وسئل الدارقطني عن ابن كامل فقال: كان متساهلا ربما حدث من حفظه بما ليس عنده في كتابه، وأهلكه العجب فإنه كان يختار ولا يضع لأحد من الأئمة أصلا.
قيل له: أكان جريريّ المذهب؟ فقال: بل خالفه واختار لنفسه، وأملى كتابا في السير وتكلم على الاختيار [١] .
أنبأنا الخطيب أبو الفضل عبيد الله بن أحمد بن عبد الله المنصوري قال، حدثنا أبو منصور موهوب بن الجواليقي، حدثنا ثابت بن بندار، حدثنا أبو علي الحسن بن أحمد بن شاذان، حدثنا أبو بكر أحمد بن كامل بن شجرة القاضي في سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، حدثني عبد الله بن أحمد بن عيسى المقرىء يعرف بالفسطاطي، قال حدثنا أحمد بن سهل أبو عبد الرحمن، قال قدم علينا سعد بن زنبور فأتيناه فحدثنا قال: كنا على باب الفضيل بن عياض فاستأذنّا عليه فلم يؤذن لنا، قال فقيل لنا: إنه لا يخرج اليكم أو يسمع القرآن، قال: وكان معنا رجل مؤذن وكان صيّتا، فقلنا له:
اقرأ، فقرأ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ
(التكاثر: ١) ورفع بها صوته، قال: فأشرف علينا الفضيل وقد بكى حتى بلّ لحيته بالدموع ومعه خرقة ينشّف بها الدموع من عينه، وأنشأ يقول:
بلغت الثمانين أو جزتها ... فماذا أؤمّل أو أنتظر
أتاني ثمانون من مولدي ... وبعد الثمانين ما ينتظر؟
علتني السنون فأبلينني
قال: ثم خنقته العبرة، قال وكان معنا علي بن خشرم فأتمه له فقال:
فدقّت عظامي وكلّ البصر
قال: ثم قال القاضي أحمد بن كامل: ولدت سنة ستين ومائتين، وأنشدنا:
عقد الثمانين عقد ليس يبلغه ... إلا المؤخر للأخبار والغير
стр. 422
- ١٣٤-
أحمد بن كليب النحوي
: صاحب أسلم، الأندلسيّين، ذكر أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في «المنتظم» ان أحمد بن كليب مات سنة ست وعشرين وأربعمائة، وذكر قصته التي أذكرها فيما بعد بعينها، ولا أدري من أين له هذه الوفاة، فإن الحميديّ ذكره في كتابه ولم يذكر وفاته. قال الحميدي: هو شاعر مشهور الشعر ولا سيما شعره في أسلم، وكان قد أفرط في حبّه حتى أدّاه ذلك إلى الموت، وخبره في ذلك طريف رواه محمد بن الحسن المذحجي قال: كنت أختلف في النحو إلى أبي عبد الله محمد بن خطاب النحويّ [١] في جماعة، وكان معنا عنده أبو الحسن أسلم بن أحمد بن سعيد ابن قاضي الجماعة أسلم بن عبد العزيز صاحب المزني والربيع، قال محمد بن الحسن: وكان من أجمل من رأته العيون، وكان يجيء معنا إلى محمد بن خطاب: أحمد بن كليب، وكان من أهل الأدب البارع والشعر الرائق، فاشتدّ كلفه بأسلم وفارق صبره، وصرّف فيه القول متسترا بذلك إلى أن فشت أشعاره فيه وجرت على الألسنة وتنوشدت في المحافل، فلعهدي بعرس وفيه زامر يزمر في البوق بقول أحمد بن كليب في أسلم:
أسلمني في هوا ... هـ أسلم هذا الرشا
غزال له مقلة ... يصيب بها من يشا
وشى بيننا حاسد ... سيسأل عمّا وشى
ولو شاء أن يرتشي ... على الوصل روحي ارتشى
فلما بلغ هذا المبلغ انقطع أسلم عن جميع مجالس الطلب ولزم بيته والجلوس
стр. 423
على بابه، فكان أحمد بن كليب لا شغل له إلّا المرور على باب أسلم سائرا ومقبلا نهاره كلّه، فانقطع أسلم عن الجلوس على باب داره نهارا، فإذا صلّى المغرب واختلط الظلام خرج مستروحا وجلس على باب داره، فعيل صبر أحمد بن كليب، فتحيّل في بعض الليالي ولبس جبة من جباب أهل البادية، واعتمّ بمثل عمائمهم، وأخذ باحدى يديه دجاجا وبالأخرى قفصا فيه بيض، وتحيّن جلوس أسلم عند اختلاط الظلام على بابه، فتقدم إليه وقبّل يده وقال: يأمر مولاي بأخذ هذا، فقال له أسلم:
ومن أنت؟ قال: صاحبك في الضيعة الفلانية، وقد كان تعرّف أسماء ضياعه وأصحابه فيها، فأمر أسلم بأخذ ذلك منه، ثم جعل أسلم يسأله عن الضيعة، فلما جاوبه أنكر الكلام، وتأمله فعرفه، فقال: يا أخي وهنا بلغت بنفسك وإلى هاهنا تبعتني؟! أما كفاك انقطاعي عن مجالس الطلب وعن الخروج جملة وعن القعود على باب داري نهارا حتى قطعت عليّ جميع ما لي فيه راحة؟! قد صرت في سجنك، والله لا فارقت بعد هذه الليلة قعر منزلي [١] ولا قعدت ليلا ولا نهارا على بابي، ثم قام. وانصرف أحمد بن كليب حزينا كئيبا.
قال محمد بن الحسن: واتصل ذلك بنا فقلنا لأحمد بن كليب: قد خسرت دجاجك وبيضك، فقال: هات كلّ ليلة قبلة يده وأخسر أضعاف ذلك، قال: فلما يئس من رؤيته ألبتة نهكته العلة وأضجعه المرض، قال: فأخبرني شيخنا محمد بن خطاب قال: فعدته فوجدته بأسوأ حال، فقلت له: ولم لا تتداوى؟ فقال: دوائي معروف، وأما الأطباء فلا حيلة لهم فيّ البتة، فقلت له: وما دواؤك؟ قال: نظرة من أسلم، فلو سعيت في أن يزورني لأعظم الله أجرك، وكان هو والله أيضا يؤجر.
قال: فرحمته وتقطعت نفسي له، ونهضت إلى أسلم، فتلقاني بما يجب، فقلت له: لي حاجة قال: وما هي؟ قلت له: قد علمت ما جمعك مع أحمد من ذمام الطلب عندي، فقال: نعم ولكن قد تعلم أنه أشهر اسمي وآذاني، فقلت له: كلّ ذلك مغتفر في الحال التي هو فيها، والرجل يموت، فتفضل بعيادته، فقال: والله ما أقدر على ذلك، فلا تكلّفني هذا، فقلت له: لا بدّ، فليس عليك في ذلك شيء،
стр. 424
فإنما هي عيادة مريض، قال: ولم أزل به حتى أجاب، فقلت: فقم الآن فقال لي:
لست والله أفعل ذلك، ولكن غدا، فقلت له: ولا خلف، فقال: نعم. قال:
فانصرفت إلى أحمد بن كليب وأخبرته بوعده بعد تأبيه، فسرّ بذلك وارتاحت نفسه.
قال: فلما كان من الغد بكّرت إلى أسلم وقلت له: الوعد، فوجم وقال: والله لقد تحملني على خطّة صعبة، وما أدري كيف أطيق ذلك، فقلت له: لا بد من أن تفي بوعدك. فأخذ رداءه ونهض معي راجلا، فلما أتينا منزل أحمد بن كليب، وكان يسكن في آخر درب طويل، فلما توسط الدرب وقف واحمرّ وخجل وقال لي: الساعة والله أموت وما أستطيع أن أنقل قدمي ولا أن أعرض هذا على نفسي، فقلت: لا تفعل، بعد أن بلغت المنزل تنصرف؟ قال: لا سبيل والله إلى ذلك البتة، قال:
ورجع مسرعا فاتبعته وأخذت بردائه فتمادى وتمزّق الرداء وبقيت قطعة منه في يدي، ومضى ولم أدركه، فرجعت ودخلت إلى أحمد بن كليب، وقد كان غلامه دخل إليه إذ رآنا من أول الدرب مبشّرا، فلما رآني دونه تغير لونه وقال: وأين أبو الحسن؟ فأخبرته بالقصة فاستحال من وقته واختلط، وجعل يتكلم بكلام لا يعقل منه أكثر من الترجع، فاستبشعت الحال وجعلت أترجّع وقمت، فثاب إليه ذهنه وقال لي يا أبا عبد الله:
اسمع، وأنشد:
أسلم يا راحة العليل ... رفقا على الهائم النحيل
وصلك أشهى إلى فؤادي ... من رحمة الخالق الجليل
فقلت له: اتق الله، ما هذه العظيمة؟! فقال لي: قد كان ما كان. فخرجت عنه، فوالله ما توسطت الدرب حتى سمعت الصراخ عليه وقد فارق الدنيا، هذا قتيل الحبّ لا دية ولا قود. قال: وهذه قصة مشهورة عندنا، والرواة ثقات. وأسلم هذا من بيت جليل، وهو صاحب الكتاب المشهور في أغاني زرياب، وكان شاعرا أديبا.
قال الحميدي: وقد رأيت ابنه أبا الجعد، قال: وذكرت هذه القصة لمحمد بن سعيد [١] الخولاني الكاتب فعرفها وقال لي: أخبرني الثقة، قال: لقد رأيت أسلم هذا
стр. 425
في يوم شديد المطر لا يكاد أحد يمشي في طريق، وهو قاعد على قبر أحمد بن كليب زائرا له وقد تحيّن غفلة الناس في مثل ذلك الوقت.
