[- ١٧٦-]
أحمد بن محمد بن عبد الرحمن أبو عبيد الهروي الباشاني
: المؤدب صاحب «كتاب غريبي القرآن والحديث» والسابق إلى الجمع بينهما في علمنا. قرأ على جماعة منهم أبو سليمان الخطابي وكان اعتماده وشيخه الذي يفتخر به أبا منصور محمد بن أحمد الأزهري صاحب كتاب «التهذيب في اللغة» . مات أبو عبيد هذا فيما ذكره المليحي سنة إحدى وأربعمائة في رجبها. روى عنه «كتاب الغريبين» أبو عمرو عبد الواحد بن أحمد المليحي وأبو بكر محمد بن إبراهيم بن أحمد الأردستاني، وله من الكتب: كتاب الغريبين. كتاب ولاة هراة.
[- ١٧٧-]
أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن مالك
السهلي الأديب، أبو الفضل العروضيّ الصفّار الشافعي: ذكره عبد الغافر في «السياق» فقال: مات بعد سنة ست عشرة وأربعمائة ومولده سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. وهو شيخ أهل الأدب في عصره، حدّث عن الأصم والكازرلي وأبي الفضل المزكي وأبي منصور الأزهري وأقرانهم، وتخرج به جماعة من الأئمة منهم علي بن أحمد الواحدي وغيره.
وذكره أبو منصور الثعالبي فقال: إمام في الأدب، خنّق التسعين في خدمة الكتب، وأنفق عمره على مطالعة العلوم وتدريس مؤدبي نيسابور وإحراز الفضائل والمحاسن، وهو القائل في صباه:
стр. 492
أوفى على الديوان بدر الدجى ... فسل نجوم السعد ما حظّه
أخدّه أملح أم خطّه «١» ... ولحظه أفتن أم لفظه
قال: وأنشدني لنفسه:
لعزة الفضة المبرّه ... أودعها الله قلب صخره
حتى إذا النار أخرجتها ... بألف كدّ وألف كرّه
أودعها الله كفّ وغد ... أقسى من الصخر ألف مره
[- ١٧٨-]
أحمد بن محمد بن أحمد بن سلمة بن شرام الغساني:
أحد النحاة المشهورين بالشام، صحب أبا القاسم الزجاجي وأخذ عنه وكتب تصانيفه، وكان جيد الخطّ والضبط صحيح الكتابة، وجدت خطّه في «كتاب أمالي الزجاجي» وقد فرغ من كتابتها في سنة ست وأربعين وثلاثمائة.
ذكره أبو القاسم «٢» فقال: أحمد بن محمد بن أحمد بن سلمة أبو بكر بن أبي العباس الغساني المعروف بابن شرّام النحوي، سمع أبا بكر الخرائطي وأبا الدحداح أحمد بن محمد بن إسماعيل التميمي وأبا الحسن أحمد بن جعفر بن محمد الصيدلاني وعبد الغافر بن سلامة الحمصي وأبا القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي وأبا بكر أحمد بن محمد بن سعيد بن عبيد الله بن فطيس والحسن بن حبيب الحظائري «٣» وأبا الطيب أحمد بن إبراهيم بن عبادل الشيباني وإبراهيم بن محمد بن أبي ثابت وأبا علي
стр. 493
محمد بن القاسم بن أبي نصر. روى عنه رشأ بن نظيف وأبو بكر أحمد بن الحسن بن أحمد بن الطبال «١» وأبو الحسن الربعي وأبو نصر ابن الجبان. قال ابن الأكفاني:
رأيت في كتاب عتيق: توفي أبو بكر ابن شرام يوم الثلاثاء لعشر خلون من شعبان سنة سبع وثمانين وثلاثمائة.
[- ١٧٩-]
أحمد بن محمد بن الحسن الخلال الوراق الأديب
: صاحب الخط المليح الرائق، والضبط المتقن الفائق، أظنه ابن أبي الغنائم الأديب، وقد ذكرنا في باب علي بن محمد آخر ونراه أخا هذا، والله أعلم. وجدت بخطه على كتاب قد كتبه في سنة خمس وستين وثلاثمائة ...
[- ١٨٠-]
أحمد بن محمد بن يعقوب الملقب مسكويه
، أبو علي الخازن صاحب «التجارب» : مات فيما ذكره يحيى بن منده في تاسع صفر سنة إحدى وعشرين وأربعمائة.
قال أبو حيان في: «كتاب الأمتاع» «٢» وقد ذكر طائفة من متكلمي زمانه، ثم قال: وأما مسكويه ففقير بين أغنياء، وعييّ بين أبيناء، لأنه شاذ، وإنما أعطيته في هذه الأيام «صفو الشرح» لا يساغوجي وقاطيغورياس من تصنيف صديقنا بالريّ، قال الوزير: ومن هو؟ قلت: أبو القاسم الكاتب غلام أبي الحسن العامري، وصحّحه
стр. 494
معي، وهو الآن لائذ بابن الخمار، وربما شاهد أبا سليمان المنطقي، وليس له فراغ لكنه محسّ في هذا الوقت للحسرة التي لحقته مما فاته من قبل، فقال: يا عجبا لرجل صحب ابن العميد أبا الفضل ورأى ما عنده، وهذا حظه، قلت: قد كان هذا، ولكنه كان مشغولا بطلب الكيمياء مع أبي الطيب الكيميائي الرازي، مملوك الهمة في طلبه والحرص على إصابته، مفتونا بكتب أبي زكريا وجابر بن حيان، ومع هذا كان إليه خدمة صاحبه في خزانة كتبه، هذا مع تقطيع الوقت في الحاجات الضرورية والشهوية، والعمر قصير، والساعات طائرة، والحركات دائمة، والفرص بروق تأتلق، والأوطار في عرضها تجتمع وتفترق، والنفوس على فوائتها تذوب وتحترق. ولقد قطن العامريّ الريّ خمس سنين ودرّس وأملى وصنّف وروى فما أخذ عنه مسكويه كلمة واحدة، ولا وعى مسألة، حتى كأنه كان بينه وبينه سد، ولقد تجرّع على هذا التواني الصاب والعلقم، ومضغ بفمه «١» حنظل الندامة في نفسه، وسمع بأذنه قوارع الملامة من أصدقائه حين لم ينفع ذلك كله، وبعد هذا فهو ذكيّ، حسن الشعر، نقيّ اللفظ، وإن بقي عساه أن يتوسّط هذا الحديث، وما أرى ذلك مع كلفه بالكيمياء، وإنفاق زمانه وكدّ بدنه وقلبه في خدمة السلطان، واحتراقه في البخل بالدانق والقيراط والكسرة والخرقة، نعوذ بالله من مدح الجود باللسان، وإيثار الشحّ بالفعل، وتمجيد الكرم بالقول ومفارقته بالعمل.
قال أبو منصور الثعالبي «٢» : كان في الذروة العليا من الفضل والأدب والبلاغة والشعر، وكان في ريعان شبابه متصلا بابن العميد مختصّا به، وفيه يقول:
لا يعجبنّك حسن القصر تنزله ... فضيلة الشمس ليست في منازلها
لو زيدت الشمس في أبراجها مائة ... ما زاد ذلك شيئا في فضائلها
ثم تنقلت به أحوال جليلة في خدمة بني بويه والاختصاص ببهاء الدولة، وعظم شأنه وارتفع مقداره، فترفع عن خدمة الصاحب ولم ير نفسه دونه، ولم يخل من نوائب الدهر حتى قال ما هو متنازع بينه وبين نفر من الفضلاء:
стр. 495
من عذيري من حادثات الزمان ... وجفاء الإخوان والخلان
قال: وله قصيدة في عميد الملك تفنّن فيها، وهنأه باتفاق الأضحى والمهرجان في يوم، وشكا سوء أثر الهرم وبلوغه إلى أرذل العمر:
قل للعميد عميد الملك والأدب ... اسعد بعيديك عيد الفرس والعرب
هذا يشير بشرب ابن الغمام ضحى ... وذا يشير عشيا بابنة العنب
خلائق خيّرت في كلّ صالحة ... فلو دعاها لغير الخير لم تجب
أعدن شرخ شباب لست أذكره ... بعدا وردّت عليّ العمر من كثب
فطاب لي هرمي والموت يلحظني ... لحظ المريب ولولا أنت لم يطب
فإن تمرّس بي خصم تعصّب لي ... وإن أساء إليّ الدهر أحسن بي
ومنها:
وقد بلغت الى أقصى مدى عمري ... وكلّ غربي واستأنست بالنوب
إذا تملأت من غيظ على زمني ... وجدتني نافخا في جذوة اللهب
ومنها:
وإن تمنيت عيش الدهر أجمعه ... وأن تعاين ما ولّى من الحقب
فانظر إلى سير القوم الذين مضوا ... والحظ كتابتهم من باطن الكتب
تجد تفاوتهم في الفضل مختلفا ... وإن تقاربت الأحوال في النسب
هذا كتاج على رأس يعظّمه ... وذاك كالشعر الجافي على الذنب
قال المؤلف: وكان مسكويه مجوسيا وأسلم، وكان عارفا بعلوم الأوائل معرفة جيدة، وله في ذلك: كتاب الفوز الأكبر. كتاب الفوز الأصغر. وصنف كتاب تجارب الأمم في التاريخ «١» ، ابتداؤه من بعد الطوفان وانتهاؤه إلى سنة تسع وستين وثلاثمائة.
وله كتاب أنس الفريد، وهو مجموع يتضمن أخبارا وأشعارا وحكما وأمثالا غير مبوب.
