← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

حرف الياء [١٢١٩] ياقوت بن عبد الله مهذب الدين أبو الدر الرومي: أحد أدباء العصر وشعرائه المجيدين، نشأ ببغداد، وحفظ القرآن، وعني بالتحصيل في المدرسة النظامية فقرأ فيها العلوم العربية والأدبية على جماعة، وغلب عليه الشعر، وكان حسن الخط والضبط، وله ديوان شعر لطيف. بلغتنا وفاته في ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وستمائة. ومن شعره قوله: لك منزل في القلب ليس يحلّه ... إلا هواك وعن سواك أجلّه يا من إذا جليت محاسن وجهه ... علم العذول بأن ظلما عذله الوجه بدر دجى عذارك ليله ... والقدّ غصن نقا وشعرك ظله هذي جفونك أعربت عن سحرها ... وعذار خدّك كاد ينطق نمله عار لمثلي أن يرى متسليا ... وجمال وجهك ليس يوجد مثله هل في الورى حسن أهيم بحبه ... هيهات أضحى الحسن عندك كلّه

стр. 2802

وله من قصيدة «١» : جسدي لبعدك يا مثير بلابلي ... دنف بحبّك ما أبلّ بلى بلي يا من إذا ما لام فيه لوائمي ... أوضحت عذري بالعذار السائل أأجيز قتلي في «الوجيز» لقاتلي ... أم حلّ في «التهذيب» أم في «الشامل» أم في «المهذّب» أن يعذّب عاشق ... ذو مقلة عبرى ودمع هامل [١٢٢٠] ياقوت بن عبد الله الرومي الأصل ، نزيل الموصل، الكاتب الأديب النحوي: أخذ النحو والأدب عن ابن الدهان أبي محمد سعيد بن المبارك ولازمه، وكان واحد عصره في جودة الخطّ واتقانه على طريقة ابن البواب، فقصده الناس من البلاد، وكتب عليه خلق لا يحصون كثرة. اجتمعت به في الموصل سنة ثلاث عشرة وستمائة فرأيته على جانب عظيم من الأدب والفضل والنباهة والوقار وقد أسن وبلغ من الكبر الغاية، ورأيت كتبا كثيرة بخطه يتداولها الناس ويتغالون بأثمانها، بينها عدّة نسخ من «الصحاح» للجوهري «و «المقامات الحريرية» وتوفي في السنة التي عدت فيها من خوارزم الى الموصل سنة ثماني عشرة وستمائة عن سن عالية. [١٢٢١] يحيى بن أحمد، أبو زكريا الفارابي: أحد الأئمة المتّبعين في اللغة، تخرج به جماعة من أهل فاراب وما وراء النهر. روى الحديث عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عبيد الله بن شريح البخاري وعن الحسن بن منصور. وصنف كتاب المصادر في اللغة، مات سنة [ ... ] .

стр. 2803

[١٢٢٢] يحيى بن أحمد، أبو بكر المعروف بابن الخياط الأندلسي: كان أديبا شاعرا متقنا للحساب والهندسة بارعا في علم النجوم. أخذ عن أبي القاسم مسلمة بن أحمد المجريطي، وخدم بصناعة أحكام النجوم سليمان بن الحكم بن الناصر لدين الله أمير المؤمنين وغيره من الأمراء، وكانت له معرفة بصناعة الطب وحسن المعالجة، حسن السيرة والمذهب. توفي بطليطلة سنة سبع وأربعين وأربعمائة. ومن شعره «١» : لم يخل من نوب الزمان أديب ... كلا فشأن النائبات عجيب وغضارة الأيام تأبى أن يرى ... فيها لأبناء الذكاء نصيب وكذاك من صحب الليالي طالبا ... جدّا وفهما فاته المطلوب وقال في بخيل: لا تكوننّ مبرما وعسوفا ... سله أدما وخلّ عنك الرغيفا أكرم الخبز بالصيانة حتى ... جعل الكعك للبنات شنوفا [١٢٢٣] يحيى بن حبش شهاب الدين أبو الفتوح السهروردي: كان فقيها شافعيّ المذهب أصوليا أديبا شاعرا حكيما متفننا نظارا لم يناظره مناظر إلا خصمه وأفحمه، قرأ

стр. 2804

بالمراغة على الشيخ الإمام مجد الدين الجيلي الفقيه الأصولي المتكلم ولازمه مدة، ثم تنقل في البلاد على قدم التجرد ولقي بماردين الشيخ فخر الدين المارديني وصحبه وكان يثني عليه كثيرا ويقول: لم أر في زماني أحدا مثله، ولكني أخشى عليه من شدة حدته وقلة تحفظه. ثم رحل أبو الفتوح إلى حلب فدخلها في زمن الظاهر غازي بن أيوب سنة تسع وسبعين وخمسمائة، ونزل في المدرسة الحلاوية، وحضر درس شيخها الشريف افتخار الدين، وبحث مع الفقهاء من تلاميذه وغيرهم وناظرهم في عدة مسائل فلم يجاره أحد منهم وظهر عليهم، وظهر فضله للشيخ افتخار الدين فقرّب مجلسه وأدناه وعرف مكانه في الناس، ومن ذلك الحين تألّب عليه الفقهاء وكثر تشنيعهم عليه، فاستحضره الملك الظاهر وعقد له مجلسا من الفقهاء والمتكلمين فباحثوه وناظروه فظهر عليهم بحججه وبراهينه وأدلّته، وظهر فضله للملك الظاهر فقرّبه وأقبل عليه وتخصص به، فازداد تغيّظ المناظرين عليه ورموه بالإلحاد والزندقة، وكتبوا بذلك إلى الملك الناصر صلاح الدين وحذّروه من فساد عقيدة ابنه الظاهر بصحبته للشهاب السهروردي وفساد عقائد الناس اذا أبقى عليه، فكتب صلاح الدين الى ابنه الظاهر يأمره بقتله وشدّد عليه بذلك وأكد، وأفتى فقهاء حلب بقتله، فبلغ ذلك الشهاب، فطلب من الظاهر أن يحبس في مكان ويمنع من الأكل والشرب إلى أن يموت، ففعل به ذلك، وقيل بل أمر الظاهر بخنقه في السجن فخنق سنة سبع وثمانين وخمسمائة وقد قارب الأربعين. ويروى أنّ الظاهر ندم على ما فعل بعد مدة ونقم على من أفتوا بقتله، فقبض عليهم واعتقلهم ونكبهم، وصادر جماعة منهم بأموال عظيمة. ومن تصانيفه: التلويحات في الحكمة. والتنقيحات في أصول الفقه. وحكمة الاشراق. والغربة الغريبة في الحكمة. وهياكل النور في الحكمة أيضا. والألواح العمادية. والمعارج. واللمحة. والمطارحات. والمقاومات، وغير ذلك «١» . وله شعر كثير، أشهره وأجوده قصيدته الحائية وهي «٢» : أبدا تحنّ إليكم الأرواح ... ووصالكم ريحانها والراح

стр. 2805

وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم ... وإلى لذيذ لقائكم ترتاح وارحمتا للعاشقين تكلّفوا ... ستر المحبة والهوى فضّاح بالسرّ ان باحوا تباح دماؤهم ... وكذا دماء البائحين تباح وإذا هم كتموا تحدّث عنهم ... عند الوشاة المدمع السحّاح وبدت شواهد للسّقام عليهم ... فيها لمشكل أمرهم إيضاح خفض الجناح لكم وليس عليكم ... للصبّ في خفض الجناح جناح فإلى لقاكم نفسه مشتاقة ... والى رضاكم طرفه طمّاح عودوا بنور الوصل في غسق الجفا ... فالهجر ليل والوصال صباح صافاهم فصفوا له فقلوبهم ... في نورها المشكاة والمصباح فتمتعوا والوقت طاب بقربهم ... راق الشراب ورقّت الأقداح يا صاح ليس على المحبّ ملامة ... إن لاح في أفق الوصال صباح لا ذنب للعشاق ان غلب الهوى ... كتمانهم فنمى الغرام فباحوا سمحوا بأنفسهم وما بخلوا بها ... لما دروا أنّ السماح رباح ودعاهم داعي الحقائق دعوة ... فغدوا بها مستأنسين وراحوا ركبوا على سنن الوفا ودموعهم ... بحر وحادي شوقهم ملاح والله ما طلبوا الوقوف ببابه ... حتى دعوا وأتاهم المفتاح لا يطربون لغير ذكر حبيبهم ... أبدا فكلّ زمانهم أفراح حضروا فغابوا عن شهود ذواتهم ... وتهتكوا لما رأوه وصاحوا أفناهم عنهم وقد كشفت لهم ... حجب البقا فتلاشت الأرواح فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... ان التشبّه بالكرام فلاح قم يا نديم إلى المدام وهاتها ... فبحانها قد دارت الأقداح من كرم إكرام بدنّ ديانة ... لا خمرة قد داسها الفلاح وقال: أقول لجارتي والدمع جار ... ولي عزم الرحيل عن الديار