وكان أحمد بن كليب قد أهدى إلى أسلم في أول أمره «كتاب الفصيح» وكتب عليه:
هذا كتاب الفصيح ... بكلّ لفظ مليح
وهبته لك طوعا ... كما وهبتك روحي
وقرأت في «كتاب الديارات» للخالدي [١] حكاية أعجبني أمر صاحبها، وأحببت أن يكون لها موضع من كتابي هذا، وكأن المثل يذكر بالمثل، ذكرتها عقيب خبر أحمد بن كليب فانهما خبران متقاربان، قال حدثني أبو الحسين يحيى بن الحسين الكندي الحراني الشاعر، قال حدثني أبو بكر أحمد بن محمد الصنوبري قال: كان بالرها ورّاق يقال له سعيد، وكان في دكانه مجلس كلّ أديب، وكان حسن الأدب والفهم يعمل شعرا رقيقا، وما كنّا نفارق دكانه أنا وأبو بكر المعوّج الشامي الشاعر وغيرنا من شعراء الشام وديار مصر، وكان لتاجر بالرها نصرانيّ من كبار تجارها ابن اسمه عيسى من أحسن الناس وجها وأحلاهم قدا وأظرفهم طبعا ومنطقا، وكان يجلس إلينا ويكتب عنا من أشعارنا، وجميعنا نحبّه ونميل إليه، وهو حينئذ صبي في الكتّاب، فعشقه سعيد الوراق عشقا مبرحا، وكان يعمل فيه الأشعار، فمن ذلك وقد جلس عنده في دكانه:
اجعل فؤادي دواة والمداد دمي ... وهاك فابر عظامي موضع القلم
وصيّر اللوح وجهي وامحه بيد ... فإن ذلك برء لي من السقم
ترى المعلّم لا يدري بمن كلفي ... وأنت أشهر في الصبيان من علم
ثم شاع بعشق الغلام في الرها خبره، فلما كبر وشارف الاحتلام [٢] أحبّ الرهبنة، وخاطب أباه وأمه في ذلك، والحّ عليهما حتى أجاباه وخرجا به إلى دير زكّى بنواحي الرقة، وهو في نهاية حسنه، فابتاعا له قلّاية، ورفعا إلى رأس الدير جملة من المال عنها، فأقام الغلام فيها. وضاقت على سعيد الوراق الدنيا بما رحبت، وأغلق
стр. 426
دكانه وهجر إخوانه ولزم الدير مع الغلام، وسعيد في خلال ذلك يعمل فيه الأشعار، فمما عمل فيه وهو في الدير، وكان الغلام قد عمل شماسا:
يا جمّة قد علت غصنا من البان ... كأن أطرافها أطراف ريحان
قد قايسوا الشمس بالشّماس فاعترفوا ... بانما الشمس والشماس سيان
فقل لعيسى بعيسى كم هراق دما ... إنسان عينك من عين لانسان
ثم إن الرهبان أنكروا على الغلام كثرة إلمام سعيد به ونهوه عنه، وحرموه إن أدخله قلايته، وتوعدوه باخراجه من الدير إن لم يفعل، فأجابهم إلى ما ساموه من ذلك، فلما رأى سعيد امتناعه منه شقّ عليه وخضع للرهبان ورفق بهم فلم يجيبوه وقالوا: في هذا علينا إثم وعار، ونخاف السلطان، فكان إذا وافى الدير أغلقوا الباب في وجهه، ولم يدعوا الغلام يكلمه فاشتدّ وجده وزاد عشقه حتى صار إلى الجنون، فخرق ثيابه، وانصرف إلى داره فضرب جميع ما فيها بالنار، ولزم صحراء الدير وهو عريان يهيم ويعمل الأشعار ويبكي.
قال أبو بكر الصنوبري: ثم عبرت يوما أنا والمعوج الشامي من بستان بتنا فيه فرأيناه جالسا في ظلّ الدير وهو عريان، وقد طال شعره وتغيرت خلقته، فسلّمنا عليه وعذلناه وعنّفناه فقال: دعاني من هذا الوسواس، أتريان ذلك الطائر الذي على هيكل الدير- وأومأ بيده إلى طائر هناك- فقلنا: نعم، فقال: أنا وحقكما يا أخويّ أناشده منذ الغداة أن يسقط فاحمّله رسالة إلى عيسى، ثم التفت إليّ وقال: يا صنوبريّ معك ألواحك؟ قلت: نعم، قال: اكتب:
بدينك يا حمامة دير زكّى ... وبالانجيل عندك والصليب
قفي وتحمّلي عني سلاما ... إلى قمر على غصن رطيب
عليه مسوحه وأضاء فيها ... وكان البدر في حال المغيب
حماه جماعة الرهبان عني ... فقلبي ما يقرّ من الوجيب
وقالوا رابنا إلمام سعد ... ولا والله ما أنا بالمريب
وقولي سعدك المسكين يشكو ... لهيب جوى أحرّ من اللهيب
فصله بنظرة لك من بعيد ... إذا ما كنت تمنع من قريب
стр. 427
وان أنا متّ فاكتب حول قبري ... محبّ مات من هجر الحبيب
رقيب واحد تنغيص عيش ... فكيف بمن له مائتا رقيب
ثم تركنا وقام يعدو إلى باب الدير وهو مغلق دونه، وانصرفنا عنه. وما زال كذلك زمانا، ثم وجد في بعض الأيام ميتا إلى جانب الدير، وكان أمير البلد يومئذ العباس بن كيغلغ، فلما اتصل ذلك به وبأهل الرها خرجوا إلى الدير وقالوا: ما قتله غير الرهبان، وقال لهم ابن كيغلغ: لا بدّ من ضرب رقبة الغلام واحراقه بالنار، ولا بد من تعزير جميع الرهبان بالسياط، وتصعّب في ذلك، فافتدى النصارى نفوسهم وديرهم بمائة ألف درهم. وكان الغلام بعد ذلك إذا دخل الرها لزيارة أهله صاح به الصبيان: يا قاتل سعيد الوراق، وشدّوا عليه بالحجارة يرجمونه، وزاد عليه الأمر في ذلك حتى امتنع من دخول المدينة، ثم انتقل إلى دير سمعان وما أدري ما كان منه.
ومثل هذه الحكاية خبر مدرك بن علي الشيباني [١] ، وكان مدرك شاعرا أديبا فاضلا، وكان كثيرا ما يلم بدير الروم ببغداد ويعاشر نصاراه، وكان بدير الروم [٢] غلام من أولاد النصارى يقال له عمرو بن يوحنا، وكان من أحسن الناس وجها وأملحهم صورة وأكملهم خلقا، وكان مدرك بن علي يهواه، وكان لمدرك مجلس يجتمع فيه الأحداث لا غير، فإن حضر شيخ أو ذو لحية قال له مدرك: انه قبيح بك ان تختلط مع الأحداث والصبيان، فقم في حفظ الله، فيقوم. وكان عمرو ممن يحضر مجلسه، فعشقه وهام به، فجاء عمرو يوما إلى المجلس فكتب مدرك رقعة وطرحها في حجره، فقرأها فإذا فيها:
بمجالس العلم التي ... بك تمّ حسن جموعها
إلا رثيت لمقلة ... غرقت بفيض دموعها
بيني وبينك حرمة ... الله في تضييعها
стр. 428
فقرأ الأبيات عمرو، ووقف عليها من كان في المجلس وقرأوها، فاستحيا عمرو وانقطع عن الحضور، وغلب الأمر على مدرك فترك مجلسه وتبعه، وقال فيه قصيدته المزدوجة المشهورة التي أولها:
من عاشق ناء هواه دان ... ناطق دمع صامت اللسان
موثق قلب مطلق الجثمان ... معذّب بالصدّ والهجران
وهي طويلة. وكتب إليه لما هجره وقطع مجلسه:
فيض الدموع وشدة الأنفاس ... شهدا على ما في هواه أقاسي
لبس الملاحة وهو ألبسني الضنا ... شتان بين لباسه ولباسي
يا من يريد وصالنا ويصدّه ... ما قد يحاذر من لباس [١] الناس
صلني فإن سبقت إليك مقالة ... منهم فعصّب ما يقال براسي
ثم خرج مدرك إلى الوسواس وسلّ جسمه وتغير عقله وترك مجلسه وانقطع عن الاخوان ولزم الفراش. قال حسان بن محمد بن عيسى بن شيخ: فحضرته عائدا في جماعة من إخوانه فقال: ألست صديقكم والقديم العشرة لكم؟ أفما فيكم أحد يسعدني بالنظر إلى وجه عمرو؟ قال: فمضينا إلى عمرو فقلنا له: إن كان قتل هذا الرجل دينا فإن إحياءه مروءة، قال: وما فعل؟ قلنا: قد صار إلى حال لا نحسبك تلحقه، قال: فنهض معنا، فلما دخلنا عليه سلم عليه عمرو فأخذ بيده وقال: كيف تجدك يا سيدي، فنظر إليه ثم أغمي عليه وافاق وهو يقول:
أنا في عافية ... الّا من الشوق إليكا
أيها العائد ما بي ... منك لا يخفى عليكا
لا تعد جسما وعد قلبا رهينا في يديكا ... كيف لا يهلك مرشو
ق بسهمي مقلتيكا
ثم شهق شهقة فارق فيها الدنيا، فما برحنا حتى دفناه، ﵀.
стр. 429
- ١٣٥-
أحمد المحرر يعرف بالأحول
: قديم كان في أيام الرشيد والمأمون وبعد ذلك، قال أبو عبد الله ابن عبدوس: ذكر أبو الفضل ابن عبد الحميد في كتابه أن الأحول المحرر شخص مع محمد بن يزداد بن سعيد وزير المأمون عند شخوص المأمون إلى دمشق، وأنه شكا يوما إلى أبي هارون خليفة محمد بن يزداد الوحدة والغربة وقلة ذات اليد، وسأله أن يكلّم له محمدا في كلام المأمون في أمره ليبرّه بشيء، ففعل أبو هارون ذلك، ورأى محمد بن يزداد من المأمون طيب نفس فكلمه فيه وعطفه عليه، فقال له المأمون: أنا أعرف الناس به، ولا يزال بخير ما لم يكن معه شيء، فإذا رزق فوق القوت بذّره وأفسده، ولكن أعطه لموضع كلامك أربعة آلاف درهم. فدعا ابن يزداد بالأحول وعرّفه ما جرى ونهاه عن الفساد، وأمر له بالمال، فلما قبضه ابتاع غلاما بمائة دينار، واشترى سيفا ومتاعا، وأسرف فيما بقي بعد ذلك حتى لم يبق معه شيء، فلما رأى الغلام ذلك أخذ كلّ ما كان في بيته وهرب، فبقي عريانا بأسوأ حال، وسار إلى أبي هارون خليفة ابن يزداد فأخبره، فأخذ أبو هارون نصف طومار ونشره ووقع في آخره:
فرّ الغلام فطار قلب الأحول ... وأنا الشفيع وأنت خير معوّل
ثم ختمه ودفعه إليه وقال له: امض به إلى محمد بن يزداد فأوصله إليه، فلما رآه ابن يزداد قال له: ما في كتابك؟ قال: لا أدري، فقال: هذا من حمقك، تحمل كتابا لا تدري ما فيه، ثم فضّه فلم ير فيه شيئا، فجعل ينشره وهو يضحك حتى أتى على آخره، فوقف على البيت ووقّع تحته:
لولا تعبّث أحمد بغلامه ... كان الغلام ربيطة بالمنزل
ثم ختمه وناوله [إياه] وأمره أن يردّه إلى خليفته، فقال له: الله الله فيّ جعلت فداك، ارحمني من الحال التي صرت اليها، فرقّ له ووعده أن يكلم المأمون، فلما وجد بعد ذلك خلوة من المأمون كلمه فيه وشرح له ما جرى أجمع، ووصف له ضعف
стр. 430
عقل الأحول ووهي عقدته وسخفه، فأمر المأمون باحضاره، فلما وقف بين يديه قال له: يا عدوّ الله تأخذ مالي فتشتري به غلاما حتى يفرّ منك؟! فارتاع لذلك وتلجلج لسانه فقال: جعلت فداك يا أمير المؤمنين ما فعلت، فقال له: ضع يدك على رأسي واحلف أنك لم تفعل، فجعل ابن يزداد يأخذ بيده لذلك والمأمون يضحك ويشير إليه أن ينحيها، ثم أمر له باجراء رزق واسع في كلّ شهر، ووصله مرة بعد مرة حتى أغناه، وكان يعجبه خطه.
