Полный текст (3 532 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
٦٢١- ٦٣٠) الترجمة رقم: ٣٨٠ ص: ٢٤٤- ٢٤٨ تحقيق د. بشار عواد معروف ورفيقيه، بيروت ١٩٨٨.
٨- شمس الدين الذهبي: سير أعلام النبلاء ٢٢: ١٣٢- ٣١٣ تحقيق د. بشار عواد معروف، د. محيي هلال سرحان، بيروت ١٩٨٥.
٩- شمس الدين الذهبي: العبر في خبر من غبر ٥: ١٠٦- ١٠٧ تحقيق د.
صلاح الدين المنجد، الكويت ١٩٦٦.
١٠- اليافعي، عبد الله بن أسعد (٧٦٨/١٣٦٧) مرآة الجنان ٤: ٥٩- ٦٣، مؤسسة الأعلمي، بيروت ١٩٧٠.
١١- ابن العماد الحنبلي أبو الفلاح (١٠٨٩/١٦٧٨) شذرات الذهب ٥: ١٢١- ١٢٢، نشر القدسي، القاهرة ١٣٥١.
٢- المراجع العربية والمعربة:
١٢- د. صلاح الدين المنجد، أعلام التاريخ والجغرافيا عند العرب، بيروت ١٩٥٩.
١٣- أغناطيوس كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العربي، ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم، القسم الأول، الفصل الثاني عشر، ص: ٣٣٥- ٣٤٤، القاهرة ١٩٦٣ والطبعة الثانية (بيروت ١٩٨٧) ص: ٣٥٩- ٣٧١ دار الغرب الإسلامي.
١٤- د. عباس فاضل السعدي: ياقوت الحموي، دراسة في التراث الجغرافي العربي مع التركيز على العراق في معجم البلدان، بيروت ١٩٩٢.
١٥- أبو الفتوح محمد التوانسي: ياقوت الحموي الجغرافي الرحالة الأديب (أعلام العرب رقم: ٩٣) الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة ١٩٧١.
١٦- جرجي زيدان: تاريخ أدب اللغة العربية (القاهرة ١٩٣١) ٣: ٨٨- ٩٠.
١٧- سركيس: معجم المطبوعات، القاهرة ١٩٣٠.
١٨- د. بشار عواد معروف: الغزو المغولي كما صوّره ياقوت الحموي، مجلة الأقلام، بغداد ج: ١٢ السنة الأولى ص: ٤٨- ٦٥.
стр. 2872
٣- المراجع بغير العربية:
١٩-
Brock.G.I ٩٧٤ ١٨٤; SI, ٠٨٨.
٢٠-
Wustenfeld, ZDMG) ٤٦٨١ (٣٩٤ ٧٩٣.
Blachere, R.Yakut al Rumiin EI, VIII, ٣٥١١ ٤٥.
Jwaideh, Wadie, the Introductory chapters of Yaquts Mujam al Buldan, Leiden ٩٥٩١.
стр. 2873
١- ترجمة ياقوت:
إن الخمسة الأوائل في قائمة المصادر المذكورة آنفا، قد شاهدوا ياقوتا وعرفوه، على تفاوت بينهم في تلك المعرفة، وكان ابن النجار من بينهم صديقا له، ولهذا يمكن أن نفترض أن الترجمة التي وردت في المستفاد موجزة، لا تمثل تماما تلك الصداقة، وبخاصة إذا وضعت إزاء ترجمة ياقوت له «١» . وقد انفرد القفطي بايراد رسالة ياقوت إليه بعد هربه من التتار، وعنه نقلها ابن خلكان ثم نقل أكثرها اليافعي في مرآة الجنان واقتبس الذهبي عبارات منها في سير أعلام النبلاء وتاريخ الإسلام، ولم يدرك ابن خلكان ياقوتا في الحياة، إذ أنه ورد حلب بعد شهرين ونيف من وفاته، وقد وجد الناس في تلك المدينة يثنون عليه ويذكرون فضله وأدبه، وتلك حقيقة يمكن أن تقارن بما يقوله القفطي فيه، وتعدل من بعض أحكامه، وقد اعتمد ابن خلكان في ترجمته على القفطي وتاريخ اربل وابن الشعار ولكنه لا يشير بشيء إلى ابن النجار.
ومع أن المشاهدة قد خلّفت لدى كل من عرفه جملة من الانطباعات، فيبدو أن الروية التي اشتهرت عن أولية ياقوت إنما وضعها ياقوت نفسه، إذ لم يكتف بالحديث عنها إلى معارفه من بعد، بل أثبتها في كتابه معجم الأدباء «٢» ، ولكن هذه الترجمة الذاتية لم تصلنا بل ضاعت مع ما ضاع من ذلك الكتاب، وهو كثير، إذ يقول ياقوت
стр. 2874
إنه طفل رومي الجنس أسر صغيرا، وبيع في بغداد، وأطلق عليه من اشتراه (أو من باعه) اسم «ياقوت» أي اختار له اسما جميل الوقع على عادة العرب في اختيار أسماء محببة يدعون بها الأرقاء. ولما كان بمنزلة اليتيم الذي لا يعرف اسم أبيه، جعل «عبد الله» اسما لأبيه (أي أن أباه كان واحدا من عبيد الله) وذلك هو أكثر حال الأرقاء الذين كانوا يباعون صغارا مثل ياقوت بن عبد الله الموصلي معاصر ياقوت الحموي «١» ، وياقوت بن عبد الله الذي يميز بلقبه وكنيته «مهذب الدين أبو الدر» «٢» ، وغيرهما كثيرون «٣» .
وقد كنت أظن أن هذه أمور لا تتطلب شرحا حتى وجدت من يقول: «وقد يرجح أن أباه (عبد الله الرومي) قد أسره الروم وعاش زمانا في بلدهم، حتى ولد له ياقوت في أرض الروم، ثم أسره العرب وهو طفل فعاد إلى وطن أبيه» «٤» .
وكان عمر الطفل حين حمل إلى بغداد خمس سنين أو ست «٥» ، وكان الذي اشتراه ببغداد تاجرا حمويا يدعى عسكر بن أبي نصر بن إبراهيم «٦» ، وقد اكتسب ياقوت نسبة «الحموي» لأن سيده كان حمويا، وحين كبر لقّب «شهاب الدين» وتكنّى «أبا عبد الله» وفي مرحلة متأخرة سمّى نفسه «يعقوب» بدل «ياقوت» ، إلا أنّ اسم «ياقوت» ظلّ أغلب عليه «٧» .
ولولا أن ياقوتا رسخ في أذهان بعض معاصريه أنه من مواليد عام ٥٧٤ أو ٥٧٥ لكان تعيين عام مولد طفل- في مثل وضعه- أمرا منوطا بالتخمين المطلق، ولكن
стр. 2875
المنذري سمعه يذكر هذين العامين في ترجيح سنة مولده «١» . ومن الطبيعي ما دامت نسبة الرومي قد لصقت به أن يقول إنّه ولد ببلاد الروم، ولكن أي روم وأي بلد، فذلك ما لا يعرفه ياقوت نفسه.
ويقف في وجه هذا التاريخ التقديري (لميلاده) - ولو على شكل مؤقت- ثلاثة أمور:
الأول: قول على لسان ياقوت نفسه مفاده أنه لقي الخضر بن ثروان التومائي الضرير بمرو وسرخس ونيسابور في سنة أربع وأربعين وخمسمائة وجاء هذا التاريخ في معجم الأدباء ومعجم البلدان على السواء «٢» ، وهذا قبل مولد ياقوت بثلاثين عاما، إذا اعتمدنا التاريخ الذي ذكره.
الثاني: قوله في ترجمة التومائي نفسه «وبلغتنا وفاته ببخارى سنة ثمانين وخمسمائة» ، وهذا يعني أن التومائي توفي وعمر ياقوت خمس سنوات أو أكثر قليلا، وأن ياقوتا كان قادرا على التجوال وأن تجواله حمله إلى بخارى، وعلى هذا لا بدّ أن نقدر وجود خطأ في التاريخين، وبعد البحث تبين لي أن هذا القول الذي جرت نسبته إلى ياقوت إنما ينقله ياقوت عن أبي سعد السمعاني «٣» ، وقد سقط صدر الاقتباس:
«قال أبو سعد» ومن الغريب أن يسقط في المعجمين كليهما.
الثالث: أنه لقي المجفجف الشاعر بحلب سنة ٥٨٠، وهذا أيضا من قبيل الخطأ السابق، فإنه لم يكن في عمر يسمح له بذلك، ولم يعرف حلب إلا سنة ٦٠٧ وما بعدها، ولكني لم أستطع أن أعرف الناقل الأصلي لهذا الخبر.
إذن تظلّ إحدى السنتين اللتين ذكرهما ياقوت هي الأقرب إلى الواقع في تحديد مولده، وممّا يؤيد هذا الذي قدّره ياقوت أن أبا طالب الكرخي توفي سنة ٥٨٥، ويذكر ياقوت أنه أدرك زمانه ولكنه لم يره لصغر السن يومئذ، ولأنه كان في ذلك الزمان يشتغل بغير العلم «٤» .
стр. 2876
وبعد سنة أو أكثر قليلا من عام شرائه أدخله سيده إلى الكتّاب في بغداد، وكان عسكر أميّا لا يحسن الخط ولذلك كان بحاجة إلى من يعينه في تجارته بالمكاتبات، وربما في الشؤون الحسابية أيضا، ورجا أن يكون ياقوت هو من يحقق له هذا العون.
ويبدو أن دخل عسكر من التجارة كان كبيرا، وعن هذا الطريق أصبح ثريا، وأوصله ثراؤه إلى أن تزوج بنت أحد الرؤساء ببغداد، ورزق منها بنين، كبروا وتابعوا حرفة أبيهم حيث نشأوا.
وأقبل ياقوت في الكتّاب على التعلم، وشغف بالكتب شغفا لازمه طوال حياته، حتى أنه منذ سن السابعة في المكتب ما خلت يده من كتاب يستفيد منه أو يطالعه أو يكتب شيئا منه أو ينسخه «١» ، ولكن بدلا من أن يستخدمه سيده في متجره كاتبا أو حاسبا حوّله إلى تاجر متجول يسافر في ما لدى عسكر من بضائع برا وبحرا، فكانت غايته في البحر أن يصل إلى جزيرة كيش (فيس) في بحر عمان، وغايته في البر أن ينقل السلع الموكولة إليه إلى الشام ومصر. ويقول ابن الشعار: إنه دخل جزيرة كيش أربع مرات، وأنه دخل مصر عدة مرات، وأما دمشق فإنه تردد إليها مرات لا تكاد تحصى «٢» ، وبعض ذلك تمّ وهو ما يزال في حكم مولاه، فيأتمر بأمره وينفذ توجيهاته، ولكن ياقوتا نفسه يذكر أنه دخل كيش ثماني مرات. كان يركب السفينة إليها من البصرة، وكان في كل مرة يشهد المدّ والجزر هنالك «٣» .
ولما كانت معرفته بجزيرة كيش معرفة مشاهدة متكررة فإنه يذكر أنها مدينة مليحة المنظر ذات بساتين وعمارات جيدة، وفيها مسكن صاحب عمان، وهو يملك أسطولا تجاريا ضخما، وكانت الجزيرة ملتقى التجار، وفيها عرف ياقوت جماعة من أهل الأدب والفضل «٤» ، وقد ذكر للقفطي في ما بعد أنه شاهد عند بعض أهلها كتابا جامعا يشتمل على ما اتفق لفظه واختلف معناه، وأنه وجده أجمع ما صنّف في هذا الصنف من المؤلفات، وسأل الرجل الذي كان الكتاب في حوزته عن مؤلفه، فلم يذكر
стр. 2877
اسمه، ولهذا ترجم القفطي لمؤلف الكتاب باسم «الكيشي» اعتمادا على ما ذكره ياقوت «١» .
