← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

للمأمون بعد أحمد بن أبي خالد. مات في قول الصولي في شهر رمضان سنة ثلاث عشرة ومائتين وقال غيره سنة أربع عشرة ومائتين، وكان أبوه يوسف يكنى أبا القاسم، وكان يكتب لعبد الله بن علي عمّ المنصور، وله شعر حسن وبلاغة. وكان أحمد وأخوه «١» القاسم شاعرين أديبين، وأولادهما جميعا أهل أدب يطلبون الشعر والبلاغة. حكى عن المأمون وعبد الحميد بن يحيى الكاتب وحكى عنه ابنه محمد بن أحمد بن يوسف وعلي بن سليمان الأخفش وغيرهما. قال الصولي: لما مات أحمد بن أبي خالد الأحول شاور المأمون الحسن بن سهل فيمن يكتب له ويقوم مقامه، فأشار عليه بأحمد بن يوسف وبأبي عباد ثابت بن يحيى الرازي، وقال: هما أعلم الناس بأخلاق أمير المؤمنين وخدمته وما يرضيه فقال له: اخترلي أحدهما، فقال الحسن: إن صبر أحمد على الخدمة وجفا لذّته قليلا فهو أحبّهما إليّ لأنه أعرق في الكتابة وأحسنهما بلاغة وأكثر علما، فاستكتبه المأمون، وكان يعرض الكتب ويوقّع، ويخلفه أبو عباد إذا غاب عن دار المأمون مترفعا عن الحال التي كان عليها أيام أحمد بن أبي خالد، وكان ديوان الرسائل وديوان الخاتم والتوقيع والأزمّة إلى عمرو بن مسعدة، وكان أمر المأمون يدور على هؤلاء الثلاثة «٢» . حدث الصولي عن أبي الحارث النوفلي قال: كنت أبغض القاسم بن عبيد الله لمكروه نالني منه، فلما مات أخوه الحسن قلت على لسان ابن بسام «٣» : قل لأبي القاسم المرجّى ... قابلك الدهر بالعجائب مات لك ابن وكان زينا ... وعاش ذو الشّين والمعايب حياة هذا كموت هذا ... فليس تخلو من المصائب وإنما أخذه من قول أحمد بن يوسف الكاتب لبعض إخوانه من الكتّاب، وقد ماتت له ببغا، وكان له أخ يضعّف، فكتب إليه «٤» :

стр. 562

أنت تبقى ونحن طرّا فداكا ... أحسن الله ذو الجلال عزاكا فلقد جلّ خطب دهر أتانا ... بمقادير أتلفت ببّغاكا عجبا للمنون كيف أتاها ... وتخطّت عبد الحميد أخاكا كان عبد الحميد أصلح للموت ... من الببغا وأولى بذاكا شملتنا المصيبتان جميعا ... فقدنا هذه ورؤية ذاكا حدث أبو القاسم عبد الله بن محمد بن ناقيا الكاتب في «كتاب ملح الممالحة» قال: لما خرج عبد الله بن طاهر من بغداد إلى خراسان قال لابنه محمد: إن عاشرت أحدا بمدينة السلام فعليك بأحمد بن يوسف الكاتب، فإن له مروءة، فما عرج محمد حين انصرف من توديع أبيه على شيء حتى هجم على أحمد بن يوسف في داره، فأطال عنده، ففطن له أحمد فقال: يا جارية غدينا، فأحضرت طبقا وأرغفة نقية وقدّمت ألوانا يسيرة وحلاوة وأعقب ذلك بأنواع من الأشربة في زجاج فاخر وآلة حسنة وقال: يتناول «١» الأمير من أيها شاء. ثم قال له: إن رأى الأمير أن يشرف عبده ويجيئه في غد أنعم بذلك، فنهض وهو متعجّب من وصف أبيه له، وأراد فضيحته فلم يترك قائدا جليلا ولا رجلا مذكورا من أصحابه إلا عرفهم أنه في دعوة أحمد بن يوسف، وأمرهم بالغدوّ معه، فلما أصبحوا قصدوا دار أحمد بن يوسف، وقد أخذ أهبته وأظهر مروءته، فرأى محمد بن النضائد والفرش والستور والغلمان والوصائف ما أدهشه، ونصب ثلاثمائة مائدة وقد حفت بثلاثمائة وصيفة، ونقل إلى كل مائدة ثلاثمائة لون في صحاف الذهب والفضة ومثارد الصين، فلما رفعت الموائد قال ابن طاهر: هل أكل من بالباب؟ فنظروا فإذا جميع من بالباب قد نصبت لهم الموائد فأكلوا، فقال: شتان بين يوميك يا أبا الحسن (كذا في هذه الرواية كناه بأبي الحسن) فقال: أيها الأمير ذاك قوتي وهذه مروءتي. وحدث الصولي قال «٢» : كان من أول ما ارتفع به أحمد بن يوسف أن المخلوع لما قتل أمر طاهر الكتّاب أن يكتبوا إلى المأمون فأطالوا، فقال طاهر: أريد أخصر من

стр. 563

هذا، فوصف له أحمد بن يوسف فأحضره لذلك، فكتب: أما بعد فإنّ المخلوع وإن كان قسيم أمير المؤمنين في النّسب واللحمة فقد فرّق حكم الكتاب بينه وبينه في الولاية والحرمة، لمفارقته عصمة الدين، وخروجه عن إجماع المسلمين، قال الله لنوح ﵇ في ابنه: يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح (هود: ٤٦) ولا صلة لأحد في معصية الله، ولا قطيعة ما كانت في ذات الله. وكتبت إلى أمير المؤمنين وقد قتل الله المخلوع، وأحصد لأمير المؤمنين أمره، وأنجز له وعده، فالأرض بأكنافها أوطأ مهاد لطاعته، وأتبع شيء «١» لمشيئته. وقد وجهت إلى أمير المؤمنين بالدنيا وهو رأس المخلوع، وبالآخرة وهي البردة والقضيب، والحمد لله الآخذ لأمير المؤمنين بحقه، والكائد له من خان عهده ونكث عقده حتى رد الألفة، وأقام به الشريعة، والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فرضي طاهر ذلك وأنفذه ووصل أحمد بن يوسف وقدمه. وحدث محمد بن عبدوس «٢» أنه لما حمل رأس المخلوع إليه وهو بمرو أمر المأمون بإنشاء كتاب عن طاهر بن الحسين ليقرأ على الناس، فكتبت عدة كتب لم يرضها المأمون والفضل بن سهل، فكتب أحمد بن يوسف هذا الكتاب فلما عرضت النسخة على ذي الرئاستين رجع نظره فيها ثم قال لأحمد بن يوسف: ما أنصفناك، ودعا بقهرمانه وأخذ القلم والقرطاس وأقبل يكتب بما يفرّغ له من المنازل، ويعدّ له فيها من الفرش والآلات والكسوة والكراع وغير ذلك، ثم طرح الرقعة إلى أحمد بن يوسف وقال له: إذا كان في غد فاقعد في الديوان، وليقعد جميع الكتاب بين يديك، واكتب إلى الآفاق. وحدث فيما رفعه إلى إبراهيم بن إسماعيل قال «٣» ، قال: كثر الطلاب للصلات بباب المأمون، فكتب إليه أحمد بن يوسف: داعي نداك يا أمير المؤمنين ومنادي جدواك جمعا الوفود ببابك يرجون نائلك المعهود، فمنهم من يمتّ بحرمة، ومنهم من يدلي

стр. 564

بخدمة، وقد أجحف بهم المقام، وطالت عليهم الأيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن ينعشهم بسيبه، ويحقق حسن ظنهم بطوله فعل إن شاء الله تعالى. فوقع المأمون: الخير متبع، وأبواب الملوك مظانّ لطالبي الحاجات ومواطن لهم، ولذلك قال الشاعر: يسقط الطير حيث يلتقط الحبّ وتغشى منازل الكرماء فاكتب أسماء من ببابنا منهم، واحك مراتبهم ليصل إلى كلّ رجل قدر استحقاقه، ولا تكدّر معروفنا عندهم بطول الحجاب وتأخير الثواب، فقد قال الشاعر: فانك لن ترى طردا لحرّ ... كالصاق به طرف الهوان حدث أحمد بن أبي طاهر قال «١» : كتب صديق لأحمد بن يوسف الكاتب في يوم دجن إليه: يومنا ظريف النواحي، رقيق الحواشي، قد رعدت سماؤه وبرقت وحنت وارجحنت، وانت قطب السرور، ونظام الأمور، فلا تفردنا منك فنقلّ، ولا تنفرد عنا فنذلّ، فإن المرء بأخيه كثير وبمساعدته جدير. قال: فصار أحمد بن يوسف إلى الرجل وحضرهم من أرادوا، ثم تغيمت السماء فقال أحمد بن يوسف: أرى غيما تؤلفه «٢» جنوب ... وأحسب أن سيأتينا بهطل فعين الرأي أن تدعو برطل ... فتشربه وتدعو لي برطل وتسقيه ندامانا جميعا ... فيفترقون منه بغير عقل فيوم الغيم يوم الغمّ إن لم ... تبادر بالمدامة كلّ شغل ولا تكره محرّمها عليها ... فإني لا أراه لها بأهل قال: فغنى فيه عثعث اللحن المشهور. وأهدى أحمد بن يوسف هدية في يوم نوروز إلى المأمون وكتب معها «٣» :