- ١٣٦-
أحمد بن محمد بن حميد بن سليمان بن حفص بن عبد الله بن أبي الجهم بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عوتج بن عدي بن كعب العدوي الجهمي، أبو عبد الله من بني عدي بن كعب القرشي، ينسب إلى جده أبي الجهم بن حذيفة
: حجازي دخل العراق وبها تأدّب ونشأ، وكان أديبا راوية شاعرا متقنا عالما بالنسب والمثالب، ويتناول جلة الناس، وله في ذلك كتب. مات [ ... ] .
ذكره المرزباني ومحمد بن إسحاق النديم فقالا: وقع بينه وبين قوم من العمريين والعثمانيين شر، فذكر سلفهم بأقبح ذكر، فكلّمه بعض الهاشميين في ذلك، فذكر العباس بأمر عظيم، فانتهى خبره إلى المتوكل فأمر بضربه مائة سوط، تولى ضربه إياها إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم، فلما فرغ من ضربه قال فيه:
تبرا الكلوم وينبت الشّعر ... ولكلّ مورد غلّة [١] صدر
واللؤم في أثواب منبطح ... لعبيده ما أورق الشجر
قال: وله من الكتب: كتاب أنساب قريش وأخبارها. كتاب المعصومين.
كتاب المثالب. كتاب الانتصار في الردّ على الشعوبية. كتاب فضائل مضر.
стр. 431
- ١٣٧-
أحمد بن أبي عبد الله محمد بن خالد بن عبد الرحمن بن محمد بن علي البرقي، أبو جعفر الكوفي الأصل
: وكان يوسف بن عمر الثقفي والي العراق من قبل هشام بن عبد الملك قد حبس جده محمد بن علي بعد قتل زيد بن علي ثم قتله، وكان خالد صغير السن، فهرب مع أبيه عبد الرحمن إلى برقة قمّ فأقاموا بها، وكان ثقة في نفسه غير أنه أكثر الرواية عن الضعفاء واعتمد المراسيل. وصنف كتبا كثيرة منها المحاسن وغيرها، وقد زيد في المحاسن ونقص، فمما وقع إليّ منها: كتاب الابلاغ.
كتاب التراحم والتعاطف. كتاب أدب النفس. كتاب المنافع. كتاب أدب المعاشرة. كتاب المعيشة. كتاب المكاسب. كتاب الرفاهية. كتاب المعاريض. كتاب السفر. كتاب الأمثال. كتاب الشواهد من كتاب الله . كتاب النجوم. كتاب المرافق.
كتاب الدواجن. كتاب المشوم [١] . كتاب الزينة. كتاب الأركان. كتاب الزي.
كتاب اختلاف الحديث. كتاب المآكل. كتاب الفهم. كتاب الإخوان. كتاب الثواب. كتاب تفسير الأحاديث واحكامها. كتاب العلل. كتاب العقل. كتاب التخويف. كتاب التحذير. كتاب التهذيب. كتاب التسلية. كتاب التاريخ. كتاب التبصرة. كتاب غريب كتب المحاسن. كتاب مذامّ الاخلاق. كتاب النساء. كتاب المآثر والأحساب. كتاب أنساب الامم. كتاب الزهد والموعظة. كتاب الشعر والشعراء. كتاب العجائب. كتاب الحقائق. كتاب المواهب والحظوظ. كتاب الحياة، وهو كتاب النور والرحمة. كتاب التعيين. كتاب التأويل. كتاب مذامّ الأفعال. كتاب الفروق. كتاب المعاني والتحريف. كتاب العقاب. كتاب الامتحان. كتاب العقوبات. كتاب العين. كتاب الخصائص. كتاب النحو. كتاب العيافة والقيافة. كتاب الزجر والفأل. كتاب الطيرة. كتاب المراشد. كتاب
стр. 432
الأفانين. كتاب الغرائب. كتاب الخيل. كتاب الصيانة. كتاب الفراسة. كتاب العويص. كتاب النوادر. كتاب مكارم الأخلاق. كتاب ثواب القرآن. كتاب فضل القرآن. كتاب مصابيح الظّلم. كتاب المنتخبات. كتاب الدعابة والمزاح. كتاب الترغيب. كتاب الصفوة. كتاب الرؤيا. كتاب المحبوبات والمكروهات. كتاب خلق السموات والأرض. كتاب بدء خلق ابليس والجن. كتاب الدواجن والرواجن [١] . كتاب مغازي النبي ﷺ . كتاب بنات النبي ﷺ وازواجه. كتاب الأجناس والحيوان. كتاب التأويل [٢] . كتاب طبقات الرجال. كتاب الأوائل. كتاب الطب. كتاب التبيان. كتاب الجمل. كتاب ما خاطب الله به خلقه. كتاب جداول الحكمة. كتاب الأشكال والقرائن. كتاب الرياضة. كتاب ذكر الكعبة. كتاب التهاني. كتاب التعازي.
- ١٣٨-
أحمد بن محمد بن يوسف الاصبهاني
: قال حمزة في «كتاب أصبهان» وذكره في جملة الأدباء الذين كانوا بها وقال: له كتاب في طبقات البلغاء. وكتاب في طبقات الخطباء لم يسبق إلى مثلهما. وكتاب أدب الكتاب [٣] . وأنشد الأصبهاني في القاضي الوليد بن أبي الوليد:
لعمرك ما حمدنا غبّ ودّ ... بذلنا الصفو منه للوليد
رجونا أن يكون لنا ثمالا ... إذا ما المحل أذوى كلّ عود
ويحيي أحمد بن أبي دواد ... سليل المجد والشرف العتيد
فزرناه فلم نحصل لديه ... على غير التهدّد والوعيد
стр. 433
تورّد حوضه الآمال منّا ... فآبت غير حامدة الورود
يظلّ عدوّه يحظى لديه ... بنيل الحظّ من دون الودود
رضينا بالسلامة من جداه ... وأعفيناه من كرم وجود
وقال في مثل للفرس قلبه إلى العربية شعرا:
إني إذا ما رأيت فرخ زنى ... فليس يخفى عليّ جوهره
لو في جدار يخطّ صورته ... لماج في كفّ من يصوره
وقال في رجل عدل عن انتحال علم الاسلام إلى علم الفلسفة:
فارقت علم الشافعيّ ومالك ... وشرعت في الإسلام رأي برقلس
وأراك في دين الجماعة زاهدا ... ترنو إليه بمثل طرف الأشوس
وكتب إلى بعض إخوانه:
نفسي فداؤك من خليل مصقب ... لم يشفني منه اللقاء الشافي
عندي غدا فئة تقوم بمثلها ... لله حجّته على الأصناف
مثل النجوم يلذّ حسن حديثهم ... ليسوا بأوباش ولا أجناف
أو روضة زهراء معشبة الثرى ... كال الربيع لها بكيل واف
من بين ذي علم يصول بعلمه ... أو شاعر يعصى بحد قواف
منهم أبو حسن برقلس دهره ... وأبو الهذيل وليس بالعلّاف
والهرمزانيّ الذي يسمو به ... شرف أناف به على الأشراف
فاجعل حديثك عندنا يشفي الجوى ... فنفوسنا ولهى إلى الإيلاف
وكن الجواب فليس يعجبني أخ ... في الدين شاب وفاقه بخلاف
стр. 434
- ١٣٩-
أحمد بن محمد بن أبي محمد اليزيدي أبو جعفر
: ذكره الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في «تاريخ دمشق» فقال: أحمد بن محمد بن يحيى بن المبارك بن المغيرة أبو جعفر العدوي النحوي المعروف أبوه باليزيدي: كان من ندماء المأمون، وقدم معه دمشق وتوجه منها غازيا للروم. سمع جده أبا محمد يحيى وأبا زيد الأنصاري، وكان مقرئا، روى عنه أخوه عبيد الله والفضل ابنا محمد وابن أخيه محمد بن العباس ومحمد بن أبي محمد وعون بن محمد الكندي ومحمد بن عبد الملك الزيات. مات قبيل سنة ستين ومائتين.
قرأت في كتاب أبي الفرج الاصبهاني [١] : حدثنا محمد بن العباس حدثني أبي عن أخيه أبي جعفر قال: دخلت يوما على المأمون بقارا وهو يريد الغزو فأنشدته شعرا مدحته به أوله:
يا قصر ذا النخلات من بارا [٢] ... إني حننت إليك من قارا
أبصرت أشجارا على نهر ... فذكرت أنهارا وأشجارا
لله أيام نعمت بها ... في القفص أحيانا وفي بارا
إذ لا أزال أزور غانية ... ألهو بها وأزور خمارا
لا أستجيب لمن دعا لهدى ... وأجيب شطّارا ودعّارا
أعصي النصيح وكلّ عاذلة ... وأطيع أوتارا ومزمارا
стр. 435
قال: فغضب المأمون وقال: أنا في وجه عدو [١] وأحضّ الناس على الغزو وأنت تذكرهم نزه [٢] بغداد؟! قلت: الشيء بتمامه، ثم قلت:
فصحوت بالمأمون من سكري ... ورأيت خير الأمر ما اختارا
ورأيت طاعته مؤدية ... للفرض إعلاناو إسرارا
فخلعت ثوب الهزل من عنقي ... ورضيت دار الخلد لي دارا
وظللت معتصما بطاعته ... وجواره وكفى به جارا
إن حلّ أرضا فهي لي وطن ... وأسير عنها حيثما سارا
فقال له يحيى بن أكثم: ما أحسن ما قال يا أمير المؤمنين، أخبر أنه كان في سكر وخسار، فترك ذلك وارعوى وآثر طاعة خليفته، وعلم أنّ الرشد فيها فسكن وأمسك.
ولأحمد بن اليزيدي هذا بيت جمع فيه حروف المعجم كلها وهو:
ولقد شجتني طفلة برزت ضحى ... كالشمس خثماء العظام بذي الغضا
وذكره أبو بكر الزبيدي فقال [٣] : هو أمثل أهل بيته في العلم، وهو القائل يهجو غلاما [٤] :
[نفسي تحدثني بأنك غادر ... وهواي فيك على ذنوبك ساتر
تعد الوفاء وأنت تظهر غيره ... ولقد يدلّ على الضمير الظاهر
لك مقلة طماحة مقسومة ... بين الجميع كما يدور الدائر
لو زار بيتك كل يوم عسكر ... أرضاهم لحظ بعينك فاتر
ومن البلاء بأن وجهك [٥] فاتن ... للعالمين وأن طرفك ساحر
وإذا برزت فكل قلب طائر ... شوقا إليك وكل طرف ناظر
стр. 436
ولديك إسعاف لهم وإجابة ... وهو الذي ما زلت منك أحاذر
في دون هذا للمتيم سلوة ... عن إلفه لو أن قلبي صابر
ولأهجرنك جازعا أو صابرا ... إني إذا إلف تنكر هاجر
- ١٤٠-
أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن سهل
، ويقال ابن أبي سهل الأحوال أبو العباس: ذكره محمد بن إسحاق النديم فقال: هو من متقدمي الكتاب وأفاضلهم، وكان عالما بصناعة الخراج متقدما في ذلك على أهل عصره، مات سنة سبعين ومائتين. وله كتاب الخراج.
