصولي من التصانيف: أخبار ابن هرمة الشاعر. وأخبار أبي تمام «١» . وأخبار أبي عمرو بن العلاء. وأخبار إسحاق الموصلي. وأخبار السيد الحميري الشاعر.
وأخبار القرامطة. وأدب الكاتب. وكتاب الأنواع. وكتاب العبادلة. وكتاب الغرر.
وكتاب الرقة. وكتاب الوزراء، وغير ذلك «٢» .
وكان خرج من بغداد لضيق لحقه فنزل البصرة، وبها توفي سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة.
[١١٣٥] محمد بن يزيد بن عبد الأكبر بن عمير «٣» بن غسان «٤»
بن سليمان بن سعد بن عبد الله بن زيد بن مالك بن الحارث بن عامر بن عبد الله بن بلال بن عوف بن أسلم: وهو ثمالة، ثم ينتهي إلى الأسد بن الغوث، وهو الأزد، فهو الثمالي الأزدي البصري أبو العباس النحوي اللغوي الأديب.
стр. 2676
ولد بالبصرة يوم الاثنين غداة عيد الأضحى سنة عشر ومائتين، وأخذ عن أبي عمر الجرمي وأبي عثمان المازني، وقرأ عليهما «كتاب سيبويه» وأخذ عن أبي حاتم السجستاني، وأخذ عنه أبو بكر محمد بن يحيى الصولي ونفطويه وأبو علي الطوماري وغيرهم. وكان إمام العربية ببغداد، وإليه انتهى علمها بعد طبقة الجرمي والمازني، وكان حسن المحاضرة فصيحا بليغا مليح الأخبار ثقة فيما يرويه كثير النوادر فيه ظرافة ولباقة، وكان الإمام إسماعيل القاضي يقول: ما رأى محمد بن يزيد مثل نفسه.
وإنما لقّب بالمبرد «١» لأنه لما صنف المازنيّ «كتاب الألف واللام» سأله عن دقيقه وعويصه فأجابه بأحسن جواب، فقال له المازني: قم فأنت المبرّد- بكسر الراء- أي المثبت للحق، فحرّفه الكوفيون وفتحوا الراء.
وقال السيرافي: سمعت أبا بكر ابن مجاهد يقول: ما رأيت أحسن جوابا من المبرد في معاني القرآن فيما ليس فيه قول لمتقدم، ولقد فاتني منه علم كثير لقضاء ذمام ثعلب.
وقال السيرافي أيضا: سمعت نفطويه يقول: ما رأيت أحفظ للأخبار بغير أسانيد من المبرد وأبي العباس ابن الفرات.
وقال المفجع البصري «٢» : كان المبرد لكثرة حفظه للغة وغريبها يتهم بالوضع فيها، فتواضعنا على مسألة نسأله عنها لا أصل لها لننظر ماذا يجيب، وكنا قبل ذلك تمارينا في عروض بيت الشاعر:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشرّ أهون من بعض
فقال البعض: هو من البحر الفلاني، وقال آخرون: هو من البحر الفلاني وتردد على أفواهنا من تقطيعه «ق بعضا، ثم ذهبنا إلى المبرد فقلت له: أيدك الله تعالى، ما القبعض عند العرب؟ فقال: هو القطن، وفي ذلك يقول الشاعر:
كأنّ سنامها حشي القبعضا
قال فقلت لأصحابي: ترون الجواب والشاهد، فإن كان صحيحا فهو عجب،
стр. 2677
وإن كان مختلقا على البديهة فهو أعجب.
وحكى ابن السراج قال: كان بين المبرد وثعلب ما يكون بين المتعاصرين من المنافرة، واشتهر ذلك حتى قال بعضهم:
كفى حزنا أنا جميعا ببلدة ... ويجمعنا في أرضها شرّ مشهد
وكلّ لكلّ مخلص الودّ وامق ... ولكنه في جانب عنه مفرد
نروح ونغدو لا تزاور بيننا ... وليس بمضروب لنا يوم موعد
فأبداننا في بلدة والتقاؤنا ... عسير كلقيا ثعلب والمبرد
وكان أهل التجميل يفضلون المبرد على ثعلب، وفي ذلك يقول أحمد بن عبد السلام:
رأيت محمد بن يزيد يسمو ... الى الخيرات في جاه وقدر
جليس خلائف وغذيّ ملك ... وأعلم من رأيت بكلّ أمر
وفتيانيّة الظرفاء فيه ... وأبّهة الكبير بغير كبر
فينثر إن أجال الفكر درّا ... وينثر لؤلؤا من غير فكر
وكان الشعر قد أودى فأحيا ... أبو العباس داثر كلّ شعر
وقالوا ثعلب رجل عليم ... وأين النجم من شمس وبدر
وقالوا ثعلب يفتي ويملي ... وأين الثّعلبان من الهزبر
وهذا في مقالك مستحيل ... تشبّه جدولا وشلا ببحر
وقال بعضهم في المبرد وثعلب:
أيا طالب العلم لا تجهلنّ ... وعذ بالمبرد أو ثعلب
تجد عند هذين علم الورى ... فلا تك كالجمل الأجرب
علوم الخلائق مقرونة ... بهذين في الشرق والمغرب
وقال أبو بكر ابن الأزهر «١» : حدثني أبو العباس المبرد قال، قال لي المازني:
стр. 2678
بلغني أنك تنصرف من مجلسنا فتصير إلى مواضع المجانين والمعالجين فما معنى ذلك؟ فقلت: أعزك الله تعالى، إن لهم طرائف من الكلام، قال: فأخبرني بأعجب ما رأيت من المجانين، قال فقلت: صرت يوما إليهم فمررت على شيخ منهم وهو جالس على حصير قصب فجاوزته الى غيره، فقال: سبحان الله تعالى أين السلام؟
من المجنون أنا أو أنت؟ فاستحييت منه وقلت: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال: لو كنت ابتدأت لأوجبت علينا حسن الرد، على أنا نصرف سوء أدبك إلى أحسن جهاته من العذر لأنه كان يقال إن للداخل على القوم دهشة، اجلس أعزك الله تعالى عندنا، وأومى إلى موضع من الحصير، فجلست إلى ناحية منه أسترعي مخاطبته، فقال لي وقد رأى معي محبرتي: أرى معك آلة رجلين أرجو أن لا تكون أحدهما: أصحاب الحديث الاغثاث أو الأدباء أصحاب النحو والشعر، قلت:
