لشاعر بعشرين ألف درهم، فكتب المنصور إلى ابنه المهدي يعذله ويلومه، وكتب إلى كاتب المهدي أن يوجّه إليه بي فطلبني ولم يظفر بي، فكتب إلى المنصور أنه توجه إلى مدينة السلام، فأجلس قائدا من قواده على جسر النهروان وأمره أن يتصفح الناس، حتى إذا علق بي حملني إليه، فلما مرّت به القافلة التي أنا فيها تصفحها فوقع بصره عليّ فسألني من أنت؟ قلت: أنا المؤمل بن أميل المحاربي الشاعر أحد زوار الأمير المهدي، فقال: إياك طلبت، فكاد قلبي أن يتصدع خوفا من الخليفة، فقبض عليّ وأسلمني إلى الربيع، فأدخلني إلى المنصور، فسلمت تسليم مروّع، فردّ السلام وقال: ليس لك هاهنا إلّا خير، أنت المؤمل بن أميل؟ قلت: نعم أصلح الله أمير المؤمنين، قال: أتيت غلاما غرا فخدعته حتى أعطاك من مال الله عشرين ألف درهم، قلت: نعم أصلح الله الأمير، أتيت غلاما غرا كريما فخدعته فانخدع، قال المؤمل: فكأنّ كلامي أعجبه، فقال: أنشدني ما قلت فيه، فأنشدته:
هو المهديّ إلا أنّ فيه ... مشابه صورة القمر المنير
تشابه ذا وذا فهما إذا ما ... أنارا مشكلان على البصير
فهذا في الظلام سراج ليل ... وهذا في النهار ضياء نور
ولكن فضّل الرحمن هذا ... على ذا بالمنابر والسرير
وبالملك العزيز فذا أمير ... وماذا بالأمير ولا الوزير
ونقص الشهر ينقص ذا، وهذا ... منير عند نقصان الشهور
فيا ابن خليفة الله المصفّى ... به تعلو مفاخرة الفخور
لئن فتّ الملوك وقد توافوا ... إليك من السهولة والوعور
لقد سبق الملوك أبوك حتى ... غدوا ما بين كاب أو حسير
وجئت مصلّيا تجري حثيثا ... وما بك حين تجري من فتور
فقال الناس ما هذان إلا ... كما بين الخليق إلى الجدير
لئن سبق الكبير فأهل سبق ... له فضل الكبير على الصغير
وإن بلغ الصغير مدى كبير ... فقد خلق الصغير من الكبير
стр. 2732
فقال المنصور: والله لقد أحسنت، ولكن هذا لا يساوي عشرين ألف درهم، فأين المال؟ قلت: هو هذا، فقال: يا ربيع امض معه فأعطه أربعة آلاف درهم وخذ الباقي، قال المؤمل: فوزن لي الربيع من المال أربعة آلاف درهم وأخذ الباقي، فلما ولي المهدي الخلافة رفعت إليه رقعة، فلما قرأها ضحك وأمر بردّ العشرين ألف درهم إليّ فردّت فأخذتها وانصرفت.
وأنشد نفطويه للمؤمل بن أميل:
لا تغضبنّ على قوم تحبهم ... فليس منك عليهم ينفع الغضب
ولا تخاصمهم يوما وإن ظلموا ... إن الولاة إذا ما خوصموا غلبوا
يا جائرين علينا في حكومتهم ... والجور أقبح ما يؤتى ويرتكب
لسنا إلى غيركم منكم نفرّ إذا ... جرتم ولكن إليكم منكم الهرب
وقال:
وكم من لئيم ودّ اني شتمته ... وإن كان شتمي فيه صاب وعلقم
وللكفّ عن شتم اللئيم تكرما ... أضرّ له من شتمه حين يشتم
مات المؤمل بن أميل في حدود تسعين ومائة.
[١١٦٩] موهوب بن أحمد بن الحسن بن الخضر الجواليقي
البغدادي: كان من كبار أهل اللغة إماما في فنون الأدب ثقة صدوقا، أخذ الأدب عن أبي زكريا يحيى الخطيب التبريزي ولازمه، وسمع الحديث من أبي القاسم ابن اليسري وأبي طاهر ابن أبي الصقر، وروى عنه الكندي وأبو الفرج ابن الجوزي، وأخذ عنه أبو البركات
стр. 2733
عبد الرحمن بن محمد الأنباري، ودرّس الأدب في النظامية بعد شيخه التبريزي، واختص بإمامة المقتفي لأمر الله، وكان من أهل السنّة، طويل الصمت لا يقول شيئا إلا بعد التحقيق، ويكثر من قول لا أدري، وكان مليح الخطّ يتنافس الناس في تحصيله والمغالاة به، وكان يختار في بعض مسائل النحو مذاهب غريبة. قال ابن الأنباري «١» : كان يذهب إلى أن الاسم بعد لولا يرتفع بها على ما يذهب إليه الكوفيون، وإلى أن الألف واللام في نعم الرجل للعهد، خلاف ما ذهب إليه الجماعة من أنها للجنس، قال: وحضرت حلقته يوما وهو يقرأ عليه «كتاب الجمهرة» لابن دريد، وقد حكى عن بعض النحويين أنه قال: أصل ليس لا أيس، فقلت: هذا الكلام كأنه من كلام الصوفية، فكأن الشيخ أنكر عليّ ذلك ولم يقل في تلك الحال شيئا، فلما كان بعد أيام وقد حضرنا الدرس على العادة قال: أين ذلك الذي أنكر أن يكون أصل ليس لا أيس، أليس لا تكون بمعنى ليس؟ فقلت: ولم إذا كانت لا بمعنى ليس يكون أصل ليس لا أيس فلم يذكر شيئا وسكت. قال: وكان الشيخ ﵀ في اللغة أمثل منه في النحو.
وحكى ولد الجواليقي أبو محمد إسماعيل قال «٢» : كنت في حلقة والدي يوم الجمعة بعد الصلاة بجامع القصر والناس يقرؤون عليه، فوقف عليه شاب وقال: يا سيدي قد سمعت بيتين من الشعر ولم أفهم معناهما وأريد أن تسمعهما مني وتعرّفني معناهما فقال: قل، فأنشد:
وصل الحبيب جنان الخلد أسكنها ... وهجره النار يصليني به النارا
فالشمس بالقوس أمست وهي نازلة ... إن لم يزرني وبالجوزاء إن زارا
قال إسماعيل: فلما سمعهما والدي قال: يا بني هذا معنى من علم النجوم وسيرها لا من صنعة أهل الأدب، فانصرف الشاب من غير فائدة واستحيا والدي من أن يسأل عن شيء ليس عنده منه علم، فآلى على نفسه أن لا يجلس في حلقته حتى ينظر في علم النجوم ويعرف تسيير الشمس والقمر، فنظر في ذلك ثم جلس للناس. ومعنى
стр. 2734
البيت أن الشمس إذا كانت في القوس كان الليل طويلا فجعل ليالي الهجر فيه، وإذا كانت في الجوزاء كان الليل قصيرا فجعل ليالي الوصل فيها.
وللجواليقي من التصانيف: شرح أدب الكاتب «١» . كتاب العروض. التكملة فيما يلحن فيه العامة، أكمل به «درّة الغواص» للحريري. المعرب من الكلام الأعجمي «٢» ، وغير ذلك «٣» .
وكانت ولادته سنة ست وستين وأربعمائة، وتوفي يوم الأحد خامس عشر المحرم سنة تسع وثلاثين وخمسمائة.
[١١٧٠] المؤيد بن عطاف بن محمد بن علي بن محمد أبو سعيد الآلوسي
الشاعر الأديب: ولد بآلوس سنة أربع وتسعين وأربعمائة، ونشأ بدجيل، واتصل بخدمة ملكشاه مسعود بن محمد السلجوقي فعلا ذكره وتقدم وأثرى، ودخل بغداد في أيام المسترشد فصار جاويشا، ولما صارت الخلافة إلى المقتفي تكلّم فيه وفي أصحابه بما لا يليق فقبض عليه وسجن، فلبث في السجن عشر سنين وأخرج منه في خلافة المستنجد.
ومن شعره:
رحلوا فأفنيت الدموع لبعدهم ... من بعدهم وعجبت إذ أنا باق
وعلمت أن العود يقطر ماؤه ... عند الوقود لفرقة الأوراق
وأبيت مأسورا وفرحة ذكركم ... عندي تعادل فرحة الاطلاق
لا تنكر البلوى سواد مفارقي ... فالحرق يحكم صنعة الحراق
стр. 2735
وقال في صفة القلم:
ومثقف يغني ويفني دائما ... في طوري الميعاد والايعاد
قلم يفلّ الجيش وهو عرمرم ... والبيض ما سلّت من الأغماد
وهبت به الآجام حين نشا بها ... كرم السيول وهيبة الآساد
توفي أبو سعيد بالموصل يوم الخميس الرابع والعشرين من رمضان سنة سبع وخمسين وخمسمائة عن ثلاث وستين سنة.
