[٢٠٢]
أحمد بن نصر بن الحسين البازيار أبو علي
: كان نديما لسيف الدولة بن حمدان، وكان أبوه نصر بن الحسين من ناقلة سامرّا، واتصل بالمعتضد وخدمه وخفّ على قلبه، وأصله من خراسان، وكان يتعاطى لعب الجوارح، فردّ إليه المعتضد نوعا من أنواع جوارحه. ومات أبو علي بحلب في حياة سيف الدولة. وله من الكتب:
كتاب تهذيب البلاغة، ذكر ذلك كله محمد بن إسحاق النديم «١» .
قال ثابت بن سنان «٢» : مات أبو علي أحمد بن نصر بن البازيار بالشام في سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة. وحدث أبو جعفر طلحة بن عبد الله بن قناش صاحب «كتاب القضاة» قال: كنا بحضرة سيف الدولة- وقد كان من ندمائه- قال: كان يحضر معنا مجلسه أبو نصر البنص، وكان رجلا من أهل نيسابور أقام ببغداد قطعة من أيام المقتدر وبعدها إلى أيام الراضي، وكان مشهورا بالطيبة والخلاعة وخفّة الروح وحسن المحاضرة مع العفة والستر، وتقلد الحكم في عدة نواح بالشام، فقيل له يوما بحضرة سيف الدولة: لم لقّبت البنص؟ فقال: ما هذا لقب وإنما هو اشتقاق من كنيتي، كما لو أردنا أن نشتق من أبي علي مثل هذا (وأومأ إلى ابن البازيار) لقلنا سيف الدولة منه ولم ينكر عليه. وقد استدللت بهذه الحكاية على عظم قدر ابن البازيار عند سيف الدولة إذ قرن اسمه باسمه.
قال أبو علي عبد الرحمن بن عيسى بن الجراح في «تاريخه» : لما ورد ناصر الدولة إلى بغداد، وقد ردّ إليه تدبير العساكر وإمرة الأمراء، قلّد الوزير أبو إسحاق
стр. 527
أحمد بن محمد القراريطي إبراهيم بن أخي أبي الحسن عليّ بن عيسى أصل ديوان المشرق وزمام البرّ وزمام المغرب وزمام الضياع «١» وديوان الفراتية مدة من الزمن، ثم استشفع أحمد بن نصر البازيار إلى الوزير القراريطي «٢» بابن مكرم كاتب ناصر الدولة، فقلّده ديوان المشرق وزمام البرّ وزمام المغرب «٣» وعوّض أبا نصر إبراهيم بن أخي أبي الحسن مكان ما صرفه عنه: ديوان البر وديوان ضياع ورثة موسى بن بغا.
الأصل: نقلت هذا من خط إبراهيم بن أخي أبي الحسن علي بن عيسى صاحب هذه القصة، فإن النسخة بالتاريخ كانت بخطه.
وذكر هلال أن أحمد بن نصر البازيار كان ابن أخت أبي القاسم علي بن محمد بن الحواري.
وكان أبو العباس الصفري شاعر سيف الدولة قد حبس لمحاكمة كانت بينه وبين رجل من أهل حلب، فكتب إلى ابن البازيار من محبسه:
كذا الدهر بوس مرة ونعيم ... فلا ذا ولا هذا يكاد يدوم
وذو الصبر محمود على كلّ حالة ... وكلّ جزوع في الأنام ملوم
يقول فيها:
أترضى الطهمّانيّ «٤» قاض بحبسه ... إذا اختصمت يوما إليه خصوم
وإنّ زمانا فيه يحبس مثله ... لمثلي زمان ما علمت لئيم
يكاد فؤادي يستطير صبابة ... إذا هبّ من نحو الأمير نسيم
هل أنت ابن نصر ناصري بمقالة ... لها في دجى الخطب البهيم نجوم
ولائم قاض ردّ توقيع من به ... غدا قاضيا فالأمر فيه عظيم
ومتخذ عندي صنيعة ماجد ... كريم نماه في الفخار كريم
стр. 528
[٢٠٣]
أحمد بن هبة الله بن العلاء بن منصور المخزومي
أبو العباس الأديب النحوي المعروف بالصدر ابن الزاهد: مات في الثالث عشر من رجب سنة إحدى عشرة وستمائة وقد نيف على الثمانين، وكان له اختصاص عظيم بالشيخ أبي محمد ابن الخشاب لا يفارقه، فحصل منه علما جما، وصارت له يد باسطة في العربية واللغة، وكان قرأ قبله على أبي الفضل ابن الأشقر. وكان كيسا مطبوعا خفيف الروح حسن الفكاهة، وسمع من عبد الوهاب الأنماطي وابن الماندائي وغيرهما.
أنبأنا أبو عبد الله الدبيثي قال: أنشدني أبو العباس أحمد بن هبة الله الأديب لفظا، قال أنشدني الأمير أبو الفوارس سعد بن محمد الصيفي لنفسه «١» :
أجنّب أهل الأمر والنهي زورتي ... وأغشى امرءا في بيته وهو عاطل
وإني لسمح بالسلام لأشعث ... وعند الهمام القيل بالردّ باخل
وما ذاك من كبر ولكن سجية ... تعارض تيها عندهم وتساجل
ذكره العماد في الخريدة فقال «٢» : هو من الفقهاء بالنظامية، ذو الخاطر الوقاد «٣» ، والقريحة والانتقاد، وله يد في العربية والنحو، قرأ على شيخنا أبي محمد [ابن] الخشاب، وأنشدني لنفسه:
ومهفهف يسبيك خطّ عذاره ... ويريك ضوء البدر في أزراره
حسدت شمائله الشّمول وهجّنت ... لطف النسيم يهبّ في أسحاره «٤»
وإذا أردت جفاه قال لي الهوى ... هو في الفؤاد فداره في داره
стр. 529
لم أضمر السلوان عنه ساعة ... إلا استعذت وتبت من إضماره
دقّت معاقد خصره فكأنها ... المعنى الخفيّ يجول في أفكاره
وكأن وجنته وحمرة خده ... ورد غذاه الطلّ في أسحاره
وله قصيدة كتبها إلى الملك الناصر يوسف بن أيوب منها «١» :
إنّ الأكاسرة الألى شادوا العلا ... بين الأنام فمفضل أو منعم
يشكون أنك قد نسخت فعالهم ... حتى تنوسي ما تقدّم منهم
وسننت في شرع المكارم «٢» ما عموا ... عن بعضه وفهمت ما لم يفهموا
وله أيضا «٣» :
ماذا يقول لك الراجي وقد نفدت ... فيك المعاني وبحر القول قد نزفا
وما له حيلة إلا الدعاء فإن ... يسمع يظلّ عليه «٤» الدهر معتكفا
[٢٠٤]
أحمد بن الهيثم بن فراس بن محمد بن عطاء السامي
: قال المرزباني: هو أحد الرواة المكثرين، روى عنه الحسن بن عليل العنزي وأبو بكر وكيع.
قلت: وكان أبوه الهيثم بن فراس شاعرا مكثرا، وكان جده فراس من شيعة بني العباس، وقد أدرك دولة هشام بن عبد الملك، وله في أول الدولة أخبار. فحدّث المرزباني بإسناد رفعه إلى الهيثم بن فراس قال: أنشدت عمار بن ثمامة:
стр. 530
ينادي الجار خادمه فتسعى ... مشمرة إذا حضر الطعام
وأدعو حين يحضرني طعامي ... فلا أمة تجيب ولا غلام
وحدّث عن محمد بن العباس عن المبرد قال، قال الهيثم بن فراس في الفضل بن مروان وزير المعتصم «١» :
تجبّرت يا فضل بن مروان فاعتبر ... فقبلك كان الفضل والفضل والفضل
ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم ... أبادهم الموت المشتّت والقتل
يريد الفضل بن يحيى والفضل بن الربيع والفضل بن سهل
فإنك قد أصبحت في الناس ظالما ... ستودي كما أودى الثلاثة من قبل
[٢٠٥]
أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري
أبو الحسن، وقيل أبو بكر: من أهل بغداد، ذكره الصولي في ندماء المتوكل على الله، مات في أيام المعتمد على الله في أواخرها، وما أبعد أن يكون أدرك أول أيام المعتضد. وكان جده جابر يخدم الخصيب صاحب مصر.
وذكره ابن عساكر في «تاريخ دمشق» «٢» فقال: سمع بدمشق هشام بن عمار وأبا حفص عمر بن سعيد، وبحمص محمد بن مصفّى، وبأنطاكية محمد بن عبد الرحمن بن سهم وأحمد بن برد الأنطاكيين، وبالعراق عفان بن مسلم وعبد الأعلى بن حماد وعلي بن المديني وعبد الله بن صالح العجلي ومصعبا الزبيري وأبا عبيد القاسم بن سلام وعثمان بن أبي شيبة وأبا الحسن علي بن محمد المدائني
стр. 531
ومحمد بن سعد كاتب الواقدي وذكر جماعة. قال: وروى عنه يحيى بن البريم «١» وأحمد بن عبد الله بن عمار وأبو يوسف يعقوب بن نعيم [بن] «٢» قرقارة الأرزني «٣» .
قال محمد بن إسحاق النديم: كان جدّه جابر يكتب للخصيب صاحب مصر، وكان شاعرا راوية، ووسوس آخر أيامه فشدّ في المارستان ومات فيه، وكان سبب وسوسته أنه شرب ثمر البلاذر على غير معرفة فلحقه ما لحقه.
وقال الجهشياري في «كتاب الوزراء» «٤» : جابر بن داود البلاذري كان يكتب للخصيب بمصر، هكذا ذكروا، ولا أدري أيهما شرب البلاذر أحمد بن يحيى أو جابر بن داود. إلّا ان ما ذكره الجهشياري يدلّ على أن الذي شرب البلاذر هو جده لأنه قال: جابر بن داود، ولعلّ ابن ابنه لم يكن حينئذ موجودا، والله اعلم.