وأول مرة يظهر فيها ياقوت وهو ما يزال يتجر لعسكر الحموي، العام ٥٩٤، أي كان عمره عشرين سنة أو أزيد قليلا، ولكن لا بد أن نفترض أنه كان ناشطا في الرحلات التجارية قبل ذلك بسنوات، أي بعد أن قضى فترة وهو يزاول التجارة المحلية مساعدا لعسكر. في ذلك العام ورد آمد، ولا ريب في أن أهدافه الأولى من ورودها كانت تجارية، ولكنه لما خالط بعض أهلها ووجدهم يلهجون بذكر علي بن الحسن بن عنتر المعروف بشميم الحلي، تاق إلى لقاء ذلك اللغوي الشاعر، فقصده إلى حيث يسكن في إحدى حجر مسجد الخضر، وكان الحلي حينئذ شيخا كبيرا قضيف الجسم وبين يديه «جامدان» مملوء كتبا من تصانيفه دون سواها؛ وبعد التسليم دار بينهما حوار يستحق أن ينقل على حاله «٢» (مع تعديل يسير) :
ش (شميم) : من أين أنت؟.
ي (ياقوت) : من بغداد، وقد جئت لأقتبس من علوم المولى شيئا.
ش: أي علم تحب؟.
ي: أحبّ علوم الأدب.
ش: إن تصانيفي في الأدب كثيرة، وكلها من نتائج أفكاري، وكنت كلما رأيت الناس مجمعين على استحسان كتاب في الأدب أنشأت من جنسه ما يخمل التصنيف السابق. أبو تمام أنشأ حماسة، أما أنا فعملت حماسة من أشعاري. أبو نواس تميز في الخمر فعملت كتاب الخمريات من شعري. لو عاش أبو نواس لا ستحيى أن يذكر شعره في الخمر لو سمع خمرياتي. الناس أعجبوا بخطب ابن نباتة لذا صنفت كتاب الخطب، فليس للناس اليوم اشتغال إلا بخطبي.
ليس أبو تمام سوى كلب ... وأبو نواس كلب آخر. اسمع خطبة كتابي في الخمريات ( ... ) واسمع أيضا بعض أشعاري في الخمر (ينشده) .
ي: هذا شعر حسن.
стр. 2878
ش: ويلك! ما عندك غير الاستحسان.
ي: ماذا أصنع- إذن- يا مولانا؟.
ش: تصنع هكذا (يرقص ويصفق إلى أن يتعب) ثم يقول: لقد ابتليت ببهائم لا يفرقون بين الدر والبعر، والياقوت والحجر.
ي: معذرة يا مولانا، إن رأيت أن تنشدني شيئا آخر.
ش: قد صنعت كتابا في مدح صلاح الدين مبنيا على تجنيس كتجنيس البستي، اسمع (ينشده ... ) .
ي: ما رأي مولانا في المعري.
ش: كم تسيء الأدب يا هذا بين يدي؟! من ذلك الكلب الأعمى حتى يذكر بين يدي في مجلسي؟!.
ي: ما أراك يا مولانا ترضى عن أحد ممن تقدّم.
ش: كيف أرضى عنهم وليس لهم ما يرضيني؟.
ي: ما فيهم أحد قط جاء بما يرضيك؟.
ش: لا أستثني إلا المتنبي في مديحه، وابن نباتة في خطبه، وابن الحريري في مقاماته. هؤلاء لم يقصروا.
استمر الحوار غير المتكافىء بين الشيخ والفتى، وكان ذلك التصرف الشاذ من الشيخ، والتحقير للأوائل، ودوران اللسان بالشتائم، واستعمال لغة التعالي- كل تلك كانت حرية أن تؤثر في نفس ياقوت، ولكن يبدو أن ما سمعه عن الرجل قبل أن يلقاه قد جعله مهيأ النفس لتقبل ما يسمع على أنه مداعبة خشنة، لكنها طريفة، وأن الرجل مهووس يعاني «مرض العظمة» ، وأنه حقيق ألا يأخذه مأخذ الجدّ، ومن بعد أكد له ناس لقيهم أن الفصل الذي مثله أمامه الحلي لم يكن يختلف عن فصول أخرى تدلّ على انزياح عقله عن محوره. ولعله حمل بعض تخليطه على كبر السنّ وما يلابسه من خرف، ولو أن ياقوتا أحسّ بالصدمة من ذلك اللقاء لصرفه ذلك عن الأدب وعن لقاء الأدباء، ولكنه سيلقى كثيرين من العقلاء من بعد يؤكدون له أن الحلي لم يكن إلا شذوذا على قاعدة عريضة. ترى هل كان سعيه للقاء الحلّي يعني أنه كان قد قرر أن
стр. 2879
يؤرخ للأدباء؟ إن هذا الميل سيظل ينمو في نفسه مع الزمن حتى يجد تحقيقه في معجمين كبيرين.
ومن بعد حين اتصل ياقوت بالقفطي حدثه أن الحلي حين عرف أنه (أي ياقوت) يتنقل في البلدان للتجارة قال له: قد أنست بفضلك وعقلك، ومعي في هذا الجمدان بين ثيابي ستة آلاف دينار مصرية (أو قال ثلاثة آلاف دينار مصرية، الشك من القفطي) وقد عزمت على أن أعطيك منها جزءا متوفرا تتجر به لتجد به مرفقا، ومتى غنيت أعدت إليّ رأس المال. ولكن ياقوتا اعتذر عن قبول هذا العرض «١» .
استمر ياقوت يتجر لعسكر مولاه، بعد زيارته لآمد، مدة تقل عن سنتين، إذ أن جفوة حدثت بينهما سنة ٥٩٦، فاستغنى عسكر عن خدمته وأعتقه وأبعده عنه «٢» ، فأخذ يتعيش من النسخ بالأجرة، حتى أنه كتب بين سنتي (٥٩٦- ٦٠٣) أي خلال سبع سنوات ثلاثمائة مجلد. لهذا نقدّر أنه لم يغادر بغداد، وأخذ النسخ بيده إلى الاستقرار، وفي تلك الفترة ربطته المهنة الجديدة إلى محبّي الكتب، فصحب أبا سعد الحسن بن محمد (ابن صاحب التذكرة الحمدونية) «٣» وحمد صحبته، وكان أبو سعد مغرما بالكتب واقتنائها والمبالغين في تحصيلها وشرائها، وكان أقسى ما عاناه في حياته أنه حين بطل عن العمل كان يبيع بعضها وعيناه تذرفان، فيحاول ياقوت أن يعزيه بأن الدهر ذو دول، ولا ريب في أن ياقوتا كان يتعامل معه بالكتب نسخا وبيعا وشراء. من ذلك أن أبا سعد استنسخه بالأجرة كتابا في اللغة يسمى «المحيط» من تأليف الصاحب بن عباد كان في وقف بغداد، فجاء في سبعة مجلدات «٤» .
وممن تعرّف إليهم في هذه الفترة الحسن بن أبي المعالي الحلّي المعروف بابن الباقلاني النحوي «٥» ، لقيه ببغداد سنة ٦٠٣، وكان آخر العهد به. وأقدّر أنه في سياق عمله في الكتب، اقترب كثيرا من الشيوخ، ودرس عليهم، وسوف أفرد مدخلا خاصا
стр. 2880
لأهمّ شيوخه، وقد تجاهل القفطي أمر تحصيل ياقوت علميا فزعم أنه قرأ شيئا يسيرا من النحو واللغة، وأنه حصّل بالمطالعة فوائد اقتضاها فهمه العسر «١» ، وبخس الرجل حقه ولم ينصفه، وكأن القفطي يريد أن يقول إن ياقوتا لم يكن له شيوخ، وأنه كان في ثقافته عالة على الصحف وحدها، وأن هذه الصحف لم تعطه كلّ ما فيها لعسر في فهمه، فطعن في مستوى ثقافته وقلل من شأنها، وغمزه في قدرته على الإفادة مما يقرأ.
لكن الجفوة بين عسكر وياقوت قد تولاها الزمن بالتخفيف ثم بالإزالة، ويقال في هذه المناسبة إن سيده عطف عليه واستعاده إلى خدمته، ولكنه لم يعد مولى فقد نال حريته قبل سبع سنوات، وإذن فقد عادت الرابطة بين الرجلين للمصلحة الاقتصادية المشتركة، وعاد ياقوت ينقل السلع بين كيش والشام ومصر، وحين رجع من سفرة إلى كيش (سنة ٦٠٦) وجد عسكرا قد توفي، فأعطى أولاده وزوجته نصيبهم من رأس مال وربح، على طريقة المراضاة «٢» ، وبقي له ما جعله رأس مال له، وكان تعوّده النسخ قد جعل الكتاب إحدى السلع الأثيرة لديه، فظلت التجارة هي مهنته المفضلة، ولكنه أصبح في حركاته شرقا وغربا «سيد نفسه» .
وفي العام التالي لوفاة عسكر مولاه (أي سنة ٦٠٧) نجده يحمل سلعا إلى الشام وفيها كتب علمية، ومن أبرز تلك الكتب «صور الأقاليم للبلخي» نسخة رائقة مليحة الخط مصوّرة، وكان ياقوت يمنّي نفسه أن يبيعها من ملك يحب اقتناء الكتب الجميلة، ولا يهمه ثمنها مهما علا، ويمتد به الحلم فينظم أبياتا يمدح بها ذلك الملك المتخيّل، ولا ينسى أن يورد في أبياته ذكر العلاقة بين الملك الذي يحكم الأقاليم والأقاليم نفسها (انظر القطعة الشعرية رقم: ١٢) ولا ندري كيف اتصل خبر النسخة بالملك الظاهر غازي بن صلاح الدين صاحب حلب يومئذ فأرسل من يشتريها منه، وبيعت النسخة من غير ربح، ويضيف ياقوت قوله: «وجرت لي فيها قصة طريفة أنزّه هذا السلطان عن ذكرها، فإنه وإن كان الحظ حرمني [جود كفّه] فإنه جواد عند غيري» «٣» .
стр. 2881
إذن فقد دخل ياقوت حلب (سنة ٦٠٧) وتعرّف- لأول مرة- إلى القاضي الأكرم علي بن يوسف القفطي، وزير صاحب حلب، يحفزه إلى لقائه حب الوزير للكتب واقتنائها وشيوع ذلك عنه بين الناس. غير أن القفطي يذكر أن أول اجتماع له بياقوت إنما تمّ سنة ٦٠٩ وأن الذي أحضره إلى مجلسه أبو علي الحسن بن محمد القيلوي، واطلع الوزير على ما جلبه ياقوت من كتب، وكانت قليلة العدد، فاشترى منها كتابين «١» ، ويمكننا أن نردّ هذا الاختلاف في تاريخ اللقاء إلى التصحيف الكثير بين (سبع) و (تسع) في المصادر، ولهذا فإن أحد التاريخين خطأ. والترجيح في مثل هذا الموقف غير ممكن. ولكن أحد التاريخين كان، ولا بدّ، بداية صلة استمرت حتى وفاة ياقوت. ولعلّ ياقوتا في هذه الزيارة نفسها لقي عددا من الأدباء الذين يترددون إلى مجلس القاضي الأكرم، ومنهم سليمان بن بنين، اجتمع به في عدة مجالس هنالك وأجازه برواية مصنفاته «٢» .
ويعود القفطي فيذكر أن ثاني اجتماع له بياقوت إنما تمّ سنة ٦١٣»
؛ ولكن ياقوتا يذكر أنه عاد إلى حلب سنة ٦١١ (ويعود فرق السنتين إلى الظهور) ، وياقوت في هذه المرة أدقّ، إذ زيارته مرتبطة بذكريات يقينية، وخط سيره أوضح، وهو أدرى به من القفطي، ففي عام ٦١١ زار القاضي الأكرم في منزله، ودار الحديث بينهما عن الجوهري صاحب الصحاح وعن جودة تأليفه، وكان يشغل خاطريهما وهما يتجاذبان أطراف الحديث عدم الاهتداء إلى العام الذي ولد فيه الجوهري والعام الذي توفي فيه، بعد البحث الطويل. وقد سأل ياقوت عن هذين التاريخين الوافدين من نيسابور فلم يجد أحدا ينبئه بذلك، وافترق الرجلان، وعاد ياقوت في اليوم التالي إلى منزل القفطي فأخبره هذا أنه رأى في المنام من يقول له: مات إسماعيل الجوهري سنة ٣٨٦، ثم عثر ياقوت على نسخة من ديوان الأدب بخط الجوهري مكتوبة سنة ٣٨٣ ونسخة من الصحاح كتبها الجوهري نفسه سنة ٣٩٦، وهكذا وجدا في حالي المنام واليقظة تاريخا مقاربا لسنة وفاة الجوهري «٤» .
