← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

في عصره في أنواع العلوم نحويا إماما شاعرا فاضلا بارعا، ورد خراسان وما وراء النهر وسمع حماد بن مدرك وغيره، وسمع منه الحافظ أبو عبد الله ابن الحاكم وذكره في «تاريخ نيسابور» وأثنى عليه. مات بشيراز في رمضان سنة سبع وسبعين وثلاثمائة وقد نيّف على التسعين ولم تبيضّ له شعرة، وقال في ذلك: إلام وفيم يظلمني شبابي ... ويلبس لمتي حلك الغراب وآمل شعرة بيضاء تبدو ... بدوّ البدر في خلل السحاب وأدعى الشيخ ممتلئا شبابا ... كذي ظمأ يعلّل بالسراب فيا مللي هنالك من مشيبي ... ويا خجلي هنالك من شبابي [١٢٠٠] هبة الله بن الحسين بن أحمد البغدادي عرف بالبديع الاسطرلابي، كان أديبا فاضلا شاعرا بارعا حكيما عارفا بالطب والرياضي والهيئة والنجوم والرصد والزيج، متقنا عمل الآلات الفلكية سيّما الأسطرلاب فنسب إليه، وحصل له مال جزيل من عمله، ولم يخلفه في صناعته مثله، وقد أقام على صحة ما يعمله من الآلات الحجج الهندسية، وبرهن عليها بالقوانين الاقليديسية، وأتى فيها باختراعات أغفلها المتقدمون، فزاد في الكرة ذات الكرسيّ وكمل نقصها الذي مرت عليه الأعوام، وأكمل نقص الآلات الشاملة التي وضعها الخجندي وجعلها لعرض واحد، وأقام الدليل على أنه لا يمكن أن تكون لعروض متعددة، فلما وصلت إلى البديع تأملها واهتدى إلى طريق لعملها لعروض متعددة، واختبر ما زاد فيها بالقواعد الهندسية فصحّ عمله، وحمل ما صنع منها إلى الأكابر والأجلّاء من أهل هذا الفن فتلقوها بالقبول. وله في عمل الأسطرلاب والبركار والمساطر وغيرها من الآلات اليد الطولى،

стр. 2767

وقد صار ما صنعه من ذلك من الذخائر التي يتغالى بها أهلها، وعانى عمل الطلاسم ورصد لها ما يوافقها من الأوقات السعيدة، وحملها إلى الملوك والأمراء والوزراء فجربوها فصحّت وحصل له منها ومن سائر صنائعه أموال جمة. وصنف رسالة في الآلات الشاملة التي كملها. ورسالة في الكرة ذات الكرسي. واختار ديوان ابن الحجاج وسماه «درة التاج من شعر ابن الحجاج» رتبه على مائة وأحد وأربعين بابا، جعل كلّ باب في فن من فنون شعره. وله ديوان شعر دوّنه وجمعه بنفسه. مات ببغداد بعلة الفالج سنة أربع وثلاثين وخمسمائة. ومن شعره الرائق الفائق قوله «١» : وذو هيئة يزهو بخال مهندس ... أموت به في كل وقت وأبعث محيط بأوصاف الملاحة وجهه ... كأنّ به إقليدسا يتحدث فعارضه خطّ استواء وخاله ... به نقطة والخدّ شكل مثلث وقال «٢» : أذاقني حمرة المنايا ... لما اكتسى خضرة العذار وقد تبدّى السواد فيه ... وكارتي بعد في العيار «٣» وقال «٤» : قام إلى الشمس بآلاته ... لينظر السعد من النحس فقلت أين الشمس قال الفتى ... في الثور قلت الثور في الشمس وقال «٥» :

стр. 2768

يا صدور الزمان ليس بوفر ... ما رأيناه في نواحي العراق إنما عمّ ظلمكم سائر الأر ... ض فشابت ذوائب الآفاق الوفر: الثلج بلغة أهل العراق، قال ذلك في عام نزل فيه ببغداد ثلج كثير. وقال «١» : أهدي لمجلسك الشريف وإنما ... أهدي له ما حزت من نعمائه كالبحر يمطره السحاب وما له ... فضل عليه لأنه من مائه [١٢٠١] هبة الله بن سلامة بن نصر بن علي أبو القاسم الضرير المقرىء المفسر النحوي البغدادي: كان من أحفظ الناس لتفسير القرآن والنحو والعربية، وكانت له حلقة في جامع المنصور ببغداد. سمع من أبي بكر ابن مالك القطيعي وغيره، وقرأ عليه أبو الحسن علي بن القاسم الطابثي. وصنف: كتاب الناسخ والمنسوخ. والمسائل المنثورة في النحو والتفسير. وأبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي المحدث هو ابن بنت هذا. مات هبة الله في رجب سنة عشر وأربعمائة. [١٢٠٢] هبة الله بن صاعد بن هبة الله بن إبراهيم بن علي موفق الملك أمين الدولة أبو الحسن بن أبي العلاء المعروف بابن التلميذ البغدادي الطبيب الحكيم الأديب:

стр. 2769

كان واحد عصره في صناعة الطب متفننا في علوم كثيرة، حكيما أديبا شاعرا مجيدا، وكان يكتب خطا منسوبا في نهاية الحسن، وكان عارفا بالفارسية واليونانية والسريانية متضلعا بالعربية، وله النظم والنثر الفائق، ونثره أجود من شعره، وكان ساعور البيمارستان العضدي، تولّاه إلى أن توفي، وكان حاذقا في المباشرة والمعالجة موفقا في صناعته، خدم الخلفاء من بني العباس وتقدم عندهم وعلت مكانته لديهم، وعمّر طويلا، نبيه الذكر جليل القدر معروف المكانة، وكان مقدّم النصارى في بغداد ورأسهم ورئيسهم وقسيسهم، وكان حسن العشرة كريم الأخلاق ذا مروءة وسخاء، حلو الشمائل كثير النادرة، وكان يميل إلى صناعة الموسيقى ويقرّب أهلها، وكانت دار القوارير.. بغداد من اقطاعه، فلما ولي يحيى بن هبيرة الوزارة حلّها وأخذها منه، فحضر ابن التلميذ يوما عند الخليفة المقتفي على عادته، فلما أراد الانصراف عجز عن القيام وكان قد ضعف من الكبر، فقال له المقتفي: كبرت يا حكيم، قال: نعم كبرت وتكسّرت قواريري، وهذا مثل يتماجن به أهل بغداد، فقال الخليفة رجل عمّر في خدمتنا وما تماجن قطّ بحضرتنا فلهذا التماجن سرّ ثم فكّر ساعة وسأل عن دار القوارير فقيل له: قد حلّها الوزير وأخذها منه، فأنكر عليه المقتفي أخذها إنكارا شديدا وردّها على ابن التلميذ وزاده إقطاعا آخر. وكان ابن التلميذ هو وأوحد الزمان أبو البركات هبة الله المعروف بابن ملكا في خدمة المستضيء بأمر الله، وكان بينهما شنآن وعداوة، فأراد أوحد الزمان أن يوقع ابن التلميذ في تهلكة، فكتب رقعة يذكر فيها عن ابن التلميذ عظائم لا تصدر عن مثله، ووهب لبعض خدم القصر مالا ورغب إليه أن يلقي الرقعة في مجلس من مجالس الخليفة ففعل، فلما أخذ الخليفة الرقعة وقرأها همّ أن يوقع بأمين الدولة، فأشير عليه أن يتبصّر ويستقصي عن ذلك، فأخذ يقرّر من يتهمه من الخدم عن الرقعة فظهر الأمر، وعلم أن ذلك تدبير أوحد الزمان لإهلاك ابن التلميذ، فغضب وأباح أمين الدولة ابن التلميذ دم أوحد الزمان وماله وكتبه، فكان من كرم أخلاق أمين الدولة أنه لم يتعرض له بسوء وصفح عنه، غير أنه قال فيه «١» :