[١١٧١] ميمون الأقرن:
هو الإمام المقدّم في العربية بعد أبي الأسود الدؤلي، أخذ عن أبي الأسود، وأخذ عنه عنبسة بن معدان الفيل في أصح الروايتين: حدث إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن المدائني قال: أمر زياد أبا الأسود الدؤلي أن ينقط المصاحف فنقطها، ورسم من النحو رسوما، ثم جاء بعده ميمون الأقرن فزاد عليه في حدود العربية، ثم زاد فيها بعده عنبسة بن معدان المهري.
وكان ميمون أحد أئمة العربية الخمسة الذين يرجع إليهم في المشكلات، حدث أبو عبيدة أن يونس النحوي سئل عن جرير والفرزدق والأخطل أيهم أشعر فقال:
أجمعت العلماء على الأخطل، قال أبو عبيدة: فقلت لرجل إلى جنبه سله من هؤلاء العلماء؟ فسأله فقال: هم ميمون الأقرن وعنبسة الفيل وابن أبي إسحاق الحضرمي وأبو عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر الثقفي، هؤلاء طرّقوا الكلام وماثوه موثا لا كمن تحكون عنهم لا هم بدويون ولا نحويون.
وقال أبو عبيدة: أول من وضع العربية أبو الأسود الدؤلي ثم ميمون الأقرن ثم عنبسة الفيل ثم عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي ثم عيسى بن عمر الثقفي.
стр. 2736
[١١٧٢] ميمون بن جعفر أبو توبة النحوي:
كان لغويا نحويا أديبا، أخذ عن أبي الحسن الكسائي، وكان يؤدب عمرو بن سعيد بن سلم، فلما قدم الأصمعيّ من البصرة نزل على سعيد، فحضر يوما وأخذ سعيد يسأله فجعل أبو توبة إذا مرّ الأصمعي بشيء من الغريب بادر إليه فأتى بكل ما في الباب أو أكثره، فشق ذلك على الأصمعي فعدل بأبي توبة إلى المعاني، فقال سعيد: يا أبا توبة لا تتبعه في هذا الفن- يعني المعاني- فإنه صناعته، فقال أبو توبة: وماذا عليّ في ذلك؟ إن سألني عما أحسنه أجبته، وما لا أحسنه تعلمته منه واستفدته.
стр. 2737
حرف النون
[١١٧٣] ناصر بن أحمد بن بكر، أبو القاسم الخويّي
«١» النحوي الأديب: ولد في المحرم سنة ست وستين وأربعمائة، قرأ النحو على أبي طاهر الشيرازي والفقه على أبي إسحاق الشيرازي، وسمع أبا القاسم علي بن أحمد بن البسري «٢» وأبا الحسين عاصم بن الحسين المعروف بابن النقور العاصمي وأبا زيد نظام الملك. وكان شيخ الأدب في أذربيجان غير مدافع، وولي القضاء بها مدة، ورحل إليه الناس من الأطراف، وصنف «شرح اللمع لابن جني» وتوفي في ربيع الآخر سنة سبع وخمسمائة.
ومن شعره:
عليك بإغباب الزيارة إنها ... تكون إذا دامت إلى الهجر مسلكا
فإني رأيت الغيث يسأم دائما ... ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا
وقال «٣» :
نصير ترابا كأن لم نكن ... وعاة العلوم رعاة الأمم
فتبا لعيش قصير الدوام ... ووجدان حظّ قرين «٤» العدم
стр. 2738
[١١٧٤] ناصر بن عبد السيد بن علي، أبو الفتح
المطرّزي الخوارزمي النحوي الأديب: ولد بخوارزم في رجب سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة في السنة والبلدة التي مات فيها الزمخشري، ولذلك قيل له خليفة الزمخشري سيما وقد كان على طريقته رأسا في الاعتزال داعيا إليه، وكان ينتحل في الفروع مذهب أبي حنيفة، وكان فقيها فاضلا بارعا في النحو واللغة وفنون الأدب، وله شعر حسن يتعمد فيه استعمال الجناس. قرأ ببلده على أبيه أبي المكارم عبد السيد، وعلى أبي المؤيد الموفق بن أحمد بن إسحاق المعروف بأخطب خوارزم وغيرهما، وسمع من أبي عبد الله محمد بن علي بن أبي سعيد التاجر وغيره، ودخل بغداد متوجها إلى الحج سنة إحدى وستمائة، وجرى له فيها مباحث مع جماعة من الفقهاء والأدباء، وأخذ أهل الأدب عنه.
وصنف: شرح المقامات للحريري. والمغرب في غريب ألفاظ الفقهاء «١» .
والمعرب في شرح المغرب. والاقناع في اللغة. والمقدمة المطرزية في النحو.
والمصباح في النحو أيضا مختصر. ومختصر إصلاح المنطق لابن السكيت، وغير ذلك.
مات بخوارزم يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من جمادى الأولى سنة عشر وستمائة.
ومن شعره «٢» :
وزند ندى فواضله وريّ ... ورند ربى خواضله نضير
стр. 2739
ودرّ خلاله أبدا ثمين ... ودرّ نواله أبدا غزير
وقال «١» :
تعامى زماني عن حقوقي وإنه ... قبيح على الزرقاء تبدي تعاميا
فإن تنكروا فضلي فإن رغاءه ... كفى لذوي الأسماع منكم مناديا
وقال:
يا وحشة لجيرة مذ نأوا ... علوّ قدري في الهوى انحطّا
حكت دموعي البحر من بعدهم ... لما رأت منزلهم شطّا
[١١٧٥] نبا بن محمد بن محفوظ، أبو البيان القرشي الدمشقي
المعروف بابن الحوراني: شيخ الطريق البيانية بدمشق، كانت له معرفة تامة باللغة والأدب والفقه، وكان شاعرا فاضلا زاهدا عابدا. سمع أبا الحسن علي بن الموازيني وأبا الحسن علي بن أحمد بن قبيس المالكي، وسمع منه يوسف بن عبد الواحد بن وفاء السلمي والقاضي أسعد بن المنجا والفقيه أحمد العراقي وعبد الرحمن بن الحسين بن عبدان وغيرهم. وصحب الشيخ أرسلان الدمشقي الصوفي ولزمه وكان ينفرد به.
وله تصانيف مفيدة ومجاميع لطيفة وشعر كثير، ومن مصنفاته منظومة في الصاد والضاد. ومنظومة في تعزيز بيتي الحريري اللذين أولهما:
سم سمة تحمد آثارها
стр. 2740
قال فيها:
بل سمه بالهجر عندي لمح ... مود يوالي سمّه بلسمه
توفي بدمشق يوم الثلاثاء غرة ربيع الأول سنة احدى وخمسين وخمسمائة.
[١١٧٦] نجم بن سراج العقيلي البغدادي الأصل الملقب بشمس الملك:
رحل مع أهله إلى مصر صغيرا وتوطّن بأسنا من بلاد الصعيد فنشأ بها، وهو أحد شعراء العصر بالمجيدين وأدبائه المبرزين، شائع الصيت سائر الذكر، تصرّف بفنون الأدب وتميز بالشعر فمدح الأكابر والأعيان، وكان منقطعا إلى الرئيس جعفر بن حسان بن علي الأسنائي أحد أكابر العصر وأدبائه، وله فيه مدائح كثيرة، وكان بينه وبين مجد الملك جعفر بن شمس الخلافة الأديب الشاعر صحبة ومودة ومطارحات. توفي سنة إحدى وستمائة.
