← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الموصلي المأمون أن يكون دخوله إليه مع أهل العلم والأدب والرواة لا مع المغنين، فإذا أراد الغناء غنّاه، فأجابه إلى ذلك، ثم سأله بعد مدّة أن يكون دخوله مع الفقهاء، فأذن له في ذلك، فكان يدخل ويده في يد القضاة حتى يجلس بين يدي المأمون. ثم مضت مدة على ذلك فسأله في لبس السواد يوم الجمعة والصلاة معه في المقصورة، قال: فضحك المأمون وقال: ولا كلّ هذا يا إسحاق، قد اشتريت منك هذه المسألة بمائة ألف درهم، وأمر له بها. وحدث المرزباني عن محمد بن عطية الشاعر قال «١» : كنت عند يحيى بن أكثم في مجلس له يجتمع إليه فيه أهل العلم، وحضره إسحاق، فجعل يناظر أهل الكلام حتى انتصف منهم، ثم تكلم في الفقه فأحسن واحتج، ثم تكلم في الشعر واللغة ففاق فيها من حضر، فأقبل على يحيى بن أكثم وقال: أعزّ الله القاضي أفي شيء مما ناظرتك فيه تقصير؟ قال: لا والله، قال: فما بالي أقوم بسائر العلوم قيام أهلها وأنسب إلى فنّ واحد قد اقتصر الناس عليه؟ قال العطويّ: فالتفت إليّ يحيى بن أكثم وقال: جوابه في هذا عليك، قال- وكان العطوي من أهل الجدل والكلام- فالتفتّ إلى إسحاق وقلت: يا أبا محمد «٢» أخبرني إذا قيل من أعلم الناس بالشعر واللغة؟؟ أيقولون إسحاق أم الأصمعي وأبو عبيدة؟ فقال: بل الأصمعيّ وأبو عبيدة، قال: فإن قيل من أعلم الناس بالنحو؟ أيقولون إسحاق أم الخليل وسيبويه؟ قال: بل الخليل وسيبويه، قال: فإن قيل من أعلم الناس بالأنساب؟ أيقولون إسحاق أم ابن الكلبي؟ قال: بل ابن الكلبي، قال: فإن قيل من أعلم الناس بالكلام؟ أيقولون إسحاق أم أبو الهذيل والنظام؟ قال: بل أبو الهذيل والنظام، قال: فإن قيل من أعلم الناس بالفقه؟ أيقولون إسحاق أم أبو حنيفة وأبو يوسف؟ فقال: بل أبو حنيفة وأبو يوسف، قال: فإن قيل من أعلم الناس بالحديث؟ أيقولون إسحاق أم علي بن المديني ويحيى بن معين؟ قال: بل علي بن المديني ويحيى بن معين، قال: فإذا قيل من أعلم الناس بالغناء أيجوز أن يقول قائل فلان أعلم من إسحاق؟ قال: لا، قلت:

стр. 597

فمن ها هنا نسبت إلى ما نسبت إليه لأنه لا نظير لك فيه وأنت في غيره لك نظراء، فضحك وقام وانصرف. فقال لي يحيى بن أكثم: لقد وفّيت الحجة وفيها ظلم قليل لإسحاق، لأنه ربما ماثل أو زاد على من فضّلته عليه وإنه ليقل في الزمان نظيره. وكان إسحاق قد روى الحديث عن جماعة منهم: أبو معاوية الضرير وهشيم وابن عيينة وغيرهم. وكان مع كراهيته للغناء أحذق خلق الله به ممن تقدّم وتأخر، وأشدّ الناس بخلا به على كل أحد حتى على جواريه وغلمانه ومن يأخذ عنه منتسبا إليه متعصبا له فضلا عن غيره، وهو الذي صحّح أجناس الغناء وطرائقه وميّزها تمييزا لم يقدر عليه أحد قبله ولا تعلّق به أحد بعده، ولم يكن قديما مميّزا على هذا الجنس. وكان «١» إبراهيم بن المهدي يأكل المغنين أكلا حتى يحضر إسحاق فيداريه إبراهيم ويطلب مكافأته، ولا يدع إسحاق تبكيته ومعارضته، وكان إسحاق آفته- كما إن لكل شيء آفة- وله معه عدة مشاهد. قال إسحاق «٢» : كنت يوما عند الرشيد وعنده ندماؤه وخاصته، وفيهم إبراهيم ابن المهدي، فقال لي الرشيد: يا إسحاق تغنّ: شربت مدامة وسقيت أخرى ... وراح المنتشون وما انتشيت فغنيته، فأقبل عليّ إبراهيم بن المهدي فقال: ما أصبت يا إسحاق ولا أحسنت، فقلت له: ليس هذا مما تحسنه ولا تعرفه، وإن شئت فغنه، فإن لم أوجدك أنك تخطىء فيه منذ ابتدائك إلى انتهائك فدمي حلال، ثم أقبلت على الرشيد فقلت: يا أمير المؤمنين هذه صناعتي وصناعة أبي وهي التي قرّبتنا منك واستخدمتنا إليك وأوطأتنا بساطك، فإذا نازعناها أحد بلا علم لم نجد بدّا من الإيضاح والذبّ، فقال: لا غرو ولا لوم عليك، وقام الرشيد ليبول، فأقبل عليّ إبراهيم وقال: ويلك يا إسحاق تجترىء عليّ وتقول ما قلت يا ابن الزانية؟ فداخلني ما لم أملك نفسي معه فقلت له: أنت تشتمني ولا أقدر على إجابتك، وأنت ابن الخليفة وأخو الخليفة ولولا ذلك لقد كنت أقول لك: يا ابن الزانية كما قلت لي يا ابن الزانية، ولكنّ قولي في

стр. 598

ذمّك ينصرف إلى خالك الأعلم، ولو لاك لذكرت صناعته ومذهبه- قال إسحاق: وكان بيطارا- وعلمت أنّ إبراهيم يشكوني إلى الرشيد، وأن الرشيد سيسأل من حضر عما جرى فيخبرونه «١» ، ثم قلت له: أنت تظنّ أنّ الخلافة تصير إليك، فلا تزال تهدّدني بذلك وتعاديني كما تعادي سائر أولياء أخيك حسدا له ولولده على الأمر، وأنت تضعف عنه وعنهم، وتستخفّ بأوليائهم تشفيا «٢» ، وأرجو ألّا يخرجها الله تعالى عن يد الرشيد وولده، وأن يقتلك دونها، وإن صارت إليك والعياذ بالله فحرام عليّ العيش يومئذ والموت أطيب من الحياة معك، فاصنع حينئذ ما بدا لك. فلما خرج الرشيد وثب إبراهيم فجلس بين يديه وقال: يا أمير المؤمنين شتمني وذكر أمي واستخفّ بي، فغضب الرشيد وقال: ما تقول ويلك؟ قلت: لا أعلم، سل من حضر، فأقبل على مسرور وحسين الخادم فسألهما عن القصّة، فجعلا يخبرانه ووجهه يربدّ إلى أن انتهيا إلى ذكر الخلافة فسرّي عنه ورجع لونه وقال لابراهيم: ما له ذنب، شتمته فعرّفك أنه لا يقدر على جوابك، ارجع الى موضعك وأمسك عن هذا. فلما انقضى المجلس وانصرف الناس أمر أن لا أبرح، وخرج كلّ من حضر حتى لم يبق غيري، فساء ظنّي وهمّتني نفسي، فأقبل عليّ وقال لي: ويحك يا إسحاق، أتراني لا أعرف وقائعك؟! قد والله زنّيته دفعات، ويحك لا تعد، ويحك حدّثني عنك لو ضربك أخي إبراهيم أكنت أقتصّ لك منه فأضربه وهو أخي؟ يا جاهل أتراه لو أمر غلمانه أن يقتلوك فقتلوك أكنت أقتله بك؟ فقلت: قد والله قتلتني يا أمير المؤمنين بهذا الكلام، ولئن بلغه ليقتلنّي، وما أشكّ في أنه قد بلغه الآن، فصاح بمسرور الخادم وقال: عليّ بإبراهيم الساعة، وقال لي: قم فانصرف، فقلت لجماعة من الخدم، وكلّهم كان لي محبا وإليّ مائلا: أخبروني بما يجري، فأخبروني من غد أنّه لما دخل عليه وبّخه وجهّله وقال: لم تستخفّ بخادمي وصنيعتي ونديمي وابن خادمي وصنيعة أبي في مجلسي وتقدم عليّ وتصنع في مجلسي وحضرتي؟! هاه هاه تقدم على هذا وأمثاله وأنت مالك والغناء وما يدريك ما هو ومن أخذ لحنه وطارحك إياه حتى تظن أنك تبلغ منه مبلغ