- ١٤١-
أحمد بن محمد بن ثوابة بن خالد الكاتب أبو العباس
: قال محمد بن إسحاق النديم: هو أحمد بن محمد بن ثوابة بن يونس أبو العباس الكاتب، أصلهم نصارى وقيل إن يونس يعرف بلبابة، وكان حجاما، وقيل أمهم لبابة. ومات أبو العباس سنة سبع وسبعين ومائتين. وقال الصولي: مات في سنة ثلاث وسبعين.
قال [١] : وحدثني أبو سعيد وهب بن إبراهيم بن طازاذ قال: كان بين علي بن الحسين وبين أبي العباس ابن ثوابة منازعة في ضيعة، فاجتمعا في مجلس بعض الرؤساء، وأحسبه عبيد الله بن سليمان، فردّ عليّ بن الحسين مناظرة أبي العباس إلى أخيه أبي القاسم [جعفر] بن الحسين، فناظر أبا العباس، فأقبل أبو العباس يهاتره ويطنز به، وقال في جملة قوله: من أنتم؟ إنما نفقتم بالبذيذة [٢] ، قال: فالتفت
стр. 437
عليّ بن الحسين إلى صبيّ كان معه كأنه الدنيا المقبلة، فأخذ بيده وقام قائما في موضعه وكشف عن رأسه وقال بأعلى صوته: يا معشر الكتاب قد عرفتموني، وهذا ولدي من فلانة بنت فلان الفلاني، وهي مني طالق طلاق الحرج والسنة على سائر المذاهب إن لم يكن هذا الشرط الذي في أخدعي شرط جدّه فلان المزين، لا يكني عن جد ابن ثوابة، قال: فاستخذى [١] أبو العباس ولم يحر جوابا ولا أجرى بعد ذلك كلاما في الضيعة، وسلّمها من غير منازعة ولا محاورة.
قال [٢] : وكان أبو العباس من الثقلاء البغضاء، وله كلام مدوّن مستهجن مستثقل، منه: عليّ بماء الورد أغسل فمي من كلام الحاجم. ومنه: لما رأى أمير المؤمنين الناس قد تدرأسوا وتدقلموا وتدبسقوا وتذوذروا تدسقن. وله من التصانيف.
كتاب رسائله المجموعة. كتاب رسالته في الكتابة والخط.
وأخوه جعفر بن محمد بن ثوابة تولّى ديوان الرسائل في أيام عبيد الله بن سليمان الوزير، وابنه أبو عبد الله أحمد بن جعفر تولى ديوان الرسائل في أيام المطيع، وله ابن اسمه محمد بن أحمد [٣] كان أيضا مترسلا بليغا وله كتاب رسائل.
وأبو الحسين محمد بن جعفر بن ثوابة وابنه أبو عبد الله أحمد بن محمد بن جعفر وله أيضا ديوان رسائل، وهو آخر من بقي من فضلائهم.
ومن كلام أبي العباس: من حقّ المكاتبة أن يسبقها أنس، وينعقد قبلها ودّ، ولكن الحاجة أعجلت عن ذلك، فكتبت كتاب من يحسن الظنّ إلى من يحققه.
ومن فصل له إلى عبيد الله بن سليمان: لم يؤت الوزير من عدم فضيلة، ولم أوت من عدم وسيلة، وغلّة الصادي تأبى له انتظار الورد وتعجل عن تأمل ما بين الغدير والوادي، ولم أزل أترقّب أن يخطرني بباله ترقّب الصائم لفطره، وأنتظره انتظار الساري لفجره، إلى أن برح الخفاء، وكشف الغطاء، وشمت الأعداء، وان في تخلفي وتقدّم المقصرين لآية للمتوسمين، والحمد لله رب العالمين.
وقيل لابن ثوابة: قد تقلد إسماعيل بن بلبل الوزارة فقال: إنّ هذا عجز قبيح من
стр. 438
الأقدار. وكان محمد بن أحمد بن ثوابة [كاتبا] لبايكباك التركي فلما أغري المهتدي بالرافضة قال المهتدي لبايكباك: كاتبك والله أيضا رافضي، فقال بايكباك: كذب والله على كاتبي ما كان يقول هؤلاء، فشهدت الجماعة عليه، فقال بايكباك: كذبتم ليس كاتبي كما تقولون، كاتبي خيّر فاضل يصلّي ويصوم وينصحني، ونجاني من الموت، لأ أصدّق قولكم عليه، فغضب المهتدي وردّ الأيمان على صحّة القول في ابن ثوابة وهو يقول لا لا. فلما انصرف القوم من حضرة المهتدي أسمعهم بايكباك وشتمهم ونسبهم إلى أخذ الرشا والمصانعات، وأغلظ لهم، وأمر ببعضهم فنيل بمكروه إلى أن تخلصوا من يده. واستتر ابن ثوابة، وقلّد المهتدي كتابة بايكباك سهل بن عبد الكريم الأحول، ونودي على ابن ثوابة، ثم تنصّل بايكباك إلى المهتدي واعتذر إليه، فقبل عذره وصفح عنه. فلما قدم موسى بن بغا سرّ من رأى من الجبل تلقاه بايكباك وسأله التلطف في المسألة في الصفح عن كاتبه ابن ثوابة، فلما جدّد المهتدي البيعة في دار أناجور التركي عاود بايكباك المسألة في كاتبه، فوعده بالرضى عنه وقال: الذي فعلته بابن ثوابة لم يكن لشيء كان في نفسي عليه يخصّني لكن غضبا لله تعالى وللدين، فإن كان قد نزع عما أنكر منه وأظهر تورعا فإني قد رضيت عنه، ثم رضي عنه الخليفة في يوم الجمعة النصف من محرم سنة خمسين ومائتين، وخلع عليه أربع خلع، وقلّده سيفا، ورجع إلى كتابة بايكباك.
ميمون بن هارون [قال] قال لي أبو الحسن علي بن محمد بن الأخضر: كنا يوما في مجلس أبي العباس ثعلب إذ جاءه أبو هفان البصري للسلام عليه، فسأله عن أمره وسبب قدومه من سامرّا وأين يريد، فقال: أريد ابن ثوابة- يعني أحمد بن محمد بن ثوابة بن خالد- وكان بالرقة، وكان ذلك في أيام عيد فقال أبو العباس:
كيف رضاك عن بني ثوابة؟ فقال: إني والله أكره هجاءهم في يوم مثل هذا، ولكنّي أقمت هجائي لهم مقام الزكاة وقلت:
ملوك ثناهم كأحسابهم ... وأخلاقهم شبه آدابهم
فطول قرونهم أجمعين ... يزيد على طول أذنابهم
وقال الصولي: كانت بين أبي الصقر إسماعيل بن بلبل الوزير وبين أبي العباس أحمد بن محمد بن ثوابة وحشة شديدة لأسباب: منها أشياء جرت في مجلس صاعد
стр. 439
في آخر أيامه، فقد حدثني رشيق الموساي الخادم، وما رأيت خادما أعقل منه ولا أكتب يدا، قال: كنا في مجلس صاعد، فسأل عن رجل فقال أبو الصقر: قد كان أنفي- يريد نفي- فقال ابن ثوابة: في الخر، فسمعها فقال أبو الصقر: كيف نكلّم من حقه أن يشدّ ويحد؟! فقال ابن ثوابة: من جهلك أنك لا تعلم أن من يشدّ لا يحد، ومن يحدّ لا يشد، ثم ضرب الدهر من ضربه فرأيت ابن ثوابة قد دخل إلى أبي الصقر بواسط فوقف بين يديه ثم قال: أيها الوزير لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ
(يوسف: ٩١) فقال له أبو الصقر لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ
(يوسف: ٩٢) يا أبا العباس، ثم رفع مجلسه وقلّده طساسيج بابل وسورا وبربسما، فضاعف وزاد في الدعاء له، فما زال واليا إلى أن توفي في سنة ثلاث وسبعين ومائتين، هكذا ذكر الصولي، والأول منقول من كتاب محمد بن إسحاق، وهذا أولى بالصواب.
قال الصولي [١] وحدثني الحسين بن علي الكاتب قال: كان أبو العيناء في جملة أبي الصقر، قال: وكان يعادي ابن ثوابة لمعاداة أبي الصقر، فاجتمعا في مجلس بعقب ما جرى بين أبي الصقر وبين ابن ثوابة في مجلس صاعد فتلاحيا، فقال له ابن ثوابة: أما تعرفني؟ قال: بلى أعرفك ضيّق العطن، كثير الوسن، قليل الفطن، خارّا على الذقن، قد بلغني تعدّيك على أبي الصقر، وإنما حلم عنك لأنه لم ير عزّا فيذله، ولا علوّا فيضعه، ولا حجرا فيهدمه، فعاف لحمك أن يأكله وسهك دمك أن يسفكه، فقال له: اسكت فما تسابّ اثنان إلا غلب الأمهما، قال أبو العيناء: فلهذا غلبت بالأمس أبا الصقر، فأسكته.
ومن «كتاب الوزراء» لهلال بن المحسن، حدّث علي بن سليمان الأخفش قال [٢] ذكر لي المبرد أنه كان في يوم نوبة له عند أبي العباس أحمد بن محمد بن ثوابة حين دخل عليه غلامه وفي يده رقعة البحتري، فقرأها أبو العباس ووقّع فيها توقيعا خفيفا وأمر باصلاحها، فأصلحت وأعيدت إليه، قال المبرد: فرمى بها إليّ فإذا فيها [٣] :
стр. 440
اسلم أبا العباس وابق ... فلا أزال الله ظلّك
وكن الذي يبقى لنا ... ونموت حين نموت قبلك
لي حاجة أرجو لها ... إحسانك الأوفى وفضلك
والمجد مشترط على ... ك قضاءها والشرط أملك
فلئن كفيت ملمّها ... فلمثلها أعددت مثلك
قال: وإذا قد وقع أبو العباس «مقضيّة والله الذي لا إله إلا هو ولو أتلفت المال وأذهبت الحال، فقل رعاك الله ما شئت منبسطا، وثق بما أنا عليه لك مغتبطا، ان شاء الله تعالى» .
وقال أحمد بن علي الماذرائي الكاتب الأعور الكردي صديق المبرد يهجو ابن ثوابة من قصيدة:
تعست أبا الفضل الكتابه ... من أجل مقت بني ثوابه
وسألت أهل المهنتي ... ن من الخطابة والكتابه
عن عادل في حكمه ... فعليك أجمعت العصابه
فاسمع فقد ميزتهم ... ولكلّهم طرز وبابه
أما الكبير فمن جلا ... لته يقال له لبابه
وإذا خلا فممدّد ... في البيت قد شالوا كعابه
وارفضّ عنه زهوه ... وتقشّعت تلك المهابه
نقلت من خط عبد السلام البصري، ثنا أبو العباس التميمي، ثنا جحظة في «أماليه» قال: حضرت مجلس أبي العباس ثعلب وعنده جماعة من أصحابه، وحضر أحمد بن علي الماذرائي، فسأله عن أبي العباس ابن ثوابة وقال له: متى عهدك به؟
فقال: لا عهد ولا عقد، ولا وفاق ولا ميثاق، فقال له ثعلب: عهدي بك إذا غضبت هجوت، فهل من شيء؟ فأنشد:
بني ثوابة أنتم أثقل الأمم ... جمعتم ثقل الأوزار والتخم
أهاض حين أراكم من بشامتكم ... على القلوب وإن لم أوت من بشم
стр. 441
كم قائل حين غاظته كتابتكم ... لو شئت يا ربّ ما علّمت بالقلم
فقال ثعلب: أحسنت والله في شعرك وأسأت إلى القوم.