стр. 496
وكتاب ترتيب العادات. وكتاب المستوفي أشعار مختارة. وكتاب الجامع. وكتاب جاوذان خرد «١» . وكتاب السير أجاده ذكر فيه ما يسير به الرجل نفسه من أمور دنياه، مزجه بالأثر والآية والحكمة والشعر «٢» .
وللبديع الهمذاني إلى أبي علي مسكويه يعتذر من شيء بلغه عنه بعد مودة كانت بينهما «٣» :
ويا عزّ إن واش وشى بي عندكم ... فلا تمهليه أن تقولي له مهلا
كما لو وشى واش بعزة عندنا ... لقلنا تزحزح لا قريبا ولا سهلا
بلغني- أطال الله بقاء الشيخ- أن قيضة كلب وافته بأحاديث لم يعرها الحقّ نوره، ولا الصدق ظهوره، وأن الشيخ أذن لها على حجاب أذنه، وفسح لها فناء ظنّه، ومعاذ الله أن أقولها، وأستجيز معقولها. بلى، قد كان بيني وبينه عتاب لا ينزع كتفه، ولا يجذب أنفه، وحديث لا يتعدّى إلى النفس وضميرها، ولا يعرف الشفة وسميرها، وعربدة كعربدة أهل الفضل لا تتجاوز الدّلال والإدلال، ووحشة يكشفها عيان لحظة، كعتاب جحظة «٤» . فسبحان من ربّى هذا الأمر حتى صار إمرا «٥» ، وتأبّط شرّا، وأوحش حرّا، وأوجب عذرا، بل سبحان من جعلني في حيّز العذر أشيم بارقته، وأستجلي صاعقته، أنا المساء إليه، والمجنيّ عليه، والمستخفّ به. لكن من بلي من الأعداء كما بليت، ورمي من الحسدة بما رميت، ووقف من الوجد والوحدة حيث وقفت، واجتمع عليه من المكاره ما وصفت، اعتذر مظلوما، وأحسن
стр. 497
ملوما، وضحك مشتوما. ولو علم الشيخ عدد أبناء الحدد، وأولاد العدد «١» ، بهذا البلد، ممن ليس له همة إلا في شكاية أو حكاية أو سعاية أو نكاية، لضنّ بعشرة غريب إذا بدر، وبعيد إذا حضر، ولصان مجلسه عمّن لا يصونه عما رقي إليه؛ فهبني قلت ما حكي له: أليس الشاتم من أسمع؟ أليس الجاني من أبلغ؟ فقد بلغ من كيد هؤلاء القوم أنهم حين صادفوا من الأستاذ نفسا لا تستفزّ، وحبلا لا يهزّ، دسّوا إلى خدينه «٢» بما حرّشوا به نارهم، وورد عليّ ما قالوه فما لبثت أن قلت:
فإن تك حرب بين قومي وقومها ... فإني لها في كلّ نائبة سلم
فليعلم الشيخ الفاضل أن في كبد الأعداء مني جمرة، وأن في أولاد الزنا عندنا كثرة، قصاراهم نار يشبّونها، أو عقرب يدبّونها، أو مكيدة يطلبونها، ولولا أن العذر إقرار بما قيل، وأكره أن أستقيل، لبسطت في الاعتذار شاذروانا، ودخلت في الاستقالة ميدانا. لكنه أمر لم أضع أوله فلا أتدارك آخره، وقد أبى الشيخ أبو محمد إلا أن يوصل هذا النثر الفاتر بنظم مثله، فهاكه يلعن بعضه بعضا:
مولاي إن عدت ولم ترض لي ... أن أشرب البارد لم أشرب
امتط خدّي وانتعل ناظري ... وصد بكفّي حمة العقرب
بالله ما أنطق عن كاذب ... فيك ولا أبرق عن خلّب
فالصفو بعد الكدر المفترى ... كالصحو بعد المطر الصيّب
إن أجتن الغلظة من سيدي ... فالشوك عند الثمر الطيب
أو ينفذ الزور على ناقد ... فالخمر قد تعصب بالثيّب «٣»
стр. 498
ولعلّ الشيخ أبا محمد يقوم من الاعتذار بما قعد عنه القلم والبيان فنعم رائد الفضل هو، والسلام:
(وجاء الجواب من أبي علي) :
وإذا الواشي أتى يسعى بها ... نفع الواشي بما جاء يضرّ
فهمت خطاب الشيخ الفاضل الأديب البارع الذي لو قلت إنه السحر الحلال والعذب الزلال لنقصته حظه، ولم أوفّه حقه. أما البلاغات «١» التي أومأ إليها فوالله ما أذنت لها ولا أذنت فيها، وما أذهبني عن هذه الطريقة وأبعدني عنها، وقد نزه الله لسانه عن الفحشاء وسمعي عن الإصغاء، وما يتخذ العدو بينهما مجالا؛ وأما الأبيات فقد تكلفت الجواب عنها لا مساجلة له، ولكن لأبلغ المجهود في قضاء حقه:
يا بارعا في الأدب المجتنى ... منه ضروب الثمر الطيب
لو قلت إنّ البحر مستغرق ... في بحرك الفياض لم أكذب
أحمدتني الشعر وأعتبتني ... فيه ولم أذمم ولم أعتب
والعذر يمحو ذنب فعّاله ... فكيف يمحوه ولم يذنب
أنا الذي آتيك مستغفرا ... من زلة لم تك من مذهبي
وأنت لا تمنع مستوهبا ... مالا فهب ذنبا لمستوهب
قال أبو حيان في «كتاب الوزيرين» «٢» : فإن ابن العميد اتخذه خازنا لكتبه، وأراد أيضا أن يقدح ابنه به، ولم يكن من الصنائع المقصودة، والمهمات اللازمة، وكان يحتمل ذلك لبعض العزازة بظله والتظاهر بجاهه.
نسخة وصية أبي علي مسكويه «٣»
: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عاهد عليه أحمد بن محمد، وهو يومئذ آمن
стр. 499
في سربه، معافى في جسمه، عنده قوت يومه، لا تدعوه إلى هذه المعاهدة ضرورة نفس ولا بدن، ولا يريد بها مراءاة مخلوق، ولا استجلاب منفعة، ولا دفع مضرة منهم: عاهده على أن يجاهد نفسه، ويتفقد أمره، فيعفّ ويشجع ويحكم، وعلامة عفته أن يقتصد في مآرب بدنه حتى لا يحمله الشره على ما يضرّ جسمه أو يهتك مروءته، وعلامة شجاعته أن يحارب دواعي نفسه الذميمة حتى لا تقهره شهوة قبيحة ولا غضب في غير موضعه، وعلامة حكمته أن يستبصر في اعتقاداته حتى لا يفوته بقدر طاقته شيء من العلوم والمعارف الصالحة، ليصلح أولا نفسه ويهذّبها، ويحصل له من هذه المجاهدة ثمرتها التي هي العدالة. وعلى أن يتمسك بهذه التذكرة ويجتهد في القيام بها والعمل بموجبها، وهي خمسة عشر بابا: إيثار الحق على الباطل في الاعتقادات، والصدق على الكذب في الأقوال، والخير على الشر في الأفعال، وكثرة الجهاد الدائم لأجل الحرب الدائمة بين المرء وبين نفسه، والتمسك بالشريعة ولزوم وظائفها، وحفظ المواعيد حتى ينجزها، وأول ذلك ما بيني وبين الله جلّ وعز، وقلة الثقة بالناس بترك الاسترسال، ومحبة الجميل لأنه جميل لا لغير ذلك، والصمت في أوقات حركات النفس للكلام حتى يستشار فيه العقل، وحفظ الحال التي تحصل في شيء شيء حتى تصير ملكة ولا تفسد بالاسترسال، والإقدام على كل ما كان صوابا، والإشفاق على الزمان الذي هو العمر ليستعمل في المهمّ دون غيره، وترك الخوف من الموت والفقر لعمل ما ينبغي، وترك التواني، وترك الاكتراث لأقوال أهل الشرّ والحسد لئلا يشتغل بمقابلتهم، وترك الانفعال لهم، وحسن احتمال الغنى والفقر والكرامة والهوان لجهة وجهة، وذكر المرض وقت الصحة والهمّ وقت السرور والرضى عند الغضب ليقلّ الطغي والبغي، وقوة الأمل وحسن الرجاء والثقة بالله وصرف جميع البال إليه.
стр. 500
[- ١٨١-]
أحمد بن محمد الصخري أبو الفضل
: قتل في أواخر سنة ست وأربعمائة، هكذا ذكر أبو محمد ابن أرسلان في «تاريخ خوارزم» وقال: هو أحد مفاخر خوارزم، أديب كامل، وعالم ماهر، وكاتب بارع، وشاعر ساحر.