стр. 599

إسحاق الذي غذي به وهو صناعته، ثم تظنّ أنك تخطّئه فيما لا تدريه، ويدعوك إلى إقامة الحجة عليك فلا تثبت لذلك وتعتصم بشتمه، أليس هذا مما يدل على السقوط وضعف العقل وسوء الأدب من دخولك فيما لا يشبهك ثم إظهارك إياه ولم تحكمه؟! أليس تعلم ويحك أن هذا سوء رأي وأدب وقلة معرفة ومبالاة بالخطأ والتكذيب والردّ القبيح؟! ثم قال له: والله العظيم وحقّ رسوله الكريم وإلّا فأنا نفيّ من أبي لئن أصابه سوء أو سقط عليه حجر من السماء، أو سقط من دابته، أو سقط عليه سقف، أو مات فجأة لأقتلنك به، والله والله والله، وأنت أعلم فلا تعرض له؛ قم الآن فاخرج، فخرج وقد كاد يموت. فلما كان بعد ذلك دخلت عليه وإبراهيم عنده، فأعرضت عنه، فجعل الرشيد ينظر إليّ مرة وإلى إبراهيم أخرى ويضحك، ثم قال له: إني لأعلم محبّتك لإسحاق وميلك إليه والأخذ عنه، وإن هذا لا تقدر عليه كما تريد إلا أن يرضى، والرضى لا يكون بمكروه، ولكن أحسن إليه وأكرمه وبرّه وصله، فإذا فعلت ذلك ثم خالف ما تهواه عاقبته بيد منبسطة ولسان منطلق، ثم قال لي: قم إلى مولاك وابن مولاك فقبّل رأسه، فقمت إليه وأصلح بيننا. وحدث «١» المبرّد قال: حدّثت عن الأصمعي قال: دخلت أنا وإسحاق بن إبراهيم يوما على الرشيد فرأيته لقس النفس، فأنشده إسحاق «٢» : وآمرة بالبخل قلت لها اقصري ... فذلك شيء ما إليه سبيل أرى الناس خلّان الكرام ولا أرى ... بخيلا له حتى الممات خليل وانّي رأيت البخل يزري بأهله ... فأكرمت نفسي أن يقال بخيل ومن خير أخلاق الفتى قد علمته ... إذا نال منها أن يقال «٣» ينيل فعالي فعال الموسرين تكرّما ... ومالي كما قد تعلمين قليل وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جميل

стр. 600

قال فقال الرشيد: لأكفينّك إن شاء الله، ثم قال: لله درّ أبيات تأتينا بها ما أشدّ أصولها، وأحسن فصولها، وأقلّ فضولها، وأمر له بخمسين ألف درهم، فقال له إسحاق: وصفك والله يا أمير المؤمنين لشعري أحسن منه فعلام آخذ الجائزة؟ فضحك الرشيد وقال: اجعلوها لهذا القول مائة ألف درهم، قال الأصمعي: فعلمت يومئذ أن إسحاق أحذق بصيد الدراهم مني. وحدث «١» إسحاق قال: قال لي الرشيد يوما: بأيّ شيء يتحدّث الناس؟ قلت: يتحدثون أنك تقبض على البرامكة وتولّي الفضل بن الربيع الوزارة، فغضب وصاح وقال: وما أنت وذاك؟ فأمسكت، فلما كان بعد أيام دعا بنا فكان أوّل شيء غنيته: إذا نحن صدقناك ... فضرّ عندك الصدق طلبنا النفع بالباط ... ل إذ لم ينفع الحقّ فلو قدّم صبّا في ... هواه الصبر والرفق لقدّمت على الناس ... ولكن الهوى رزق - والشعر لأبي العتاهية- قال: فضحك الرشيد وقال لي: يا إسحاق قد صرت حقودا. وحدثت «٢» شهوات جارية إسحاق التي كان أهداها إلى الواثق أن محمدا الأمين لما غنى إسحاق لحنه الذي صنعه في شعره: يا أيّها القائم الأمين «٣» فدت ... نفسك نفسي بالأهل والولد بسطت للناس إذ وليتهم ... يدا من الجود فوق كلّ يد فأمر له بألف ألف درهم، فرأيتها قد أدخلت «٤» إلى دارنا يحملها مائة فراش.

стр. 601

وحدث «١» إسحاق قال: أقام المأمون بعد قدومه عشرين شهرا لم يسمع حرفا من الأغاني، ثم كان أول من تغنّى بحضرته أبو عيسى ابن الرشيد، ثم واظب على السماع متستّرا متشبّها في أول أمره بالرشيد، فأقام على ذلك أربع حجج، ثم ظهر للندماء والمغنين. وكان حين أحبّ السماع سأل عني فجرّحت بحضرته، وقال الطاعن عليّ: ما يقول أمير المؤمنين في رجل يتيه على الخلافة؟ فقال: ما بقّى هذا شيئا من التيه إلا استعمله، فأمسك عن ذكري، وجفاني من كان يصلني لسوء رأيه الذي ظهر فيّ، فأضرّ ذلك بي، حتى جاءني علويه يوما فقال لي: أتأذن لي في ذكرك، فإنّا قد دعينا اليوم؟ فقلت: لا، ولكن غنّه بهذا الشعر، فإنه سيبعثه على أن يسألك لمن هذا؟ فإذا سألك انفتح لك ما تريد، فكان الجواب أسهل عليك من الابتداء، وألقيت عليه لحني في شعري: يا سرحة الماء قد سدّت موارده ... أما إليك طريق غير مسدود لحائم حام حتى لا حيام له ... محلأ عن طريق الماء مطرود قال: فلما استقرّ بعلويه المجلس غنّاه الشعر الذي أمرته، فما عدا المأمون أن سمع الغناء حتى قال: ويلك يا علويه لمن هذا الشعر؟ قلت: يا سيدي لعبدك الذي جفوته واطّرحته لغير جرم، فقال إسحاق تعني؟ قلت: نعم، فقال: يحضرني الساعة، فجاءني رسوله فصرت إليه، فلما دخلت عليه قال: ادن فدنوت منه فرفع يديه مادّهما إليّ فأكببت عليه، فاحتضنني بيديه وأظهر من بري وإكرامي ما لو أظهر صديق مؤانس لصديق لسرّه. وقال «٢» إسحاق غنّيت المأمون يوما: لأحسن من قرع المثاني ورجعها ... تواتر صوت الثغر يقرع بالثغر وسكر الهوى أروى لعظمي ومفصلي ... من الشرب بالكاسات من عاتق الخمر فقال لي المأمون: ألا أخبرك بأطيب من ذلك وأحسن؟ الفراغ والشباب والجدة.

стр. 602

وحدث «١» إسحاق قال: ذكر المعتصم وأنا بحضرته يوما بعض أصحابه وقد غاب عنه، فقال: تعالوا حتى نقول ما يصنع في هذا الوقت، فقال قوم كذا وقال آخرون كذا، فبلغت النوبة إليّ فقال: قل يا إسحاق، قلت: إذا أقول فأصيب، قال: أتعلم الغيب؟ قلت: ولكني أفهم ما يصنع وأقدر على معرفته، قال: فإن لم تصب؟ قلت: وإن أصبت؟ قال: لك حكمك، وإن لم تصب؟ قلت: لك دمي قال: وجب، قلت: وجب، قال: فقل، قلت: يتنفس، قال: وإن كان ميتا؟ قلت: تحفظ الساعة التي تكلمت فيها، فإن كان مات قبلها أو فيها فقد قمرتني، قال: قد أنصفت، قلت: فالحكم، قال: فاحتكم ما شئت، قلت: ما حكمي إلا رضاك يا أمير المؤمنين، قال: فإن رضاي لك وقد أمرت لك بمائة ألف درهم، أترى مزيدا؟ فقلت: ما أولاك يا أمير المؤمنين بذاك، قال: فإنها مائتا ألف أترى مزيدا؟ فقلت: ما أحوجني إلى ذاك، قال: فإنها ثلاثمائة ألف، أترى مزيدا؟ قلت: ما أولاك يا أمير المؤمنين بذاك، فقال: يا صفيق الوجه ما نزيد على هذا. وحدث «٢» إسحاق قال: كنت جالسا بين يدي الواثق وهو وليّ عهد إذ خرجت وصيفة من القصر كأنّها خوط بان، أحسن من رأته عيني، يقدمها «٣» عدة وصائف بأيديهن المذابّ والمناديل ونحو ذلك، فنظرت إليها نظر دهش وهو يرمقني «٤» ، فلما تبيّن إلحاح نظري إليها قال لي: ما لك يا أبا محمد، قد انقطع كلامك وبانت الحيرة فيك؟ فلجلجت، فقال: رمتك والله هذه الوصيفة فأصابت قلبك، فقلت: غير ملوم، فضحك وقال: أنشدني شيئا في هذا المعنى فأنشدته قول المرار: ألكني إليها عمرك الله يا فتى ... بآية ما قالت متى أنت رائح وآية ما قالت لهنّ عشيّة ... وفي الستر حرّات الوجوه ملائح تخيرن أرماكنّ فارمين رمية ... أخا أسد إذ طوّحته الطوائح «٥» فلبّسن مسلاس الوشاح كأنّها ... مهاة لها طفل برمّان راشح

стр. 603

فقال الواثق: أحسنت وحياتي وظرفت، فاصنع فيه لحنا فإن جاء كما أريد فالوصيفة لك، فصنعت فيه لحنا وغنّيته إياه، فانصرفت بالجارية. وحدث «١» إسحاق قال: غنّيت الواثق في شعر قلته عنده بسرّ من رأى وقد طال مقامي واشتقت إلى أهلي وهو: يا حبّذا ريح الجنوب إذا بدت ... في الصبح وهي ضعيفة الأنفاس قد حمّلت برد الندى وتحمّلت ... عبقا من الجثجاث والبسباس فاستحسنه وقال لي: يا إسحاق لو جعلت مكان الجنوب شمالا ألم تكن أرقّ وأعذى وأصحّ للأجساد وأقلّ وخامة وأطيب للأنفس؟ فقلت: ما ذهب عليّ ما قاله أمير المؤمنين، ولكن التفسير فيما بعد وهو: ماذا يهيج من الصبابة والهوى ... للصبّ بعد ذهوله والياس فقال الواثق: فإنما استطبت ما تجيء به الجنوب لنسيم بغداد لا للجنوب، وإليهم إشتقت لا إليها، فقلت: أجل يا أمير المؤمنين، وقمت فقبلت يده، فضحك وقال: قد أذنت لك بعد ثلاثة أيام فامض راشدا، وأمر لي بمائة ألف درهم. وحدث «٢» إسحاق قال: ما وصلني أحد من الخلفاء قطّ بمثل ما وصلني به الواثق، ولا كان أحد يكرمني إكرامه، ولقد غنّيته: لعلك إن طالت حياتك أن ترى ... بلادا بها مبدى لليلى ومحضر فاستعاده مني جمعة «٣» لا يشرب على غيره، ثم وصلني بثلاثمائة ألف درهم. ولقد استقدمني إليه فلما قدمت عليه قال لي: ويحك يا إسحاق أما اشتقت إليّ؟ فقلت: بلى والله يا سيدي، وقد قلت في ذلك أبياتا إن أمرتني أنشدتك إياها، قال: هات فأنشدته: أشكو إلى الله بعدي عن خليفته ... وما أعالج من سقم ومن كبر