стр. 2882
ويسلك ياقوت خطا واضحا بعد ذلك وإن كان متعرجا، ففي العام التالي (٦١٢) «١» نراه في مصر حيث يجدد العهد بكثير ممن عرفهم في سفرات سابقة، فيزور صديقه المرهف بن أسامة بن منقذ في بيته ويبيعه بعض الكتب، وكان عمر المرهف يومئذ اثنين وتسعين عاما، وكان قد أقعد فلا يقدر على الحركة إلا أنه كان صحيح العقل والنظر، يقرأ الخط الدقيق، لكن في سمعه بعض ثقل، وهذا ما كان يفرض على ياقوت أن يقتصد في حديثه معه «٢» ، ولم يفقد المرهف حتى في تلك السنّ شغفه بالكتب.
ولقي ياقوت أيضا الشريف أبا جعفر محمد بن عبد العزيز الإدريسي الحسني ونقل عنه خبر أستاذه الحسن بن الخطير وتاريخ وفاته «٣» .
وفي جمادى الأولى من العام نفسه غادر مصر عائدا إلى دمشق فوصلها في جمادى الثانية، وعاد يشغله أمر العسكرين أبي أحمد وأبي هلال، مثلما كان ذهنه في العام الفائت مشغولا بالجوهري: ترى أين يجد ترجمة لكلّ منهما؟ ولقي في دمشق الحافظ إسماعيل بن عبد الله الأنماطي، فذكر له ما أملاه السلفي في الترجمة لهما، وأعاره تلك الأملية «٤» ، ومن الشام توجه إلى بغداد في العام نفسه، وهنالك لقي الأديب قوام الدين الهاشمي «٥» ، ومن بغداد عاد إلى دمشق وقعد في بعض أسواقها، وجرّه الجدال مع أحد المتعصبين لعلي إلى أن ذكر عليا بما لا يساغ، فثار الناس عليه في دمشق حتى كادوا يقتلونه، ونمي خبره إلى المعتمد الموصلي والى دمشق، فأرسل في طلبه «٦» ، فغادر دمشق هاربا ووجهته حلب. ويرى القفطي أن سبب انحرافه عن علي قد يعود إلى التأثر بآراء الخوارج «٧» ، ولكن الأصوب أن يقال إنّ الغلوّ في حبّ عليّ يولّد غلوّا في الجهة المضادة، وبخاصة إذا احتدم الجدال، ونسي كل واحد من المتجادلين حدوده؛ وهذا لم يحدث لياقوت وحده، بل حدث لغيره من الناس.
стр. 2883
وليس في مؤلفات ياقوت ما يدلّ على انحراف عن عليّ وقد ترجم له في معجم الأدباء لأنه يعده واضح النحو أو الموحي به إلى أبي الأسود الدؤلي.
ومع أن ياقوتا عرف دمشق قبل هذه المرة وبعدها، وقضى فيها أوقاتا كثيرة، فإن حديثه عنها في معجم البلدان ينتمي في معظمه إلى الأخبار المنقولة من المصادر، وقلما نجد هنالك اعتمادا على المشاهدة، وقد لفت انتباهه في دمشق كثرة المياه، فقلّ أن تمر بحائط إلا والماء يخرج منه في أنبوب إلى حوض يشرب منه ويستقي الوارد والصادر، «وما رأيت بها مسجدا ولا مدرسة ولا خانقاها إلا والماء يجري في بركة في صحن هذا المكان ... » كذلك لفت انتباهه أن المساكن بها عزيزة لكثرة أهلها والساكنين بها وضيق بقعتها، وهو يحدثنا أن بها ربضا دون السور يحيط بأكثر البلد ويكون في مقدار البلد نفسه، تلك هي انطباعاته الذاتية عن دمشق، فأما سائر الحديث عنها وعن جامعها فهو مستمد من المصادر في أكثره «١» .
وفي زياراته الكثيرة للمدينة تعرّف إلى عدد من علمائها. تعرّف إلى فتيان الشاغوري وكان له حلقة بجامع دمشق يقرىء فيها النحو، وقد كان حين رآه شيخا بلغ التسعين أو جاوزها «٢» وعرف فخر الدين ابن الساعاتي الطبيب الموسيقار صاحب الخط المنسوب الجيد، وحضر مجالسه غير مرة «٣» .
أما مجلس شيخه أبي اليمن تاج الدين الكندي في دمشق فكان آثر المجالس إلى نفسه، وكانت قوة ذاكرة ذلك الشيخ محط إعجابه فهو يصف حفظه بقوله: «وفي كثرة ما صحبته، وحضرت مجلسه ما رأيت القارىء قرأ عليه كتابا من مروياته، وعلى الخصوص الأدبية واللغوية والنحوية ونحوها إلا وهو يسابق القارىء إلى ما يقرأه» «٤» .
وقد عرف ياقوت مكانة العلم في شخص هذا الشيخ إذ كان يرى الملك المعظم عيسى، وهو يومئذ صاحب الشام، يقصد منزل الشيخ تاج الدين راجلا ليقرأ عليه النحو، ولا يكلفه مشقة الذهاب إليه. ورأى على باب شيخه من المماليك الأتراك ما
стр. 2884
لا يكون إلا على باب ملك، ورأى له من الدور والبساتين ما لا يحصى «١» ، كان تاج الدين يجمع العلم والغنى، إذ كان في بعض مراحل حياته بدمشق وزيرا أو بمنزلة وزير ولذلك قال فيه ابن النجار: كان بهيا، وقورا أشبه بالوزراء من العلماء «٢» .
بعد دمشق يتوجه ياقوت إلى حلب فيصلها في جمادى الآخرة من سنة ٦١٣، ولا ندري في أي سفراته إلى حلب (٦٠٧، ٦١١، ٦١٣) كان ينزل مدرسة الزجاجية (أو لعلّه فعل ذلك في حال استقراره النهائي فيها) ففي تلك المدرسة كان يقطن المعيد الفقيه أبو الحسن علي بن محمد الأرجيشي، وكان رجلا قانعا باليسير من الرزق، فإذا زاده أهل البلد شيئا لم يقبله ويقول: في الواصل إليّ كفاية، وكان مقدار ما يصل إليه اثني عشر درهما «٣» . وفي حلب لقي سديد بن سعيد بن صالح الجبراني، وهو نحوي مقرىء كانت له حلقة في جامع حلب يقرىء بها العلم والقرآن، وسأله ياقوت عن مولده فأخبره «٤» .
ويزور حاضر حلب، ويدق الباب على القاسم بن القاسم الواسطي «٥» ، فيخرج إليه الواسطي ويملي عليه عند باب داره أسماء تصانيفه الكثيرة، ويغادر حاضر حلب إلى الموصل فيلقى ياقوت بن عبد الله الرومي الأصل، وكان يومئذ قد بلغ من الكبر غاية، ويرى كتبا بخطه يتداولها الناس منها الصحاح والمقامات «٦» ، ويجتمع هنالك أيضا بابن الدهان البغدادي «٧» ، ويذكر القفطي أنه دخل اربل بعد الموصل ولكنه لم يحاول أن يدخل بغداد لأن خصمه في دمشق كان بغداديا «٨» ، ولكن دخوله اربل هذه المرة موضع شك لأن شرف الدين المستوفي لا يذكر شيئا من ذلك.
وفي شوال من العام نفسه (٦١٣) وصل خوار من أعمال الريّ فوجدها قد غلب
стр. 2885
عليها الخراب «١» ، ولعله لم يطل الإقامة في منطقة الري إذ يصل في السنة نفسها إلى الشاذياخ التي كانت قد خلفت مدينة نيسابور فيستطيبها وتعجبه الإقامة فيها. ويقول في وصف هذه المرحلة من حياته: «وصادفت بها من الدهر غفلة، خرج بها عن عادته، واشتريت بها جارية تركية لا أرى أن الله تعالى خلق أحسن منها خلقا وخلقا، وصادفت من نفسي محلا كريما» «٢» .
تلك ذروة غريبة الموقع في حياة ياقوت، فها هو على مشارف الأربعين، يقبل على الزواج، أي يختار الاستقرار، وهو رجل موكّل بفضاء الله يذرعه، لا يكفّ عن الترحال، والأغرب من كل ذلك أن يعرض الجارية للبيع بعد إذ حلت من نفسه ذلك المحلّ الكريم، دون أن يكون هناك سبب يحفزه إلى التخلي عنها، سوى أنه أبطرته النعمة فتحجج بضيق اليد، لكنه أساء التقدير، إذ لم يحسب أن تعلقه بها لا تهزمه الدعوى أو الخداع الذاتي، يقول: «فامتنع عليّ القرار، وجانبت المأكول والمشروب حتى أشرفت على البوار» ونصحه بعض معارفه أن يتصل بمالكها الجديد ليسترجعها، ولكن الذي اشتراها كان في سعة من الحال. ولم يكن بيعها ليضيف كثيرا إلى ثرائه، كما أنها حلّت من نفسه محلا يكاد يتجاوز ما بلغته لدى ياقوت نفسه، والغريب في تصرف ياقوت لا في أنه أحبها وحسب، بل في قوله واصفا محبتها هي له: «وكان لها إليّ ميل يضاعف ميلي إليها» «٣» . وقد لجأ ياقوت إلى الشعر يخفف به لوعته، ويتحسر على ما ضاع من يده، فنظم مقطوعة مطلعها «ألا هل ليالي الشاذياخ تؤوب» يقول فيها:
أئن ومن أهواه يسمع أنّتي ... ويدعو غرامي وجده فيجيب
وأبكي فيبكي مسعدا لي فيلتقي ... شهيق وأنفاس له ونحيب «٤»
وصل ياقوت إلى مرو الشاهجان سنة ٦١٤، وألقى فيها عصا التسيار، كان يطلب ملجأ آمنا بعيدا عن عصبيات الشاميين وغيرهم فوجده، وكان يريد دواء لمشاعره
стр. 2886
المجرحة إثر نزوة حمقاء، فوجد في مرو ما ينسيه جميع رواسب الماضي، وجد قوما لطفاء ليني الجانب، فيهم دماثة وحسن عشرة فأحبهم، ونوى أن يقضي بقية عمره بينهم، وزاده محبة لمرو أنه وجدها أغنى المدن الإسلامية بخزائن الكتب، وفي خزائنها وجد كنوزا يستطيع أن يطالعها وينسخها، أي وجد فيها زاده الثقافي وزاده المعاشي، وهو يذكر أنه حين فارقها كانت تحتوي عشر خزائن:
(١) الخزانة العزيزية، نسبة إلى عزيز الدين الزنجاني، وكان فيها اثنا عشر ألف مجلد أو ما يقاربها، وكانت مودعة في جامع مرو، وتسمّى أيضا «الخزانة الفقاعية» لأن الزنجاني واقفها كان مسؤولا عن تحضير شراب الفقاع للسلطان سنجر.
(٢) الخزانة الكمالية (ولا يدري ياقوت إلى من تنسب) .
(٣) خزانة شرف الملك المستوفي أبي سعد محمد بن منصور، ومحلها مدرسة باسمه، وقد رأى فيها أو في الخزانة الفقاعية كتابا في عدة مجلدات تصنيف «الغوري» وتأمّل الكتاب فوجده أجمع كتاب، كثير الألفاظ قليل الشواهد، وهو من الكتب التي انفردت بها خزائن مرو، إذ إنه لم يظهر له ذكر لا بالعراق ولا بالشام ولا بمصر «١» .