ومن شعره في مدح الرئيس ابن حسان المذكور قوله:
قف الركب واسأل قبل حثّ الركائب ... لعلّ فؤادي بين تلك الحقائب
وماذا عسى يجدي السؤال وإنما ... أعلّل قلبا ذاهبا في المذاهب
فو الله لولا الشعر سنّة من خلا ... ونحلة قوم في العصور الذواهب
لنزّهت «١» نفسي عن سؤال معاشر ... يرون طلاب البرّ «٢» أسنى المكاسب
وهبت لمن يأبى مديحي عرضه ... وإن كان للمعروف ليس بواهب
وأقسمت لا أرجو سوى رفد جعفر ... حليف الندى ربّ العلا والمناقب
стр. 2741
أحقّ فتى يطرى ويرجى «١» ويتّقى ... كما تتّقى خوفا «٢» شفار القواضب
إذا نحن قدّرنا «٣» تقاعس مجده ... وجدناه بالتقصير «٤» فوق الكواكب
وإن نحن رمنا وصف جدوى يمينه «٥» ... رأينا نداه فوق سحّ «٦» السحائب
أخو همم لم يسله اللوم همّه «٧» ... وما همّه غير اتصال المواهب «٨»
جواد تراه الدهر في البرّ دائبا «٩» ... كأن عليه الجود ضربة لازب
رقبت باحسان ابن حسان منبرا ... فكنت به في الفضل أحسن خاطب «١٠»
وصلت على الأيام حتى لقد غدت ... من الرعب من بعد الجفاء صواحبي
ومن هذا رجع إلى الغزل وختم القصيدة به فقال بعده:
على أنني من وقع عادية النوى «١١» ... دريئة رام للأسى والنوائب
وما الحبّ شيء يجهل المرء قدره ... وما فيه لا يخفى على ذي التجارب
خليليّ كفا واتركاني وخلّيا ... ملامي فذهني حاضر غير غائب
إذا كان ذنبي الحبّ والوجد والهوى «١٢» ... فتلك ذنوب لست منها بتائب
والقصيدة طويلة تركت باقيها للاختصار.
стр. 2742
[١١٧٧] نشوان بن سعيد بن نشوان، أبو سعيد
الحميري اليمني الأمير العلامة: كان فقيها فاضلا عارفا باللغة والنحو والتاريخ وسائر فنون الأدب، فصيحا بليغا شاعرا مجيدا، استولى على قلاع وحصون، وقدّمه أهل جبل صبر حتى صار ملكا. وله تصانيف أجلها شمس العلوم وشفاء كلام العرب من الكلوم في اللغة، وله القصيدة المشهورة التي أولها:
الأمر جدّ وهو غير مزاح ... فاعمل لنفسك صالحا يا صاح
مات في ذي الحجة سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.
[١١٧٨] نصر بن أحمد بن نصر بن المأمون
، أبو القاسم البصري المعروف بالخبزارزي: شاعر أميّ مجيد، كان لا يتهجّى ولا يكتب، وكان خبازا يخبز خبز الأرز بدكان له في مربد البصرة، فكان يخبز وهو ينشد ما يقوله من الشعر، فيجتمع الناس حوله ويزدحمون عليه لاستماع شعره وملحه، ويتعجبون من إجادته في مثل حاله وحرفته. وكان ممن يفضل الذكور على الإناث، فكان أحداث البصرة يلتفون حوله ويتنافسون بميله إليهم ويحفظون شعره لسهولته ورقته. وكان شاعر البصرة ابن لنكك مع علوّ قدره يجلس اليه ويتردد على دكانه وعني بجمع ديوان شعره.
ذكر الخطيب في «تاريخ مدينة السلام» «١» أن أبا محمد عبد الله بن محمد
стр. 2743
الأكفاني قال: خرجت مع عمي أبي عبد الله الأكفاني الشاعر وأبي الحسين ابن لنكك وأبي عبد الله المفجع وأبي الحسن السماك في بطالة العيد، وأنا يومئذ صبيّ أصحبهم، فانتهوا إلى نصر الخبزارزي وهو يخبز على طابقه، فجلسوا يهنّونه بالعيد وهو يوقد السعف تحت الطابق، فزاد في الوقود فدخنهم فنهضوا حين تزايد الدخان، فقال نصر لابن لنكك: متى أراك يا أبا الحسين؟ فقال له: إذا استخت ثيابي، ثم مضينا في سكة بني سمرة حتى انتهينا إلى دار أبي أحمد ابن المثنى «١» ، فجلس ابن لنكك وقال: إن نصرا لا يخلي المجلس الذي مضى لنا معه من شيء يقوله فيه ويجب أن نبدأه قبل أن يبدأنا، فاستدعى بدواة وكتب إليه «٢» :
لنصر في فؤادي فرط حبّ ... أنيف به على كلّ الصحاب
أتيناه فبخّرنا بخورا ... من السّعف المدخّن بالتهاب
فقمت مبادرا وحسبت نصرا ... أراد بذاك طردي أو ذهابي
فقال متى أراك أبا حسين ... فقلت له إذا اتسخت ثيابي
فلما وصلت الرقعة إلى نصر أملى على من كتب له بظهرها الجواب، فلما وصل إلينا قرأناه فإذا هو فيه:
منحت أبا الحسين صميم ودّي ... فداعبني بألفاظ عذاب
أتى وثيابه كالشيب بيض «٣» ... فعدن له كريعان الشباب
وبغضي للمشيب أعدّ عندي ... سوادا لونه لون الخضاب
ظننت جلوسه عندي لعرس ... فجدت له بتمسيك الثياب
وقلت متى أراك أبا حسين ... فجاوبني إذا اتسخت ثيابي
ولو كان التقزز فيه خير ... لما كني الوصيّ أبا تراب
ومن شعره أيضا «٤» :
стр. 2744
رأيت الهلال ووجه الحبيب ... فكانا هلالين عند النظر
فلم أدر من حيرتي فيهما ... هلال السما من هلال البشر
ولولا التورد في الوجنتين ... وما راعني من سواد الشعر
لكنت أظنّ الهلال الحبيب ... وكنت أظنّ الحبيب القمر
وقال «١» :
شاقني الأهل لم تشقني الديار ... والهوى صائر إلى حيث صاروا
جيرة فرقتهم غربة البي ... ن وبين القلوب ذاك الجوار
كم أناس رعوا لنا حين غابوا ... وأناس خانوا وهم حضّار
عرضوا ثم أعرضوا واستمالوا ... ثم مالوا وأنصفوا ثم جاروا
لا تلمهم على التجنّي فلو لم ... يتجنّوا لم يحسن الإعتذار
وقال:
فلا تمنّ بتنميق تكلّفه ... لصورة حسنها الأصليّ يكفيها
إن الدنانير لا تجلى وان عتقت ... ولا تزاد على الحسن الذي فيها
وقال:
إذا ما لسان المرء اكثر هذره ... فذاك لسان بالبلاء موكّل
إذا شئت أن تحيا عزيزا مسلّما ... فدبّر وميّز ما تقول وتفعل
توفي نصر بن أحمد الخبزارزي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة.
[١١٧٩] نصر بن الحسن بن جوشن بن منصور بن حميد بن أثال
أبو المرهف
стр. 2745
العيلاني النميري: كان قارئا أديبا شاعرا مجيدا، أضرّ بالجدري صغيرا، فحفظ القرآن المجيد، وقرأ الأدب على أبي منصور الجواليقي، وسمع من القاضي أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري وأبي البركات عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي وأبي الفضل ابن ناصر، وبرع في الشعر فمدح الخلفاء والوزراء، وكان منقطعا إلى الوزير ابن هبيرة، وقد أدركته صغيرا ولم ألقه. توفي يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.
ومن شعره «١» :
شمس الضحى يعشي العيون ضياؤها ... إلا إذا رمقت بعين واحده
ولذاك تاه العور واحتقروا الورى ... فاعرف فضيلتهم وخذها فائده
نقصان جارحة أعانت أختها ... فكأنما قويت بعين زائده
وله:
لها من الليل البهيم طرّة ... على جبين واضح نهاره
ومعصم يكاد يجري رقة ... وإنما يعصمه سواره
وقال «٢» :
ترى يتألف الشمل الصديع ... وآمن من زماني ما يروع
وتؤنس بعد وحشتها بنجد ... منازلنا القديمة والربوع
ذكرت بأيمن العلمين عيشا ... مضى والشمل ملتئم جميع
فلم أملك لدمعي ردّ غرب ... وعند الشوق تعصيك الدموع
ينازعني إلى لمياء قلبي ... ودون لقائها بلد شسوع
وأخوف ما أخاف على فؤادي ... إذا ما أنجد البرق اللموع
فقد حمّلت من طول التنائي ... عن الأحباب ما لا أستطيع
стр. 2746
وقال «١» :
ما في قبائل عامر ... من معلم الطّرفين غيري
خالي زعيم عبادة ... وأبي زعيم بني عمير
[١١٨٠] نصر بن عاصم الليثي النحوي:
كان فقيها عالما بالعربية من فقهاء التابعين:
وكان يسند إلى أبي الأسود الدؤلي في القرآن والنحو، وله كتاب في العربية، وقيل أخذ النحو عن يحيى بن يعمر العدواني، وأخذ عنه أبو عمرو بن العلاء، وكان يرى رأي الخوارج ثم ترك ذلك. وقال في تركه أبياتا وهي:
فارقت نجدة والذين تزرّقوا ... وابن الزبير وشيعة الكذّاب
وهوى النجاريّين قد فارقته ... وعطية المتجبر المرتاب
مات بالبصرة سنة تسع وثمانين وقيل سنة تسعين.