стр. 604

لا أستطيع رحيلا إن هممت به ... يوما إليه ولا أقوى على السفر أنوي الرحيل إليه ثمّ يمنعني ... ما أحدث الدهر والأيام في بصري وإنما قال: ما أحدث الدهر والأيام في بصري، لأن إسحاق لما كبر ضعف بصره ثم أضرّ. واستأذنته في إنشاد قصيدة مدحته بها فأذن لي، فأنشدته «١» : لما أمرت بإشخاصي إليك هفا ... قلبي حنينا إلى أهلي وأولادي ثم اعتزمت ولم أحفل ببينهم ... وطابت النفس عن فضل وحمّاد فلو شكرت أياديكم وأنعمكم ... لما أحاط بها وصفي وتعدادي فقال أحمد بن إبراهيم لعلي بن يحيى، وقد أخبر بهذا الخبر: أخبرني لو قال الخليفة أحضرني فضلا وحمّادا أليس كان إسحاق يفتضح من دمامة خلقتهما وتجلّف «٢» شاهدهما؟! قال إسحاق «٣» : وانحدرت معه إلى النجف فقلت له: يا أمير المؤمنين قد قلت في النّجف قصيدة، قال: هاتها فأنشدته: يا راكب العيس لا تعجل بنا وقف ... نحيّ دارا لسعدى ثم ننصرف حتى انتهيت فيها إلى قولي: لم ينزل الناس في سهل ولا جبل ... أصفى هواء ولا أعذى من النجف حفّت ببرّ وبحر في جوانبها ... فالبرّ في طرف والبحر في طرف وما يزال نسيم من يمانية ... يأتيك منها بريّا روضة أنف ثم مدحته فقلت: لا يحسب الجود يفني ماله أبدا ... ولا يرى بذل ما يحوي من السّرف ومضيت فيها حتى أتممتها فطرب وقال: أحسنت والله يا أبا محمد، وكناني

стр. 605

يومئذ، وأمر لي بمائة ألف درهم. وانحدرت معه إلى الصالحية التي يقول فيها أبو نواس: فالصالحية من أطراف كلواذى فذكرت الصبيان وبغداد فقلت: أتبكي على بغداد وهي قريبة ... فكيف إذا ما ازددت منها غدا بعدا لعمرك ما فارقت بغداد عن قلى ... لو انا وجدنا من فراق لها بدّا إذا ذكرت بغداد نفسي تقطّعت ... من الشوق أو كادت تهيم بها وجدا كفى حزنا أن رحت لم أستطع لها ... وداعا ولم أحدث بساحتها «١» عهدا فقال لي: يا موصلي اشتقت إلى بغداد؟ فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين ولكن من أجل الصبيان، وقد حضرني بيتان فقال: هاتهما، فأنشدته «٢» : حننت إلى أصيبية صغار ... وشاقك منهم قرب المزار وأبرح ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الديار من الديار فقال لي: يا إسحاق صر إلى بغداد فأقم مع عيالك شهرا ثم صر إلينا وقد أمرت لك بمائة ألف درهم. وحدث حمّاد «٣» بن إسحاق عن إسحاق قال: دخلت يوما دار الواثق بالله بغير إذن إلى موضع أمر أن أدخله إذا كان جالسا، فسمعت صوت عود من بيت وترنما لم أسمع أحسن منه قط، فأطلع خادم رأسه وصاح فدخلت، وإذا الواثق، فقال لي: أي شيء سمعت؟ فقلت: الطلاق كاملا لازم لي وكلّ مملوك «٤» لي حرّ لقد سمعت ما لم أسمع مثله قط حسنا، فضحك وقال: ما هو إلا فضلة «٥» أدب وعلم مدحه الأوائل واشتهاه أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون بعدهم وكثر في حرم الله ومهاجر

стр. 606

رسوله ﷺ ، أتحبّ أن تسمعه؟ قلت: أي والذي شرّفني بخطاب أمير المؤمنين وجميل رأيه، فقال: يا غلام هات العود وأعط إسحاق رطلا فدفع الرطل إليّ وضرب وغنّى في شعر لأبي العتاهية بلحن صنعه فيه: أضحت قبورهم من بعد عزّتهم ... تسفي عليها الصّبا والحرجف الشّمل لا يدفعون هواما «١» عن وجوههم ... كأنهم خشب بالقاع منجدل فشربت الرطل ثم قمت ودعوت له، فأجلسني وقال: أتشتهي أن تسمعه «٢» ثانية؟ قلت: أي والله، فغنّانيه ثانية وثالثة وصاح ببعض خدمه وقال: احمل إلى إسحاق الساعة ثلاثمائة ألف درهم، قال: يا إسحاق قد سمعت ثلاثة أصوات وشربت ثلاثة أرطال وأخذت ثلاثمائة ألف درهم، فانصرف إلى أهلك مسرورا ليسرّوا معك، فانصرفت بالمال. وحدث «٣» إسحاق بن إبراهيم قال: جاءني الزبير بن دحمان يوما مسلما فقلت له: إلى أين؟ فقال: إن الفضل بن الربيع أمرني أن أبكّر إليه لنصطبح، فقلت له: أنت تعرف أن صبوح الفضل غبوق غيره، فأقم عندي نشرب، ثم قلت له: أقم يا أبا العوّام ويحك نشرب ... ونله مع اللاهين يوما ونطرب إذا ما رأيت اليوم قد بان خيره ... فخذه بشكر واترك الفضل يغضب قال: فأقام عندي وسررنا يومنا، ثم صار إلى الفضل فسأله عن سبب تأخره عنه فحدثه الحديث وأنشده الشعر، فعتب عليّ وحوّل وجهه عني، وأمر عونا حاجبه بأن لا يدخلني ولا يستأذن لي عليه ولا يوصل لي رقعة إليه، فقلت وكتبت بها إلى الفضل «٤» :

стр. 607

يقول أناس شامتون وقد رأوا ... مقامي وإغبابي الرواح إلى الفضل لقد كان هذا خصّ بالفضل مرّة ... فأصبح منه اليوم منصرم الحبل ولو كان لي في ذاك ذنب علمته ... لقطّعت نفسي بالملامة والعذل وتوصلت حتى عرضت الأبيات عليه، فلما قرأها قال: أعجب من ذنبه وأشدّ أنه لا يرى من نفسه ذنبا بذلك الفعل، فقلت في نفسي: لا أرى أمره يصلحه إلا حاجبه عون، فقلت لعون «١» : عون يا عون ليس مثلك عون ... أنت لي عدة إذا كان كون لك عندي والله إن رضي ... الفضل غلام يرضيك أو برذون فقال: اكتب رقعة وقل شعرا لأعرضه لك عليه، فقلت «٢» : حرام عليّ الراح ما دمت غضبانا ... وما لم يعد عني رضاك كما كانا فأحسن فإني قد أسأت ولم تزل ... تعوّدني عند الإساءة إحسانا قال: فأتى الفضل بالشعرين جميعا فقرأهما وضحك وقال: ويحك إنما عرّض بقوله: «غلام يرضيك» بالسوءة، فقال: قد وعدني بما قد سمعت فإن شئت أن تحرمنيه فأنت أعلم، فأمره أن يرسل إليّ، فأتاني رسوله فصرت إليه فرضي عني ووفيت لعون. وحدث إسحاق قال «٣» : عتب عليّ جعفر بن يحيى وقال: إني لا أراك ولا تغشاني، فقلت: إني أتيتك كثيرا فيحجبني خادمك نافذ، فقال: إذا حجبك عني فنكه، فكتبت إليه بعد أيام: جعلت فداءك من كلّ سوء ... إلى حسن رأيك أشكو أناسا يحولون بيني وبين السلام ... فليس أسلّم إلّا اختلاسا وأنفذت أمرك في نافذ ... فما زاده ذاك إلّا شماسا