(٤) خزانة نظام الملك محمد بن إسحاق في مدرسته.
(٥) و (٦) خزانتان للسمعانيين في بعض منازلهم، وقد شاهد في إحداهما نسخة كتاب بخط الأزهري، نسخها وأحضرها معه حين عاد إلى حلب وأطلع عليها القفطي «٢» .
(٧) خزانة في المدرسة العميدية.
(٨) خزانة لوزير يدعى مجد الملك.
(٩) الخزانة الخاثونية في المدرسة الخاثونية.
(١٠) الخزانة الضمرية في إحدى الخانقاهات بالمدينة.
وكان ياقوت يستعير الكتب التي يحتاجها من هذه الخزائن دون رهن حتى ليبلغ
стр. 2887
ما يستعيره أحيانا مائتي مجلد، وهو يقرّ أن جلّ الفوائد التي تضمنها كتابه معجم البلدان وغيره من كتبه إنما كان مستمدا من تلك الخزائن «١» .
وحققت له إقامته بمرو لقاء كثير من علمائها والوافدين إليها وتأكدت صلته بآل السمعاني، وخاصة بأبي المظفر عبد الرحيم بن أبي سعد السمعاني، وكانت خزانتا السمعانيين مدخلا أوليا لتلك العلاقة. وعرض عليه أبو المظفر جزءا يشتمل على رسائل للحسن القطان، إلى الرشيد الوطواط، محشوة بالسب والثلب، تصريحا لا تعريضا، إذ إن القطان كان يتهم الوطواط بأنه سلبه كتبه، ولكنه لم يدوّن شيئا من رسائل القطان، وأدركه الندم حين احتاج إليها، واكتفى باقتباس أجوبة الوطواط على تلك الرسائل «٢» .
وأثناء إقامته في مرو لم يكن يغادر المدينة إلا ليتعرف إلى بعض قراها، ولعل التعرف الجغرافي كان هدفه الأول من تلك الجولات، وإن كنّا لا نستبعد أن التجارة كانت حافزا آخر، فزار قرية جنوجرد (٦١٤) ووجدها كبيرة ذات أسواق وعمارات حسنة وجامع فسيح وكروم وبساتين «٣» . وكذلك رأى الجرجانية فوجدها مدينة عظيمة «٤» ، ورأى جيربخ فرآها حافلة بالدور العالية والمنازل النفيسة والأسواق الكبيرة «٥» ، ومن هذا الوصف ندرك أن كثيرا من قرى مرو كانت أشبه شيء بالمدن.
أقام ياقوت في مرو قرابة ثلاث سنوات متتابعة (٦١٤- ٦١٦) وحين فارقها في العام الثالث ذاهبا إلى خوارزم كان ينوي العودة إليها، لأنه كان قد نوى منذ البداية أن لا يفارقها إلى الممات»
، لكن أحداثا كانت أقوى منه بكثير هي التي اضطرته إلى مغادرتها نهائيا.
وأدهشته خوارزم بروعة عمرانها حتى أنه ما رأى ولاية أعمر منها، فقد وجد أن
стр. 2888
عمارتها متصلة وقراها متقاربة، وأكثر الضياع فيها مدن ذات أسواق وخيرات ودكاكين، وفي النادر أن تكون قرية لا سوق فيها، هذا مع كثرة الشجر وامتداد ظل الأمن، إلا أنه وجد الشتاء فيها قارس البرد جدا، حتى أن نهر جيحون- وعرضه ميل- يتجمد في الشتاء، وتمر فوق سطحه القوافل والعجلات التي تجرها البقر، وهي موقرة، في الذهاب والاياب، ويبقى النهر في حالة تجمد نحو شهرين «١» . وفي خوارزم لقي القاسم بن الحسين الخوارزمي، قصده إلى منزله فوجده شيخا بهي المنظر حسن الشيبة، سمينا عاجزا عن الحركة «٢» .
وفي دخوله إلى منطقة خوارزم وقبل أن يصل ياقوت الجرجانية عاصمتها كان يجتاز جيحون في سفينة مع بعض المسافرين، فأخذ النهر بالتجمد وحصرت الثلوج السفينة، فقاسى من البرد آلاما شديدة، وأخذ يتوقع الهلاك هو ومن معه، وأخيرا قيض لهم أن يخرجوا إلى البرّ، وكانت أقرب مدينة إليهم أرثخشميثن، فساروا في الثلوج ولا دواب هنالك، فوصل إلى المدينة المذكورة بعد شدائد؛ ونزل في خان هنالك، وكتب على حائطه مقطوعة شعرية ركيكة الصياغة يصف فيها بعض ما قاساه، وفي المقطوعة يذم المدينة وأهلها ثم يعلق على ذلك بقوله: «وأما ذمي لذلك البلد وأهله فإنما كان نفثة مصدور، اقتضاها ذلك الحادث المذكور، وإلا فالبلد وأهله بالمدح أولى، وبالتقريظ أحق وأحرى» «٣» .
كان خروج التتر لا جتياح ديار الإسلام، هولا عاما، كأنه الخطر الكوارثي الذي لا يمكن صدّه لا بالقوة ولا بالحيلة، لهذا يصبح مطلب كل فرد أن ينجو بنفسه، غير عابىء بما يصيب الآخرين، وذلك هو حال بني البشر يوم الحشر، فهرب ياقوت في مثل تلك الحال أمر طبيعي. وكانت عودة ياقوت هاربا نحو الغرب عن طريق بلاد الخزر، ومرّ بعدة مدن وصفها مسرعا إلا أنه (سنة ٦١٧) تلبث في أردبيل، وشاهد الغيضة التي يلجأ إليها أهل المدينة إذا دهمهم أمر، وهي الغيضة نفسها التي يقطعون منها الخشب ويصنعون منه قصاع الخلنج والصواني، ولا توجد قطعة منه خالية من
стр. 2889
عيب. وقد جلس عند صنّاعه وطلب أن يروه قطعة واحدة لا عيب فيها، فعرّفوه أن ذلك معدوم، إنما الخالي من العيب هو الذي يجلب من الري، وقد كان حين مرّ بالري في بعض أسفاره جلس إلى الصنّاع فيها فوجد السليم من القصاع كثيرا «١» . ثم غادر أردبيل إلى اربل فوصلها في العشر الوسطي من شهر رجب (سنة ٦١٧) «٢» ، ونزل عند شرف الدين المستوفي وربما أطلعه على ما نجز من كتابه «إرشاد الألباء» ، ثم توجّه إلى الموصل، ومنها كتب رسالته إلى القفطي بحلب، وهي الشاهد الأكمل على قدرته الأدبية النثرية، وبعد مقدمات في الثناء على القفطي والحديث عن ولاء ياقوت له، يتحدث عن مقامه بمرو، وإفادته من وفرة مكتباتها، ثم يعرج إلى التحدث عن خراسان: كيف كانت وكيف أصبحت، «إلى أن حدث بخراسان ما حدث من الخراب، والويل المبير والتباب، وكانت لعمر الله بلادا ذات رياض أريضة، وأهوية صحيحة مريضة ... وجملة أمرها أنها كانت أنموذج الجنة بلا مين، فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ العين ... فكم كان فيها من حبر راقت حبره، ومن إمام توّجت جباه الإسلام سيره، آثار علومهم على صفحات الدهر مكتوبة، وفضائلهم في محاسن الدنيا والدين محسوبة، وإلى كل قطر مجلوبة» «٣» ، ثم يصف حاله في الموصل فيقول: «والمملوك الآن بالموصل مقيم، يعالج مما حزبه من هذا الأمر المقعد المقيم، يزجّي وقته ويمارس حرفته وبخته ... يذيب نفسه في تحصيل أغراض، هي لعمر الله أعراض، من صحف يكتبها، وأوراق يستصحبها، نصبه فيها طويل، واستمتاعه بها قليل، ثم الرحيل، ويركب سنن الطريق عساه يبلغ أمنيته من المثول بالحضرة، وإتحاف بصره من خلالها ولو بنظرة، ويلقي عصا الترحال بفنائها الفسيح، ويقيم تحت ظلّ كنفها إلى أن يصادفه الأجل المريح» «٤» .
ويضيف ياقوت إلى اسمه صفة جديدة- في صدر الرسالة- وهي «الأكرمي» أي أنه مملوك القاضي الأكرم، وهكذا يربط رقبته بحبل الرقّ ومن حوافز ذلك الضياع
стр. 2890
والجوع وفقدان المأوى.
وأقام ياقوت بالموصل مدة ثم رحل إلى سنجار ومن سنجار إلى حلب «١» ، ودخل على القاضي الأكرم في حالة يسوء منظرها، ووصف من أمره أمورا لا يسرّ مخبرها، وقال: قد ألقيت عصاي ببابك، وخيم أملي بجانب جنابك، فقال له القاضي الأكرم: أقاسمك العيش «٢» - عبارة غامضة إذ لا ندري ما معنى مقاسمة العيش بدقة، وقريب منها في الغموض قول القفطي بعد ذلك «فأقام مشاركا في المعلوم» «٣» ، وإذا صدقنا القفطي قلنا لعله قدم لياقوت بعض مال يعينه على شراء طعامه، وأباح له استعمال مكتبته فنسخ وباع، ولفّق من تلك الكتب مجموعات لم يكملها. ونراه سنة ٦١٨ ما يزال بحلب، وفيها يلقى القاسم بن أحمد اللورقي «٤» ، ويأخذ عنه ترجمته، وهو بحلب أيضا في السنة التالية (٦١٩) (أواخر ربيع الثاني «٥» وذي الحجة «٦» ) ، من العام نفسه. وكذلك هو في حلب (عام ٦٢٠) «٧» ، بل وفي كل عام حتى تاريخ وفاته.
ولتردده إلى حلب وإقامته فيها وقربه من القفطي، وجولاته فيها وفي حاضرها وفي قراها، تحتل منطقة حلب في معجم البلدان مكانة واضحة المعالم لا تدانيها دمشق «وشاهدت من حلب وأعمالها ما استدللت على أن الله تعالى خصّها بالبركة وفضّلها على جميع البلاد» فعدّ أنواع الزراعة فيها وميزة مزروعاتها، وذكر أن فيها نيفا و ٨٢٠ قرية ملك لأهلها ليس للسلطان فيها إلا مقاطعات يسيرة ونحو نيف و ٢٠٠ قرية مشتركة بين الرعية والسلطان، وقد وقّفه على الجريدة بأسماء القرى وأسماء ملاكها القاضي الأكرم، وهي تقوم برزق ٥٠٠٠ فارس، وفيها من الطواشية المفاريد ما يزيد على ألف فارس يحصل للواحد منهم في العام ١٠٠٠٠- ١٥٠٠٠ درهم وفي أعمالها (٢١) قلعة يقام بذخائرها وأرزاق مستحفظيها ما لم يذكر في النفقات السابقة، ويصف ياقوت قلعة
стр. 2891
حلب، وما جدده فيها الملك الظاهر غازي «١» ، وفي وصفه حاضر حلب يقول:
والذي شاهدناه نحن من حاضر حلب أنها محلة كبيرة بين بنائها وسور المدينة رمية سهم من جهة القبلة والغرب، وأكثر سكانها تركمان مستعربة من أولاد الأجناد، وبها جامع حسن مفرد تقام فيه الخطبة والجمعة والأسواق الكثيرة من كل ما يطلب، ولها وال يستقل بها «٢» .
وقد حصر القفطي نشاط ياقوت أثناء الفترة الحلبية في الأمور التالية:
(١) نسخ الكتب للبيع.
(٢) تصنيف كتابين صغيرين في النحو، خلط فيهما الغث بالسمين، وقد نصحه القفطي بعدم نشر الكتابين وبيّن له مواضع الخطأ فيهما فما أصغى إلى نصحه.
(٣) اشترى خاما وسافر به إلى مصر فربح ربحا قريبا، وعاد بمعمول مصر فأربح فيه أيضا.