وعن أبي الفرج الأصبهاني [١] حدثني أبو الفضل العباس بن أحمد بن محمد بن ثوابة قال: قدم البحتريّ النيل على أحمد بن علي الاسكافي مادحا له فلم يثبه ثوابا يرضاه بعد أن طالت مدته عنده، فهجاه بقصيدته التي يقول فيها:
ما كسبنا من أحمد بن عليّ ... ومن النيل غير حمّى النيل
وهجاه بقصيدة أخرى أولها:
قصة النيل فاسمعوها عجابه
فجمع إلى هجائه إياه هجاء بني ثوابة. وبلغ ذلك أبي فبعث إليه بألف درهم وثيابا ودابة بسرجه ولجامه فردّه وقال: قد أسلفتكم إساءة لا يجوز معها قبول صلتكم، فكتب إليه أبي: أما الاساءة فمغفورة، والمعذرة فمشكورة، والحسنات يذهبن السيئات، وما يأسو جراحك مثل يدك، وقد رددت إليك ما رددته عليّ وأضعفته، فإن تلافيت ما فرط منك أثبنا وشكرنا، وإن لم تفعل احتملنا وصبرنا، فقبل ما بعث به وكتب إليه: كلامك والله أحسن من شعري، وقد أسلفتني ما أخجلني وحمّلتني ما أثقلني وسيأتيك ثنائي، ثم غدا عليه بقصيدة أولها:
ضلال لها ماذا أرادت من الصد [٢]
وقال فيه بعد ذلك:
برق أضاء القيق من ضرمه [٣]
وقال فيه أيضا [٤] :
أن دعاه داعي الهوى فأجابه
стр. 442
فلم يزل أبي يصله بعد ذلك ويتابع برّه لديه حتى افترقا.
وكتب أحمد بن محمد بن ثوابة إلى إسماعيل بن بلبل حين صاهر الناصر لدين الله الموفق بالله: بسم الله الرّحمن الرّحيم بلغني للوزير- أيده الله- نعمة زاد شكرها على مقادير الشكر، كما أربى مقدارها على مقادير النعمة، فكان مثلها قول إبراهيم بن العباس:
بنوك غدوا آل النبيّ ووارثو ... الخلافة والحاوون كسرى وهاشما
وأنا أسأل الله تعالى أن يجعلها موهبة ترتبط ما قبلها، وتنتظم ما بعدها، وتصل جلال الشرف، حتى يكون الوزير- أعزه الله- على سادة الوزراء موفيا، ولجميل العادة مستحقا، ولمحمود العاقبة مستوجبا، وأن يلبس خدمه وأولياءه من هذه الحلل العالية ما يكون لهم ذكرا باقيا وشرفا مخلدا.
وكان يلقب «لبابة» وكان عبيد الله بن سليمان قد صرف أحمد بن محمد بن ثوابة عن طساسيج كان يتقلدها بأبي الحسن ابن مخلد، فقال أحمد بن علي الماذرائي الأعور الكردي:
إني وقفت بباب الجسر في نفر ... فوضى يخوضون في غرب من الخبر
قالوا لبابة أضحت وهي ساخطة ... قد قدّت الجيب من غيظ ومن ضجر
فقلت حقا وقد قرّت بقولهم ... عيني وأعين إخواني بني عمر
لا تعجبوا لقميص قدّ من قبل ... فإن صاحبه قد قدّ من دبر
ولأبي سهل فيه يخاطب عبيد الله بن سليمان:
يا أبا القاسم الذي قسم الله ... له في الورى الهوى والمهابه
كدت تنفي أهل الكتابة عنها ... حين أدخلت فيهم ابن ثوابه
أنت ألحقته وما كان فيهم ... بهم ظالما به للكتابه
هل رأينا مخنثا كاتبا أو ... هل يسمّى أديب قوم لبابه
وله فيه:
أقصرت عن جدّي وعن شغلي ... والمكرمات وعدت في هزلي
стр. 443
لما أراني الدهر من تصريفه ... غيرا يغيّر مثلها مثلي
بلغ أحمد بن ثوابة بجنونه ... ما ليس يبلغه ذوو عقل
إن كان نقص المرء يجلب حظه ... فالعقل يرفع رزق ذي فضل
قال أبو حيان في «كتاب الوزيرين» [١] : حدثنا أبو بكر الصميري قال، حدثنا ابن سمكة قال، حدثنا ابن محارب قال، سمعت أحمد بن الطيب يقول: إنّ صديقا لابن ثوابة الكاتب أبي العباس يكنى أبا عبيدة قال له ذات يوم: إنك بحمد الله ومنّه ذو أدب وفصاحة وبراعة [وبلاغة] فلو أكملت فضائلك بأن تضيف إليها معرفة البرهان القياسي وعلم الأشكال الهندسية الدالة على حقائق الأشياء، وقرأت أقليدس وتدبّرته، فقال لي ابن ثوابة: وما كان اقليدس ومن هو؟ قال: رجل من علماء الروم يسمّى بهذا الاسم وضع كتابا فيه أشكال كثيرة مختلفة تدلّ على حقائق الأشياء المعلومة والمغيّبة يشحذ الذهن ويدقّق الفهم ويلطّف المعرفة ويصفّي الحاسة ويثبت الرويّة، ومنه افتتح الخط وعرفت مقادير حروف المعجم، قال له أبو العباس ابن ثوابة: وكيف ذلك؟ قال: لا تعلم كيف هو حتى تشاهد الأشكال وتعاين البرهان، قال: فافعل ما بدا لك، فأتاه برجل يقال له قويري [٢] مشهور ولم يعد إليه بعد ذلك.
قال أحمد بن الطيب: فاستظرفت ذلك وعجبت منه، فكتبت إلى ابن ثوابة رقعة نسختها: بسم الله الرّحمن الرّحيم، اتصل بي- جعلت فداك- أن رجلا من إخوانك أشار عليك بتكميل فضائلك وتقويتها بشيء من معرفة القياس البرهانيّ وطمأنينتك إليه، وأنك أصغيت إلى قوله وأذنت له، فأحضرك رجلا كان غاية في سوء الأدب، معدنا من معادن الكفر، وإماما من أئمة الشرك، لاستغرارك واستغوائك، يخادعك عن عقلك الرصين، وينازلك في ثقافة فهمك المبين، فأبى الله العزيز إلا جميل عوائده الحسنة قبلك، ومننه السوابق لديك، وفضله الدائم عندك بأن أتى على قواعد برهانه من ذروته، وحطّ عوالي أركانه من أقصى معاقد أسّه، فأحببت استعلامي ذلك على كنهه من جهتك، ليكون شكري لك على ما كان منك حسب لومي لصاحبك على
стр. 444
ما كان منه، ولأتلافى الفارط في ذلك بتدبّر المشيئة، إن شاء الله تعالى.
قال: فأجابني ابن ثوابة برقعة نسختها: بسم الله الرّحمن الرّحيم، وصلت رقعتك- أعزك الله- وفهمت فحواها، وتدبرت متضمنها، والخبر كما اتصل بك، والأمر كما بلغك، وقد لخّصته وبيّنته حتى كأنك معنا وشاهدنا. وأول ما أقول الحمد لله مولي النعم، والمتوحّد بالقسم، إليه يردّ علم الساعة وإليه المصير، وأنا أسأل إيزاع الشكر على ذلك، وعلى ما منحنا من ودّك وإتمامه بيننا بمنّه. ومما أحببت إعلامك وتعريفك بما تأدّى إليك أنّ أبا عبيدة لعنه الله تعالى، بنحسه ودسّه وحدسه اغتالني ليكلم ديني من حيث لا أعلم، وينقلني عما أعتقده وأراه وأضمره من الإيمان بالله وبرسوله ﷺ موطّدا إليّ الزندقة بسوء نيته إلى [١] الهندسة، وأنه يأتيني برجل يفيدني علما شريفا تكمل به فضائلي، فيما زعم، فقلت: عسى أفيد به براعة في صناعة، أو كمالا في مروءة، أو فخارا عند الأكفاء، فأجبته بأن هلمّ، فأتاني بشيخ ديرانيّ شاخص النظر منتشر عصب البصر، طويل مشذّب، محزوم الوسط، متزمّل في مسكه، فاستعذت بالرحمن إذ نزغني الشيطان، ومجلسي غاصّ بالأشراف من كلّ الأطراف، وكلّهم يرمقه ويتشوّف إلى رفعي مجلسه وإدنائه وتقريبه، ويعظمونه ويحيّونه، والله محيط بالكافرين. فأخذ مجلسه ولوى أشداقه وفتح أوساقه، فتبينت في مشاهدته النفاق، وفي ألفاظه الشقاق، فقلت: بلغني أن عندك معرفة من الهندسة، وعلما واصلا إلى فضل يفيد الناظر فيه حكمة وتقدما في كلّ صناعة، فهلمّ أفدنا شيئا منها عسى أن يكون عونا لنا على دين أو دنيا، في مروءة ومفاخرة لدى الأكفاء، ومفيدا زهدا ونسكا فذلك هو الفوز العظيم فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ
(آل عمران: ١٨٥) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ*
(فاطر: ١٧) قال:
فأحضرني دواة وقرطاسا، فأحضرتهما، فأخذ القلم ونكت نكتة نقط منها نقطة تخيّلها بصري وتوهّمها طرفي كأصغر من حبة الذر، فزمزم عليها من وساوسه، وتلا عليها من محكم أسفار أباطيله، ثم أعلن عليها جاهرا بافكه، وأقبل عليّ وقال: أيها الرجل، إن هذه النقطة شيء لا جزء له، فقلت: أضللتني وربّ الكعبة، وما الشيء الذي لا
стр. 445
جزء له؟ فقال: كالبسيط، فأذهلني وحيّرني وكاد يأتي على عقلي لولا أن هداني ربي، لأنه أتاني بلغة ما سمعتها والله من عربيّ ولا عجميّ، وقد أحطت علما بلغات العرب وقمت بها، واستبرتها جاهدا، واختبرتها عامدا، وصرت فيها إلى ما لا أجد أحدا يتقدمني إلى المعرفة به، ولا يسبقني إلى دقيقه وجليله، فقلت أنا: وما الشيء البسيط؟ فقال: كالله وكالنفس، فقلت له: إنك من الملحدين، أتضرب لله الأمثال والله يقول فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
(النحل: ٧٤) لعن الله مرشدا أرشدني إليك، ودالا دلّني عليك، فما ساقك إليّ إلّا قضاء سوء، ولا كسعك نحوي إلا الحين، وأعوذ بالله من الحين وأبرأ اليه منكم ومما تلحدون والله وليّ المؤمنين إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ*
(الانعام: ٧٨) لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. فلما سمع مقالتي كره استعاذتي فاستخفّه الغضب، فأقبل عليّ مستبسلا وقال: إني أرى فصاحة لسانك سببا لعجمة فهمك، وتذرّعك بقولك آفة من آفات عقلك، فلولا من حضر والله المجلس وإصغاؤهم إليه مستصوبين أباطيله، ومستحسنين أكاذيبه، وما رأيت من استهوائه إياهم بخدعه، وما تبينت من توازرهم لأمرت بسلّ لسان اللكع الألكن، وأمرت باخراجه إلى أحرّ نار الله وسعيره وغضبه ولعنته. ونظرت إلى أمارات الغضب في وجوه الحاضرين فقلت: ما غضبكم لنصرانيّ يشرك بالله، ويتّخذ من دونه الأنداد ويعلن بالالحاد؟! لولا مكانكم لنهكته عقوبة، فقال لي رجل منهم: إنه إنسان حكيم، فغاظني قوله فقلت: لعن الله حكمة مشوبة بكفر، فقال لي آخر: إن عندي مسلما يتقدم أهل هذا العلم، ورجوت بذكره الاسلام خيرا فقلت: إيتني به، فأتاني برجل قصير دحداح آدم مجدور الوجه أخفش العينين أجلح أفطس سيّء المنظر قبيح الزيّ، فسلم فرددت ﵇، فقلت: ما اسمك؟