стр. 2770

لنا صديق يهوديّ حماقته ... إذا تكلم تبدو فيه من فيه يتيه والكلب أعلى منه منزلة ... كأنه بعد لم يخرج من التيه وصنف ابن التلميذ حاشية على القانون لابن سينا. حاشية على المنهاج لابن جزلة. حاشية على كتاب المائة للمسيحي. شرح مسائل حنين بن إسحاق. شرح أحاديث نبوية تشتمل على مسائل طبية. مختصر الحاوي لأبي بكر الرازي. تتمة جوامع الاسكندرانيين لكتاب حيلة البرء. مختصر تفسير تقدمة المعرفة لا بقراط تفسير جالينوس. مختصر تفسير فصول أبقراط لجالينوس. مختصر كتاب الأشربة لمسكويه. مختار كتاب أبدال الأدوية لجالينوس. مختار كتاب المائة للمسيحي. الكناش في الطب. المقالة الأمينية في الأدوية البيمارستانية. مقالة في الفصد. الأقراباذين الكبير. الأقراباذين الصغير. ديوان رسائل مجلد ضخم. ديوان شعر مجلد صغير، وغير ذلك. مات في اليوم الثامن والعشرين من ربيع الأول سنة ستين وخمسمائة وله أربع وتسعون سنة، وخلّف مالا عظيما ومتاعا حسنا كثيرا وكتبا كثيرة لا نظير لها. ومن نثر أمين الدولة ما كتبه إلى ولده رضي الدولة أبي نصر من رسالة قال «١» : الفت ذهنك عن هذه الترهات إلى تحصيل مفهوم تتميز به، وخذ نفسك من الطريقة بما كررت تنبيهك عليه وإرشادك إليه، واغتنم الإمكان واعرف قيمته، واشتغل بشكر الله تعالى عليه، وفز بحظّ نفيس من العلم تثق من نفسك بأنك عقلته وملكته لا قرأته ورويته، فإن بقية الحظوظ تتبع هذا الحظ وتلزم صاحبه، ومن طلبها بدونه فاما أن لا يجدها وإما أن لا يعتمد عليها إذا وجدها ولا يثق بدوامها. وأعوذ بالله أن ترضى لنفسك إلا بما يليق بمثلك أن يتسامى إليه بعلو همته وشدة أنفته وغيرته على نفسه. ومما قد كررت عليك الوصاة به أن تحرص على أن لا تقول شيئا لا يكون مهذبا في لفظه ومعناه ويتعين عليك إيراده، وأن تصرف معظم حرصك إلى أن تسمع ما يفيدك لا ما يلهيك مما يلذ للاغمار وأهل الجهالة، رفعك الله عن طبقتهم، فإن الأمر كما قال أفلاطون: الفضائل مرّة الورد حلوة الصّدر، والرذائل حلوة الورد مرّة الصدر. وقد زاد

стр. 2771

أرسطوطاليس في هذا المعنى فقال: إن الرذائل لا تكون حلوة الورود عند ذي فطرة سليمة، بل يؤذيه تصوّر قبحها إذ يفسد عليه ما يستلذّ من غيرها بها، وكذلك يكون صاحب الطبع السليم قادرا على معرفة ما يتوخّى وما يجتنب كالتامّ الصحة يكفي حسه تعريفه النافع والضارّ. فلا ترض لنفسك- حفظك الله- إلا بما تعلم أنه يناسب طبقة أمثالك، واغلب خطرات الهوى بعزائم الرجال الراشدين، واطمح بنفسك إلى المعالي بإطاعة عقلك فإنك تسرّ بنفسك وتراها في كل يوم مع الاعتماد على ذلك في رتبة علية ومرقاة من سموّ في السعادة، إن شاء الله تعالى. ومن شعر أمين الدولة قوله «١» : لو دان يحسن غصن البان مشيتها ... تأوّدا لحكاها غير محتشم في صدرها كوكبا نور أقلّهما ... ركنان ما لمسا من كفّ مستلم صانتهما في حرير من غلائلها ... فتلك في الحلّ والركنان في الحرم وقال «٢» : أبصره عاذلي عليه ... ولم يكن قبل ذا رآه فقال لي لو عشقت هذا ... ما لامك الناس في هواه قل لي إلى من عدلت عنه ... وليس أهل الهوى سواه فظلّ من حيث ليس يدري ... يأمر بالعشق من نهاه وقال «٣» : لا تعجبوا من حنين قلبي ... اليهم واعذروا غرامي فالقوس مع كونها جمادا ... تئنّ من فرقة السهام وقال «٤» : لولا حجاب أمام النفس يمنعها ... عن الحقيقة فيما كان في الأزل

стр. 2772

لأدركت كلّ شيء عزّ مطلبه ... حتى الحقيقة في المعلول والعلل وقال «١» : العلم للرجل اللبيب زيادة ... ونقيصة للأحمق الطيّاش مثل النهار يزيد أبصار الورى ... نورا ويعمي مقلة الخفّاش [١٢٠٣] هبة الله بن علي بن محمد بن علي بن عبد الله بن أبي الحسن بن عبد الله الأمين بن عبد الله بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو السعادات المعروف بابن الشجري البغدادي، نسب إلى بيت الشجري من قبل أمه «٢» : كان أوحد زمانه وفرد أوانه في علم العربية ومعرفة اللغة وأشعار العرب وأيامها وأحوالها متضلعا من الأدب كامل الفضل. قرأ على ابن فضال المجاشعي والخطيب أبي زكريا التبريزي وسعيد بن علي السلالي وأبي المعمر ابن طباطبا العلوي، وسمع الحديث من أبي الحسن المبارك بن عبد الجبار بن أحمد بن القاسم الصيرفي وأبي علي محمد بن سعيد الكاتب وغيرهما، وأقرأ النحو سبعين سنة، وأخذ عنه تاج الدين الكندي وخلق. وكان نقيب الطالبيين بالكرخ نيابة عن الطاهر، وكان ذا سمت حسن وقورا لا يكاد يتكلم في مجلسه بكلمة إلا وتتضمن أدب نفس أو أدب درس. وصنّف الأمالي «٣» ، وهو أكبر تصانيفه وأمتعها، أملاه في أربعة وثمانين

стр. 2773

مجلسا. والانتصار على ابن الخشاب رد فيه عليه ما انتقده من الأمالي. وكتاب الحماسة ضاهى به حماسة أبي تمام «١» . وشرح التصريف الملوكي. وشرح اللمع لابن جني النحوي. وكتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه، وغير ذلك. توفي يوم الخميس السادس والعشرين من شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة. ومن شعره: لا تمزحنّ فإن مزحت فلا يكن ... مزحا تضاف به إلى سوء الأدب واحذر ممازحة تعود عداوة ... إنّ المزاح على مقدمة الغضب وقال «٢» : هل الوجد خاف والدموع شهود ... وهل مكذب قول الوشاة جحود وحتى متى تفني شؤونك بالبكا ... وقد حدّ حدا للبكاء لبيد «٣» وإني وإن لانت قناتي لضعفها ... لذو مرّة في النائبات شديد وقال: وتجنب الظلم الذي هلكت به ... أمم تودّ لو انها لم تظلم إياك والدنيا الدنية إنها ... دار إذا سالمتها لم تسلم [١٢٠٤] هبة الله بن علي بن عرام، أبو محمد الربعي الأسواني: كان أديبا فاضلا

стр. 2774

وشاعرا مجيدا، وكان من خواصّ الوزير رضوان وجلسائه، ومدحه بعدة قصائد، وله ديوان شعر جمعه بنفسه ونقّحه وهذبه ورتبه على الحروف وهو في مجلد لطيف. مات سنة خمسين وخمسمائة. ومن شعره «١» : لا عزّ للمرء إلا في مواطنه ... والذلّ غاية ما يلقى من اغتربا فاقنع بما كان من رزق تعيش به ... بحيث أنت وكن للبين مجتنبا واعلم يقينا بأنّ الرزق يطلب من ... لم يطلب الرزق إيمانا كمن طلبا وقال» : نميل مع الأميال وهي غرور ... ونصغي لدعواها «٣» وذلك زور وتخدعنا الدنيا القليل متاعها ... وللموت «٤» فينا واعظ ونذير ونزداد فيها كلّ يوم تنافسا ... وحرصا عليها والمتاع «٥» حقير ويطمع كلّ ان يؤخر يومه «٦» ... وللموت منا أول وأخير [١٢٠٥] هشام بن إبراهيم الكرنباني الانصاري أبو علي: جالس الأصمعي وأضرابه، وكان عالما باللغة وأيام العرب وأشعارها، روى عنه الفضل بن الحباب. وصنف كتاب الحشرات. وكتاب الوحوش. وكتاب النبات. وكتاب خلق الخيل.

стр. 2775

وكان عبد الصمد بن المعذل الشاعر مولعا بهجوه وفيه يقول من أبيات: ولم تر أبلغ من ناطق ... أتته البلاغة من كرنبا [١٢٠٦] هشام بن أحمد بن خالد بن سعيد أبو الوليد الكناني المعروف بابن الوقشى الكاتب، من أهل طليطلة: كان من أعلم الناس بالعربية واللغة والشعر والخطابة والحديث والفقه والأحكام والكلام، وكان أديبا كاتبا شاعرا متوسعا في ضروب المعارف متحققا بالمنطق والهندسة، ولا يفضله عالم بالأنساب والأخبار والسير. ولد سنة ثمان وأربعمائة. وأخذ عن أبي عمر الطلمنكي وأبي عمر ابن الحداد وغيرهما، وولي قضاء طلبيرة من أعمال طليطلة قاعدة الأمير المأمون يحيى بن الظافر بن ذي النون. وصنف كتاب نكت الكامل للمبرد وغيره. مات بدانية في جمادى الآخرة سنة تسع وثمانين وأربعمائة. ومن شعره «١» : قد أثبتت فيه الطبيعة أنها ... بدقيق أعمال المهندس ماهره عنيت بعارضه فخطّت فوقه ... بالمسك خطا من محيط الدائره وقال «٢» : برّح بي أنّ علوم الورى ... إثنان ما إن لهما من مزيد حقيقة يعجز تحصيلها ... وباطل تحصيله لا يفيد