ولكن القفطي يصمت عن أشياء أخرى، إذ تمكن ياقوت عند عودته إلى حلب من العمل في المعجمين معا: معجم الأدباء ومعجم البلدان، والثاني منهما مطرز في المقدمة باسم ابن يوسف أي القفطي «علقت بحبل من حبال ابن يوسف ... » «٣» وقد انتهى منه في ٢٠ صفر ٦٢١ «٤» قال: «ثم اهديت هذه النسخة بخطي إلى خزانة مولانا الصاحب الكبير، العالم الجليل الخطير ... القاضي جمال الدين الأكرم» «٥» . ترى لماذا أغفل القاضي ذكر معجم البلدان ومعجم الأدباء وغيرهما من مؤلفات ياقوت؟
ألأنّ كتابه مقصور على النحاة ومؤلفاتهم في النحو واللغة؟ ولكن عند الاختبار يبدو أن هذا شيء واه لا ثبات له، فإنه حين ترجم لعلي بن الحسين الاصفهاني ذكر كتابه الأغاني وكتبه الأخرى التي لا تربطها علاقة بالنحو واللغة. إننا إذا أحسنّا الظن بالقفطي
стр. 2892
وبرّأناه من مشاعر الحسد والكراهية قلنا إن ترجمة ياقوت عنده ناقصة.
وفي آخر سفرة لياقوت إلى مصر عاد إلى حلب ونزل بخان في ظاهرها، (وهنا يبدو لنا لم تكون عبارة «أقاسمك العيش» غامضة ومثلها «فأقام مشاركا في المعلوم» ) ، فقد مرض ومات في ذلك الخان ٢٠ رمضان سنة ٦٢٦/١٢ آب ١٢٢٩.
٢- شخصية ياقوت وأخلاقه:
التقى ابن الشعار بياقوت في الموصل، وياقوت يومئذ في كهولته، وكان ياقوت صديقا لأخي ابن الشعار، وبينهما أنس تام «١» ؛ فنشأت بين ياقوت ومؤلف قلائد الجمان معرفة لم تتطور إلى صداقة لقصر المدة التي أقامها ياقوت في الموصل، ويصف ابن الشعار ياقوتا بأنه كان أشقر أحمر اللون أزرق العينين «٢» ولم يستوقفه من مظهره سوى ما ذكر؛ لكنه أسرع إلى ذكر بعض تصرفاته السلوكية، فذكر أنه كان ضنينا بما يجمعه، لا يحب إطلاع أحد على ما يؤلف، شديد الحرص عليه، لا يقدم لمخلوق فائدة البتة، وكان ربما سئل عن شيء، وهو به عارف، لم يجب عنه شحا وجفاء طبع. هكذا كانت شيمته مع الناس «٣» .
وبخل ياقوت بما يؤلف قد أطنب هو نفسه في وصفه في مقدمة كتابه «معجم الأدباء» فهو هناك ينسب ضنّه به إلى ما قاساه في جمعه، وكثرة وقوفه على الأبواب في لقاء الأشخاص الذين يستمد منهم مادة كتابه، «فلا غرو أن أمنعه من ملتمسيه، وأحجبه عن الراغبين فيه» ويحس هو بأن هذا التصرف مستهجن، ويعاتب نفسه على هذا الفعل، ولكنه يتأسى بأناس مثل محمد بن عبد الملك التاريخي، حجبوا كتبهم وضنوا بها وهي دون كتابه بكثير، ويقول: «قد أقسمت أن لا أسمح بإعارته ما دام في مسودته لئلا يلحّ طالب بالتماسه ... فإذا هذّبته ونقحته وبيّضته فتمتع به ... » إذن فإن البخل لم يكن قاعدة عامة في طبع ياقوت، ولكنه لم يكن ليخرج
стр. 2893
كتابه إلى الناس قبل تبييضه وتنقيحه وتهذيبه. هكذا يبدو في بعض مراحل حديثه في كتابه، إلا أنك تجده في موضع آخر يقول: إن بعضهم التمس الكتاب لينسخه «فوجدت في نفسي شحا عليهم ... مع كوني غير راض لنفسي بذلك المنع، ولا حامد لها على ذلك الصنع، لكنها طبيعة عليها جبلت، وسجية إليها جبرت» «١» .
ولعلّ ابن الشعار متأثر بما قاله ياقوت- في مناسبة معينة- عن نفسه. ومع ذلك فإن هذا الموصوف بالبخل لما اجتمع بابن المستوفي في إربل أطلعه- فيما نقدر- على مقدمة معجم الأدباء «٢» ، وأثبت الرجل أجزاء منها في تاريخ إربل. ويحاول ابن الشعار أن يؤكد ضنّ ياقوت بما يؤلف أو ينشىء، فيذكر أنه طلب منه شيئا من شعره، فجعل يماطله مدة من الزمان ثم سافر إلى الشام ولم يلتق الرجلان بعد ذلك، ومع هذا فإننا نجد ابن الشعار ينقل مقطعات كثيرة لياقوت، بعضها أنشدها ياقوت للمستوفي، وبعضها أنشدها لابن النجار «٣» ، ثم هو يتمم نسخة من معجم البلدان ويضعها في خزانة القاضي الأكرم، ويشهد ابن العديم في مواضع من بغية الطلب «٤» أنه رأى معجم البلدان وأفاد منه كما رأى معجم الأدباء، وإذا صحّ كل ذلك فمعناه أن ياقوتا لا يسوّي بضنّه بين جميع من يعرف، وإنما قد تستدعي الضنّ حالات نفسية ذاتية لدى ياقوت، أو حالات يجدها في من يطلب منه شعره أو مؤلفا من مؤلفاته. وقد كان يعرف أو يقدر أن الناس يقولون خلف ظهره: «إن هو إلا تصنيف رومي مملوك!!» وأنا وإن كنت أميل إلى ترجيح ضنه بكتبه لأن الرفض في هذه الحال يدلّ على قدر من الحرية في التصرف لدى امرىء مملوك، فإني أرجح أن الضنّ كان خاضعا لحالات نفسية معينة، وإلا فكيف يعمد هذا الرجل الضنين بمؤلفاته وما يملكه من كتب وأوراق فيوصي بها إلى وقف الزيدي ببغداد (وكان مسجد الزيدي بدرب دينار) ويعهد إلى الشيخ عز الدين ابن الأثير المؤرخ- وكان يومئذ بحلب- أن يسلمها إلى ناظر الوقف الشيخ
стр. 2894
عبد العزيز بن دلف «١» .
غير أن القفطي يتهم المؤرخ (ابن الأثير) بأنه تصرّف في الكتيبات والأوراق التي بخطّ ياقوت تصرفا غير مرضيّ، ولم يوصلها (بعد أن عاد إلى الموصل) إلى حيث أوصى صاحبها «بل فرّقها على جماعة أراد انتفاعه بهم وبها عندهم، ولم ينفعه الله بشيء من ذلك، ولم يتملّ منها بأمل ولا مال، وقطع الله أجله، بعد أن قطع من الانتفاع بتفرقتها أمله، فاكتسب خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وبلغني أن خبرها وصل إلى بغداد وأنهم طالبوه من هناك بتسييرها إلى محلّ وقفها، فسيّر بعضها وأعرض عن بعض، فنعوذ بالله من سوء القضاء والقدر» «٢» .
لست أود أن أدافع عن ابن الأثير المؤرخ، ولا أن أرمي القفطي بالتزيد، أو بتسجيل سيئات الناس دون محاسنهم، إذ إني لا أعرف ما كان بين الرجلين من علاقة، كما أني لا أحب أن أقول إن المعاصرة هجنة، أو أن أقيس أخلاق الفرد على ما اكتسبه- بعد مرور القرون- من شهرة علمية، ولكن هذا لا يمنعني من أن أتساءل:
ما الانتفاع الذي كان يرجوه ابن الأثير من تفريق كتب ياقوت وأوراقه؟. لقد ترك القفطي هذا الجانب غامضا، فنحن لا نعرف ماذا فرّق، وعلى من فرّقه، وقد كان قادرا على الانتفاع لو شاء من طرق أخرى، كالاتصال بالحكام في عصره، وتقديم الخدمات لهم، وهو قد ابتعد عن ذلك عامدا.
ولكن حديث القفطي عن ابن الأثير يصلح أن يكون مدخلا لفهم موقفه من ياقوت، فقد كان الرجل (أي ياقوت) في نظره عسر الفهم، وكان في خلقه مكابرة (أية مكابرة تبرز من أول لقاء بين بائع كتب يرجو نفاق سلعته عند وزير رفيع المكانة كالقفطي؟!) وفي أول لقاء بين الرجلين تأمّل القفطي هذا الرومي فتوسّم فيه أمورا صدق حدسه فيها إذ علم أنه لا يصلح للعشرة. ترى ما هي تلك الأمور التي توسّمها فيه؟ وعندما احتاج ياقوت إلى من يؤويه ويعطف على حاله كان القفطي يرى في خلقه الطيش، ويدرك أن أخلاقه خلقة، ومخاريقه منخرقة، ويجد في دينه قاذورات،
стр. 2895
وتصرفا في سلوكه يوجب له الشتات (أي طرده عن حمى الوزير الكبير، لو أمن ذلك الوزير النقد الإجتماعي) . وقد استطاع الوزير أن يخفي مشاعره الحقيقة تجاه ياقوت حتى أن ياقوتا وصفه بأنه كان «طلق الوجه حلو البشاشة» «١» هذا إلى صفات أخرى فيه فقد كان «جمّ الفضل، كثير النبل، عظيم القدر، سمح الكف» قال ياقوت:
«وكنت ألازم منزله، ويحضره أهل الفضل وأرباب العلم» «٢» وهو يرتفع في نظر نفسه حين يلقبه «الصاحب الوزير الأكرم» ويلحق بذكر اسمه الدعاء وهو في رسالته إليه «مالك الرق، ولي النعم» ، ولكن القفطي لا يحب أن ينزل إلى مستوى تاجر كتب، ولذلك فلا تجري كلمة «الصاحب» على طرف لسانه أو على سنّ قلمه، بينما نجد كمال الدين ابن العديم يقول: «وذكر صاحبنا ياقوت ... ونقلت من خط صديقنا ... وقرأت بخط صديقنا الفاضل» «٣» يقابل هذا عند القاضي الأكرم قوله:
«ذكر لي ياقوت الرومي الناسخ- أخبرني ياقوت واسمه ياقوت الرومي مولى عسكر الحموي- ذكر لي ياقوت الحموي مولى عسكر الحموي التاجر- وقال لي ياقوت مولى عسكر الحموي» » .
وقد توفي ياقوت وهو لا يدرك شيئا مما كان يسرّه القاضي الأكرم نحوه من كراهية وضغن واحتقار، ولا يعرف اللغة الاستعلائية التي يستعملها القاضي كلما ذكره أو تذكّره. وكان ذلك من رحمة الله به، إن إحساس القفطي بالرفعة وإمعان ياقوت في إبراز الدونية (مرغما أحيانا) هو المسؤول عن بقاء المسافة الفاصلة قائمة بين الرجلين.
ولعل الصلة بين ياقوت والقفطي تعيدنا إلى الحديث عن الضنّ بالمؤلفات، فإن في معجم الأدباء إشارات إلى أن ياقوتا أفاد من كتاب في النحاة للقفطي، ولعل ذلك يشير إلى كتابه المعروف باسم «إنباه الرواة» ولكن الفوائد المستمدة من هذا الكتاب قليلة في معجم الأدباء، (والأدباء يشملون النحويين) فلو أن ياقوتا تمكّن من الاطلاع عليه أو على معظمه، لما اتضح ذلك البون بين الكتابين. ترى هل كان ذلك نتيجة
стр. 2896
حجب القفطي لكتابه، وضنه ببذله، أو لأنه تأخّر في جمع مواده، ففي بعض تراجمه أنه يكتبها بعد ست سنوات من وفاة ياقوت (أي سنة ٦٣٢) «١» .