стр. 2806

ذريني أن أسير ولا تنوحي ... فإن الشهب أشرفها السواري واني في الظلام رأيت ضوءا ... كأن الليل بدّل بالنهار إلى كم أجعل الحيّات صحبي ... إلى كم أجعل التنّين جاري وأرضى بالاقامة في فلاة ... وفي ظلم العناصر أين داري ويبدو لي من الزوراء برق ... يذكّرني بها قرب المزار إذا أبصرت ذاك النور أفنى ... فما أدري يميني من يساري ومن كلامه: اعلم أنك ستعارض بأعمالك وأقوالك وأفكارك، وسيظهر عليك من كل حركة فعلية أو قولية أو فكرية صور جانية، فإن كانت تلك الحركة عقلية صارت تلك الصورة مادة لملك تلتذّ بمنادمته في دنياك وتهتدي بنوره في أخراك، وإن كانت تلك الحركة شهوية أو غضبية صارت تلك الصورة مادة لشيطان يؤذيك في حال حياتك ويحجبك عن ملاقاة النور بعد مماتك. [١٢٢٤] يحيى بن خالد بن برمك، أبو الفضل البرمكي الوزير السّريّ الجواد: كان سيد بني برمك وأفضلهم جودا وحلما ورأيا، وكان من أكمل أهل زمانه أدبا وفصاحة وبلاغة، وأخباره في الكرم وشرف الخلال مشهورة، وإنما دخل في شرط كتابنا من جهة بلاغته وتقدمه على أكثر أهل عصره في الانشاء والكتابة وما صدر عنه من الحكم والأقوال التي تداولها الرواة وملئت بها الدفاتر، فأنا أورد منها جملة صالحة «١» . وأما أخباره فما يتّسع لها كتابنا وليست من شرطه.

стр. 2807

فمما روي عنه انه قال» : ما رأيت رجلا إلا هبته حتى يتكلم فان كان فصيحا عظم في عيني وصدري وإن قصّر سقط من عيني. وحدث محمد بن صالح الواقدي قال: دخلت على يحيى بن خالد البرمكي فقلت انّ هاهنا قوما جاءوا يشكرون لك معروفا، فقال: يا محمد هؤلاء جاءوا يشكرون معروفنا فكيف لنا شكر شكرهم. وقال: مسألة الملوك عن حالها من سجية النوكى، فإذا أردت أن تقول كيف أصبح الأمير فقل: صبّح الله الأمير بالنعمة والكرامة، وإذا كان عليلا فأردت أن تسأله عن حاله فقل أنزل الله على الأمير الشفاء والرحمة، فان الملوك لا تسأل ولا تشمّت ولا تكيّف، وأنشد: إن الملوك لا يخاطبونا ... ولا إذا ملوا يعاتبونا وفي المقال لا ينازعونا ... وفي العطاس لا يشمتونا وفي الخطاب لا يكيفونا ... يثنى عليهم ويبجلونا وافهم وصاتي لا تكن مجنونا وقيل له: أي الأشياء أقلّ؟ قال قناعة ذي الهمة البعيدة بالعيش الدون، وصديق كثير الآفات قليل الامتاع، وسكون النفس إلى المدح. وقيل له: ما الكرم؟ فقال: ملك في زي مسكين، قيل له: فما اللؤم؟ قال: مسكين في بطش عفريت، قيل فما الجود؟ قال: عفو بعد قدرة. وقال: من ولي ولاية فتاه فيها فعذره دونها. وقال: إذا فتحت بينك وبين أحد بابا من المعروف فاحذر أن تغلقه ولو بالكلمة الجميلة. وقال: إذا أردت أن تنظر مروءة المرء فانظر إلى مائدته فان كانت حسنة فاحكم له بالشرف، وان رأيت تقصيرا فما وراءها خير. وقال: أحسن جبلّة الولاة إصابة السياسة، ورأس إصابة السياسة العمل لطاعة الله، وفتح بابين للرعية أحدهما رأفة ورحمة وبذل وتحنن، والآخر غلظة ومباعدة

стр. 2808

وإمساك ومنع. وقال: العذر الصادق مع النية الحسنة يقومان مقام النجح. وقال «١» : ما سقط غبار موكبي على أحد الا وجب عليّ حقه. وقال الفضل له: يا أبت ما لنا نسدي إلى الناس المعروف فلا يتبيّن فيه كتبيّنه ببرّ غيرنا؟ قال: آمال الناس فينا أعظم من آمالهم في غيرنا، وإنما يسر الانسان ما بلّغه أمله. وقال «٢» : أنا مخير في الاحسان إلى من أحسن إليه ومرتهن بالاحسان إلى من أحسنت إليه، لأني إن وصلته فقد أتممته، وان قطعته فقد أهدرته. وقال: الخطّ صورة روحها البيان، ويدها السرعة، وقدمها التسوية، وجوارحها معرفة الفصول. وركب يوما مع الرشيد فرأى الرشيد في طريقه أحمالا فسأل عنها فقيل له: هذه هدايا خراسان بعث بها علي بن عيسى بن ماهان، وكان ابن ماهان وليها بعد الفضل بن يحيى، فقال الرشيد ليحيى: أين كانت هذه الأحمال في ولاية ابنك؟ فقال يحيى: كانت في بيوت أصحابها، فأفحم الرشيد وسكت. ولما كان الفضل بن يحيى «٣» واليا على خراسان كتب صاحب البريد إلى الرشيد كتابا يذكر فيه أن الفضل تشاغل بالصيد واللذات عن النظر في أمور الرعية، فلما قرأه الرشيد رمى به ليحيى وقال له: يا أبت اقرأ هذا الكتاب واكتب إلى الفضل كتابا يردعه عن مثل هذا، فمد يحيى يده إلى دواة الرشيد وكتب إلى ابنه على ظهر الكتاب الذي ورد من صاحب البريد: حفظك الله يا بني وأمتع بك، قد انتهى إلى أمير المؤمنين ما أنت عليه من التشاغل بالصيد ومداومة اللذات عن النظر في أمور الرعية ما أنكره، فعاود ما هو أزين بك، فانه من عاد إلى ما يزينه لم يعرفه أهل زمانه إلا به والسلام، وكتب تحته هذه الأبيات:

стр. 2809

انصب نهارا في طلاب العلا ... واصبر على فقد لقاء الحبيب حتى إذا الليل بدا مقبلا ... وغاب فيه عنك وجه الرقيب فبادر الليل بما تشتهي ... فانما الليل نهار الأريب كم من فتى تحسبه ناسكا ... يستقبل الليل بأمر عجيب ألقى عليه الليل أستاره ... فبات في لهو وعيش خصيب ولذة الأحمق مكشوفة ... يسعى بها كلّ عدوّ مريب وكان يقول لولده: اكتبوا أحسن ما تسمعون، واحفظوا أحسن ما تكتبون، وتحدثوا بأحسن ما تحفظون. وقال: أنفق من الدنيا وهي مقبلة فان الانفاق لا ينقص منها شيئا، وأنفق منها وهي مدبرة فان الامساك لا يبقي منها شيئا. وقال «١» : الدنيا دول، والمال عارية، ولنا في من قبلنا أسوة، ونحن لمن بعدنا عبرة. قال القاضي يحيى بن أكثم سمعت المأمون يقول: لم يكن كيحيى بن خالد وكولده أحد في البلاغة والكفاية والجود والشجاعة. وكان يحيى يجري على سفيان الثوري ﵁ ألف درهم في كل شهر، فكان إذا صلى سفيان يقول في سجوده: اللهم ان يحيى كفاني أمر دنياي فاكفه أمر آخرته، فلما مات يحيى رؤي في المنام فقيل له، ما فعل الله بك؟ قال غفر لي بدعاء سفيان. مات يحيى في سجن الرشيد في الرافقة في أوائل المحرم سنة تسعين ومائة. [١٢٢٥] يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور بن مروان الأسلمي الديلمي الكوفي،