стр. 608

قال: فأحضرني ودعا نافذا وقرأ الأبيات عليه وقال له: فعلتها يا عدوّ الله؟! فغضب نافذ حتى كاد يبكي وجعفر يضحك ويصفّق، ثم لم يعد بعدها إلى التعرض. وحدث «١» علي بن الصباح قال: كانت امرأة من بني كلاب يقال لها زهراء تحدّث إسحاق وتناشده، وكانت تميل إليه وتكني عنه في شعرها إذا ذكرته ب «جمل» قال: فحدثني إسحاق أنها كتبت إليه وقد غابت عنه: وجدي بجمل على أني أجمجمه ... وجد السقيم ببرء بعد إدناف أو وجد ثكلى أصاب الموت واحدها ... أو وجد مغترب من بين ألّاف قال فأجبتها: اقرا السلام على زهراء إذ ظعنت «٢» ... وقل لها قد أذقت القلب ما خافا أما أويت «٣» لمن خلّفت مكتئبا ... يذري مدامعه سحّا وتوكافا فما وجدت على إلف فجعت به «٤» ... وجدي عليك وقد فارقت ألّافا وحدث محمد بن عبد الله الخزاعي قال: أنشدني إسحاق لنفسه «٥» : سقى الله يوم الماوشان ومجلسا ... به كان أحلى عندنا من جنى النحل غداة اجتنينا اللهو غضّا ولم نبل ... حجاب أبي نصر ولا غضب الفضل غدونا صحاحا ثم رحنا كأننا ... أطاف بنا شرّ شديد من الخبل فسألته ان يكتبنيها ففعل، فقلت له: ما حديث يوم الماوشان فقال: لو لم أكتبك الأبيات ما سألت عما لا يعنيك، ولم يخبرني. قال «٦» : وكان ابن الأعرابي يصف اسحاق ويقرظه ويثني عليه ويذكر أدبه وحفظه

стр. 609

وعلمه وصدقه ويستحسن قوله: هل إلى أن تنام عيني سبيل ... إنّ عهدي بالنوم عهد طويل غاب عنّي من لا أسمي فعيني ... كلّ يوم وجدا عليه تسيل إنّ ما قلّ منك يكثر عندي ... وكثير ممن تحبّ القليل وكان اسحاق إذا غنى هذه الأبيات تفيض عيناه ويبكي أحرّ بكاء فسئل عن بكائه فقال: تعشقت جارية فقلت لها هذه الأبيات ثم ملكتها وكنت مشغوفا بها حتى كبرت واعتلت عيني، فإذا غنيت هذا الصوت ذكرت أيامه المتقدمة، وأنا أبكى على دهري الذي كنت فيه. قال إسحاق «١» وأنشدني بعض الأعراب لنفسه: ألا قاتل الله الحمامة غدوة ... على الغصن ماذا هيّجت حين غنّت تغنّت بصوت أعجميّ فهيّجت ... من الوجد «٢» ما كانت ضلوعي أجنّت فلو قطرت عين امرىء من صبابة ... دما قطرت عيني دما وأبلّت «٣» فما سكتت حتى أويت لصوتها ... وقلت أرى هذي الحمامة جنّت ولي زفرات لو يدمن قتلنني ... بشوق إلى هاتي «٤» التي قد تولّت إذا قلت هذي زفرة اليوم قد مضت ... فمن لي بأخرى في غد قد أظلّت فيا منشر الموتى أعنّي على التي ... «٥» بها نهلت نفسي سقاما وعلّت لقد بخلت حتى لو اني سألتها ... قذى العين من سافي التراب لضنّت فقلت ارحلا يا صاحبيّ فليتني ... أرى كلّ نفس أعطيت ما تمنّت حلفت لها بالله ما أمّ واحد ... إذا ذكرته آخر الليل أنّت

стр. 610

ولا وجد أعرابية قذفت بها ... صروف النوى من حيث لم تك ظنّت إذا ذكرت ماء العذيب «١» وطيبه ... وبرد حصاه آخر الليل حنّت «٢» بأكثر مني لوعة غير أنّني ... أجمجم أحشائي على ما أجنّت وحدث «٣» حماد بن إسحاق: لما خرج أبي إلى البصرة وعاد أنشدني لنفسه: ما كنت أعرف ما في البين من حزن ... حتى تنادوا بأن قد جيء بالسفن لما افترقنا على كره لفرقتنا ... أيقنت أني قتيل الهمّ والحزن قامت تودعني والدمع يغلبها ... فجمجمت بعض ما قالت ولم تبن مالت عليّ تفدّيني وترشفني ... كما يميل نسيم الريح بالغصن وأعرضت ثم قالت وهي باكية ... يا ليت معرفتي إياك لم تكن وحدث «٤» إسحاق قال: دخلت على الأصمعي فأنشدته أبياتا قلتها وكتبتها إلى بعض الأعراب، وهي «هل إلى أن تنام عيني سبيل» ... الأبيات، وهي متقدمة، قال: فجعل يعجب بها ويرددها، فقلت له: انها بنو ليلتها، فقال: لا جرم أن أثر التوليد فيها بيّن، فقلت: ولا جرم أن أثر الحسد فيك ظاهر. وكان «٥» إسحاق يقوم على ابن الاعرابي ويبرّه، فكان ابن الأعرابي يقول: إسحاق والله أحقّ بقول أبي تمام: ترمي «٦» بأشباحنا إلى ملك ... نأخذ من ماله ومن أدبه ممن قد قيل فيه. وحدث «٧» إسحاق قال: بعث إليّ طلحة بن طاهر وقد انصرف من وقعة الشراة،

стр. 611

وقد أصابته ضربة في وجهه فقال: غنّني فغنّيته في شعر بعض الأعراب: إني لأكني بأجبال عن اجبلها ... وباسم أودية عن إسم واديها عمدا ليحسبها الواشون غانية ... أخرى وتحسب أني لست أعنيها ولا يغيّر ودي أن أهاجرها ... ولا فراق نوى في الدار أنويها وللقلوص ولي منها إذا بعدت ... بوارح الشوق تنضيني وأنضيها فقال: أحسنت والله أعده، فأعدته عليه وهو يشرب، حتى صلى العتمة وأنا أغنّيه إياه، فأقبل على خادم له فقال له: كم عندك؟ فقال: مقدار سبعين ألف درهم، فقال: تحمل معه، فلما خرجت من عنده تبعني جماعة من الغلمان يسألوني، فوزّعت المال بينهم، فرفع الخبر إليه فأغضبه ولم يوجه إليّ ثلاثا، فكتبت إليه: علمني جودك السماح فما ... أبقيت شيئا لديّ من صلتك لم أبق شيئا إلا سمحت به ... كأنّ لي قدرة كمقدرتك تتلف في اليوم بالهبات و ... في الساعة ما تجتبيه في سنتك فلست أدري من أين تنفق لو ... لا أن ربّي يجزي على هبتك فلما كان في اليوم الرابع بعث إليّ فصرت إليه، فدخلت فسلمت، ورفع بصره إليّ ثم قال: اسقوه رطلا، فسقيته «١» ، فأمر لي بآخر وآخر فشربت ثلاثة ثم قال غنني: «إني لأكني بأجبال عن اجبلها» فغنيته إياه ثم أتبعته الأبيات التي قلتها فقال لي: ادن فدنوت، فقال لي: أعد الصوت فأعدته، فلما فهمه وعرف المعنى قال لخادم له: أحضرني فلانا فأحضره، فقال له: كم قبلك من مال الضياع، قال: ثمانمائة «٢» ألف درهم، فقال: أحضرها الساعة، فجيء بثمانين بدرة، فقال: جئني بثمانين مملوكا، فأحضروا فقال: أحملوا المال، ثم قال: يا أبا محمد خذ «٣» المال والمماليك حتى لا تحتاج إلى أحد تعطيه شيئا.

стр. 612

حدث «١» علي بن يحيى المنجم أن إسحاق لما انحدر إلى البصرة كتب إلى علي بن هشام القائد: جعلت فداك، بعث إليّ أبو نصر مولاك بكتاب منك إليّ يرتفع عن قدري ويقصّر عنه شكري، فلولا ما أعرف من معانيه لظننت أنّ الرسول غلط بي فيه، فما لنا ولك يا أبا عبد الله، تدعنا حتى إذا نسينا الدنيا وأبغضناها ورجونا السلامة من شرها أفسدت قلوبنا وعلّقت أنفسنا، فلا أنت تريدنا ولا أنت تتركنا، وما ذكرته من شوقك إليّ فلولا أنك حلفت عليه لقلت: يا من شكا عبثا إلينا شوقه ... شكوى المحبّ وليس بالمشتاق لو كنت مشتاقا إليّ تريدني ... ما طبت نفسا ساعة بفراقي وحفظتني حفظ الخليل خليله ... ووفيت لي بالعهد والميثاق هيهات قد حدثت أمور بعدنا ... وشغلت باللذات عن إسحاق قد تركت جعلت فداك ما كرهت من العتاب في الشعر وغيره، وقلت أبياتا لا أزال أخرج بها إلى ظهر المربد، وأستقبل الشمال وأتنسم أرواحكم فيها، ثم يكون ما الله أعلم به، وان كنت تكرهها تركتها إن شاء الله: ألا قد أرى أنّ الثواء قليل ... وأن ليس يبقى للخليل خليل وأني وإن ملّيت في العيش حقبة ... كذي سفر قد حان منه رحيل فهل لي إلى أن تنظر العين مرة ... إلى ابن هشام في الحياة سبيل فقد خفت أن ألقى المنايا بحسرة ... وفي النفس منه حاجة وغليل وأما بعد، فإني أعلم أنك وإن لم تسأل عن حالي تحبّ أن تعلمها وأن تأتيك عني سلامة، فأنا يوم كتبت إليك سالم البدن مريض القلب، وبعد فأنا جعلت فداك في صنعة كتاب ظريف مليح فيه تسمية القوم ونسبهم وبلادهم وأسبابهم وأزمنتهم، وما اختلفوا فيه من غنائهم، وبعض أحاديثهم وأحاديث قيان الحجاز والكوفة [والبصرة المعروفات والمذكورات] وقد بعثت إليك بأنموذج فإن كان كما قال القائل: قبّح الله