٣- ثقافة ياقوت وشيوخه
١- نظرة عامة في ثقافته:
يقرن ابن الشعار بين ياقوت والتحصيل الثقافي بلقائه لعلماء مصر والشام فيقول: «ولقي مشايخها وعلماءها وشاهد أدباءها وفضلاءها، وجالس صدورها وكبراءها وأخذ عنهم الآداب الكثيرة، واستفاد منهم الفوائد الغزيرة» «٢» ، ولكن ابن الشعار ينسى أن ثقافة ياقوت لم تقف عند هذا الحدّ، بل إن السنوات الثلاث التي أقامها يتردد إلى خزائن الكتب في مرو، قد وسّعت كثيرا في مجال ثقافته، وأن اشتغاله بالنسخ قد رسخ في ذهنه ثقافة عريضة لم يحصلها من الشيوخ، فإذا أضفنا إلى ذلك استعداد ياقوت لاستمداد الفائدة من كل من يلقاه، عالما كان أو غير معدود في طبقة العلماء، قدّرنا أن تشبع نفسه بالسؤال المستمر دون فتور أو كلل كان مصدرا للمعرفة لا ينضب، ولم نحدّ المجال الثقافي الذي بلغه. ولقد صدق المنذري حين قال:
«وكانت له همة عالية في تحصيل المعارف» «٣» ، فإذا ربطنا بين تلك الهمة العالية وبين حب الاستطلاع الذي يشبه النهم، قدّرنا أن الرجل كان يحسّ أن طريقه سينال حظا من تقدير المجتمع له هو إحراز تميز خاص في ميدان العلم.
كان أكثر شيوخه متقاربين في نوع العلوم التي يحسنونها وإن كانوا متفاوتين في درجات الإتقان، ولذلك أخذ عنهم النحو واللغة والعروض والقراءات وشيئا من الفقه والحديث. وكانت دراسته على شيخ إثر آخر منهم تعدّ تعميقا في بعض جزئيات تلك العلوم ومشكلاتها، فقد غدا يعرف المشكلات النحوية الكبيرة ويرى لنفسه رأيا في بعضها، ويتقن العروض حتى تجرأ فألّف في ضرورات الشعر ووجد نفسه بأخرة
стр. 2897
يستطيع أن يرد على ابن جني في بعض الشؤون النحوية، وإن اتهمه القفطي بضعف أنسته بالعربية. ولم تكن هذه التهمة باطلة بإطلاق، فهناك من تعقبه في بعض أخطائه اللغوية، فقد وجد المستوفي على ظهر المجلدة الأولى من معجم الأدباء تقريظا للكتاب، كتبه عبد الرحيم بن النفيس بن هبة الله الحديثي «١» وتحت التقريظ بعض ما يراه هذا المتعقب خطأ، إذ وجده يقول في مقدمة المعجم «وكنت مع ذلك أقول للنفس مماطلا وللهم مناضلا (بالضاد) » ، وفي بعض مقدمة كتاب آخر وجده يمدّ المقصور، ووجده يقول في موضع ثالث «وكنت مشكّا» (وهو يريد: شاكا) «٢» .
لكن لعله لم يكن في شيوخه أحد يقرأ الخوارزمي أو البيروني أو يعرف جغرافية بطلميوس، فهذه المعارف وأضرابها إنما كانت ثمرة اطلاع على مؤلفات جغرافية وفلكية، واختياره المظانّ التي يرجع إليها- وهي من أوثقها في موضوعاتها، يدلّ على بصر نافذ، ومقارنات متعددة، ولهذا لا يمكن أن نعدّ ياقوتا صحفيا، لا لأنّه جمع إلى الاعتماد على ما تتضمنه الأسفار لقاء الشيوخ، بل لأنّه استطاع دائما أن يميّز المصادر المهمة للمعارف التي يبحث عنها. ولكن هذا الوضع أبقى في المجال الثقافي لدى ياقوت حلقة مفقودة، وهي التلامذة، فأنت إذا استثنيت عددا ممن عرفوا ياقوتا وأخذوا عنه لا تجد له تلميذا بالمعنى الدقيق.
ومهما يكن من أمر ثقافته فهي التي جعلت له وجودا متميزا بين المؤلفين وكفلت له أن يكون شاعرا ناثرا ذا بصر بأوليات النقد الضرورية، وسأتحدث عن هذه «المهارات» لدى ياقوت في فقرات تالية.
٢- شيوخ ياقوت:
على مدى لا يقل عن ستة وثلاثين عاما قضاها ياقوت في التجوال تاجرا وطالبا للعلم وساعيا للقاء كلّ من يعينه على الوصول إلى حقيقة علمية أو كتاب لم يعرفه من
стр. 2898
قبل، تعرّف إلى عدد كبير من الناس، بعضهم كانوا أصدقاء، وبعضهم كانوا أساتذة له، وبعضهم معارف وضعتهم المصادفة في طريقه، ومن كل هؤلاء أفاد، على درجات متفاوتة. ففي أصدقائه كابن النجار مثلا من يرقى إلى درجة شيوخه في مبلغ ما استمدّ من علمه. ويبدو أنه شارك ابن النجار في كثير من الشيوخ بسبب تقارب النشأة، والمشاركة في الموطن، والسعي نحو غاية مشتركة، وقد حاولت عند الحديث عن سيرة حياة ياقوت أن أعدّ فريقا ممن لقي في تجواله، ولكن كثيرين منهم لم يرتبط ذكره لهم بتاريخ معين للقاء، ولهذا لم يكن إدراجهم في سيرته بحسب التدرج التاريخي ممكنا.
فمن أصدقائه الفقيه أبو عبد الله الحسين بن شروين بن بشر الباكلبي (نسبة إلى باكلبا من قرى إربل) وقد عمل معيدا في عدة مدارس في الموصل وحلب ويقول ياقوت إنه شاب فاضل مناظر «١» ، ومنهم الشهاب محمد بن فضلون العقري وكان يعارض معه إعراب شيخهما أبي البقاء العكبري لقصيدة الشنفرى «٢» (لامية العرب) .
وممن تعرف إليهم عن طريق التجارة إبراهيم بن عسكر بن محمد بن ثابت، ويصفه بقوله: فيه عصبية ومروة تامة وقد مدحه الشعراء «٣» ، بل إن أول شيخ قرأ عليه كان تاجرا وسيجيء ذكره مع سائر شيوخه. وكان ابن البرفطي الدسكري المغرم بخط ابن البواب أحد أصدقائه، وقد أنشده أشعارا أثبت بعضها ولم يثبت بعضها الآخر، أقام بحلب مدة ثم عاد إلى بغداد «٤» ، وفي بغداد التقى بأديب أندلسي هو محمد بن أحمد بن سليمان الزهري، ويقول فيه: وكان لي صديقا معاشرا حسن الصحبة، وعلى الرغم من أنه يصف شعره بالجودة فإنه لم يثبت شيئا منه دون أن يذكر سببا لذلك «٥» .
ولا أتردد في أن أعدّ من أصدقائه عز الدين ابن الأثير المؤرخ، فهو ذو صلة وثيقة
стр. 2899
به، عنه أخذ ما دوّنه في ترجمة أخيه مجد الدين أبي السعادات، ولا بد أنه كان موضع ثقته حتى عهد إليه لدى وفاته بأن يوصل كتبه وأوراقه إلى حيث وقفها، ولعل إقامته بحلب قد وثقت الصلة بينهما «١» .
ومن أصدقائه أيضا أبو محمد عبد العزيز بن الحسين بن هلالة الأندلسي الطبيري، رحل إلى خراسان، وسمع من مشايخ ياقوت وغيرهم (توفي بالبصرة سنة ٦١٧) «٢» .
أما شيوخه فكانوا أيضا كثيرين، وأنا أذكر في ما يلي أسماء أشهرهم:
١- سالم بن أحمد بن سالم أبو المرجّى الأديب النحوي العروضي، أول شيخ قرأ عليه ياقوت، وكان تاجرا ذا ثراء عريض مبجلا، درس عليه العربية والعروض ببغداد «٣» .
٢- الوجيه الكبير المبارك بن المبارك الضرير، قال ياقوت: هو شيخي الذي به تخرجت وعليه قرأت، تولى تدريس النحو بالنظامية سنين، كان قليل الحظ من التلامذة، يتخرجون عليه ولا ينسبون إليه، ولم يكن فيه عيب إلا أن فيه لينا، وكان إذا جلس للدرس يقطع أكثر وقته بالأخبار والحكايات وإنشاد الأشعار حتى يسأم الطالب وينصرف عنه وهو ضجر، وكان طويل البال لا يغضب، ولم ير حردان أبدا، وكان بعض الناس يراهن على إغضابه فيخسر، وكان يحسن سبع لغات عدا العربية (منها الأرمنية والرومية والحبشية والهندية) «٤» ، وقد تلمذ له ابن النجار، وهو يصفه بمثل ما ذكر ياقوت ويقول: «وهو أول من فتح فمي بالعلم ... فكنت أقرأ عليه القرآن والفقه والنحو» «٥» (توفي سنة ٦١٢) .
٣- أبو البقاء العكبري عبد الله بن الحسين: كان ضليعا في النحو واللغة والفقه والفرائض والكلام، وكان رقيق القلب سريع الدمع، رآه ياقوت مرارا ينشد من
стр. 2900
الأشعار الرقيقة وأدمعه تتحدر على شيبته، فكان إذا تذكر ذلك منه خشع قلبه وترحّم عليه، له مؤلفات كثيرة منها إعراب الشواذ وإعراب القرآن وشرح الحماسة، وقد درس عليه ابن النجار وقرأ عليه كثيرا من مصنفاته (وتوفي سنة ٦١٦) «١» .
٤- تاج الدين أبو اليمن الكندي، زيد بن الحسن: كان يتنقل في البلاد يتجر ويطلب العلم، وكان أعلم أهل زمانه بالنحو، وهو أيضا شيخ ابن النجار، ويبدو أن ياقوتا تعرف عليه في دمشق لأنه غادر بغداد قبل مولد ياقوت بسنوات، ويذكر ياقوت أنه كاتب له خزانة علمية في جامع بني أمية «٢» ، وتوفي سنة ٦١٣.
٥- ابن الدبيثي، محمد بن سعيد: قال فيه ياقوت: «شيخنا الذي استفدنا منه وعنه أخذنا» صنف تاريخا لواسط، وذيلا على ذيل ابن السمعاني على تاريخ الخطيب، وكان يحدث بهما وبمعجمه، وهو شيخ ابن النجار أيضا، وفيه يقول: صحبته عدة سنين فما رأيت منه إلا الجميل والديانة وحسن الطريفة (توفي سنة ٦٣٧) «٣» .
٦- أبو المظفر عبد الرحيم بن عبد الكريم السمعاني: عرفه ياقوت في مرو وأفاد من علمه ومن خزانتي الكتب اللتين يملكهما السمعانيون، وهو شيخ ابن النجار أيضا، وكان معظما (توفي سنة ٦١٧ أو التي بعدها في الاجتياح التتري) «٤» والأرجح أن ياقوتا ترجم له، ولكن سقطت ترجمته من معجم الأدباء.
٧- عبد العزيز بن مبارك بن محمود الجنابذي: بغدادي الدار، قال ياقوت: لم يكن لأحد من شيوخ بغداد الذين أدركناهم أكثر من سماعه مع ثقة وأمانة وصدق ومعرفة تامة، وكان حسن الأخلاق مزّاحا، سمع عليه ياقوت وأجازه، ونعم الشيخ كان (توفي سنة ٦١١) «٥» .
стр. 2901
٨- الشيخ الصالح الزاهد الحسن بن أحمد بن يوسف الأوقي لقيه ياقوت بالبيت المقدس سنة ٦٢٤، وكان تاركا للدنيا مقبلا على قراءة القرآن فسمع عليه جزءا وكتب عنه وسأله عن بلده «١» .
٩- محمد بن الخضر بن محمد الحراني، ابن تيمية الباجديّ: كان شيخا معظما بحرّان وخطيبها وواعظها وفقيهها، رآه ياقوت غير مرة وأخذ منه إجازة، (وتوفي سنة ٦٢١) «٢» .