стр. 2810

مولى بني أسد المعروف بالفراء أبو زكريا: أخذ عن أبي الحسن الكسائي، وروى عن قيس بن الربيع ومندل بن علي، وأخذ عنه سلمة بن عاصم ومحمد بن الجهم السمري «١» وغيرهما. كان هو والأحمر أشهر أصحاب الكسائي، وكانا أعلم الكوفيين بالنحو من بعده. وأخذ أيضا عن يونس بن حبيب البصري فاستكثر منه، والبصريون ينكرون ذلك حكى محمد بن الجهم قال، حدثنا الفراء، قال أنشدني يونس النحوي: ربّ حلم أضاعه عدم الما ... ل وجهل غطّى عليه النعيم وعن الفراء أيضا قال يونس: الآل من غدوة إلى ارتفاع النهار، ثم هو سراب سائر النهار، وإذا زالت الشمس فهو فيء، وفي غدوة ظلّ، وأنشد لأبي ذؤيب «٢» : لعمري لأنت البيت أكرم أهله ... واقعد في أفيائه بالأصائل وله روايات كثيرة عن يونس لا نطيل بذكرها. وكان أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب يقول «٣» : لولا الفراء ما كانت اللغة لأنه حصّلها «٤» وضبطها، ولولاه لسقطت العربية لأنها كانت تتنازع ويدّعيها كلّ من أراد ويتكلم الناس على مقادير عقولهم وقرائحهم فتذهب. وكان الفراء فقيها عالما بالخلاف وبأيام العرب وأخبارها وأشعارها عارفا بالطب والنجوم متكلما يميل إلى الاعتزال، وكان يتفلسف في تصانيفه ويستعمل فيها ألفاظ الفلاسفة. وحكى أبو العباس ثعلب عن ابن نجدة قال «٥» : لما تصدى أبو زكريا يحيى بن زياد

стр. 2811

الفراء للاتصال بالمأمون كان يتردّد إلى الباب، فلما كان ذات يوم بالباب جاء ثمامة بن الأشرس المتكلم المشهور، قال: فرأيت صورة أديب وأبهة أدب، فجلست إليه وفاتشته عن اللغة فوجدته بحرا، وعن النحو فشاهدته نسيج وحده، وعن الفقه فوجدته فقيها عارفا باختلاف القوم، وفي النجوم ماهرا، وبالطب خبيرا، وبأيام العرب وأخبارها وأشعارها حاذقا، فقلت له: من تكون وما أظنك إلا الفراء، فقال: أنا هو، قال: فدخلت فأعلمت أمير المؤمنين بمكانه، فاستحضره وكان سبب اتصاله به. وقال أبو بريدة الوضاحي «١» : أمر أمير المؤمنين المأمون الفراء أن يؤلف ما يجمع به أصول النحو وما سمع من العرب، فأمر أن تفرد له حجرة من حجر الدار ووكل بها جواري وخدما للقيام بما يحتاج إليه حتى لا يتعلق قلبه ولا تتشوف نفسه إلى شيء، حتى إنهم كانوا يؤذنونه بأوقات الصلاة، وصير له الوراقين وألزمه الأمناء والمنفقين، فكان الوراقون يكتبون حتى صنف «كتاب الحدود» وأمر المأمون بكتبه في الخزائن، وبعد أن فرغ من ذلك خرج إلى الناس وابتدأ يملي «كتاب المعاني» وكان وراقيه سلمة بن عاصم وأبو نصر ابن الجهم. قال أبو بريدة: فاردنا أن نعدّ الناس الذين اجتمعوا لإملاء «كتاب المعاني» فلم نضبط عددهم، ولما فرغ من إملائه خزنه الوراقون عن الناس ليتكسبوا به وقالوا: لا نخرجه لأحد إلا لمن أراد أن ننسخه له على أن يكون عن كل خمسة أوراق درهم، فشكا الناس إلى الفراء، فدعا الوراقين وكلمهم في ذلك وقال: قاربوا الناس تنفعوا وتنتفعوا، فأبوا عليه، فقال: سأريكم، وقال للناس: إني أريد ان أملي كتاب معان أتمّ شرحا وأبسط قولا من الذي أمليت قبلا وجلس يملي، فأملى في الحمد مائة ورقة، فجاء الوراقون إليه وقالوا: نحن نبلّغ الناس ما يحبون، فنسخوا كلّ عشرة أوراق بدرهم. قال أبو بكر ابن الأنباري: لو لم يكن لأهل بغداد والكوفة من علماء العربية إلا الكسائي والفراء لكان لهم بهما الافتخار على جميع الناس إذ انتهت العلوم إليهما. وكان يقال الفراء أمير المؤمنين في النحو. توفي أبو زكريا الفراء في طريق مكة سنة سبع ومائتين وقد بلغ ثلاثا وستين سنة.

стр. 2812

ومن تصانيفه: كتاب اختلاف أهل الكوفة والبصرة والشام في المصاحف. معاني القرآن، أربعة أجزاء ألفه لعمر بن بكير «١» . البهيّ، ألفه للأمير عبد الله بن طاهر. كتاب المصادر في القرآن. كتاب اللغات. كتاب الوقف والابتداء. كتاب الجمع والتثنية في القرآن. آلة الكتاب. الفاخر. كتاب النوادر. كتاب فعل وأفعل. كتاب المقصور والممدود «٢» . كتاب المذكر والمؤنث. كتاب يافع ويافعة. كتاب ملازم. كتاب الحدود ألفه بأمر المأمون. كتاب مشكل اللغة الكبير. كتاب المشكل الصغير. كتاب الواو، وغير ذلك «٣» . [١٢٢٦] يحيى بن سعدون بن تمام بن محمد أبو بكر الأزدي القرطبي، الملقب سابق الدين: شيخ فاضل عارف بالنحو ووجوه القراءات، قرأ على أبي القاسم خلف بن إبراهيم الحصار بقرطبة، وسمع من أبي محمد ابن عتاب، وقدم العراق فقرأ ببغداد على الشيخ المقرىء أبي محمد عبد الله بن علي سبط أبي منصور الخياط وسمع عليه كتبا كثيرة، وسمع بها الحديث من أبي القاسم ابن الحصين وأبي بكر محمد بن عبد الباقي البزاز المعروف بقاضي المارستان وأبي عبد الله البارع وأبي العز ابن كادش وغيرهم، وسمع بمصر من أبي صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المدني المصري، وبالاسكندرية من أبي الطاهر أحمد بن محمد السلفي الاصبهاني وأبي عبد الله

стр. 2813

محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي، وسكن دمشق مدة وأقرأ بها القرآن والنحو، وانتفع به خلق كثير لحسن خلقه وتواضعه. ثم رحل إلى أصبهان وعاد منها إلى الموصل فسكنها وأخذ عنه شيوخها، منهم القاضي بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع المعروف بابن شداد وغيره، وكان ثقة صدوقا ثبتا ديّنا كثير الخير. ولد بقرطبة سنة ست وثمانين وأربعمائة وقيل سنة سبع، ومات بالموصل يوم عيد الفطر سنة سبع وستين وخمسمائة. [١٢٢٧] يحيى بن سعيد بن المبارك بن علي بن عبد الله بن سعيد بن محمد بن نصر بن عاصم، المعروف بابن الدهان البغدادي الأنصاري، أبو زكريا بن أبي محمد، النحوي ابن النحوي، الأديب الشاعر: ولد بالموصل في أوائل السنة التي مات أبوه في أواخرها سنة تسع وستين وخمسمائة فلما بشّر به والده قال وصدق في حدسه: قيل لي جاءك نسل ... ولد شهم وسيم قلت عزّوه بفقدي ... ولد الشيخ يتيم ثم توفي والده وله بضعة أشهر. أخذ أبو زكريا النحوي عن مكي بن ريان وانقطع إليه وتخرج به، فبرع في النحو واللغة والأدب، وهو أحد نحاة العصر وأدبائه المشاهير توفي قريبا سنة ست عشرة وستمائة بالموصل، ودفن عند أبيه بمقبرة المعافى بن عمران بباب الميدان، اجتمعت به لما كنت بالموصل سنة ثلاث عشرة وستمائة. ومن شعره: إن نبهت الخمول نبّهت أقوا ... ما نياما فسابقوني إليه هو قد دلني على لذة العي ... ش فما لي أدلّ غيري عليه