стр. 613

كلّ دنّ أوّله درديّ، لم نتجشّم إتمامه، وإن كان كما قال العربي «إنّ الجواد عينه فراره» أعلمتنا فأتممناه مسرورين بحسن رأيك فيه. وكان «١» إسحاق يألف عليا وأحمد بن هشام وسائر أهلهم إلفا شديدا، ثم وقعت بينهم نبوة ووحشة في أمر لم يقع إلينا، فهجاهم هجاء كثيرا. فحدّث أبو أيوب المديني عن مصعب الزبيري قال، قال لي أحمد بن هشام: أما تستحي أنت وصباح بن خاقان المنقري، وأنتما شيخان من مشايخ المروءة والعلم والأدب، أن يذكر كما إسحاق في شعره فيقول: قد نهانا مصعب وصباح ... فعصينا مصعبا وصباحا عذلا ما عذلا ثم ملّا ... فاسترحنا منهما واستراحا فقلت له: إن كان قد فعل فما قال إلّا خيرا، إنما ذكر أننا نهيناه عن خمر شربها أو امرأة عشقها، وقد أشاد باسمك في الشعر بأشدّ من هذا، قال: بماذا؟ قلت: بقوله: وصافية تعشي العيون رقيقة ... رهينة عام في الدنان وعام أدرنا بها الكأس الرويّة موهنا ... من الليل حتى انجاب كلّ ظلام فما ذرّ قرن الشمس حتى كأننا ... من العيّ نحكي أحمد بن هشام قال: أو قد فعل العاضّ بظر أمّه؟ قلت: إي والله قد فعل. ومن شعر إسحاق عند علوّ سنه: سلام على سير القلاص مع الركب ... ووصل الغواني والمدامة والشّرب سلام امرىء لم تبق منه بقية ... سوى نظر العينين أو شهوة القلب لعمري لئن حلّئت عن منهل الصبا ... لقد كنت ورّادا لمشرعه العذب ليالي أغدو بين برديّ لاهيا ... أميس كغصن البانة الناعم الرطب وحدث «٢» أبو بكر الصولي عن إبراهيم الشاهيني قال: كان إسحاق يسأل الله أن

стр. 614

لا يبتليه بالقولنج لما رأى من صعوبته على أبيه، فأري في منامه كأنّ قائلا يقول له: قد أجيبت دعوتك، ولست تموت بالقولنج، ولكن تموت بضدّه، فأصابه ذرب فمات منه في شهر رمضان سنة خمس وثلاثين ومائتين في خلافة المتوكل على الله، فبلغ المتوكل نعيه فغمّه وحزن عليه وقال: ذهب صدر عظيم من جمال الملك وبهائه وزينته، ثم نعي إليه بعده أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي الخارج عليه فقال: تكافأت الحالان، ثم قال: قام الفتح بوفاة أحمد وما كنت آمن وثبته عليّ مقام الفجيعة باسحاق، والحمد لله على ذلك. ورثاه أودّاؤه وأصدقاؤه بأشعار كثيرة منها قول إدريس ابن أبي حفصة «١» : سقى الله يا ابن الموصليّ بوابل ... من الغيث قبرا أنت فيه مقيم ذهبت فأوحشت الكرام فما يني ... بعبرته يبكي عليك كريم إلى الله أشكو فقد إسحاق إنني ... وإن كنت شيخا بالعراق يتيم وقال مصعب بن [عبد الله] الزبيري يرثي إسحاق «٢» : أتدري لمن تبكي العيون الذوارف ... وينهلّ منها مسبل ثم واكف لفقد امرىء لم يبق في الناس مثله ... مفيد لعلم أو صديق يلاطف تجهّز إسحاق إلى الله رائحا ... فلله ما ضمّت عليه اللفائف وما حمل النعش المولّي «٣» عشيّة ... من الناس إلّا دامع العين لاهف «٤» فلقّيت في يمنى يديك صحيفة ... إذا نشرت يوم الحساب الصحائف تسرّك يوم البعث عند قراتها ... ويفترّ ضحكا كلّ من هو واقف «٥»

стр. 615

وحدث الصولي قال: كان «١» لإسحاق من الولد حميد وحماد وأحمد وحامد وإبراهيم وفضل، ولم يكن في ولد إبراهيم من يغني إلا إسحاق وطياب أخوه. ومات إسحاق وله من التصانيف التي تولّى هو بنفسه تصنيفها «٢» كتاب أغانيه التي غنى فيها. كتاب أخبار عزة الميلاء. كتاب أغاني معبد. كتاب أخبار حماد عجرد. كتاب أخبار حنين الحيري. كتاب أخبار ذي الرمّة. كتاب أخبار طويس. كتاب أخبار المغنين المكيين. كتاب أخبار سعيد بن مسجح. كتاب أخبار الدلّال. كتاب أخبار محمد بن عائشة. كتاب أخبار الأبجر. كتاب أخبار ابن صاحب الوضوء. كتاب الاختيار من الأغاني للواثق. كتاب اللحظ والاشارات. كتاب الشراب، يروي فيه عن العباس بن معن وابن الجصاص وحماد بن ميسرة. كتاب جواهر الكلام. وكتاب الرقص والزفن. كتاب النغم والايقاع. كتاب أخبار الهذليين. كتاب الرسالة إلى علي بن هشام. كتاب قيان الحجاز. كتاب القيان. كتاب النوادر المتخيرة. كتاب الأخبار والنوادر. كتاب أخبار حسّان. كتاب أخبار الأحوص. كتاب أخبار جميل. كتاب أخبار كثّير. كتاب أخبار نصيب. كتاب أخبار عقيل بن علفة. كتاب أخبار ابن هرمة. وأما كتاب الأغاني الكبير فقال محمد بن إسحاق النديم: قرأت بخطّ أبي الحسن علي بن محمد بن عبيد بن الزبير الكوفي الأسدي، حدثني فضل بن محمد اليزيدي قال: كنت عند إسحاق بن إبراهيم الموصلي فجاءه رجل فقال له: يا أبا محمد أعطني كتاب الأغاني، فقال: أيّما كتاب؟ الكتاب الذي صنفته أو الكتاب الذي صنّف لي؟ يعني بالذي صنّفه كتاب أخبار المغنين واحدا واحدا، والكتاب الذي صنّف له كتاب الأغاني الكبير الذي بأيدي الناس. قال محمد بن إسحاق: وحدثني أبو الفرج الأصبهاني قال: أخبرني أبو بكر محمد بن خلف وكيع قال، سمعت حماد بن إسحاق يقول: ما ألّف أبي هذا الكتاب قطّ، يعني كتاب الأغاني الكبير، ولا رآه، والدليل على ذلك أن أكثر أشعاره المنسوبة إنما جمعت لما ذكر معها من الأخبار، وما غنّي فيها إلى وقتنا هذا، وإن أكثر نسبة

стр. 616

المغنين خطأ. والذي ألفه أبي من دواوين غنائهم يدلّ على بطلان هذا الكتاب، وإنما وضعه وراق كان لأبي بعد وفاته، سوى الرخصة التي هي أول الكتاب فإن أبي ألفها، إلا أن أخباره كلها من روايتنا. وقال لي أبو الفرج: هذا سمعته من أبي بكر وكيع [حكاية فحفظته] واللفظ يزيد وينقص. قال: وأخبرني جحظة أنه يعرف الورّاق الذي وضعه، وكان يسمى سندي بن علي، وحانوته في طاق الزبل، وكان يورّق لاسحاق، فاتفق هو وشريك له على وضعه. وهذا الكتاب يعرف في القديم بكتاب السراة، وهو أحد عشر جزءا، ولكل جزء أول يعرف به، فالجزء الأول من الكتاب «الرخصة» هو من تأليف إسحاق لا شك فيه ولا خلف. قرأت في كتاب ألّف في أخبار أبي زيد البلخي أن أبا زيد قال، وذكر كتاب الأغاني لإسحاق، فقال: ما رأيت أعجب من الموصلي، جمع علم العرب والعجم في كتاب ثم أفسده «١» بالاسم. قال: وكان إسحاق أديبا فاضلا متقدما في كلّ شيء، بلغني أنه دخل على إسحاق بن إبراهيم بن مصعب «٢» يعزّيه بعبد الله بن طاهر فقال: لم تصب أيها الأمير بعبد ... الله لكن به أصيب الأنام فسيكفيكم البكاء عليه ... أعين المسلمين والإسلام [٢٢٠] إسحاق بن إبراهيم البربري المحرّر ووالده إبراهيم : ويعرف بالنديم، كذا قال عبد الرحمن بن عيسى الوزير. قال محمد بن إسحاق النديم: هو إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله بن الصباح بن بشر بن سويد بن الأسود التميمي ثم السعدي،

стр. 617

وكان إبراهيم أبوه أحول وكان محرّرا أيضا. وكان أول من تكلم على رسوم الخط وقوانينه وجعله أنواعا رجل يعرف بالأحول المحرّر لا أدري هل هو إبراهيم أو غيره، وكان من صنائع البرامكة، وكان يحرّر الكتب النافذة من السلطان الى ملوك الأطراف في الطوامير، وكان في نهاية الحرفة والوسخ، ومع ذلك كان سمحا لا يليق على شيء، فلما رتب الأقلام جعل أول الأقلام الثقال فمنها قلم الطومار، وهو أجلّها يكتب في طومار تامّ بسعفة، وربما كتب بقلم، وكانت تنفذ الكتب إلى الملوك به. ومن الأقلام قلم الثلثين. قلم السجلات. قلم العهود. قلم المؤامرات. قلم الأمانات. قلم الديباج. قلم المدمج «١» . قلم المرصّع. قلم التشاجي. فلما نشأ ذو الرياستين الفضل بن سهل اخترع «٢» قلما وهو أحسن الأقلام، ويعرف بالرئاسي «٣» ، ويتفرع إلى عدة أقلام فمن ذلك قلم الرئاسي الكبير. قلم النصف من الرئاسي. قلم الثلث. قلم صغير النصف. قلم خفيف الثلث. قلم المحقق. قلم المنثور. قلم الوشي. قلم الرقاع. قلم المكاتبات. قلم غبار الحلبة. قلم النرجس. قلم البياض. فأما إسحاق هذا فإنه كان يعلّم المقتدر وأولاده، وهو أستاذ ابن مقلة، ولأبي عليّ إليه رسالة ذكرتها في أخبار أبي علي؛ ويكنى بأبي الحسين «٤» ، لم ير في زمانه أحسن خطا منه ولا أعرف بالكتابة. ولإسحاق كتاب القلم. كتاب تحفة الوامق. رسالة في الخطّ والكتابة. وأخوه أبو الحسن نظيره، ويسلك طريقته. وابنه أبو القاسم إسماعيل بن إسحاق بن إبراهيم. وابنه أبو محمد القاسم بن إسماعيل بن إسحاق. ومن ولده أيضا أبو العباس عبد الله بن إسحاق، وهؤلاء القوم في نهاية حسن الخطّ والمعرفة بالكتابة.