الأدباء، قال: أتعرف أبا عثمان المازني؟ قلت: نعم، قال: أتعرف الذي يقول فيه:
وفتى من مازن ... استاذ أهل البصره
امه معرفة ... وأبوه نكره
فقلت: لا أعرفه، فقال: أتعرف غلاما له قد نبغ في هذا العصر معه له ذهن وحفظ، وقد برز في النحو يعرف بالمبرد؟ فقلت: أنا والله الخبير به، قال: فهل أنشدك شيئا من شعره، قلت: لا أحسبه يحسن قول الشعر، فقال: يا سبحان الله أليس هو القائل:
حبذا ماء العناقي ... د بريق الغانيات
بهما ينبت لحمي ... ودمي أيّ نبات
أيها الطالب أشهى ... من لذيذ الشهوات
كل بماء المزن تفا ... ح خدود الفتيات
قلت: سمعته ينشد هذا في مجلس أنس، فقال: يا سبحان الله ألا يستحيي أن ينشد مثل هذا حول الكعبة؟ ثم قال: ألم تسمع ما يقولون في نسبه؟ قلت:
يقولون هو من الأزد، أزد شنوءة ثم من ثمالة، قال أتعرف القائل في ذلك:
стр. 2679
سألنا عن ثمالة كلّ حيّ ... فقال القائلون ومن ثماله
فقلت محمد بن يزيد منهم ... فقالوا زدتنا بهم جهاله
فقال لي المبرد خلّ قومي ... فقومي معشر فيهم نذاله
فقلت: أعرفه، هذا عبد الصمد بن المعذل يقولها فيه، فقال: كذب فيما ادعاه، هذا كلام رجل لا نسب له يريد أن يثبت له بهذا الشعر نسبا، فقلت له: أنت أعلم، فقال: يا هذا قد غلبت خفة روحك على قلبي، وقد أخرت ما كان يجب تقديمه، ما الكنية أصلحك الله؟ فقلت: أبو العباس، قال: فما الاسم؟ قلت:
محمد، قال: فالأب، قلت: يزيد، قال: قبحك الله أحوجتني إلى الاعتذار ممّا قدمت ذكره، ثم وثب وبسط يده فصافحني، فرأيت القيد في رجله فأمنت غائلته، فقال: يا أبا العباس صن نفسك من الدخول في هذه المواضع، فليس يتهيأ في كلّ وقت أن تصادف مثلي على مثل حالتي، ثم قال: أنت المبرد، أنت المبرد، وجعل يصفق وانقلبت عيناه واحمرت وتغيرت حالته، فبادرت مسرعا خوف أن تبدر إليّ منه بادرة، وقبلت منه والله نصحه، ولم أعاود بعدها الى تلك المواضع أبدا.
وقال الزجاج: لما قدم المبرد بغداد جئت لأناظره، وكنت أقرأ على أبي العباس ثعلب، فعزمت على إعناته، فلما باحثته ألجمني بالحجة وطالبني بالعلة وألزمني الزامات لم أهتد إليها، فاستيقنت فضله واسترجحت عقله وأخذت في ملازمته.
وكان المبرد يحب الاجتماع بأبي العباس ثعلب للمناظرة وثعلب يكره ذلك، حكى أبو القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي، وكان صديقهما، قال: قلت لأبي عبد الله الدينوري ختن ثعلب: لم يأبى ثعلب الاجتماع بالمبرد؟ فقال: لأنّ المبرد حسن العبارة حلو الاشارة، فصيح اللسان ظاهر البيان، وثعلب مذهبه مذهب المعلمين، فاذا اجتمعا في محفل حكم للمبرد على الظاهر إلى أن يعرف بالباطن.
وحكي أن بعض الأكابر من بني طاهر سأل أبا العباس ثعلبا أن يكتب له مصحفا على مذهب أهل التحقيق، فكتب والضّحى بالياء، ومذهب الكوفيين أنه إذا كان كلمة من هذا النحو أولها ضمة أو كسرة كتبت بالياء، وإن كانت من ذوات الواو فالبصريون يكتبون بالألف، فنظر المبرد في ذلك المصحف فقال: ينبغي أن يكتب والضّحا بالألف لأنه من ذوات الواو، فجمع ابن طاهر بينهما فقال المبرد لثعلب: لم كتبت
стр. 2680
والضّحى بالياء؟ فقال: لضمة أوله، فقال له: ولم إذ ضمّ أوله وهو من ذوات الواو تكتبه بالياء؟ فقال: لأن الضمة تشبه الواو وما أوله واو يكون آخره ياء فتوهموا أن أوله واو، فقال المبرد: أفلا يزول هذا التوهم إلى يوم القيامة.
ولبعضهم في مدح المبرد:
وإذا يقال من الفتى كلّ الفتى ... والشيخ والكهل الكريم العنصر
والمستضاء بعلمه وبرأيه ... وبعقله قلت ابن عبد الأكبر
ولآخر في مدحه أيضا:
وأنت الذي لا يبلغ المدح وصفه ... وإن أطنب المدّاح مع كلّ مطنب
رأيتك والفتح بن خاقان راكبا ... فأنت عديل الفتح في كلّ موكب
وكان أمير المؤمنين إذا رنا ... إليك يطيل الفكر بعد التعجب
وأوتيت علما لا يحيط بكنهه ... علوم بني الدنيا ولا علم ثعلب
يروح إليك الناس حتى كأنهم ... ببابك في أعلى منى والمحصّب
مات أبو العباس المبرد في شوال وقيل في ذي القعدة سنة خمس وثمانين ومائتين في خلافة المعتضد، وصلى عليه أبو محمد يوسف بن يعقوب القاضي، ودفن في دار في مقابر باب الكوفة. ولما مات قال فيه ثعلب هذه الأبيات، وقيل هي لأبي بكر ابن العلاف:
ذهب المبرد وانقضت أيامه ... وليذهبن إثر المبرد ثعلب
بيت من الآداب أضحى نصفه ... خربا وباقي النصف منه سيخرب
فابكوا لما سلب الزمان ووطّنوا ... للدهر أنفسكم على ما يسلب
وتزودوا من ثعلب فبكاس ما ... شرب المبرد عن قريب يشرب
أوصيكم أن تكتبوا أنفاسه ... إن كانت الأنفاس مما يكتب
ومن شعر المبرد وقد بلغه أنّ ثعلبا نال منه:
ربّ من يعنيه حالي ... وهو لا يجري ببالي
قلبه ملآن مني ... وفؤادي منه خالي
стр. 2681
ولأبي العباس المبرد من التصانيف: الكامل في الأدب «١» وهو أشهر كتبه.