стр. 565

على العبد حقّ فهو لا بد فاعله ... وان عظم المولى وجلّت فضائله ألم ترنا نهدي إلى الله ما له ... وان كان عنه ذا غنى فهو قابله ولو كان يهدى للكريم بقدره ... لقصّر فضل المال عنه وسائله ولكننا نهدي إلى من نعزه ... وان لم يكن في وسعنا ما يعادله وذكر الجهشياري قال «١» كان يكتب لعبد الله بن علي: يوسف بن صبيح مولى بني عجل من ساكني سواد الكوفة، فذكر القاسم بن يوسف بن صبيح أن أباه حدثه أن عبد الله بن علي لما استتر عند أخيه سليمان بالبصرة علم أنه لا وزر له من أبي جعفر. قال: فلم أستتر، وقصدت أصحابنا الكتاب فصرت في ديوان أبي جعفر، وأجرى لي في كل يوم «٢» عشرة دراهم، قال: فبكرت يوما إلى الديوان قبل فتح بابه ولم يحضر أحد من الكتاب، وإني لجالس عليه إذ انا بخادم لأبي جعفر قد جاء إلى الباب فلم ير غيري فقال لي: أجب أمير المؤمنين، فأسقط في يدي وخشيت الموت، فقلت له: إن أمير المؤمنين لم يردني، فقال: وكيف؟ قلت: لأني لست ممن يكتب بين يديه، فهمّ بالانصراف عني، ثم بدا له فأخذني وأدخلني، حتى إذا كنت دون الستر وكّل بي ودخل، ولم يلبث أن خرج فقال لي: ادخل فدخلت، فلما صرت على باب الايوان قال لي الربيع: سلّم على أمير المؤمنين، فشممت رائحة الحياة فسلّمت، فأدناني وأمرني بالجلوس، ثم رمى إليّ بربع قرطاس وقال لي: اكتب وقارب بين الحروف، وفرّج بين السطور، واجمع خطك، ولا تسرف في القرطاس. وكانت معي دواة شامية فتوقفت عن إخراجها، فقال لي: يا يوسف وأنت تقول في نفسك أنا بالأمس في ديوان الكوفة أكتب لبني أمية ثم مع عبد الله بن علي وأخرج الساعة دواة شامية؟ إنك إنما كنت في الكوفة تحت يدي غيرك «٣» وكنت مع عبد الله بن علي لي ومعي، والدويّ الشامية أدب جميل ومن أدوات الكتاب، ونحن أحق بها، قال: فأخرجتها وكتبت وهو

стр. 566

يملي، فلما فرغت من الكتاب أمر به فأترب وأصلح وقال: دعه وكل العنوان اليّ، ثم قال لي: كم رزقك يا يوسف في ديواننا؟ فقلت: عشرة دراهم، فقال: قد زادك أمير المؤمنين عشرة دراهم أخرى رعاية لحرمتك بعبد الله بن علي ومثوبة لك على طاعتك ونقاء ساحتك، وأشهد أنك لو اختفيت باختفائه لأخرجتك ولو كنت في جحرة النمل، ثم زايلت بين أعضائك. فدعوت له وخرجت مسرورا بالسلامة. كان للمأمون «١» جارية اسمها مؤنسة، وكانت تعتني بأحمد بن يوسف، وكان أحمد بن يوسف يقوم بحوائجها، فأدلّت على المأمون في بعض الأمور فأنكر عليها، وصار إلى الشماسية ولم يحملها معه، فاستحضرت نصرة خادم أحمد بن يوسف وحملته رسالة إلى مولاه بخبرها، وسألته التلطف لاصلاح نية المأمون، فلما عرّفه الخادم ذلك دعا بدواته وقصد الشماسية فاستأذن على المأمون، فلما وصل اليه قال: أنا رسول فأذن لي في تأدية الرسالة، فأنشده هذه الأبيات: قد كان عتبك مرّة مكتوما ... فاليوم أصبح ظاهرا معلوما نال الأعادي سؤلهم لا هنّئوا ... لما رأونا ظاعنا ومقيما هبني أسأت فعادة لك أن ترى ... متجاوزا متفضلا مظلوما قال: قد فهمت الرسالة، فكن الرسول بالرضى، ووجّه بياسر الخادم فحملها. وكان موسى بن عبد الملك في ناحية أحمد بن يوسف، وهو خرّجه وقدّمه، قال الحسن بن مخلد: حدثني موسى بن عبد الملك قال: وهب لي أحمد بن يوسف (وكان يرمى بأنه كان يعبث بموسى بن عبد الملك يتعشقه) ألف ألف درهم في مرات، وكان عاتبه فيه محمد بن الجهم البرمكيّ، فكتب إليه أحمد بن يوسف «٢» : لا تعذلّني يا أبا جعفر ... لوم الأخلّاء من اللوم إن استه مشربة حمرة ... كأنها وجنة مكلوم فتقدم محمد إلى البجلي، وكان في ناحيته، فأجابه:

стр. 567

لست بلاحيك على حبّه ... ولست في ذاك بمذموم لأنّ في أسفله سخنة ... كأنها سخنة محموم ذكر غرس النعمة في «كتاب الهفوات» «١» حدثني محمد بن علي بن طاهر بن الحسين قال: كان أحمد بن يوسف يسقط السقطة بعد السقطة فتتلف نفسه في بعض سقطاته، وذلك أنه حكى علي بن يحيى بن أبي منصور أن المأمون كان إذا تبخر طرح له العود والعنبر، فإذا تبخر أمر باخراج المجمرة ووضعها تحت الرجل من جلسائه اكراما له، وحضر أحمد بن يوسف يوما، وتبخّر المأمون على عادته ثم [أمر] بوضع المجمر تحت أحمد بن يوسف فقال: هاتوا ذا المردود، فقال المأمون: ألنا يقال هذا ونحن نصل رجلا واحدا من خدمنا بعشرة آلاف درهم (قال الصولي في كتاب الوزراء: بستة آلاف ألف دينار، وهو الصحيح) إنما قصدنا إكرامك وأن أكون أنا وأنت قد اقتسمنا بخورا واحدا، يحضر عنبر، فأحضر منه شيء في الغاية من الجودة في كلّ قطعة ثلاثة مثاقيل، وأمر أن تطرح قطعة في المجمر ويبخر بها أحمد ويدخل رأسه في زيقه حتى ينفد بخورها، وفعل به ذلك بقطعة ثانية وثالثة، وهو يستغيث ويصيح، وانصرف إلى منزله وقد احترق دماغه واعتل ومات سنة ثلاث عشرة ومائتين وقيل أربع عشرة ومائتين وكانت له جارية يقال لها نسيم لها من قلبه مكان خطير، فقالت ترثيه «٢» : ولو أن ميتا هابه الموت قبله ... لما جاءه المقدار وهو هيوب ولو أن حيّا قبله صابه الردى ... إذا لم يكن للأرض فيه نصيب وقالت أيضا ترثيه «٣» : نفسي فداؤك لو بالناس كلّهم ... ما بي عليك تمنّوا أنهم ماتوا وللورى موتة في الدهر واحدة ... ولي من الهمّ والأحزان موتات

стр. 568

ومن شعر أحمد بن يوسف، كتب به إلى صديق له «١» : تطاول باللقاء العهد منا ... وطول العهد يقدح في القلوب أراك وان نأيت بعين قلبي ... كأنّك نصب عيني من قريب فهل لك في الرواح إلى حبيب ... يقرّ بعينه قرب الحبيب قال أحمد بن يوسف، وقد شتمه رجل بين يدي المأمون، للمأمون: قد والله يا أمير المؤمنين رأيته يستملي من عينيك ما يلقاني به. وكتب إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وقد زاره إبراهيم بن المهدي: عندي من أنا عبده وحجتنا عليك إعلامنا اياك والسلام: عندي من تبهج العيون به ... فإن تخلّفت كنت مغبونا وأهدى إلى المأمون في يوم عيد هدية وكتب معها «٢» : هذا يوم جرت فيه العادة، باهداء العبيد إلى السادة، وقد أهديت قليلا من كثير عندي وقلت: أهدى إلى سيده العبد ... ما ناله الإمكان والوجد وإنما أهدى له ماله ... يبدأ هذا ولذا ردّ فقال المأمون: عاقل أهدى حسنا. ومن شعره اللطيف «٣» : إذا ما التقينا والعيون نواظر ... فألسننا حرب وأبصارنا سلم وتحت استراق اللحظ منا مودّة ... تطلّع سرا حيث لا يبلغ الوهم وهو القائل في محمد بن سعيد بن حماد الكاتب، وكان يميل إليه وكان صبيا مليحا «٤» : صدّ عني محمد بن سعيد ... أحسن العالمين ثاني جيد صدّ عني لغير جرم إليه ... ليس الا لحسنه في الصدود

стр. 569

قال: وكان محمد بن سعيد يكتب بين يديه، فنظر إلى عارضه قد اختط في خدّه، فأخذ رقعة وكتب فيها «١» : لحاك الله من شعر وزادا ... كما ألبست عارضه الحدادا أغرت على تورد وجنتيه ... فصيّرت احمرارهما سوادا ورمى بها إلى محمد بن سعيد، فكتب مجيبا، عظم الله أجرك فيّ يا سيدي وأحسن لك العوض مني. ومن شعر أحمد بن يوسف «٢» : كثير هموم النفس حتى كأنما ... عليه كلام العالمين حرام إذا قيل ما أضناك أسبل دمعه ... يبوح بما يخفي وليس كلام وعاش القاسم أخوه بعد، فقال يرثيه: رماك الدهر بالحدث الجليل ... فعزّ النفس بالصبر الجميل أترجو سلوة وأخوك ثاو ... ببطن الأرض تحت ثرى مهيل ومثل أخيك فلتبك البواكي ... لمعضلة من الخطب الجليل وزير الملك يرعى جانبيه ... بحسن تيقظ وصواب قيل وكتب إلى إبراهيم بن المهدي: قد أحلّك الله من الشّرف أعلى ذروته، وبلّغك من الفضل أبعد غايته، فما الآمال إلا إليك مصروفة، والأعناق نحوك معطوفة، وإليك تنتهي الهمم السامية، وعليك تقف الظنون الحسنة، وبك تثنى الخناصر، وبعدك تعدّ الأكابر، وببحرك تسافر الرغائب، وتستفتح أغلاق المطالب، لا يستعطي النجح من رجاك، ولا تعروه النوائب في ذراك «٣» .