[١١٨١] نصر بن علي بن محمد
أبو عبد الله الشيرازي الفارسي الفسوي، يعرف بابن أبي مريم النحوي: خطيب شيراز وعالمها وأديبها والمرجوع إليه في الأمور الشرعية والمشكلات الأدبية، أخذ عن محمود بن حمزة الكرماني، وصنف تفسير القرآن وشرح الايضاح للفارسي «٢» قرىء عليه سنة خمس وستين وخمسمائة وتوفي بعدها.
стр. 2747
[١١٨٢] نصر بن مزاحم أبو الفضل المنقري الكوفي:
كان عارفا بالتاريخ والأخبار، وهو شيعي من الغلاة جلد في ذلك. روى عنه أبو سعيد الأشج ونوح بن حبيب وغيرهما، وروى هو عن شعبة بن الحجاح، واتهمه جماعة من المحدّثين بالكذب، وضعّفه آخرون.
وصنف كتاب الغارات. وكتاب الجمل. وكتاب صفين. وكتاب مقتل حجر بن عدي. وكتاب مقتل الحسين بن علي ﵄، وغير ذلك. مات سنة اثنتي عشرة ومائتين.
[١١٨٣] نصر بن يوسف
صاحب أبي الحسن الكسائي: كان نحويا لغويا، له من الكتب: كتاب خلق الانسان. كتاب الابل؛ ذكره في الفهرست.
[١١٨٤] نصر الله بن إبراهيم بن أبي نصر بن الحسين
الدينوري ثم البغدادي الحمامي المؤدب: ولد سنة عشرين وخمسمائة، وكان حسن المعرفة بالنحو فاضلا أديبا، سمع أبا الحسن ابن عبد السلام وأبا محمد ابن الطراح وغيرهما، ولا أعرف من أمره غير هذا.
стр. 2748
[١١٨٥] نصر الله بن عبد الله بن مخلوف
بن علي بن عبد القوي بن قلاقس الاسكندري: كان أديبا فاضلا وشاعرا مجيدا، ولد بالاسكندرية في ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، ونشأ بها وقرأ على أبي طاهر السلفي وسمع منه ومن غيره، ورحل إلى اليمن ودخل عدن سنة ثلاث وستين وخمسمائة وامتدح بها الوزير أبا الفرج ياسر بن بلال، وسافر إلى صقلية ودخلها سنة خمس وستين وامتدح بها القائد أبا القاسم ابن الحجر، فأكرم نزله وأحسن إليه، فصنف باسمه كتابا سماه «الزهر الباسم في أوصاف أبي القاسم» ثم فارق صقلية راجعا إلى مصر فتوفي بعيذاب سنة سبع وستين وخمسمائة.
ومن شعره «١» :
اشرب معتقة الطلا صرفا على ... رقص الغصون بروضة غنّاء
من كفّ وطفاء الجفون كأنما ... تسعى بنار أضرمت في ماء
في سحر مقلتها وخمرة ريقها ... شرك العقول وآفة الاعضاء
وقال «٢» :
سدّدوها من القدود رماحا ... وانتضوها من الجفون صفاحا
يا لها حلة من السقم حالت ... واستحالت ولا كفاها كفاحا
صحّ إذ أذرت العيون دما أن ... هم أثخنوا القلوب جراحا
стр. 2749
وقال:
قرنت بواو الصدغ صاد المقبّل ... وأبديت لاما في عذار مسلسل
فان لم يكن وصل لديك لعاشق ... فماذا الذي أبديت للمتأمل
وقال من قصيدة:
عقدوا الشعور معاقد التيجان ... وتقلّدوا بصوارم الأجفان
ومشوا وقد هزّوا رماح قدودهم ... هزّ الكماة عوالي المران
وتدرّعوا زردا فخلت أراقما ... خلعت ملابسها على الغزلان
[١١٨٦] نصيب بن رباح مولى عبد العزيز بن مروان:
شاعر من فحول الشعراء الإسلاميين، كان عبدا لرجل من كنانة من أهل ودان، وكان فصيحا مقدما في النسيب والمديح مترفعا عن الهجاء كبير النفس عفيفا، قيل لم ينسب قط إلا بامرأته. وكان مقدما عند الملوك يجيد مديحهم ومراثيهم، وفي سبب اتصاله بعبد العزيز بن مروان وفكّ رقبته من الرق روايات شتى، منها أنه لما قال الشعر وهو شابّ جعل يأتي مشيخة القبيلة وينشدهم فاجتمعوا إلى مولاه وقالوا: ان عبدك هذا قد نبغ بقول الشعر، ونحن من بين شرّين: إما ان يهجونا فيهتك أعراضنا أو يمدحنا فيشبب بنسائنا، وليس لنا في شيء من الخلتين خيرة، فقال له مولاه: يا نصيب أنا بائعك لا محالة فاختر لنفسك، فسار إلى عبد العزيز بن مروان بمصر فدخل عليه وأنشده «١» :
لعبد العزيز على قومه ... وغيرهم منن غامره
стр. 2750
فبابك أسهل أبوابهم ... ودارك مأهولة عامره
وكلبك أرأف بالزائرين ... من الأمّ بابنتها الزائره
وكفّك حين ترى المعتفين ... أندى من الليلة الماطره
فمنك العطاء ومنا الثناء ... بكلّ محبّرة سائره
فقال عبد العزيز: أعطوه أعطوه، فقال: أصلحك الله، إني عبد ومثلي لا يأخذ الجوائز، قال: فما شأنك؟ فأخبره بحاله، فدعا الحاجب فقال: اخرج به إلى باب الجامع فأبلغ في قيمته، فدعا المقومين فنادوا عليه من يعطي لعبد أسود جلد؟
قال رجل: هو عليّ بمائة دينار، فقال نصيب: قولوا على أن أبري القسيّ وأريش السهام واحتجر الاوتار، فقال الرجل: هو عليّ بمائتي دينار، قال قولوا على أن أرعى الابل وأمريها وأقضقضها وأصدرها وأوردها وأرعاها وأرعيها، قال رجل: هو عليّ بخمسمائة دينار، قال نصيب: على أني شاعر عربي لا يوطىء ولا يقوي ولا يساند، قال رجل: هو عليّ بألف دينار، فسار به الحاجب إلى عبد العزيز فأخبره بما تم، فقال: ادفعوا إليه ألف دينار فقبضها وافتكّ بها رقبته، ولم يزل في جملة عبد العزيز حتى احتضر، فأوصى به سليمان بن عبد الملك خيرا فصيره في جملة سمّاره.