стр. 2814

وله: وعهدي بالصبا زمنا وقدّي ... حكى ألف ابن مقلة في انتصاب وصرت الآن منحنيا كأني ... أفتّش في التراب على شبابي [١٢٢٨] يحيى بن سعيد بن هبة الله بن علي بن زبادة الشيباني الواسطي ثم البغدادي: كان كاتبا أديبا شاعرا مشاركا في الفقه والكلام والرياضي، أخذ الأدب عن أبي منصور الجواليقي وغيره، وولي النظر في ديوان البصرة ثم بواسط والحلة، ثم قلد النظر في المظالم، ورتّب حاجبا بباب المتولي، ولما قتل الاستادار هبة الله ابن الصاحب «١» ولي الاستادارية مكانه، ثم عزل وقلد ديوان الانشاء والنظر في ديوان المقاطعات، فبقي على ذلك حتى مات. وكانت وفاته في ذي الحجة سنة أربع وتسعين وخمسمائة، ومولده سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. ومن شعره: إني لتعجبني الفتاة إذا رأت ... أنّ المروءة في الهوى سلطان لا كالتي وصلت وأكبر همها ... في جذرها النقصان والرجحان وكذاك شمس الأفق برج علوّها ... حمل وبرج هبوطها الميزان وقال «٢» : إن كنت تسعى للسعادة فاستقم ... تنل المراد وتغد أول من سما

стр. 2815

ألف الكتابة وهو بعض حروفها ... لما استقام على الجميع تقدّما وقال: لا أقول الله يظلمني ... كيف أشكو غير متّهم نفسي بما أوتيت قد قنعت «١» ... وتمطت في العلا هممي ولبست الصبر سابغة ... فهي من فرقي إلى قدمي وقال «٢» : باضطراب الزمان ترتفع الأن ... ذال فيه حتى يعمّ البلاء وكذا الماء ساكنا فإذا حرّ ... ك ثارت من قعره الأقذاء [١٢٢٩] يحيى بن سلامة بن الحسين المعروف بالخطيب الحصكفي: كان فقيها نحويا كاتبا شاعرا نشأ بحصن كيفا، وقدم بغداد فأخذ بها الأدب عن الخطيب أبي زكريا التبريزي وغيره، وبرع في النظم والنثر وإنشاء الخطب، ثم رحل الى ميا فارقين فسكنها وولي بها الخطابة والافتاء. وله ديوان شعر. وديوان رسائل. ولد سنة تسع وخمسين وأربعمائة وتوفي سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. ومن شعره: وإنسيّة زارت مع النوم مضجعي ... فعانقت غصن البان منها إلى الفجر أسائلها أين الوشاح وقد سرت ... معطّلة منه معطّرة النشر

стр. 2816

فقالت وأومت للسوار نقلته ... إلى معصمي لما تقلقل في خصري وقال «١» : وخليع بتّ أعذله ... ويرى عذلي من العبث قلت إنّ الخمر مخبثة ... قال حاشاها من الخبث قلت فالإرفاث يتبعها ... قال طيب العيش في الرفث قلت ثم القيء قال أجل ... شرفت عن مخرج الحدث وسأجفوها فقلت متى ... قال عند الكون في الجدث وقال: لم يضحك الورد إلا حين أعجبه ... زهر الربيع وصوت الطائر الغرد بدا فأبدى لنا البستان بهجته ... وراحت الراح في أثوابها الجدد [١٢٣٠] يحيى بن صاعد بن يحيى معتمد الملك أبو الفرج ابن التلميذ: كان حكيما فاضلا حاذقا في صناعة الطب أديبا شاعرا، وكان مقيما بأصبهان مقربا عند الأمراء والأعيان، وقصده الشريف ابن الهبارية الأديب الشاعر فأكرمه وحباه، وحصل له بواسطته من الأمراء والأكابر مال عظيم فمدحه بعدة قصائد «٢» . توفي معتمد الملك ابن التلميذ سنة تسع وخمسين وخمسمائة. ومن شعره «٣» :

стр. 2817

علق الفؤاد على خلوّ حبّها ... علق الذّبالة في حشا المصباح لا يستطيع الدهر فرقة بينهم ... الا لحين تفرّق الأشباح وقال: ما هذه الدنيا لطالبها ... إلا بلاء وهو لا يدري إن أقبلت فسدت أمانته ... أو أدبرت شغلته بالفكر وقال «١» : فراقك عندي فراق الحياة ... فلا تجهزنّ على مدنف علقتك كالنار في شمعها ... فما إن تفارقه تنطفي [١٢٣١] يحيى بن الطيب اليمني النحوي: كان أديبا شاعرا، له مصنف في النحو مختصر، وكان لا يطيل في شعره فإذا مدح أو هجا لا يزيد على بيتين. ومن شعره: إن اللئيم إذا رأى ... لينا تزايد في حرانه لا تخدعن فصلاح من ... جهل الكرامة في هوانه [١٢٣٢] يحيى [بن محمد] بن عبد الرحمن بن بقي الأندلسي القرطبي: كان آية في النثر والنظم، بارعا في نظم الموشحات مجيدا فيها كلّ الإجادة، إلا أنه كان حرب

стр. 2818

زمانه، حسبت حرفة الأدب عليه براعته من رزقه فحكمت بإقلاله وحرمانه، فامتطى غارب الاغتراب، ووقف في البلاد على كل باب، فلم تستقرّ به النوى حتى اتصل من الأمير يحيى بن علي بن القاسم بسبب، فتفيّأ ظلاله وحطّ في رحابه رحاله. توفي ابن بقي سنة أربعين وخمسمائة. ومن شعره قوله في قصيدة «١» : هو الشعر أجري في ميادين سبقه ... وأفرج من أبوابه كلّ مبهم فسل أهله عنّي هل امتزت منهم ... بطبعي وهل غادرت من متردّم سلكت أساليب البديع فأصبحت ... بأقوالي الركبان في البيد ترتمي وربّتما غنّى به كلّ ساجع ... يردّده في شجوه والترنم وضيّعني قومي لأني لسانهم ... إذا أفحم الأقوام عند التكلم وطالبني دهري لأني زنته ... وأني فيه غرّة فوق أدهم وله «٢» : ولي همم ستقذف بي بلادا ... نأت إما العراق أو الشآما وألحق بالأعاريب اعتلاء ... بهم وأجيد مدحهم اهتماما لكيما تحمل الركبان شعري ... بوادي الطلح أو وادي الخزامى وكيما يعلم الفصحاء أني ... خطيب علّم السجع الحماما وقد أطلعتهنّ بكلّ أرض ... بدورا لا يفارقن التماما فلم أعدم وإياها حسودا ... كما لا تعدم الحسناء ذاما

стр. 2819

وقال «١» : بأبي غزال غازلته مقلتي ... بين العذيب وبين شطّي بارق وسألت منه زيارة تشفي الجوى ... فأجابني فيها بوعد صادق بتنا ونحن من الدجى في لجة ... ومن النجوم الزهر تحت سرادق عاطيته والليل يسحب ذيله ... صهباء كالمسك الفتيق لناشق وضممته ضمّ الكميّ لسيفه ... وذؤابتاه حمائل في عاتقي حتى اذا مالت به سنة الكرى ... زحزحته عني وكان معانقي أبعدته عن أضلع تشتاقه ... كي لا ينام على وساد خافق لما رأيت الليل آخر عمره ... قد شاب في لمم له ومفارق ودّعت من أهوى وقلت مشيّعا ... أعزز عليّ بأن أراك مفارقي ومن موشحاته قوله «٢» : عبث الشوق بقلبي فاشتكى ... ألم الوجد فلبّت أدمعي أيها الناس فؤادي شغف ... وهو من بغي الهوى لا ينصف كم أداريه ودمعي يكف ... أيها الشادن من علّمكا بسهام اللحظ قتل السبع ... بدر تمّ تحت ليل أغطش طالع في غصن بان منتشي ... أهيف القدّ بخدّ أرقش