стр. 570

[٢١٦] أخثاء : هو لقب ولا أعرف اسمه، ولم أجد له ذكرا إلا ما ذكره أبو بكر المبرمان في الباب من كتابه: «في نكت كتاب سيبويه» في الفرق بين الكلم والكلام فقال: وقال لي الملقب بأخثاء وكان أحد من رأينا من النحويين الذين صحت لهم القراءة على أبي عثمان المازني، وكان موصوفا في أول نظره بالبراعة مسلّما له استغراق الكتاب على أبي عثمان، ثم أدركته علة فقصر عن الحال الأولى أنا حاكيه، ورأيت أنا أبا العباس ثعلبا يروم ذلك وهو ان كل ما لفظ به ينقسم أقساما ثلاثة، قسم منه يكون للحدث ولأسماء المحدثين ولأسماء الأمكنة والأزمنة التي تقع فيها الأحداث ولا اسم للجنس فيه وذلك نحو الضرب والقتل والأخذ والكلام وما أشبه ذلك، فإذا سئلت عن شيء من هذا فقيل لك: ما هو؟ فجوابه أن تذكر الحدث المنقضي مع الزمان. وصنف منه يكون للأجناس ولا اسم للاحداث فيه ولا يكون حدثا وهو كقولك سفرجلة وسفرجل فإذا سئلت عن ذلك فجوابه ان تخبر عن صفة الشيء فتقول: هو الذي لونه كذا وجسمه كذا ومركّب من كذا. وصنف آخر يجمع الجنسين وذلك نحو تمرة وتمر فهذا من باب سفرجلة وسفرجل ثم تقول أتمر النخل يتمر اتمارا، فهذا إنما هو عبارة عن الحدث، فإذا سئلت ما التمر فجوابه ان تقول: هو الجسم الذي من صفته كذا ومن قدّه كذا وفي داخله كذا، وإذا سئلت ما الاتمار فجوابه ان يمرّ الزمان بحرّه وبرده وما فيه على البسر فيتغير من حال كذا إلى حال كذا، ثم يلين فيصير فيه الدبس. وانما تنبىء عن الاحداث التي تقع، وكذا كلمة وكلم في باب تمرة وتمر، فإذا قيل لك ما الكلم؟ فالجواب: هو الموضوع المتعارف بين الناس استعملوه، وهو الذي يسمونه اسم وفعل وحرف. فإن قيل: فما الكلام؟ فجواب ذلك ان تقول: هو إجراء هذا الذي يسمونه كلما وإخراجه بالصواب من الفم، فهو حدث فالكلام حدث، والكلم موضوع الكلام الذي يستعمل كزيد وضرب وهل وبل، فقد جمع الكلم أمرين، والكلام ليس كذلك إنما هو لأمر واحد.

стр. 571

[٢١٧] أسامة بن سفيان السجزي النحوي : من نحاة سجستان وشعرائها، ذكره أبو الحسن البيهقي في كتاب «الوشاح» وأنشد له: أبى النأي إلّا أن يجدّد لي ذكرى ... لمن ودعتني وهي لا تملك العبرا وقالت رعاك الله ما خلت أنني ... أراك تسلّى أو تطيق لنا هجرا وكنت ترى فرط العلاقة ساعة ... تغيّبها عنا وإن قصرت شهرا وتجزع من وشك الفراق فما لنا ... على فرقة الأحباب أن نظهر الصبرا منها في المديح: وزير يرى المعروف يجمل ذكره ... فأرسل بين الناس معروفه غمرا فما أقلعت يوما غمامة جوده ... ولا قطرت رشا ولا أخطأت قطرا وما اختصّ يوما حاضرا دون غائب ... برفد ولا ذا فاقة دون من أثرى وقد أمّه الراجون من كلّ وجهة ... فأربى مرجّاهم بواحدة عشرا وقد كان يعطيهم وهم في ديارهم ... ولكن هوى أن يجمع الرفد والبشرا رأى ماله مال العدى فأباده ... فلم يبق منه لا ولا منهم إثرا [٢١٨] أسامة بن مرشد بن علي بن مقلّد بن نصر بن منقذ بن محمد بن منقذ بن

стр. 572

نصر بن هاشم بن سوار بن زياد بن زغيب «١» بن مكحول بن عمرو بن الحارث بن عامر بن مالك بن أبي مالك بن عوف بن كنانة بن بكر بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمرو [بن الحاف] بن قضاعة بن مالك بن حمير بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان: هكذا ذكر هو نسبه وفيه اختلاف يسير عند ابن الكلبي. ويكنى أسامة أبا المظفر، ويلقب مؤيّد الدولة مجد الدين. وفي بني منقذ جماعة أمراء شعراء، لكن أسامة أشعرهم وأشهرهم، وأنا أذكر لكلّ واحد من أهله في ترجمته ما يليق ولا أفرّقهم: ذكره عماد الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن حامد الأصفهاني في «كتاب خريدة القصر وجريدة العصر» وأثنى عليه كثيرا فقال «٢» : ما زال بنو منقذ هؤلاء مالكي شيزر، وهي حصن قريب من حماة، معتصمين بحصانتها ممتنعين بمناعتها، حتى جاءتن الزلزلة في سنة نيف وخمسين فخربت حصنها، وأذهبت حسنها، وتملكها نور الدين محمود بن زنكي عليهم، وأعاد بناءها فتشعبوا شعبا وتفرقوا أيدي سبا. قال ابن عساكر «٣» : ذكر لي أسامة أنه ولد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة وقدم دمشق سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة ومات أسامة في ثالث عشري رمضان سنة أربع وثمانين وخمسمائة ودفن بجبل قاسيون. قال العماد «٤» : وأسامة كاسمه، في قوة نثره ونظمه، يلوح في كلامه أمارة الإمارة، ويؤسّس بيت قريضه عمارة العبارة، حلو المجالسة، حالي المساجلة، ندي النديّ بماء الفكاهة، عالي النجم في سماء النباهة، معتدل التصاريف، مطبوع التصانيف، أسكنه عشق الغوطة، دمشق المغبوطة، ثم نبت به كما تنبو الدار بالكريم، فانتقل إلى مصر فبقي بها مؤمّرا مشارا إليه بالتعظيم، إلى أيام ابن رزيك، فعاد إلى الشام، وسكن دمشق مخصوصا بالاحترام، حتى أخذت شيزر من أهله، ورشقهم صرف الزمان بنبله، ورماه الحدثان

стр. 573

إلى حصن كيفا مقيما بها في ولده، مؤثرا لها على بلده، حتى أعاد الله دمشق إلى سلطنة الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة سبعين، ولم يزل مشغوفا بذكره، مشتهرا بإشاعة نظمه ونثره، والأمير العضد مرهف ولد الأمير مؤيّد الدولة جليسه، ونديمه وأنيسه. (قال مؤلف هذا الكتاب: وقد رأيت أنا العضد هذا بمصر عند كوني بها في سنتي إحدى عشرة، واثنتي عشرة وستمائة وأنشدني شيئا من شعره وشعر والده) قال: فاستدعاه إلى دمشق- يعني مؤيّد الدولة- وهو شيخ قد جاوز الثمانين. قال «١» وأنشدني العامريّ من شعره بأصبهان، وكنت أتمنى لقياه، وأشيم على البعد حياه. حتى لقيته في صفر سنة إحدى وسبعين بدمشق، وسألته عن مولده فقال: ولدت في السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة وأنشدني لنفسه البيتين اللذين سارا له في قلع ضرسه «٢» : وصاحب لا أملّ الدهر صحبته ... يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد لم ألقه مذ تصاحبنا فحين بدا ... لناظريّ افترقنا فرقة الأبد وأنشدني لنفسه من قديم شعره «٣» : قالوا نهته الأربعون عن الصبا ... وأخو المشيب يجوز ثمّت يهتدي كم حار في ليل الشباب فدلّه ... صبح المشيب على الطريق الأقصد وإذا عددت سنيّ ثمّ نقصتها ... زمن الهموم فتلك ساعة مولدي قلت أنا: هذا كلام نفيس ومعنى لطيف، ولكنه أخذ معنى البيت الثاني من قول ابن الرومي «٤» . كفى بسراج الشيب في الرأس هاديا ... إلى من أضلّته المنايا لياليا فكان كرامي الليل يرمي فلا يرى ... فلما أضاء الشيب شخصي رمانيا

стр. 574

وأخذ معنى البيت الأخير من قول أبي فراس ابن حمدان في مزدوجته «١» : ما العمر ما طالت به الدهور ... العمر ما تمّ به السرور أيام عزّي ونفاذ أمري ... هي التي أحسبها من عمري لو شئت مما قد قللن جدّا ... عددت أيام السرور عدّا ولكنّ قول أسامة أبلغ في المعنى وهذا ظاهر. قال وأنشدني من قديم شعره «٢» : لم يبق لي في هواكم أرب ... سلوتكم والقلوب تنقلب أوضحتم لي سبل السلوّ وقد ... كانت لي الطرق عنه تنشعب إلام دمعي من هجركم سرب ... قان وقلبي من غدركم يجب إن كان هذا لأن تعبّدني ... الحبّ فقد أعتقتني الريب أحببتكم فوق ما توهّمه ... الناس وخنتم أضعاف ما حسبوا وقوله أيضا «٣» : يا دهر مالك لا يصدّك ... عن مساءتي العتاب أمرضت من أهوى ويأ ... بى أن أمرّضه الحجاب لو كنت تنصف كانت ... الأمراض لي وله الثواب أخذ هذا المعنى من قول الشاعر: يا ليت علّته لي غير أنّ له ... أجر المريض وأني غير مأجور قال العماد: وهذا الذي أوردته من شعره نقلته من «تاريخ السمعاني» فلما وردت إلى دمشق واجتمعت به قلت له: هل لك معنى مبتكر في الشيب؟ فأنشدني «٤» :