стр. 618

[٢٢١] إسحاق بن إبراهيم الفارابي أبو إبراهيم : خال إسماعيل بن حماد الجوهريّ صاحب «كتاب الصحاح في اللغة» ، وأبو إبراهيم هذا هو صاحب «كتاب ديوان الأدب» «١» المشهور اسمه الذائع ذكره. كتب إلينا القاضي الأشرف يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد الشيباني القفطي «٢» من بلاد اليمن، وكان قد سافر إلى هناك وأقام، قال: مما أخبركم به أن أبا إبراهيم إسحاق الفارابي مصنف «كتاب ديوان الأدب» كان ممن ترامى به الاغتراب، وطوّح به الزمان المنتاب إلى أرض اليمن، وسكن زبيد وبها صنّف كتابه «ديوان الأدب» ومات قبل أن يروى عنه، وكان أهل زبيد قد عزموا على قراءته عليه، فحالت المنية دون ذلك. قال: وكانت وفاته فيما يقارب سنة خمسين وأربعمائة «٣» والله أعلم. ووضع كتابه على ستة كتب: الأول السالم، الثاني المضاعف، الثالث المثال- وهو ما كان في أوله واو أو ياء، والرابع كتاب ذوات الثلاثة- وهو ما كان في وسطه حرف من حروف العلة، والخامس كتاب ذوات الأربعة- وهو ما كان في آخره حرف علة، والسادس كتاب الهمزة. وكل كتاب من هذه الستة أسماء وأفعال يورد الأسماء أولا ثم الأفعال بعده. وله: كتاب بيان الإعراب. كتاب شرح أدب الكاتب. كتاب ديوان الأدب. قرأت بخطّ «٤» الشيخ أبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي السوى

стр. 619

قال: قرأته على أبي إبراهيم ﵀ بفاراب، ثم على أبي السري محمد بن إبراهيم الأصبهاني بأصبهان، ثم عرضته على القاضي أبي سعيد السيرافي ببغداد. قال الحاكم: وكنت قرأت بعضه إلى موضع البلاغ وهو آخر الأسماء على أبي يعقوب يوسف بن محمد بن إبراهيم الفرغاني النريزقاني «١» ، قال: قرأته على أبي علي الحسن بن علي بن سعد الزاميني «٢» وقرأه أبو علي على أبي ابراهيم. قال الحاكم: قول الجوهري عرضته على القاضي أبي سعيد السيرافي، يريد أنه قبله ولم ينكره، فصار عنده من صحاح اللغة، فأما الردّ من قبل أبي محمد يوسف بن الحسن، بن السيرافي [فلما] أنكره من كلمات أعلم عليها. بخط الجوهري في آخر الثلث الأخير من نسخة الحاكم: قرأ عليّ أبو سعد عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن عزيز هذا الكتاب من أوّله إلى آخره، وصححته له وكتبه إسماعيل بن حمّاد الجوهريّ. وعلى النسخة أيضا في موضع آخر: سمعه مني ولداي علي والحسن من أوّله الى آخره بقراءتي إياه إلا أوراقا قرأها الحسن بنفسه عليّ، وصحّ سماعهما، والله تعالى يبارك لهما فيه ويوفقهما لصالح الأعمال، وكتب أبوهما يعقوب بن أحمد غرة المحرم سنة خمس وخمسين وأربعمائة. ثم قرأه عليّ ولدي الحسن قراءة بحث واستقصاء من أوله إلى آخره بما على حواشيه من الفوائد وشرح الأبيات في شهور سنة ثلاث وستين وأربعمائة. وعلى النسخة أيضا قبل ذلك ما صورته: سمعه مني بلفظي وصحّحه عرضا بنسختي صاحبه أبو يوسف يعقوب بن أحمد وفرغ منه في ذي القعدة سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وكتب عبد الرحمن بن محمد بن دوست بخطه. قال مؤلف الكتاب: فهذا مع وضوحه وكون هؤلاء المذكورين مشهورين معروفين ومعرفتي بالخطوط الموجودة على النسخة كمعرفتي بما لا أشكّ فيه، يبطل ما كتب إلينا القاضي القفطي من كون هذا الكتاب صنف بزبيد وأنه لم يسمع على مصنّفه.

стр. 620

قال بعض شعراء خراسان يصف هذا الكتاب: كتاب ديوان الأدب ... أحلى جنى من الضّرب أودعه منشئه ... أكثر ألفاظ العرب ما ضرّ من يحسنه ... خمول ذكر في النسب يرفعه كتابنا ... فوق أعال في الحسب وجدت بخط الامام أبي يوسف يعقوب بن أحمد النيسابوري اللغوي على «كتاب ديوان الأدب» بخطه ما صورته: سمعت هذا الكتاب من أوله إلى آخره عن الحاكم أبي سعد عبد الرحمن بن محمد بن دوست بقراءته إياه علينا وذلك بنيسابور في شهور سنة تسع وعشرين وأربعمائة، قال: قرأت على الشيخ أبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي السوى قال: قرأته على أبي إبراهيم ﵀ بفاراب ثم علي أبي السري محمد بن إبراهيم الاصبهاني ثم عرضته على القاضي أبي سعيد السيرافي ببغداد وقرأه جماعة كثيرة ورووه. وله أيضا كتاب بيان الاعراب. كتاب شرح أدب الكاتب. [٢٢٢] إسحاق بن أحمد بن شيث بن نصر بن شيث بن الحكم بن اقلذ بن عقبة بن يزيد بن سلمة بن رؤبة بن خفاتة بن وائل بن هضيم بن ذبيان الصفّار، أبو نصر الأديب البخاري من أهل بخارى: كان أحد أفراد الزمان في علم العربية، والمعرفة بدقائقها الخفيّة، وكان فقيها، وورد إلى بغداد وروى بها ومات بعد سنة خمس وأربعمائة فإنه في هذه السنة حدّث ببغداد. ذكره السمعاني أبو سعد في «تاريخ مرو» والحاكم بن البيع في «تاريخ نيسابور» والخطيب في «تاريخ بغداد» . قال تاج الإسلام ومن خطه نقلت: ورد أبو نصر الصفّار خراسان ثم خرج إلى العراق والحجاز وسكن الطائف وبها توفي، وقبره بها معروف. وله تصانيف في

стр. 621

اللغة، وكان حسن الشعر، وهو جد الزاهد الصفّار إبراهيم بن إسماعيل بن إسحاق بن أحمد الذي لقيناه بمرو. وسمع نصر بن أحمد بن إسماعيل الكشاني، وروى عنه أبو علي الحسن بن علي بن محمد بن المذهب التميمي البغدادي. وقال الحاكم: أبو نصر الفقيه الأديب البخاري الصفار- بعد ما ذكر سنّه كما تقدم- قدم علينا حاجّا وما كنت رأيت [مثله] ببخارى في سنّه في حفظ الأدب والفقه، وقد طلب الحديث في أنواع من العلم، وأنشدني لنفسه من الشعر المتين ما يطول شرحه، ثم قال: أنشدني لنفسه: العين من زهر الخضراء في شغل ... والقلب من هيبة الرحمن في وجل لو لم تكن هيبة الرحمن تردعني ... شرقت من قبلي في صحن خدّ ولي يا دمية خلقت كالشمس في المثل ... حوريّ جسم ولكن صورة الرجل لو كان صيد الدّمى والمرد من عملي ... لكنت من طرب كالشارب الثمل لكنني من وثاق العقل في عقل ... وليس لي عن وفاق العقل من حول الله يرقبني والعقل يحجبني ... فما لمثلي إذا في اللهو والغزل كلفت نفسي عزّا في صيانتها ... دين الورى لهم طرا وديني لي وقال أبو بكر ابن علي الخطيب: اسحاق بن أحمد بن شيث أبو نصر البخاري، ويعرف بالصدق، قدم بغداد في سنة خمس وأربعمائة، وحدّث بها عن نصر بن أحمد بن إسماعيل الكشاني صاحب جبريل «١» السمرقندي، حدثني عنه الحسن بن علي بن محمد بن المذهب وأثنى عليه خيرا. قال المؤلف: ورأيت أنا له كتابا في النحو عجيبا سماه «كتاب المدخل إلى سيبويه» ذكر فيه المبنيات فقط، يكون نحوا من خمسمائة ورقة، ووقفت منه على كلام من تبحّر في هذا الشأن واشتمل على غوامضه إلى أقصى مكان، وله غير ذلك من التصانيف في الأدب، وكتاب المدخل الصغير في النحو وكتاب الرد على حمزة في حدوث التصحيف.