وكان أحمد بن يحيى بن جابر عالما فاضلا شاعرا راوية نسابة متقنا، وكان مع ذلك كثير الهجاء بذيء اللسان آخذا لأعراض الناس، وتناول وهب بن سليمان بن وهب لما ضرط فمزّقه كلّ ممزّق، فمن قوله فيه، وكانت الضرطة بحضرة عبيد الله بن يحيى بن خاقان:
أيا ضرطة حسبت رعده ... تنوّق في سلّها جهده
تقدّم وهب بها سابقا ... وصلّى أخو صاعد بعده
لقد هتك الله ستريهما ... كذا كلّ من يطعم الفهده «٥»
وقال أحمد بن يحيى بن جابر يهجو عافية بن شبيب:
من رآه فقد رأى ... عربيا مدلّسا
ليس يدري جليسه ... أفسا أم تنفّسا
стр. 532
وحدث علي بن هارون بن المنجم في «أماليه» عن عمه قال، حدثني أبو الحسن أحمد بن يحيى البلاذري قال: لما أمر المتوكل إبراهيم بن العباس الصولي أن يكتب فيما كان أمر به من تأخير الخراج حتى يقع في خمس من حزيران ويقع استفتاح الخراج فيه، كتب في ذلك كتابه المعروف، وأحسن فيه غاية الاحسان، فدخل عبيد الله بن يحيى على المتوكل فعرّفه حضور إبراهيم بن العباس وإحضاره الكتاب معه، فأمر بالاذن له، فدخل وأمره بقراءة الكتاب فقرأه، واستحسنه عبيد الله بن يحيى وكلّ من حضر، قال البلاذري: فدخلني حسد له فقلت: فيه خطأ، قال فقال المتوكل: في هذا الكتاب الذي قرأه عليّ إبراهيم خطأ؟ قال قلت: نعم، قال: يا عبيد الله وقفت على ذلك؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين ما وقفت فيه على خطأ، قال: فأقبل إبراهيم بن العباس على الكتاب يتدبّره فلم ير فيه شيئا، فقال: يا أمير المؤمنين الخطأ لا يعرى منه الناس وقد تدّبرت الكتاب خوفا من أن أكون قد أغفلت شيئا وقف عليه أحمد بن يحيى فلم أر ما أنكره، فليعرّفنا موضع الخطأ، قال فقال المتوكل: قل لنا ما هو هذا الخطأ الذي وقفت عليه في هذا الكتاب، قال فقلت: هو شيء لا يعرفه إلا عليّ بن يحيى المنجم ومحمد بن موسى، وذلك أنه أرّخ الشهر الروميّ بالليالي، وأيام الروم قبل لياليها، فهي لا تؤرّخ بالليالي وإنما يؤرخ بالليالي شهور العرب لأن لياليها قبل أيامها بسبب الأهلّة، قال فقال إبراهيم: صدق يا أمير المؤمنين هذا ما لا علم لي به ولا أدّعي فيه ما يدّعي، قال: فغير تاريخه.
قال الجهشياري: وقال أحمد بن يحيى البلاذري في عبيد الله بن يحيى وقد صار إلى بابه فحجبه:
قالوا اصطبارك للحجاب مذلّة ... عار عليك مدى الزمان وعاب
فأجبتهم ولكلّ قول صادق ... أو كاذب عند المقال جواب
إني لأغتفر الحجاب لماجد ... أمست له منن عليّ رغاب
قد يرفع المرء اللئيم حجابه ... ضعة ودون العرف منه حجاب
وحدث الجهشياري قال، حدثني ابن أبي العلاء الكاتب، قال حدثني أبو الحسن أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري قال: دخلت إلى أحمد بن صالح بن شيرزاد
стр. 533
فعرضت عليه رقعة لي فيها حاجة، فتشاغل عني، فقلت:
تقدّم وهب سابقا بضراطه ... وصلّى الفتى عبدون والناس حضّر
وإني أرى من بعد ذاك وقبله ... بطونا لناس آخرين تقرقر
فقال: يا أبا الحسن بطن من؟ فقلت: بطن من لم يقض حاجتي، فأخذ الرقعة ووقّع فيها بما أردت.
وقال أحمد بن يحيى يهجو صاعدا وزير المعتمد:
أصاعد قد ملأت الأرض جورا ... وقد سست الأمور بغير لبّ
وساميت الرجال وأنت وغد ... لئيم الجدّ ذو عيّ وغب «١»
أضلّ عن المكارم من دليل ... وأكذب من سليمان بن وهب
وقد خبّرت أنك حارثيّ ... فردّ مقالتي أولاد كعب
قلت: أما سليمان بن وهب فمعروف، وأما دليل فهو دليل بن يعقوب النصراني أحد وجوه الكتاب، كان يكتب لبغا التركي ثم توكل للمتوكل على خاصه.
وحدث أبو القاسم الشافعي في «تاريخ دمشق» باسناده قال، قال أحمد بن جابر البلاذري، قال لي محمود الوراق: قل من الشعر ما يبقى ذكره ويزول عنك إثمه، فقلت «٢» :
استعدّي يا نفس للموت واسعي ... لنجاة فالحازم المستعدّ
قد تبينت «٣» أنه ليس للحيّ ... خلود ولا من الموت بدّ
إنما أنت مستعيرة ما سو ... ف تردّين والعواري تردّ
أنت تسهين والحوادث لا تسهو ... وتلهين والمنايا تجدّ
لا ترجّي البقاء في معدن الموت ... ودار حتوفها لك ورد
стр. 534
أيّ ملك في الأرض أم أيّ حظّ ... لامرىء حظه من الارض لحد
كيف يهوى امرؤ لذاذة أيا ... م عليه الانفاس فيها تعدّ
ومن شعر البلاذري الذي رواه المرزباني في «معجم الشعراء» «١» :
يا من روى أدبا ولم يعمل به ... فيكفّ عادية الهوى بأديب
حتى يكون بما تعلّم عاملا ... من صالح فيكون غير معيب
ولقلّما تجدي إصابة صائب ... أعماله أعمال غير مصيب
قال ابن عساكر في كتابه «٢» : وبلغني أن البلاذري كان أديبا راوية له كتب جياد، ومدح المأمون بمدائح، وجالس المتوكل، ومات في أيام المعتمد ووسوس في آخر عمره.
قال المؤلف: هذا الذي ذكره ابن عساكر من كلام المرزباني في «معجم الشعراء» بعينه.
وقال محمد بن إسحاق النديم «٣» : وله من الكتب: كتاب البلدان الصغير.
كتاب البلدان الكبير لم يتم. كتاب جمل نسب الأشراف، وهو كتابه المعروف المشهور. كتاب عهد أردشير ترجمه بشعر، قال: وكان أحد النّقلة من الفارسي إلى العربي. كتاب الفتوح.
وحدث الصولي في «كتاب الوزراء» حدثني أحمد بن محمد الطالقاني قال قال لي أحمد بن يحيى البلاذري: كانت بيني وبين عبيد الله بن يحيى بن خاقان حرمة منذ أيام المتوكل، وما كنت أكلّفه حاجة لاستغنائي عنه، فنالتني في أيام المعتمد على الله إضافة فدخلت إليه وهو جالس للمظالم، فشكوت تأخّر رزقي وثقل ديني، وقلت: إنّ عيبا على الوزير- أعزّه الله- حاجة مثلي في أيامه، وغضّ طرفه عنّي، فوقع لي ببعض ما أردت وقال: أين حياؤك المانع لك من الشكوى على الاستبطاء؟ فقلت:
стр. 535
غرس البلوى يثمر ثمر الشكوى، وانصرفت وكتبت إليه:
لحاني الوزير المرتضى في شكايتي ... زمانا أحلّت للجدوب محارمه
وقال لقد جاهرتني بملامة ... ومن لي بدهر كنت فيه أكاتمه
فقلت: حياء المرء ذي الدين والتقى ... يقلّ إذا قلّت لديه دراهمه
حياة ابن يحيى نعمة مستجدّة ... وحفظ لملك قد أضيعت سوائمه
تلائمه النّعمى وتحسن عنده ... وكم من معار نعمة لا تلائمه
لجأت إليه من زمان معاند ... قليل على أحداثه من يسالمه
فكان كظنّي في كريم فعاله ... وأمطرت النعمى عليّ مكارمه
وحدث الصولي عن محمد بن علي أن البلاذري امتدح أبا الصقر إسماعيل بن بلبل، وكتب إليه كتابا حسنا وسأله أن يطلق له شيئا من أرزاقه، فوعده فلم يفعل فقال:
تجانف إسماعيل عنّي بودّه ... وملّ إخائي واللئيم ملول
وإن امرءا يغشى أبا الصقر راغبا ... إليه ومغترّا به لذليل
وقد علمت شيبان أن لست منهم ... فماذا الذي إن أنكروك تقول
ولو كانت الدعوى تثبّت بالرّشا ... لثبّت دعواك الذين تنيل
ولكنهم قالوا مقالا فكذّبوا ... وجاءوا بأمر ما عليه دليل
وله فيما أورده عبد الله بن أبي طاهر:
لما رأيتك زاهيا ... ورأيتني أجفى ببابك
عدّيت رأس مطيّتي ... وحجبت نفسي عن حجابك
стр. 536
[٢٠٦]
أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار أبو العباس ثعلب
الشيباني مولاهم النحوي اللغوي: إمام الكوفيين في النحو واللغة والثقة والديانة، ولد فيما ذكره المرزباني «١» عن مشايخه سنة مائتين، ومات لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين ومائتين في خلافة المكتفي بن المعتضد وقد بلغ تسعين سنة وأشهرا. وكان رأى أحد عشر خليفة أولهم المأمون وآخرهم المكتفي، وكان قد ثقل سمعه قبل موته، ودفن في مقابر باب الشام في حجرة اشتريت له وبنيت بعد ذلك، وقبره هناك معروف، وردّ ماله على ابنته وكان خلّف أحدا وعشرين ألف درهم وألفي دينار ودكاكين بباب الشام قيمتها ثلاثة آلاف دينار، وضاع له قبل أبي أحمد الصيرفي ألف دينار، وكان يتجر له بها، ذكر ذلك عبد الله بن الحسين القطربلي في «تاريخه» .
حدث المرزباني عن أبي العباس محمد بن طاهر الطاهري- وكان أبو العباس ثعلب يؤدّب أباه طاهر بن محمد بن عبد الله بن طاهر- قال «٢» : كان سبب وفاة أبي العباس ثعلب أنه كان في يوم جمعة قد انصرف من الجامع بعد صلاة العصر، وكان يتبعه جماعة من أصحابه إلى منزله، أنا أحدهم، فتبعناه في تلك العشية إلى أن صرنا إلى درب قد أسماه بناحية باب الشام، واتفق أن ابنا لابراهيم بن أحمد الماذرائي يسير من ورائنا على دابة، وخلفه خادم له على دابة، قد قلق واضطرب، وكان في تلك العشية بيده دفتر ينظر فيه وقد شغله عما سواه، فلما سمعنا صوت حوافر الدوابّ خلفنا
стр. 537
تأخرنا عن جادة الطريق، ولم يسمع أبو العباس لصممه صوت الحوافر، فصدمته دابة الخادم فسقط على رأسه في هوة من الطريق قد أخذ ترابها، فلم يقدر على القيام، فحملناه إلى منزله كالمختلط يتأوه من رأسه، وكان سبب وفاته ﵀.