والمقتضب «٢» في النحو وهو أكبر مصنفاته وأنفسها، إلا أنه لم ينتفع به أحد. قال أبو علي الفارسي: نظرت في «المقتضب» فما انتفعت منه بشيء إلا بمسألة واحدة وهي وقوع إذا جوابا للشرط في قوله تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ
(الروم: ٣٦) ويزعمون أن سبب عدم الانتفاع به أنّ هذا الكتاب أخذه ابن الراوندي الزنديق عن المبرد، وتناوله الناس من يد ابن الراوندي فكأنه عاد عليه شؤمه فلا يكاد ينتفع به. ومن تصانيفه أيضا الروضة. والمدخل في كتاب سيبويه. وكتاب الاشتقاق. وكتاب المقصور والممدود. وكتاب المذكر والمؤنث «٣» . ومعاني القرآن ويعرف بالكتاب التام. وكتاب الخط والهجاء. وكتاب الأنواء والأزمنة. وكتاب احتجاج القراء وإعراب القرآن. وكتاب الحروف في معاني القرآن إلى سورة طه.
وكتاب صفات الله جل وعلا. وكتاب العبارة عن أسماء الله تعالى. وشرح شواهد كتاب سيبويه. وكتاب الردّ على سيبويه. ومعنى كتاب الأوسط للأخفش. وكتاب الزيادة المنتزعة من كتاب سيبويه. ومعنى كتاب سيبويه. وكتاب الحروف. والمدخل في النحو. وكتاب الإعراب. وكتاب التصريف. وكتاب العروض. وكتاب القوافي.
وكتاب البلاغة. والرسالة الكاملة. والجامع لم يتم. وقواعد الشعر. وكتاب ضرورة الشعر. وكتاب الفاضل والمفضول «٤» . والرياض المونقة. وكتاب الوشي. وكتاب شرح كلام العرب وتخليص ألفاظها ومزاوجة كلامها وتقريب معانيها. وكتاب الحث على الأدب والصدق. وأدب الجليس. وكتاب الناطق. وكتاب الممادح والمقابح.
وكتاب أسماء الدواهي عند العرب. وكتاب ما اتفقت الفاظه واختلفت معانيه في القرآن. وكتاب التعازي «٥» . وكتاب قحطان وعدنان «٦» . وطبقات النحويين البصريين وأخبارهم؛ وغير ذلك.
стр. 2682
[١١٣٦] محمد بن يوسف بن عمر بن علي بن منيرة الكفر طابي
أبو عبد الله النحوي، نزيل شيراز: سمع الحديث على أبي السمح الحنبلي، وصنف بحر النحو نقض فيه مسائل كثيرة من أصول النحويين. ونقد الشعر. وغريب القرآن. مات في رمضان سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة.
[١١٣٧] أبو محمد الترسابادي النحوي:
عرف كتاب سيبويه، وأحكم مسائل الأخفش، ثم خرج الى العراق فهابه علماء النحو وانقبضوا عن مناظرته، منهم الزجاج وابن كيسان، وحضر يوما مجلس النحويين ببغداد فسئل عن مسألة، وابن كيسان حاضر، فانقبض عن الاجابة إجلالا لابن كيسان، فقال له، يا أبا محمد أجب فو الله أنت أحقّنا بالانتصاب.
[١١٣٨] محمود بن جرير الضبي الأصبهاني
أبو مضر النحوي: كان يلقب فريد العصر، وكان وحيد دهره وأوانه في علم اللغة والنحو والطب، يضرب به المثل في أنواع الفضائل. أقام بخوارزم مدة وانتفع الناس بعلومه ومكارم أخلاقه وأخذوا عنه علما كثيرا وتخرج عليه جماعة من الأكابر في اللغة والنحو، منهم الزمخشري، وهو
стр. 2683
الذي أدخل إلى خوارزم مذهب المعتزلة ونشره بها فاجتمع عليه الخلق لجلالته وتمذهبوا بمذهبه، منهم أبو القاسم الزمخشري، ولست أعرف له مع نباهة قدره وشيوع فكره مصنفا مذكورا ولا تأليفا مأثورا إلا كتابا يشتمل على نتف وأشعار وحكايات وأخبار سماه «زاد الراكب» مات بمرو سنة سبع وخمسمائة، ورثاه الزمخشري بقوله:
وقائلة ما هذه الدرر التي ... تساقطها عيناك سمطين سمطين
فقلت هو الدرّ الذي قد حشا به ... أبو مضر سمعي تساقط من عيني
[١١٣٩] محمود بن أبي الحسن بن الحسين
النيسابوري الغزنوي يلقب ببيان الحق: كان عالما بارعا مفسرا لغويا فقيها متفننا فصيحا له تصانيف ادعى فيها الاعجاز منها كتاب خلق الانسان. وجمل الغرائب في تفسير الحديث. وايجاز البيان في معاني القرآن وغير ذلك. ومن شعره.
فلا تحقرن خلقا من الناس عله ... وليّ اله العالمين ولا تدري
فذو القدر عند الله يخفى على الورى ... كما خفيت عن علمهم ليلة القدر
[١١٤٠] محمود بن حمزة بن نصر الكرماني النحوي:
هو تاج القراء وأحد العلماء الفقهاء النبلاء، صاحب التصانيف والفضل، كان عجبا في دقة الفهم وحسن الاستنباط، لم يفارق وطنه ولا رحل، وكان في حدود الخمسمائة وتوفي بعدها.