٤- ياقوت المؤلف
١- منهجه في التأليف:
تدل الكتب التي وصلتنا من مؤلفات ياقوت على أنه كان يدين بمبادىء في التأليف يحرص عليها، ومن أهمها:
١- الاستقصاء في الاطلاع: ولذلك كانت أهم كتبه تمثل مشروعات طويلة المدى، لا يمكن إنجازها في وقت محدد، بل هي «موضوعات مفتوحة» تتحمل الزيادة على مرّ السنين.
٢- الابتعاد عن الأسطورية وما يأبى العقل قبوله، ومع ذلك فإنه يقرّ أنه أورد نماذج وأخبارا بعيدة عن العادات المألوفة، تنفر منها الطباع السليمة «٣» ، كتبها وهو مرتاب بها نافر عنها، وإنما دونها حرصا على إحراز الفوائد، إذ هي مفيدة إن كانت حقا، وامتحان لسلامة التفكير إن كان باطلا. وقال في موضع آخر: وفي أخبار قصاص المسلمين أشياء عجيبة تضيق بها صدور العقلاء، أن أحكي بعضها غير معتقد لصحتها «٤» ، وبعد أن روى بعض الأساطير قال: وإنما هي أشياء تكلم بها القصاص ... لا مستند لها من عقل ولا نقل «٥» .
стр. 2902
٣- الصدق في النقل والرواية دون تغيير أو إيجاز مخلّ وهذا يعني أنه غير ملوم إذا نقل أحيانا ما لا يقبله العقل، شرط أن ينوه بذلك.
٤- الاعتماد على الثقة في ناقل الرواية، ومبلغ تحرّيه في النقل، فهو يقبل حكاية رواها السمعاني ثم يقول: وهذه حكاية على ما يرى من الاستحالة، وقد أوردتها أنا لثقة موردها وتحرّيه في الرواية، فإن صحّت فقد فزت بحظ من العجب، وإلا فاجعلها كالسمر تستمتع به «١» .
٥- محاولة التبرؤ من مسؤولية الخطأ باللجوء إلى الحديث عن فقدان العصمة لدى البشر، وطلب العذر عن الخطأ، فالكمال محال لغير ذي الجلال، والنسيان في الإنسان غير معدوم، وليقس القارىء قلة الخطأ إلى كثرة الصواب فإنه حينئذ يدرك أن الناحية الايجابية هي الغالبة.
٦- إيمانه بأن العالم الإسلامي وحدة كبيرة، وأنه مسؤول عن الترجمة لمشاهير أدباء ذلك العالم وشعرائه، ورسم صورة لبلدانه وقراه وبحاره وأنهاره، كذلك فعل في معجم الأدباء وكذلك كان منهجه في معجم البلدان «ولم أقصد أدباء قطر، ولا علماء مصر، ولا إقليم معين، ولا بلد مبين، بل جمعت البصريين والكوفيين والبغداديين والخراسانيين، والحجازيين واليمنيين والمصريين والشاميين والمغربيين وغيرهم» «٢» .
٧- التنويع في مادة الكتاب بين الحكمة والخبر والشعر والنثر والهزل والجد.
٨- إنكار الاختصار بعد أن يكتمل الكتاب حسبما رسمه مؤلفه، لأن الاختصار يدل على تخلف الهمم لدى طلاب العلم، وفيه تشويه للكتاب الأصلي «ثم اعلم أن المختصر لكتاب كمن أقدم على خلق سويّ فقطع أطرافه» «٣» .
وعلى الرغم من جنوح ياقوت إلى التواضع وهو يقوم بالتأليف فإنه كان يشعر بالزهو البالغ حين يكتمل الكتاب ويتأمل مبلغ ما بذله فيه من جهد، وما أحرزه فيه من
стр. 2903
إتقان. وعلى الرغم من اعترافه بأن الخطأ جائز على جميع البشر، فإنه يرى الأمور نسبية ويضيف قائلا: «وعلى ذلك فإنني أقول ولا أحتشم، وأدعو إلى النزال كلّ علم في العلم ولا أنهزم، إن كتابي هذا (أي معجم البلدان) أوحد في بابه، مؤمّر على أضرابه، لا يقوم بإبراز مثله إلا من أيّد بالتوفيق، وركب في طلب فوائده كلّ طريق» «١» ، وبهذه الروح نفسها يتحدث عن معجم الأدباء أيضا، فهو قد أبرزه في أبهى من الحليّ على ترائب الكعاب «٢» ثم يقول: «واعلم أنني لو أعطيت حمر النعم وسودها، ومقانب الملوك وبنودها، لما سرّني أن ينسب هذا الكتاب إلى سواي» «٣» ويبدو أن عظم الكتاب في نظره- بعد الجهد الذي بذله في سبيل تأليفه هو الدافع إلى منعه من ملتمسيه، وحجبه عن الراغبين في الاطلاع عليه. وعلى هذا الأساس يمكن أن يقال إن منهج ياقوت في التأليف كان يرمي إلى إذكاء الشعور بالرضى عن نفسه في نفسه، أو بما يتجاوز الرضى إلى نوع من السعادة الذاتية التي يغذيها لديه حب الظهور.
٢- مؤلفات ياقوت:
يقول الذهبي حين يعدّ الفروع العلمية التي ألّف فيها ياقوت: «صاحب التصانيف الأدبية في التاريخ والأنساب والبلدان وغير ذلك» »
. ومع أن هذا القول يصوّر المجالات التي شملها نشاط ياقوت، فيمكن تصنيف مؤلفاته على نحو آخر، لا يتجاوز أربعة مجالات رئيسية:
- مؤلفات في التاريخ، وهي:
١- المبدأ والمآل في التاريخ (ذكره ابن الشعار وابن خلكان والذهبي في تاريخ الإسلام وسير أعلام النبلاء وابن العماد في الشذرات) ويقول ياقوت في ترجمة
стр. 2904
إبراهيم بن المدبر من معجم الأدباء (رقم: ٢٩) «وقتله ابن طولون في أمر قد ذكرته في كتابي «التاريخ» فلعله هو المبدأ والمآل، ثم يذكره باسم «المبدأ في التاريخ» في معجم الأدباء (رقم: ٩٣٧) .
٢- كتاب الدول (ذكره ابن الشعار وابن خلكان والذهبي في تاريخ الإسلام والسير وابن العماد في الشذرات) ولعله يفترق عن الأول في أنه غير مرتب على السنين وإنما يؤرخ لدولة دولة، وبخاصة الدول الإسلامية.
٣- تاريخ على السنين، انفرد بذكره ابن النجار ولعله هو المذكور أولا.
II مؤلفات في المعاجم، وهي نوعان:
معاجم للبلدان ومعاجم لتراجم الرجال وهي في مجموعها أربعة، وسأتحدث عن كل منها بشيء من التفصيل في ما بعد، إذ هي تمثل الميدان الذي تفوق فيه وهي:
٤- معجم البلدان.
٥- المشترك وضعا والمفترق صقعا.
٦- أخبار الشعراء.
٧- معجم الأدباء.
-III مؤلفات في النحو:
٨- مجموع كلام أبي علي الفارسي (ذكره ابن الشعار وابن خلكان والشذرات ولا ندري شيئا عن طبيعة هذا الكتاب، وقد أورد ياقوت ترجمة إضافية لأبي علي (رقم: ٣٠٤) في معجم الأدباء، ويبدو أنه كان مهتما بجمع مراسلات أبي علي «١» ، فلعلّ هذا الكتاب يضمها.
٩- كتاب الأبنية (ذكره ابن الشعار، ولعله أن يكون في أبنية اللغة) .
١٠- أوزان الأسماء، والأفعال الحاصرة لكلام العرب (ذكره القفطي) .
١١- الردّ على ابن جني عند كلامه في الهمزة والألف من سر الصناعة (ذكره القفطي) ويفهم من كلام القفطي أنه ألّف هذين الكتابين بعد استقراره بحلب (٦١٨- ٦٢٦) وأنه لفقهما من كتب أعاره إياها القفطي، ولم يكن القفطي
стр. 2905
راضيا عنهما فهو يقول إنه خلط الغث بالسمين وقرن الفروع بالأصول غير فارق في التبيين لقلة أنسته بالعربية وأصولها «١» ، ولكن كلام القفطي يجب أن يؤخذ بحذر.
IV مختصرات لكتب مشهورة أو اختيارات
(على الرغم من ذمّه للاختصار) ومنها:
١٢- عنوان كتاب الأغاني (ابن الشعار وابن خلكان والشذرات) والعنوان يدلّ على أنه استخرج من الأغاني ما يدل على طبيعة الكتاب وجوهره، وإذا قرىء اسمه «عيون كتاب الأغاني» دلّ على أنه مختارات لأحسن ما رآه ياقوت فيه، وقد سماه ابن الشعار «منتخب كتاب الأغاني» وكان ياقوت شديد الاهتمام بهذا الكتاب، شديد التقدير له حتى ليقول فيه: «ولعمري إن هذا الكتاب لجليل القدر شائع الذكر جم الفوائد عظيم العلم، جامع بين الجد البحت والهزل النحت، وقد تأملت هذا الكتاب وعنيت به وطالعته مرارا، وكتبت منه نسخة بخطي في عشر مجلدات، ونقلت ما فيه إلى كتابي الموسوم بأخبار الشعراء فأكثرت» «٢» ، وهو أيضا من مصادره المهمة في معجم الأدباء.
١٣- المقتضب في النسب، أو كتاب في النسب، أو كتاب الأنساب، فيه أنساب العرب (ذكره ابن الشعار وابن خلكان والذهبي في تاريخ الإسلام وسير أعلام النبلاء، وابن العماد في شذرات الذهب) وهو اقتضاب أو اختصار لجمهرة ابن الكلبي، وكان ياقوت قد حصّل معرفة جيدة في هذا العلم، ولهذا نجده يصرف نفسه بالتحقق فيه «٣» ، ويذكر بروكلمان أن منه نسخة بالقاهرة (دار الكتب) .
١٤- مختصر تاريخ بغداد للخطيب (ذكره ابن الشعار) .
- كتب مفردة ،
ذكرت المصادر منها كتابين:
١٥- أخبار المتنبي، وهو يلحق بمعجم الشعراء، كما يمكن إلحاقه بكتبه التاريخية (ذكره ابن الشعار) .
١٦- ضرورات الشعر (انفرد ابن الشعار بذكره) .
стр. 2906
٣- تفصيل القول في معاجم ياقوت:
من نذر نفسه لهذا اللون من المؤلّفات كان لا بد له من أن يكون تحت تصرفه مكتبة كاملة، ولعلّ اتصال ياقوت بالكتب، ونسخه المئات منها، واتجاره بها فتح عينيه على أنّه يستطيع أن يقوم بمشروعات كبيرة في آن واحد، وزاده ثقة بتحقيق ما قد خامر نيته هجرته (التي أرادها خاتمة لتنقلاته) إلى مرو الشاهجان، واطلاعه هناك على خزائن كتب لم يجد لها مثيلا في المدن الأخرى. إن مثل هذه المشروعات لا تتقيد بزمن محدد، وتتطلب سنوات وسنوات في جمع مادتها، وتتقبل الإضافة المستمرة، والعمل على تأليف مثل هذه الكتب في إطار زمني واحد أفيد وأكثر اختصارا للزمن لأن المؤلف قد يقع على مصدر يمدّه بتراجم أدباء وشعراء وتعريف بأسماء البلاد، غير أنّ اجتماعها معا في زمن التأليف يتطلب قدرة تنظيمية فائقة، وذاكرة قوية، ولهذا تعد المعاجم شاهدا على حقيقة ما كان يتميز به ياقوت.