وحدث المرزباني عن أحمد بن محمد العروضي قال: إنما فضل أبو العباس أهل عصره بالحفظ للعلوم التي تضيق عنها الصدور، وقد كان أبو سعيد السكري كثير الكتب جدا، فكتب بيده ما لم يكتبه أحد، فكانا في الطرفين لأن أبا سعيد كان غير مفارق للكتاب عند ملاقاة الرجال، وأبو العباس لا يمسّ بيده كتابا اتكالا على حفظه وثقة بصفاء ذهنه.
قال الخطيب: سمع- يعني ثعلب- محمد بن سلام الجمحي ومحمد بن زياد الأعرابي وعلي بن المغيرة الأثرم وإبراهيم بن المنذر الحزامي وسلمة بن عاصم وعبيد الله بن عمر القواريري والزبير بن بكار وخلقا كثيرا. وروى عنه محمد بن العباس اليزيدي وعلي بن سليمان الأخفش وإبراهيم بن محمد بن عرفة نفطويه وأبو بكر ابن الأنباري وأبو عمر الزاهد وأبو الحسن ابن مقسم وأحمد بن كامل القاضي وخلق كثير. وكان يقول: سمعت من القواريري مائة ألف حديث.
قرأت بخط أبي سالم الحسن بن علي قال، نقلت من خط الحسن بن علي بن مقلة، قال أبو العباس أحمد بن يحيى: ابتدأت النظر في العربية والشعر واللغة في سنة ست عشرة ومولدي سنة مائتين في السنة الثانية من خلافة المأمون. قال أبو العباس «١» : ورأيت المأمون لما قدم من خراسان في سنة أربع ومائتين وقد خرج من باب الحديد، وهو يريد قصر الرصافة، والناس صفّان إلى المصلّى. قال: وكان أبي قد حملني على يده، فلما مرّ المأمون رفعني وقال لي: هذا المأمون وهذه سنة أربع ومائتين، فحفظت ذلك إلى هذه الغاية، وحذقت العربية، وحفظت كتب الفراء كلّها حتى لم يشذّ عني حرف منها ولي خمس وعشرون سنة، وكنت أعنى بالنحو أكثر من عنايتي بغيره، فلما أتقنته أكببت على الشعر والمعاني والغريب ولزمت أبا عبد الله ابن الاعرابي بضع عشرة سنة. وأذكر يوما وقد صار إلى أحمد بن سعيد بن سلم وأنا عنده
стр. 538
وجماعة منهم السدريّ وأبو العالية فأقام وتذاكروا شعر الشماخ، وأخذوا في البحث عن معانيه والمساءلة عنه، فجعلت أجيب ولا أتوقف، وابن الأعرابي يسمع، حتى أتينا على معظم شعره، فالتفت إلى أحمد بن سعيد يعجّبه مني.
قال أبو العباس: قلت لابن ماسويه في علة شكوتها إليه: ما تقول في الحمام؟
فقال لي: إن تهيأ لانسان بعد أربعين سنة أن يكون قيّم حمام فليفعل.
قال أبو العباس: «الذي» لا ينسب إليه لأنه لا يتم إلا بصلة، والعرب لا تنسب إلا إلى اسم تامّ، والذي وما بعده حكاية، والحكاية لا ينسب إليها لئلا تتغير. قال أبو العباس: وسئل ابن قادم عنها وأنا غائب بفارس فقال «اللذوي» ، فلما قدمت وسئلت فقلت: لا ينسب إليه وأتيت بهذه العلة فبلغته، فلما اجتمعنا تجاذبنا، ثم رجع إلى قولي.
وقال أبو العباس: كنت أصير إلى الرياشيّ لأسمع عنه، وكان نقي العلم، فقال لي يوما وقد قرىء عليه:
ما تنقم الحرب العوان منّي ... بازل عامين حديث سني
لمثل هذا ولدتني أمّي
كيف تقول بازل أو بازل؟ فقلت: أتقول لي هذا في العربية؟ إنما أقصدك لغير هذا، يروى بازل وبازل وبازل: الرفع على الاستئناف، والخفض على الإتباع، والنصب على الحال، فاستحيا وأمسك.
قال أبو العباس «١» : ودخلت على محمد بن عبد الله بن طاهر فإذا عنده المبرد وجماعة من أسبابه وكتّابه، وكان محمد بن عيسى وصفه له، فلما قعدت قال لي محمد بن عبد الله: ما تقول في قول امرىء القيس:
لها متنتان خظاتا كما ... أكبّ على ساعديه النمر
قال قلت: أما غريب البيت فإنه يقال: لحم خظا بظا إذا كان صلبا مكتنزا
стр. 539
ووصف فرسا، وقوله: أكب على ساعديه النمر أي في صلابة ساعد النمر إذا اعتمد على يده، والمتن الطريقة الممتدة من عن يمين الصلب وشماله. وما فيه من العربية أنه [قال] : خظتا، فلما تحركت التاء أعاد الألف من أجل الحركة والفتحة، قال:
فأقبل بوجهه على محمد بن يزيد، فقال له محمد: أعزّ الله الأمير إنما أراد [في] خظاتا الإضافة، أضاف خظاتا إلى «كما» قال، فقلت: ما قال هذا أحد، قال محمد بن يزيد: بلى سيبويه يقوله، فقلت لمحمد بن عبد الله: لا والله ما قال هذا سيبويه، وهذا كتابه فليحضر، ثم أقبلت على محمد بن عبد الله وقلت: ما حاجتنا إلى كتاب سيبويه؟ أيقال مررت بالزيدين ظريفي عمرو فيضاف نعت الشيء إلى غيره؟
فقال محمد لصحة طبعه: لا والله ما يقال هذا، ونظر إلى محمد بن يزيد فأمسك ولم يقل شيئا، وقمت ونهض المجلس.
قال عبد الله الفقير إليه: لا أدري لم لا يجوز هذا وما أظنّ أحدا ينكر قول القائل: رأيت الفرسين مركوبي زيد، ولا الغلامين عبدي عمرو، ولا الثوبين درّاعتي زيد، ومثله مررت بالزيدين ظريفي عمرو، فيكون مضافا إلى عمرو وهو صفة لزيد، وهذا ظاهر لكل متأمّل «١» .
قال أبو العباس: لما شاهدني المازني وجاراني النحو وخرج إلى سرّ من رأى كان يذكرني ويوجّه إليّ: أخيك يقرئك السلام.
قال أبو العباس: قال لي محمد بن عيسى بحضرة محمد بن عبد الله: نحن نقدّمك لتقدمة الأمير، فقلت له: يا شيخ إني لم أتعلم العلم لتقدّمني الأمراء وإنما تعلمته لتقدّمني العلماء.
قال أحمد بن يحيى: كان محمد بن عبد الله يكتب «ألف درهم واحدة» فإذا مرّ به «ألف درهم واحد» أصلحه «واحدة» ، فكان كتّابه ينكرون ذلك ويغلظ عليهم ويهابونه فلا يبتدئونه فيه بشيء، فقال يوما: أتدري لم عمل الفراء «كتاب البهي» ؟
قلت: لا قال: لعبد الله أبي بأمر طاهر جدي، قلت له: إنه قد كان عمل له كتبا منها
стр. 540
«كتاب المذكر والمؤنث» قال: وما فيه؟ قلت: مثل «ألف درهم واحد» ولا يجوز «واحدة» ، ففتح عينيه وتنبّه وأقلع.
وقال أبو العباس: بعث إليّ عبد الله ابن أخت أبي الوزير رقعة فيها خطّ المبرد «ضربته بلا سيف» قال: أيجوز هذا؟ فوجهت إليه: لا والله ما سمعت بهذا، قال أبو العباس: هذا خطأ بتة «١» لأن التبرئة لا يقع عليها خافض ولا غيره، لأنها أداة وما تقع أداة على أداة.
قال العجوزي: صرت إلى المبرد مع القاسم والحسن ابني عبيد الله بن سليمان بن وهب، فقال لي القاسم: سله عن شيء من الشعر، فقلت: ما تقول- أعزك الله- في قول أوس:
وغيّرها عن وصلها الشيب إنه ... شفيع إلى بيض الخدور مدرّب
فقال بعد تمكث وتمهل وتمطّق: يريد أن النساء أنس به فصرن لا يستترن منه.
ثم صرنا إلى أبي العباس أحمد بن يحيى، فلما غصّ المجلس سألته عن البيت فقال:
قال لنا ابن الأعرابي: إنّ الهاء في «إنه» للشباب وإن لم يجر له ذكر لأنه علم، والتفتّ إلى الحسن والقاسم فقلت: أين صاحبنا من صاحبكم؟
وقال حمزة: لما مات المازنيّ خلفه أبو العباس المبرد، وبقي ذكره ببغداد وسامرّا لا يغضّ أحد منه إلى أن ذكره ابن الأنباريّ في بعض مصنفاته وأراد أن يضع منه ويرفع من صاحبه أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب، جاريا على عادته في العصبية للكوفيين على البصريين، فقال: سمعت أبا العباس- يعني ثعلبا- يقول: عزمت على المضيّ إلى المازنيّ لأناظره فأنكر ذلك عليّ أصحابنا وقالوا: مثلك لا يصلح أن يمضي إلى بصريّ فيقال غدا إنه تلميذه، فكرهت الخلاف عليهم، فأراد ابن الأنباري أن يرفع من ثعلب فوضع منه. ولم يقتصر على ذلك التقصير بالمازنيّ حتى قصّر بالخليل أيضا، وزعم أن أبا العباس أحمد بن يحيى حكى له أن أبا جعفر الرؤاسي
стр. 541
عمل كتابا في النحو وسماه «الفيصل» فبعث الخليل إليه يستعيره فوجّه به إليه، فقال: والدليل على أن الخليل تعلّم النحو من كتاب الرؤاسي ما يوجد في كتاب سيبويه من ذكره إذ يقول: قال الكوفي، وهذا متى سمع علم أنه لا يقوله إلا عصبي.
قرأت في كتاب ابن أبي الأزهر بخطّ عبد السلام البصري قال: كان بإزاء دار أبي العباس ثعلب رجل قد غلب على عقله، فكان ربما خرج فجلس على الباب- باب بيته- ينظر إلى الناس، فرأى يوما غلام أبي العباس وقد أدخل إلى داره خبزا أسود، فقال له: يا أبا العباس لم لا تشتري لك خبز حوّارى؟ ما معنى هذا الضيق والشؤم؟ فقال له: هذا أصلح من الحاجة وبذل الوجه إلى الناس، فضحك وقال:
عجبت لك من هذا الكلام أمالك هذا إلا من بذل الوجه والحاجة إلى الناس والطلب منهم؟ لا تقبل برّ أحد إن كنت صادقا، فالتفت إليّ وقال: قد قال قولا، ثم أنشدني في الزهد:
زماننا صعب وإخواننا ... أيديهم جامدة البذل
وقد مضى الناس ولم يبق في ... عصرك إلا محكم البخل
وما لنا بلغة أقواتنا ... ما فيه للإسراف من فضل
فضمّ كفّيك على ملكها ... وأطرش السمع عن العذل
فتعجبت من إنشاده هذا الشعر بعقب ما خوطب به.