стр. 2776

[١٢٠٧] هشام بن محمد بن السائب بن بشر بن عمر الكلبي أبو المنذر، الأخباري النسابة العلامة: كان عالما بالنسب وأخبار العرب وأيامها ووقائعها ومثالبها، أخذ عن أبيه أبي النضر محمد المفسر وعن مجاهد ومحمد بن أبي السري البغدادي ومحمد بن سعد كاتب الواقدي وأبي الأشعث أحمد بن المقدام وغيرهم، وحدّث عنه جماعة. قال أحمد بن حنبل: كان صاحب سير ونسب ما ظننت أن أحدا يحدّث عنه. قال البلاذري في تاريخه: حدث هشام بن الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً (التحريم: ٣) قال أسرّ إلى حفصة أن أبا بكر وليّ الأمر من بعده، وأن عمر وليّه من بعد أبي بكر، فأخبرت بذلك عائشة. قال الدارقطني: هشام متروك، وقال غيره: ليس بثقة. وذكر الخطيب «١» في تاريخ مدينة السلام أن هشاما كان يقول: حفظت ما لم يحفظه أحد، ونسيت ما لم ينسه أحد، كان لي عمّ يعاتبني على حفظ القرآن فدخلت بيتا وحلفت لا أخرج منه حتى أحفظ القرآن، فحفظته في ثلاثة أيام، ودخلت يوما أنظر في المرآة فقبضت على لحيتي لآخذ ما دون القبضة فأخذت ما فوق القبضة. وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي «٢» : رأيت ثلاثة كانوا إذا رأوا ثلاثة يذوبون: علويه إذا رأى مخارقا، وأبا نواس إذا رأى أبا العتاهية، والزهري إذا رأى هشاما. مات هشام سنة أربع ومائتين وقيل سنة ست. وتصانيفه تزيد على مائة وخمسين مصنفا ذكر منها ابن النديم نقلا عن أبي

стр. 2777

الحسن ابن الكوفي ما يأتي: كتاب حلف عبد المطلب وخزاعة. كتاب حلف الفضول. كتاب حلف كلب وتميم. كتاب حلف أسلم وقريش. كتاب فضائل قيس عيلان. كتاب بيوتات ربيعة. كتاب أخبار العباس بن عبد المطلب. كتاب الموؤدات. كتاب خطبة علي ﵁. كتاب شرف قصي بن كلاب وولده في الجاهلية والإسلام. كتاب ألقاب قريش. كتاب ألقاب ربيعة. كتاب ألقاب قيس عيلان. كتاب ألقاب اليمن. كتاب ألقاب بني طابخة. كتاب المثالب. كتاب النواقل، فيه نواقل قريش وكنانة وأسد وتميم وقيس وإياد وربيعة. كتاب تسمية من نقل من عاد وثمود والعماليق وجرهم وبني إسرائيل من العرب. كتاب نواقل قضاعة. كتاب نواقل اليمن. كتاب دعاء معاوية زيادا. كتاب المناقلات. أخبار زياد بن أبيه. كتاب صنائع قريش. كتاب المشاجرات. كتاب المعاتبات. كتاب المشاغبات. كتاب ملوك الطوائف. كتاب ملوك كندة. كتاب ملوك اليمن من التبابعة. كتاب بيوتات اليمن. كتاب افتراق ولد نزار. كتاب تفرّق الأزد. كتاب طسم وجديس. كتاب حديث آدم وولده. كتاب من قال بيتا من الشعر فنسب إليه. كتاب المعرقات من النساء في قريش. كتاب عاد الأولى والآخرة. كتاب تفرّق عاد. كتاب أصحاب الكهف. كتاب الأوائل. كتاب رفع عيسى ﵇. كتاب أمثال حمير. كتاب المسوخ من بني إسرائيل. كتاب خبر «١» الضحاك. كتاب منطق الطير. كتاب غزية. كتاب لغات القرآن. كتاب المعمرين. كتاب الأصنام «٢» . كتاب القداح. كتاب أسنان الجزور. كتاب أديان العرب. كتاب حكّام العرب. كتاب وصايا العرب. كتاب السيوف. كتاب الخيل «٣» . كتاب الدفائن. كتاب أسماء فحول العرب. كتاب الفداء. كتاب الكهان. كتاب الجن. كتاب أخذ كسرى رهن العرب. كتاب ما كانت الجاهلية تفعله ويوافق حكم الإسلام. كتاب أبي عتاب إلى ربيع حين سأله عن العويص. كتاب عديّ بن زيد العبادي. كتاب الدوس. كتاب حديث بيهس وإخوته. كتاب مروان القرظ. كتاب اليمن وأمر سيف بن ذي يزن. كتاب مناكح

стр. 2778

أزواج العرب. كتاب الوفود. كتاب أزواج النبي ﷺ . كتاب زيد بن حارثة. كتاب تسمية من قال بيتا أو قيل فيه. الديباج في أخبار الشعراء. كتاب من فخر بأخواله من قريش. كتاب من هاجر وأبوه. أخبار الجن «١» وأشعارهم. كتاب دخول جرير على الحجاج. أخبار عمرو بن معدي كرب. تاريخ أخبار الخلفاء. كتاب صفات الخلفاء. كتاب المصلين. كتاب البلدان الكبير. كتاب البلدان الصغير. كتاب تسمية من بالحجاز من أحياء العرب. كتاب قسمة الأرضين. كتاب الأنهار. كتاب الحيرة. كتاب منار اليمن. كتاب العجائب الأربعة. كتاب أسواق العرب. كتاب الأقاليم. كتاب الحيرة وتسمية البيع والديارات. كتاب تسمية ما في شعر امرىء القيس من أسماء الرجال والنساء والجبال والمياه. كتاب داحس والغبراء. أخبار المنذر ملك العرب. كتاب أيام فزارة ووقائع بني شيبان. كتاب وقائع ضباب وفزارة. كتاب يوم سنّيق. كتاب يوم السنابس. كتاب أيام بني حنيفة «٢» . كتاب أيام قيس بن ثعلبة. أخبار مسيلمة الكذاب. كتاب الفتيان الأربعة. كتاب الأحاديث. كتاب المقطعات. كتاب حبيب العطار. عجائب البحر. المنزل وهو كتاب النسب الكبير. كتاب أولاد الخلفاء. كتاب أمهات النبي ﷺ . كتاب أمهات الخلفاء. كتاب العواقل. كتاب تسمية ولد عبد المطلب. كتاب كنى آباء الرسول ﷺ . جمهرة الأنساب «٣» ، رواها عنه ابن سعد كاتب الواقدي. هذا ما ذكره ابن النديم من تصانيفه، ولهشام أيضا الفريد في الأنساب، صنفه للمأمون. والملوكي في الانساب أيضا صنفه لجعفر بن يحيى البرمكي. والموجز في النسب أيضا وغير ذلك.

стр. 2779

[١٢٠٨] هشام بن معاوية أبو عبد الله الضرير الكوفي النحوي صاحب أبي الحسن الكسائي: كان مشهورا بصحبته وعنه أخذ النحو. وله من التصانيف مقالة في النحو تعزى إليه. وكتاب الحدود في العربية. وكتاب المختصر في النحو. وكتاب القياس فيه أيضا، وغير ذلك. كان إسحاق بن إبراهيم بن مصعب قد كلّم المأمون يوما فلحن في كلامه، فنظر إليه المأمون ففطن لما أراد وخرج من عنده وجاء إلى هشام بن معاوية وقرأ النحو عليه. مات هشام سنة تسع ومائتين. [١٢٠٩] هشام بن نهيس بن مسعود بن حارثة بن عمرو بن ربيعة بن ملكان بن عدي العدوي أخو ذي الرمة الشاعر المشهور: كان هشام هذا شاعرا مجيدا، وكان بينه وبين أخيه ذي الرمة ملاحاة فقال له: أغيلان إن ترجع قوى الودّ بيننا ... فكلّ الذي ولّى من العيش راجع فكن مثل أقصى الناس عندي فانني ... بطول التنائي من أخي السوء قانع وغيلان اسم ذي الرمة، فقال ذو الرمة له: أغرّ هشاما من أخيه ابن أمه ... قوادم ضأن أقبلت وربيع وهل تخلف الضأن الغزار أخا الندى ... إذا حلّ أمر في الصدور مريع فأجابه هشام فقال: إذا بان مالي من سوامك لم يكن ... إليك وربّ العالمين رجوع

стр. 2780

فأنت الفتى ما اهتزّ في الزّهر الندى ... وأنت إذا اشتدّ الزمان منوع وله: ما يفعل المرء فهو أهله ... كل امرىء يشبهه فعله ولا ترى أعجز من عاجز ... أسكتنا عن ذمّه بذله [١٢١٠] هلال بن العلاء أبو عمرو الرقي: كان من أهل العلم واللغة بالرقة مات سنة ثمانين ومائتين، ولا أعلم من أمره غير هذا. [١٢١١] هلال بن المحسن بن إبراهيم بن هلال بن إبراهيم بن زهرون بن حيون الصابىء الحراني أبو الحسن، وهو حفيد أبي إسحاق الصابىء الكاتب المشهور: كان هلال هذا أديبا كاتبا فاضلا له معرفة بالعربية واللغة، أخذ عن أبي علي الفارسي وأبي الحسن الرماني وأبي بكر أحمد بن محمد بن الجراح الخراز، وكان صابئا ثم أسلم في آخر عمره وحسن إسلامه. وكتب عنه الخطيب البغدادي وقال: كان ثقة صدوقا. وصنف كتاب الأماثل والأعيان ومنتدى العواطف والاحسان، جمع فيه أخبارا وحكايات مستطرفة مما حكي عن الأعيان والأكابر، وهو كتاب ممتع. ومما يستحسن من تلك الأخبار قال «١» حدث القاضي أبو الحسين عبيد الله بن عياش أن رجلا اتصلت عطلته وانقطعت مدته، فزوّر كتابا عن الوزير أبي الحسن ابن الفرات إلى أبي زنبور الماذرائي عامل مصر يتضمن الوصاية به والتأكيد في الاقبال عليه