فقال: أعرف بكنية قد غلبت عليّ، فقلت: أبو من؟ فقال: أبو يحيى، فتفاءلت بملك الموت ﵇، وقلت: اللهم إني أعوذ بك من الهندسة، اللهم فاكفني شرّها فإنه لا يصرف السوء إلا أنت، وقرأت الحمد لله والمعوذتين وقل هو الله أحد وقلت: إن صديقا لي جاءني بنصرانيّ يتخذ الأنداد، ويدّعي أن لله الأولاد، ليغويني، فهلمّ أفدنا شيئا من هندستك، وأقبسنا من طرائف حكمتك، ما يكون لي سببا إلى رحمة الله ووسيلة إلى غفرانه، فإنها أربح تجارة وأعود بضاعة، فقال:
стр. 446
أحضرني دواة وقرطاسا، فقلت: أتدعو بالدواة والقرطاس وقد بليت منهما ببلية كلمها لم يندمل عن سويداء قلبي؟ فقال: وكيف كان ذلك؟ فقلت: إن النصراني نقط نقطة كأصغر من سمّ الخياط وقال لي: إنها معقولة كربّك الأعلى، فوالله ما عدا فرعون وكفره وإفكه فقال: إني أعفيك من النقطة، لعن الله قويري، وما كان يصنع بالنقطة؟
وهل بلغت أنت أن تعرف النقطة؟ فقلت: استجهلني وربّ الكعبة وقد أخذت بأزمّة الكتابة ونهضت بأعبائها واستقللت بثقلها، يقول لي لا تعرف فحوى النقطة، فنازعتني نفسي في معالجته بغليظ العقوبة، ثم استعطفني الحلم إلى الأخذ بالفضل، ودعا بغلامه وقال: ايتني بالتخت، فو الله ما رأيت مخلوقا بأسرع إحضارا له من ذلك الغلام، فأتاه به، فتخيلته هيئة منكرة ولم أدر ما هو، وجعلت أصوّب الفكر فيه [تارة] وأصعّد أخرى وأجيل الرأي مليّا وأطرق طويلا، لأعلم أيّ شيء هو: أصندوق هو فإذا ليس بصندوق، أتخت [هو] فإذا ليس بتخت، فتخيلته كتابوت، فقلت لحد لملحد يلحد به الناس عن الحق. ثم أخرج من كمه ميلا عظيما فظننته متطببا وانه لمن شرار المتطببين، فقلت له: إن أمرك لعجب كله، ولم أر أميال المتطببين كميلك، أتفقا به العين؟ قال: لست بمتطبب ولكن أخطّ به الهندسة على هذا التخت، فقلت له:
إنك وإن كنت مباينا للنصرانيّ في دينه لمؤازر له في كفره، أتخطّ على تخت بميل لتعدل بي عن وضح الفجر إلى غسق الليل، وتميل بي إلى الكذب باللوح المحفوظ وكاتبيه الكرام، إياي تستهوي أم حسبتني كمن يهتز لمكايدكم؟! فقال: لست أذكر لوحا محفوظا ولا مضيّعا، ولا كاتبا كريما ولا لئيما، ولكن أخطّ فيه الهندسة وأقيم عليها البرهان بالقياس والفلسفة، قلت له: اخطط فأخذ يخطّ وقلبي مروّع يجب وجيبا، وقال لي غير متعظم: ان هذا الخط طول بلا عرض، فتذكرت صراط ربي المستقيم وقلت له: قاتلك الله، أتدري ما تقول؟ تعالى صراط ربّي المستقيم عن تخطيطك وتشبيهك وتحريفك وتضليلك، انه لصراط مستقيم، وإنه لأحدّ من السيف الباتر والحسام القاطع، وأدقّ من الشعر وأطول مما تمسحون، وأبعد مما تذرعون، ومداه بعيد، وهو له شديد، أتطمع أن تزحزحني عن صراط ربي وحسبتني غرا غبيا لا أعلم ما في باطن ألفاظك ومكنون معانيك؟! والله ما خططت الخطّ وأخبرت انه طول بلا عرض إلّا ضلة بالصراط المستقيم لتزلّ قدمي عنه وأن ترديني في جهنم، أعوذ
стр. 447
بالله وأبرأ إليه من الهندسة، ومما تدلّ عليه وترشد إليه، إني بريء من الهندسة ومما تعلنون وتسرون، ولبئسما سوّلت لك نفسك أن تكون من خزنتها بل من وقودها، وإن لك فيها لأنكالا وسلاسل وأغلالا، وطعاما ذا غصة. فأخذ يتكلم فقلت: سدّوا فاه مخافة أن يبدر من فيه مثل ما بدر من المضلل الأول، وأمرت بسحبه فسحب إلى أليم عذاب وناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
(التحريم: ٦) ثم اخذت قرطاسا وكتبت بيدي يمينا آليت فيها بكلّ عهد مؤكّد وعقد مردّد ويمين ليست له كفّارة أني لا أنظر في الهندسة أبدا، ولا أطلبها ولا أتعلمها من أحد سرا ولا جهرا، ولا على وجه من الوجوه، ولا على سبب من الأسباب، وأكدت بمثل ذلك على عقبي وعقب أعقابهم: لا تنظروا فيها ولا تتعلموها ما دامت السموات والأرض إلى أن تقوم الساعة لميقات يوم معلوم. وهذا بيان ما سألت- أعزك الله- عنه فيما دفعت إليه وامتحنت به، ولتعلم ما كان منّي.
ولولا وعكة أنا في عقابيلها لحضرتك مشافها وأخذت بحظ المتمني [من الأنس] بك والاستراحة إليك، فمهّد على ذلك عذري، فإنك غير مباين لفكري والسلام.
قال عبد الله الفقير إليه مؤلف هذا الكتاب: لا شكّ أن أكثر ما في هذه الرسالة مفتعل مزوّر وما أظنّ برجل مثل ابن ثوابة- وهو بمكانه من العلم بحيث تلقى إليه مقاليد الخلافة فيخاطب عنها بلسانه القاصي والداني، ويرتضيه العقلاء والوزراء، بحيث لا يرون له نظيرا في زمانه في براعة لسانه، تولّى كتابة الإنشاء السنين الكثيرة- أن يكون منه هذا كله، ولكن عسى أن يكون منه ما كان من ابن عبّاد وهو الذي ساق أبو حيان خبر ابن ثوابة لأجله، وهو أن قال [١] كان ابن عباد يسبّ أصحاب الهندسة ويقول: جاءني بعض هؤلاء الحمقى ورغّبني في الهندسة، فابتدأ فأثبت خمسة وعشرين وخطّ خطا ووضع شكلا وطوّل وزعم أنه يعمل برهانا على ذلك، فقلت له:
كنت أعرف أنّ هذا خمسة وعشرون ضرورة، وقد شككت الآن، فأنا مجتهد حتى أعلم بالاستدلال وهذا هو الخسار.
стр. 448
قلت: ومثل هذا لا يبعد أن يقول مثله من لم يتدرب بهذه الصناعة، فأما ما تقدم من حديث ابن ثوابة فهو غاية في التجلّف، والرجل كان أجلّ من ذلك، وإنما أتي من جهة أحمد بن الطيب لأنه كان فيلسوفا، وكان ابن ثوابة متعجرفا كما ذكرنا، فأخذ يسخر منه ليضحك المعتضد، فإن أحمد بن الطيب كان من جلساء المعتضد، وإما أن يكون أبو حيان جرى على عادته في وضع ما أكثر من وضعه من مثل ذلك، والله أعلم.
- ١٤٢-
أحمد بن علي بن المأمون النحوي اللغوي
القاضي صاحب الخط المليح والنقل الصحيح: مات في تاسع عشر شعبان سنة ست وثمانين وخمسمائة ومولده في ذي القعدة سنة تسع وخمسمائة. سألت ولده أبا محمد عبد الله بن أحمد عنه فأعطاني جزءا بخط والده هذا، وقد ضمّنه ذكر نفسه وذكر ولده، فنقلت منه جميع ما أذكره في هذ الترجمة إلا ما أبينه.
قال: «أنا أحمد بن علي بن هبة الله بن علي الزوال (وأصله الزول، وإنما غيره المتكلمون به وزادوا ألفا، والزول الرجل الشجاع، وقد ذكر ذلك في «كتاب الألفاظ» لابن السكيت) [١] ابن محمد بن يعقوب بن الحسين بن عبد الله المأمون بالله الخليفة، ابن هارون الرشيد بالله الخليفة، ابن محمد المهدي بالله الخليفة، ابن عبد الله المنصور بالله الخليفة، ابن محمد الكامل بن علي السجاد بن عبد الله حبر [٢] الأمة، ابن العباس سيد العمومة، ابن عبد المطلب شيبة الحمد، ابن هاشم عمرو العلى، ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر، هو قريش، بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن
стр. 449
مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد بن اليسع بن الهميسع بن سلامان بن ثبت بن جميل بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل بن آزر بن تارح بن ناحور بن ساروغ بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس، بن ليارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم أبي البشر، فطرة الله . ومولدي في ضحى نهار الثلاثاء ثالث عشر ذي القعدة سنة تسع وخمسمائة، ولدت بدرب فيروز في الدار المعروفة الآن بورثة ابن الثقفي القاضي عز الدين، قاضي القضاة ﵀، وكان والدي يومئذ كاتب الزمام في الأيام المستظهرية وبعد ذلك في الأيام المسترشدية مدة. وكنت منذ نشأت ختمت القرآن وقرأته للعشرة على المرزوقي ﵀ الأمين أبي بكر، أنا وحجة الإسلام أبو محمد إسماعيل بن الجواليقي وفقه الله، وكنا نترافق حين الحداثة في القراءة على الشيوخ، ويتكثر بعضنا ببعض ونتعاضد في القراءة. وكتبت الخطّ على أبي سعيد الحسن بن منصور أبي الحسن الجزري ﵀، وكان صالحا أديبا صائم الدهر عالما في فنون من العلم فقيها، وكان والدي يؤثرني من دون إخواني لما يراه من اشتغالي بالعلم، فإنني منذ انفصلت من المكتب رجعت بقراءة النحو واللغة إلى شيخنا أوحد الزمان أبي منصور ابن الجواليقي ﵀، وصحبته إحدى عشرة سنة، وقرأت عليه كتبا كثيرة من حفظي وغير حفظي، حتى توليت القضاء سنة أربع وثلاثين وخمسمائة» .