стр. 575

لو كان صدّ معاتبا ومغاضبا ... أرضيته وتركت خدّي شائبا لكن رأى تلك النضارة قد ذوت ... لما غدا ماء الشبيبة ناضبا ورأى النهى بعد الغواية صاحبي ... فثنى العنان يريغ غيري صاحبا وأبيه ما ظلم المشيب فإنه ... أملي فقلت عساه عني راغبا أنا كالدجى لما تناهى عمره ... نشرت له أيدي الصباح ذوائبا ومن شعره أيضا في محبوس «١» : حبسوك والطير النواطق إنما ... حبست لميزتها على الأنداد وتهيّبوك وأنت مودع سجنهم ... وكذا السيوف تهاب في الأغماد ما الحبس دار مهانة لذوي العلا ... لكنّه كالغيل للآساد ومنه قوله في الشمعة «٢» : انظر إلى حسن صبر الشمع يظهر لل ... رائين نورا وفيه النار تستعر كذا الكريم تراه ضاحكا جذلا ... وقلبه بدخيل الغمّ منفطر وقوله أيضا «٣» : نافقت دهري فوجهي ضاحك جذل ... طلق وقلبي كئيب مكمد باك وراحة القلب في الشكوى ولذّتها ... لو أمكنت لا تساوي ذلّة الشاكي وقوله أيضا «٤» : لئن غضّ دهر من جماحي أو ثنى ... عناني أو زلّت بأخمصي النعل تظاهر قوم بالشّمات جهالة ... وكم إحنة في الصدر أبرزها الجهل وهل أنا إلا السيف فلّل حدّه ... قراع الأعادي ثم أرهفه الصقل

стр. 576

وقوله أيضا «١» : لا تحسدنّ على البقاء معمّرا ... فالموت أيسر ما يؤول إليه وإذا دعوت بطول عمر لامرىء ... فاعلم بأنك قد دعوت عليه قال العماد «٢» وتناشدنا بيت الوزير المغربي في وصف خفقان القلب وتشبيهه بظل اللواء الذي تخترقه الرياح وهو «٣» : كأنّ قلبي إذا عنّ ادّكاركم ... ظلّ اللواء عليه الريح تخترق فقال لي الأمير مؤيد الدولة أسامة: فقد شبهت القلب الخافق وبالغت في تشبيهه وأربيت عليه في قولي من أبيات، وهي «٤» : أحبابنا كيف اللقاء ودونكم ... عرض «٥» المهامه والفيافي الفيح أبكيتم عيني دما لفراقكم ... فكأنّما إنسانها مجروح «٦» وكأن قلبي حين يخطر ذكركم ... لهب الضرام تعاورته الريح فقلت له: صدقت، فإن المغربي قصد تشبيهه خفقان القلب، وأنت شبهت القلب الواجب باللهيب، وخفقانه باضطرابه عند اضطرامه لتعاور الريح فقد أربيت عليه. وأنشدني أيضا من قوله، أيام شبابه وهو معتقل، في الخيال «٧» : ذكر الوفاء خيالك المنتاب ... فألمّ وهو بودّنا مرتاب نفسي فداؤك من حبيب زائر ... متعتّب عندي له الإعتاب

стр. 577

ودّي كعهدك والديار قريبة ... من قبل أن تتقطع الأسباب ثبت فلا طول الزيارة ناقص ... منه وليس يزيده الإغباب حظر الوفاء عليّ هجرك طائعا ... وإذا اقتسرت فما عليّ عتاب قال وتذاكرنا قول أبي العلاء المعرّيّ «١» : لو حطّ رحلي فوق النجم رافعه ... ألفيت ثمّ خيالا منك منتظري وأبلغ من هذا قول المعرّيّ في بعد المسافة «٢» : وذكرت كم بين العقيق إلى الحمى ... فجزعت من أمد المدى المتطاول وعذرت طيفك في الجفاء فإنه ... يسري فيصبح دوننا بمراحل وأنشدني «٣» : وأعجب ما لقيت من الليالي ... وأيّ فعالها بي لم يسؤني تقلّب قلب من مثواه قلبي ... وجفوة من ضممت عليه جفني قال «٤» : واجتمعنا عند الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بدمشق ليلة، وكان يلعب بالشطرنج، فقال لي الأمير أسامة: ألا أنشدك البيتين اللذين قلتهما في الشطرنج؟ فقلت: هات، فأنشدني لنفسه: انظر إلى لاعب الشطرنج يجمعها ... مغالبا ثم بعد الجمع يرميها كالمرء يكدح للدنيا ويجمعها ... حتى إذا مات خلّاها وما فيها وأنشدني لنفسه في غرض له في نور الدين محمود ﵀ «٥» : سلطاننا زاهد والناس قد زهدوا ... له فكل على الخيرات منكمش أيامه مثل شهر الصوم خالية ... من المعاصي وفيها الجوع والعطش

стр. 578

قال وأنشدني لنفسه: أأحبابنا هلّا سبقتم بوصلنا ... صروف الليالي قبل أن نتفرقا تشاغلتم بالهجر والوصل ممكن ... وليس إلينا للحوادث مرتقى كأنّا أخذنا من صروف زماننا ... أمانا ومن جور الحوادث موثقا وقال أيضا: قمر إذا عاينته «١» شغفا به ... غرس الحياء بوجنتيه شقيقا وتلهّبت خجلا فلولا ماؤها ... مترقرقا فيه لصار حريقا وازورّ عني مطرقا فأضلّني ... أنى «٢» اهتدى نحو السلوّ طريقا فليلحني من شاء فيه فصبوتى ... بهواه سكر لست منه مفيقا وكتب إليه ابنه أبو الفوارس مرهف إلى حصن كيفا كتابا على يد مستمنح فلم يمكّن الوقت من بلوغ الغرض من البر، فكتب أسامة جوابه: أبا الفوارس ما لاقيت من زمني ... أشدّ من قبضه كفّي عن الجود رأى سماحي بمنزور تجانف لي ... عنه وجودي به فاجتاح موجودي فصرت إن هزّني جان تعوّد أن ... يجني نداي رآني يابس العود وقال أيضا «٣» : سقوف الدور في خربرت «٤» سود ... كستها النار أثواب الحداد فلا تعجب إذا ارتفعت علينا ... فللحظ اعتناء بالسواد بياض العين يكسوها جمالا ... وليس النور إلا في السواد ونور الشيب مكروه وتهوى ... سواد الشعر أصناف العباد وطرس الخطّ ليس يفيد علما ... وكلّ العلم في وشي المداد

стр. 579

وله في مدح صلاح الدين «١» : هو من عرفن «٢» فلو عصاه نهاره ... لرماه نقع جيوشه بغياهب وله في الهزل «٣» : خلع الخليع عذاره في فسقه ... حتى تهتّك في بغا ولواط يأتي ويؤتى ليس ينكر ذا ولا ... هذا كذلك إبرة الخياط قال العماد «٤» : وكان قد سألني أن أتنجّز له مطلوبا عند الملك الناصر صلاح الدين فكتب إليّ يستحثني: عماد الدين مولانا جواد ... مواهبه كمنهلّ السحاب يحكّم في مكارمه الأماني ... ولو كلّفنه ردّ الشباب وعذرك في قضا شغلي قضاء ... يصرّفه فما عذر الجواب ولمؤيد الدولة أسامة بن منقذ تصانيف حسان منها كتاب القضاء. كتاب الشيب والشباب ألفه لأبيه. كتاب ذيل يتيمة الدهر للثعالبي. كتاب تاريخ أيّامه. كتاب في أخبار أهله، رأيته. ومن شعر الأمير الأجل مؤيّد الدولة مجد الدين أسامة بن منقذ: صديق لنا كالبحر قد أهلك الورى ... ولم تنههم أخطاره عن ركوبه مودّته تحكيه صفوا وخبرها ... كمشربه من حوبه وذنوبه ومنه أيضا: كنت بين الرجاء واليأس منه ... أقطع الدهر بين سلم وحرب ألتقي عتبه بأكرم إعتا ... ب ويلقى ذلّي بتيه وعجب فبدا للملوك أني لو رم ... ت سلوّا لما سلا عنه قلبي فتجنّى لي الذنوب ولا و ... الله مالي ذنب سوى فرط حبي

стр. 580

ومنه أيضا «١» : انظر بعينك هل ترى ... أحدا يدوم على المودّه لترى أخلّاء الصفا ... ء عدى إذا تأتيك شدّه ومنه أيضا: تنكّرني الإخوان حتى ثقاتهم ... وحذّرني منهم نذير التجارب كأني إذا أودعت سرّي عندهم ... رفعت بنار فوق أعلى المراقب قال العماد «٢» وكتبها إلى دمشق بعد خروجه إلى مصر في أيام بني الصوفي يشير إليهم: ولوا فلما رجونا عدلهم ظلموا ... فليتهم حكموا فينا بما علموا ما مرّ يوما بفكري ما يريبهم ... ولا سعت بي إلى ما ساءهم قدم ولا أضعت لهم عهدا ولا اطلعت ... على ودائعهم في صدري التهم محاسني منذ ملّوني بأعينهم ... قذى وذكري في آذانهم صمم وبعد لو قيل لي ماذا تحبّ وما ... تختار من زينة الدنيا لقلت هم هم مجال الكرى من مقلتيّ ومن ... قلبي محلّ المنى جاروا او اجترموا تبدلوا بي ولا أبغي بهم بدلا ... حسبي بهم أنصفوا في الحكم أم ظلموا يا راكبا تقطع البيداء همّته ... والعيس تعجز عمّا تدرك الهمم بلّغ أميري معين الدين مألكة ... من نازح الدار لكن ودّه أمم هل في القضية يا من فضل دولته ... وعدل سيرته بين الورى علم تضييع واجب حقّي بعد ما شهدت ... به النصيحة والإخلاص والخدم إذا نهضت إلى مجد تؤثله ... تقاعدوا وإذا شيّدته هدموا وإن عرتك من الأيام نائبة ... فكلّهم للذي يبكيك يبتسم