قال أبو منصور الثعالبي في كتابه: له ظرف حجازي، وخطّ عراقي، وبلاغة جزلة سهلة، ومروءة ظاهرة، ومحاسن متظاهرة، وله شعر كثير يجمع فيه بين الإسراع والإبداع، ويأخذ بطرفي الإتقان والإحسان، ثم هو في الارتجال فرد الرجال، لسرعة خاطره، وسلامة طبعه، وحصول أعنّة القوافي في يده. وكان في عنفوان شبابه ألمّ بحضرة الصاحب إسماعيل بن عباد، فاقتبس من نورها، واغترف من بحورها، وانخرط في سلك أعيان أهل الفضل بها، وتزود من ثمارها، فحسن أثره، وطاب خبره، ورجع إلى أوطانه، وأقام بحضرة سلطانه، في أجلّة الكتّاب، ووجوه العمال، وهو الآن من أخصّ جلساء الأمير وأقرب ندمائه، وأفضل كتّابه وأجلّ شعرائه، ولا تكاد تخلو منه مجالس أنسه، ولا تتقشع عنه سحائب جوده، وما أكثر ما يقترح عليه الأشعار في المعاني البديعة فيتكفّل بها «١» ويفي، ويعلّقها «٢» في الوقت والساعة بين يديه، ويعرضها عليه. وعهدي بذلك المجلس العالي ليلة من الليالي وقد جرى فيه ذكر أبي الفضل الهمذاني بديع الزمان وإعجاز لطائفة وخصائصه في الارتجالات، وسرعة إتيانه وإثباته بالاقتراحات، وأنه كان يكتب الكتاب المقترح عليه ويبتدىء بآخر سطر ثم هلم جرّا إلى السطر الأول، حتى يخرجه مستوفى الألفاظ والمعاني، كأملح شيء وأحسنه، فانتدب الصخريّ لهذه البادرة، وضمن الاستقلال بهذه الغريبة الصعبة، فرسم له على لسان الشيخ أبي الحسين السهلي «٣» أن يكتب في معنى مؤلف الكتاب كتابا إلى الدهخداه أبي سعيد محمد بن منصور الحوالي يذكر فيه
стр. 501
أن أخبار فلان في محاسن أدبه وبديع تأليفاته لم تزل تأتينا، ثم تشوقنا إلى مشاهدته ... الفصل، فأخذ القلم والقرطاس، وكتب أولا السطر الذي يقع في آخره إن شاء الله تعالى، ثم لم يزل يمضي قدما في الكتاب ويرتفع من عجزه إلى صدره ومن سفله إلى علوه ويصل أواخره بأوائله حتى أتمّ المعنى المقترح عليه، مع جودة الألفاظ وسهولتها وحسن مطالعها، وفرغ من الكتاب في زمان قصير المدة، وقد أخذ منه الشراب وأثرت فيه الكاسات، فوقع ذلك أحسن موقع، وعدّ من محاسنه.
وله: كتاب رسائل مدونة. كتاب ديوان شعر، مجلد.
فمن منثور كلامه: الشيخ أصدق لهجة، وأبين في الكرم محجّة، من أن يخلف برق ضمانه، ولا يمطر سحاب إحسانه، فليت شعري ما الذي فعله في أمر وليّه القاصر عليه أمله، وهل بلغ الكتاب أجله، وقد استهل الشهر الثامن استهلالا، ولا بدا لأفق مواعده هلالا.
آخر: طبع كرمه أغلب من أن يحتاج إلى هزّ، وحسام فضله أقطع من أن يهزّ لحز.
آخر: أما إني لا أرضى من كرمه العدّ، أن تجرّ أولياؤه على شوك الردّ، فبحقّ مجده المحض، الذي فاق به أهل الأرض، أن يرفع عن حاجتي قناع الخجل، ولا يقبر أملي فيها قبل حلول الأجل. وهذا قسم أرجو أن يصونه عن الحنث، وعهد أظنّ أنه لا يعرّضه للنكث.
آخر: لا أدري أأهنّىء الشيخ بعوده إلى مركزه، ومستقرّ عزه، سالما في نفسه التي سلامتها سلامة المعالي والمكارم، وهي أجسم المتاع وأنفس الغنائم، أم أهنّىء الحضرة به، فقد عاد إليها ماؤها، ورجع برجوعه حسنها وبهاؤها، أم أهنّىء الملك- ثبت الله أركانه، كما نضر بمكانه منه زمانه- فقد آب إليه رونقه، وزوال عن أمره رنقه، أم أهنّىء الفضل فقد كان ذوى عوده ثم اخضرّ وأورق، وهوى نجمه ثم أنار وأشرق، أم أهنّىء جماعة الأولياء والخدم وكافة أنشاء الكتّاب فقد عاشوا، وانتعشوا وارتاشوا، وارتفعت نواظرهم بعد الانخفاض، وانشرحت صدورهم غبّ الانقباض.
وأنا أعدّ نفسي من جملتهم، ولا أنحرف مع طول العهد عن قبلتهم.
وله: كتابي وقد عرتني علّة منعتني من استغراق المعاني واستيعابها، وإشباع
стр. 502
الكلم في وجوهها وأبوابها. فاختصرت وقصرت، وعلى النّبذ القصير «١» اقتصرت، وما أعرف هذه العلة إلا من عوادي فراقه، ودواعي اشتياقه، ولئن كانت النعمة بمكانه خارجة عن القياس، غير خافية من جميع الناس، إنها ازدادت الآن ظهورا، وإن لم يكن قدرها مستورا، وقدر النعمة لا يعرف إلا بعد الزوال، ولا يتحقق إلا مع الانتقال. أهّلنا الله لعودها، لنحسن جوارها بالشكر لها وحمدها. وأصحبه السلامة حالّا ومرتحلا، ومقيما ومنتقلا، إنه خير صاحب، يصحب كلّ غائب.
وله: وصل كتاب الشيخ فيما حلّاني به من صفاته التي هو بها حال، وأنا منها خال، وقد كان أعارني منها عارية، وجدت نفسي منها عارية، لكنه نظر إليّ بعين رضاه، وشهد لي بقلب هواه. فلا ينظرنّ بعين الرضى فنظرتها ربما تجنح، ولا يشهدنّ بقلب الهوى فإنها شهادة تجرح.
وله: كلّ من ورد جناب الشيخ من أمثالي إنما ورد بأمل منفسح، ثم صدر بصدر منشرح، إذ ما امتدت إليه يد فارتدت عاطلا، ولا توجّه تلقاءه رجاء فعاد باطلا. وأنا أجلّه أن يفسخ من بينهم ذريعة رجائي، وينسخ شريعة ولائي، بل أظنّ إن لم يفضّلني «٢» عليهم في المراتب «٣» ، لم ينقصني عنهم في الواجب، ثم ليس طمعي في ماله، فكفاني ما شملني من إفضاله، بل كفاه ما تكلّفه في هذا الوقت من كلفة المروّة، التي تنوء بالعصبة أولي القوّة، ولكن طمعي في جاهه ومن ضنّ به ملوم، إذ البخل به لوم.
ومن أشعاره يمدح أبا العباس خوارزمشاه:
أشبه البدر في السنا والسناء ... وحوى رقة الهوى والهواء
وأتى الشيب بعدها منذرا «٤» لي ... عن يد الدهر بالبلى والبلاء
وإذا شاء بالندى الملك العا ... دل في المجد والعلا والعلاء
أبدل الشين منه سينا وأوطا ... ني الثريا من الثرى والثراء
стр. 503
ومن شعره أيضا في الهجاء:
أيا ذا الفضائل واللام حاء ... وياذا المكارم والميم هاء
ويا أنجب الناس والباء سين ... ويا ذا الصيانة والصاد خاء
ويا أكتب الناس والتاء ذال ... ويا أعلم الناس والعين ظاء
تجود على الكلّ والدال راء ... فأنت السخيّ ويتلوه فاء
لقد صرت عيبا لداء البغاء ... ومن قبل كان يعاب البغاء
وله يستهدي ماء الورد:
يا من حكى الورد الجنيّ بعرفه ... وبظرفه وبلطفه وبهائه
إن شئت والإفضال منك سجية ... أهديت لي قارورة من مائه
وله من قصيدة في أبي الفتح البستي:
نسب كريم فاضل أنسى به ... من كان معتمدا على أنسابه
قد كنت في نوب الزمان وصرفه ... إذ عضّني صرف الزمان بنابه
فاليوم جانبت الحوادث جانبي ... إذ قد نسبت إلى كريم جنابه
ومن قصيدة في أبي الحسين السهلي:
نفس مصدّقة جميع عداتها ... لكن مكذّبة ظنون عداتها
همّاته حكمت على هاماتها ... أن أصبحت للوحش من أقواتها
يا أحمد بن محمد يا خير من ... ولي الوزارة عند خير ولاتها
ما دامت الأيام في الغفلات عن ... عرصات مجدك فاغتنم غفلاتها
وله من قصيدة:
لئن بخلت بإسعادي سعاد ... فإني بالفؤاد لها جواد
وإن نفد اصطباري في هواها ... فدمع العين ليس له نفاد
أرى ثلجا بوجنتها ونارا ... لتلك النار في قلبي اتقاد
فهب من نارها كان احتراقي ... فلم بالثلج ما برد الفؤاد
стр. 504
لاجتهدنّ في طلب المعالي ... بسعي ما عليه مستزاد
فإن أدركت آمالي وإلا ... فليس عليّ إلا الاجتهاد
وله في بعض الصدور:
جمعت إلى العلا شرف الأبوه ... وحزت إلى الندى فضل المروه
أتيتك خادما فرفعت قدري ... إلى حال الصداقة والأخوه
فما شبّهتني إلا بموسى ... رأى نارا فشرّف بالنبوه
وله من قصيدة:
أسمعت يا مولاي ده ... ري بعد بعدك ما صنع
أخنى عليّ بصرفه ... فرأيت هول المطّلع
[١٨٢]
أحمد بن محمد أبو الحسين السهلي الخوارزمي
: قال محمود بن محمد الإسلامي في «تاريخ خوارزم» : إنه مات بسرّ من رأى في سنة ثمان عشرة وأربعمائة على ما نذكره، قال: وهو من أجلة خوارزم، وبيته بيت رئاسة ووزارة وكرم ومروءة.