стр. 2684
صنف لباب التفسير. والايجاز في النحو اختصره من الايضاح للفارسي. النظامي في النحو اختصره من اللمع لابن جني. الافادة في النحو. العنوان فيه أيضا. وله في مواضع الصرف:
فمعرفة وتأنيث ونعت ... ونون قبلها الف وجمع
وعجمة ثم تركيب وعدل ... ووزن الفعل والأسباب تسع
[١١٤١] محمود بن عزيز العارضي أبو القاسم
الخوارزمي، الملقب شمس المشرق:
كان من أفضل الناس في عصره في علم اللغة والأدب، لكنه تخطّى إلى علم الفلسفة فصار مفتونا بها ممقوتا بين المسلمين، وكان سكونا سكوتا وقورا يطالع الفقه ويناظر في مسائل الخلاف أحيانا. سمع الحديث من أبي نصر القشيري وغيره، وأملى طرفا من الحديث وشرحه بلفظ حسن ومعان لا بأس بها، وكان الزمخشري يدعوه الجاحظ الثاني لكثرة حفظه وفصاحة لفظه. أقام مدة بخوارزم في خدمة خوارزم شاه مكرما، ثم ارتحل إلى مرو فذبح بها نفسه بيده في أوائل سنة احدى وعشرين وخمسمائة، ووجد بخطه رقعة فيها هذا ما عملته أيدينا فلا يؤاخذ به غيرنا.
[١١٤٢] محمود بن عمر بن أحمد أبو القاسم
الزمخشري جار الله: كان إماما في
стр. 2685
التفسير والنحو واللغة والأدب، واسع العلم كبير الفضل متفننا في علوم شتى، معتزليّ المذهب متجاهرا بذلك.
قال ابن أخته أبو عمرو عامر بن الحسن السمسار: ولد خالي بزمخشر من أعمال خوارزم يوم الأربعاء السابع والعشرين من رجب سنة سبع وستين وأربعمائة، وأخذ الأدب عن أبي مضر محمود بن جرير الضبي الأصبهاني وأبي الحسن علي بن المظفر النيسابوري، وسمع من شيخ الإسلام أبي منصور نصر الحارثي، ومن أبي سعد الشفاني، وأصابه خراج في رجله فقطعها واتخذ رجلا من خشب، وقيل أصابه برد الثلج في بعض أسفاره بنواحي خوارزم فسقطت رجله، وحكي أن الدامغاني «١» المتكلم الفقيه سأله عن سبب قطع رجله فقال: دعاء الوالدة، وذلك أني أمسكت عصفورا وأنا صبيّ صغير وربطت برجله خيطا فأفلت من يدي ودخل خرقا فجذبته فانقطعت رجله، فتألمت له والدتي وقالت: قطع الله رجلك كما قطعت [رجله] ، فلما رحلت إلى بخارى في طلب العلم سقطت عن الدابة في أثناء الطريق فانكسرت رجلي واصابني من الالم ما أوجب قطعها.
ولما قدم الزمخشري إلى بغداد قاصدا الحج زاره الشريف أبو السعادات هبة الله بن الشجري مهنئا له بقدومه، فلما جلس إليه أنشده متمثلا:
كانت مساءلة الركبان تخبرني ... عن أحمد بن دواد أطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري
وأنشد أيضا:
وأستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغّر الخبر الخبر
стр. 2686
ثم أخذ يثني عليه، فلم ينطق الزمخشري حتى فرغ ابن الشجري من كلامه، فلما أتم كلامه شكر الشريف وعظّمه وتصاغر له ثم قال: إن زيد الخيل دخل على رسول الله ﷺ ، فلما بصر بالنبي ﷺ رفع صوته بالشهادتين، فقال له النبي ﷺ : يا زيد الخيل، كلّ رجل وصف لي وجدته دون الصفة إلا انت فانك فوق ما وصفت، وكذلك سيدنا الشريف، ثم دعا له وأثنى عليه.
توفي أبو القاسم الزمخشري بقصبة خوارزم ليلة عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة.
ومن شعره:
العلم للرحمن ﷻ ... وسواه في جهلاته يتغمغم
ما للتراب وللعلوم وإنما ... يسعى ليعلم أنه لا يعلم
وقال أيضا:
كثر الشكّ والخلاف وكلّ ... يدّعي الفوز بالصراط السويّ
فاعتصامي بلا إله سواه ... ثم حبي لأحمد وعلي
فاز كلب بحبّ أصحاب كهف ... كيف أشقى بحبّ آل نبي
وله في مدح «تفسير الكشاف» :
إن التفاسير في الدنيا بلا عدد ... وليس فيها لعمري مثل كشّافي
إن كنت تبغي الهدى فالزم قراءته ... فالجهل كالداء والكشاف كالشافي
ومن كلامه ما استخرجته من كتابه «الأطواق» قال: استمسك بحبل مواخيك، ما استمسك بأواخيك، واصحبه ما صحب الحقّ وأذعن، وحل مع أهله وظعن، فان تنكرت أنحاؤه، ورشح بالباطل إناؤه، فتعوض عن صحبته وإن عوّضت الشّسع، وتصرّف بحبله ولو أعطيت النّسع. فصاحب الصدق أنفع من الترياق النافع، وقرين السوء أضرّ من السم الناقع.
وقال: الدعة من الضّعة مرة، لا تشره إليها نفس حرة.
وقال: الكريم إذا ريم على الضيم نبا، والسريّ متى سيم الخسف أبى. وقلما عرفت الأنفة والإباء، في غير من شرفت منه الآباء.
стр. 2687
وقال: عزة النفس وبعد الهمة، الموت الأحمر والخطوب المدلهمة، ولكن من عرف منهل الذلّ فعافه، استعذب نقيع العزّ وذعافه.
وقال: أحمق من النعامة، من افتخر بالزعامة؛ لم أر أشقى من الزعيم، ولا أبعد منه من الفوز بالنعيم، هالك في الهوالك، خابط في الظلم الحوالك، على آثاره العفاء، أدركته بمجانيقها الضعفاء.
وقال: الدنيا أدوار، والناس أطوار، فالبس لكلّ يوم بحسب ما فيه من الطوارق، وجانس كلّ قوم بقدر ما لهم من الطرائق، فلن تجري الأيام على أمنيتك، ولن تنزل الأقوام على قضيتك.
وقال: ألا أحدثك عن بلد الشوم، ذلك بلد الوالي الغشوم، فاياك وبلد الجور وان كانت أعزّ من بيضة البلد، وأحظى أهله بالمال المثمر والولد، وتوقع أن تسقط فيه الطيور النواعق، وتأخذ أهله الرجفة والصواعق.