стр. 581

وكلّ من ملت عنه قرّبوه ومن ... والاك فهو الذي يقصى ويهتضم اين الحمية والنفس الأبية إذ ... ساموك خطّة خسف عارها يصم هلا أنفت حياء أو محافظة ... من فعل ما أنكرته العرب والعجم أسلمتنا وسيوف الهند مغمدة ... ولم يروّ سنان السمهري دم وكنت أحسب من والاك في حرم ... لا يعتريه به شيب ولا هرم وأنّ جارك جار للسموأل لا ... يخشى الأعادي ولا تغتاله النقم هبنا جنينا ذنوبا لا يكفّرها ... عذر فماذا جنى الأطفال والحرم ومنها: لكنّ رأيك أدناهم وأبعدني ... «فليت أنّا بقدر الحبّ نقتسم» ولا سخطت بعادي إذ رضيت به ... «ولا لجرح إذا أرضاكم الم» تعلقت بحبال الشمس منك يدي ... ثم انثنت وهي صفر ملؤها ندم لكن فراقك آساني وآسفني ... ففي الجوانح نار منه تضطرم فاسلم فما عشت لي فالدهر طوع يدي ... وكلّ ما نالني من بؤسه نعم ومن شعره أيضا: الق الخطوب إذا طرقن ... بقلب محتسب صبور فسينقضي زمن الهموم ... كما انقضى زمن السرور فمن المحال دوام حال ... في مدى العمر القصير وتوفي بعد الثمانين وخمسمائة. ومنهم أخوه أبو الحسن علي بن مرشد بن علي بن مقلد بن منقذ «١» سيد بني منقذ، ورد بغداد حاجا بعد العشرين وخمسمائة وقد ذكره السمعانيّ في «تاريخه» وأنشد له «٢» :

стр. 582

ودعت صبري ودمعي يوم فرقتكم ... وما علمت بأنّ الدمع يدّخر وضلّ قلبي من صدري فعدت بلا ... قلب فيا ويح ما آتي وما أذر ولو علمت ذخرت الصبر مبتغيا ... إطفاء نار بقلبي منك تستعر قال الامير علي بن مرشد سمعت دراجا «١» يصيح بدرب حبيب فقلت فيه: يا طائرا لعبت أيدي الفراق به ... مثلي فأصبح ذا همّ وذا حزن داني الأسى نازح الأوطان مغتربا ... عن الأحبّة مصفودا عن الوطن بلا نديم ولا جار يسرّ به ... ولا حميم ولا دار ولا سكن لكن نطقت فزال الهمّ عنك ولي ... همّ يقلقل أحشائي ويخرسني وكلّ من باح بالشكوى استراح ومن ... أخفى الجوى بثّ» عنه شاهد البدن أرّقت عيني بنوح لست أفهمه ... مع ما بقلبي من وجد يؤرّقني وما بكيت ولي دمع غواربه ... إذا ارتمت منه لم تنشقّ بالسفن قال وكتب إلى صديق له «٣» : ما فهت مع متحدّث متشاغلا ... إلا رأيتك خاطرا في خاطري ولو استطعت لزرت أرضك ماشيا ... بسواد قلبي لا بأسود ناظري وكتب إلى أخيه مؤيّد الدولة أسامة وهو بالموصل: ألا هل لمحزون تذكّر إلفه ... فحنّ وأبدى وجده من يعينه وعيشا مضى بالرغم إذ نحن جيرة ... ترفّ على روض الوصال غصونه لدى منزل كان السرور قرينكم ... به فتولّى إذ تولّى قرينه فلو أعشبت من فيض دمعي محوله ... لما رضيت عن دمع عيني جفونه

стр. 583

قال: وأنشدني له ابن أخيه الأمير مرهف بن أسامة: لأشكرنّ النوى والعيس إذ قصدت ... بي معدن الجود والاحسان والكرم فسرت في وطني إذ سرت عن وطني ... فمن رأى صحة جاءت من السقم وقد ندمت على عمر مضى أسفا ... إذ لم أكن لك جارا فيه في القدم فاسلم ولا زلت محروس العلا أبدا ... ما لاحت الشهب في داج من الظلم وقال أخوه أسامة بن مرشد: ونقلت من خطّ أخي عز الدولة أبي الحسن علي بن مرشد من شعره، وكان استشهد ﵀ على غزة في شهر رمضان سنة خمس وأربعين وخمسمائة في حرب الفرنج لعنهم الله، قبل أن يكمل من شعره، وكان تقنطر به فرسه على باب غزة، واستعلى الفرنج على أصحابه فانكشفوا عنه، فقتل وبقي في المعركة. وأنشد له أشعارا منها قوله في مرض طال به: ظننت وظنّ الألمعيّ مصدّق ... بأن سقام المرء سجن حمامه فإن لم يكن موت صريح فإنّه ... عذاب تملّ النفس طول مقامه وكم يلبث المسجون في قبضة الأذى ... يجرّب فيه الموت غرب حسامه وأنشد له قوله عند رحيله عن بغداد إلى الحجاز: ترحلت عن بغداد لا كارها لها ... وفي القلب منها لوعة وحريق فسقيا لأيام تقضّت بربعها ... إذ العيش غضّ والزمان أنيق باخوان صدق ليس فيهم مشاقق ... وكلهم حان عليّ شفيق وأنشد له أيضا: ولما أعارتني النوى منك نظرة ... أحبّ إلى قلبي من البارد العذب تعقّبها البين المشتّ فليتنا ... بقينا على تأميلنا لذة القرب وأنشد له: ليت شعري علام صدّك عنّا ... بعد ما كنت تدّعي الأشواقا لا تجار الزمان سبقا إلى الهجر ... فما زال صرفه سبّاقا أنت غرّ بغدره فلهذا ... قد تعجلت بالصدود الفراقا

стр. 584

وأنشد له: بني أبي إن عدا دهر ففرّقنا ... فهمّ نفسي بكم ما عشت مجتمع هل تعلمون الذي في النفس من أسف ... عليكم وحنين ليس ينقطع نزحتم أدمعي حتى لقد محلت ... جفون عيني ومات اليأس والطمع وإنّ دهرا رمى عن جيده دررا ... أمثالكم لزمان عاطل ضرع ومنهم جده سديد الملك أبو الحسن علي بن مقلد بن منقذ «١» : وكان من شرطه أن يقدّم على بنيه، قال: هو جدّ الجماعة، موفور الطاعة، أحكم آساس مجده وشادها، وفضل أمراء ديار بكر والشام وسادها. قال أبو يعلى حمزة بن أسد «٢» : في سنة أربع وسبعين وأربعمائة في رجب ملك الأمير أبو الحسن علي بن المقلد بن منقذ حصن شيزر من الأسقف الذي كان فيه بمال بذله له وارغبه فيه إلى أن حصل في يده، وشرع في عمارته وتحصينه والممانعة «٣» عنه إلى أن تمكنت حاله فيه، وقويت نفسه في حمايته والمدافعة عنه «٤» . والأمير سديد «٥» الملك هو ممدوح فحول الشعراء والذي امتدحه ابن حيّوس بقصيدته التي أولها (وكتبها إليه من طرابلس وهو بحلب) «٦» : أما الفراق فقد عاصيته فأبى ... وطالت الحرب إلّا أنه غلبا أراني البين لما حمّ عن قدر ... وداعنا كلّ جدّ بعده لعبا قال: وسألت ابن ابنه الأمير أسامة بن مرشد بن علي عن وفاة جده فقال مات سنة خمس وسبعين وأربعمائة. قال: وأنشدني مجد العرب العامري باصبهان قال، أنشدني الأمير أبو سلامة

стр. 585

مرشد لأبيه الأمير أبي الحسن علي بن مقلد في غلام له ضربه، وقد أبدع في هذا المعنى وأغرب «١» : أسطو عليه وقلبي لو تمكّن من ... كفّيّ غلّهما غيظا إلى عنقي وأستعزّ «٢» إذا عاتبته حنقا ... وأين ذلّ الهوى من عزّة الحنق قال وأنشدني له أيضا «٣» : ماذا النجيع بوجنتيك وليس من ... شرط الأنوف على الخدود رعاف ألحاظنا جرحتك حين تعرّضت ... لك أم أديمك جوهر شفّاف وقرأت له في مجموع: إذا ذكرت أياديك التي سلفت ... مع سوء فعلي وزلّاتي ومجترمي أكاد أقتل نفسي ثمّ يمنعني ... علمي بأنك مجبول على الكرم وله أيضا: من كان يرضى بذلّ في ولايته ... من خوف عزل فإني لست بالراضي قالوا فتركب أحيانا فقلت لهم ... تحت الصليب ولا في موضع القاضي وله أيضا: لا تعجلوا بالهجر إنّ النوى ... تحمل عنكم منّة الهجر وظاهرونا بوفاق فقد ... أغناكم البين عن الهجر وله أيضا: ألقى المنيّة في درعين قد نسجا ... من المنيّة لا من نسج داود إن الذي صوّر الأشياء صوّرني ... نارا من البأس في بحر من الجود

стр. 586

وهذان البيتان يرويان لعبد المؤمن ملك الغرب. ولسديد الملك من مجموع أسامة: كيف السلوّ وحبّ من هو قاتلي ... أدنى إليّ من الوريد الأقرب إني لأعمل فكرتي في سلوة ... عنه فيظهر فيّ ذلّ المذنب وله أيضا: بكرت تنظر شيبي ... وثيابي يوم عيد ثم قالت لي بهزء ... يا خليعا في جديد لا تغالطني فما تصلح إلّا للصدود قال العماد: أنشدت هذه الأبيات والقطع جميعها الأمير مؤيد الدولة أسامة في سنة اثنتين وسبعين فأنكر أن يكون لجده سوى البيتين اللذين أولهما: لا تعجلوا بالهجر إن النوى وأنشدني لجده، وكان كتب بها إلى القاضي جلال الملك أبي الحسن علي بن عمّار صاحب طرابلس: أحبابنا لو لقيتم في مقامكم ... من الصبابة ما لاقيت في ظعني لأصبح البحر من أنفاسكم يبسا ... كالبرّ من أدمعي ينشقّ بالسفن ومنهم الأمير أبو سلامة مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ [والد] أسامة وولد المقدم ذكره «١» ، له البيت القديم، والفضل العميم من فروع الأملاك الفارعي الأفلاك. قال السمعاني في «تاريخه» : رأيت مصحفا بخطّه كتبه بماء الذهب على الطاق الصوريّ، ما رأيت ولا أظنّ أن الرائين رأوا مثله، فقد جمع إلى فضائله حسن خطه، وتقدم بحسن تدبيره على رهطه، وأسنّ وعمّر وله أولاد نجباء أمجاد، كرماء أجواد، وكان مولده سنة ستين وأربعمائة ومات بشيزر سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة فيما حكاه ولده أسامة للسمعاني. وذكره مجد العرب أبو فراس العامري وقال: كنت مقيما مدّة