قال الثعالبي: وهو وزير ابن وزير:
ورث الوزارة كابرا عن كابر ... موصولة الإسناد بالإسناد
قال: وكان يجمع بين آلات الرئاسة والآداب والوزارة، ويضرب في العلوم والآداب بالسهام الغائرة، ويأخذ من الكرم وحسن الشيم بالحظوظ الوافرة. وله «كتاب الروضة السهلية في الأوصاف والتشبيهات» ، وبأمره والتماسه صنّف
стр. 505
الحسن بن الحارث الحسوني «١» في المذهب «كتاب السهلي» يذكر فيه المذهبين مذهب الشافعي والحنفي.
وله شعر، فمن ذلك ولم يسبق إلى معناه «٢» :
ألا سقّنا الصهباء صرفا فإنها ... أعزّ علينا من عناق الترحّل
وإني لأقلي النقل حبا لطعمها ... لئلا يزول الطعم عند التنقل
وله في النجوم:
والشهب تلمع في الظلام كأنها ... شرر تطاير من دخان النار
فكأنها فوق السماء بنادق ... الكافور فوق صلاية العطار
وله في النجوم أشعار منها في شعاع القمر على الماء:
كأنما البدر فوق الماء مطّلعا ... ونحن بالشطّ في لهو وفي طرب
ملك رآنا فأهوى للعبور فلم ... يقدر فمدّ له جسر من الذهب
خرج السهلي من خوارزم في سنة أربع وأربعمائة إلى بغداد وتوطنها وترك وزارة خوارزم شاه أبي العباس مأمون [بن مأمون] خوفا من شره، فلما قدم بغداد أكرمه فخر الملك أبو غالب محمد بن خلف، وهو والي العراق يومئذ، وتلقاه بالجميل، فلما مات فخر الملك خرج من بغداد هاربا أيضا حتى لحق بغريب بن مقن «٣» خوفا على ماله، وكان غريب صاحب البلاد العليا تكريت ودجيل وما لاصقها، فأقام عنده إلى أن مات، وخلف عشرين ألف دينار سلّمها غريب إلى ورثته.
стр. 506
[- ١٨٣-]
أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي أبو علي
: من أهل أصبهان، كان غاية في الذكاء والفطنة وحسن التصنيف وإقامة الحجج وحسن الاختيار، وتصانيفه لا مزيد عليها في الجودة. مات فيما ذكره أبو زكريا يحيى بن منده في ذي الحجة سنة إحدى وعشرين وأربعمائة. قال: وكتب عنه سعيد البقال وأخرجه في «معجمه» .
وجدت خطه على كتاب شرح الحماسة من تصنيفه، وقد قرىء عليه في شعبان سنة سبع عشرة وأربعمائة، وكان قد قرأ كتاب سيبويه على أبي علي الفارسي وتتلمذ له بعد أن كان رأسا بنفسه.
وله من الكتب: كتاب شرح الحماسة «١» أجاد فيه جدا. كتاب شرح المفضليات. كتاب شرح الفصيح. كتاب شرح أشعار هذيل. كتاب الأزمنة «٢» .
كتاب شرح الموجز. كتاب شرح النحو.
قال الصاحب بن عباد: فاز بالعلم من أصبهان ثلاثة: حائك وحلّاج وإسكاف، فالحائك هو المرزوقي، والحلاج أبو منصور ابن ما شدّة، والإسكاف أبو عبد الله الخطيب بالري صاحب التصانيف في اللغة.
ووجدت في مجموع «٣» بخطّ بعض فضلاء العجم نقلت من خطّ الأبيوردي: أبو علي المرزوقي صاحب شرح الحماسة والهذليين قرأ على أبي علي، وهو يتفاصح في تصانيفه كابن جني، وكان معلّم أولاد بني بويه بأصبهان، ودخل إليه الصاحب فما قام له، فلما أفضت الوزارة إلى الصاحب جفاه.
стр. 507
[- ١٨٤-]
أحمد بن محمد بن إبراهيم أبو إسحاق الثعلبي
: المفسر، صاحب الكتاب المشهور بأيدي الناس المعروف بتفسير الثعلبي، مات فيما ذكره عبد الغني بن سعيد الحافظ المصري، ونقلته من حاشية «كتاب الإكمال» لابن ماكولا في محرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة. وقال: أبو إسحاق الثعلبي المفسر جليل خراساني، وذكر وفاته.
وذكره عبد الغافر في «السياق» فقال: أحمد بن محمد بن إبراهيم أبو إسحاق الثعلبي المقرىء المفسّر الواعظ الأديب الثقة الحافظ، صاحب التصانيف الجليلة:
من التفسير الحاوي أنواع الفرائد «١» من المعاني والإشارات، وكلمات أرباب الحقائق، ووجوه الإعراب والقراءات، ثم كتاب العرائس والقصص «٢» وغير ذلك مما لا يحتاج إلى ذكره لشهرته، وهو صحيح النقل موثوق به. حدث عن أبي طاهر ابن خزيمة «٣» وأبي بكر ابن مهران المقرىء وأبي بكر ابن هانىء وأبي بكر ابن الطرازي والمخلدي والخفاف وأبي محمد ابن الرومي وطبقتهم. وهو كثير الحديث كثير الشيوخ، وذكر وفاته كما تقدم. قال: وسمع منه الواحديّ التفسير وأخذه عنه وأثنى عليه، وحدّث عنه بإسناد رفعه إلى عاصم قال: الرئاسة بالحديث رئاسة نذلة إن صحّ الشيخ وحفظ وصدق فأصمى يقال: هذا شيخ كيّس وإذا وهم قالوا شيخ كذاب. وله كتاب ربيع المذكرين.
стр. 508
[- ١٨٥-]
أحمد بن محمد بن أحمد بن محمود بن دلويه
أبو حامد الأستوائي: مات فيما ذكره الخطيب في سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، وقال: يعرف بالدلوي، وأستوى التي نسب إليها قرية من قرى نيسابور. قدم بغداد فسمع من الدارقطني واستوطنها إلى حين وفاته، وولي القضاء بعكبرا من قبل القاضي أبي بكر ابن الطيب الباقلاني، وكان ينتحل في الفقه مذهب الشافعي وفي الأصول مذهب الأشعري. وله حظّ في معرفة الأدب والعربية، وحدث بشيء يسير.
قال الخطيب: كتبت عنه، وكان صدوقا، ولما مات دفن بالشونيزية.
قال المؤلف: كان الدلوي أديبا فاضلا، وكثيرا ما توجد كتب الأدب بخطه، وكان صحيح النقل جيد الضبط معتبر الخط في الغالب.
[- ١٨٦-]
أحمد بن محمد بن عمار بن مهدي بن إبراهيم
المهدوي أبو العباس «١» المقرىء: ذكره الحميدي فقال: أصله من المهدية من بلاد القيروان، ودخل الاندلس في حدود الثلاثين وأربعمائة أو نحوها، وكان عالما بالقراءات والأدب متقدما، ذكره لي بعض أهل العلم بالقراءات وأثنى عليه، وأنشدني له في ظاءات القرآن:
стр. 509
ظنت عظيمة ظلمنا من حظها ... فظللت أوقظها لتكظم «١» غيظها
وظعنت أنظر في الظلام وظله ... ظمآن أنتظر الظهور لوعظها
ظهري وظفري ثم عظمي في لظى ... لا ظاهرنّ لحظّها ولحفظها
لفظي شواظ أو كشمس ظهيرة ... ظفر لدى غلظ القلوب وفظّها
[وله كتب في علم القرآن منها كتاب التحصيل في تفسير القرآن. وكتاب التفصيل في تفسيره أيضا، وله غير ذلك] «٢» .
[- ١٨٧-]
أحمد بن محمد بن أحمد بن برد الأندلسي
: ذكره الحميدي وقال: هو مولى أحمد بن عبد الملك بن عمر بن محمد بن شهيد، أبو حفص الكاتب، مليح الشعر بليغ الكتابة، من أهل بيت أدب ورياسة، له رسالة في السيف والقلم والمفاخرة بينهما، وهو أول من سبق إلى القول في ذلك بالاندلس. وقد رأيته بالمرية بعد الأربعين وأربعمائة غير مرة.
стр. 510
وكان جده أحمد بن برد «١» وزيرا في الأيام العامرية وكاتبا بليغا أيضا مات سنة ثماني عشرة وأربعمائة- أعني الوزير- ومن شعر أحمد بن محمد هذا «٢» :
تأمل فقد شقّ البهار مغلّسا ... كماميه عن نوّاره الخضل الندي
مداهن تبر في أنامل فضة ... على أذرع مخروطة من زبرجد
ومن شعره أيضا «٣» :
لما بدا في لازور ... ديّ الحرير وقد بهر
كبرت من فرط الجما ... ل وقلت ما هذا بشر
فأجابني لا تنكرن ... ثوب السماء على القمر
ومن شعره أيضا:
قلبي وقلبك لا محالة واحد ... شهدت بذلك بيننا الألحاظ
فتعال فلنغظ الحسود بوصلنا ... إنّ الحسود بمثل ذاك يغاظ
[- ١٨٨-]
أحمد بن محمد بن هارون النزلي أبو الفتح النحوي
: أخذ عن أبي الحسن علي بن عيسى الربعي، وهو من أقران أبي يعلى ابن السراج.
стр. 511
[- ١٨٩-]
أحمد بن محمد العمركي «١» الهمذاني أبو عبد الله اللغوي
: ذكره شيرويه بن شهردار فقال: روى عن عبد الرحمن بن حمدان الجلاب وأبي الحسين محمد بن الحريري «٢» صاحب أبي شعيب الحراني وغيرهما، روى عنه أبو عبد الله الامام وغيره.