стр. 2781

والاحسان إليه، وخرج إلى مصر فلقيه به، فارتاب أبو زنبور في أمره لتغير الخطاب على ما جرت به العادة وكون الدعاء أكثر مما يقتضيه محله، فراعاه مراعاة قريبة ووصله بصلة قليلة واحتبسه عنده على وعد وعده به، وكتب إلى أبي الحسن ابن الفرات يذكر الكتاب الوارد عليه وأنفذه بعينه إليه واستثبته فيه، فوقف ابن الفرات على الكتاب المزوّر فوجد فيه ذكر الرجل وأنه من ذوي الحرمات والحقوق الواجبة عليه وما يقال في ذلك مما قد استوفى الخطاب فيه، فعرض ابن الفرات الكتاب على كتابه وعرّفهم الصورة فيه وعجب إليهم منها ومما أقدم عليه الرجل وقال لهم: ما الرأي في أمر هذا الرجل عندكم؟ فقال بعضهم: تأديبه أو حبسه، وقال آخر: قطع إبهامه لئلا يعاود مثل هذا ولئلا يقتدي به غيره فيما هو أكثر من هذا، وقال أحسنهم محضرا: يكشف لأبي زنبور قصته ويرسم له طرده وحرمانه، فقال ابن الفرات: ما أبعدكم عن الحرية والخيرية وأنفر طباعكم عنها، رجل توسّل بنا وتحمّل المشقة إلى مصر في تأميل الصلاح بجاهنا واستمداد صنع الله بالانتساب إلينا ويكون أحسن أحواله عند أحسنكم محضرا تكذيب ظنّه وتخييب سعيه؟! والله لا كان هذا أبدا، ثم إنه أخذ القلم من دواته ووقّع على الكتاب المزوّر: هذا كتابي ولست أعلم لم أنكرت أمره واعترضتك شبهة فيه، وليس كلّ من خدمنا وأوجب حقا علينا تعرفه، وهذا رجل خدمني في أيام نكبتي، وما أعتقده في قضاء حقه أكثر مما كلّفتك في أمره من القيام به، فأحسن تفقّده ووفّر رفده، وصرّفه فيما يعود عليه نفعه ويصل إلينا بما يتحقق به ظنه ويتبين موقعه. وردّ الكتاب إلى أبي زنبور عامل مصر من يومه، فلما مضت على ذلك مدة طويلة دخل يوما على الوزير أبي الحسن ابن الفرات رجل ذو هيئة مقبولة، وبزّة جميلة، وأقبل يدعو له ويثني عليه ويبكي ويقبّل الأرض، فقال ابن الفرات: من أنت بارك الله فيك- وكانت هذه كلمته- فقال: أنا صاحب الكتاب المزوّر إلى أبي زنبور عامل مصر الذي صحّحه كرم الوزير وتفضّله فعل الله به وصنع، فضحك ابن الفرات وقال: كم وصل إليك منه؟ قال: وصل إليّ من ماله وتقسيط قسطه على عماله ومعامليه وعمل صرّفني فيه عشرون ألف دينار، فقال ابن الفرات: الحمد لله، الزمنا فانا نعرّضك لما يزداد به صلاح حالك، ثم اختبره فوجده كاتبا سديدا فاستخدمه وأكسبه مالا جزيلا؛ انتهى.

стр. 2782

مات هلال بن المحسن ليلة الخميس سابع عشر رمضان سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، وكان ولادته في شوال سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. [١٢١٢] همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن عوف بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مر التميمي، أبو فراس المعروف بالفرزدق الشاعر المشهور: كان جده صعصعة عظيم القدر في الجاهلية، وكان افتدى ثلاثمائة موءودة إلى أن جاء الله بالإسلام، وكان أبوه غالب من سراة قومه ورئيسهم، وكان الفرزدق كثير التعظيم لقبر أبيه فما جاءه أحد واستجار به إلا نهض معه وساعده على بلوغ غرضه. حدث أبو عبد الله محمد بن سلام الجمحي قال «١» : سمعت يونس بن حبيب يقول: ما شهدت مشهدا قط ذكر فيه جرير والفرزدق وأجمع أهل المجلس على أحدهما، وكان يونس يقدم الفرزدق ويقول: ما كان بالبصرة مولّد مثله «٢» . ولما هرب الفرزدق «٣» من زياد بن أبيه حين هجا بني نهشل، فاستعدوا زيادا عليه، قدم المدينة واستجار بسعيد بن العاص فأجاره، وكان الحطيئة وكعب بن جعيل

стр. 2783

عند سعيد لما دخل الفرزدق عليه فأنشده الفرزدق: ترى الغرّ الجحاجح من قريش ... إذا ما الأمر في الحدثان عالا بني عمّ النبي ورهط عمرو ... وعثمان الألى غلبوا فعالا قياما ينظرون إلى سعيد ... كأنهم يرون به هلالا فقال الحطيئة: هذا والله الشعر أيها الأمير لا ما تعلّل به منذ اليوم، فقال كعب بن جعيل: فضّله على نفسك ولا تفضله على غيرك، فقال: بلى والله، أفضله على نفسي وعلى غيري، أدركت من قبلك وسبقت من بعدك. ثم قال له الحطيئة: يا غلام لئن بقيت لتبرزن علينا. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى «١» : كان الشعراء في الجاهلية من قيس وليس في الإسلام مثل حظ تميم في الشعر، وأشعر تميم جرير والفرزدق والاخطل، وكان المفضل الضبي يفضل الفرزدق، قيل له: الفرزدق أشعر أم جرير؟ قال الفرزدق: فقيل له: ولم؟ قال: لأنه قال بيتا هجا فيه قبيلتين فقال: عجبت لعجل إذ تهاجي عبيدها ... كما آل يربوع هجوا آل دارم فقيل له قد قال جرير: ان الفرزدق والبعيث وأمه ... وأبا البعيث لشرّ ما استار فقال: وأيّ شيء أهون من أن يقول إنسان: فلان وفلان وفلان والناس كلهم بنو الفاعلة. وحدث أبو حاتم السجستاني عن أبي عبيدة قال: سمعت يونس يقول: لولا شعر الفرزدق ذهب ثلث لغة العرب. وقال آخر: الفرزدق مقدم على الشعراء الإسلاميين هو وجرير والأخطل، ومحلّه في الشعر أكبر من أن ينبّه عليه بقول أو يدلّ على مكانه بوصف، لأنّ الخاص والعام يعرفانه بالاسم ويعلمان تقدمه بالخبر الشائع علما يستغنى به عن الإطالة في الوصف. وقد تكلم الناس في هذا قديما وحديثا وتعصبوا واحتجوا بما لا مزيد فيه. وبعد

стр. 2784

إجماعهم على تقديم هؤلاء الثلاثة اختلفوا في أيهم أحقّ بالتقديم على الآخرين، فأما قدماء أهل العلم والرواة فلم يسوّوا بينهما وبين الأخطل لأنه لم يلحق شأوهما في الشعر ولا له مثل ما لهما من فنونه ولا تصرّف كتصرفهما في سائره، وقالوا: إن ربيعة أفرطت في الأخطل حين ألحقته بهما. وهم في الفرزدق وجرير قسمان: فمن كان يميل إلى جزالة الشعر وفخامته وشدّة أسره فيقدم الفرزدق، ومن كان يميل إلى الشعر المطبوع وإلى الكلام السمح السهل الغزل فيقدم جريرا. وقال ابن سلام «١» : كان الفرزدق أكثرهم بيتا مقلدا (والمقلّد البيت المستغني بنفسه المشهور الذي يضرب به المثل) فمن ذلك قوله: فيا عجبا حتى كليب تسبّني ... كأن أباها نهشل ومجاشع وقوله: ليس الكرام بمانحيك أباهم ... حتى تردّ إلى عطية تعتل وقوله: وكنا إذا الجبار صعّر خدّه ... ضربناه حتى تستقيم الأخادع وقوله: وكنت كذئب السوء لما رأى دما ... بصاحبه يوما أحال على الدم وقوله: وان تنج مني تنج من ذي عظيمة ... وإلا فاني لا إخالك ناجيا وقوله: ترى كلّ مظلوم إلينا فراره ... ويهرب منا جهده كلّ ظالم وقوله: أحلامنا تزن الجبال رزانة ... وتخالنا جنّا إذا ما نجهل ومقلداته في شعره كثيرة وفيما اوردناه منها كفاية وبشهرته غنى عن إيراد طرف من شعره.