حكي «١» أن نصيبا دخل على سليمان بن عبد الملك وعنده الفرزدق فقال سليمان للفرزدق: يا أبا فراس أنشدني، وإنما أراد أن ينشده مديحا فيه، فأنشده قوله يفتخر:
وركب كأنّ الريح تطلب عندهم ... لها ترة من جذبها بالعصائب
سروا يركبون الريح وهي تلفّهم ... إلى شعب الأكوار ذات الحقائب
إذا أبصروا نارا يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالب
فتمعّر سليمان واربدّ لما ذكر للفرزدق غالبا وقال لنصيب: قم وأنشد مولاك ويحك، فقام نصيب وأنشده:
أقول لركب صادرين لقيتهم ... قفا ذات أوشال ومولاك قارب
قفوا خبروني عن سليمان إنني ... لمعروفه من أهل ودّان طالب
стр. 2751
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
وقالوا عهدناه وكلّ عشية ... بأبوابه من طالبي العرف راكب
هو البدر والناس الكواكب حوله ... ولا تشبه البدر المضيء الكواكب
فقال سليمان للفرزدق: كيف ترى شعره؟ فقال: هو أشعر أهل جلدته، قال سليمان: وأهل جلدتك، يا غلام أعط نصيبا خمسمائة دينار وللفرزدق نار أبيه، فخرج الفرزدق وهو يقول:
وخير الشعر أشرفه رجالا ... وشرّ الشعر ما قال العبيد
وقال «١» :
ليس السواد بناقصي ما دام لي ... هذا اللسان إلى فؤاد ثابت
من كان ترفعه منابت أصله ... فبيوت أشعاري جعلن منابتي
كم بين أسود ناطق ببيانه ... ماضي الجنان وبين أبيض صامت
إني ليحسدني الرفيع بناؤه ... من فضل ذاك وليس بي من شامت
وقال:
كأن القلب ليلة قيل يغدى ... بليلى العامرية أو يراح
قطاة عزّها شرك فباتت ... تجاذبه وقد علق الجناح «٢»
لها فرخان قد تركا بوكر ... فعشهما تصفّقه الرياح
إذا سمعا هبوب الريح نصّا ... وقد أودى به القدر المتاح
فلا في الليل نالت ما ترجّي ... ولا في الصبح كان لها براح
وقال «٣» :
فان أك حالكا فالمسك أحوى ... وما لسواد جسمي من دواء
ولي كرم عن الفحشاء ناء ... كبعد الأرض من جوّ السماء
стр. 2752
ومثلي في رجالكم قليل ... ومثلك ليس يعدم في النساء
فان ترضي فردّي قول راض ... وإن تأبي فنحن على السواء
وقال «١» :
ألا ليت شعري ما الذي تجدين بي ... غدا غربة النأي المفرق والبعد
لدى أمّ بكر حين تغترب النوى ... بنا ثم يخلو الكاشحون بها بعدي
أتصرمني عند الذين هم العدى ... فتشمتهم بي أم تدوم على العهد
وقال «٢» :
ألام على ليلى ولو أستطيعها ... وحرمة ما بين البنيّة والحجر
لملت على ليلى بنفسي ميلة ... ولو كان في يوم التحالق والنحر
[١١٨٧] نصيب مولى المهدي:
أصله عبد من بادية اليمامة عرض على المهدي وهو إذ ذاك ولي عهد فاستنشده فأنشده فقال: والله ما هو بدون نصيب مولى بني مروان، فاشتراه، ولما ولي الخلافة أرسله إلى اليمن في شراء إبل مهرية، وكتب إلى عامل اليمن أن يعجّل له بعشرين ألف دينار لذلك، فأخذ نصيب ينفق من المال في الأكل والشرب واللهو وشراء الجواري، فكتب بذلك إلى المهدي، فأمر بحمله إليه موثقا بالحديد بعد أن حبس مدة باليمن، فلما أدخل على المهدي أنشده قصيدة طويلة يستعطفه بها أولها «٣» :
стр. 2753
تأوبني ثقل من القيد موجع ... فأرّق عيني والخليون هجّع
هموم توالت لو ألمّ يسيرها ... بعجزاء ظلّت صمة تتصدع
ومنها:
إليك أمير المؤمنين ولم أجد ... سواك مجيرا منك ينجي ويمنع
تلمست هل من شافع لي فلم أجد ... سوى رحمة أعطاكها الله تشفع
لئن لم تسعني يا ابن عمّ محمد ... فما عجزت عني وسائل أربع
طبعت عليها صبغة ثم لم تزل ... على صالح الأخلاق والدين تطبع
تغاضيك عن ذي الذنب ترجو صلاحه ... وأنت ترى ما كان يأتي ويصنع
وعفوك عمّن «١» لو تكون جزيته ... لطارت به في الجوّ نكباء زعزع
وأنك لا تنفكّ تنعش عاثرا ... ولم تعترضه حين يكبو ويخمع «٢»
وحلمك عن ذي الجهل من بعد ما جرى ... به عنق من طائش الجهل أشنع
وقال يمدح الفضل بن يحيى «٣» :
طرقتك مية والمزار شطيب ... ونأتك بالهجران وهي قريب
لله مية خلّة لو أنها ... تجزي الوداد بودّها وتثيب
ومنها:
إذ للشباب عليك من ورق الصّبا ... ظلّ واذ غصن الشباب رطيب
طرب الفؤاد ولات حين تطرّب ... إنّ الموكّل بالصبا لطروب
وتقول مية ما لمثلك والصّبا ... واللون أسود حالك غربيب
شاب الغراب وما أراك تشيب ... وطلابك البيض الحسان عجيب
ومنها في المديح:
стр. 2754
والبرمكيّ وإن تقارب سنّه ... أو باعدته السنّ فهو نجيب
خرق العطاء إذا استهلّ عطاؤه ... لا متبع منّا ولا محسوب
يا آل برمك ما رأينا مثلكم ... ما منكم إلا أغرّ وهوب
وإذا بدا الفضل بن يحيى هبته ... لجلاله إن الجلال مهيب
ومنها:
شمنا لديك مخيلة لا خلّبا ... في الشيم إذ بعض البروق خلوب
إنّا على ثقة وظن صادق ... مما نؤمّله فليس نخيب
[١١٨٨] النضر بن أبي النضر أبو مالك التميمي:
أعرابي من أهل البادية لغوي شاعر، وفد على الرشيد ومدحه وخدمه، وانقطع إلى الفضل بن يحيى وتقدم عنده، وكان فصيحا جيد الشعر مليح النادرة، امتدح الخلفاء والأمراء وتقرب منهم. ومن شعره يرثي يزيد حوراء المدني المغني «١» :
لم يمتّع من الشباب يزيد ... صار في الترب وهو غضّ جديد
خانه دهره وقابله من ... هـ نحوس واستدبرته السعود
حين زفّت إليه دنياه تجلى ... وتدانى منها إليه البعيد
فكأن لم يكن يزيد ولم يش ... ج نديما يهزّه التغريد
стр. 2755
[١١٨٩] النضر بن شميل بن خرشة بن يزيد بن كلثوم
التميمي المازني النحوي اللغوي الأديب: ولد بمرو ونشأ بالبصرة، وأخذ عن الخليل بن أحمد، وأقام بالبادية زمنا طويلا فأخذ عن فصحاء العرب كأبي خيرة الأعرابي وأبي الدقيش وغيرهما، وسمع من هشام بن عروة وحميد الطويل وإسماعيل بن أبي خالد وعبد الله بن عون وهشام بن غسان وغيرهم من صغار التابعين، وروى عنه يحيى بن معين وابن المديني، وهو ثقة حجة احتجوا به في الصحاح. ولما ضاقت عليه الأسباب في البصرة عزم على الخروج إلى خراسان، فشيعه من أهل البصرة نحو ثلاثة آلاف من المحدثين والفقهاء واللغويين والنحاة والأدباء، فجلس لوداعهم بالمربد وقال: يا أهل البصرة يعزّ عليّ والله فراقكم، ولو وجدت عندكم كلّ يوم كيلجة من الباقلاء ما فارقتكم «١» ، فلم يكن فيهم واحد يتكفّل له ذلك، فسار إلى مرو وأقام بها فأثرى وأفاد بها مالا عظيما، ذكر ذلك أبو عبيدة في «كتاب المثالب» .
وكان النضر من أهل السنة وهو أول من أظهرها بخراسان ومرو، وولي القضاء بمرو فأقام العدل وحمدت سيرته، وكان متقلّلا متقشفا.