[- ١٩٠-]
أحمد بن محمد بن أحمد بن شهردار المعلم الأصبهاني
: كان أديبا فاضلا بارعا في الأدب، فصيحا كثير السماع حسن الخطّ صاحب أصول، مات في شوّال سنة ست وأربعين وأربعمائة. قال يحيى بن منده: سمعت من الثقات، منهم أبو غالب ابن هارون تلميذه، أنه كان رجلا فاضلا إلا أنه كان لا يصلّي الصلوات كما قيل.
[- ١٩١-]
أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الميداني
: أبو الفضل النيسابوري- والميدان محلة من محالّ نيسابور كان يسكنها فنسب إليها- ذكر ذلك عبد الغافر. وهو أديب فاضل عالم نحوي لغوي، مات فيما ذكره عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي في «السياق» في رمضان سنة ثماني عشرة وخمسمائة، ليلة القدر، ودفن بمقبرة الميدان. قرأ على أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي وعلى يعقوب بن أحمد النيسابوري وله من التصانيف كتاب جامع الأمثال جيّد بالغ «٣» . كتاب السامي في
стр. 512
الأسامي «١» . كتاب الأنموذج في النحو. كتاب الهادي للشادي. كتاب النحو الميداني. كتاب نزهة الطرف في علم الصرف. كتاب شرح المفضليات. كتاب منية الراضي في رسائل القاضي.
وفي كتاب السامي في الأسامي يقول أسعد بن محمد المرساني:
هذا الكتاب الذي سمّاه بالسامي ... درج من الدرّ بل كنز من السام
ما صنّفت مثله في فنّه أبدا ... خواطر الناس من حام ومن سام
فيه قلائد ياقوت مفصّلة ... لكل أروع ماضي العزم بسام
فكعب أحمد مولاي الامام سما ... فوق السماكين من تصنيفه السامي
وسمعت في المفاوضة ممن لا أحصي أن الميداني لما صنّف كتاب الجامع في الأمثال وقف عليه أبو القاسم الزمخشري فحسده على جودة تصنيفه، وأخذ القلم وزاد في لفظة الميداني سينة، فصار النميداني، ومعناه بالفارسية الذي لا يعرف شيئا؛ فلما وقف الميداني على ذلك أخذ بعض تصانيف الزمخشري فزاد في نسبته سينة فصار الزنخشري، ومعناه بائع زوجته.
وذكر محمد بن [أبي] المعالي بن الحسن الخواري في كتابه «ضالّة الأديب من الصحاح والتهذيب» وقد ذكر الميداني فقال: وسمعت غير مرة من كبار أصحابه يقولون: لو كان للذكاء والشهامة والفضل صورة لكان الميداني تلك الصورة، ومن تأمل كلامه واقتفى أثره علم صدق دعواهم. وكان ممن قرأ عليه وتخرّج به الامام أبو جعفر أحمد بن علي المقرىء البيهقي وابنه سعيد، وكان إماما بعده.
قال عبد الغافر بن اسماعيل: ومن أشعاره:
تنفّس صبح الشيب في ليل عارضي ... فقلت عساه يكتفي بعذاري
فلما فشا عاتبته فأجابني ... ألا هل يرى صبح بغير نهار
وذكره أبو الحسن البيهقي في كتاب «وشاح الدمية» فقال «٢» : الامام أستاذنا صدر الافاضل أبو الفضل أحمد بن محمد بن أحمد الميداني، صدر الادباء وقدوة
стр. 513
الفضلاء، قد صاحب الفضل في أيام نفد زاده، وفني عتاده [وضاعت] عدته، وبطلت أهبته، فقوّم سناد العلوم بعد ما غيّرتها الأيام بصروفها، ووضع أنامل الأفاضل على خطوطها وحروفها، ولم يخلق الله تعالى فاضلا في عهده إلا وهو في مائدة آدابه ضيف، وله بين بابه وداره شتاء وصيف، وما على من عام لجج البحر الخضمّ واستنزف الدرر ظلم وحيف. وكان هذا الامام يأكل من كسب يده، ومما أنشدني ﵀ لنفسه:
حننت إليهم والديار قريبة ... فكيف إذا سار المطيّ مراحلا
وقد كنت قبل البين لا كان بينهم ... أعاين للهجران فيهم دلائلا
وتحت سجوف الرقم أغيد ناعم ... يميس كخوط الخيزرانة مائلا
وينضو علينا السيف من جفن مقلة ... تريق دم الأبطال في الحبّ باطلا
ويسكرنا لحظا ولفظا كأنما ... بفيه وعينيه سلافة بابلا
وله أيضا:
شفة لماها زاد في آلامي ... في رشف ريقتها شفاء سقامي
قد ضمّنا جنح الدجى وللثمنا ... صوت كقطّك أرؤس الأقلام
ثم ذكر البيتين اللذين أولهما:
تنفس صبح الشيب في ليل عارضي
وقد مرّ ذكرهما آنفا، ثم قال، وله:
يا كاذبا أصبح في كذبه ... أعجوبة أيّة أعجوبه
وناطقا ينطق في لفظة ... واحدة سبعين أكذوبه
شبّهك الناس بعرقوبهم ... لما رأوا أخذك أسلوبه
فقلت كلّا إنه كاذب ... عرقوب لا يبلغ عرقوبه
ثم ذكر وفاته كما تقدم في رواية عبد الغافر، ثم ذكر ولده سعيدا، وقد ذكرناه في بابه «١» .
стр. 514
[- ١٩٢-]
أحمد بن محمد الصلحي أبو الخطاب
: كان أديبا فاضلا كاتبا حسن الخط، وله شعر رقيق سائر، ذكره أبو سعد في «المذيل» وأورد له هذين البيتين وهما:
يا راقد العين عيني فيك ساهرة ... وفارغ القلب قلبي فيك ملآن
إني أرى منك عذب الثغر عذّبني ... وأسهر الجفن جفن منك وسنان
[- ١٩٣-]
أحمد بن محمد بن القاسم بن أحمد بن خذيو الاخسيكثي
، أبو رشاد الملقب بذي الفضائل: مات ليلة الأحد الثامن من جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، وأخسيكث مدينة من فرغانة- يقال بالثاء والتاء- وكان هو وأخوه ذو المناقب محمد أديبي مرو غير مدافعين، يقرّ لهما بذلك كلّهم، قدما مرو وسكناها إلى أن ماتا.
وكان ذو الفضائل هذا شاعرا أديبا مصنفا كاتبا مترسلا في ديوان السلاطين، وله تصانيف منها: كتاب في التاريخ. كتاب في قولهم كذب عليك كذا. كتاب زوائد في شرح سقط الزند. وغير ذلك.
قرأت في ديوان شعره بخطّه: أنشدت لأبي العلاء:
هفت الحنيفة والنصارى ما اهتدت ... ومجوس حارت واليهود مضلله
اثنان أهل الأرض ذو عقل بلا ... دين وآخر ديّن لا عقل له
فقلت مجيبا له:
الدين آخذه وتاركه ... لم يخف رشدهما وغيهما
رجلان أهل الأرض قلت، فقل ... يا شيخ سوء أنت أيهما
стр. 515
ذكره السمعاني في مشيخته فقال: كان أديبا فاضلا بارعا له الباع الطويل في معرفة النحو واللغة، واليد العليا الباسطة في النظم والنثر، وله ردود «١» على جماعة من قدماء الفضلاء، ومشاعرات ومنافرات مع الفحول والكبراء، وكان أكثر فضلاء خراسان قرأوا الأدب عليه وتلمذوا له. سمع بأخسيكث أبا القاسم محمود بن محمد الصوفي، وبمرو جدّي أبا المظفر السمعاني. سمعت منه كتاب الآداب والمواعظ للقاضي أبي سعد الخليل بن أحمد السجزي بروايته عن محمود الصيرفي عن أبي عبيد الكرواني عن المصنف. كانت ولادته في حدود سنة ست وستين وأربعمائة، وتوفي بمرو فجأة ليلة الاثنين لأربع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وخمسمائة.
[- ١٩٤-]
أحمد بن محمد الآبي أبو العباس
: كان من أهل آبة من ناحية برقة، وسافر إلى اليمن تاجرا، واجتمع بأبي بكر السعيدي بعدن. وحدثني المولى المفضل جمال الدين بقصته مع السعيدي عنه أنه سمعها منه، ثم قدم الاسكندرية وأقام بها، فجرى بينه وبين القاضي شرف الدين عبد الرحمن بن [شكر] قاضي الاسكندرية ما أحوجه إلى قدومه إلى القاهرة، وشكا منه إلى الصاحب صفي الدين ابن شكر فلم يشكه، فأقام بالقاهرة إلى أن مات، وكان شكواه من قطع رزقه من مسجد كان يصلّي فيه أو نحو ذلك. وكان قدومه إلى القاهرة في سنة ست وستين وخمسمائة، ومات بعد ذلك في نحو سنة ثمان وتسعين، وصنّف كتابا في النحو رأيته بخطه، وهي مسائل منثورة.
حدثني المولى القاضي المفضل جمال الدين قال: دخلت إلى الصاحب أبي بشر وهو في مجلسه، فجلست إلى جانبه فانشدني متمثلا:
إنّك لا تشكو إلى مصمّت ... فاصبر على الحمل الثقيل أو مت
إشارة إلى أنه لم يشكه.
стр. 516
قال أبو زياد الكلابي: ومثل من أمثال العرب «إنك لا تشكو إلى مصمت» «١» والتصميت أن تقول المرأة إذا بكى صبيها الرضيع، وهي مشغولة عنه لبعض صبيانها أو لزوجها، صمّت هذا الصبيّ، فيأتيه فيحتضنه «٢» بيده حتى يسكت.