«وكان الحكم والقضاء على دجيل إلى والدي المقدم ذكره مضافا إلى الخطابة، فحين ولي أمر ديوان الزمام ببغداد ردّ القضاء إلى ولده هبة الله الملقب بتاج العلى، وكان يخاطب من الديوان العزيز مجّده الله بالأجلّ الأوحد زين الإسلام نجم الكفاة تاج العلى جمال الشرف مجد القضاة عين الكفاة، وكان بعد ذلك أضيف إليه نظر دجيل أجمع مع المخزنيات، وكان ذا سطوة وشجاعة، وثروة كبيرة، ومماليك من الأتراك والاماء والعبيد، والقرايا والأملاك، والرياسة التامة، والصيت والذكر الجميل بين العرب والعجم، وكان له معروف كبير ودار مضيف بحربيّ [١] يجتمع إليها أمراء
стр. 450
العجم على طبقاتهم وغيرهم من الغرباء، وكان له نواب في القضاة بحربي والحظيرة [١] وغيرهما، وكانت ولايته من قاضي القضاة الدامغاني إلى أن درج بالموصل مسموما مخافة منه لما شوهد من رئاسته وتبع العرب والتركمان له وحمل السلاح والجند والاستطالة العظيمة، ونفذ ميتا في شفارة [٢] حتى دفن بحربي في أواخر سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وانحدار ولده علي بن هبة الله بن علي طالبا مكانه ببذل المال الجمّ، وكان وزير الزمان يومئذ شرف الدين علي بن طراد الزينبي في أوائل الأيام المقتفوية، فترك مع بذله، ووليت بعد أن أحضرت، وقيل لي قد رسم توليك من غير قربة لتميزك بالعلم، وكان لي من العمر يومئذ أربع وعشرون سنة» .
«واعتزى ابن أخي بعد ذلك إلى ديوان السلطنة، وخاطب الديوان العزيز في ذلك فلم يجب، ودخل في النوبة جماعة من الأهل والأكابر من ولاة الأمر، فتوسط الحال على أن يكون لولده مجلس وساطة وحكم بحربي في المداينات، وما عداها إليّ مع الخطابة وذلك نصر يقين، فكتبت رسالة إلى المواقف المقدّسة النبوية المقتفوية قدّسها الله، ومنها: «ومعاذ الله أن يقارن هذا الفتى بالعبد ولا يعرف قبيلا من دبير، ولا يؤلّف بين كلمتين في تعبير، لو سيم قراءة الفاتحة أخجلته، أو ريم منه التماس حاجة في التطهر أخفرته، وعدّ عن أسباب لا يمكن بسطها، ولا يروق خطّها. وأما العبد فطرائقه معلومة، ومآخذه مفهومة، ومحلّ الشيء عنده قابل، والجمهور إليه مائل، وسحاب الاستحقاق لما أهّل له في أرضه هاطل، ومعاذ الله أن يتغير من كريم الآراء الشريفة في حقّه رأي، أو ينفصم من تلك الوعود فيما أهّل له وأي، والوعود كالعهود، ومواقع الكلم الشريفة كالترتق في الجلمود، وهو واثق من الانعام، بما سار بين الأنام، ليغدو مستحكم الثقة بالإكرام، والأمر أعلى والسلام» .
فبرز التوقيع الأشرف المقتفوي يؤمر فيه بالعمل بسابق التوقيع، وخرجت إلى العمل، وبقيت مدة. فتولى القضاء بمدينة السلام وفاء بن المرخّم وكان على حالة جليلة من الاختصاص واستخدام قضاة الأطراف من جانبه، فأبيت ذلك وخاطبت في الخروج عن
стр. 451
يده وإضافة باقي دجيل مع ما والاه وقاربه من لدن تكريت إلى الانبار وإلى الجبل وما والاه من بلد خانقين وروشن قبادوا إلى الحربية من الجانب الغربي ببغداد» .
«وكنت أحكم في ذلك أجمع، حتى ولي المستنجد بالله ﵁ وقصر القضاة [١] وغيرهم، وأنا في الجملة، وبقيت إحدى عشرة سنة مقصورا إلى أن توفي إلى رحمة الله بعد أن استوعب ما كنت أملكه سائره فلم أضيّع من زماني شيئا، وكتبت في الحبس ثمانين مجلدة منها «الجمهرة» لأبي بكر ابن دريد مجلدتان، «وشرح سيبويه» ثلاث مجلدات، و «إصلاح المنطق» محشّى مجلدة واحدة، و «الغريبان» للهروي مجلدة واحدة، و «أشعار الهذليين» ثلاث مجلدات، و «شعر المتنبي» مجلدة، و «غريب الحديث» لأبي عبيد مجلدتان، وأشياء يطول شرحها من الكتب الكبار، وحفّظت أولادي الختمة، وأيضا حفظتهم كتبا كثيرة في علم العربية والتفاسير وغريب القرآن والخطب والأشعار، وشرحت لهم «كتاب الفصيح» ، وجمعت لهم كتابا سميته «أسرار الحروف» يبين فيه مخارجها ومواقعها من الزوائد والمنقلب والمبدل والمتشابه والمضاعف وتصريفها في المعاني الموجودة فيها والمعاني الداخلة عليها، وذكرت فيه من اشتقاق الأسماء كلّ ما تكلمت به علماء البصريين والكوفيين وغيرهم من أهل اللغة، وهو مجلدة ضخمة تحتوي على عشرين كراسة في كلّ وجهة عشرون سطرا» .
«ولما درج الإمام المستنجد بالله وأتاح الله الخروج من ذلك الضيق، وولي بعده الإمام العادل الرحيم المستضيء بالله أمير المؤمنين، وشملت رحمته من كان في السجن من الأمة حتى لم يبق فيه أحدا إلّا أفرج عنه، ومن وجد له بخزانته المعمورة من ماله شيئا عليه اسمه أعاده عليه، وكل من كان في ولاية أعاده إليها، ومن وجد من ملكه شيئا تحت الاعتراض أفرج عنه وأعاده إليه، وأنا ممن أنعم في حقه بإعادة خرقة كان ختمها باقيا عليها واسمي، فيها ثلاثمائة دينار إمامية صحاح من جملة ما أخذ من مالي، فأعادها عليّ، وأعاد عليّ سهاما في ثلاث قرايا بالراذان، وقراحا ببلدة الحظيرة، وما كان فات وبيع لم يرجع، وأنعم في حقي بإعادة ولايتي عليّ وتقريبي
стр. 452
واستخدامي في مهامّ عدة، وكان الوسيط في ذلك كله الوزير عضد الدولة أبو الفرج ابن رئيس الرؤساء وكان محبا لاسداء العوارف والاصطناع وجذب الأتباع، وإدخال المكارم عند الرجال، وكان كريما رحب الفناء لأرباب الحوائج بعيدا ما ينفصل من بابه محروم» . هذا آخر ما نقلته من خطه. واجتمعت بولده قوام الدين أبي محمد عبد الله ابن أحمد، وقد أفردت له ترجمة في هذا الكتاب [١] ، فأنشدني لوالده من حفظه:
فؤاد المشوق كثير العنا ... ومن كتم الوجد أبدى الضنا
وكم مدنف في الهوى بعدهم ... وكانوا الأماني له والمنى
لقد خلّفوه أخا لوعة ... مولّه شوق يعاني المنا
ينادي من الشوق في إثرهم ... إذا آده ما به قد منا
بيا جسدا ناحلا بالعراق ... مقيما وقلبا بوادي منى
تحرّقه زفرات الحنين ... ويغدو بهنّ الشجى ديدنا
وهي طويلة قالها في زعيم الدين ابن جعفر عند عوده من مكة.
وقرأت على ظهر كتاب ما صورته لأحمد بن المأمون:
قد كنت أركب للخيل العتاق فما ... أبقى لي الدهر لا بغلا ولا فرسا
وكنت أنهض بالعبء الثقيل فقد ... أصدّني الدهر عن نهضي به فرسا
وكم فرست أسودا عنوة عرضا ... وعضّني الدهر حتى خلته فرسا
فأفّ من دهرنا أفّ له فلقد ... أضاع حرا كريما بئسما فرسا
وله:
أهديت درجا مليحا ... كمثل خطّ ابن مقله
العين فيه كعين ... والميم فيه كمقله
والنون فيه كنون ... ما بين صدغ ومقله
стр. 453
- ١٤٣-
أحمد بن أبي عمر المقرىء المعروف بأحمد الزاهد أبو عبد الله الأندرابي
: مات في العشرين من ربيع الأول سنة سبعين وأربعمائة. ذكره عبد الغافر وقال: شيخ زاهد عابد عالم بالقراءات له التصانيف الحسنة في علم القراءات، سمع الحديث، وأكثر سماعه مع السيد أبي المعالي جعفر بن حيدر العلوي الهروي الصوفي، وكان رفيقه، سمعا صحيح مسلم وغيره، وروى عن محمد بن يحيى بن الحسن الحافظ.
روى عنه أبو الحسن الحافظ.
- ١٤٤-
أحمد بن محمد بن بشر بن سعد المرثدي أبو العباس
: ذكره الخطيب فقال: كنيته أبو علي، ومات في صفر سنة ست وثمانين ومائتين، وذكر ابن بنت الفريابي أنه مات في سنة أربع وثمانين وسمع علي بن الجعد والهيثم بن خارجة في آخرين، وروى عنه أبو بكر الشافعي وغيره وكان عبد الرحمن بن يوسف يثني عليه.
وقال ابن المنادي: هو أحد الثقات.
وذكره محمد بن اسحاق النديم فقال: كنيته أبو العباس الكبير، وهو الذي كان ابن الرومي يكاتبه في السمك [١] ، وكان المرثدي يكتب للموفق في خاصته [٢] . وله من الكتب: كتاب الأنواء في نهاية الحسن. كتاب رسائله. كتاب أشعار قريش، وعليه عول أبو بكر الصولي في كتاب الأوراق وله انتحل، وقد ذكرت ذلك في أخبار الصولي.
стр. 454
قال [١] عبد الله بن المعتز: كتب إليّ [ابن] بشر المرثدي:
يا بعيد الشأو في الحسب ... وقريع الناس في الأدب
والذي ما مثله بشر ... في صنوف الجدّ واللعب
كنت بي برّا وذا صلة ... في رسالات وفي كتب
وقبيح بالكريم إذا ... حال عن عهد بلا سبب
وقال ابن المعتز: وكتب إليّ المرثدي أيضا:
لي امير إذا جفا يتجنّى ... وإذا ملّ قال كان وكنّا
وإذا غاب عنه ذو الودّ حولا ... لم يقل ما له لقد غاب عنّا
- ١٤٥-
أحمد بن محمد بن عاصم أبو سهل الحلواني
: ذكره محمد بن إسحاق النديم وقال: بينه وبين أبي سعيد السكري نسب قريب، فروى عن أبي سعيد كتبه وكان كثيرا ما توجد بخطه وخطه في نهاية القبح إلّا انه من العلماء. وله من الكتب كتاب المجانين الأدباء.