стр. 587

بشيزر في كنفهم، حاظيا برفدهم ساميا بشرفهم. وأثنى على خلفهم وترحّم على سلفهم. قال: وكان الأمير حينئذ بقلعة شيزر أخوه أبو العساكر سلطان، وهو ممدوحي الذي حباني الإكرام والاحسان، والأمير مرشد يقرّبني ويكرمني، وقال فيّ أبياتا منها «١» : لئن نسي امرو عهدا فإني ... لعهد أبي الفوارس غير ناس وما عاش الأمير أبو فراس ... فما مات الأمير أبو فراس كنية العامري أبو فراس، وأبو فراس الآخر هو أبو فراس ابن حمدان، وكان العامري يتبجّح بالبيتين. وذكر «٢» السمعاني في «تاريخه» أنشدني ولده أبو عبد الله محمد بن مرشد بن علي بن مقلد بن منقذ من حفظه، عند القبة التي فيها قبر أيوب النبي ﷺ ، عند عقبة أفيق بنواحي الأردن قال: وأنا قائم أكتب، وهو وغلمانه على الخيل، قال: أنشدني والدي مرشد بن علي لنفسه بشيزر «٣» : ظلوم أبت في الظلم إلا تماديا ... وفي الصدّ والهجران إلّا تناهيا شكت هجرنا والذنب في ذاك ذنبها ... فيا عجبا من ظالم جاء شاكيا وطاوعت الواشين فيّ وطالما ... عصيت عذولا في هواها وواشيا ومال بها تيه الجمال إلى القلى «٤» ... وهيهات أن أمسي لها الدهر قاليا ولا ناسيا ما استودعت من عهودها ... وإن هي أبدت جفوة وتناسيا ومنها في العتاب: وقلت أخي يرعى بنيّ وأسرتي ... ويحفظ فيهم عهدتي وذماميا ويجزيهم ما لم أكلّفه فعله ... لنفسي فقد أعددته من تراثيا

стр. 588

فأصبحت صفر الكفّ ممّا رجوته ... أرى اليأس قد غطّى سبيل رجائيا فما لك لمّا أن حنى الدهر صعدتي ... وثلّم مني صارما كان ماضيا تنكّرت حتى صار برّك قسوة ... وقربك منهم جفوة وتناسيا «١» على أنني ما حلت عمّا عهدته ... ولا غيّرت هذي الشؤون وداديا فلا زعزعتك الحادثات فإنني ... أراك يميني والأنام شماليا قال: وقرأت في بعض الكتب كلمة نظمها الخطيب أبو الفضل يحيى بن سلامة الحصكفي في جواب رسالة وصلته من الأمير «٢» علي بن مرشد من شيزر وهي: حوى مرشد وابناه غرّ المناقب ... وحلّوا من العلياء أعلى المراتب ذوائب مجد ما علمت بأنهم ... من العلم أيضا في الذرى والذوائب أتت من عليّ روضة جاد روضها ... سحائب فضل لا كجود السحائب بأبيات شعر أفحمت كلّ شاعر ... وآيات نثر أعجبت كلّ خاطب وغرّ معان أعجزت كلّ عالم ... وأسطر خطّ أرعشت كل كاتب ربيع بورد وافد لمطالع ... وربع لوفد وارد بمطالب وخود رمت بالسحر عن قوس حاجب ... لها في العلا فخر على قوس حاجب فلو قطبت [راحا] لما قطّبت لها ... وجوه ولا غطّت على حكم شارب ومنهم حميد بن مالك «٣» بن مغيث بن نصر بن منقذ بن محمد بن منقذ بن نصر بن هاشم، أبو الغنائم الملقب بمكين الدولة: ولد بشيزر في تاسع جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين وأربعمائة ونشأبها، وانتقل إلى دمشق فسكنها مدة طويلة، واكتتب في العسكر، وكان يحفظ القرآن، وله شعر جيّد وفيه شجاعة وعفاف، ومات في نصف شعبان سنة أربع وستين وخمسمائة بحلب، ومن شعره:

стр. 589

ما بعد جلّق للمرتاد منزلة ... ولا كسكّانها في الأرض سكّان فكلّها لمجال الطرف منتزه ... وكلّهم لصروف الدهر أقران «١» وهم وإن بعدوا عنّي بنسبتهم ... إذا بلوتهم بالودّ اخوان وقال في أخيه يحيى: بالشام لي جدث وجدت بفقده ... وجدا يكاد القلب منه يذوب فيه من البأس المهيب صواعق ... تخشى ومن ماء السماء قليب فارقت حتى حسن صبري بعده ... وهجرت حتى النوم وهو حبيب قال الحافظ علي بن الحسن بن هبة الله: وأنشدنا لنفسه: يذكّرني يحيى الرماح شوارعا ... وبيض المواضي جرّدت للوقائع وأقسم ما رؤياه في العين بهجة ... بأحسن من أوصافه في المسامع قال: وأنشد لنفسه: وسلافة أزرى احمرار شعاعها ... بالورد والوجنات والياقوت جاءت مع الساقي تنير بكأسها ... فكأنّها اللاهوت في الناسوت وقال وأنشدنا لنفسه في صديق له يعاتبه: أدنو بودّي وحظّي منك يبعدني ... هذا لعمرك عين الغبن والغبن وإن توخّيتني يوما بلائمة ... رجعت باللوم إبقاء على الزمن وحسن ظنّي موقوف عليك فهل ... غيّرت بالظنّ بي عن رأيك الحسن ومنهم الأمير شرف الدين «٢» أبو الفضل إسماعيل بن أبي العساكر سلطان بن علي بن منقذ «٣» كان أبوه عمّ مؤيد الدولة أسامة بن مرشد أمير شيزر، وكان شابا فاضلا سكن لما أخذت منهم شيزر بدمشق، ومات بها سنة إحدى وستين وخمسمائة. قال

стр. 590

العماد: وسمعت من شعره: ومهفهف كتب الجمال بخدّه ... سطرا يحيّر ناظر المتأمّل بالغت في استخراجه فوجدته ... لا رأي إلّا رأي أهل الموصل «١» وذكره ابن عمه الأمير مرهف بن أسامة وأثنى عليه وأنشدني له أشعارا منها بيتان في النحل والزنبور وهما: ومغرّدين ترنّما في مجلس ... فنفاهما لأذاهما الأقوام هذا يجود بما يجود بعكسه ... هذا فيحمد ذا وذاك يذام يعني العسل من النحل وعكسه اللسع من الزنبور «٢» . وأنشدني أيضا له «٣» : سقيت كأس الهوى علا على نهل ... فلا تزدني كأس اللوم والعذل نأى الحبيب فبي من نأيه حرق ... لو لابست جبلا هدّت قوى الجبل ولو تطلّبت سلوانا لزدت هوى ... وقد تزيد رسوبا نهضة الوحل عفت رسومي فعج نحوي لتندبني ... فالصبّ غبّ زيال الحبّ كالطلل صحوت من قهوة تنفى الهموم بها ... لكنني ثمل من طرفه الثمل أصبّر النفس عنه وهي قائلة ... ما لي بعادية الأشواق من قبل كم ميتة وحياة ذقت طعمهما ... مذ ذقت طعم النوى لليأس والأمل والنفس إن خاطرت في غمرة وألت ... منها وإن خاطرت في الوجد لم تئل

стр. 591

لها دروع تقيها من سهام يد ... فهل دروع تقيها أسهم المقل فانظر إليه تر الأقمار في قمر ... وانظر إليّ تر العشّاق في رجل بأيّ أمر سأنجو من هوى رشأ ... في جفنه سحر هاروت وسيف علي إذا رمى طرفه باللحظ قال له ... قلبي أعد لارماك الله بالشلل أمن بني الروم ذا الرامي الذي فتكت ... سهامه بالورى أم من بني ثعل إن خفت روعة هجران الحبيب فقد ... أمنت في حبّه من روعة العذل ومنهم الأمير أبو الفتح يحيى بن سلطان بن منقذ «١» : لقبه فخر الدولة «٢» ، ذكره الأمير مرهف بن أسامة، وذكر أنه قتل على بعلبك في سنة أربعين وخمسمائة، وأنشدني من شعره ما كتبه إلى أبيه عز الدين يطلب منه رمحا: يا خير قوم لم يزل مجدهم ... في صفحات الدهر مسطورا عبدك يبغي أسمرا ذكره ... ما زال بين الناس مذكورا مسدّد والجور من شأنه ... إن نال وترا صار موتورا فإن تفضّلت به عاد عن ... صدور أعدائك مكسورا ومنهم الأمير عز الدولة ابو المرهف نصر بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ: عمّ مؤيد الدولة أسامة، قال العماد «٣» : كنا حضرنا عند الملك الناصر ليلة بدمشق سنة إحدى وسبعين والأمير مؤيد الدولة حاضر، وتناشدنا ملح القصائد، ونشدنا ضالّة الفوائد، وجرى حديث اقتضى إنشاد الأمير أسامة بيتين لبعضهم في المشط الأسود والمشط الأبيض، وهما لأبي الحسين أحمد بن محمد بن الدويدة المعري «٤» كان في زمن بني صالح: كنت أستعمل السواد من الأمشاط والشعر في سواد الدياجي أتلقّى مثلا بمثل فلمّا ... صار عاجا سرّحته بالعاج