وقال: لا تقنع بالشرف التالد، فذلك الشرف للوالد، واضمم إلى التالد طريفا، حتى تكون بهما شريفا، ولا تدلّ بشرف أبيك، ما لم تدلّ عليه بشرف فيك.
وقال: كبّ الله على مناخره، من زكّى نفسه بمفاخره، على أن ربّ مساخر، يعدها الناس مفاخر.
وقال: ما لعلماء السوء جمعوا عزائم الشرع ودوّنوها، ثم رخصوا فيها لأمراء السوء وهوّنوها، إنما حفظوا وعلّقوا، وصفّفوا وحلّقوا، ليقمروا المال وييسروا، ويفقروا الأيتام ويوسروا، أكمام واسعة، فيها أصلال لاسعة، وأقلام، كأنها أزلام، وفتوى، يعمل بها الجاهل فيتوى.
ومن إنشائه ما كتب به إلى حافظ الاسكندرية أبي الطاهر السلفي جوابا عن كتاب كتبه إليه يستجيزه به وهو «١» : ما مثلي مع أعلام العلماء، إلا كمثل السّها مع مصابيح السّماء، والجهام الصّفر من الرّهام مع الغوادي الغامرة للقيعان والآكام، والسّكيت المخلّف عن خيل السباق، والبغاث مع الطير العتاق، وما التلقيب بالعلّامة، إلا شبه الرقم والعلامة، والعلم مدينة أحد بابيها الدراية، والثاني الرواية،
стр. 2688
وأنا في كلا البابين ذو بضاعة مزجاة، ظلّي فيه أقلص من ظلّ حصاة، أما الرواية فحديثة الميلاد، قريبة الإسناد، لم تستند إلى علماء نحارير، ولا إلى أعلام مشاهير؛ وأما الدراية فثمد لا يبلغ أفواها، وبرض ما يبلّ شفاها.
إلى أن قال: ولا يغرنكم قول فلان وفلان..... فيّ، وذكر جماعة من العلماء والشعراء أثنوا عليه ومدحوه ثم قال: فان ذلك اغترار بالظاهر الممّوه، وجهل بالباطن المشوّه، ولعلّ الذي غرهم مني ما رأوا من حسن النصح للمسلمين، وبلوغ الشفقة على المستفيدين، وقطع المطامع، وإفاءة المبارّ والصنائع، وعزة النفس والربء بها عن السفاسف، والاقبال على خويّصتي، والاعراض عما لا يعنيني.
فجللت في عيونهم وغلطوا فيّ ونسبوني إلى ما لست منه في قبيل ولا دبير. الخ.
والكتاب طويل اقتصرت منه على ما أوردت.
ولأبي القاسم من التصانيف: الكشاف في تفسير القرآن. الفائق في غريب الحديث. نكت الاعراب في غريب الاعراب (في غريب اعراب القرآن) . كتاب متشابه أسماء الرواة. مختصر الموافقة بين أهل البيت والصحابة، الأصل لأبي سعيد الرازي إسماعيل. الكلم النوابغ في المواعظ. أطواق الذهب في المواعظ. نصائح الكبار. نصائح الصغار. مقامات في المواعظ. نزهة المستأنس. الرسالة الناصحة.
رسالة المسأمة. الرائض في الفرائض. معجم الحدود. المنهاج في الأصول. ضالّة الناشد. كتاب عقل الكل. الأنموذج في النحو. المفصّل في النحو أيضا. المفرد والمؤلف فيه أيضا. صميم العربية. الأمالي في النحو. أساس البلاغة في اللغة.
جواهر اللغة. كتاب الأجناس. مقدمة الأدب في اللغة. كتاب الأسماء في اللغة.
القسطاس في العروض. حاشية على المفصل. شرح مقاماته. روح المسائل.
سوائر الأمثال. المستقصى في الأمثال. ربيع الأبرار في الأدب والمحاضرات. تسلية الضرير. رسالة الأسرار. أعجب العجب شرح لامية العرب. شرح المفصل. ديوان التمثيل. ديوان خطب. ديوان رسائل. ديوان شعر. شرح كتاب سيبويه. كتاب الجبال والأمكنة. شافي العي من كلام الشافعي. شقائق النعمان في حقائق النعمان في مناقب الإمام أبي حنيفة. المحاجاة ومتمم مهام أرباب الحاجات في الأحاجي والألغاز. المفرد والمركب في العربية، وغير ذلك.
стр. 2689
[١١٤٣] محمود بن أبي المعالي
تاج الدين الحواري اللغوي الأديب الشاعر: أخذ الأدب عن سعيد بن أبي الفضل الميداني، وبرع في اللغة، وله النثر الفائق والشعر الرائق وكان واحد نيسابور علما وفضلا وأدبا، وصنف كتاب «ضالة الأديب» في الجمع بين «الصحاح» و «التهذيب» أخذ فيه على الجوهري في عدة مواضع. كان حيا سنة ثمانين وخمسمائة.
[١١٤٤] مدرك بن علي الشيباني:
أعرابيّ من بادية البصرة، دخل بغداد صغيرا ونشأ بها، فتفقه وحصّل العربية والأدب، وكان شاعرا أديبا فاضلا، وكان كثيرا ما يلمّ بدير الروم في الجانب الشرقيّ ببغداد، وكان بدير الروم غلام من أولاد النصارى يقال له عمرو بن يوحنا، وكان من أحسن الناس صورة وأكملهم خلقا، وكان مدرك بن علي يهواه. وكان لمدرك مجلس تجتمع فيه الأحداث، فان حضر شيخ أو صاحب حرمة قال له مدرك: قبيح بك أن تختلط بالأحداث والصبيان، فقم في حفظ الله، فيقوم، وكان عمرو يحضر مجلسه، فعشقه مدرك وهام به، فجاء عمرو يوما إلى المجلس فكتب مدرك رقعة وطرحها في حجره فإذا فيها:
بمجالس العلم التي ... بك تمّ حسن جموعها
إلّا رثيت لمقلة ... غرقت بفيض دموعها
بيني وبينك حرمة ... الله في تضييعها
فقرأ الأبيات ووقف عليها من كان في المجلس، فاستحيا عمرو وانقطع عن الحضور، وغلب الأمر على مدرك فترك مجلسه ولزم دير الروم وجعل يتبع عمرا حيث
стр. 2690
سار، وقال فيه شعرا كثيرا.