فأمّا اعتماد معجم للأدباء، وآخر للشعراء، فقد كان الطريق فيه قد سلكه عشرات قبل ياقوت وعشرات معاصرون له، فقد كان العصر نفسه معرّضا للتنافس في هذا المجال، ولم تعد هناك مدينة مشهورة في العالم الإسلامي إلا ويختص بها كتاب أو كتب في تراجم رجالها وتراجم من دخلها، وعلى أساس هذه التواريخ الأصلية كتبت ذيول ثم كتبت ذيول على الذيول أو تكملات لها، فقد خلّف ابن السمعاني ذيلا على تاريخ الخطيب، وكان ابن الدبيثي شيخ ياقوت يصنع ذيلا على ما كتبه السمعاني، وكان صديقه ابن النجار يؤلف ذيلا آخر على تاريخ الخطيب، وكان صديقه ابن العديم يكتب تاريخ حلب وتراجم رجالها ومن دخلها، والقفطي يكتب تراجم النحاة، وتراجم المحمدين من الشعراء، وأخبار الحكماء، وكان صديق آخر لياقوت هو المستوفي يكتب تاريخ إربل أي يترجم لمن برز من أهلها أو لمن دخلها، وكان صديقه الآخر ابن الشعار يكتب قلائد الجمان في شعراء عصره، وكان شيخه المنذري يكتب التكملة لوفيات النقلة، كما كان ابن خلكان يحاول أن يكمل ما بدأ به من وفيات الأعيان. هؤلاء بعض المعاصرين، وليس ثمة مجال لذكر جيل سابق أو أجيال سابقة لهم، فالعصر يعجّ بمن يكتبون تاريخه وتراجم رجاله، فإذا فكر ياقوت في جمع تراجم للأدباء منذ بداية ظهور النحو حتى عصره أو تراجم للشعراء القدماء
стр. 2907
والمتأخرين فهو قد وسّع مساحة المشروع ولكنه لم يغير في طبيعته كثيرا.
لكنه كان غير مسبوق إلى وضع معجم جغرافي شامل، ذلك أننا إذا استثنينا معجم ما استعجم للبكري وهو مقتصر على أسماء الأماكن التي وردت في الشعر والحديث وكتب التاريخ لم نجد أحدا قبل ياقوت أقدم على مثل هذا المشروع الكبير، ويقول ياقوت في مقدمة معجم البلدان إنه طلب كتاب البكري (معجم ما استعجم) فلم يجده، وإنما وجد كتابه «المسالك» ، ولكنه ينقل عن الأول، وهذا قد يكون نقلا غير مباشر. ويمكن أن يعدّ كتاب أبي سعد السمعاني في الأنساب مفتاحا لتأليف ياقوت في البلدان، إذ إن كتاب السمعاني يحتوي على كثير من النسب إلى بلدان بأعيانها، مما حمل المؤلف على ذكرها وتحديد مواقعها.
١- معجم البلدان:
ذكره بهذا الاسم المستوفي في تاريخ إربل وابن الشعار وقال:
أجاد في تأليفه، وقال المنذري: جمع كتابا كبيرا في البلدان أحسن فيه. وسماه ابن النجار كتاب أسماء البلدان والجبال والمياه والأماكن، وهو في هذا يستوحي قول ياقوت في مقدمة كتابه: «أما بعد فهذا كتاب في أسماء البلدان، والجبال والأودية والقيعان، والقرى والمحالّ والأوطان، والبحار والأنهار والغدران، والأصنام والأبداد والأوثان» .
وهو يقول إن فكرته انقدحت في ذهنه عندما كان في مدينة مرو سنة ٦١٥، وكان في مجلس شيخه أبي المظفر السمعاني، فقد لفظ ياقوت اسم «حباشة» (وهي سوق من أسواق العرب ورد ذكرها في الحديث) بضم الحاء، فانبرى له أحد المحدّثين وزعم أنها بفتح الحاء، دون أن يؤيد قوله هذا بشاهد أو حجة، وذهب ياقوت يطلب ضبط هذه اللفظة في المصادر، فلم يهتد فورا إلى مصدر على الرغم من كثرة الكتب في تلك المدينة؛ ومضت مدة قبل أن يعثر على ضبط الكلمة، وحين عثر عليها مضبوطة، تأكد من أن الحاجة ماسّة إلى معجم للبلدان مضبوط: «فألقي في روعي افتقار العالم إلى كتاب في هذا الشأن مضبوط، وبالاتقان وتصحيح الألفاظ بالتقييد مخطوط، ليكون في مثل هذه الظلمة هاديا، وإلى ضوء الصواب داعيا، ونبهت على هذه الفضيلة النبيلة، وشرح صدري لنيل هذه المنقبة التي غفل عنها الأولون، ولم
стр. 2908
يهتد إليها الغابرون» «١» .
وإذا كان قد شرع في تبييضه ليلة إحدى وعشرين من محرم سنة ٦٢١ «٢» فمعنى ذلك أنه عمل في جمع مادته وترتيبها ووضعها في صورة قابلة للتبييض عشر سنوات، وهي مدة ليست طويلة في هذا النوع من التأليف، ولكن المؤلّف يراها طويلة «ولما تطاولت في جمع هذا الكتاب الأعوام» «٣» ولا بد أن نتذكر هنا أمورا تتعلّق بإحساس الفرد نفسه تجاه الأحداث والأيام، وبخاصة تجاه الموت، فقد بدأه ياقوت عمليا وهو في الأربعين، وأرغمه فراره من التتر على حمل مادته الكثيرة متنقلا من بلد إلى بلد حتى حطّ رحاله في حلب، وفي حلب استمرّ ما لا يقل عن خمس سنوات وهو يضيف إليه، وقد أخذ يحسّ بأن العمر يمضي. والكتاب يتحمل العمل سنوات أخرى، «فقطعته والعين طامحة، والهمة إلى طلب الازدياد جامحة، ولو وثقت بمساعدة العمر وامتداده، لضاعفت حجمه أضعافا ... » «٤» ولعلّ نذير المرض كان يذكره دائما بضرورة الاقتصار على ما توفر له- وهو كثير- وحين اكتمل تبييض النسخة أهداها إلى خزانة الصاحب الأكرم جمال الدين القفطي «٥» ، وفي النسخة التي وصلتنا زيادات ترقى إلى عام ٦٢٤ ويقول كراتشكوفسكي إنه أخذ على عاتقه ابتداء من أول يناير ٦٢٥/١٢٢٨ تهذيب المعجم، ولكن الوفاة عاجلته دون ذلك «٦» .
ومع ذلك فأنا أعتقد أن فكرة المعجم كانت تدور في ذهنه، قبل أن يصطدم بمن خطّأه في لفظ «حباشة» ، فإن جولاته بدأت في حدود سنة ٦٠٧، وبدأ لديه التعرف إلى البلدان، كما بدأ لديه نسخ الكتب، وفيها كتب جغرافية، وفيها ما يجعل الناسخ يتوقف عند بعض الأسماء الجغرافية، ولهذا فإن حادثة «حباشة» كانت نقطة الحسم في توجهه لإبراز الفكرة عمليا، وكان قد حصل بالمشاهدة والاطلاع كثيرا مما يصلح أن
стр. 2909
يدرج في معجم جغرافي، ولكن حادثة حباشة أكدت له أن أي معجم من هذا النوع لا بد أن يضبط كل «مدخل» فيه ضبطا كتابيا، وهذا ما حرص عليه في معجم البلدان، كما حرص أن يردّ كلّ اسم إلى معناه اللغوي عربيا كان أو فارسيا، إن استطاع إلى ذلك سبيلا، وهذا المطلب الثاني أدخله في تمحلات لا قيمة لها.
وقد قسّم ياقوت مصادره الأساسية في قسمين:
١- مصادر القدماء من الحكماء والفلاسفة مثل بطلميوس، ومن جرى على منوالهم من الإسلاميين ممن عنوا بالمسالك والممالك، مثل ابن خرداذبه واليعقوبي والجيهاني وابن الفقيه والبلخي والاصطخري وابن حوقل وابن البناء البشاري ومن جرى مجراهم، وعيب كتبهم أن الأسماء فيها محرفة أو مصحفة لجهل النساخ.
٢- مصادر أهل الأدب واللغة الذين اهتموا بالأماكن العربية كالأصمعي وابن الحائك الهمداني والسيرافي والغندجاني وابن الكلبي، وكتبهم حسنة الضبط ولكنها غير مرتبة على نظام، فاستخراج المادة منها يعني إعادة ترتيبها، كما أنها شديدة الايجاز في تحديد المكان، لأن ضبط الألفاظ هو همها الأول.
لكن المصادر في هذين القسمين لا بد من أن ترفد بمصادر مساعدة، منها:
دواوين العرب، أمهات كتب اللغة. كتب المحدثين. كتب التاريخ. تفاريق كتب لم تنضو تحت القسمين السابقين. الاعتماد على الفوائد الشفوية. الاعتماد على المشاهدة. وهذه كلها قد أمدت المؤلف بأضعاف ما جمعه من مصادر الجغرافيين أو مصادر أهل اللغة. ولذلك كانت مصادره الروافد تعد بالعشرات إن لم أقل بالمئات، وهذه الكتب هي التي أمدته بالأشعار التي ذكرت فيها المواقع، وبخاصة أشعار الحنين إلى الأوطان، كما أمدته بأخبار الفتوح وأخبار الأماكن المتصلة بالمعارك والأحداث التاريخية الأخرى المهمة. ولما كان ياقوت لم يتجاوز مصر غربا، فإن اعتماده على المشاهدة كان محصورا بالمناطق الشرقية بين مصر وما وراء النهر، فأما ما ذكره من مواقع في أفريقية والأندلس، فهو يعتمد اعتمادا كليا على المصادر، وقد أسعفته مصادر المشرق والمغرب على ذكر أهم العلماء الذين نسبوا إلى الأمكنة وكان لكتب الأنساب دورها في هذا الصدد.
стр. 2910
وقبل أن يأخذ ياقوت في ذكر الأماكن مرتبة على حروف الهجاء كتب لمعجمه مقدمة تتناول خمسة موضوعات:
(١) في صفة الأرض وما فيها من الجبال والبحار وغيرها وقد تضمن هذا الباب ما قاله المتقدمون في هيئة الأرض وفيه نقل عن العلماء قبل العهود الإسلامية وعن الخوارزمي والبيروني ومحاولة لعرض الآراء في شكل الأرض ومساحتها.
(٢) في ذكر الأقاليم السبعة وما يتعلق بها ويضاف إلى ذلك ذكر البروج الاثني عشر، وما يتبع كل برج من البلدان.
(٣) في المصطلحات التي يتكرر ذكرها في الكتاب كالبريد والفرسخ والإقليم والكورة، ومصطلحات الأرض المفتوحة وأنواع الضرائب.
(٤) في أحكام أراضي الفيء والغنيمة حسب أقوال الفقهاء.
(٥) في جمل من أخبار البلدان.
ومع أن المؤلف رفض مرارا مطلب من سألوه أن يضع ملخصا لكتابه، لايمانه بسوء ما يجره التلخيص على المشروع الأصليّ واكتماله واحتوائه للعناصر المختلفة، فإن صفي الدين الأرموي (٧٣٩/١٣٣٨) قد اختصر معجم البلدان في كتاب سمّاه «مراصد الاطلاع» وفائدته محدودة بوجود الأصل.
وإذا نحن قارنّا بين معجم البلدان ومعجم ما استعجم للبكري وجدنا فروقا كبيرة وفروقا جزئية، فأما الفروق الكبيرة فترجع إلى شمولية معجم ياقوت ومحدودية معجم ما استعجم، فإن تعدد المواد والمداخل لدى ياقوت أضعاف ما عند البكري، وهذا بدوره يحتمل التفصيلات الكثيرة لدى ياقوت فأما في ذكر المواقع الواردة في الشعر والحديث والتواريخ (وهي مدار معجم ما استعجم) فإنها أحيانا تكون عند البكري أحفل بالمادة، وبالإشارات الشعرية مما هي عند ياقوت، كما أنّ هناك أسماء أوردها البكري ولكنها غير موجودة عند ياقوت، مع أنّ المفترض أن يشترك المعجمان في هذا النوع من الأسماء.
следующие страницы →