стр. 592

ثم قال الأمير: قد أخذ هذا المعنى عمّي نصر وعكسه وقال: كنت أستعمل البياض من الأمشاط عجبا بلمّتي وشبابي فاتخذت السواد في حالة الشيب سلوّا عن الصبا بالتصابي وقال لي الأمير أسامة: كان عمّي نصر قد أخرج حجّة عن والدته، فرآها في النوم كأنها تنشده فانتبه والأبيات على حفظه وهي: جزيت من ولد برّ بصالحة ... فقد كسبت ثوابا آخر الزمن وقد حججت إلى البيت الحرام وقد ... أتيته زائرا يا خير محتضن فلا تنلك يد الأيام ما طلعت ... شمس وما صدحت ورقاء في فنن وكان نصر هذا صاحب قلعة شيزر بعد والده سديد الملك، وكان كريما ذا أريحية. حدثني الأمير مرهف بن أسامة بحضرة والده قال: كتب القاضي أبو مسلم وادع المعرّيّ «١» إلى الأمير نصر في نكبة نالته: يا نصر يا ابن الأكرمين ومن ... شفع التلاد بطارف الفخر هذا كتاب من أخي ثقة ... يشكو إليك نوائب الدهر فامنن بما عوّدت من حسن ... هذا أوان النفع والضر فكتب إليه نصر إنه لم يحضرني سوى ما هو عندك مودع، وهو ستة آلاف دينار، فاصرفها في بعض مصالحك واعذر. وذكر ان نصرا كان برا بوالده سديد الملك، فقال فيه سديد الملك: جزى الله نصرا خير ما جزيت به ... رجال قضوا فرض العلاء ونفّلوا هو الولد البرّ العطوف وإن رمى ... به حادث فهو الحمام المعجّل يفدّيك يا نصر رجال محلّهم ... من المجد والإحسان ان يتقوّلوا سأثني بما أوليت بالموقف الذي ... تقرّ به الأقدام أو تتزلزل

стр. 593

وألقاك يوم الحشر أبيض ناصعا ... وأشكر عند الله ما كنت تفعل وتوفي نصر بن علي في جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين وأربعمائة بشيزر. ومنهم الأمير عضد الدين أبو الفوارس مرهف بن أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ «١» : قال مؤلف الكتاب: فارقته في جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وستمائة بالقاهرة يحيا، ولقيته بها وهو شيخ ظريف واسع الخلق شائع الكرم جمّاعة للكتب، وحضرت داره واشترى مني كتبا، وحدثني أنّ عنده من الكتب ما لا يعلم مقداره، إلا أنه ذكر لي أنه باع منها أربعة آلاف مجلد في نكبة لحقته فلم يؤثر فيها. وسألته عن مولده فقال: ولدت سنة عشرين وخمسمائة، فيكون عمره إلى وقتنا هذا اثنتين وتسعين سنة. وكان قد أقعد لا يقدر على الحركة، إلا أنه صحيح العقل والذهن والفطنة والبصر يقرأ الخطّ الدقيق كقراءة الشبان، إلا أن سمعه فيه ثقل، وكان ذلك يمنعني من مكاثرته ومذاكرته. وكان السلطان صلاح الدين، ﵀، قد أقطعه ضياعا بمصر فهو يصرّفها في مصالحه، وأجراه الملك العادل أخو صلاح الدين على ذلك، وكان الملك الكامل بن العادل يحترمه ويعرف له حقه. وأنشدني شيئا من شعره وشعر أهله لم يحضرني منه في هذا الوقت ما أورده. وذكر له العماد في «كتاب الخريدة» ما ذكر أنه سمعه منه وهو: سمحت بروحي في رضاك ولم يكن ... ليعجزني لولا رضاك المذاهب وهانت لجرّاك العظائم كلها ... عليّ وقد جلّت لديّ النوائب فكان ثوابي عن ولائي تجهّم «٢» ... رمتني به منك الظنون الكواذب فمهلا فلي في الأرض عن منزل القلى «٣» ... مسار إذا أخرجتني ومسارب وإن كنت ترجو طاعتي بإهانتي ... وقسري فإن الرأي عنك لعازب

стр. 594

وأنشدني أيضا لنفسه (قال وهو حاضر عند والده وذكر أنه مما كتبه إلى والده) : رحلتم وقلبي بالولاء مشرّق ... لديكم وجسمي بالعناء مغرّب فهذا سعيد بالدنوّ منعّم ... وهذا شقيّ بالبعاد معذّب وما أدّعي شوقا فسحب مدامعي ... تترجم عن شوقي إليكم وتعرب ووالله ما اخترت التأخّر عنكم ... ولكن قضاء الله ما منه مهرب ومات الأمير عضد الدين مرهف في ثاني صفر سنة ثلاث عشرة وستمائة. [٢١٩] إسحاق بن إبراهيم الموصلي ابن ميمون بن بهمن بن نسك ، وكان اسم ميمون ماهان فقلبوه استثقالا؛ قال إسحاق: نحن من أرجان وموالينا من الخزيميين «١» ، وكانت لهم ضياع عندنا، وإنما نسبوا إلى الموصل لأن أبا إبراهيم سافر إليها وأقام بها مدة يعلم الغناء، فلما عاد إلى الكوفة قيل له: كيف أنت يا موصلي، فلصقت به الموصلي؛ وكنيته أبو محمد، وكان الرشيد إذا أراد أن يولع به كناه أبا صفوان، وموضعه من العلم ومكانه من الأدب والشعر لو أردنا استيعابه طال الكتاب، وخرجنا عن غرضنا من الاختصار. ومن وقف على الأخبار وتتبع الآثار علم موضعه. وأما الغناء فكان أصغر علومه وأدنى ما يوصف به، وإن كان الغالب عليه، لأنه كان له في سائر علومه «٢» نظراء ولم يكن له في هذا نظير، لحق فيه من مضى وسبق من بقي، فهو إمام هذه الصناعة. على أنه كان أكره الناس لهذه الصناعة وهي الغناء والتسمّي به ويقول: وددت أن أضرب كلّما أراد منّي من يندبني أن أغنّي، وكلّما قال قائل إسحاق

стр. 595

الموصلي المغنّي، عشر مقارع- ولا أطيق أكثر منها «١» - وأعفى من الغناء والنسبة إليه. وكان المأمون يقول: لولا ما سبق لأسحاق على ألسنة الناس وشهر به من الغناء عندهم لولّيته القضاء بحضرتي، فإنه أولى به وأحقّ وأعفّ وأصدق تديّنا وأمانة من هؤلاء القضاة وأكثر. قال «٢» : بقيت زمانا من دهري أغلّس في كل يوم إلى هشيم فأسمع منه الحديث، ثم أصير إلى الكسائي فأقرأ عليه جزءا من القرآن، وآتي الفرّاء فأقرأ عليه جزءا، ثم آتي منصور زلزل فيضاربني طريقين «٣» أو ثلاثة، ثم آتي عاتكة بنت شهدة فآخذ عنها صوتا أو صوتين، ثم آتي الأصمعي فأناشده، وآتي أبا عبيدة فأذاكره، ثم أصير إلى أبي فأعلمه ما صنعت ومن لقيت وما أخذت وأتغدّى معه، وإذا كان العشاء رحت إلى الرشيد. وقال الأصمعي «٤» : خرجت مع الرشيد [إلى الرقة] «٥» فلقيت إسحاق الموصلي بها، فقلت له: هل حملت شيئا من كتبك؟ فقال: حملت ما خفّ، فقلت: كم مقداره؟ فقال: ثمانية عشر صندوقا، فعجبت وقلت: إذا كان هذا ما خفّ فكم يكون ما ثقل؟ فقال: أضعاف ذلك. وكان الأصمعيّ «٦» يعجب بقول إسحاق: إذا كانت الأحرار أصلي ومنصبي ... ودافع ضيمي خازم وابن خازم عطست بأنف شامخ وتناولت ... يداي الثريا قاعدا غير قائم وقال «٧» جعفر بن قدامة، حدثني علي بن يحيى بن المنجّم قال: سأل إسحاق

стр. 596

الموصلي المأمون أن يكون دخوله إليه مع أهل العلم والأدب والرواة لا مع المغنين، فإذا أراد الغناء غنّاه، فأجابه إلى ذلك، ثم سأله بعد مدّة أن يكون دخوله مع الفقهاء، فأذن له في ذلك، فكان يدخل ويده في يد القضاة حتى يجلس بين يدي المأمون. ثم مضت مدة على ذلك فسأله في لبس السواد يوم الجمعة والصلاة معه في المقصورة، قال: فضحك المأمون وقال: ولا كلّ هذا يا إسحاق، قد اشتريت منك هذه المسألة بمائة ألف درهم، وأمر له بها. وحدث المرزباني عن محمد بن عطية الشاعر قال «١» : كنت عند يحيى بن أكثم في مجلس له يجتمع إليه فيه أهل العلم، وحضره إسحاق، فجعل يناظر أهل الكلام حتى انتصف منهم، ثم تكلم في الفقه فأحسن واحتج، ثم تكلم في الشعر واللغة ففاق فيها من حضر، فأقبل على يحيى بن أكثم وقال: أعزّ الله القاضي أفي شيء مما ناظرتك فيه تقصير؟ قال: لا والله، قال: فما بالي أقوم بسائر العلوم قيام أهلها وأنسب إلى فنّ واحد قد اقتصر الناس عليه؟ قال العطويّ: فالتفت إليّ يحيى بن أكثم وقال: جوابه في هذا عليك، قال- وكان العطوي من أهل الجدل والكلام- فالتفتّ إلى إسحاق وقلت: يا أبا محمد «٢» أخبرني إذا قيل من أعلم الناس بالشعر واللغة؟؟ أيقولون إسحاق أم الأصمعي وأبو عبيدة؟ فقال: بل الأصمعيّ وأبو عبيدة، قال: فإن قيل من أعلم الناس بالنحو؟ أيقولون إسحاق أم الخليل وسيبويه؟ قال: بل الخليل وسيبويه، قال: فإن قيل من أعلم الناس بالأنساب؟ أيقولون إسحاق أم ابن الكلبي؟ قال: بل ابن الكلبي، قال: فإن قيل من أعلم الناس بالكلام؟ أيقولون إسحاق أم أبو الهذيل والنظام؟ قال: بل أبو الهذيل والنظام، قال: فإن قيل من أعلم الناس بالفقه؟ أيقولون إسحاق أم أبو حنيفة وأبو يوسف؟ فقال: بل أبو حنيفة وأبو يوسف، قال: فإن قيل من أعلم الناس بالحديث؟ أيقولون إسحاق أم علي بن المديني ويحيى بن معين؟ قال: بل علي بن المديني ويحيى بن معين، قال: فإذا قيل من أعلم الناس بالغناء أيجوز أن يقول قائل فلان أعلم من إسحاق؟ قال: لا، قلت:

стр. 597

فمن ها هنا نسبت إلى ما نسبت إليه لأنه لا نظير لك فيه وأنت في غيره لك نظراء، فضحك وقام وانصرف. فقال لي يحيى بن أكثم: لقد وفّيت الحجة وفيها ظلم قليل لإسحاق، لأنه ربما ماثل أو زاد على من فضّلته عليه وإنه ليقل في الزمان نظيره. وكان إسحاق قد روى الحديث عن جماعة منهم: أبو معاوية الضرير وهشيم وابن عيينة وغيرهم. وكان مع كراهيته للغناء أحذق خلق الله به ممن تقدّم وتأخر، وأشدّ الناس بخلا به على كل أحد حتى على جواريه وغلمانه ومن يأخذ عنه منتسبا إليه متعصبا له فضلا عن غيره، وهو الذي صحّح أجناس الغناء وطرائقه وميّزها تمييزا لم يقدر عليه أحد قبله ولا تعلّق به أحد بعده، ولم يكن قديما مميّزا على هذا الجنس. وكان «١» إبراهيم بن المهدي يأكل المغنين أكلا حتى يحضر إسحاق فيداريه إبراهيم ويطلب مكافأته، ولا يدع إسحاق تبكيته ومعارضته، وكان إسحاق آفته- كما إن لكل شيء آفة- وله معه عدة مشاهد. قال إسحاق «٢» : كنت يوما عند الرشيد وعنده ندماؤه وخاصته، وفيهم إبراهيم ابن المهدي، فقال لي الرشيد: يا إسحاق تغنّ: شربت مدامة وسقيت أخرى ... وراح المنتشون وما انتشيت فغنيته، فأقبل عليّ إبراهيم بن المهدي فقال: ما أصبت يا إسحاق ولا أحسنت، فقلت له: ليس هذا مما تحسنه ولا تعرفه، وإن شئت فغنه، فإن لم أوجدك أنك تخطىء فيه منذ ابتدائك إلى انتهائك فدمي حلال، ثم أقبلت على الرشيد فقلت: يا أمير المؤمنين هذه صناعتي وصناعة أبي وهي التي قرّبتنا منك واستخدمتنا إليك وأوطأتنا بساطك، فإذا نازعناها أحد بلا علم لم نجد بدّا من الإيضاح والذبّ، فقال: لا غرو ولا لوم عليك، وقام الرشيد ليبول، فأقبل عليّ إبراهيم وقال: ويلك يا إسحاق تجترىء عليّ وتقول ما قلت يا ابن الزانية؟ فداخلني ما لم أملك نفسي معه فقلت له: أنت تشتمني ولا أقدر على إجابتك، وأنت ابن الخليفة وأخو الخليفة ولولا ذلك لقد كنت أقول لك: يا ابن الزانية كما قلت لي يا ابن الزانية، ولكنّ قولي في

стр. 598

ذمّك ينصرف إلى خالك الأعلم، ولو لاك لذكرت صناعته ومذهبه- قال إسحاق: وكان بيطارا- وعلمت أنّ إبراهيم يشكوني إلى الرشيد، وأن الرشيد سيسأل من حضر عما جرى فيخبرونه «١» ، ثم قلت له: أنت تظنّ أنّ الخلافة تصير إليك، فلا تزال تهدّدني بذلك وتعاديني كما تعادي سائر أولياء أخيك حسدا له ولولده على الأمر، وأنت تضعف عنه وعنهم، وتستخفّ بأوليائهم تشفيا «٢» ، وأرجو ألّا يخرجها الله تعالى عن يد الرشيد وولده، وأن يقتلك دونها، وإن صارت إليك والعياذ بالله فحرام عليّ العيش يومئذ والموت أطيب من الحياة معك، فاصنع حينئذ ما بدا لك. فلما خرج الرشيد وثب إبراهيم فجلس بين يديه وقال: يا أمير المؤمنين شتمني وذكر أمي واستخفّ بي، فغضب الرشيد وقال: ما تقول ويلك؟ قلت: لا أعلم، سل من حضر، فأقبل على مسرور وحسين الخادم فسألهما عن القصّة، فجعلا يخبرانه ووجهه يربدّ إلى أن انتهيا إلى ذكر الخلافة فسرّي عنه ورجع لونه وقال لابراهيم: ما له ذنب، شتمته فعرّفك أنه لا يقدر على جوابك، ارجع الى موضعك وأمسك عن هذا. فلما انقضى المجلس وانصرف الناس أمر أن لا أبرح، وخرج كلّ من حضر حتى لم يبق غيري، فساء ظنّي وهمّتني نفسي، فأقبل عليّ وقال لي: ويحك يا إسحاق، أتراني لا أعرف وقائعك؟! قد والله زنّيته دفعات، ويحك لا تعد، ويحك حدّثني عنك لو ضربك أخي إبراهيم أكنت أقتصّ لك منه فأضربه وهو أخي؟ يا جاهل أتراه لو أمر غلمانه أن يقتلوك فقتلوك أكنت أقتله بك؟ فقلت: قد والله قتلتني يا أمير المؤمنين بهذا الكلام، ولئن بلغه ليقتلنّي، وما أشكّ في أنه قد بلغه الآن، فصاح بمسرور الخادم وقال: عليّ بإبراهيم الساعة، وقال لي: قم فانصرف، فقلت لجماعة من الخدم، وكلّهم كان لي محبا وإليّ مائلا: أخبروني بما يجري، فأخبروني من غد أنّه لما دخل عليه وبّخه وجهّله وقال: لم تستخفّ بخادمي وصنيعتي ونديمي وابن خادمي وصنيعة أبي في مجلسي وتقدم عليّ وتصنع في مجلسي وحضرتي؟! هاه هاه تقدم على هذا وأمثاله وأنت مالك والغناء وما يدريك ما هو ومن أخذ لحنه وطارحك إياه حتى تظن أنك تبلغ منه مبلغ

стр. 599

إسحاق الذي غذي به وهو صناعته، ثم تظنّ أنك تخطّئه فيما لا تدريه، ويدعوك إلى إقامة الحجة عليك فلا تثبت لذلك وتعتصم بشتمه، أليس هذا مما يدل على السقوط وضعف العقل وسوء الأدب من دخولك فيما لا يشبهك ثم إظهارك إياه ولم تحكمه؟! أليس تعلم ويحك أن هذا سوء رأي وأدب وقلة معرفة ومبالاة بالخطأ والتكذيب والردّ القبيح؟! ثم قال له: والله العظيم وحقّ رسوله الكريم وإلّا فأنا نفيّ من أبي لئن أصابه سوء أو سقط عليه حجر من السماء، أو سقط من دابته، أو سقط عليه سقف، أو مات فجأة لأقتلنك به، والله والله والله، وأنت أعلم فلا تعرض له؛ قم الآن فاخرج، فخرج وقد كاد يموت. فلما كان بعد ذلك دخلت عليه وإبراهيم عنده، فأعرضت عنه، فجعل الرشيد ينظر إليّ مرة وإلى إبراهيم أخرى ويضحك، ثم قال له: إني لأعلم محبّتك لإسحاق وميلك إليه والأخذ عنه، وإن هذا لا تقدر عليه كما تريد إلا أن يرضى، والرضى لا يكون بمكروه، ولكن أحسن إليه وأكرمه وبرّه وصله، فإذا فعلت ذلك ثم خالف ما تهواه عاقبته بيد منبسطة ولسان منطلق، ثم قال لي: قم إلى مولاك وابن مولاك فقبّل رأسه، فقمت إليه وأصلح بيننا. وحدث «١» المبرّد قال: حدّثت عن الأصمعي قال: دخلت أنا وإسحاق بن إبراهيم يوما على الرشيد فرأيته لقس النفس، فأنشده إسحاق «٢» : وآمرة بالبخل قلت لها اقصري ... فذلك شيء ما إليه سبيل أرى الناس خلّان الكرام ولا أرى ... بخيلا له حتى الممات خليل وانّي رأيت البخل يزري بأهله ... فأكرمت نفسي أن يقال بخيل ومن خير أخلاق الفتى قد علمته ... إذا نال منها أن يقال «٣» ينيل فعالي فعال الموسرين تكرّما ... ومالي كما قد تعلمين قليل وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جميل

стр. 600

قال فقال الرشيد: لأكفينّك إن شاء الله، ثم قال: لله درّ أبيات تأتينا بها ما أشدّ أصولها، وأحسن فصولها، وأقلّ فضولها، وأمر له بخمسين ألف درهم، فقال له إسحاق: وصفك والله يا أمير المؤمنين لشعري أحسن منه فعلام آخذ الجائزة؟ فضحك الرشيد وقال: اجعلوها لهذا القول مائة ألف درهم، قال الأصمعي: فعلمت يومئذ أن إسحاق أحذق بصيد الدراهم مني. وحدث «١» إسحاق قال: قال لي الرشيد يوما: بأيّ شيء يتحدّث الناس؟ قلت: يتحدثون أنك تقبض على البرامكة وتولّي الفضل بن الربيع الوزارة، فغضب وصاح وقال: وما أنت وذاك؟ فأمسكت، فلما كان بعد أيام دعا بنا فكان أوّل شيء غنيته: إذا نحن صدقناك ... فضرّ عندك الصدق طلبنا النفع بالباط ... ل إذ لم ينفع الحقّ فلو قدّم صبّا في ... هواه الصبر والرفق لقدّمت على الناس ... ولكن الهوى رزق - والشعر لأبي العتاهية- قال: فضحك الرشيد وقال لي: يا إسحاق قد صرت حقودا. وحدثت «٢» شهوات جارية إسحاق التي كان أهداها إلى الواثق أن محمدا الأمين لما غنى إسحاق لحنه الذي صنعه في شعره: يا أيّها القائم الأمين «٣» فدت ... نفسك نفسي بالأهل والولد بسطت للناس إذ وليتهم ... يدا من الجود فوق كلّ يد فأمر له بألف ألف درهم، فرأيتها قد أدخلت «٤» إلى دارنا يحملها مائة فراش.
следующие страницы →