стр. 2785

قال أبو اليقظان «١» : أسنّ الفرزدق حتى قارب المائة فأصابته الدبيلة وهو بالبادية، فقدم به إلى البصرة وأتي برجل متطبب من بني قيس فأشار بأن يكوى ويسقى النفط الأبيض، فقال: أتعجلون لي طعام أهل النار في الدنيا؟! وجعل يقول: أروني من يقوم لكم مقامي ... إذا ما الأمر جلّ عن الخطاب ومات في مرضه ذلك سنة عشر ومائة ومات جرير بعده بستة أشهر، ومات في هذه السنة الحسن البصري وابن سيرين، فقالت امرأة من أهل البصرة: كيف يفلح بلد مات فقيهاه وشاعراه في سنة؟ ولما نعي إلى جرير بكى ثم أنشأ يقول «٢» : فجعنا بحمّال الديات ابن غالب ... وحامي تميم كلّها والبراجم بكيناك حدثان الفراق وإنما ... بكيناك شجوا للأمور العظائم فلا حملت بعد ابن ليلى مهيرة ... ولا شدّ أنساع المطيّ الرواسم ورثاه أبو ليلى المجاشعي بأبيات منها «٣» : لعمري لقد أشجى تميما وهدّها ... على نكبات الدهر موت الفرزدق لقد غيّبوا في اللحد من كان ينتمي ... إلى كلّ بدر في السماء محلق لتبك النساء المعولات ابن غالب ... لجان وعان في السلاسل موثق [١٢١٣] الهيثم بن عدي بن عبد الرحمن بن زيد بن سيد بن جابر بن عدي أبو

стр. 2786

عبد الرحمن الطائي الكوفي، أصله من منبج، وأمه من سبي منبج: ولد بالكوفة قبل سنة ثلاثين ومائة، وكان اخباريا علامة رواية، نقل من أخبار العرب وأشعارها ولغاتها شيئا كثيرا، وروى عن هشام بن عروة وعبد الله بن عياش المنتوف ومجالد. قال البخاري ويحيى بن معين: ليس بثقة كان يكذب، وقال أبو داود مثل ذلك، وقال النسائي: متروك، وقال الحافظ ابن عدي: حديثه في المسند قليل، إنما هو صاحب أخبار. وكانت جارية الهيثم بن عدي تقول «١» : كان مولاي يقوم عامة الليل يصلّي فإذا أصبح جلس يكذب. وقال الجاحظ قال أبو يعقوب الخريمي «٢» : ما رأيت كثلاثة رجال كانوا يأكلون الناس أكلا حتى إذا رأوا ثلاثة رجال ذابوا كما يذوب الرصاص على النار، كان هشام بن الكلبي علامة نسابة راوية للمثالب عيّابة فإذا رأى الهيثم بن عديّ ذاب كما يذوب الرصاص، وكان علي بن الهيثم حرّيفا مفقعا صاحب تقعّر، يستولي على كل كلام لا يحفل بخطيب ولا شاعر، فإذا رأى موسى الضبيّ ذاب كما يذوب الرصاص، وكان علويه واحد الناس في الغناء رواية وحكاية ودراية وصنعة وجودة ضرب وإطراب وحسن حلق، فإذا رأى مخارقا ذاب كما يذوب الرصاص على النار. وكان «٣» الهيثم بن عدي قد تزوج في بني الحارث بن كعب فلم يرتضوه فأذاعوا عنه انه ذكر العباس بن عبد المطلب ﵁ بشيء فحبس لذلك، ثم ركب محمد بن زياد بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي ومعه جماعة من الحارثيين إلى هارون الرشيد فسألوه أن يفرّق بين الهيثم وبين التي تزوجها من بني الحارث، فقال الرشيد: أليس هو الذي يقول فيه الشاعر:

стр. 2787

إذا نسبت عديا في بني ثعل ... فقدّم الدال قبل العين في النسب قالوا: بلى يا أمير المؤمنين، قال: فهذا الشعر من قاله؟ قالوا: هو لرجل من أهل الكوفة من بني شيبان يقال له ذهل بن ثعلبة، فأمر الرشيد داود بن يزيد أن يفرّق بينهما، فأخذوا الهيثم وأدخلوه دارا وضربوه بالعصي حتى طلقها. وقد ورد هذا البيت المنسوب إلى ذهل بن ثعلبة في أبيات لأبي نواس يهجو بها الهيثم، فما أدري أفي نسبته إلى ذهل وهم أم هو له، وورد في شعر أبي نواس على سبيل التضمين والاستشهاد. وكان سبب «١» هجو أبي نواس للهيثم أنّ أبا نواس حضر مجلس الهيثم في حداثته والهيثم لا يعرفه، فلم يستدنه ولا قرّبه، فقام مغضبا، فسأل الهيثم عنه فعرّفوه به، فقال: إنا لله، هذه والله بلية لم أجنها على نفسي، قوموا بنا إليه لنعتذر، فساروا إليه ودق الهيثم عليه الباب وتسمّى له، فقال: ادخل فدخل فإذا هو قاعد يصفّي نبيذا له، وقد أصلح بيته بما يصلح به مثله، فقال الهيثم: المعذرة إلى الله تعالى ثم إليك فما عرفتك، وما الذنب إلا لك حيث لم تعرّفنا نفسك فنقضي حقك ونبلغ الواجب من برك، فأظهر له قبول المعذرة، فقال الهيثم: أستعهدك من قول سبق منك فيّ، فقال: ما قد مضى فلا حيلة فيه، ولك الأمان مما استأنف، فقال: ما الذي مضى جعلت فداك؟ قال بيت مرّ وأنا فيما رأيت من الغضب، قال فأنشدنيه، فدافعه فألحّ عليه فأنشده: يا هيثم بن عدي لست للعرب ... ولست من طيّء الا على شغب إذا نسبت عديا في بني ثعل ... فقدّم الدال قبل العين في النسب فقام الهيثم من عنده ثم بلغه بعد ذلك بقية الأبيات وهي: لهيثم بن عدي في تلوّنه ... في كل يوم له رحل على خشب فيما يزال أخا حلّ ومرتحل ... إلى الموالي وأحيانا إلى العرب له لسان يزجّيه بجوهره ... كأنه لم يزل يغدو على قتب

стр. 2788

كأنني بك فوق الجسر منتصبا ... على جواد قريب منك في الحسب حتى نراك وقد درّعته قمصا ... من الصديد مكان الليف والكرب لله أنت فما قربى تهمّ بها ... الا اجتلبت لها الأنساب من كثب فعاد الهيثم إليه وقال: يا سبحان الله قد أمّنتني وجعلت لي عهدا ان لا تهجوني فقال: وإنهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (الشعراء: ٢٢٦) وكان الهيثم مكروها لأنه كان يتعرض لأحوال الناس وأخبارهم فيرويها على وجهها ويشيع ما كتموا، فكرهوه ووشوا به إلى الولاة وأغروا الشعراء بهجوه. حدث علي بن جبلة الشاعر المشهور المعروف بالعكوك قال «١» : جاءني أبو يعقوب الخريمي فقال: إن لي إليك حاجة، قلت: وما هي؟ قال: تهجو لي الهيثم بن عدي، فقلت: وما لك أنت لا تهجوه وأنت شاعر؟ فقال: قد فعلت فما جاءني شيء كما أريد، فقلت له: كيف أهجو رجلا لم يتقدم إليّ منه إساءة ولا له إليّ جرم يحفظني؟ فقال: تقرضني فاني مليّ بالوفاء والقضاء، قلت: نعم فأمهلني اليوم، فمضى وغدوت عليه فأنشدته: للهيثم بن عديّ نسبة جمعت ... آباءه فأراحتنا من العدد اعدد عديا فلو مدّ البقاء له ... ما عمّر الناس لم ينقص ولم يزد نفسي فداء بني عبد المدان وقد ... تلّوه للوجه واستعلوه بالعمد حتى أزالوه كرها عن كريمتهم ... وعرّفوه بذلّ أين أصل عدي يا ابن الخبيثة من أهجو فأفضحه ... إذا هجوت وما تنمى إلى أحد قوله: نفسي فداء بني عبد المدان والبيت الذي بعده: إشارة إلى الخبر الذي تقدم من قدوم محمد بن زياد بن عبد المدان على الرشيد واستظهاره به على تطليق فتاتهم الحارثية من الهيثم، وقد تقدمت القصة. مات الهيثم بفم الصلح سنة تسع ومائتين وقيل سنة سبع وله ثلاث وتسعون سنة. وله من المصنفات: كتاب هبوط آدم وافتراق العرب. كتاب نزول العرب

стр. 2789

بخراسان والسواد. كتاب بيوتات العرب. كتاب بيوتات قريش. كتاب المثالب الكبير. كتاب المعمرين. كتاب نسب طيء. أخبار طيء ونزولها الجبلين وحلف ذهل وثعل. كتاب حلف كلب وتميم وذهل وطيء وأسد. كتاب المثالب الصغير. كتاب مثالب ربيعة. كتاب النواقل. كتاب من تزوج من الموالي في العرب. أسماء بغايا قريش في الجاهلية وأسماء من ولدن. كتاب الدولة. تاريخ العجم وبني أمية. تاريخ الأشراف الكبير. تاريخ الأشراف الصغير. كتاب مديح أهل الشام. كتاب مداعي أهل الشام. أخبار زياد بن أبيه. كتاب الجامع. كتاب الوفود. كتاب النشاب. كتاب ولاة الكوفة. كتاب خطط الكوفة. كتاب النكد. كتاب النساء. كتاب فخر أهل الكوفة على أهل البصرة. كتاب قضاة الكوفة والبصرة. طبقات من روى عن النبي ﷺ من الصحابة. طبقات الفقهاء والمحدثين. كتاب تسمية الفقهاء والمحدثين. كتاب شرط الخلفاء. كتاب خواتيم الخلفاء. كتاب عمال الشرط لأمراء العراق. أخبار الحسن ﵇. التاريخ مرتب على السنين. كتاب خطب المضرس بمكة والمدينة. كتاب مقتل خالد بن عبد الله القسري والوليد بن يزيد. كتاب الصوائف. كتاب الخوارج. كتاب المواسم. كتاب النوادر. مقطعات الأعراب. أخبار الفرس. المحبر. منتحل الجواهر. كتاب كنى الأشراف.