قال، وحدثني قال: دخلت إلى مجلس الشيخ الموفق أبي الحجاج يوسف المعروف بابن الخلال كاتب الانشاء في أيام المصريين، وكان الموفق قد عمل معمّى في المرآة نثرا، فقال لمن بحضرته: ما تقولون في قولي: شيء شديد الباس، يغيره الضعيف الأنفاس، وذكر كلاما بعده، فاستدللت بهذه الفاتحة على أنه المرآة، لأن الشديد الباس هو الحديد، ويغير صقالها النفس، فقلت له ذلك، فاستحسن حدة خاطري.
أنشدني مولانا القاضي الإمام جمال الدين أبو الحجاج يوسف ابن القاضي الأكرم علم الدين أبي طاهر إسماعيل بن عبد الجبار بن أبي الحجاج قال: أنشدني أبو العباس أحمد بن محمد الآبي ممتدحا لي، وكتبته أنا من خطه بيده:
يا خير من فاق الأفاضل سؤددا ... وامتاز خيما «٣» في الفخار ومحتدا
وسما لأعلام المعالي فاحتوى ... فضلا به يهدى وفضلا يجتدى
وإذا الرياسة لم تزن بمعارف ... وعوارف يسدى بها كانت سدى
لا تنس من لم ينس ذكرك أحمدا ... وافى جنابكم الكريم فأحمدا
يهدي إلى الأسماع من أوصافكم ... ملحا كزهر الروض باكره الندى
مستحسنات كلّما كررتها ... لم تسأم الأسماع منها موردا
والفضل فيه لكم ومنكم إنما ... يعزى المضاعف في الجميل لمن بدا
كالزّهر تسقي الزّهر صيّب أفقها ... فيعود منه نشره متصعّدا
جاد الغمام على الكمام بمائه ... عذبا فنضّر ما حوته ونضدا
стр. 517
وإذا امرؤ أسدى لحرّ نعمة ... بدءا تملكه بها واستعبدا
دعي المفضل إذ تسامى فضله ... شرفا على نظرائه واستمجدا
[- ١٩٥-]
أحمد بن محمد بن جعفر بن مختار الواسطي
أبو علي النحوي العدل ابن أخي أبي الفتح محمد بن محمد بن جعفر بن مختار النحوي الذي يأتي ذكره فيما بعد «١» إن شاء الله تعالى: مات بعد سنة خمسمائة وله عقب بواسط. أخذ النحو عن أبي غالب ابن بشران، وكان منزله مألفا لأهل العلم، وكان من الشهود المعدّلين، وكان طحانا بمشرعة التنانيريين بواسط.
حدثني أبو عبد الله محمد بن سعد بن الحجاج الدبيثي قال، حدثني عبد الوهاب بن غالب عن الشريف أبي العلاء ابن التقي قال: قدم إلى واسط في بعض الأعوام عسكر الأعاجم فنهبوا قطعة من البلد، ونهبوا دكان الشيخ أبي علي ابن مختار ونزلوا بداره، قال الشريف: فدخلت معه إليهم نستعطفهم أن يردّوا عليه بعض ما أخذوا منه، فلم نر لذلك وجها، وخرجنا وهو يقول:
تذكرت ما بين العذيب وبارق ... مجرّ عوالينا ومجرى السوابق
ثم التفت إليّ فقال: ما العامل في الظرف في هذا البيت؛ فقلت له: يا سيدي ما شغلك ما أنت فيه عن النحو والنظر فيه؟ فقال: يا بني وما يفيدني إذا حزنت؟! وحدث الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي قال، أنشدني الشيخ أبو علي أحمد بن محمد بن مختار المعدل بواسط لنفسه، وأفادنيه خميس بن علي الحافظ «٢» :
стр. 518
كم جاهل متواضع ... ستر التواضع جهله
ومميّز في علمه ... هدم التكبر فضله
فدع التكبر ما حيي ... ت ولا تصاحب أهله
فالكبر عيب للفتى ... أبدا يقبّح فعله
وأنشد له:
ما هذه الدنيا بدار مسرّة ... فتخوّفي مكرا لها خدّاعا
بينا الفتى فيها يسرّ بنفسه ... وبماله يستمتع استمتاعا
حتى سقته من المنية شربة ... وحمته منها بعد ذاك رضاعا
فغدا بما كسبت يداه رهينة ... لا يستطيع لما عراه دفاعا
لو كان ينطق قال من تحت الثرى ... فليحسن العمل الفتى ما اسطاعا
[- ١٩٦-]
أحمد بن مروان المؤدّب أبو مسهر
: من أهل الرملة، عالم باللغة، كان في أيام المتوكل، وهو القائل:
غيث وليث فغيث حين تسأله ... عرفا وليث لدى الهيجاء ضرغام
يحيا الأنام به في الجدب إن قحطوا ... جودا وتشقى به يوم الوغى الهام
حالان ضدّان مجموعان فيه فما ... ينفكّ بينهما بؤسى وإنعام
كالمزن تجتمع الحالات فيه معا ... ماء ونار وإرهام وإضرام
стр. 519
[١٩٧]
أحمد بن مطرّف بن إسحاق القاضي، أبو الفتح المصري
: كان في الدولة المصرية في أيام الحاكم، وله تآليف في الأدب منها: كتاب النوائح. كتاب كبير في اللغة. ورسالة في الضاد والظاء، كتب بها إلى الشريف أبي الحسن محمد بن القاسم الحسيني عامل تنيس.
[١٩٨]
أحمد بن مطرّف أبو الفتح العسقلاني
: كان يلي القضاء بدمياط، ومات في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، ومولده سنة نيف وعشرين وثلاثمائة. وكان أديبا فاضلا، وله كتب كثيرة مصنّفة في الأدب وفي اللغة وغيرهما. وديوان شعره جمعه على نسختين إحداهما معربة، والأخرى مجردة، يكون دون ألف ورقة- قال ذلك كله أبو عبد الله الصوري الحافظ، وحكى أنه أنشده قطعة من شعره، وناوله بقيته، وأذن له في روايته عنه ورواية سائر مصنفاته، قال: ومما أحفظ له من قطعة أنشدنيها لنفسه أولها:
علمي بعاقبة الأيام يكفيني ... وما قضى الله لي لا بدّ يأتيني
يقول فيها:
ولا خلاف بأن الناس مذ خلقوا ... فيما يرومون معكوسو القوانين
إذ ينفق العمر في الدنيا مجازفة ... والمال ينفق فيها بالموازين
[١٩٩]
أحمد بن موسى بن أبي عمار الحناط
صاحب أبي عبيد القاسم بن سلام:
مات فيما ذكره ابن بنت الفريابي في سنة إحدى وثمانين ومائتين.
стр. 520
[٢٠٠]
أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد المقرىء أبو بكر
: قال الخطيب:
كان شيخ القرّاء في وقته، والمقدم منهم على أهل عصره، مات فيما ذكره الخطيب في شعبان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، ودفن في مقبرة باب البستان من الجانب الشرقي، ومولده في ربيع الآخر سنة خمس وأربعين ومائتين.
قال الخطيب: وحدث عن عبد الله بن أيوب المخرمي «١» ومحمد بن الجهم السمري وخلق غيرهما. وحدث عنه الدارقطني وأبو بكر الجعابي وأبو بكر ابن شاذان وأبو حفص ابن شاهين وغيرهم. وكان ثقة مأمونا يسكن بالجانب الغربي نحو مربعة الخرسي.
حدث أبو بكر الخطيب قال، قال ثعلب النحوي في سنة ست وثمانين ومائتين:
ما بقي من عصرنا هذا أعلم بكتاب الله من أبي بكر ابن مجاهد.
وحدث أبو بكر المحبري «٢» قال: صليت خلف أبي بكر ابن مجاهد صلاة الغداة فاستفتح بقراءة الحمد، ثم سكت، ثم استفتح ثانية ثم سكت، ثم ابتدأ بالقراءة فقلت: أيها الشيخ رأيت اليوم منك عجبا، فقال لي: شهدت المكان؟ فقلت:
نعم، فقال: أشهدك الله إن حدثت به عني إلى أن أوارى تحت أطباق الثرى، ثم قال لي: يا بني ما هو إلا أن كبّرت تكبيرة الإحرام حتى كأني بالحجب قد انكشفت ما بيني وبين ربّ العزة تعالى سرّا بسرّ، ثم استفتحت بقراءة الحمد فاستجمع كلّ حمد لله في كتابه ما بين عينّي فلم أدر بأيّ الحمدلة ابتدىء.
وحدث عيسى بن علي بن عيسى الوزير قال: أنشدني أبو بكر ابن مجاهد، وقد
стр. 521
جئته عائدا، وأطال عنده قوم كانوا قد حضروا لعيادته، فقال لي: يا أبا القاسم عيادة ثم ماذا؟ فصرف من حضر، ثم هممت بالانصراف معهم فأمرني بالرجوع إليه، ثم أنشدني عن محمد «١» بن الجهم السمري:
لا تضجرنّ مريضا جئت عائده ... إنّ العيادة يوم إثر يومين
بل سله عن حاله وادع الإله له ... واقعد بقدر فواق بين حلبين
من زار غبّا أخا دامت مودته ... وكان ذاك صلاحا للخليلين
وحدث الحسين بن محمد بن خلف المقرىء قال: سمعت أبا الفضل الزهري يقول: انتبه أبي في الليلة التي مات فيها أبو بكر ابن مجاهد فقال: يا بني ترى من مات الليلة؟ فإني قد رأيت في منامي كأنّ قائلا يقول: قد مات الليلة مقوّم وحي الله منذ خمسين سنة. فلما أصبحنا إذا ابن مجاهد قد مات، آخر ما نقلناه من «تاريخ الخطيب» .