стр. 2820

ساحر الطرف وكم قد فتكا ... بقلوب درّعت بالأضلع وانثنى يهتزّ من سكر الصبا ... أيّ رئم رمته فاجتنبا كقضيب هزّه ريح الصبا ... قلت هب لي يا حبيبي وصلكا واطّرح أسباب هجري ودع ... قال خدي زهره مذ فوّفا جرّد الطرف حساما مرهفا ... حذرا منه بأن لا يقطفا إنّ من رام جناه هلكا ... فأزل عنك أماني الطمع ذاب قلبي في هوى ظبي غرير ... وجهه في الدّجن صبح مستنير وفؤادي بين كفيه أسير ... لم أجد للصبر عنه مسلكا فانتصاري بانسكاب الأدمع [١٢٣٣] يحيى بن علي بن محمد بن الحسن بن محمد بن موسى بن بسطام الشيباني أبو زكريا ابن الخطيب التبريزي، وربما يقال له الخطيب وهو وهم: كان أحد الأئمة في النحو واللغة والأدب، حجة صدوقا ثبتا، رحل إلى أبي العلاء المعري وأخذ عنه وعن عبيد الله بن علي الرقي والحسن بن رجاء بن الدهان اللغوي وابن برهان

стр. 2821

والمفضل القصباني وعبد القاهر الجرجاني وغيرهم من الأئمة. وسمع الحديث وكتبه على خلق، منهم: القاضي أبو الطيب الطبري وأبو القاسم التنوخي والخطيب البغدادي، وسمع بمدينة صور من الفقيه أبي الفتح سليم بن أيوب الرازي ومن أبي القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الله بن يوسف الدلال الساوي البغدادي وأبي القاسم عبد الله بن علي. وأخذ عنه أبو منصور موهوب بن أحمد الجواليقي وأبو الحسن سعد الخير بن محمد بن سهل الأنصاري وأبو الفضل ابن ناصر وغيرهم، ودخل مصر في عنفوان شبابه فقرأ عليه بها أبو الحسن طاهر بن بابشاذ النحوي وغيره اللغة، ثم رجع إلى بغداد فأقام بها إلى أن مات. ويحكى أن سبب رحلته الى أبي العلاء المعري أنه حصلت له نسخة من «كتاب التهذيب في اللغة» تأليف أبي منصور الأزهري [وأراد تحقيق ما فيها وأخذها عن عالم باللغة، فدل على أبي العلاء] «١» فجعل الكتاب في مخلاة، وحملها على كتفه من تبريز الى المعرة، ولم يكن له ما يستأجر به مركوبا، فنفذ العرق من ظهره إليها فأثر فيها البلل، وهذه النسخة في بعض المكاتب الموقوفة ببغداد إذا رآها من لا يعرف خبرها ظنّ أنها غريقة وليس بها سوى عرق [ابن] الخطيب. وذكر السمعاني في «الذيل» : سمعت أبا منصور محمد بن عبد الملك بن الحسن بن خيرون المقرىء يقول أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي ما كان بمرضيّ الطريقة، كان يدمن شرب الخمر، ويلبس الحرير والعمامة المذهبة، وكان الناس يقرأون عليه تصانيفه وهو سكران، فذاكرت أبا الفضل محمد بن ناصر الحافظ بما ذكره ابن خيرون فسكت وكأنّه لم ينكر ذلك، ثم قال: ولكن كان ثقة في اللغة وما كان يرويه وينقله. وولي ابن الخطيب تدريس الأدب بالنظامية وخزانة الكتب بها، وانتهت إليه الرياسة في اللغة والأدب، وسار ذكره في الأقطار ورحل الناس اليه. توفي فجأة يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة اثنتين وخمسمائة،

стр. 2822

وكانت ولادته سنة إحدى وعشرين وأربعمائة. وصنف شرح القصائد العشر «١» ملكته بخطه. وتفسير القرآن. وإعراب القرآن. وشرح اللمع لابن جني. والكافي في العروض والقوافي «٢» . وثلاثة شروح على الحماسة لأبي تمام «٣» . وشرح شعر المتنبي. وشرح المقصورة الدريدية «٤» . وشرح سقط الزند «٥» . وشرح المفضليات. وتهذيب إصلاح المنطق لابن السكيت» . ومقدمة في النحو. وكتاب مقاتل الفرسان. وشرح السبع الطوال. وغير ذلك «٧» . ومن شعره: فمن يسأم من الأسفار يوما ... فإني قد سئمت من المقام أقمنا بالعراق إلى رجال ... لئام ينتمون إلى لئام [١٢٣٤] يحيى بن علي بن أبي منصور المعروف بابن المنجم النديم: قال المرزباني في «معجم الشعراء» : أبو أحمد ابن المنجم أديب شاعر مطبوع، أشعر أهل زمانه وأحسنهم أدبا وأكثرهم افتنانا في علوم العرب والعجم، ونادم المعتضد والمكتفي من بعده، وهو من أشجار الأدب الناضرة وأنجمه الزاهرة، ولد سنة إحدى وأربعين ومائتين وتوفي سنة ثلاثمائة.

стр. 2823

ومن شعره: ربّ يوم عاشرته فتقضّى ... بعد حمد عن آخر مذموم يا لقومي لضعفه ولكيد ... مثل كيد النساء منه عظيم وقال في الطاووس: سبحان من من خلقه الطاووس ... طير على أشكاله رئيس كأنّه في نفسه عروس ... إذ إنه يحلو به التعريس ديباجة تنشر أو سدوس ... في ريشه قد ركّبت فلوس تشرق من داراتها شموس ... في الرأس منه شجر مغروس كأنّه بنفسج يميس ... أو زهر في روضة ينوس ولأبي أحمد شعر كثير وتصانيف منها: الباهر في أخبار شعراء مخضرمي الدولتين. وكتاب الإجماع على مذهب أبي جعفر الطبري. والمدخل إلى مذهب الطبري ونصرة مذهبه. وكتاب الأوقات، وغير ذلك. [١٢٣٥] يحيى بن القاسم بن مفرج بن ورع بن الخضر بن الحسن بن حامد أبو زكريا الثعلبي التكريتي: إمام من أئمة المسلمين وحبر من أحبارهم، كامل فاضل فقيه قارىء مفسر نحوي لغوي عروضي شاعر، تفقه على والده، وصحب ببغداد أبا النجيب السهروردي وغيره، وقرأ الأدب على ابن الخشاب، وبرع في الفقه والأدب، وسمع من أبي زرعة المقدسي وابن البطي، ودرس بالنظامية، مات في رمضان سنة ست عشرة وستمائة وكانت ولادته سنة إحدى وعشرين وخمسمائة. ومن نظمه في ألف الأمر: لألف الأمر ضروب تنحصر ... في الفتح والضمّ وأخرى تنكسر

стр. 2824

فالفتح فيما كان من رباعي ... نحو أجب يا زيد صوت الداعي والضمّ فيما ضمّ بعد الثاني ... من فعله المستقبل الزمان والكسر فيما منهما تخلّى ... إن زاد عن أربعة أو قلّا [١٢٣٦] يحيى بن المبارك بن المغيرة أبو محمد مولى بني عدي بن عبد مناف، قيل له اليزيدي «١» لأنه صحب يزيد بن منصور خال المهدي مؤدبا لولده فنسب إليه، ثم اتصل بالرشيد فجعله مؤدبا للمأمون: أخذ العربية عن أبي عمرو بن العلاء وابن أبي إسحاق الحضرمي، وأخذ اللغة والعروض عن الخليل بن أحمد، إلا أنه كان يعتمد في اللغة على أبي عمرو بن العلاء لسعة علمه بها، وكان أبو عمرو يميل إليه ويدنيه لذكائه. وأخذ عن أبي محمد اليزيدي جماعة منهم ابنه محمد وأبو عبيد القاسم بن سلام وإسحاق بن إبراهيم الموصلي وأبو عمرو الدوري القارىء وأبو شعيب السوسي المقرىء وعامر بن عمر الموصلي وأبو خلّاد سليمان بن خلاد وأبو حمدان ابن إسماعيل الطبيب وغيرهم، وخالف في القراءة أبا عمرو في حروف اختارها. وكان صحيح الرواية ثقة صدوقا، وكان أحد أكابر القراء، وهو الذي خلف أبا عمرو بن العلاء فيها. وكان في أيام الرشيد «٢» مع الكسائي ببغداد يقرئان الناس في مسجد واحد، وكان مع ذلك أديبا شاعرا مجيدا، وله مجموع أدب فيه شيء من شعره. وكان