стр. 2790

حرف الواو [١٢١٤] واصل بن عطاء أبو حذيفة الغزّال مولى بني ضبة: كان متكلما بليغا أديبا متفننا خطيبا، ولقب بالغزال لكثرة جلوسه في سوق الغزّالين إلى أبي عبد الله مولى قطن الهلالي. وكان بشار بن برد قبل أن يدين بالرجعة ويكفّر جميع الأمة كثير المديح لواصل بن عطاء وفضّله في الخطابة على خالد بن صفوان وشبيب بن شبة والفضل بن عيسى يوم خطبوا عند عبد الله بن عمر بن عبد العزيز والي العراق، فقال في ذلك «١» : أبا حذيفة قد أوتيت معجزة ... من خطبة بدهت من غير تقدير وإن قولا يروق الخالدين معا ... لمسكت مخرس عن كلّ تحبير وقال في ذلك أيضا «٢» : تكلّفوا القول والأقوام قد حفلوا ... وحبّروا خطبا ناهيك من خطب فقام مرتجلا تغلي بداهته ... كمرجل القين لما حفّ باللهب

стр. 2791

وجانب الراء لم يشعر به أحد ... قبل التصفح والإغراق في الطلب قوله: وجانب الراء إشارة إلى لثغة واصل، وكان واصل الثغ قبيح اللثغة في الراء، فكان يخلص كلامه من الراء ولا يفطن لذلك السامع لاقتداره على الكلام وسهولة ألفاظه، وفي ذلك يقول أبو الطروق الضبي «١» : عليم بابدال الحروف وقامع ... لكلّ خطيب يغلب الحقّ باطله ولما قال بشار بالرجعة» وتتابع على واصل ما يشهد بالحاده قال واصل: أما لهذا الأعمى الملحد، أما لهذا المشنّف المكنّى بأبي معاذ من يقتله؟! أما والله لولا أن الغيلة سجية من سجايا الغالية لدسست إليه من يبعج بطنه في جوف منزله أو في حفله ثم لا يتولّى ذلك إلا عقيلي أو سدوسي، فقال: أبو معاذ، ولم يقل بشار، وقال المشنف ولم يقل المرعث، وكان بشار ينبز بالمرعث، وقال من سجايا الغالية ولم يقل الرافضة، وقال في منزله ولم يقل في داره، وقال يبعج ولم يقل يبقر، كلّ ذلك تخلصا من الراء. ولما بلغ بشارا إنكار واصل عليه وأنه يهتف به قال يهجوه «٣» : ما لي أشايع غزّالا له عنق ... كنقنق الدوّ إن ولّى وإن مثلا عنق الزرافة ما بالي وبالكم ... أتكفرون رجالا أكفروا رجلا وكان واصل في أول أمره يجلس إلى الحسن البصري، فلما ظهر الاختلاف وقالت الخوارج بتكفير مرتكب الكبائر وقال الجماعة بايمانهم خرج واصل عن الفريقين وقال بمنزلة بين المنزلتين، فطرده الحسن عن مجلسه، فاعتزل عنه، وتبعه عمرو بن عبيد، ومن ثمّ سمّوا وجماعتهم المعتزلة. ومما قيل في لثغه بالراء قول بعضهم «٤» : ويجعل البرّ قمحا في تصرّفه ... وخالف الراء حتى احتال للشّعر ولم يطق مطرا في القول يجعله ... فعاذ بالغيث إشفاقا من المطر

стр. 2792

وقال قطرب «١» : سألت عثمان البري: كيف كان يصنع واصل بالعدد بعشرة وعشرين وأربعين، وبالقمر وبالبدر ويوم الأربعاء والمحرم وصفر وربيع الأول والآخر وجمادى الآخرة فقال: ما لي فيه إلا قول صفوان بن إدريس: ملقّن ملهم فيما يحاوله ... جمّ خواطره جوّاب آفاق ولواصل بن عطاء خطب وحكم من الكلام ومناظرات ورسائل وأخبار يطول ذكرها، وله شعر أجاد فيه ومنه: تحامق مع الحمقى إذا ما لقيتهم ... ولا تلقهم بالعقل إن كنت ذا عقل فإن الفتى ذا العقل يشقى بعقله ... كما كان قبل اليوم يشقى ذوو الجهل وله من التصانيف: معاني القرآن. وكتاب التوبة. وكتاب الخطب في التوحيد. وكتاب المنزلة بين المنزلتين. وكتاب السبيل الى معرفة الحق. وكتاب ما جرى بينه وبين عمرو بن عبيد. وكتاب أصناف المرجئة. وكتاب خطبه التي أخرج منها الراء. وطبقات أهل العلم والجهل. وغير ذلك. ولد واصل بالمدينة سنة ثمانين وتوفي سنة إحدى وثلاثين ومائة. [١٢١٥] وثيمة بن موسى بن الفرات أبو يزيد الفارسي الفسوي الوشاء المحدث الأديب الاخباري: كان يتّجر في الوشي، وهو نوع من الثياب المنسوجة من الابريسم. حدث عن سلمة بن فضل عن ابن سمعان عن الزهري بأحاديث موضوعة،

стр. 2793

وله عن مالك حديث منكر، وسمع منه أحمد بن إبراهيم بن ملحان، وحدث عنه ابنه أبو رفاعة عمارة بن وثيمة. وسافر وثيمة في أول أمره من بلده إلى البصرة ثم إلى مصر ومنها إلى الأندلس، ثم عاد إلى مصر وبها مات يوم الاثنين لعشر خلون من جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين ومائتين. وصنف كتاب أخبار الردة، ذكر فيه القبائل التي ارتدت بعد وفاة النبي ﷺ ، وسرايا أبي بكر التي سيّرها لقتالهم وما جرى بينهم، ومن رجع منهم إلى الإسلام، وأخبار خالد بن الوليد مع مالك بن نويرة وقتله له، ومراثي متمم بن نويرة في أخيه، وغير ذلك. [١٢١٦] الوليد بن عبيد الله بن يحيى بن عبيد بن شملال بن جابر بن مسلمة بن مسهر بن الحارث بن جشم بن أبي حارثة بن جدي بن بدول بن بحتر، أبو عبادة وأبو الحسن، والأول أشهر، البحتري الطائي الشاعر المشهور: كان فاضلا أديبا فصيحا بليغا شاعرا مجيدا، وكان بعض أهل عصره يقدمونه على أبي تمام بادىء الرأي ويختمون به الشعراء، وروى عنه شعره أبو العباس المبرد وابن المرزبان محمد بن خلف وأبو بكر الصولي والمحاملي أبو عبد الله. ولد بمنبج من أعمال حلب وبها نشأ وتنبل وقال الشعر، ثم صار إلى أبي تمام وهو بحمص فعرض عليه شعره، وكان يجلس للشعراء فيعرضون عليه أشعارهم، فلما سمع أبو تمام شعره أقبل عليه وقال له: أنت أشعر من أنشدني. وللبحتري تصرف حسن في ضروب الشعر سوى الهجاء فإنه لم يحسنه، وأجود شعره ما كان في الأوصاف. وكان يتشبه بأبي تمام في شعره ويحذو حذوه وينحو نحوه في البديع الذي كان أبو تمام يستعمله ويراه إماما ويقدمه على نفسه ويقول في الفرق

стр. 2794

بينهما قول منصف: إن جيد أبي تمام خير من جيدي ورديئي خير من رديئه. وقال له الحسين بن إسحاق يوما: إن الناس يزعمون أنك أشعر من أبي تمام، فقال: والله ما ينفعني هذا القول ولا يضرّ أبا تمام، والله ما أكلت الخبز إلا به، ولوددت أن الأمر كما قالوا، ولكنّي والله تابع له لائذ به، نسيمي يركد عند هوائه، وأرضي تنخفض عند سمائه. وحدث محمد بن علي الأنباري قال: سمعت البحتري يقول: أنشدني أبو تمام يوما لنفسه «١» : وسابح هطل التعداء «٢» هتان ... على الجراء أمين غير خوّان فلو تراه مشيحا والحصى زيم «٣» ... بين السنابك من مثنى ووحدان أيقنت إن تتثبّت «٤» أن حافره ... من صخر تدمر أو من وجه عثمان «٥» ثم قال لي: ما هذا الشعر؟ قلت: لا أدري، قال: هذا هو الاستطراد، قلت: وما معنى ذلك؟ قال: يريك أنه يريد وصف الفرس، وهو يريد هجاء عثمان. قال المؤلف الفقير: وهذا هو الذي ذكره علماء البديع في تعريف الاستطراد. وقد نحا البحتري نحو أبي تمام فوصف فرسا واستطرد إلى هجو حمدويه الأحول فقال «٦» : ما إن يعاف قذى ولو أوردته ... يوما خلائق حمدويه الأحول وهو من قصيدة امتدح بها محمد بن علي القمي، وكان حمدويه عدوّا له فهجاه في عرض مدحه لمحمد القمي.