وذكره محمد بن إسحاق في كتابه فقال: كان ابن مجاهد مع ما عرف به من الفضل واشتهر عنه من العلم والنبل كثير المداعبة طيّب الخلق، وله من الكتب:
كتاب القراءات الكبير. كتاب القراءات الصغير. كتاب الياءات. كتاب الهاءات.
كتاب قراءة أبي عمرو. كتاب قراءة ابن كثير. كتاب قراءة عاصم. كتاب قراءة نافع.
كتاب قراءة حمزة. كتاب قراءة الكسائي. كتاب قراءة ابن عامر. كتاب قراءة النبي ﷺ . كتاب السبعة «٢» . كتاب انفرادات القراء السبعة. كتاب قراءة علي بن أبي طالب ﵁.
قال ابن مجاهد: سألني الوزير علي بن عيسى عن الحجة في اظهار الميم عند قوله: لهم فيها، فقلت: ليس الحجة عليّ، أنا رأيت ميما وفاء فنطقت بهما، الحجة عليّ حين أدغم.
نقلت من خط أبي سعد السمعاني واختياره لتاريخ يحيى بن منده، سمعت الإمام أبا المظفر عبد الله بن شيث المقرىء يقول، سمعت أحمد بن منصور المذكّر
стр. 522
يقول، سمعت أبا الحسن ابن سالم البصري الصوفيّ يقول- وهو صاحب سهل بن عبد الله التستري- قال سمعت أبا بكر محمد بن مجاهد المقرىء يقول: رأيت رب العزة في المنام، فختمت عليه ختمتين، فلحنت في موضعين فاغتممت، فقال: يا ابن مجاهد الكمال لي الكمال لي.
قرأت في «تاريخ خوارزم» في ترجمة أبي سعيد أحمد بن محمد بن حمديج الحمديجي قال: كنت أختلف إلى أبي بكر ابن مجاهد المقرىء البغدادي، فكان يكرمني لفقهي، فاشتهيت أن أقرأ عليه لما رأيت من ولوع الناس بالقراءة عليه، فقلت له: إني أريد أن أقرأ عليك القرآن، فقال: نعم إن كنت تريد القراءة فاجلس مجلس التلامذة، قال: فتحولت من جنبه إلى بين يديه، فلما افتتحت القراءة على رسم العامة وقلت: بسم الله الرحمن الرحيم قال: أو كذا تقرأ اذهب إلى ذلك الفتى حتى يرشدك ثم اقرأ عليّ فخجلت من ذلك وترك إكرامي كما كان يكرمني قبل ذلك لما عرف بضاعتي في القراءة.
وقال التنوخي: بلغني عن أبي بكر ابن مجاهد أنه قال: الناس أربعة: مليح يتبغض لملاحته فيحتمل، وبغيض يتملّح فذاك الحمى والداء الذي لا دواء له، وبغيض يتبغض فيعذر لأنه طبعه، ومليح يتملح فتلك الحياة الطيبة.
قرأت «١» بخط ابن مختار العلوي قال ابن خالويه: كنت عند أبي عمر الزاهد فجاء شابّ مقرىء من أهل باب الشام فقال: سمعت ابن مجاهد يقول: رأيت رسول الله في النوم فقرأت عليه سورة الأنعام، فلما بلغت إلى رأس خمس وثلاثين إنما يستجيب الذين يسمعون
(الأنعام: ٣٦) أومأ بيده إليّ أن قف، فوقفت فقلت:
لو كان [ابن] مجاهد على مائة فرسخ وجب أن أصير إليه لأسمع هذه الحكاية منه، فصرت إليه من جامع المدينة إلى سوق العطش فسألته فقال: لا والله ما كان من هذا شيء، وهذا بالحقيقة وقف حسن.
ومن تاريخ ابن بشران: كان ابن مجاهد كثيرا ما ينشد:
إذا عقد القضاء عليك أمرا ... فليس يحلّه إلّا القضاء
стр. 523
قال: وذكر عن ابن مجاهد أنه حضر وجماعة من أهل العلم في بستان، وداعب وقال وقد لاحظه بعضهم: التعاقل في البستان كالتخالع في المسجد.
وروي عن أبي طالب الهاشمي صهر أبي بكر ابن مجاهد قال: كنت عند ابن مجاهد وقد حضرته الوفاة، فقال لي: أخرج من ها هنا من أهلنا، قال: ففعلت ذلك، ثم قال لي: وتباعد أنت أيضا، فوقفت عنه بعيدا فاستقبل القبلة وأقبل يتلو آيات من القرآن ثم خفت صوته فلم يزل يتشاهد إلى أن طفي.
قال: وكان له جاه عريض عند السلطان، وسأله بعض أصحابه كتابا إلى هلال بن بدر في حاجة له، فكتب إليه كتابا وختمه ولم يقف عليه فلما صار إلى هلال وسلّم إليه الكتاب قضى حوائجه وبلغ له فوق ما أراد، فلما أراد أن ينصرف قال له:
تدري ما في كتابك؟ قال: فأخرجه وفيه بسم الله الرحمن الرحيم حامل كتابي إليك حامل كتاب الله عني، والسلام، وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين.
[٢٠١]
أبو أحمد النهرجوري الشاعر العروضي «١»
: له في العروض تصانيف، وهو به عارف حاذق يجري مجرى أبي الحسن العروضي والعمراني وغيرهما فيه، وهو مع ذلك شاعر متوسط الطبقة، وهو من أهل البصرة. حدثني أبو الحسن علي بن محمد بن نصر الكاتب قال: اجتمعت به بالبصرة في سنة تسع وتسعين وثلاثمائة وأنا في جملة أبي العباس ابن ماسرجيس وسافرنا عنها إلى أرّجان [مع] بهاء الدولة، وخرج النهرجوري معنا وأقام في مصاحبته إلى أن تقلد أبو الفرج محمد بن علي الخازن البصرة في أواخر سنة اثنتين وأربعمائة فعاد معه إليها، ثم وردتها في ذي القعدة
стр. 524
سنة ثلاث وأربعمائة متصلا بخدمة شاهنشاه الأعظم جلال الدولة ابن بهاء الدولة وقد مات النهرجوري قبل ذلك بشهور بعلة طريفة لحقته من ظهور القمل في جسمه عند حكه إياه إلى أن مات. وكان شيخا قصيرا شديد الأدمة سخيف اللبسة وسخ الجملة سيّء المذهب متظاهرا بالإلحاد غير مكاتم له، ولم يتزوج قط ولا أعقب، وكان قويّ الطبقة في الفلسفة وعلوم الأوائل، ومتوسطا في علوم العربية وعلمه بها أكثر من شعره. وكان ثلّابة للناس هجاء قليل الشكر لمن يحسن إليه غير مراع لجميل يسدى إليه. وأنشدني أشياء كثيرة من شعره ومنه:
من عاذري من رئيس ... يعدّ كسبي حسبي
لما انقطعت إليه ... حصلت منقطعا بي
فسمع ذلك أبو العباس ابن ماسرجيس فقال: هذا تدليس منه وأنا المقصود بالهجو، وإنما قال: من عاذري من وزير، وقد راقبني في تعبيره، فلما توفي النهرجوري حمل إلى أبي العباس مسوّداته، فوجد فيها القطعة منسوبة إليه فأخرجها ووقفني عليها وعرفني صحّة حدسه فيه.
ومن شعره في أبي الوفاء ابن الصيقل:
ما استخرج المال بمثل العصا ... لطالبيه من أبي الغدر
أليس قد أخرج موسى بها ... لقومه الماء من الصخر
وله أيضا:
صاح نديمي وشفّه الطرب ... يا قومنا إنّ أمرنا عجب
نار إذا الماء مسها زفرت ... كأنها لالتهابها حطب
وله يهجو طبيبا من أهل الأبلّة يعرف بابن غسان، وكان قد أغري بهجائه:
يا طبيبا داوى كساد ذوي الأكفا ... ن حتى أعادهم في نفاق
إن تكن قد وصلت رزقهم في ... ها فكم قد قطعت من أرزاق
وقّع الله في جبينك للأر ... زاق أن ودّعي وداع الفراق
стр. 525
وله فيه أيضا:
يا ابن غسان أنت ناقضت عيسى ... فهو يحيي الموتى وأنت تميت
يشهد القلب أنه يقدم الغاسل ... أو أنّ دسته تابوت
وقال في أبي إسحاق الصابىء يمدحه وهو بالبصرة بقصيدة أولها:
لا يذهبنّ عليك في العوّاد ... ضعف القوى وتفتت الأكباد
لا تسألي عني سواك فإنما ... ذكراك أنفاسي وحبّك زادي
يا سمحة بدمي على تحريمه ... فيما يظنّ أصادق وأعادي
حاشاك أن ألقاك غير بخيلة ... أو أن أرى ما لا يزين رشادي
وله يهجو امرأة:
تموت من شهوة الضراط ولا ... يسعدها دبرها بتصويت
كأنها إذ تناك خابية ... تغسل ملقيّة لتزفيت
وله أيضا:
لو كان يورث بالمشابه ميّت ... لملكت بالأعضاء ما لا يملك
نغل مخايله تخبّر أنه ... في الناس من نطف الجميع مشبّك
قالوا: ولم يكن وسخه وقذارته عن فقر، فإن حاله كانت مستقيمة حسنة، بل كانت لعادة سيئة فيه، وكان الناس يتقون لسانه وكثرة هجائه.