стр. 622

[٢٢٣] إسحاق بن بشر بن محمد بن عبد الله بن سالم ، أبو حذيفة البخاري مولى بني هاشم: ولد ببلخ واستوطن بخارى فنسب إليها، وهو صاحب «كتاب المبتدأ» وغيره. مات ببخارى سنة ست ومائتين حدث عن محمد بن إسحاق بن يسار وعبد الملك بن جريج وسعيد بن أبي عروبة وجويبر بن سعيد ومقاتل بن سليمان ومالك بن أنس وسفيان الثوري وإدريس بن سنان وخلق من أئمة أهل العلم أحاديث باطلة. روى عنه جماعة من الخراسانيين ولم يرو عنه من البغداديين فيما أعلم سوى إسماعيل بن عيسى العطّار فإنه سمع منه مصنفاته ورواها عنه. وروى الحسن بن علويه القطان أن الرشيد بعث إلى أبي حذيفة فأقدمه بغداد، وكان يحدث في المسجد المعروف بابن رغبان. وقال أحمد بن سيار بن أيوب: كان ببخارى شيخ يقال له أبو حذيفة إسحاق بن بشر القرشي، وكان صنف في «بدء الخلق» كتابا وفيه أحاديث ليست لها أصول، وكان يتعرض فيروي عن قوم ليسوا ممن أدركهم مثله، فإذا سألوه عن آخرين دونهم يقول من أين أدركت هؤلاء وهو يروي عن من فوقهم، وكانت فيه غفلة مع أنه كان يزنّ بحفظ. وسمعت إسحاق بن منصور يقول: قدم علينا ها هنا وكان يحدث عن ابن طاوس ورجال كبار من التابعين ممن ماتوا قبل حميد الطويل، قال فقلت له: كتبت عن حميد الطويل؟ قال: ففزع وقال: جئتم تسخرون بي؟ حميد عن أنس جدّي لم يلق حميدا، قال فقلنا له: أنت تروي عن من مات قبل حميد بكذا كذا سنة. قال: فعلمنا ضعفه وأنه لا يعلم ما يقول. وقال أبو رجاء قتيبة بن سعيد: بلغني أن أبا حذيفة البخاري قدم مكة فجعل يقول: حدثني ابن طاوس، فقيل لسفيان بن عيينة ذلك فقال: سلوه عن مولده،

стр. 623

فسألوه فإذا ابن طاوس مات قبل مولده بسنين. قال: وهو متروك الحديث ساقط رمي بالكذب. قال المؤلّف: كلّ ما تقدم من كتاب الخطيب. قال محمد بن إسحاق النديم «١» : وله من الكتب: كتاب المبتدأ. كتاب الفتوح. كتاب الردة. كتاب الجمل. كتاب الألوية. كتاب صفين. كتاب حفر زمزم. [٢٢٤] إسحاق بن سلمة بن إسحاق القيني : أخباريّ عالم أندلسي، له كتاب يشتمل على أجزاء كثيرة في أخبار رية- ناحية بالاندلس- وحصونها وولاتها وحروبها وفقهائها وشعرائها، ذكره أبو محمد ابن حزم. [٢٢٥] إسحاق بن عمار، يعرف بابن الجصاص : يكنى أبا يعقوب، من موالي اليمن، وكان صاحب عيسى بن موسى في أول الدولة ولم يزل معه، فكان الناس يقرأون عليه الشعر في دار عيسى. قال المرزباني، قال عيسى بن جعفر: إسحاق بن عمار من موالي اليمن، ويقال هو عبد الله بن إسحاق وإسحاق أبوه هو الجصاص، وقد اختلف في ولائه أيضا. وقال الكسائي: إسحاق بن عمار الجصّاص أحد من أخذنا عنه الشعر وكان

стр. 624

عالما به، ومات في آخر أيام المنصور. قال: وكان إذا تكلم في مجلس صمت الناس. وقال عبد الله بن جعفر: ذكر ابن الجصاص الكوفيّ الراوية عند أحمد بن سعيد بن سلم، قال: ذكر عند أبي فاختلفوا في ولائه، فقال أبي: حدثني من رآه وقد دخل إلى عيسى بن موسى بعد أن خلع وسلّم العهد إلى المهدي فقال: أيها الأمير، أنت والله كما قال الأحوص «١» : فمن يك عنّا سائلا بشماتة ... لما مسنّا أو ساكتا غير سائل فما عجمت منّا العواجم ماجدا ... صبورا على حرّات تلك التلاتل إذا سرّ لم يبطر وليس لنكبة ... ألمّت به بالخاشع المتضائل وحدّث المبرد عن عبد الله بن صالح المقرىء: كان ابن الجصاص وجناد بن واصل قاعدين فتذاكرا القبور، فقال ابن الجصاص متمثلا: فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى دير هند كيف خطّت مقابره فقال جناد: تري عجبا مما قضى الله فيهم ... رهائن حتف أوجبته مقادره فردّ عليه أعرابي فقال: بيوت تدانى أهلها فوق أهلها ... ومستأذن لا يدخل الدهر زائره وقال ابن الكلبي: ابن الجصاص الراوية مولى لبشر بن عبد الملك بن بشر بن مروان.

стр. 625

[٢٢٦] إسحاق بن مرار أبو عمرو الشيباني الكوفي : قال الأزهري «١» : كان يعرف بأبي عمرو الأحمر «٢» ومرار بكسر الميم ورائين مهملتين مخففتين «٣» ، وهو مولى وليس من بني شيبان، وإنما كان مؤدبا لأولاد ناس من بني شيبان فنسب إليهم، كما نسب اليزيدي إلى يزيد بن منصور حين أدّب ولده. وقرأت في «أمالي» أبي إسحاق النجيرمي: ذكر أن يوسف الأصبهاني قال: أبو عمرو الشيباني من الدهاقين، وإنما قيل له الشيباني لأنه كان يؤدّب ولد هارون الرشيد الذين كانوا في حجر يزيد بن مزيد الشيباني فنسب إليه. قال عبد الله بن جعفر: وأبو عمرو راوية أهل بغداد واسع العلم باللغة والشعر، ثقة في الحديث كثير السماع، وله كتب كثيرة في اللغة جياد. مات في أيام المأمون سنة خمس ومائتين أو ست ومائتين وقد بلغ مائة سنة وعشر سنين. وقال ابن السكيت: مات أبو عمرو وله ثمان عشرة ومائة سنة، وكان يكتب بيده إلى أن مات، وكان ربما استعار مني الكتب وأنا إذ ذاك صبيّ آخذ عنه وأكتب من كتبه. وقال ابن كامل «٤» : مات أبو العتاهية وأبو عمرو الشيباني وإبراهيم الموصلي المغنّي والد إسحاق في يوم واحد سنة ثلاث عشرة ومائتين ببغداد. قال ابن درستويه:

стр. 626

وله بنون وبنو بنين يروون عنه كتبه وأصحاب علماء ثقات، وكان ممن يلزم مجلسه ويكتب عنه الحديث أحمد بن حنبل ﵁. وحدث الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني قال «١» : لما جمع أبي أشعار القبائل كانت نيفا وثمانين قبيلة، فكان كلما عمل منها قبيلة وأخرجها إلى الناس كتب مصحفا بخطّه وجعله في مسجد الكوفة حتى كتب نيفا وثمانين مصحفا. وكان يقول لبنيه: تعلموا العلم فإنه يوطىء الفقراء بسط الملوك. وروي عن أبي عمرو الشيباني انه قال يوما لأصحابه: لا يتمنّينّ أحد أمنية سوء، فإن البلاء موكّل بالمنطق، هذا المؤمل «٢» قال: شفّ المؤمل يوم الحيرة النظر ... ليت المؤمل لم يخلق له بصر فذهب بصره، وهذا مجنون بني عامر قال: فلو كنت أعمى أخبط الأرض بالعصا ... أصمّ ونادتني أجبت المناديا فعمي وصم. وقال أبو شيل يهجو أبا عمرو الشيباني «٣» : قد كنت أرجو أبا عمرو أخا ثقة ... حتى ألمّت بنا يوما ملمّات فقلت والمرء تخطيه منيّته ... أدنى عطيته إياي ميّات فكان ما جاد لي لا جاد عن سعة ... ثلاثة ناقصات مدلهمات ما الشعر ويح أبيه من صناعته ... لكن صناعته بخل وبالات ودنّ خلّ بفتل فوق عاتقه ... فيه ربيثاء «٤» مخلوط وصحناة