قال الزبير بن بكار «٢» ، حدثني النضر بن شميل قال: دخلت على أمير المؤمنين المأمون بمرو وعليّ أطمار مترعبلة، فقال: يا نضر تدخل على أمير المؤمنين في مثل هذه الثياب؟! فقلت: ان حرّ مرو شديد لا يدفع إلا بمثل هذه الأخلاق، قال: بل أنت رجل متقشف، ثم تجارينا الحديث فأجرى ذكر النساء وقال: حدثني هشيم بن
стр. 2756
بشير عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال، قال رسول الله ﷺ : إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز- ففتح السين من سداد- فقلت: صدقوك يا أمير المؤمنين، وحدثني عوف بن أبي جميلة الأعرابي عن الحسن عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال: إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز- وكسرت السين- قال: وكان المأمون متكئا فاستوى جالسا وقال:
السّداد لحن عندك يا نضر؟ قلت: نعم هاهنا يا أمير المؤمنين، قال: أو تلحّنني؟
قلت: إنما لحن هشيم، وكان لحّانا، فتبع أمير المؤمنين لفظه، فقال: ما الفرق بينهما؟ قلت: السداد القصد في الدين والطريقة والأمر، والسداد البلغة، وكل ما سددت به شيئا فهو سداد، وقد قال العرجي «١» :
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
قال: فأطرق المأمون مليا ثم قال: قبح الله ما لا أدب له، ثم قال: أنشدني يا نضر أخلب بيت للعرب، قلت: قول حمزة بن بيض:
تقول لي والعيون هاجعة ... أقم علينا يوما ولم أقم
أيّ الوجوه انتجعت قلت لها ... لأيّ وجه «٢» إلا إلى الحكم
متى يقل حاجبا «٣» سرادقه ... هذا ابن بيض بالباب يبتسم
قد كنت أسلمت فيك مقتبلا ... هاك ادخلن ذاك واعطني «٤» سلمي
فقال المأمون: لله درك كأنما شقّ لك عن قلبي، فأنشدني أنصف بيت للعرب، قلت: قول أبي عروة المدني «٥» :
إني وإن كان ابن عمي غائبا «٦» ... لمزاحم من خلفه وورائه
стр. 2757
ومفيده نصري وإن كان امرءا ... متزعزعا في أرضه وسمائه
وأكون والي سرّه وأصونه ... حتى يجيء عليّ وقت أدائه
وإذا دعا باسمي ليركب مركبا ... صعبا قعدت له على سيسائه «١»
وإذا ارتدى ثوبا جميلا لم أقل ... يا ليت كان عليّ حسن ردائه «٢»
فقال: أحسنت يا نضر، أنشدني اقنع بيت قالته العرب، قلت: قول ابن عبدل الأسدي:
إني امرؤ لم أزل وذاك من ال ... له قديما أعلّم الأدبا
أقيم بالدار ما اطمأنت بي ال ... دار وإن كنت نازحا طربا
لا اجتوي خلّة الصديق ولا ... أتبع نفسي شيئا إذا ذهبا
أطلب ما يطلب الكريم من ال ... رّزق بنفسي وأجمل الطلبا
إني رأيت الفتى الكريم إذا ... رغّبته في صنيعة رغبا
والعبد لا يطلب العلاء ولا ... يعطيك شيئا إلا إذا رهبا
مثل الحمار السوء المخاتل «٣» لا ... يحمل شيئا إلا إذا ضربا
قد يرزق الخافض المقيم ولا ... شدّ لعيس رحلا ولا قتبا
ويحرم الرزق ذو المطية وال ... رحل ومن لا يزال مغتربا
فقال: أحسنت يا نضر، ثم أخذ القرطاس وأنا لا أدري ما يكتب، ثم قال:
كيف تقول إذا أمرت من يترّب الكتاب؟ قلت: أتربه، قال: فهو ماذا؟ قلت: فهو مترب، قال: فمن الطين؟ قلت: طنه، قال: فهو ماذا؟ قلت: فهو مطين، قال:
هذه أحسن من الأولى، ثم قال: يا غلام أتربه وطنه وابلغ معه إلى الفضل بن سهل،
стр. 2758
قال: فلما قرأ الكتاب الفضل قال: يا نضر إن أمير المؤمنين أمر لك بخمسين ألف درهم فما كان السبب، فأخبرته الخبر، فقال: لحّنت أمير المؤمنين؟ قلت: كلّا إنما لحن هشيم بن بشير وكان لحانا فتبع أمير المؤمنين لفظه، فأمر لي الفضل بثلاثين ألف درهم، فأخذت ثمانين ألف درهم بحرف استفيد مني.
توفي النضر بن شميل في ذي الحجة سنة أربع ومائتين.
وله من التصانيف: كتاب الصفات في اللغة خمسة أجزاء. والمدخل الى كتاب العين. وكتاب غريب الحديث. وكتاب المعاني. وكتاب السلاح. وكتاب المصادر. وكتاب الأنواء. وكتاب خلق الفرس. وكتاب الجيم. وكتاب الشمس والقمر، وغير ذلك.
[١١٩٠] نهشل بن زيد، أبو خيرة الأعرابي البصري:
بدوي من بني عديّ دخل الحضرة وصنف كتاب الحشرات، ذكره في الفهرست.
стр. 2759
حرف الهاء
[١١٩١] هارون بن الحائك
النحوي الضرير من أعيان أصحاب ثعلب، وكان معدودا من طبقته: أصله يهودي من الحيرة، وكان الوزير عبيد الله بن سليمان أرسل إلى ثعلب ليختلف إلى ولده القاسم فأبى واعتذر بالشيخوخة والضعف، فقال له: أنفذ إليّ من ترتضيه من أصحابك، فأنفذ إليه هارون الضرير، فاستحضر الوزير عبيد الله أبا إسحاق الزجاج وجمع بينه وبين هارون، فسأله الزجاج كيف تقول ضربت زيدا ضربا، فقال: ضربت زيدا ضربا، فقال: كيف تكني عن زيد والضرب، فأفحم ولم يجب وحار في يده وانقطع انقطاعا قبيحا، فصرفه الوزير واختار الزجاج لتأديب ولده، فكان ذلك سبب منية هارون، وما كان هارون ممن يذهب عليه هذا فان جواب المسألة ضربته اياه، ذكر ذلك أبو بكر الزبيدي في الطبقات.
ولهارون من التصانيف: كتاب العلل في النحو. كتاب الغريب الهاشمي، وقيل الغريب الهاشمي لثعلب.
[١١٩٢] هارون بن زكريا الهجري أبو علي النحوي
صاحب «كتاب النوادر المفيدة» روى عنه ثابت بن حزم السرقسطي وغيره، ولا أعلم من أمره غير هذا.
стр. 2760
[١١٩٣] هارون بن علي بن يحيى بن أبي منصور المنجم البغدادي
أبو عبد الله:
كان أديبا شاعرا راوية نديما ظريفا، وهو أحد بني المنجم المشهورين بالأدب والفضل المنقطعين إلى الخلفاء لمنادمتهم والمقدمين عندهم؛ وكان هارون هذا من أكملهم أدبا وفضلا.
وصنف كتاب أخبار النساء. وكتاب أخبار الشعراء المولدين، أورد فيه ما اختاره من شعرهم، وسماه بالبارع قال في مقدمته: عملت كتابي هذا في أخبار الشعراء المولدين، ذكرت فيه ما اخترته من أشعارهم، وتحريت في ذلك الاختيار أقصى ما بلغته معرفتي وانتهى إليه علمي، والعلماء يقولون: يدلّ على العاقل اختياره، وقالوا: اختيار الرجل من وفور عقله. ثم ذكر أنه اختصره من كتاب مطوّل ألفه قبله.
ذكر في هذا الكتاب نيفا ومائة وستين شاعرا، وافتتحه بذكر بشار بن برد، وختمه بمحمد بن عبد الملك بن صالح.
توفي هارون بن علي سنة ثمان وثمانين ومائتين.
[١١٩٤] هارون بن موسى بن شريك
القارىء النحوي الدمشقي أبو عبد الله: يعرف بالأخفش، وهو آخر الأخافشة، ولد سنة إحدى ومائتين، وقرأ بقراءات كثيرة وروايات غريبة، وكان قيما بالقراءات السبع عارفا بالتفسير والنحو والمعاني والغريب والشعر، حسن الصوت والأداء، وعنه أخذت قراءة أهل الشام وبضبطه اشتهرت. قرأ على عبد الله بن ذكوان وغيره، وعليه أبو الحسن ابن الأخرم، وحدّث عن أبي مسهر الغساني، وعنه أبو بكر ابن فطيس وكان فاضلا أديبا صنف كتبا في القراءات والعربية مات سنة إحدى وتسعين ومائتين وقيل في السنة التي بعدها.
стр. 2761
[١١٩٥] هاشم بن أحمد بن عبد الواحد بن هاشم
بن محمد بن هاشم بن علي بن هاشم الحلبي الأسدي الخطيب: أصل آله من الرقة وانتقلوا إلى حلب، وكان حسن القراءة والعبادة والزهد.
صنف كتاب اللحن الخفي. وكتاب أفراد أبي عمرو بن العلاء، وغير ذلك.
وولي خطابة حلب، ولما خطب اعتنقه أبو عبد الله ابن القيسراني الشاعر وقال له:
شرح المنبر صدرا ... لتلقيك رحيبا
أترى ضمّ خطيبا ... منك أم ضمّخ طيبا
ولد سنة ست وستين وأربعمائة ومات في جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وخمسمائة.
[١١٩٦] هبة الله بن حامد بن أحمد بن أيوب
بن علي بن أيوب أبو منصور: يعرف بعميد الرؤساء، أديب فاضل نحوي لغوي شاعر، شيخ وقته ومتصدر بلده، أخذ عنه أهل تلك البلاد الأدب، وأخذ هو عن أبي الحسن علي بن عبد الرحيم الرقي المعروف بابن العصار وغيره. وله نظم ونثر وكان يلقب بوجه الدويبة، وسمع المقامات من ابن النقور وروى عنه، مات سنة عشر وستمائة.
[١١٩٧] هبة الله القاضي السعيد بن القاضي
الرشيد جعفر بن سناء الملك محمد بن
стр. 2762
هبة الله بن محمد السعدي المصري المعروف بابن سناء الملك: أحد أدباء العصر وشعرائه المجيدين، ذاع صيته وسار ذكره، أخذ عن الحافظ أبي طاهر أحمد بن سلفة، واتصل بالقاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني فكانت له منزلة عنده، وكان في خدمته بدمشق سنة إحدى وسبعين وخمسمائة ثم عاد إلى القاهرة، وكان بينه وبين الفاضل ترسل، ومدحه بعدة قصائد.
وصنف كتاب روح الحيوان لخّص فيه كتاب الحيوان للجاحظ. وله ديوان موشحات سماه دار الطراز. وديوان شعر. وديوان رسائل.