قال الجريري: وقد رأيت عمرا أبيض الرأس واللحية.
ومن شعر مدرك فيه المزدوجة المشهورة وهي:
من عاشق ناء هواه داني ... ناطق دمع صامت اللسان
معذب بالصدّ والهجران ... موثق قلب مطلق اللسان
من غير ذنب كسبت يداه ... غير هوى نمّت به عيناه
شوقا إلى رؤية ما أشقاه ... كأنما عافاه من أضناه
يا ويحه من عاشق ما يلقى ... من أدمع منهلّة ما ترقا
ناطقة وما أجادت نطقا ... تخبر عن حبّ له استرقا
لم يبق منه غير طرف يبكي ... بأدمع مثل نظام السلك
تطفئها نار الهوى وتذكي ... كأنها قطر السماء تحكي
إلى غزال من بني النصارى ... عذار خديه سبى العذارى
وغادر الأسد به حيارى ... في ربقة الحبّ له أسارى
رئم بدار الروم رام قتلي ... بمقلة كحلاء لا من كحل
وطرّة بها استطار عقلي ... وحسن وجه وقبيح فعل
رئم به أيّ هزبر لم يصد ... يقتل باللحظ ولا يخشى القود
متى يقل ها قالت الالحاظ قد ... كأنها ناسوته حين اتحد
ما أبصر الناس جميعا بدرا ... ولا رأوا شمسا وغصنا نضرا
أحسن من عمرو فديت عمرا ... ظبي بعينيه سقاني خمرا
ها أنا ذا بقدّه مقدود ... والدمع في خدي له أخدود
ما ضرّ من فقري به موجود ... لو لم يقبّح فعله الصدود
стр. 2691
إن كان ذنبي عنده الاسلام ... فقد سعت في نقصه الآثام
واختلّت الصلاة والصيام ... وجاز في الدين له الحرام
يا ليتني كنت له صليبا ... أكون منه أبدا قريبا
أبصر حسنا وأشمّ طيبا ... لا واشيا أخشى ولا رقيبا
يا ليتني كنت له قربانا ... ألثم منه الثغر والبنانا
أو جاثليقا كنت أو مطرانا ... كيما يرى الطاعة لي إيمانا
يا ليتني كنت لعمرو مصحفا ... يقرأ مني كلّ يوم أحرفا
أو قلما يكتب بي ما ألّفا ... من أدب مستحسن قد صنفا
يا ليتني كنت لعمرو عوده ... أو حلة يلبسها مقدوده
أو بركة باسمه معدوده ... أو بيعة بداره مشهوده
يا ليتني كنت له زنّارا ... يديرني في الخصر كيف دارا
حتى إذا الليل طوى النهارا ... صرت له حينئذ إزارا
قد والذي يبقيه لي أفناني ... وابتزّ عقلي والضنا كساني
ظبي على البعاد والتداني ... حلّ محلّ الروح من جثماني
وا كبدي من خدّه المضرج ... وا كبدي من ثغره المفلّج
لا شيء مثل الطرف منه الأدعج ... أذهب للنسك وللتحرج
إليك أشكو يا غزال الإنس ... ما بي من الوحشة بعد الأنس
يا من هلالي وجهه وشمسي ... لا تقتل النفس بغير النفس
جد لي كما جدت بحسن الودّ ... وارع كما أرعى قديم العهد
واصدد كصدّي عن طويل الصدّ ... فليس وجد بك مثل وجدي
ها أنا في بحر الهوى غريق ... سكران من حبك لا أفيق
стр. 2692
محترق ما مسّني حريق ... يرثي لي العدوّ والصديق
فليت شعري فيك هل ترثي لي ... من سقم ومن ضنى طويل
أم هل إلى وصلك من سبيل ... لعاشق ذي جسد نحيل
في كلّ عضو منه سقم وألم ... ومقلة تبكي بدمع وبدم
شوقا إلى شمس وبدر وصنم ... منه إليه المشتكى إذا ظلم
أقول إذ قام بقلبي وقعد ... يا عمرو يا عامر قلبي بالكمد
أقسم بالله يمين المجتهد ... ان امرءا أسعدته لقد سعد
يا عمرو ناشدتك بالمسيح ... إلا سمعت القول من فصيح
يخبر عن قلب له جريح ... باح بما يلقى من التبريح
يا عمرو بالحقّ من اللاهوت ... والروح روح القدس والناسوت
ذاك الذي في مهده المنحوت ... عوّض بالنطق عن السكوت
بحقّ ناسوت ببطن مريم ... حلّ محلّ الريق منها في الفم
ثم استحال في قنوم الأقدم ... فكلّم الناس ولمّا يفطم
بحقّ من بعد الممات قمّصا ... ثوبا على مقداره ما قصّصا
وكان لله تقيا مخلصا ... يشفي ويبري أكمها وأبرصا
بحقّ محيي صورة الطيور ... وباعث الموتى من القبور
ومن إليه مرجع الأمور ... يعلم ما في البرّ والبحور
بحقّ من في شامخ الصوامع ... من ساجد لربّه وراكع
يبكي إذا ما نام كلّ هاجع ... خوفا من الله بدمع هامع
بحقّ قوم حلقوا الرؤوسا ... وعالجوا طول الحياة بوسا
وقرعوا في البيعة الناقوسا ... مشمعلين يعبدون عيسى
стр. 2693
بحقّ ماري مريم وبولس ... وحق شمعون الصفا وبطرس
بحق دانيل بحقّ يونس ... بحق حزقيل وبيت المقدس
ونينوى إذ قام يدعو ربه ... مطهّرا من كلّ سوء قلبه
ومستقيلا فأقيل ذنبه ... ونال عند الله ما أحبه
بحقّ ما في قلّة الميرون ... من نافع للداء والجنون
بحقّ ما يؤثر عن شمعون ... من بركات الخوص والزيتون
بحقّ أعياد الصليب الزّهر ... وعيد أشموني وعيد الفطر
وبالشعانين العظيم القدر ... وعيد مرماري الرفيع الذكر
وعيد شعياء وبالهياكل ... والدّخن الآتي بكفّ الحامل
يشفي بها من خبل كلّ خابل ... ومن دخيل السّقم في المفاصل
بحقّ سبعين من العبّاد ... قاموا بدين الله في البلاد