قال أحمد بن فارس اللغوي: كان أبو العباس ثعلب لا يتكلّف الإعراب في كلامه، كان يدخل المجلس فنقوم له فيقول: أقعدوا أقعدوا، بفتح الألف.
قال ابن كامل القاضي: أنشدني أبو بكر ابن العلاف لنفسه لما مات المبرد «١» :
ذهب المبرد وانقضت أيّامه ... وليلحقنّ مع المبرّد ثعلب
بيت من الآداب أصبح نصفه ... خربا وباقي ربعه فسيخرب
فابكوا لما سلب الزمان ووطّنوا ... للدهر أنفسكم على ما يسلب
ذهب المبرد حيث لا ترجونه ... أبدا ومن ترجونه فمغيّب
стр. 542
فتزوّدوا من ثعلب فبكأس ما ... شرب المبرد عن قليل يشرب
واستحلبوا ألفاظه فكأنكم ... بسريره وعليه جمع مجلب
وأرى لكم أن تكتبوا أنفاسه ... إن كانت الأنفاس مما يكتب
فليلحقنّ بمن مضى متخلّف ... من بعده وليذهبنّ ونذهب
وقال أبو الطيب عبد الواحد اللغوي في كتابه المسمى «مراتب النحويين» «١» قال: كان ثعلب يعتمد على ابن الأعرابي في اللغة، وعلى سلمة بن عاصم في النحو، ويروي عن ابن نجدة كتب أبي زيد، وعن الأثرم كتب أبي عبيدة، وعن أبي نصر كتب الأصمعي، وعن عمرو بن أبي عمرو كتب أبيه، وكان ثقة متقنا يستغني بشهرته عن نعته.
وقال: وكان ثعلب حجّة دينا ورعا مشهورا بالحفظ والصدق وإكثار الرواية وحسن الدراية، كان ابن الأعرابي إذا شكّ في شيء يقول له: ما عندك يا أبا العباس في هذا؟ ثقة بغزارة حفظه. ولد سنة مائتين وطلب اللغة والعربية في سنة ست عشرة ومائتين. قال: وابتدأت بالنظر في «حدود الفراء» وسني ثماني عشرة سنة، وبلغت خمسا وعشرين سنة وما بقي عليّ مسألة للفراء إلا وأنا أحفظها وأحفظ موضعها من الكتاب، ولم يبق شيء من كتب الفراء في هذا الوقت إلا وقد حفظته.
وحدث المرزباني قال عبد الله بن حسين بن سعد القطربلي في «تاريخه» «٢» :
كان أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب من الحفظ والعلم وصدق اللهجة، والمعرفة بالغريب، ورواية الشعر القديم، ومعرفة النحو على مذهب الكوفيين، على ما ليس عليه أحد، وكان يدرس كتب الفراء والكسائي درسا، [ولم يكن يعلم] «٣» مذهب البصريين، ولا مستخرجا للقياس ولا مطالبا له، وكان يقول: قال الفراء والكسائي، فإذا سئل عن الحجة والحقيقة في ذلك لم يغرق في النظر. وكان أبو علي أحمد بن جعفر النحوي ختنه زوج ابنته يخرج من منزله، وهو جالس على باب داره، فيتخطى أصحابه ويمضي ومعه دفتره ومحبرته فيقرأ على أبي العباس المبرد كتاب سيبويه،
стр. 543
فيعاتبه أحمد بن يحيى على ذلك ويقول له: إذا رآك الناس تمضي إلى هذا الرجل تقرأ عليه يقولون ماذا؟ فلم يكن يلتفت إلى قوله.
قال «١» : وكان ختنه هذا أبو علي يعرف بالدينوري، وكان حسن المعرفة، فسمعت إسحاق المصعبي يقول له: كيف صار محمد بن يزيد أعلم بكتاب سيبويه من أحمد بن يحيى؟ قال: لأن محمد بن يزيد قرأه على العلماء، وأحمد بن يحيى قرأه على نفسه. قال «٢» : ولم يزل ثعلب مقدما عند العلماء منذ أيام حداثته، وكان ضيّق النفقة مقتّرا على نفسه، حدثني أخي- وكان صاحبه ووصيه- قال: دخلت إليه يوما وقد احتجم، وبين يديه طبق فيه ثلاثة أرغفة وخمس بيضات وبقل وخلّ، وهو يأكل، فقلت له: يا أبا العباس قد احتجمت، ولو أخذ لك رطل لحم وثمن التوابل ومثله للعيال ما له معنى.
قال «٣» : وسمعت أحمد بن إسحاق المعروف بابن «٤» المدوّر يقول: كنت أرى أبا عبد الله ابن الأعرابي يشكّ في الشيء فيقول لثعلب: ما عندك يا أبا العباس في هذا؟ ثقة بغزارة حفظه. ولم يكن مع ذلك موصوفا بالبلاغة، ولا رأيته إذا كتب كتابا إلى بعض إخوانه من أصحاب السلطان خرج عن طبع العامة، فإذا أخذته في الشعر والغريب ومذهب الفرّاء والكسائي رأيت من لا يفي به أحد ولا يتهيأ له الطعن عليه.
وكان هو ومحمد بن يزيد علمين ختم بهما تاريخ الأدب «٥» ، أو كانا كما قال بعض المحدثين:
أيا طالب العلم لا تجهلنّ ... وعذ بالمبرد أو ثعلب
تجد عند هذين علم الورى ... فلا تك كالجمل الأجرب
علوم الخلائق مقرونة ... بهذين في الشرق والمغرب
стр. 544
قال المرزباني: أخبرني الصولي أنّ عبد الله بن الحسين بن سعد القطربلي أنشده هذه الأبيات لنفسه.
وحدث محمد بن أحمد الكاتب قال «١» حدثنا أحمد بن يحيى النحوي قال:
سألني ابن الأعرابي كم لك من الولد؟ فقلت: ابنة وأنشدته:
لولا أميمة لم أجزع من العدم ... ولم أجب في الليالي حندس الظّلم
تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا ... والموت أكرم نزّال على الحرم
فأنشدني ابن الأعرابي في المعنى:
أميمة تهوى عمر شيخ يسرّه ... لها الموت قبل الليل لو أنها تدري
يخاف عليها جفوة الناس بعده ... ولا ختن يرجى أودّ من القبر
وحدث عن أبي عبد الله الحكيمي عن يموت بن المزرّع قال: وأراد أبو العباس ثعلب أن يرحل إلى أبي حاتم السجستاني إلى البصرة، فبلغه أن أبا حاتم انتشر ذكره يوما لما رأى جماعة من المرد يكتبون في مجلسه، فرآه غلام منهم فقال له: أصلحك الله أي لام هذه؟ قال: لام كي يا بنيّ، فلم يخرج أبو العباس إليه.
وحدث الصولي قال «٢» : كنا عند أبي العباس أحمد بن يحيى فقال له رجل:
المسجد هذا المعروف، فما المصدر؟ قال: مصدره السجود، قال: فعرّفني ما لا يجوز من ذا، فقال: لا يقال مسجد وضحك وقال: هذا يطول إن وصفنا ما لا يجوز، وإنما يوصف الجائز ليدلّ على أن غيره لا يجوز. ومثل ذلك أن ماسويه وصف لإنسان دواء ثم قال له: كل الفرّوج وشيئا من الفاكهة، فقال: أريد أن تخبرني بالذي لا آكل، فقال: لا تأكلني ولا حماري ولا غلامي، واجمع كثيرا من القراطيس وبكّر إليّ، فإن هذا يكثران وصفته لك.
وحدث عن الصولي قال، قال أبو العباس ثعلب: لم أسمع من جماعة، كلّهم قد رأيته وتمكنت منه، ولو أردت ذلك ما فاتني عنهم جميع ما أطلب، منهم أبو عبيد
стр. 545
القاسم ابن سلام وإسحاق الموصلي وأبو توبة والنضر بن حديد، وإني لأذكر موت الفراء ذكرا جيدا وأنا في الكتّاب.
وحدث قال، وقال أبو العباس يوما آخر: الهرم علّة قائمة بنفسها، فإذا كان معه علة فذاك أمر عظيم، وأنشد:
أرى بصري في كلّ يوم وليلة ... يكلّ وخطوي عن مداهنّ يقصر
ومن يصحب الأيام تسعين حجة ... يغيرنه والدهر لا يتغير
لعمري لئن أصبحت أمشي مقيّدا ... لما كنت أمشي مطلقا قبل أكثر
وحدث أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي «١» قال، قال ثعلب: اقعدني «٢» محمد بن عبد الله بن طاهر مع ابنه طاهر، وأفرد لي دارا في داره، وأقام لنا وظيفة، فكنت أقعد معه إلى أربع ساعات من النهار، ثم أنصرف إذا أراد الغداء، فنمي ذلك إلى أبيه، فكسا البهو والأروقة «٣» ، وأضعف ما كان يعدّ من الألوان، فلما حضر وقت الانصراف انصرفت، فنمي ذلك إليه فقال للخادم الموكّل بنا: قد نمي إليّ انصراف أحمد بن يحيى وقت الطعام، فظننت أنه استقلّ ما يحضر ولم يستطب الموضع فأمرنا بتضعيفه، ثم نمي إليّ أنه انصرف، فقل له عن نفسك: أبيتك أبرد من بيتنا أو طعامك أطيب من طعامنا؟ وتقول له عني: انصرافك إلى بيتك وقت الغداء هجنة علينا، فلما عرّفني الخادم ذلك أقمت، فكنت على هذه الحال ثلاث عشرة سنة، وكان يقيم لي مع ذلك في اليوم سبع وظائف من الخبز الخشكار، ووظيفة من الخبز السميد، وسبعة أرطال من اللحم، وعلوفة رأس، وأجرى لي في الشهر ألف درهم.
ولقد جاءت سنة الفتنة وعظم الأمر في الدقيق واللحم فكتب إليه كاتبه على المطبخ يعرّفه ما هو فيه من عظم المؤونة، ويسأله إحضار الجريدة فيقتصر على ما لا بدّ منه «٤» ، فأنفذها فكانت مشتملة على ثلاثة آلاف وستمائة إنسان، فرأيت محمدا قد زاد
стр. 546
فيها بخطه قوما آخرين ووقّع عليها: لست أقطع عن أحد ما عوّدته ولا سيما من قال لي أطعمني الخبز، فأجر الأمر على ما في الجريدة واصبر على هذه المؤونة، فإما عشنا جميعا وإما متنا جميعا.