مات يوم الأربعاء رابع شهر رمضان سنة ثمان وستمائة بالقاهرة.
ومن شعره قوله يمدح الملك المعظم توران شاه وأجاد ما شاء «١» :
تقنعت لكن بالحبيب المعمّم ... وفارقت لكن كلّ عيش مذمّم
وباتت يدي في طاعة الحبّ والهوى ... وشاحا لخصر أو سوارا لمعصم
وأثريت من دينار خدّ ملكته ... فأحسن وجه بعده مثل درهم
يزيد احمرارا كلما زدت صفرة ... كأنّ به ما كان بي زمن «٢» الدم
توقد ذاك الخدّ واخضرّ نضرة ... فأبصرت منه جنة في جهنم
ومنها:
سعدت ببدر برجه «٣» برج عقرب ... فكذّب عندي قول كلّ منجم
وأقسم ما وجه الصباح إذا بدا ... بأوضح منّي حجة عند لوّمي
ولا سيّما لما مررت بمنزل ... كفضلة صبر في فؤاد متيّم
وما بان لي إلا بعود أراكة ... تعلّق في أطرافه ضوء مبسم
стр. 2763
ولا عجبا أن متّ فيه صبابة ... فما النفس إلا بعض مغرم مغرم «١»
بنفسي من قبلته ورشفته ... فقال الهوى فز بالحطيم وزمزم
فجردت قلبي من مخيط همومه ... وطاف به والقلب في زيّ محرم
ومنها:
ولم ير طرفي قطّ شملا مبددا ... فقابله إلا بدمع منظم
تبسّم ذاك الطرف عن ثغر دمعه ... وربّ قطوب كامن في التبسم
ولم يسل قلبي أو فمي عن غزالة ... وعن غزل الا بمدح المعظم
هذا والله السحر الحلال، والسهل الممتنع الذي لا ينال.
ومن شعره أيضا قوله يمدح القاضي الفاضل عبد الرحيم «٢» :
عادني من هوى الأحبة عيد ... فلباسي فيه غرام جديد
ونحرت الجفون من بعد أن أش ... عرت قلبي بأن صبري بعيد
كلف عاد بعد شيبي وليدا ... وكذا البدر بعد شيب وليد
فغرامي بالبدر كالبدر لكن ... ينقص البدر والغرام يزيد
بأبي من أبى مرادي كمثل ال ... دهر عندي يريد ما لا أريد
صدّ عطفا وصاد طرفا فما ين ... فكّ هذا يصدّ أو ذا يصيد
كيف خلّدت في جهنم ذا الص ... دّ وديني في حبّه التوحيد
ومنها في المديح:
لي من راحتيه جنة مأوى ... وله بالثناء مني خلود
أنا عبد وخدمتي مدح مولى ... نجح القصد عنده والقصيد
هو قاض لا بل أمير إذا شئ ... ت لديه من المعالي جنود
وفقيه النوال يلقي على الخل ... ق عطاياه والغمام معيد
стр. 2764
أوسعوا جوده ملاما وتفني ... دا فضاع الملام والتفنيد
ردّدوا عذلهم فردّ عليهم ... كلّ شيء مردّد مردود
ومن شعره الذي سارت به الركبان قصيدته الحماسية الغزلية وهي «١» :
سواي يخاف الدهر أو يرهب الردى ... وغيري يهوى أن يكون مخلدا
ولكنني لا أرهب الدهر إن سطا ... ولا أحذر الموت الزؤام إذا عدا
ولو مدّ نحوي حادث الدهر طرفه ... لحدثت نفسي أن أمدّ له يدا
توقّد عزم يترك الماء جمرة ... وحلية حلم تترك السيف مبردا
وفرط احتقار للأنام فانني ... أرى كلّ عار من حلى سؤددي سدى
وأظمأ إن أبدى لي الماء منّة ... ولو كان لي بحر المجرة موردا
ولو كان إدراك الهدى بتذلل ... رأيت الهدى أن لا أميل إلى الهدى
وقدما بغيري أصبح الدهر أشيبا ... وبي بل بفضلي أصبح الدهر أمردا
وإنك عبدي يا زمان وإنني ... على الكره مني أن أرى لك سيدا
وما أنا راض أنني واطىء الثرى ... ولي همة لا ترتضي الأفق مقعدا
ولو علمت زهر النجوم مكانتي ... لخرّت جميعا نحو وجهي سجّدا
ولي قلم في أنملي لو هززته ... فما ضرّني أن لا أهزّ المهندا
إذا جال فوق الطّرس وقع صريره ... فان صليل المشرفيّ له صدى
ومنها في التخلص إلى الغزل:
ومن كلّ شيء قد صحوت سوى هوى ... أقام عذولي بالملام وأقعدا
إذا وصل من أهواه لم يك مسعدي ... فليت عذولي كان بالصمت مسعدا
يحبّ حبيبي من يكون مفنّدا ... فيا ليتني كنت العذول المفنّدا
وقال لقد «آنست نارا» بخدّه ... فقلت وإني ما «٢» «وجدت بها هدى»
والقصيدة طويلة، كل بيت منها فريدة في عقد، وشعره كثير واكثره جيد.
стр. 2765
[١١٩٨] هبة الله بن الحسن أبو الحسن
المعروف بالحاجب، ذكره الكمال ابن الانباري في «طبقات النحويين» ، وكان من أفاضل أهل الأدب شاعرا مليح الشعر، فمن شعره «١» :
يا ليلة سلك الزما ... ن بطيبها بي كلّ مسلك
إذ أرتقي درج المس ... رة مدركا ما ليس يدرك
والبدر قد فضح الظلا ... م فستره عنه مهتّك
وكأنما زهر النجو ... م بلمعها شعل تحرّك
والغيم أحيانا يمو ... ج كأنّه ثوب ممسّك
وكأنّ نشر المسك ين ... فح في النسيم إذا تحرّك
والنور يبسم في الريا ... ض فان نظرت إليه سرّك
شارطت نفسي أن أقو ... م بحقها «والشرط أملك»
حتى تولّى الليل من ... هزما وجاء الصبح يضحك
واه الفتى لو أنه ... في ظلّ طيب العيش يترك
والمرء يحسب عمره ... فإذا أتاه الشيب فذلك
مات هبة الله الحاجب فجأة في آخر شهر رمضان سنة ثمان وعشرين وأربعمائة في بغداد في خلافة القائم بأمر الله بن القادر بالله.
[١١٩٩] هبة الله بن الحسين، أبو بكر ابن العلاف الشيرازي:
كان من أفراد الزمان
стр. 2766
في عصره في أنواع العلوم نحويا إماما شاعرا فاضلا بارعا، ورد خراسان وما وراء النهر وسمع حماد بن مدرك وغيره، وسمع منه الحافظ أبو عبد الله ابن الحاكم وذكره في «تاريخ نيسابور» وأثنى عليه. مات بشيراز في رمضان سنة سبع وسبعين وثلاثمائة وقد نيّف على التسعين ولم تبيضّ له شعرة، وقال في ذلك:
إلام وفيم يظلمني شبابي ... ويلبس لمتي حلك الغراب
وآمل شعرة بيضاء تبدو ... بدوّ البدر في خلل السحاب
وأدعى الشيخ ممتلئا شبابا ... كذي ظمأ يعلّل بالسراب
فيا مللي هنالك من مشيبي ... ويا خجلي هنالك من شبابي
[١٢٠٠] هبة الله بن الحسين بن أحمد البغدادي
عرف بالبديع الاسطرلابي، كان أديبا فاضلا شاعرا بارعا حكيما عارفا بالطب والرياضي والهيئة والنجوم والرصد والزيج، متقنا عمل الآلات الفلكية سيّما الأسطرلاب فنسب إليه، وحصل له مال جزيل من عمله، ولم يخلفه في صناعته مثله، وقد أقام على صحة ما يعمله من الآلات الحجج الهندسية، وبرهن عليها بالقوانين الاقليديسية، وأتى فيها باختراعات أغفلها المتقدمون، فزاد في الكرة ذات الكرسيّ وكمل نقصها الذي مرت عليه الأعوام، وأكمل نقص الآلات الشاملة التي وضعها الخجندي وجعلها لعرض واحد، وأقام الدليل على أنه لا يمكن أن تكون لعروض متعددة، فلما وصلت إلى البديع تأملها واهتدى إلى طريق لعملها لعروض متعددة، واختبر ما زاد فيها بالقواعد الهندسية فصحّ عمله، وحمل ما صنع منها إلى الأكابر والأجلّاء من أهل هذا الفن فتلقوها بالقبول. وله في عمل الأسطرلاب والبركار والمساطر وغيرها من الآلات اليد الطولى،
стр. 2767
وقد صار ما صنعه من ذلك من الذخائر التي يتغالى بها أهلها، وعانى عمل الطلاسم ورصد لها ما يوافقها من الأوقات السعيدة، وحملها إلى الملوك والأمراء والوزراء فجربوها فصحّت وحصل له منها ومن سائر صنائعه أموال جمة.