قال ابن نصر: ومدح أبو أحمد النهرجوري أبا الفرج منصور بن سهل المجوسي عامل البصرة، فأعطاه صلة حاضرة هنية والتفّ به الحواشي فطالبوه، فكتب رقعة ودفعها إلى بعض الداخلين إليه وقال: تسلّم هذه إلى الأستاذ، وكان فيها:
أجازني الأستاذ عن مدحتي ... جائزة كانت لأصحابه
ولم يكن حظي منها سوى ... جهبذتي يوما على بابه
فلما وصلت إليه الرقعة خرّج في الحال من صرف الحواشي عنه، وصار معه حتى دخل منزله.
стр. 526
[٢٠٢]
أحمد بن نصر بن الحسين البازيار أبو علي
: كان نديما لسيف الدولة بن حمدان، وكان أبوه نصر بن الحسين من ناقلة سامرّا، واتصل بالمعتضد وخدمه وخفّ على قلبه، وأصله من خراسان، وكان يتعاطى لعب الجوارح، فردّ إليه المعتضد نوعا من أنواع جوارحه. ومات أبو علي بحلب في حياة سيف الدولة. وله من الكتب:
كتاب تهذيب البلاغة، ذكر ذلك كله محمد بن إسحاق النديم «١» .
قال ثابت بن سنان «٢» : مات أبو علي أحمد بن نصر بن البازيار بالشام في سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة. وحدث أبو جعفر طلحة بن عبد الله بن قناش صاحب «كتاب القضاة» قال: كنا بحضرة سيف الدولة- وقد كان من ندمائه- قال: كان يحضر معنا مجلسه أبو نصر البنص، وكان رجلا من أهل نيسابور أقام ببغداد قطعة من أيام المقتدر وبعدها إلى أيام الراضي، وكان مشهورا بالطيبة والخلاعة وخفّة الروح وحسن المحاضرة مع العفة والستر، وتقلد الحكم في عدة نواح بالشام، فقيل له يوما بحضرة سيف الدولة: لم لقّبت البنص؟ فقال: ما هذا لقب وإنما هو اشتقاق من كنيتي، كما لو أردنا أن نشتق من أبي علي مثل هذا (وأومأ إلى ابن البازيار) لقلنا سيف الدولة منه ولم ينكر عليه. وقد استدللت بهذه الحكاية على عظم قدر ابن البازيار عند سيف الدولة إذ قرن اسمه باسمه.
قال أبو علي عبد الرحمن بن عيسى بن الجراح في «تاريخه» : لما ورد ناصر الدولة إلى بغداد، وقد ردّ إليه تدبير العساكر وإمرة الأمراء، قلّد الوزير أبو إسحاق
стр. 527
أحمد بن محمد القراريطي إبراهيم بن أخي أبي الحسن عليّ بن عيسى أصل ديوان المشرق وزمام البرّ وزمام المغرب وزمام الضياع «١» وديوان الفراتية مدة من الزمن، ثم استشفع أحمد بن نصر البازيار إلى الوزير القراريطي «٢» بابن مكرم كاتب ناصر الدولة، فقلّده ديوان المشرق وزمام البرّ وزمام المغرب «٣» وعوّض أبا نصر إبراهيم بن أخي أبي الحسن مكان ما صرفه عنه: ديوان البر وديوان ضياع ورثة موسى بن بغا.
الأصل: نقلت هذا من خط إبراهيم بن أخي أبي الحسن علي بن عيسى صاحب هذه القصة، فإن النسخة بالتاريخ كانت بخطه.
وذكر هلال أن أحمد بن نصر البازيار كان ابن أخت أبي القاسم علي بن محمد بن الحواري.
وكان أبو العباس الصفري شاعر سيف الدولة قد حبس لمحاكمة كانت بينه وبين رجل من أهل حلب، فكتب إلى ابن البازيار من محبسه:
كذا الدهر بوس مرة ونعيم ... فلا ذا ولا هذا يكاد يدوم
وذو الصبر محمود على كلّ حالة ... وكلّ جزوع في الأنام ملوم
يقول فيها:
أترضى الطهمّانيّ «٤» قاض بحبسه ... إذا اختصمت يوما إليه خصوم
وإنّ زمانا فيه يحبس مثله ... لمثلي زمان ما علمت لئيم
يكاد فؤادي يستطير صبابة ... إذا هبّ من نحو الأمير نسيم
هل أنت ابن نصر ناصري بمقالة ... لها في دجى الخطب البهيم نجوم
ولائم قاض ردّ توقيع من به ... غدا قاضيا فالأمر فيه عظيم
ومتخذ عندي صنيعة ماجد ... كريم نماه في الفخار كريم
стр. 528
[٢٠٣]
أحمد بن هبة الله بن العلاء بن منصور المخزومي
أبو العباس الأديب النحوي المعروف بالصدر ابن الزاهد: مات في الثالث عشر من رجب سنة إحدى عشرة وستمائة وقد نيف على الثمانين، وكان له اختصاص عظيم بالشيخ أبي محمد ابن الخشاب لا يفارقه، فحصل منه علما جما، وصارت له يد باسطة في العربية واللغة، وكان قرأ قبله على أبي الفضل ابن الأشقر. وكان كيسا مطبوعا خفيف الروح حسن الفكاهة، وسمع من عبد الوهاب الأنماطي وابن الماندائي وغيرهما.
أنبأنا أبو عبد الله الدبيثي قال: أنشدني أبو العباس أحمد بن هبة الله الأديب لفظا، قال أنشدني الأمير أبو الفوارس سعد بن محمد الصيفي لنفسه «١» :
أجنّب أهل الأمر والنهي زورتي ... وأغشى امرءا في بيته وهو عاطل
وإني لسمح بالسلام لأشعث ... وعند الهمام القيل بالردّ باخل
وما ذاك من كبر ولكن سجية ... تعارض تيها عندهم وتساجل
ذكره العماد في الخريدة فقال «٢» : هو من الفقهاء بالنظامية، ذو الخاطر الوقاد «٣» ، والقريحة والانتقاد، وله يد في العربية والنحو، قرأ على شيخنا أبي محمد [ابن] الخشاب، وأنشدني لنفسه:
ومهفهف يسبيك خطّ عذاره ... ويريك ضوء البدر في أزراره
حسدت شمائله الشّمول وهجّنت ... لطف النسيم يهبّ في أسحاره «٤»
وإذا أردت جفاه قال لي الهوى ... هو في الفؤاد فداره في داره
стр. 529
لم أضمر السلوان عنه ساعة ... إلا استعذت وتبت من إضماره
دقّت معاقد خصره فكأنها ... المعنى الخفيّ يجول في أفكاره
وكأن وجنته وحمرة خده ... ورد غذاه الطلّ في أسحاره
وله قصيدة كتبها إلى الملك الناصر يوسف بن أيوب منها «١» :
إنّ الأكاسرة الألى شادوا العلا ... بين الأنام فمفضل أو منعم
يشكون أنك قد نسخت فعالهم ... حتى تنوسي ما تقدّم منهم
وسننت في شرع المكارم «٢» ما عموا ... عن بعضه وفهمت ما لم يفهموا
وله أيضا «٣» :
ماذا يقول لك الراجي وقد نفدت ... فيك المعاني وبحر القول قد نزفا
وما له حيلة إلا الدعاء فإن ... يسمع يظلّ عليه «٤» الدهر معتكفا
[٢٠٤]
أحمد بن الهيثم بن فراس بن محمد بن عطاء السامي
: قال المرزباني: هو أحد الرواة المكثرين، روى عنه الحسن بن عليل العنزي وأبو بكر وكيع.
قلت: وكان أبوه الهيثم بن فراس شاعرا مكثرا، وكان جده فراس من شيعة بني العباس، وقد أدرك دولة هشام بن عبد الملك، وله في أول الدولة أخبار. فحدّث المرزباني بإسناد رفعه إلى الهيثم بن فراس قال: أنشدت عمار بن ثمامة:
стр. 530
ينادي الجار خادمه فتسعى ... مشمرة إذا حضر الطعام
وأدعو حين يحضرني طعامي ... فلا أمة تجيب ولا غلام
وحدّث عن محمد بن العباس عن المبرد قال، قال الهيثم بن فراس في الفضل بن مروان وزير المعتصم «١» :
تجبّرت يا فضل بن مروان فاعتبر ... فقبلك كان الفضل والفضل والفضل
ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم ... أبادهم الموت المشتّت والقتل
يريد الفضل بن يحيى والفضل بن الربيع والفضل بن سهل
فإنك قد أصبحت في الناس ظالما ... ستودي كما أودى الثلاثة من قبل
[٢٠٥]
أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري
أبو الحسن، وقيل أبو بكر: من أهل بغداد، ذكره الصولي في ندماء المتوكل على الله، مات في أيام المعتمد على الله في أواخرها، وما أبعد أن يكون أدرك أول أيام المعتضد. وكان جده جابر يخدم الخصيب صاحب مصر.
وذكره ابن عساكر في «تاريخ دمشق» «٢» فقال: سمع بدمشق هشام بن عمار وأبا حفص عمر بن سعيد، وبحمص محمد بن مصفّى، وبأنطاكية محمد بن عبد الرحمن بن سهم وأحمد بن برد الأنطاكيين، وبالعراق عفان بن مسلم وعبد الأعلى بن حماد وعلي بن المديني وعبد الله بن صالح العجلي ومصعبا الزبيري وأبا عبيد القاسم بن سلام وعثمان بن أبي شيبة وأبا الحسن علي بن محمد المدائني