قال الزبيدي «١» : وخلف كتبا جليلة، فأوصى إلى علي بن محمد الكوفي أحد أعيان تلاميذه وتقدّم إليه في دفع كتبه إلى أبي بكر أحمد بن إسحاق القطربلي، فقال الزجاج للقاسم بن عبيد الله: هذه كتب جليلة فلا تفوتنّك، فأحضر خيران الورّاق فقوّم ما كان يساوي عشرة دنانير: ثلاثة، فبلغت أقلّ من ثلاثمائة دينار، فأخذها القاسم بها.
وقال أبو الطيب عبد الواحد بن علي اللغوي في «كتاب مراتب النحويين» «٢» :
وانتهى علم الكوفيين إلى ابن السكّيت وثعلب، وكانا ثقتين أمينين، ويعقوب أسنّ وأقدم موتا وأحسن الرجلين تأليفا، وكان ثعلب أعلمهما بالنحو، وكان يعقوب يضعّف فيه. قال ثعلب: كنت يوما عند ابن السكيت فسألني عن شيء فصحت عليه، وكان ثعلب شديد الحدّة، قال فقال لي: لا تصح فوالله ما سألتك الا مستفهما.
وحدث أبو أحمد العسكري في «كتاب التصحيف» قال «٣» ، وأخبرنا أبو بكر ابن الأنباري قال، حدثني أبي قال: قرأ القطربلي على أبي العباس ثعلب بيت الأعشى:
فلو كنت في حب ثمانين قامة ... ورقّيت أسباب السماء بسلّم
فقال أبو العباس: خرب بيتك، هل رأيت حبا قط ثمانين قامة؟! إنما هو جب.
وحدث الخطيب «٤» قال، قال ثعلب: كنت أحبّ أن أرى أحمد بن حنبل فلما دخلت عليه قال لي: فيم تنظر؟ قلت: في النحو والعربية، فأنشدني أبو عبد الله وهو لبعض بني أسد:
стр. 547
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل عليّ رقيب
ولا تحسبنّ الله يغفل ما يرى ... ولا أن ما يخفي عليه يغيب
لهونا عن الآثام حين تتابعت ... ذنوب على آثارهنّ ذنوب
فيا ليت أنّ الله يغفر ما مضى ... ويأذن في توباتنا فنتوب
وحدث الخطيب «١» قال، قال أبو محمد الزهري: كان لثعلب عزاء ببعض أهله، فتأخّرت عنه لأنه خفي عليّ، ثم قصدته معتذرا فقال لي: يا أبا محمد ما بك حاجة إلى أن تتكلف عذرا فإن الصديق لا يحاسب، والعدوّ لا يحتسب له.
وجدت بخط أبي الحسن علي «٢» بن عبيد الله السمسمي اللغوي، حدثنا أبو محمد ابن الحسن النوبختي قال، حدثنا أبو الفتح محمد بن جعفر المراغي النحوي قال، حدثنا أبو بكر ابن الخياط النحوي قال: كنت عند أبي العباس ثعلب في بعض الأيام، فسأله رجل وقد ساء سمعه فقال له: يا أبا العباس- أعزّك الله- ما الصوص؟
فقال له: الصوح أصل الجبل، فأعاد الرجل سؤاله لعلمه بأن الشيخ ما فهم، فقال ثعلب: السوح جمع ساحة، فأعاد سؤاله ثالثة فعلم ثعلب أنه ما فهم عن الرجل، قال فقال له: ادن مني فألقم أذني فاك وقل، ففعل ذلك، فلما فهم ثعلب سؤاله قال:
نعم العرب تقول: رأيت صوصا على أصوص أي رجلا نذلا على ناقة كريمة.
حدث الزجاجي أبو القاسم عن علي بن سليمان الاخفش قال، أخبرنا أحمد بن يحيى ثعلب قال: قدم الرياشي بغداد سنة ثلاثين ومائتين فصرت إليه لآخذ عنه، فقال لي: أسألك عن مسألة، فقلت: نعم، فقال: تجيز نعم الرجل يقوم؟ فقلت: نعم هي جائزة عند الجميع، أما الكسائي فيضمر، والتقدير عنده نعم الرجل رجل يقوم لأنّ نعم عنده فعل، والفراء لا يضمر لأنّ نعم عنده اسم فيرفع الرجل بنعم ويقوم صلة للرجل، وأما صاحبك يعني سيبويه فإنه لا يضمر شيئا ونعم عنده أيضا فعل، ولكن يجعل يقوم مترجما، وهو الذي يسمونه البدل، فسكت فقلت له: فأسألك عن مسألة، فقال: نعم، فقلت: [أتجيز] يقوم نعم الرجل فقال: جائز، فقلت: هذه
стр. 548
خطأ عند الجميع، أما على مذهب الكسائي فإنه لا يولي الفعل فعلا، فأما على مذهب الفراء فإن يقوم عنده صلة للرجل والصلة لا تقدم على الموصول، وأما على مذهب سيبويه صاحبك فإنه لا يجوز لأنه ترجمة والترجمة إيضاح وتبيين للجملة التي تتقدمها ولا يجوز تقديمها عليها. فقال: أنا تارك للعربية فخذ فيما قصدت له، ففاتحته أيام الناس والأخبار والاشعار ففتحت به بسيح بحر.
وحدث قال، أخبرنا علي بن سليمان الأخفش قال: كنت يوما بحضرة ثعلب فأسرعت القيام قبل انقضاء المجلس، فقال: إلى أين؟ ما أراك تصبر عن مجلس الخلدي- يعني المبرد- فقلت له: لي حاجة، فقال لي إني أراه يقدم البحتريّ على أبي تمام، فإذا أتيته فقل له: ما معنى قول أبي تمام:
اآلفة النجيب كم افتراق ... أظلّ فكان داعية اجتماع
قال أبو الحسن: فلما صرت إلى أبي العباس المبرد سألته عنه فقال: معنى هذا أن المتحابّين العاشقين قد يتصارمان ويتهاجران إدلالا لا عزما على القطيعة، فإذا حان الرحيل وأحسّا بالفراق تراجعا إلى الودّ وتلاقيا خوف الفراق وأن يطول العهد بالالتقاء بعده، فيكون الفراق حينئذ سببا للاجتماع كما قال الآخر:
متّعا بالفراق يوم الفراق ... مستجيرين بالبكا والعناق
كم أسرّا هواهما حذر النا ... س وكم كاتما غليل اشتياق
فأظلّ الفراق فالتقيا فيه ... فراقا أتاهما باتفاق
كيف أدعو على الفراق بحتف ... وغداة الفراق كان التلاقي
قال: فلما عدت إلى ثعلب سألني عنه فأعدت عليه الجواب والأبيات فقال: ما أشد تمويهه، ما صنع شيئا، إنما معنى البيت أن الانسان قد يفارق محبوبه رجاء أن يغنم في سفره فيعود إلى محبوبه مستغنيا عن التصرف فيطول اجتماعه معه، ألا تراه يقول في البيت الثاني:
وليست فرحة الأوبات إلّا ... لموقوف على ترح الوداع
وهذا نظير قول الآخر، بل منه أخذ أبو تمام:
وأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا
стр. 549
هذا هو ذاك بعينه.
وحكى أن ثعلبا خرج يوما على أصحابه وليس فيهم إلا كهل أو شيخ فأنشد متمثلا:
ألا ربما سؤت الغيور وبرّحت ... بي الأعين النّجل المراض الصحائح
فقد ساءني أن الغيور يودّني ... وأن نداماي الكهول الجحاجح
قلت أنا: هذا والله مليح جدا.
وحدث جحظة في «أماليه» قال: كنت يوما في مجلس ثعلب، فقال له رجل:
يا سيدي ما البعجدة؟ قال: لا أعرفها في كلام العرب، فقال الرجل: فإني وجدتها في شعر عبد الصمد بن المعذل حيث يقول:
أعاذلتي أقصري ... أبع جدتي بالمنن
فاغتاظ أبو العباس غيظا عظيما وقال: يا قوم أجيدوا أذنيه عركا أو يحلف أنه لا يرجع يحضر حلقتي ففعلنا.
حدث أبو عمر الزاهد قال «١» : كنت في مجلس أبي العباس ثعلب فسأله سائل عن شيء فقال: لا أدري، فقال له: أتقول لا أدري وإليك تضرب أكباد الأبل، وإليك الرحلة من كل بلد؟ فقال له ثعلب: لو كان لأهلي بعدد ما لا أدري بعر لا ستغنيت.
قال أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد الزهري «٢» : كان بيني وبين أبي العباس ثعلب مودة وكيدة، وكنت أستشيره في أموري، فجئته يوما أشاوره في الانتقال من محلّة إلى محلة لتأذيّ بالجيران، فقال: يا أبا محمد، العرب تقول: صبرك على أذى من تعرف خير من استحداث ما لا تعرف.
قال أبو عمر الزاهد: أنشدني أبو العباس ثعلب:
إذا ما شئت أن تبلو صديقا ... فجرب ودّه عند الدراهم
فعند طلابها تبدو هنات ... وتعرف ثمّ أخلاق المكارم
стр. 550
وحدث الخطيب قال «١» : كان بين المبرد وثعلب منافرات كثيرة، والناس مختلفون في تفضيل كلّ واحد منهما على صاحبه، قال: وجاء رجل إلى ثعلب فقال له يا أبا العباس قد هجاك المبرد، فقال: بماذا؟ فأنشده:
أقسم بالمبتسم العذب ... ومشتكى الصبّ إلى الصبّ
لو أخذ النحو عن الربّ ... ما زاده الا عمى القلب
فقال أنشدني من أنشده أبو عمرو بن العلاء:
شاتمني عبد بني مسمع ... فصنت عنه النفس والعرضا
ولم أجبه لاحتقاري له ... من ذا يعضّ الكلب إن عضّا
وحدث أيضا قال «٢» قال أبو العباس محمد بن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، قال لي أبي: حضرت مجلس أخي محمد بن عبد الله بن طاهر وحضره أبو العباس ثعلب والمبرد، فقال لي أخي محمد: قد حضر هذان الشيخان فليتناظرا، [وأنا أحب أن أعرف أيهما أعلم] قال: فتناظرا في شيء من علم النحو مما أعرفه، فكنت أشركهما فيه إلى أن دقّقا فلم أفهم، ثم عدت إليه [بعد انقضاء] «٣» المجلس، فسألني فقلت: إنهما تكلّما فيما أعرف فشركتهما ثم دقّقا فلم أعرف ما قالا، ولا والله يا سيدي ما يعرف أعلمهما إلا من هو أعلم منهما، ولست ذلك الرجل. فقال لي: يا أخي أحسنت والله، هذا أحسن- يعني اعترافه بذلك.