وصنف رسالة في الآلات الشاملة التي كملها. ورسالة في الكرة ذات الكرسي.
واختار ديوان ابن الحجاج وسماه «درة التاج من شعر ابن الحجاج» رتبه على مائة وأحد وأربعين بابا، جعل كلّ باب في فن من فنون شعره. وله ديوان شعر دوّنه وجمعه بنفسه.
مات ببغداد بعلة الفالج سنة أربع وثلاثين وخمسمائة.
ومن شعره الرائق الفائق قوله «١» :
وذو هيئة يزهو بخال مهندس ... أموت به في كل وقت وأبعث
محيط بأوصاف الملاحة وجهه ... كأنّ به إقليدسا يتحدث
فعارضه خطّ استواء وخاله ... به نقطة والخدّ شكل مثلث
وقال «٢» :
أذاقني حمرة المنايا ... لما اكتسى خضرة العذار
وقد تبدّى السواد فيه ... وكارتي بعد في العيار «٣»
وقال «٤» :
قام إلى الشمس بآلاته ... لينظر السعد من النحس
فقلت أين الشمس قال الفتى ... في الثور قلت الثور في الشمس
وقال «٥» :
стр. 2768
يا صدور الزمان ليس بوفر ... ما رأيناه في نواحي العراق
إنما عمّ ظلمكم سائر الأر ... ض فشابت ذوائب الآفاق
الوفر: الثلج بلغة أهل العراق، قال ذلك في عام نزل فيه ببغداد ثلج كثير.
وقال «١» :
أهدي لمجلسك الشريف وإنما ... أهدي له ما حزت من نعمائه
كالبحر يمطره السحاب وما له ... فضل عليه لأنه من مائه
[١٢٠١] هبة الله بن سلامة بن نصر بن علي أبو القاسم
الضرير المقرىء المفسر النحوي البغدادي: كان من أحفظ الناس لتفسير القرآن والنحو والعربية، وكانت له حلقة في جامع المنصور ببغداد. سمع من أبي بكر ابن مالك القطيعي وغيره، وقرأ عليه أبو الحسن علي بن القاسم الطابثي.
وصنف: كتاب الناسخ والمنسوخ. والمسائل المنثورة في النحو والتفسير.
وأبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي المحدث هو ابن بنت هذا.
مات هبة الله في رجب سنة عشر وأربعمائة.
[١٢٠٢] هبة الله بن صاعد بن هبة الله بن إبراهيم
بن علي موفق الملك أمين الدولة أبو الحسن بن أبي العلاء المعروف بابن التلميذ البغدادي الطبيب الحكيم الأديب:
стр. 2769
كان واحد عصره في صناعة الطب متفننا في علوم كثيرة، حكيما أديبا شاعرا مجيدا، وكان يكتب خطا منسوبا في نهاية الحسن، وكان عارفا بالفارسية واليونانية والسريانية متضلعا بالعربية، وله النظم والنثر الفائق، ونثره أجود من شعره، وكان ساعور البيمارستان العضدي، تولّاه إلى أن توفي، وكان حاذقا في المباشرة والمعالجة موفقا في صناعته، خدم الخلفاء من بني العباس وتقدم عندهم وعلت مكانته لديهم، وعمّر طويلا، نبيه الذكر جليل القدر معروف المكانة، وكان مقدّم النصارى في بغداد ورأسهم ورئيسهم وقسيسهم، وكان حسن العشرة كريم الأخلاق ذا مروءة وسخاء، حلو الشمائل كثير النادرة، وكان يميل إلى صناعة الموسيقى ويقرّب أهلها، وكانت دار القوارير.. بغداد من اقطاعه، فلما ولي يحيى بن هبيرة الوزارة حلّها وأخذها منه، فحضر ابن التلميذ يوما عند الخليفة المقتفي على عادته، فلما أراد الانصراف عجز عن القيام وكان قد ضعف من الكبر، فقال له المقتفي: كبرت يا حكيم، قال: نعم كبرت وتكسّرت قواريري، وهذا مثل يتماجن به أهل بغداد، فقال الخليفة رجل عمّر في خدمتنا وما تماجن قطّ بحضرتنا فلهذا التماجن سرّ ثم فكّر ساعة وسأل عن دار القوارير فقيل له: قد حلّها الوزير وأخذها منه، فأنكر عليه المقتفي أخذها إنكارا شديدا وردّها على ابن التلميذ وزاده إقطاعا آخر.
وكان ابن التلميذ هو وأوحد الزمان أبو البركات هبة الله المعروف بابن ملكا في خدمة المستضيء بأمر الله، وكان بينهما شنآن وعداوة، فأراد أوحد الزمان أن يوقع ابن التلميذ في تهلكة، فكتب رقعة يذكر فيها عن ابن التلميذ عظائم لا تصدر عن مثله، ووهب لبعض خدم القصر مالا ورغب إليه أن يلقي الرقعة في مجلس من مجالس الخليفة ففعل، فلما أخذ الخليفة الرقعة وقرأها همّ أن يوقع بأمين الدولة، فأشير عليه أن يتبصّر ويستقصي عن ذلك، فأخذ يقرّر من يتهمه من الخدم عن الرقعة فظهر الأمر، وعلم أن ذلك تدبير أوحد الزمان لإهلاك ابن التلميذ، فغضب وأباح أمين الدولة ابن التلميذ دم أوحد الزمان وماله وكتبه، فكان من كرم أخلاق أمين الدولة أنه لم يتعرض له بسوء وصفح عنه، غير أنه قال فيه «١» :
стр. 2770
لنا صديق يهوديّ حماقته ... إذا تكلم تبدو فيه من فيه
يتيه والكلب أعلى منه منزلة ... كأنه بعد لم يخرج من التيه
وصنف ابن التلميذ حاشية على القانون لابن سينا. حاشية على المنهاج لابن جزلة. حاشية على كتاب المائة للمسيحي. شرح مسائل حنين بن إسحاق. شرح أحاديث نبوية تشتمل على مسائل طبية. مختصر الحاوي لأبي بكر الرازي. تتمة جوامع الاسكندرانيين لكتاب حيلة البرء. مختصر تفسير تقدمة المعرفة لا بقراط تفسير جالينوس. مختصر تفسير فصول أبقراط لجالينوس. مختصر كتاب الأشربة لمسكويه. مختار كتاب أبدال الأدوية لجالينوس. مختار كتاب المائة للمسيحي.
الكناش في الطب. المقالة الأمينية في الأدوية البيمارستانية. مقالة في الفصد.
الأقراباذين الكبير. الأقراباذين الصغير. ديوان رسائل مجلد ضخم. ديوان شعر مجلد صغير، وغير ذلك.
مات في اليوم الثامن والعشرين من ربيع الأول سنة ستين وخمسمائة وله أربع وتسعون سنة، وخلّف مالا عظيما ومتاعا حسنا كثيرا وكتبا كثيرة لا نظير لها.
ومن نثر أمين الدولة ما كتبه إلى ولده رضي الدولة أبي نصر من رسالة قال «١» :
الفت ذهنك عن هذه الترهات إلى تحصيل مفهوم تتميز به، وخذ نفسك من الطريقة بما كررت تنبيهك عليه وإرشادك إليه، واغتنم الإمكان واعرف قيمته، واشتغل بشكر الله تعالى عليه، وفز بحظّ نفيس من العلم تثق من نفسك بأنك عقلته وملكته لا قرأته ورويته، فإن بقية الحظوظ تتبع هذا الحظ وتلزم صاحبه، ومن طلبها بدونه فاما أن لا يجدها وإما أن لا يعتمد عليها إذا وجدها ولا يثق بدوامها. وأعوذ بالله أن ترضى لنفسك إلا بما يليق بمثلك أن يتسامى إليه بعلو همته وشدة أنفته وغيرته على نفسه.
ومما قد كررت عليك الوصاة به أن تحرص على أن لا تقول شيئا لا يكون مهذبا في لفظه ومعناه ويتعين عليك إيراده، وأن تصرف معظم حرصك إلى أن تسمع ما يفيدك لا ما يلهيك مما يلذ للاغمار وأهل الجهالة، رفعك الله عن طبقتهم، فإن الأمر كما قال أفلاطون: الفضائل مرّة الورد حلوة الصّدر، والرذائل حلوة الورد مرّة الصدر. وقد زاد