стр. 2825

يتهم بالميل إلى الاعتزال، مات بخراسان سنة اثنتين ومائتين عن أربع وستين سنة. وصنف كتاب الوقف والابتداء. وكتاب النوادر في اللغة، على مثال نوادر الأصمعي الذي عمله لجعفر بن يحيى. والمختصر في النحو، ألفه لبعض ولد المأمون. وكتاب النقط والشكل. وكتاب المقصور والممدود، وغير ذلك. ومن شعره قوله في الكسائي وأصحابه «١» : كنّا نقيس النحو فيما مضى ... على لسان العرب الأوّل فجاء أقوام يقيسونه ... على لغى أشياخ قطربّل فكلّهم يعمل في نقض ما ... به يصاب الحقّ لا يأتلي إن الكسائيّ وأصحابه ... يرقون في النحو إلى أسفل وله «٢» : إذا نكبات الدهر لم تعظ الفتى ... وأفزع منها لم تعظه عواذله ومن لم يؤدبه أبوه وأمه ... تؤدّبه روعات الردى وزلازله فدع عنك ما لا تستطيع ولا تطع ... هواك ولا يغلب بحقّك باطله وله في الأصمعي «٣» : أبن لي دعيّ بني أصمع ... متى كنت في الأسرة الفاضله ومن أنت هل أنت إلا امرؤ ... إذا صحّ أصلك من باهله [١٢٣٧] يحيى بن محمد الشريف أبو المعمر ابن طباطبا العلوي: كان نحويا أديبا

стр. 2826

فاضلا يتكلم مع ابن برهان في هذا العلم، أخذ عن علي بن عيسى الربعي وأبي القاسم الثمانيني، وعنه أبو السعادات هبة الله بن الشجري، وكان يفتخر به. مات في رمضان سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. ومن شعره: لي صاحب لا غاب عنّي شخصه ... أبدا وظلت ممتّعا بوداده فطن بما يوحى إليه كأنما ... قد نيط هاجس فكرتي بفؤاده وقال «١» : حسود مريض القلب يخفي أنينه ... ويضحي كئيب القلب عندي حزينه يلوم على أن رحت في العلم راغبا ... أحصّل من عند الرواة فنونه فأعرف أبكار الكلام وعونه ... وأحفظ مما أستفيد عيونه ويزعم أن العلم لا يجلب الغنى ... ويحسن بالجهل الذميم ظنونه فيا لائمي دعني أغالي بقيمتي ... فقيمة كلّ الناس ما يحسنونه [١٢٣٨] يحيى بن محمد بن عبد الله بن العنبري بن عطاء بن صالح بن محمد بن عبد الله بن شعبان، أبو زكريا العنبري مولى بني حرب السلمي من أهل نيسابور: كان عالما بالتفسير لغويا أديبا فاضلا.

стр. 2827

قال القاضي عبد الحميد بن عبد الرحمن النيسابوري: ذهبت الفوائد من مجلسنا بعد أبي زكريا، وذلك أن أبا زكريا اعتزل الناس وقعد عن حضور المحافل بضع عشرة سنة. سمع أبا الحسن الحرسي وأحمد بن سلمة وغيرهما، وروى عنه أبو بكر ابن عبدوس المفسر وأبو علي الحسين بن علي الحافظ والمشايخ من طبقته. مات في شوال سنة أربع وأربعين وثلاثمائة عن ست وسبعين سنة. [١٢٣٩] يحيى بن محمد أبو محمد الأرزني: إمام في العربية مليح الخط سريع الكتابة، كان يخرج في وقت العصر إلى سوق الكتب ببغداد فلا يقوم من مجلسه حتى يكتب «الفصيح» لثعلب ويبيعه بنصف دينار، ويشتري نبيذا ولحما وفاكهة، ولا يبيت حتى ينفق ما معه منه. وله تأليف في النحو مختصر. مات سنة خمس عشرة وأربعمائة. ومن شعره: إن من أحوجك الدهر إليه ... وتعلقت به هنت عليه ليس يصفو ودّ من واخيته ... إن تعرضت لشيء في يديه

стр. 2828

[١٢٤٠] يحيى بن معطي بن عبد النور زين الدين المغربي الزواوي: فاضل معاصر إمام في العربية أديب شاعر، مولده بالمغرب سنة أربع وستين وخمسمائة، وقدم دمشق فأقام بها زمانا طويلا، ثم رحل إلى مصر فتوطن بها وتصدر بأمر الملك الكامل لاقراء النحو والأدب بالجامع العتيق، وهو مقيم بالقاهرة لهذا العهد. ومن تصانيفه: الفصول الخمسون في النحو. وألفية في النحو أيضا. وحواش على أصول ابن السراج. ونظم الصحاح للجوهري لم يكمله. ونظم الجمهرة لابن دريد. والمثلث في اللغة. وقصيدة في العروض. وقصيدة في القراءات السبع. وديوان شعر. وديوان خطب، وغير ذلك. ومن شعره في مشارك في اللقب: قالوا تلقب زين الدين فهو له ... نعت جميل به أضحى اسمه حسنا فقلت لا تغبطوه إنّ ذا لقب ... وقف على كل نحس والدليل أنا وله: وإذا طلبت العلم فاعلم أنه ... عبء لتنظر أيّ عبء تحمل وإذا علمت بأنه متفاضل ... فاشغل فؤادك بالذي هو أفضل

стр. 2829

[١٢٤١] يحيى بن نزار بن سعيد أبو الفضل المنبجي: مولده بمنبج في المحرم سنة ست وثمانين وأربعمائة؛ قدم دمشق واتصل بالملك العادل نور الدين محمود بن زنكي ومدحه بقصائد أجاد فيها، ثم رحل إلى بغداد فتوطنها وأقام بها إلى أن توفي في ليلة الجمعة سادس ذي الحجة سنة أربع وخمسين وخمسمائة. وكان سبب موته أنه وجد في أذنه ثقلا فاستدعى طبيبا من الطّرقية فامتصّ أذنه ليخرج ما فيها من أذى فخرج شيء من مخه فمات لوقته. ومن شعره «١» : لو صدّ عني دلالا أو معاتبة ... لكنت أرجو تلافيه وأعتذر لكن ملالا فما أرجو تعطّفه ... جبر الزجاج عسير حين ينكسر وله: وليلة وصل خالست غفلة الدهر ... فجاءت ببدر وهي مشرفة البدر سميري بها غصن من البان مائد ... يرنّحه سكر الشبيبة لا الخمر أشاهد فيها طلعة القمر الذي ... تبسّم عن طلع وإن شئت عن در أمنت بها إتيان واش وحاسد ... فما من رقيب غير أنجمها الزهر ضممت إلى صدري الحبيب معانقا ... وهل لك يا قلبي محلّ سوى صدري فيا ليلة أحيت فؤادي بقربه ... فأحييتها سكرا إلى مطلع الفجر ولما رأيت الروح فيها مسامري ... تيقنت حقا أنها ليلة القدر «٢»

стр. 2830

وله «١» : وأبيض غضّ زاد خطّ عذاره ... لعشاقه في وجدهم والبلابل تموج بحار الحسن في وجناته ... فتقذف منها عنبرا في السواحل وتجري بخديه الشبيبة ماءها ... فتنبت ريحانا بجنب الجداول [١٢٤٢] يحيى بن واقد بن محمد بن عدي بن حذيم الطائي، أبو صالح البغدادي النحوي: أخذ عن الأصمعي وغيره، وسمع في حداثته من الحافظ هشيم بن بشير السلمي الواسطي ومن الامام الحافظ أبي بشر إسماعيل بن إبراهيم بن علية الأسدي البصري ومن ابن أبي زائدة وغيرهم. ولد ببغداد سنة خمس وستين ومائة ثم انتقل إلى البصرة فتوطنها وبها مات، وكان ثقة صدوقا إماما في العربية، أخذ عنه الشيوخ وتخرج به خلق كثير. [١٢٤٣] يحيى بن هذيل بن الحكم بن عبد الملك بن إسماعيل التميمي القرطبي المعروف بالكفيف: كان أديبا شاعرا قدم إلى المشرق في أواسط المائة الرابعة، وأخذ عنه الرمادي الشاعر وغيره، مات سنة تسع وثمانين وثلاثمائة وقد جاوز التسعين. ومن شعره: أرى أهل الثراء إذا توفوا ... بنوا تلك المراصد بالصخور

стр. 2831

أبوا إلا مباهاة وفخرا ... على الفقراء حتى في القبور فإن يكن التسامح في ذراها ... فإن العدل فيها في القعور عجبت لمن تأنق في بناء ... أمينا من تصاريف الدهور ألم يبصر بما قد خربته ال ... دهور من المدائن والقصور وأقوام مضوا قوما فقوما ... وصار صغيرهم إثر الكبير لعمر أبيهم لو أبصروهم ... لما عرفوا الغنيّ من الفقير ولا عرفوا العبيد من الموالي ... ولا عرفوا الإناث من الذكور ولا من كان يلبس ثوب صوف ... من البدن المباشر للحرير إذا أكل الثرى هذا وهذا ... فما فضل الجليل على الحقير وله «١» : لا تلمني على الوقوف بدار ... أهلها صيروا السقام ضجيعي جعلوا لي إلى هواهم سبيلا ... ثم سدّوا عليّ باب الرجوع [١٢٤٤] يحيى بن يحيى المعروف بابن السمينة «٢» القرطبي: قدم المشرق ودخل بغداد والقاهرة ثم انصرف إلى بلده، وكان بارعا في النحو واللغة والأخبار وعلوم الأدب والشعر والعروض، عالما بالحديث والفقه والجدل، عارفا بالطب والرياضي والنجوم، وكان يميل إلى الاعتزال. مات بعد انصرافه من المشرق سنة خمس عشرة وثلاثمائة.