وقال لي أبو عمر الزاهد «٤» : سألت أبا بكر ابن السراج فقلت: أيّ الرجلين أعلم ثعلب أم المبرد؟ فقال: ما أقول في رجلين العالم بينهما.
وحدّث أبو عمر أيضا قال «٥» : كنت في مجلس أبي العباس ثعلب فضجر، فقال له شيخ خضيب من الظاهرية «٦» : لو علمت ما لك من الأجر في إفادة الناس لصبرت
стр. 551
على أذاهم، فقال: لولا ذاك ما تعذبت، ثم أنشد بعقب هذا:
يعابثن بالقضبان كلّ مفلّج ... به الظّلم لم تفلل لهن غروب
رضابا كطعم الشّهد يجلو متونه ... من الضّرو أو غصن الأراك قضيب
أولائك لولا هنّ ما سقت نضوة ... لحاج ولا استقبلت برد جنوب
وحدث أبو بكر ابن مجاهد قال «١» كنت عند أبي العباس ثعلب فقال لي: يا أبا بكر اشتغل أصحاب القرآن بالقرآن ففازوا، واشتغل أهل الفقه بالفقه ففازوا، واشتغل أصحاب الحديث بالحديث ففازوا، واشتغلت أنا بزيد وعمرو فليت شعري ما يكون حالي في الآخرة؟ فانصرفت من عنده فرأيت تلك الليلة النبيّ ﷺ في المنام فقال لي:
أقرىء أبا العباس عني السلام وقل له: إنك صاحب العلم المستطيل؛ قال الروذباري «٢» : أراد أن الكلام به يكمل والخطاب به يجمل، وقال مرة أخرى: أراد أن جميع العلوم مفتقرة إليه.
وأنشد الخطيب «٣» قال أنشد أبو العباس ثعلب:
بلغت من عمري ثمانينا ... وكنت لا آمل خمسينا
والحمد لله وشكرا له ... إذ زاد في عمري ثلاثينا
وأسأل الله بلوغا إلى ... مرضاته آمين آمينا
ونقلت من كتاب محمد بن عبد الملك التاريخي في «أخبار النحويين» قال «٤» :
أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن ثعلب الشيباني النحوي فاروق النحويين، والمعاير على اللغويين من الكوفيين والبصريين، أصدقهم لسانا، وأعظمهم شانا، وأبعدهم ذكرا، وأرفعهم قدرا، وأصحّهم علما، وأوسعهم حلما، وأتقنهم حفظا وأوفرهم حظا من الدين والدنيا. حدثني المفضل بن سلمة بن عاصم قال: رأس أبو
стр. 552
العباس أحمد بن يحيى ثعلب النحوي واختلف الناس إليه في سنة خمس وعشرين ومائتين. قال: وسمعت إبراهيم الحربي يقول، وقد تكلم الناس في الاسم والمسمّى:
وقد كرهت لكم ولنفسي ما كره أحمد بن يحيى ورضيت لكم ولنفسي ما رضي أحمد بن يحيى. قال: وكان أبو الصقر إسماعيل بن بلبل الشيباني قد ذكر أبا العباس ثعلبا للناصر لدين الله الموفّق بالله، وأخرج له رزقا سنيا سلطان يا، فحسن موقع ذلك من أهل العلم والأدب، وقال قائلهم لأبي الصقر وأبي العباس في أبيات ذكرها:
فيا جبلي شيبان لا زلتما لها ... حليفي فخار في الورى وتفضّل
فهذا ليوم الجود والسيف والقنا ... وأنت لبسط العلم غير مبخّل
عليك أبا العباس كلّ معوّل ... لأنك بعد الله خير معوّل
فككت حدود النحو بعد انغلاقه ... وأوضحته شرحا وتبيان مشكل
فكم ساكن في ظلّ نعمتك التي ... على الدهر أبقى من ثبير ويذبل
فأصبحت للاخوان بالعلم ناعشا ... وأخصبت منه منزلا بعد منزل
وذكر التاريخي وفاة ثعلب كما تقدم؛ قال وقال بعض أصحابنا يرثيه:
مات ابن يحيى فماتت دولة الأدب ... ومات أحمد أنحى العجم والعرب
فإن تولّى أبو العباس مفتقدا ... فلم يمت ذكره في الناس والكتب
وللتاريخي في ثعلب شعر رثاه به، نذكره في بابه إن شاء الله تعالى «٢» .
قال التاريخي: وحدثني أبو الحصين البجلي قال: يقول أهل الكوفة لنا ثلاثة فقهاء في نسق لم ير الناس مثلهم: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن، ولنا ثلاثة نحويين كذلك وهم أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي وأبو زكريا يحيى بن زياد الفراء وأبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب.
آخر ما نقلناه من كتاب التاريخي.
وذكره محمد بن إسحاق النديم في «كتاب الفهرست» «١» وقال: له من الكتب: كتاب المصون في النحو جعله حدودا. كتاب اختلاف النحويين. كتاب
стр. 553
معاني القرآن. كتاب مختصر في النحو سماه الموفّقي. كتاب القراءات. كتاب معاني الشعر. كتاب التصغير. كتاب ما ينصرف وما لا ينصرف. كتاب ما يجرى وما لا يجرى. كتاب الشواذّ. كتاب الوقف والابتداء. كتاب الهجاء. كتاب استخراج الألفاظ من الأخبار. كتاب الأوسط. كتاب غريب القرآن لطيف. كتاب المسائل.
كتاب حدّ النحو. كتاب تفسير كلام ابنة الخس. كتاب الفصيح «١» .
وذكر أن «الفصيح» تصنيف ابن داود الرقي وادعاه ثعلب، وهذا له ترجمة.
قال: ولأبي العباس مجالسات وأمال أملاها على أصحابه في مجالسه تحتوي على قطعة من النحو واللغة والأخبار ومعاني القرآن والشعر رواها عنه جماعة. وعمل أبو العباس قطعة من دواوين العرب وفسّر غريبها كالأعشى والنابغتين وغيرهم.
وسئل ثعلب عن معنى قولهم «لا أكلمك أصلا» فقال: معناه أقطع ذلك من أصله، وأنشد:
بأهلي من لا يقطع البخل رغبتي ... إليه ومن يزداد عن رغبتي بخلا
ومن قد لحاني الناس فيه فأكثروا ... عليّ فكلّ الناس مضطغن ذحلا
وأمنحه صفو الهوى ولو انه ... على البحر يسقي ما سقيت به سجلا
وما زلت تعتادين ودّي بالمنى ... وبالبخل حتى قد ذهبت به أصلا
قرأت في «أمالي» أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري: أنشدنا أبو بكر لأحمد بن يحيى النحوي:
إذا كنت قوت النفس ثم هجرتها ... فكم تلبث النفس التي أنت قوتها
ستبقى بقاء الضبّ في الماء أو كما ... يعيش لدى ديمومة البيد حوتها
قال: وزادنا أبو الحسن ابن البراء:
أغرّك أني قد تصبرت جاهدا ... وفي النفس مني منك ما سيميتها
فلو كان ما بي بالصخور لهدّها ... وبالريح ما هبّت وطال خفوتها
فصبرا لعلّ الله يجمع بيننا ... فأشكو هموما منك كنت لقيتها
стр. 554
كذا كان في الكتاب، ولا أدري أهذا الشعر لثعلب أم أنشده لغيره، إلا أنه في هذا الكتاب لأحمد بن يحيى كما ترى.
[٢٠٧]
أحمد بن يحيى بن علي بن يحيى بن أبي منصور
المنجم أبو الحسن: قد ذكرنا آباءه في أبوابهم، وكان أبو الحسن هذا أديبا شاعرا فاضلا عالما، أحد رؤساء زمانه في علم الكلام وعلوم الدين والافتنان في الآداب، مات في سنة سبع وعشرين وثلاثمائة عن نيف وسبعين سنة «١» ، وله أخبار مع الراضي في منادمته إياه، ذكر ذلك كله المرزباني في «المعجم» .
قال ثابت: وفي ذي الحجة كانت وفاته، ومولده في سنة اثنتين وستين ومائتين «٢» وكان يحيى بن علي أبوه قد صنف كتابا في «أخبار الشعراء المخضرمين» فأتمّه ابنه هذا.
وله من الكتب: كتاب أخبار أهله ونسبهم. كتاب الإجماع في الفقه على مذهب ابن جرير الطبري، وكان يرى رأيه.. كتاب المدخل إلى مذهب الطبري ونصرة مذهبه. كتاب الأوقات.
وأبو الحسن هذا هو القائل فيما رواه المرزباني:
يا سيّدا قد راح فر ... دا ما له في الفضل توأم
عمّرت أطول مدة ... تزداد تمكينا وتسلم
في صفو عيش لا تزال ... به العدى تقذى وترغم
ما زلت في كلّ الأمور ... موفّقا للخير ملهم
بك إن تذوكرت الأيادي ... يبتدا فيها ويختم
стр. 555
[٢٠٨]
أحمد بن يحيى بن الوزير بن سليمان بن مهاجر
: مولى قيسبة بن كلثوم السومي «١» ، يكنى أبا عبد الله. [روى عن] ابن كليب وعبد الله بن وهب، وكان فقيها من جلساء ابن وهب، وكان عالما بالشعر والأدب والأخبار وأيام الناس والأنساب، يقال كان مولده سنة إحدى وسبعين ومائتين، وتوفي في حبس ابن المدبر صاحب الخراج بمصر لخراج كان عليه، ودفن يوم الأحد لاثنتين وعشرين ليلة خلت من شوال سنة خمسين ومائتين، وكان من أهل مصر، ذكر ابن يونس في تاريخ مصر ذلك كله.
[٢٠٩]
أحمد بن يحيى بن سهل بن السريّ الطائي
أبو الحسن المنبجي الشاهد المقرىء النحوي الأطروش: ذكره ابن عساكر في «تاريخ دمشق» وكان وكيلا في الجامع مات سنة خمس عشرة وأربعمائة، روى عن أبي عبد الله ابن مروان «٢» وأبي العباس أحمد بن فارس الأديب المنبجي وأبي الحسن نظيف بن عبد الله المقرىء وغيرهم. وكان يحفظ من أخبار أبي عبد الله ابن خالويه النحوي، وكان ثقة. قال ابن عساكر: أنشدني ابن الأكفاني عن ابن الكتاني عن أحمد بن يحيى بن سهل المنبجي، أنشدني أبو العباس أحمد بن فارس الأديب، أنشدني ابن طباطبا لنفسه «٣» :
стр. 556
حسود مريض القلب يخفي أنينه ... ويضحي كئيب البال مني حزينه
يلوم على أن رحت للعلم طالبا ... أقلّب من كلّ الرواة فنونه
وأختار أبكار الكلام وعونه ... وأحفظ مما أستفيد عيونه
ويزعم أن العلم لا يجلب الغنى ... ويحسن بالجهل الذميم ظنونه
فيا لائمي دعني أغالي بقيمتي ... فقيمة كلّ الناس ما يحسنونه
[٢١٠]
أحمد بن يزيد بن محمد المهلبي أبو جعفر
: أديب شاعر راوية، له قصيدة مدح فيها الموفق وهنأه بفتح البصرة، منها:
قل للأمير هناك النصر والظفر ... وفيهما للاله الحمد والشكر
ما فوق فتحك فتح في الزمان كما ... ما فوق فخرك يوم الفخر مفتخر
[٢١١]
أحمد بن يعقوب بن يوسف أبو جعفر
النحوي المعروف ببرزويه الأصبهاني:
مات فيما ذكره الخطيب سنة أربع وخمسين وثلاثمائة في أيام المطيع فكان يعرف بغلام نفطويه، أخذ عن أبي خليفة الفضل بن الحباب ومحمد بن العباس اليزيدي وغيرهما.