وأرشدوا الناس إلى الرشاد ... حتى اهتدى من لم يكن بهاد
بحقّ ثنتي عشرة من الأمم ... ساروا إلى الأقطار يتلون الحكم
حتى إذا صبح الدجى جلا الظلم ... ساروا إلى الله ففازوا بالنعم
بحقّ ما في محكم الإنجيل ... من محكم التحريم والتحليل
وخبر ذي نبأ جليل ... يرويه جيل قد مضى عن جيل
بحق ما رعيد الشفيق الناصح ... بحقّ لوقا ذي الفعال الصالح
بحق تمليخا الحكيم الراجح ... والشهداء بالفلا الصحاصح
بحقّ معمودية الأرواح ... والمذبح المشهور في النواحي
ومن به من لابسي الأمساح ... وعابد باك ومن نواح
بحقّ تقريبك في الأعياد ... وشربك القهوة كالفرصاد
стр. 2694
وطول تفتيتك للأكباد ... بما بعينيك من السواد
بحقّ ما قدّس شعيا فيه ... بالحمد لله وبالتنزيه
بحقّ نسطور وما يرويه ... عن كلّ ناموس له فقيه
شيخان كانا من شيوخ العلم ... وبعض أركان التقى والحلم
لم ينطقا قطّ بغير فهم ... موتهما كان حياة الخصم
بحرمة الأسقف والمطران ... والجاثليق العالم الرباني
والقسّ والشماس والديراني ... والبطرك الأكبر والرهبان
بحرمة المحبوس في أعلى الجبل ... ومار نقولا حين صلّى وابتهل
وبالكنيسات القديمات الأول ... وبالسليح المرتضى وما فعل
بحرمة الاسقوفيا والبيرم ... وما حوى مفرق رأس مريم
بحرمة الصوم الكبير الأعظم ... وحقّ كلّ كاهن مقدّم
بحق يوم الذبح ذي الإشراق ... وليلة الميلاد والتلاقي
والذهب الإبريز في الأوراق ... بالفصح يا مهذّب الأخلاق
بكلّ قدّاس على قدّاس ... قدّسه القسّ مع الشماس
وقربوا يوم الخميس الناسي ... وقدّموا الكاس لكلّ حاسي
إلا رغبت في رضا أديب ... باعده الحبّ عن الحبيب
فذاب من شوق إلى المذيب ... أعلى مناه أيسر التقريب
فانظر أميري في صلاح أمري ... محتسبا فيّ عظيم الأجر
مكتسبا فيّ جميل الشكر ... في نثر ألفاظ ونظم شعر
ثم إن مدركا وسوس وسلّ جسمه وذهب عقله وانقطع عن إخوانه ولزم الفراش.
حكى حسان بن محمد بن عيسى قال: حضرته عائدا مع جماعة من أصحابه فقال:
стр. 2695
ألست صاحبكم القديم العشرة لكم؟ أما منكم أحد يسعدني بنظرة إلى وجه عمرو؟
قال: فمضينا بأجمعنا إلى عمرو وقلنا له: إن كان قتل هذا الرجل دينا فان إحياءه مروءة، قال: وما فعل؟ قلنا: قد صار إلى حال ما نحسبك تلحقه، قال: فلبس ثيابه ثم نهض معنا، فلما دخلنا عليه سلّم عليه عمرو وأخذ بيده فقال: كيف تجدك يا سيدي؟ فنظر إليه ثم أغمي عليه ثم أفاق وهو يقول:
أنا في عافية إ ... لا من الشوق اليكا
أيها العائد ما بي ... منك لا يخفى عليكا
لا تعد جسما وعد قل ... با رهينا في يديكا
كيف لا يهلك مرشو ... ق بسهمي مقلتيكا
ثم إنه شهق شهقة فارق فيها الدنيا فما برحنا حتى دفناه.
[١١٤٥] مرجّى بن كوثر أبو القاسم
المقرىء النحوي المؤدب: أديب نحوي، كان مقيما بحلب، وله المفيد في النحو. وكتاب الضاد والظاء؛ وكان بينه وبين أبي العلاء المعري مكاتبة.
[١١٤٦] مروان بن سعيد بن عباد بن حبيب بن المهلب
بن أبي صفرة المهلبي: أحد أصحاب الخليل بن أحمد المتقدمين في النحو المبرزين فيه، سمعت بعض النحويين ينسب إليه هذا البيت:
ألقى الصحيفة كي يخفف رحله ... والزاد حتى نعله ألقاها
ولا أعلم من أمره غير هذا.
стр. 2696
[١١٤٧] مسعود بن علي بن أحمد بن العباس الصواني البيهقي أبو المحاسن:
قال البيهقي في «الوشاح» : فخر الزمان وأوحد الأقران، ومن لا ينظر الأدب إلا بعينه، ولا يسمع الشعر إلا بأذنه، صنف تفسير القرآن. وشرح الحماسة. وصيقل الألباب في الأصول. والتوابع واللوامع في الأصول. والتذكرة أربع مجلدات. وأعلاق الملوين وأخلاق الاخوين مجلدان. والتنقيح في أصول الفقه. ونفثة المصدور ديوان أشعاره مجلد. مات في الثالث والعشرين من المحرم سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وله:
تكلّف المجد أقوام وقد سئموا ... منه وإنك مشغوف به كلف
كأنك الدرة الزهراء في صدف ... والناس حولك طرّا ذلك الصدف
[١١٤٨] مصدق بن شبيب بن الحسين أبو الخير الصّلحي النحوي:
صحب الشيخ صدقة الواعظ «١» وهو صبي وقرأ عليه القرآن وشيئا من النحو، وقدم بغداد فقرأ على ابن الخشاب وحبشي «٢» وأبي الحسن ابن العطار «٣» والكمال الانباري، وطلب الأدب حتى برز فيه، وسمع الحديث، وتخرج به جماعة من أهل الأدب، ولم يكن في العبارة بذاك، وإنما كان رجلا صالحا فكان تستفاد بركته. ولد سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، ومات في ليلة الاثنين الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة خمس وستمائة.