стр. 2832

[١٢٤٥] يحيى بن يحيى بن سعيد المعروف بابن ماري المسيحي من أهل البصرة: كان كاتبا أديبا شاعرا عارفا بالطب عالما بالنحو واللغة متفننا، وكان يتكسب بالكتابة والطب ويمتدح الأكابر والأعيان. روى عنه جماعة من الأفاضل منهم أبو حامد المعروف بالعماد الكاتب الأصبهاني وغيره، وصنف المقامات الستين أحسن فيها وأجاد. وكانت وفاته بالبصرة في شهر رمضان سنة تسع وثمانين وخمسمائة. ومن شعره: نعم المعين على المروءة للفتى ... مال يصون عن التبذل نفسه لا شيء أنفع للفتى من ماله ... يقضي حوائجه ويجلب أنسه وإذا رمته يد الزمان بسهمه ... غدت الدراهم دون ذلك ترسه وله أيضا: لاموا على صبّ الدموع كأنهم ... لا يعرفون صبابتي وولوعي كفّوا فقد وعد الحبيب بزورة ... ولذا غسلت طريقه بدموعي وله «١» : نفرت هند من طلائع شيبي ... واعترتها سآمة من وجومي هكذا عادة الشياطين ينفر ... ن إذا ما بدت نجوم الرجوم

стр. 2833

[١٢٤٦] يحيى بن يعمر أبو سليمان العدواني ، من عدوان بن قيس بن عيلان، الوشقي البصري: تابعي لقي عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر، روى عنه قتادة السدوسي واسحاق بن سويد وجماعة، ووثقه النسائي وأبو حاتم وغيرهما، ورماه عثمان بن دحية بالقدر، وكان عالما بالقراءة والحديث والفقه والعربية ولغات العرب. أخذ عنه أبو الأسود الدؤلي، وكان فصيحا بليغا يستعمل الغريب في كلامه. روي أن يزيد بن المهلب كتب إلى الحجاج: لقينا العدوّ ففعلنا وفعلنا واضطررناه إلى عرعرة الجبل، فقال الحجاج: ما لابن المهلب وهذا الكلام؟ فقيل له: إن يحيى بن يعمر عنده، فقال: ذاك إذن. وحكي ان الحجاج قال له: أتجدني ألحن؟ فقال: الأمير أفصح من ذلك، فقال: عزمت عليك أتجدني ألحن؟ فقال يحيى: نعم، فقال له: في أي شيء؟ فقال: في كتاب الله تعالى، فقال: ذلك أسوأ، ففي أيّ حرف من كتاب الله؟ قال قرأت قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ (التوبة: ٢٤) فرفعت أحبّ وهو منصوب، فغضب الحجاج وقال: لا تساكنني ببلد أنا فيه، ونفاه إلى خراسان، فولاه يزيد بن المهلب القضاء بها ثم عزله على شربه النبيذ وإدمانه له «١» .

стр. 2834

وكان يحيى يتشيع ويقول بتفضيل أهل البيت من غير تنقيص لغيرهم، وأخباره كثيرة، توفي سنة تسع وعشرين ومائة. [١٢٤٧] يزيد بن زياد بن ربيعة المعروف بابن مفرغ، أبو عثمان الحميري: وإنما لقّب جدّه ربيعة «مفرغا» لأنه راهن على أن يشرب عسّا من لبن فشربه حتى فرغ فلقب بذلك، وقد طعن النسابون في انتسابه إلى حمير. وهو الذي وضع سيرة تبّع وأشعاره. وكان يصحب عباد بن زياد فجرت بينهما وحشة فحبسه عباد فكان يهجوه وهو في السجن، فزاد ذلك في غيظ عباد، فترك هجوه وأخذ يتلطف له، فكان يقول للناس إذا سألوه عن سبب حبسه، رجل أدبه أميره ليقيم من أوده، فبلغ ذلك عبادا فرقّ له وخلّى سبيله، فخرج هاربا إلى البصرة ومنها إلى الشام، وجعل يتنقل في مدنها ويهجو زيادا وولده، فطلبه عبيد الله أخو عباد طلبا شديدا وكاد يؤخذ، فجعل يتنقل في قرى الشام ويغلغل في نواحيها ويهجو بني زياد، فترد أشعاره إلى البصرة وتبلغهم، فكتب عبيد الله بن زياد إلى يزيد بن معاوية إن ابن مفرغ نال من زياد وبنيه بما هتكه وفضحهم فضيحة الأبد وتعدى في ذلك إلى أبي سفيان فقذفه بالزنا، وهرب من خراسان إلى البصرة فطلبته فلفظته الأرض إلى الشام، فهو يتنقل في قراها يتمضّغ لحومنا بها، فأمر يزيد بطلبه، فجعل يتنقل من بلد إلى بلد إلى أن أتى البصرة واستجار بالأحنف بن قيس فأبى أن يجيره على السلطان، فأتى خالد بن أسيد فلم يجره، ثم لاذ بابن معمر وطلحة الطلحات فوعداه ولم يفعلا، فلاذ بالمنذر بن الجارود العبدي وكانت ابنته تحت عبيد الله بن زياد فأجاره، فلم يرع عبيد الله جوار المنذر

стр. 2835

وأخذ ابن مفرغ وسجنه، وكتب إلى يزيد يستأذنه في قتله، فحذره يزيد من الايقاع به وأشار إليه بحبسه وتنكيله بما يؤدبه، فأمر عبيد الله أن يسقى نبيذا خلط بشبرم حتى سلح على ثيابه، فأمر أن يطاف به في أسواق البصرة تزفّه الصبيان، ثم ردّ إلى السجن وبقي فيه مدة طويلة إلى أن أطلق بشفاعة قومه اليمنيين عند يزيد، ومات سنة تسع وستين. وأخباره مع بني زياد طويلة، ومن أشعاره التي هجاهم بها قوله في عبيد الله وأخيه عبّاد من قصيدة طويلة «١» : وما لاقيت من أيام بؤس ... ولا أمر يضيق به ذراعي ولم تك شيمتي عجزا ولؤما ... ولم أك بالمضلّل في المتاع سوى يوم الهجين ومن يصاحب ... لئام الناس يغض على القذاع ومنها في عبيد الله: فأير في است أمك من أمير ... كذاك يقال للحمق اليراع ولا بلّت سماؤك من أمير ... فبئس معرّس الركب الجياع ومنها: إذا أودى معاوية بن حرب ... فبشّر شعب قعبك بانصداع فأشهد أن أمك لم تباشر ... أبا سفيان واضعة القناع ولكن كان أمر فيه لبس ... على عجل شديد وارتياع [١٢٤٨] يزيد بن سلمة بن سمرة بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن

стр. 2836

عامر بن صعصعة، أبو مكشوح المعروف بابن الطثرية، وطثرة اللبن زبدته: وكان يلقب مورقا لحسن وجهه وشعره وحلاوة حديثه، وكان يعشق جارية من جرم يقال لها وحشية، وله فيها أشعار حسنة، وكان جوادا متلافا يغشاه الدين فإذا أخذ به قضاه عنه أخوه ثور بن سلمة. وكان صاحب غزل زير نساء يجلسن إليه فيحادثهن، وكان ظريفا عفيفا، وقتل في الوقعة التي قتل فيها الوليد بن يزيد بن عبد الملك سنة سبع وعشرين ومائة. ومن شعره «١» : عقيلية أما ملاث إزارها ... فدعص وأما خصرها فبتيل تقيّظ أكناف الحمى ويظلّها ... بنعمان من وادي الأراك مقيل أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك وكلّا ليس منك قليل فيا خلّة النفس التي ليس دونها ... لنا من أخلّاء الصفاء خليل ويا من كتمنا حبّها لم يطع به ... عدوّ ولم يؤمن عليه دخيل أما من مقام أشتكي غربة النوى ... وخوف العدى فيه إليك سبيل فديتك أعدائي كثير وشقّتي ... بعيد وأشياعي لديك قليل وكنت إذا ما جئت جئت بعلّة ... فأفنيت علّاتي فكيف أقول فما كلّ يوم لي بأرضك حاجة ... ولا كلّ يوم لي اليك رسول صحائف عندي للعتاب طويتها ... ستنشر يوما والعتاب طويل فلا تحملي ذنبي وأنت ضعيفة ... فحمل دمي يوم الحساب ثقيل وقال في وحشية الجرمية «٢» : لو انك شاهدت الصّبا يا ابن بوزل ... بجزع الغضا إذ راجعتني غياطله بأسفل خلّ الملح إذ دين ذي الهوى ... مؤدى وإذ خير الوصال أوائله لشاهدت لهوا بعد شحط من النوى ... على سخط الأعداء حلوا شمائله

стр. 2837

بنفسي من لو مرّ برد بنانه ... على كبدي كانت شفاء أنامله ومن هابني في كلّ شيء وهبته ... فلا هو يعطيني ولا أنا سائله ألا حبذا عيناك يا أمّ شنبل ... إذا الكحل في جفنيهما جال جائله فداك من الخلّان كل مماذق ... تكون لأدنى من يلاقي وسائله فرحنا بيوم سرّنا بامّ شنبل ... ضحاه وأبكتنا عليه أصائله وكنت كأني حين كان سلامها ... وداعا وقلبي موثق الوجد حامله رهين بنفس لم تفكّ كبولها ... عن الساق حتى جرّد السيف قاتله وقال «١» : ألا رب راج حاجة لا ينالها ... وآخر قد تقضى له وهو جالس يروح لها هذا وتقضى لغيره ... فتأتي الذي تقضى له وهو آيس [١٢٤٩] يعقوب بن اسحاق أبو يوسف ابن السكيت، والسكيت لقب أبيه: كان أبوه من أصحاب الكسائي عالما بالعربية واللغة والشعر، وكان يعقوب يؤدب الصبيان مع أبيه في درب القنطرة بمدينة السلام حتى احتاج إلى الكسب فأقبل على تعلم النحو من البصريين والكوفيين، فأخذ عن أبي عمرو الشيباني والفراء وابن الأعرابي والأثرم، وروى عن الأصمعي وأبي عبيدة، وأخذ عنه أبو سعيد السكري وأبو عكرمة الضبي

стр. 2838

ومحمد بن الفرج المقرىء ومحمد بن عجلان الاخباري وميمون بن هارون الكاتب وغيرهم. وكان عالما بالقرآن ونحو الكوفيين، ومن أعلم الناس باللغة والشعر، راوية ثقة، ولم يكن بعد ابن الاعرابي مثله، وكان قد خرج إلى سر من رأى فصيّره عبد الله بن يحيى بن الخاقان إلى المتوكل، فضمّ إليه ولده يؤدبهم، وأسنى له الرزق، ثم دعاه إلى منادمته فنهاه عبد الله بن عبد العزيز عن ذلك فظنّ أنه حسده وأجاب إلى ما دعي إليه، فبينما هو مع المتوكل يوما جاء المعتز والمؤيد فقال له المتوكل: يا يعقوب أيما أحب إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين، فذكر الحسن والحسين ﵄ بما هما أهله وسكت عن ابنيه، وقيل قال له: إن قنبر خادم علي أحبّ إليّ من ابنيك، وكان يعقوب يتشيع، فأمر المتوكل الأتراك فسلوا لسانه وداسوا بطنه وحمل إلى بيته فعاش يوما وبعض آخر، ومات يوم الاثنين لخمس خلون من رجب سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وقيل سنة أربع وأربعين، وقيل سنة ست وأربعين، ووجه المتوكل من الغد عشرة آلاف درهم ديته إلى أهله. ولما بلغ عبد الله بن عبد العزيز الذي نهاه عن المنادمة خبر قتله أنشد: نهيتك يا يعقوب عن قرب شادن ... إذا ما سطا أربى على كلّ ضيغم فذق واحس إني لا أقول الغداة إذ ... عثرت لعا بل لليدين وللفم وصنف ابن السكيت: كتاب إصلاح المنطق «١» . وكتاب القلب والإبدال «٢» . وكتاب النوادر. وكتاب الألفاظ «٣» . وكتاب فعل وأفعل. وكتاب الأضداد. وكتاب الأجناس الكبير. وكتاب الفرق. وكتاب الأمثال. وكتاب البحث. وكتاب الزبرج. وكتاب الإبل. وكتاب السرج واللجام. وكتاب الوحوش. وكتاب الحشرات. وكتاب النبات والشجر. وكتاب الأيام والليالي. وكتاب سرقات الشعراء وما تواردوا عليه. وكتاب معاني الشعر الكبير. وكتاب معاني الشعر الصغير، وغير ذلك.

стр. 2839

[١٢٥٠] يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله الحضرمي بالولاء البصري أبو يوسف وأبو محمد القارىء: ثامن القراء العشرة، الامام في القراءات والعربية ولغة العرب والفقه. أخذ القراءة عن ابن ميمون والعطاردي، وروى عن حمزة والكسائي، وأخذ عنه سلام الطويل عرضا، وأخذ عنه الزعفراني وأبو حاتم السجستاني وروح بن عبد المؤمن وجماعة. وكان من أعلم أهل زمانه بمذاهب النحاة في القرآن الكريم ووجوه الاختلاف فيه، وكان زاهدا ورعا ناسكا، حكي أنه سرق رداؤه وهو في الصلاة وردّ إليه ولم يشعر. وفيه يقول بعضهم «١» : أبوه من القّراء كان وجدّه ... ويعقوب في القرّاء كالكوكب الدرّي تفرّده محض الصواب وجمعه ... فمن مثله في وقته وإلى الحشر وصنف يعقوب: كتاب الجامع، ذكر فيه اختلاف وجوه القراءات ونسب كل حرف إلى من قرأ به. وكتاب وقف التمام، وغير ذلك. مات في جمادى الأولى سنة خمس ومائتين عن ثمان وثمانين سنة. [١٢٥١] يعقوب بن الربيع أخو الفضل بن الربيع حاجب أبي جعفر المنصور: كان أديبا

стр. 2840

شاعرا ماجنا خليعا، وكان يصحب آدم بن عبد العزيز الأموي، وكان آدم هذا ماجنا أيضا منهمكا في الشراب ثم نسك، وليعقوب معه أخبار وملح: فمن ذلك ما حدث به فليح بن سليمان قال: لما ترك آدم بن عبد العزيز الشراب استأذن يوما على يعقوب بن الربيع وأنا عنده، فقال يعقوب: ارفعوا الشراب فان هذا قد تاب وأحسبه يكره أن يحضره، فرفع وأذن له، فلما دخل قال: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ (يوسف: ٩٤) قال يعقوب: هو الذي وجدت ولكنا ظننا أنه يثقل عليك لتركك له، قال: أي والله إنه ليثقل عليّ ذاك، قال: فهل قلت في ذلك شيئا منذ تركته؟ قال: نعم، وأنشد «١» : ألا هل فتى عن شربها اليوم صابر ... ليجزيه عن صبره الغد قادر شربت فلما قيل ليس بنازع ... نزعت وثوبي من أذى اللوم طاهر وكان يعقوب بن الربيع يعشق جارية «٢» فطلبها سبع سنين وبذل فيها جاهه وماله حتى ملكها، وأعطي فيها مائة ألف دينار فلم يبعها، فمكثت عنده ستة أشهر وماتت، فرثاها بشعر كثير فمن ذلك: لئن كان قربك لي نافعا ... فبعدك أصبح لي أنفعا لأني أمنت رزايا الدهور ... وان حلّ خطب فلن أجزعا وله: راحوا يصيدون الظباء وانني ... لأرى تصيّدها عليّ حراما أشبهن منك لواحظا وسوالفا ... فحوت بذلك حرمة وذماما أعزز عليّ بأن أروّع شبهها ... أو ان يذوق على يديّ حماما
следующие страницы →