[٢١٢]
أحمد بن يعقوب بن ناصح الأصبهاني
الأديب أبو بكر النحوي: ذكره الحاكم فقال: هو نزيل نيسابور، وسمع بأصبهان محمد بن يحيى بن منده الأصبهاني
стр. 557
وأقرانه. مات بنيسابور قبل الخمسين وبعد الأربعين والثلاثمائة، وكتب عنه الحاكم وأسند إليه في كتابه حديثين.
[٢١٣]
أحمد بن أبي يعقوب إسحاق بن جعفر بن وهب
بن واضح الاخباري العباسي:
ذكره أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب المصري الكندي المؤرخ في تاريخ له ابتدأه بسنة ثمانين ومائتين قال: إن أحمد بن إسحاق بن واضح مولى بني هاشم توفي في سنة أربع وثمانين ومائتين، وله تصانيف كثيرة منها: كتاب التاريخ كبير «١» . كتاب أسماء البلدان مجلد «٢» . وكتاب في أخبار الأمم السالفة صغير. كتاب مشاكلة الناس لزمانهم «٣» .
[٢١٤]
أحمد بن أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم يعرف بابن الداية
: كان أبوه ولد داية إبراهيم بن المهدي، وأظنّ أن المعروف بابن الداية هو يوسف الراوي أخبار أبي نواس، والله أعلم. وكان أبوه يوسف بن إبراهيم يكنى أبا الحسن، وكان من جلة الكتاب بمصر، ولا أدري كيف كان انتقاله إليها عن بغداد. وكان له مروءة تامة وعصبية مشهورة.
قال أبو القاسم العساكري الحافظ «٤» : يوسف بن إبراهيم أبو الحسن الكاتب،
стр. 558
وأظنه بغداديا كان في خدمة إبراهيم بن المهدي قدم دمشق سنة خمس وعشرين ومائتين، وحكى عن عيسى بن حكم «١» الدمشقي الطبيب النسطوري وشكلة أم إبراهيم بن المهدي وإسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت وأبي إسحاق إبراهيم بن المهدي وأحمد بن رشيد الكاتب مولى سلام الأبرش وجبرئيل بن بختيشوع الطبيب وأيوب بن الحكم البصري المعروف بالكسروي وأحمد بن هارون الشرابي. روى عنه ابنه أبو جعفر أحمد ورضوان بن أحمد بن جالينوس وكان من ذوي المروءات، وصنف كتابا فيه أخبار المتطببين.
قال الحافظ: وبلغني عن أبي جعفر أحمد بن يوسف قال: حبس أحمد بن طولون يوسف بن إبراهيم والدي في بعض داره، وكان اعتقال الرجل في داره يؤيس من خلاصه، فكاد ستره أن ينهتك لخوف شمله عليه، وكان له جماعة من أبناء الستر «٢» يتحمل مؤنها «٣» مقيمة لا تنقطع إلى غيره، فاجتمعوا وكانوا زهاء ثلاثين رجلا وركبوا إلى دار أحمد بن طولون، فوقفوا بباب له يعرف بباب الخيل، واستأذنوا عليه فأذن لهم، فدخلوا إليه وعنده محمد بن عبد الله بن عبد الحكم وجماعة من أعلام مستوري مصر، فابتدأوا كلامه بأن قالوا: قد اتفق لنا- أيد الله الأمير- من حضور هذه الجماعة- وأشاروا إلى ابن عبد الحكم والحاضرين مجلسه- ما رجونا أن يكون ذريعة إلى ما نأمله «٤» ، ونحن نرغب إلى الأمير في أن يسألها عنّا ليقف على أمرنا ومنازلنا، فسألهم عنهم فقالوا: قد عرضت العدالة على أكثرهم فامتنع منها، فأمرهم أحمد بن طولون بالجلوس، وسألهم تعريفه ما قصدوا له فقالوا: ليس لنا أن نسأل الأمير مخالفة ما يراه في يوسف بن إبراهيم لأنه أهدى إلى الصواب فيه، ونحن نسأله أن يقدمنا إلى ما اعتزم عليه فيه: إن آثر قتله أن يقتلنا، وإن آثر غير ذلك أن يبلغ مأربه «٥» ، فهو في سعة وحلّ منه، فقال لهم: ولم ذلك؟ فقالوا: لنا ثلاثون سنة ما أفكرنا في ابتياع شيء مما احتجنا إليه، ولا وقفنا بباب غيره، ونحن والله يا أمير نرتمض «٦» [من] البقاء بعده ومن السلامة من شيء إن مكروه وقع به، وعجّوا بالبكاء بين يديه، فقال أحمد بن
стр. 559
طولون: بارك الله عليكم فقد كافأتم إحسانه وجازيتم إنعامه، ثم قال: أحضروا يوسف بن إبراهيم فأحضر، فقال: خذوا بيد صاحبكم وانصرفوا، فخرجوا معه وانصرف إلى منزله.
قال أبو جعفر أحمد بن يوسف بن إبراهيم: وبعث أحمد بن طولون في الساعة التي توفي فيها والدي يوسف بن إبراهيم بخدم فهجموا الدار وطالبوا بكتبه مقدرين أن يجدوا فيها كتابا من أحد ممن ببغداد، فحملوا صندوقين، وقبضوا عليّ وعلى أخي وصاروا بنا إلى داره، وأدخلنا إليه وهو جالس وبين يديه رجل من أشراف الطالبيين، فأمر بفتح أحد الصندوقين، وأدخل خادم يده فوقع في يده دفتر جراياته على الاشراف وغيرهم، فأخذ الدفتر بيده وتصفحه، وكان جيد الاستخراج، فوجد اسم الطالبيّ في الجراية فقال له وأنا أسمع: كانت عليك جراية ليوسف بن إبراهيم؟ فقال له: نعم يا أيها الأمير دخلت هذه المدينة وأنا مملق فأجرى عليّ في كلّ سنة مائتي دينار ومائة اردب قمحا «١» أسوة ابن الأرقط والعقيقي وغيرهما، ثم امتلأت يداي بطول الامير فاستعفيته منها فقال لي: ناشدتك «٢» الله أن قطعت سببا لي برسول الله ﷺ ، وتدمّع الطالبي، فقال أحمد بن طولون: رحم الله يوسف بن إبراهيم، ثم قال: انصرفوا إلى منازلكم «٣» فلا بأس عليكم، فانصرفنا فلحقنا جنازة والدنا، وحضر ذلك العلويّ دفننا «٤» وقضى حقنا، وقد أحسن مكافأة والدنا في مخلّفيه.
وقال «٥» : أبو جعفر أحمد بن أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم، يعرف بابن الداية، من فضلاء أهل مصر ومعروفيهم، وممن له علوم كثيرة في الأدب والطب والنجامة والحساب وغير ذلك، وكان أبوه أبو يعقوب كاتب إبراهيم بن المهدي ورضيعه. ألّف كتابا في أخبار الطب. مات أحمد بن يوسف في سنة نيف وثلاثين وثلاثمائة وأظنها سنة أربعين وثلاثمائة وله من التصانيف: سيرة أحمد بن طولون «٦» .
стр. 560
كتاب سيرة ابنه أبي الجيش خمارويه. كتاب سيرة هارون ابن أبي الجيش وأخبار غلمان بني طولون. كتاب المكافأة «١» . كتاب حسن العقبى. كتاب أخبار الأطبّاء.
كتاب مختصر المنطق ألّفه للوزير علي بن عيسى. كتاب ترجمة كتاب الثمرة. كتاب أخبار المنجّمين. كتاب أخبار إبراهيم بن المهدي. كتاب الطبيخ.
وذكره ابن زولاق الحسن بن إبراهيم فقال «٢» : كان أبو جعفر ﵀ في غاية الافتنان، أحد وجوه الكتّاب الفصحاء والحسّاب والمنجمين، مجسطيّ أوقليدسيّ، حسن المجالسة حسن الشعر، قد خرج من شعره أجزاء. دخل يوما على أبي الحسن علي بن المظفر الكرخي عامل خراج مصر مسلّما عليه فقال له: كيف حالك يا أبا جعفر؟ فقال على البديهة:
يكفيك من سوء حالي إن سألت به ... أني على طبريّ في الكوانين
[٢١٥]
أحمد بن يوسف بن القاسم بن صبيح الكاتب القفطي
أبو جعفر: من أهل الكوفة، كان يتولى ديوان الرسائل للمأمون، وكان أخوه القاسم بن يوسف يدّعي أنه من بني عجل، ولم يدّع أحمد ذلك.
قال المرزباني: هو «٣» مولى لبني عجل، ومنازلهم بسواد الكوفة. وزر أحمد
стр. 561
للمأمون بعد أحمد بن أبي خالد. مات في قول الصولي في شهر رمضان سنة ثلاث عشرة ومائتين وقال غيره سنة أربع عشرة ومائتين، وكان أبوه يوسف يكنى أبا القاسم، وكان يكتب لعبد الله بن علي عمّ المنصور، وله شعر حسن وبلاغة. وكان أحمد وأخوه «١» القاسم شاعرين أديبين، وأولادهما جميعا أهل أدب يطلبون الشعر والبلاغة.
حكى عن المأمون وعبد الحميد بن يحيى الكاتب وحكى عنه ابنه محمد بن أحمد بن يوسف وعلي بن سليمان الأخفش وغيرهما.