стр. 2697
[١١٤٩] مظفر بن إبراهيم بن جماعة بن علي بن سامي
بن أحمد بن ناهض بن عبد الرزاق، موفق الدين أبو العز الأعمى العيلاني- بالعين المهملة- المصري: كان نحويا عروضيا أديبا شاعرا مجيدا، صنف في العروض مختصرا دلّ على حذقه فيه، وله ديوان شعر. ولد لخمس بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وهو اليوم بها في قيد الحياة. ومن شعره الذي وصل إلينا قوله «١» :
قبّلته فتلظّى ورد وجنته ... وفاح من عارضيه العنبر العبق
وجال بينهما ماء ومن عجب ... لا ينطفي ذا ولا ذا منه يحترق
وله:
يا نائما أسهرني حبّه ... وعائدا أمرضني طبّه
وخادعا رقّ لحبي له ... كلامه [لي] وقسا قلبه
قلنا على حسنك عيني جنت ... جثماني الناحل ما ذنبه
وله أيضا «٢» :
وشادن كان زمان الصّبا ... بدولة المرد له صوله
قد كتب الشّعر على خدّه ... خفّض فهذا آخر الدوله
وله أيضا «٣» :
قالوا عشقت وأنت أعمى ... ظبيا كحيل الطرف ألمى
وحلاه ما عاينتها ... فكأنها شغفتك «٤» وهما
стр. 2698
وخياله بك في المنا ... م فما أطاف ولا ألمّا
من أين أرسل للفؤا ... د وأنت لم تبصره سهما
ومتى رأيت جماله ... حتى كساك هواه سقما
وبأيّ جارحة وصل ... ت لوصفه نثرا ونظما
والعين راعية الهوى ... وبها يتمّ إذا استتما
فأجبت إني موسو ... ي العشق إنصاتا وفهما
أهوى بجارحة السما ... ع ولا أرى ذات المسمّى
وقال في شمعة «١» :
جاءت بجسم لسانه ذرب ... تبكي وتشكو الهوى وتلتهب
كأنها في يمين حاملها ... رمح لجين سنانه ذهب
وله:
وروضات بنفسجها ... بصبغة صنعة الباري
كجرم لازورديّ ... على ألفات زنجار
وله:
هويت هلالا سرى في الدجى ... وهاروت من جند أجفانه
فلا تعجبوا إن بدا وجهه ... نهارا وعظمت من شانه
فإنّ الهلال يرى طالعا ... مع الشمس في بعض أحيانه
وله أيضا:
وزهرة لونها من العجب ... بيضاء فيها اصفرار مكتئب
كأنها درهم وقد جعلت ... في وسطه نقطة من الذهب
стр. 2699
[١١٥٠] المعافي بن زكريا بن يحيى بن حماد بن داود النهرواني
الجريري- بفتح الجيم نسبة إلى ابن جرير الطبري- المعروف بابن طرارة: كان من أعلم الناس بفقه مذهب ابن جرير والنحو واللغة وفنون الأدب والأخبار والأشعار، وكان ثقة ثبتا، أخذ الأدب عن أبي عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة المعروف بنفطويه وغيره، وروى عن أبي القاسم البغوي وأبي حامد محمد بن هارون الحضرمي وأبي بكر ابن داود وأبي سعيد العدوي ويحيى بن صاعد وغيرهم. وروى عنه جماعة منهم القاضي أبو الطيب الطبري وأبو القاسم الأزهري وأحمد بن علي التوّزي وأحمد بن عمر بن روح. وولي القضاء بباب الطاق نيابة عن القاضي ابن صير.
وصنف كتاب الجليس والأنيس في الأدب. والتفسير الكبير. ونصر مذهب ابن جرير الطبري ونوّه به وحامى عنه.
قال أبو حيان التوحيدي: رأيته في جامع الرصافة وقد نام مستدبر الشمس في يوم شات وبه من أثر الفقر والبؤس والضرّ أمر عظيم، مع غزارة علمه واتساع أدبه وفضله المشهور ومعرفته بصنوف العلم، سيما علم الأثر والأخبار وسير العرب وأيامها، فقلت له: مهلا أيها الشيخ وصبرا، فإنك بعين الله ومرأى منه ومسمع، وما جمع الله لأحد شرف العلم وعزّ المال، فقال: ما لا بدّ منه من الدنيا فليس منه بد ثم قال:
يا محنة الدهر كفّي ... إن لم تكفي فخفي
قد آن أن ترحمينا ... من طول هذا التشفي
стр. 2700
طلبت جدا لنفسي ... فقيل لي قد توفي
فلا علومي تجدي ... ولا صناعة كفي
ثور ينال الثريا ... وعالم متخفي
وقال أحمد بن عمر بن روح «١» : إن المعافي بن زكريا حضر في دار بعض الرؤساء، وكان هناك جماعة من أهل العلم فقالوا له: في أي نوع من العلم نتذاكر؟
فقال المعافى للرئيس صاحب الدار: إنّ خزانتك جمعت أنواع العلوم وأصناف الأدب، فإن رأيت أن تبعث الغلام إليها يضرب بيده إلى أيّ كتاب منها فيحمله اليك، ثم نفتحه فننظر في أيّ علم هو، فنتذاكر ونتجارى فيه، قال ابن روح: وهذا يدل على أن المعافى كان له أنسة بسائر العلوم. وكان أبو محمد الباقي «٢» يقول: إذا حضر المعافى فقد حضرت العلوم كلها، وكان يقول أيضا: لو أن رجلا أوصى بثلث ماله لأعلم الناس لوجب أن يدفع الى المعافى.
وكانت ولادته يوم الخميس لسبع خلون من رجب سنة خمس وثلاثمائة وقيل سنة ثلاث، وتوفي يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة تسعين وثلاثمائة.
ومن شعره:
خالق العالمين ضامن رزقي ... فلماذا أملّك الخلق رقّي
قد قضى لي بما عليّ وما لي ... خالقي جلّ ذكره قبل خلقي
أصحب البذل والندى في يساري ... ورفيقي في عسرتي حسن رفقي
فكما لا يردّ عجزي رزقي ... فكذا لا يجرّ رزقي حذقي
وذكر أنه عمل هذه الأبيات في معنى قول علي بن الجهم «٣» :
لعمرك ما كلّ التعطل ضائر ... ولا كلّ شغل فيه للمرء منفعه
إذا كانت الأرزاق في القرب والنوى ... عليك سواء فاغتنم راحة الدعه
وقال أيضا «٤» :