- ١٤٦-
أحمد بن محمد ابن بنت الشافعي
: هو صحيح الخط متقن الضبط من أهل الأدب يعتمد على خطه وضبطه، لا أعرف من خطه إلا ما رأيته بخطه بكتاب تفسير القرآن لابن جرير الطبري وقد ذكر عند خاتمته: «وكتبه أحمد بن محمد ابن بنت الشافعي ورّاق الجهشياري» .
стр. 455
- ١٤٧-
أحمد بن محمد بن سليمان بن بشار الكاتب
: ذكره محمد بن إسحاق النديم فقال: هو أستاذ أبي عبد الله الكوفي الوزير، وكان أحد الأفاضل من الكتاب بلاغة وفصاحة وصناعة، وله كتاب الخراج نحو ألف ورقة وكتاب الشراب والمنادمة.
- ١٤٨-
أحمد بن محمد المهلبي أبو العباس
: كذا ذكره محمد بن إسحاق النديم في كتابه وقال: هو مقيم بمصر ويعرف بالبرجاني [١] ، وله من الكتب كتاب شرح علل النحو. كتاب المختصر في النحو.
وكان بمصر نحوي يعرف بالمهلبي اسمه علي بن أحمد وكان في هذا العصر، فإن كان هذا فقد وهم النديم في اسمه، وإلّا فهو غيره، والله أعلم. وقد كتبنا لذلك ترجمة في بابه [٢] .
- ١٤٩-
أحمد بن محمد بن نصر الجيهاني أبو عبد الله
، وزير نصر بن أحمد بن نصر الساماني، صاحب خراسان: كان أديبا فاضلا، ذكره محمد بن إسحاق النديم وقال:
له من الكتب: كتاب آيين. كتاب العهود للخلفاء [٣] والأمراء. كتاب المسالك والممالك. كتاب الزيادات في كتاب الناشىء من المقالات.
стр. 456
ولأحمد ابن أبي بكر الكاتب يهجو أبا عبد الله الجيهاني:
أيا ربّ فرعون لما طغى ... وتاه وأبطره ما ملك
لطفت وأنت اللطيف الخبير ... فأقحمته اليمّ حتى هلك
فما بال هذا الذي لا أراه ... يسلك إلا الذي قد سلك
مصونا على نائبات الدهور ... يدور بما يشتهيه الفلك
ألست على أخذه قادرا ... فخذه وقد خلص الملك لك
فقد قرب الأمر من أن يقال ... ذا الأمر بينهما مشترك
والا فلم صار يملى له ... وقد لجّ في غيّه وانهمك
ولن يصفو الملك ما دام فيه ... شريك وإن شك [....]
ذكر هذه الأبيات أبو الحسن محمد بن سليمان بن محمد في «كتاب مزيد [١] التاريخ في أخبار خراسان» .
وقال فيه بعضهم يهجوه قال، وأظنه اللحام:
لا لسان لا رواء ... لا بيان لا عباره
لا ولا ردّ سلام ... منك إلا بالاشاره
أنا أهواك ولكن ... أين آثار الوزاره
قال: ثم مات السديد منصور بن نوح، وقام مقامه الرضى أبو القاسم نوح بن منصور، والجيهاني على وزارته، ثم صرفت عنه الوزارة في شهر ربيع الأخر سنة سبع وستين وثلاثمائة، ووليها أبو الحسين عبد الله بن أحمد العتبي.
стр. 457
- ١٥٠-
أحمد بن محمد بن يزداد [١] بن رستم أبو جعفر النحوي الطبري
: سكن بغداد، قال الخطيب: وحدّث بها عن نصير بن يوسف وهاشم بن عبد العزيز صاحبي علي بن حمزة الكسائي. روى باسناده قال، قال عبد الله بن مسعود: إني قد سمعت القراء فوجدتهم متقاربين فاقرءوا كما علمتم، فإنما هو كقول أحدكم هلمّ وتعال. قال عمر بن محمد بن سيف الكاتب: سمعت من ابن رستم في سنة أربع وثلاثمائة.
قال محمد بن اسحاق النديم: وله من الكتب: كتاب غريب القرآن. كتاب المقصور والممدود. كتاب المذكر والمؤنث. كتاب صورة الهمز. كتاب التصريف.
كتاب النحو.
وقرأت في «كتاب الغاية» لأبي بكر ابن مهران النيسابوري في القراءات قرأت على أبي عيسى بكار بن أحمد المقرىء قال: قرأت على أبي جعفر أحمد بن محمد بن رستم الطبراني [٢] ، وكان مؤدبا في دار الوزير ابن الفرات، ووصلنا إليه بالحيل والشفعاء، وكان بصيرا بالعربية حاذقا في النحو، أخذ القراءات عن نصير بن يوسف أبي المنذر النحوي صاحب الكسائي وأخذ نصير عن الكسائي.
- ١٥١-
أحمد بن محمد بن عبد الله بن صالح بن شيخ بن عمير أبو الحسن، أحد أصحاب أبي العباس ثعلب
: ذكره المرزباني في كتاب «المقتبس» وقال ابن بشران في «تاريخه» : في سنة عشرين وثلاثمائة مات أبو بكر ابن أبي شيخ ببغداد، وكان
стр. 458
محدثا اخباريا، وله مصنفات، ولا أدري أهو هذا أم غيره، فإن الزمان واحد وكلاهما اخباري، والله أعلم. ولعل ابن بشران غلط في جعله ابن أبي شيخ أو جعله أبا بكر، والله أعلم.
وحدث المرزباني عن عبد الله بن يحيى العسكري قال: أنشدني أبو الحسن أحمد بن محمد بن صالح بن شيخ بن عمير الأسدي لنفسه وكتب بها إلى بعض إخوانه:
كنت يا سيدي على التطفيل ... أمس لولا مخافة التثقيل
وتذكرت دهشة القارع البا ... ب إذا ما أتى بغير رسول
ونخوفت أن أكون على القو ... م ثقيلا فقدت كلّ ثقيل
لو تراني وقد وقفت أروّي ... في دخول إليك أو في قفول
لرأيت العذراء حين تحايا ... وهي من شهوة على التعجيل
وحدث عن عمر بن بنان الأنماطي عن أبي الحسن الأسدي قال: تركت النبيذ، وأخبرت أبا العباس ثعلبا بتركي إياه، ثم لقيت محمد بن عبد الله بن طاهر فسقاني، فمررت على ثعلب وهو جالس على باب منزله عشيا، فلما رآني أتكفأ في مشيتي علم أني شارب، فقام ليدخل إلى منزله ثم وقف على بابه، فلما حاذيته وسلّمت عليه أنشأ يقول:
فتكت من بعد ما نسكت وصا ... حبت ابن سهلان صاحب السّقط
إن كنت أحدثت زلة غلطا ... فالله يعفو عن زلة الغلط
قال عمر: فسألت ثعلبا عن ابن سهلان صاحب السّقط فقال: أهل الطائف يسمون الخمار صاحب السّقط.
وحدث عن الصولي قال: أنشدني أبو الحسن أحمد بن محمد الانباري لنفسه في قصيدته المزدوجة التي تمم بها قصيدة علي بن الجهم التي ذكر فيها الخلفاء إلى زمانه:
ثم تولى المستعين بعده ... فحاز بيت ماله وجنده
ثم أتى بغداد في محرّم ... إحدى وخمسين برأي مبرم
стр. 459
وذكر قطعة من أخباره ثم قال:
وثبتت خلافة المعتز ... ولم يشب أموره بعجز
وذكر طرفا من أموره ثم قال:
وقلدوا محمد بن الواثق ... في رجب من غير أمر عائق
المهتدي بالله دون الناس ... جاء به الرحمن بعد الياس
ثم قال بعد أبيات:
وقام بالأمر الامام المعتمد ... إمام صدق في صلاح مجتهد
وساق قطعة من سيرته.
- ١٥٢-
أحمد بن محمد جراب الدولة
: هو أحمد بن محمد بن علويه، من أهل سجستان، ويكنى أبا العباس، وكان طنبوريا أحد الظرفاء الطياب، كان في أيام المقتدر وأدرك دولة بني بويه فلذلك سمى نفسه بجراب الدولة لأنهم كانوا يفتخرون بالتسمية في الدولة، وكان يلقب بالريح أيضا، وله كتاب ترويح الأرواح ومفتاح السرور والافراح لم يصنّف في فنه مثله اشتمالا على فنون الهزل والمضاحك.
- ١٥٣-
أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الهمذاني أبو عبد الله
: يعرف بابن الفقيه، أحد أهل الأدب، ذكره محمد بن إسحاق في كتابه الذي ألفه في سنة سبع وسبعين وثلاثمائة قال: وله كتاب البلدان نحو ألف ورقة أخذه من كتب الناس، وسلخ كتاب الجيهاني. وكتاب ذكر الشعراء المحدثين والبلغاء منهم والمفحمين.
وقال شيرويه: محمد بن إسحاق بن إبراهيم الفقيه أبو أحمد والد أبي عبيد الأخباري روى عن إبراهيم بن حميد البصري وغيره، روى عنه ابنه أبو عبد الله.
стр. 460
وقال شيرويه: أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الأخباري أبو عبد الله، يعرف بابن الفقيه، ويلقب بحالان، صاحب «كتاب البلدان» روى عن أبيه وإبراهيم بن الحسين بن ديزيل ومحمد بن أيوب الرازي وأبي عبد الله الحسين بن أبي السرح الأخباري، وذكر جماعة، قال: وروى عنه أبو بكر ابن لال وأبو بكر ابن روزبة، ولم يذكر وفاته.
- ١٥٤-
أحمد بن محمد بن الوليد بن محمد
، يعرف بولاد: من أهل بيت علم، ولأبيه وجده ذكر في هذا الكتاب وتراجم في مواضعها [١] ، وكنية أحمد هذا أبو العباس، مات فيما ذكره الزبيدي في كتابه سنة اثنتين وثلاثمائة. قال: وكان بصيرا بالنحو أستاذا فيه، ورحل إلى بغداد من موطنه مصر، ولقي إبراهيم الزجاج وغيره، وكان الزجاج يفضّله ويقدمه على أبي جعفر النحاس، وكانا جميعا تلميذيه. وكان الزجاج لا يزال يثني عليه عند كلّ من قدم إلى بغداد من مصر، ويقول لهم: لي عندكم تلميذ من حاله وصفته كذا، فيقال له: أبو جعفر النحاس، فيقول: بل أبو العباس ابن ولاد.
قال: وجمع بعض ملوك مصر بين ابن ولاد وابن النحاس وأمرهما بالمناظرة، فقال ابن النحاس لابن ولاد: كيف تبني مثال افعلوت من رميت فقال ابن ولاد: أقول ارمييت، فخطأه أبو جعفر وقال: ليس في كلام العرب افعلوت ولا افعليت، فقال أبو العباس: إنما سألتني أن أمثّل لك بناء ففعلت وإنما تغفّله أبو جعفر بذلك.
قال الزبيدي: ولقد أحسن في قياسه حين قلب الواو ياء، وقد كان أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش يبني من الأمثلة ما لا مثال له في كلام العرب.
وله كتاب المقصور والممدود [٢] . وكتاب الانتصار لسيبويه فيما ذكره المبرد.