قال الصولي: لما مات أحمد بن أبي خالد الأحول شاور المأمون الحسن بن سهل فيمن يكتب له ويقوم مقامه، فأشار عليه بأحمد بن يوسف وبأبي عباد ثابت بن يحيى الرازي، وقال: هما أعلم الناس بأخلاق أمير المؤمنين وخدمته وما يرضيه فقال له: اخترلي أحدهما، فقال الحسن: إن صبر أحمد على الخدمة وجفا لذّته قليلا فهو أحبّهما إليّ لأنه أعرق في الكتابة وأحسنهما بلاغة وأكثر علما، فاستكتبه المأمون، وكان يعرض الكتب ويوقّع، ويخلفه أبو عباد إذا غاب عن دار المأمون مترفعا عن الحال التي كان عليها أيام أحمد بن أبي خالد، وكان ديوان الرسائل وديوان الخاتم والتوقيع والأزمّة إلى عمرو بن مسعدة، وكان أمر المأمون يدور على هؤلاء الثلاثة «٢» .
حدث الصولي عن أبي الحارث النوفلي قال: كنت أبغض القاسم بن عبيد الله لمكروه نالني منه، فلما مات أخوه الحسن قلت على لسان ابن بسام «٣» :
قل لأبي القاسم المرجّى ... قابلك الدهر بالعجائب
مات لك ابن وكان زينا ... وعاش ذو الشّين والمعايب
حياة هذا كموت هذا ... فليس تخلو من المصائب
وإنما أخذه من قول أحمد بن يوسف الكاتب لبعض إخوانه من الكتّاب، وقد ماتت له ببغا، وكان له أخ يضعّف، فكتب إليه «٤» :
стр. 562
أنت تبقى ونحن طرّا فداكا ... أحسن الله ذو الجلال عزاكا
فلقد جلّ خطب دهر أتانا ... بمقادير أتلفت ببّغاكا
عجبا للمنون كيف أتاها ... وتخطّت عبد الحميد أخاكا
كان عبد الحميد أصلح للموت ... من الببغا وأولى بذاكا
شملتنا المصيبتان جميعا ... فقدنا هذه ورؤية ذاكا
حدث أبو القاسم عبد الله بن محمد بن ناقيا الكاتب في «كتاب ملح الممالحة» قال: لما خرج عبد الله بن طاهر من بغداد إلى خراسان قال لابنه محمد: إن عاشرت أحدا بمدينة السلام فعليك بأحمد بن يوسف الكاتب، فإن له مروءة، فما عرج محمد حين انصرف من توديع أبيه على شيء حتى هجم على أحمد بن يوسف في داره، فأطال عنده، ففطن له أحمد فقال: يا جارية غدينا، فأحضرت طبقا وأرغفة نقية وقدّمت ألوانا يسيرة وحلاوة وأعقب ذلك بأنواع من الأشربة في زجاج فاخر وآلة حسنة وقال: يتناول «١» الأمير من أيها شاء. ثم قال له: إن رأى الأمير أن يشرف عبده ويجيئه في غد أنعم بذلك، فنهض وهو متعجّب من وصف أبيه له، وأراد فضيحته فلم يترك قائدا جليلا ولا رجلا مذكورا من أصحابه إلا عرفهم أنه في دعوة أحمد بن يوسف، وأمرهم بالغدوّ معه، فلما أصبحوا قصدوا دار أحمد بن يوسف، وقد أخذ أهبته وأظهر مروءته، فرأى محمد بن النضائد والفرش والستور والغلمان والوصائف ما أدهشه، ونصب ثلاثمائة مائدة وقد حفت بثلاثمائة وصيفة، ونقل إلى كل مائدة ثلاثمائة لون في صحاف الذهب والفضة ومثارد الصين، فلما رفعت الموائد قال ابن طاهر: هل أكل من بالباب؟ فنظروا فإذا جميع من بالباب قد نصبت لهم الموائد فأكلوا، فقال: شتان بين يوميك يا أبا الحسن (كذا في هذه الرواية كناه بأبي الحسن) فقال: أيها الأمير ذاك قوتي وهذه مروءتي.
وحدث الصولي قال «٢» : كان من أول ما ارتفع به أحمد بن يوسف أن المخلوع لما قتل أمر طاهر الكتّاب أن يكتبوا إلى المأمون فأطالوا، فقال طاهر: أريد أخصر من
стр. 563
هذا، فوصف له أحمد بن يوسف فأحضره لذلك، فكتب: أما بعد فإنّ المخلوع وإن كان قسيم أمير المؤمنين في النّسب واللحمة فقد فرّق حكم الكتاب بينه وبينه في الولاية والحرمة، لمفارقته عصمة الدين، وخروجه عن إجماع المسلمين، قال الله لنوح ﵇ في ابنه: يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح
(هود: ٤٦) ولا صلة لأحد في معصية الله، ولا قطيعة ما كانت في ذات الله. وكتبت إلى أمير المؤمنين وقد قتل الله المخلوع، وأحصد لأمير المؤمنين أمره، وأنجز له وعده، فالأرض بأكنافها أوطأ مهاد لطاعته، وأتبع شيء «١» لمشيئته. وقد وجهت إلى أمير المؤمنين بالدنيا وهو رأس المخلوع، وبالآخرة وهي البردة والقضيب، والحمد لله الآخذ لأمير المؤمنين بحقه، والكائد له من خان عهده ونكث عقده حتى رد الألفة، وأقام به الشريعة، والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فرضي طاهر ذلك وأنفذه ووصل أحمد بن يوسف وقدمه.
وحدث محمد بن عبدوس «٢» أنه لما حمل رأس المخلوع إليه وهو بمرو أمر المأمون بإنشاء كتاب عن طاهر بن الحسين ليقرأ على الناس، فكتبت عدة كتب لم يرضها المأمون والفضل بن سهل، فكتب أحمد بن يوسف هذا الكتاب فلما عرضت النسخة على ذي الرئاستين رجع نظره فيها ثم قال لأحمد بن يوسف: ما أنصفناك، ودعا بقهرمانه وأخذ القلم والقرطاس وأقبل يكتب بما يفرّغ له من المنازل، ويعدّ له فيها من الفرش والآلات والكسوة والكراع وغير ذلك، ثم طرح الرقعة إلى أحمد بن يوسف وقال له: إذا كان في غد فاقعد في الديوان، وليقعد جميع الكتاب بين يديك، واكتب إلى الآفاق.
وحدث فيما رفعه إلى إبراهيم بن إسماعيل قال «٣» ، قال: كثر الطلاب للصلات بباب المأمون، فكتب إليه أحمد بن يوسف: داعي نداك يا أمير المؤمنين ومنادي جدواك جمعا الوفود ببابك يرجون نائلك المعهود، فمنهم من يمتّ بحرمة، ومنهم من يدلي
стр. 564
بخدمة، وقد أجحف بهم المقام، وطالت عليهم الأيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن ينعشهم بسيبه، ويحقق حسن ظنهم بطوله فعل إن شاء الله تعالى.
فوقع المأمون: الخير متبع، وأبواب الملوك مظانّ لطالبي الحاجات ومواطن لهم، ولذلك قال الشاعر:
يسقط الطير حيث يلتقط الحبّ وتغشى منازل الكرماء فاكتب أسماء من ببابنا منهم، واحك مراتبهم ليصل إلى كلّ رجل قدر استحقاقه، ولا تكدّر معروفنا عندهم بطول الحجاب وتأخير الثواب، فقد قال الشاعر:
فانك لن ترى طردا لحرّ ... كالصاق به طرف الهوان
حدث أحمد بن أبي طاهر قال «١» : كتب صديق لأحمد بن يوسف الكاتب في يوم دجن إليه: يومنا ظريف النواحي، رقيق الحواشي، قد رعدت سماؤه وبرقت وحنت وارجحنت، وانت قطب السرور، ونظام الأمور، فلا تفردنا منك فنقلّ، ولا تنفرد عنا فنذلّ، فإن المرء بأخيه كثير وبمساعدته جدير. قال: فصار أحمد بن يوسف إلى الرجل وحضرهم من أرادوا، ثم تغيمت السماء فقال أحمد بن يوسف:
أرى غيما تؤلفه «٢» جنوب ... وأحسب أن سيأتينا بهطل
فعين الرأي أن تدعو برطل ... فتشربه وتدعو لي برطل
وتسقيه ندامانا جميعا ... فيفترقون منه بغير عقل
فيوم الغيم يوم الغمّ إن لم ... تبادر بالمدامة كلّ شغل
ولا تكره محرّمها عليها ... فإني لا أراه لها بأهل
قال: فغنى فيه عثعث اللحن المشهور.
وأهدى أحمد بن يوسف هدية في يوم نوروز إلى المأمون وكتب معها «٣» :
стр. 565
على العبد حقّ فهو لا بد فاعله ... وان عظم المولى وجلّت فضائله
ألم ترنا نهدي إلى الله ما له ... وان كان عنه ذا غنى فهو قابله
ولو كان يهدى للكريم بقدره ... لقصّر فضل المال عنه وسائله
ولكننا نهدي إلى من نعزه ... وان لم يكن في وسعنا ما يعادله
وذكر الجهشياري قال «١» كان يكتب لعبد الله بن علي: يوسف بن صبيح مولى بني عجل من ساكني سواد الكوفة، فذكر القاسم بن يوسف بن صبيح أن أباه حدثه أن عبد الله بن علي لما استتر عند أخيه سليمان بالبصرة علم أنه لا وزر له من أبي جعفر.
قال: فلم أستتر، وقصدت أصحابنا الكتاب فصرت في ديوان أبي جعفر، وأجرى لي في كل يوم «٢» عشرة دراهم، قال: فبكرت يوما إلى الديوان قبل فتح بابه ولم يحضر أحد من الكتاب، وإني لجالس عليه إذ انا بخادم لأبي جعفر قد جاء إلى الباب فلم ير غيري فقال لي: أجب أمير المؤمنين، فأسقط في يدي وخشيت الموت، فقلت له: إن أمير المؤمنين لم يردني، فقال: وكيف؟ قلت: لأني لست ممن يكتب بين يديه، فهمّ بالانصراف عني، ثم بدا له فأخذني وأدخلني، حتى إذا كنت دون الستر وكّل بي ودخل، ولم يلبث أن خرج فقال لي: ادخل فدخلت، فلما صرت على باب الايوان قال لي الربيع: سلّم على أمير المؤمنين، فشممت رائحة الحياة فسلّمت، فأدناني وأمرني بالجلوس، ثم رمى إليّ بربع قرطاس وقال لي: اكتب وقارب بين الحروف، وفرّج بين السطور، واجمع خطك، ولا تسرف في القرطاس. وكانت معي دواة شامية فتوقفت عن إخراجها، فقال لي: يا يوسف وأنت تقول في نفسك أنا بالأمس في ديوان الكوفة أكتب لبني أمية ثم مع عبد الله بن علي وأخرج الساعة دواة شامية؟ إنك إنما كنت في الكوفة تحت يدي غيرك «٣» وكنت مع عبد الله بن علي لي ومعي، والدويّ الشامية أدب جميل ومن أدوات الكتاب، ونحن أحق بها، قال: فأخرجتها وكتبت وهو