стр. 2795

وكانت ولادة البحتري سنة ست ومائتين وتوفي بمنبج بمرض السكتة سنة أربع وثمانين ومائتين. وله كتاب الحماسة على مثال حماسة أبي تمام. وكتاب معاني الشعر. وديوان في مجلدين جمعه أبو بكر الصولي ورتبه على الحروف، وجمعه أيضا علي بن حمزة الأصفهاني الأخباري ورتبه على الأنواع كما صنع بشعر أبي تمام. ومن غرر شعره في المديح قصيدته الرائية التي مدح بها المتوكل على الله يهنئه بعيد الفطر ويذكر خروجه فيه للصلاة قال «١» : الله مكّن للخليفة جعفر ... ملكا يجمّله الخليفة جعفر نعمى من الله اصطفاه بفضلها ... والله يرزق من يشاء ويقدر ومنها: بالبرّ صمت وأنت أفضل صائم ... وبسنّة الله الرضية تفطر فانعم بيوم الفطر عينا إنه ... يوم أغرّ من الزمان مشهّر أظهرت عزّ الملك فيه بجحفل ... لجب يحاط الدين فيه وينصر خلنا الجبال تسير فيه وقد غدت ... عددا يسير به العديد الأكثر والخيل تصهل والفوارس تدّعي ... والبيض تلمع والأسنّة تزهر ومنها: حتى طلعت بضوء وجهك فانجلى ... ذاك الدجى وانجاب ذاك العثير وافتنّ فيك الناظرون فاصبع ... يومى إليك بها وعين تنظر يجدون رؤيتك التي فازوا بها ... من أنعم الله التي لا تكفر ذكروا بطلعتك النبيّ فهللوا ... لما طلعت من الصفوف وكبروا حتى انتهيت إلى المصلّى لابسا ... نور الهدى يبدو عليك ويظهر ومشيت مشية خاشع متواضع ... لله لا يزهو ولا يتكبر

стр. 2796

فلو ان مشتاقا تكلّف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر وله من قصيدة يمدح بها علي بن مر «١» : لم يبق من جلّ هذا الناس باقية ... ينالها الفهم إلا هذه الصور جهل وبخل وحسب المرء واحدة ... من تين حتى يعفّى خلفه الأثر إذا محاسني اللاتي أدلّ بها ... كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر أهزّ بالشعر أقواما ذوي وسن ... في الجهل لو ضربوا بالسيف ما شعروا عليّ نحت القوافي من مقاطعها ... وما عليّ إذا لم تفهم البقر ومنها في المديح: لولا علي بن مر لاستمرّ بنا ... خلف من العيش فيه الصاب والصّبر عذنا بأروع أقصى نيله كثب ... على العفاة وأدنى سعيه سفر ألحّ جودا ولم تضرر سحائبه ... وربما ضرّ في إلحاحه المطر مواهب ما تجشمنا السؤال لها ... إنّ الغمام قليب ليس يحتفر ومن غرر شعره في الأوصاف قوله يصف إيوان كسرى «٢» : حضرت رحلي الهموم فوجّه ... ت إلى أبيض المدائن عنسي أتسلّى عن الحظوظ وآسى ... لمحلّ من آل ساسان درس ذكرتنيهم الخطوب التوالي ... ولقد تذكر الخطوب وتنسي وهم خافضون في ظلّ عال ... مشرف يحسر العيون ويخسي «٣» مغلق بابه على جبل القب ... ق إلى دارتي خلاط ومكس «٤» نقل الدهر عهدهنّ عن الج ... دّة حتى غدون أنضاء لبس

стр. 2797

فكأنّ الجرماز من عدم الإن ... س واخلاله بنية رمس «١» لو تراه علمت أن الليالي ... جعلت فيه مأتما بعد عرس وهو ينبيك عن عجائب قوم ... لا يشاب البيان فيهم «٢» بلبس فإذا ما رأيت صورة أنطا ... كية ارتعت بين روم وفرس والمنايا مواثل وأنوشر ... وان يزجي الصفوف تحت الدرفس «٣» في اخضرار من اللباس على أص ... فر يختال في صبيغة ورس وعراك الرجال بين يديه ... في خفوت منهم وإغماض جرس من مشيح يهوي بعامل رمح ... ومليح من السنان بترس تصف العين أنهم جدّ أحيا ... ء لهم بينهم إشارة خرس يغتلي فيهم ارتيابي حتى ... تتقراهم يداي بلمس قد سقاني ولم يصرّد أبو الغو ... ث على العسكرين شربة خلس «٤» من مدام تخالها ضوء نجم ... نوّر الليل أو مجاجة شمس وتراها إذا أجدّت سرورا ... وارتياحا للشارب المتحسي أفرغت في الزجاج من كلّ قلب ... فهي محبوبة إلى كلّ نفس حلم مطبق على الشكّ عيني ... أم أمان غيّرن ظنّي وحدسي وكأنّ الإيوان من عجب الصن ... عة جون في جنب أرعن جلس «٥» يتظنّى «٦» من الكآبة إذ يب ... دو لعيني مصبّح أو ممسّي مزعجا بالفراق عن أنس إلف ... عزّ أو مرهقا بتطليق عرس عكست حظّه الليالي وبات ال ... مشتري فيه وهو كوكب نحس

стр. 2798

فهو يبدي تجلدا وعليه ... كلكل من كلاكل الدهر مرسي لم يعبه أن بزّ من بسط الدي ... باج واستلّ من ستور الدمقس مشمخرّ تعلو له شرفات ... رفعت في رؤوس رضوى وقدس لابسات من البياض فما تب ... صر منها إلا غلائل برس «١» ليس يدرى أصنع إنس لجنّ ... صنعوه أم صنع جنّ لإنس غير أني أراه يشهد أن لم ... يك بانيه في الملوك بنكس «٢» وكأني أرى المواكب والقو ... م إذا ما بلغت آخر حسي وكأن الوفود ضاحين حسرى ... من وقوف خلف الزحام وجلس وكأن القيان وسط المقاصي ... ر يرجّعن بين حور ولعس وكأن اللقاء أول من أم ... س ووشك الفراق أول أمس وكأن الذي يريد اتباعا ... طامع في لقائهم بعد خمس عمرت للسرور دهرا فصارت ... للتعزّي ربوعهم والتأسّي فلها أن أعينها بدموع ... موقفات على الصبابة حبس ذاك عندي وليست الدار داري ... باقترابي منها ولا الجنس جنسي غير نعمى لأهلها عند أهلي ... غرسوا من رطابها «٣» خير غرس أيدوا ملكنا وشدّوا قواه ... بكماة تحت السنوّر حمس «٤» وأعانوا على كتائب أريا ... ط بطعن على النّحور ودعس «٥» وأراني من بعد أكلف بالأشرا ... ف طرّا من كلّ سنخ وأسّ «٦»

стр. 2799

[١٢١٧] وهب بن منبه أبو عبد الله اليماني الأخباري صاحب القصص: كان من خيار التابعين ثقة صدوقا كثير النقل من الكتب القديمة المعروفة بالاسرائيليات. قال ابن قتيبة: كان وهب بن منبه يقول: قرأت من كتب الله تعالى اثنين وسبعين كتابا. صنف كتاب القدر ثم ندم على تصنيفه. حدث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: دخلت على وهب بن منبه داره بصنعاء فأطعمني من جوزة في داره فقلت له: وددت أنك لم تكن كتبت في القدر كتابا، قال: وأنا والله وددت ذلك. وروى حماد بن سلمة عن أبي سنان قال: سمعت وهب بن منبه يقول: كنت أقول بالقدر حتى قرأت بضعة وسبعين كتابا من كتب الأنبياء في كلها: «من جعل لنفسه شيئا من المشيئة فقد كفر» فتركت قولي. ولوهب أيضا كتاب الملوك المتوجة من حمير وأخبارهم وغير ذلك. ومن كلامه: العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والعقل دليله، والصبر جنوده، والرفق أبوه، واللين أخوه. مات وهب وهو على قضاء صنعاء سنة أربع عشرة ومائة وقيل سنة عشر، والأول أصح. [١٢١٨] وهب بن وهب بن كثير بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن

стр. 2800

أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، القاضي أبو البختري القرشي الأسدي المدني: كان فقيها أخباريا نسابا لكنه متّهم في الحديث، وكان جوادا ممدّحا يحبّ المدح ويثيب عليه. روى عن هشام بن عروة وجعفر بن محمد وعبيد الله بن عمر، وروى عنه الربيع بن ثعلب والمسيب بن واضح ورجاء بن سهل وجماعة. وسكن بغداد وولي قضاء عسكر المهدي ثم قضاء المدينة ثم ولي حربها وصلاتها. توفي في بغداد سنة مائتين. وله من الكتب: كتاب صفة النبي ﷺ . وكتاب فضائل الأنصار. وكتاب الفضائل الكبير. وكتاب نسب ولد إسماعيل. وكتاب طسم وجديس. وكتاب الرايات.

стр. 2801

حرف الياء [١٢١٩] ياقوت بن عبد الله مهذب الدين أبو الدر الرومي: أحد أدباء العصر وشعرائه المجيدين، نشأ ببغداد، وحفظ القرآن، وعني بالتحصيل في المدرسة النظامية فقرأ فيها العلوم العربية والأدبية على جماعة، وغلب عليه الشعر، وكان حسن الخط والضبط، وله ديوان شعر لطيف. بلغتنا وفاته في ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وستمائة. ومن شعره قوله: لك منزل في القلب ليس يحلّه ... إلا هواك وعن سواك أجلّه يا من إذا جليت محاسن وجهه ... علم العذول بأن ظلما عذله الوجه بدر دجى عذارك ليله ... والقدّ غصن نقا وشعرك ظله هذي جفونك أعربت عن سحرها ... وعذار خدّك كاد ينطق نمله عار لمثلي أن يرى متسليا ... وجمال وجهك ليس يوجد مثله هل في الورى حسن أهيم بحبه ... هيهات أضحى الحسن عندك كلّه

стр. 2802

وله من قصيدة «١» : جسدي لبعدك يا مثير بلابلي ... دنف بحبّك ما أبلّ بلى بلي يا من إذا ما لام فيه لوائمي ... أوضحت عذري بالعذار السائل أأجيز قتلي في «الوجيز» لقاتلي ... أم حلّ في «التهذيب» أم في «الشامل» أم في «المهذّب» أن يعذّب عاشق ... ذو مقلة عبرى ودمع هامل [١٢٢٠] ياقوت بن عبد الله الرومي الأصل ، نزيل الموصل، الكاتب الأديب النحوي: أخذ النحو والأدب عن ابن الدهان أبي محمد سعيد بن المبارك ولازمه، وكان واحد عصره في جودة الخطّ واتقانه على طريقة ابن البواب، فقصده الناس من البلاد، وكتب عليه خلق لا يحصون كثرة. اجتمعت به في الموصل سنة ثلاث عشرة وستمائة فرأيته على جانب عظيم من الأدب والفضل والنباهة والوقار وقد أسن وبلغ من الكبر الغاية، ورأيت كتبا كثيرة بخطه يتداولها الناس ويتغالون بأثمانها، بينها عدّة نسخ من «الصحاح» للجوهري «و «المقامات الحريرية» وتوفي في السنة التي عدت فيها من خوارزم الى الموصل سنة ثماني عشرة وستمائة عن سن عالية. [١٢٢١] يحيى بن أحمد، أبو زكريا الفارابي: أحد الأئمة المتّبعين في اللغة، تخرج به جماعة من أهل فاراب وما وراء النهر. روى الحديث عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عبيد الله بن شريح البخاري وعن الحسن بن منصور. وصنف كتاب المصادر في اللغة، مات سنة [ ... ] .

стр. 2803

[١٢٢٢] يحيى بن أحمد، أبو بكر المعروف بابن الخياط الأندلسي: كان أديبا شاعرا متقنا للحساب والهندسة بارعا في علم النجوم. أخذ عن أبي القاسم مسلمة بن أحمد المجريطي، وخدم بصناعة أحكام النجوم سليمان بن الحكم بن الناصر لدين الله أمير المؤمنين وغيره من الأمراء، وكانت له معرفة بصناعة الطب وحسن المعالجة، حسن السيرة والمذهب. توفي بطليطلة سنة سبع وأربعين وأربعمائة. ومن شعره «١» : لم يخل من نوب الزمان أديب ... كلا فشأن النائبات عجيب وغضارة الأيام تأبى أن يرى ... فيها لأبناء الذكاء نصيب وكذاك من صحب الليالي طالبا ... جدّا وفهما فاته المطلوب وقال في بخيل: لا تكوننّ مبرما وعسوفا ... سله أدما وخلّ عنك الرغيفا أكرم الخبز بالصيانة حتى ... جعل الكعك للبنات شنوفا [١٢٢٣] يحيى بن حبش شهاب الدين أبو الفتوح السهروردي: كان فقيها شافعيّ المذهب أصوليا أديبا شاعرا حكيما متفننا نظارا لم يناظره مناظر إلا خصمه وأفحمه، قرأ

стр. 2804

بالمراغة على الشيخ الإمام مجد الدين الجيلي الفقيه الأصولي المتكلم ولازمه مدة، ثم تنقل في البلاد على قدم التجرد ولقي بماردين الشيخ فخر الدين المارديني وصحبه وكان يثني عليه كثيرا ويقول: لم أر في زماني أحدا مثله، ولكني أخشى عليه من شدة حدته وقلة تحفظه. ثم رحل أبو الفتوح إلى حلب فدخلها في زمن الظاهر غازي بن أيوب سنة تسع وسبعين وخمسمائة، ونزل في المدرسة الحلاوية، وحضر درس شيخها الشريف افتخار الدين، وبحث مع الفقهاء من تلاميذه وغيرهم وناظرهم في عدة مسائل فلم يجاره أحد منهم وظهر عليهم، وظهر فضله للشيخ افتخار الدين فقرّب مجلسه وأدناه وعرف مكانه في الناس، ومن ذلك الحين تألّب عليه الفقهاء وكثر تشنيعهم عليه، فاستحضره الملك الظاهر وعقد له مجلسا من الفقهاء والمتكلمين فباحثوه وناظروه فظهر عليهم بحججه وبراهينه وأدلّته، وظهر فضله للملك الظاهر فقرّبه وأقبل عليه وتخصص به، فازداد تغيّظ المناظرين عليه ورموه بالإلحاد والزندقة، وكتبوا بذلك إلى الملك الناصر صلاح الدين وحذّروه من فساد عقيدة ابنه الظاهر بصحبته للشهاب السهروردي وفساد عقائد الناس اذا أبقى عليه، فكتب صلاح الدين الى ابنه الظاهر يأمره بقتله وشدّد عليه بذلك وأكد، وأفتى فقهاء حلب بقتله، فبلغ ذلك الشهاب، فطلب من الظاهر أن يحبس في مكان ويمنع من الأكل والشرب إلى أن يموت، ففعل به ذلك، وقيل بل أمر الظاهر بخنقه في السجن فخنق سنة سبع وثمانين وخمسمائة وقد قارب الأربعين. ويروى أنّ الظاهر ندم على ما فعل بعد مدة ونقم على من أفتوا بقتله، فقبض عليهم واعتقلهم ونكبهم، وصادر جماعة منهم بأموال عظيمة. ومن تصانيفه: التلويحات في الحكمة. والتنقيحات في أصول الفقه. وحكمة الاشراق. والغربة الغريبة في الحكمة. وهياكل النور في الحكمة أيضا. والألواح العمادية. والمعارج. واللمحة. والمطارحات. والمقاومات، وغير ذلك «١» . وله شعر كثير، أشهره وأجوده قصيدته الحائية وهي «٢» : أبدا تحنّ إليكم الأرواح ... ووصالكم ريحانها والراح

стр. 2805

وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم ... وإلى لذيذ لقائكم ترتاح وارحمتا للعاشقين تكلّفوا ... ستر المحبة والهوى فضّاح بالسرّ ان باحوا تباح دماؤهم ... وكذا دماء البائحين تباح وإذا هم كتموا تحدّث عنهم ... عند الوشاة المدمع السحّاح وبدت شواهد للسّقام عليهم ... فيها لمشكل أمرهم إيضاح خفض الجناح لكم وليس عليكم ... للصبّ في خفض الجناح جناح فإلى لقاكم نفسه مشتاقة ... والى رضاكم طرفه طمّاح عودوا بنور الوصل في غسق الجفا ... فالهجر ليل والوصال صباح صافاهم فصفوا له فقلوبهم ... في نورها المشكاة والمصباح فتمتعوا والوقت طاب بقربهم ... راق الشراب ورقّت الأقداح يا صاح ليس على المحبّ ملامة ... إن لاح في أفق الوصال صباح لا ذنب للعشاق ان غلب الهوى ... كتمانهم فنمى الغرام فباحوا سمحوا بأنفسهم وما بخلوا بها ... لما دروا أنّ السماح رباح ودعاهم داعي الحقائق دعوة ... فغدوا بها مستأنسين وراحوا ركبوا على سنن الوفا ودموعهم ... بحر وحادي شوقهم ملاح والله ما طلبوا الوقوف ببابه ... حتى دعوا وأتاهم المفتاح لا يطربون لغير ذكر حبيبهم ... أبدا فكلّ زمانهم أفراح حضروا فغابوا عن شهود ذواتهم ... وتهتكوا لما رأوه وصاحوا أفناهم عنهم وقد كشفت لهم ... حجب البقا فتلاشت الأرواح فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... ان التشبّه بالكرام فلاح قم يا نديم إلى المدام وهاتها ... فبحانها قد دارت الأقداح من كرم إكرام بدنّ ديانة ... لا خمرة قد داسها الفلاح وقال: أقول لجارتي والدمع جار ... ولي عزم الرحيل عن الديار
следующие страницы →