стр. 627

فلو رأيت أبا عمرو ومشيته ... كأنه جاحظ العينين نهّات نهات أي نهاق. وقال محمد بن إسحاق النديم «١» : وله من الكتب كتاب الجيم «٢» . كتاب النوادر. كتاب أشعار القبائل، ختمه بابن هرمة. كتاب الخيل. كتاب غريب المصنف. كتاب اللغات. كتاب غريب الحديث. كتاب النوادر الكبير على ثلاث نسخ. وقال أبو الطيب اللغوي في كتاب «مراتب النحويين» «٣» وأما «كتاب الجيم» فلا رواية له لأن أبا عمرو بخل به على الناس فلم يقرأه أحد عليه. وذكره أبو بكر الخطيب فقال «٤» : هو كوفي نزل بغداد وحدّث بها عن دكين «٥» الشامي. روى عنه ابنه عمرو وأحمد بن حنبل وأبو عبيد القاسم ابن سلام وكان ثقة. قال ثعلب «٦» : وكان مع أبي عمرو الشيباني من العلم والسماع عشرة أضعاف ما كان مع أبي عبيدة ولم يكن في أهل البصرة مثل أبي عبيدة في السماع والعلم. قال المؤلف: ولقد أسرف ثعلب فيما فضّل به أبا عمرو، فإنني لا أقول إن الله خلق رجلا كان أوسع رواية وعلما من أبي عبيدة في زمانه. وحدث يونس بن حبيب قال «٧» : دخلت على أبي عمرو الشيباني وبين يديه قمطر فيه أمناء من الكتب يسيرة، فقلت له: أيها الشيخ هذا علمك؟ فتبسم إليّ وقال: إنه من صدق كثير. وقال الخطيب «٨» : كان أبو عمرو نبيلا فاضلا عالما بكلام العرب حافظا للغاتها، عمل كتاب شعراء مضر وربيعة ويمن إلى ابن هرمة، وسمع من الحديث سماعا واسعا، وعمّر عمرا طويلا حتى أناف على التسعين، وهو عند الخاصة من أهل

стр. 628

العلم والرواية مشهور معروف، والذي قصّر به عند العامة من أهل العلم أنه كان مستهترا بالنبيذ والشرب له. قرأت بخط أبي منصور الأزهري في «كتاب نظم الجمان» للمنذري حدثني أبو بكر محمد بن أحمد بن النضر المنني قال، حدثني سعيد بن صبيح قال، حدثني أبوك- يعني النضر- قال: كنت عشيّة الخميس عند إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، وجاء أبو عمرو الشيباني فقال لي: من هذا الشيخ؟ قلت: هذا أبو عمرو الشيباني صاحب العربية والغريب، وكان قد أتى عليه نحو من خمس عشرة ومائة سنة، فالتفتّ إليه أسائله عن أيامه وسنه، ثم قال: ما راح بك، ألك حاجة؟ قال: نعم بلغني أنك تقول إن القرآن مخلوق، قال: نعم، قال: فمتى خلقه قبل أن يتكلم به أو بعد ما تكلم به؟ فأطرق طويلا ثم رفع رأسه وقال: أنت شيخ جدل، هذا قولي وقول أمير المؤمنين، قال سعيد: فغدوت يوم الجمعة على أبي عمرو- وكان مجلسه وكنت أقرب منه- فقلت: يا أبا عمرو وأيش كنت تصنع عند إسماعيل بن حماد؟ قال: من أخبرك؟ أحمد بن أبي غالب؟ اله عن هذا فإن هذا بي عارف- يعني المأمون- دعوا هذا لا تتكلموا به. [٢٢٧] إسحاق بن نصير الكاتب البغدادي أبو يعقوب كاتب الرسائل بديوان مصر بعد محمد بن عبد الله بن عبد كان: قال ابن زولاق: مات سنة سبع وتسعين ومائتين. قال ابن زولاق: وكان أبو جعفر محمد بن عبد الله بن عبد كان على المكاتبات والرسائل منذ أيام أحمد بن طولون، ومكاتباته وأجوبته موجودة، إلى أن قدم عليه أبو يعقوب إسحاق بن نصير البغدادي من العراق والتمس التصرّف، فقال له ابن عبد كان: في ماذا تتصرف؟ فقال: في المكاتبات والأجوبة والترسل، وكان بين يدي أبي جعفر كتب قد وردت فقال له: خذ هذه وأجب عنها، فأخذها ومضى إلى ناحية من الدار فأجاب عنها، ثم وضع خفّه تحت رأسه ونام، وقام أبو جعفر إلى الحجرة التي له فاجتاز به

стр. 629

والكتب بين يديه، فأخذها وقرأها، فلما تأمّلها جعل يروّح إسحاق بن نصير حتى انتبه، فقال له: عمن أخذت الكتبة؟ وأجرى عليه أربعين دينارا في كلّ شهر، فلم يزل مع أبي جعفر إلى أن توفي أبو جعفر وانفرد بالأمر علي بن أحمد الماذرائي، فقال لإسحاق: الزم منزلك، فانصرف، فوردت كتب فأجاب عنها علي بن أحمد ودخل على أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون فعرضها عليه، فقال له: ما هذه بالألفاظ التي كانت تخرج مني وعني، فمضى علي بن أحمد وعاد إليه، فما أراد أبو الجيش الجواب ولا استجاده، فخرج علي بن أحمد وقال: هاتوا إسحاق بن نصير، فجيء به فقال: أجب عن هذه، فأجاب، ودخل علي بن أحمد على أبي الجيش فقرأ الأجوبة، فقال: نعم هذا الذي أعرف، أيش الخبر؟ فقال له: كاتب كان مع أبي جعفر فاعتزل وأحضرته الساعة، فقال: هاته، فأحضره، فقال: كم رزقك؟ فقال: أربعون دينارا، فقال لعلي بن أحمد: اجعلها أربعمائة في السنة، اجعلها له أربعمائة في الشهر، وقال لإسحاق بن نصير: لا تفارق حضرتي. فبلغ إسحاق حتى صار رزقه ألف دينار في كل شهر، فكان يجود بذلك ويفضل به على الناس، ولقد أرسل إلى بغداد إلى ثلاثة أنفس: إلى أبي العباس المبرد وإلى أبي العباس ثعلب وإلى وراق كان يجلس عنده دفعة واحدة ثلاثة آلاف دينار، لكلّ واحد منهم ألف دينار، وجرى ذلك على يدي أحمد بن الوليد التاجر خال القاضي بمصر. [٢٢٨] إسحاق بن يحيى بن سريج الكاتب، أبو الحسين النصراني : ذكره محمد بن إسحاق النديم وقال: كان جيّد المعرفة بأمر الدواوين والخراج ومناظرة العمال، وله معرفة تامة بالنجوم ومولده في شعبان سنة ثلاثمائة. قال: وهو يحيا. قال المؤلف: وكان قوله هذا في سنة سبع وسبعين وثلاثمائة. قال: وله من الكتب كتاب الخراج الكبير في ألف ورقة، جزأه جزءين، وجعله

стр. 630

ستة منازل. كتاب الخراج الذي في أيدي الناس مائتا ورقة. كتاب الخراج صغير نحو مائة ورقة. كتاب عمل المؤامرات بالحضرة. كتاب تحويل سني المواليد نحو مائة ورقة. كتاب جمل التاريخ. [٢٢٩] إسحاق بن موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي يكنى أبا طاهر: وهو أخو إسماعيل ومات في حادي عشر رجب سنة خمس وسبعين وخمسمائة ودفن بباب حرب عند أبيه وأخيه. سمع أبا القاسم ابن الحصين وأباه وغيرهما، وحدث بالقليل، سمع منه القاضي القرشي قال: وسألته عن مولده فقال في ربيع الأول سنة سبع عشرة وخمسمائة. [٢٣٠] أسعد بن عصمة أبو البيداء الرياحي : أعرابي نزل البصرة، وكان يعلّم الصبيان بالأجرة، وأقام بها أيام عمره يؤخذ عنه العلم، زوج أم أبي مالك عمرو بن كركرة، وكان شاعرا، ومن شعره: قال فيها البليغ ما قال ... ذو العيّ وكلّ بوصفها منطيق وكذاك العدوّ لم يعد أن قال ... جميلا كما يقول الصديق [٢٣١] أسعد بن علي بن أحمد الزوزني المعروف بالبارع : أبو القاسم الأديب الشاعر الفاضل الكاتب المترسل، مات فيما ذكره عبد الغافر في «السياق» يوم عيد الأضحى سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.

стр. 631

قرأت بخط تاج الاسلام: البارع من أهل زوزن، سكن نيسابور وورد العراق وأكرم فضلاؤها مورده، وكان شاعر عصره وأوحد «١» دهره بخراسان والعراق، وقد شاع ذكره في الآفاق. وكان على كبر سنّه يسمع الحديث ويكتب إلى آخر عمره. سمع أبا عبد الرحمن ابن محمد الداودي وأبا جعفر محمد بن اسحاق البحّاثي، روى لنا عنه أبو البركات الفراوي وأبو منصور الشحامي وغيرهما. وذكره الباخرزي في «الدمية» وقال: الأديب أبو القاسم أسعد بن علي البارع الزوزني: هو البارع حقا، والوافر من البراعة حظا، وقد اكتسب الأدب بجدّه وكدّه، وانتهى من الفضل إلى أقصى حدّه، ولفّتني إليه نسبة الآداب، ونظمتني وإياه صحبة الكتاب، وهلم جرّا إلى الآن، ارتدينا المشيب، وخلعنا برد الشباب ذاك القشيب. ولا أكاد أنسى وأنا في الحضر، حظّي منه في السفر، وقد أخذنا بيننا بأطراف الأحاديث، ورشنا المطايا بأجنحة السير الحثيث، حتى سرنا معا إلى العراق، ونزل هو من فضلائه بمنزلة السواد من الأحداق، وعنده توقيعاتهم بتبريزه على الأقران، وحيازته قصبات الرهان، وأنا على ذلك من الشاهدين، لا أكتم من شهادتي دقّا ولا جلّا، بل أعتقد بها صكّا وعليها سجلّا، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه، وعازب لبه. قال السمعاني: أنشدني الشحامي، أنشدنا البارع لنفسه: قد أقبل المعشوق فاستقبلته ... مستشفيا مستسقيا من ريقه نشوان والإبريق في يده ولي ... من ريقه ما ناب عن إبريقه لو كنت أعلم أنه لي زائر ... لرششت من دمعي تراب طريقه ولكنت أذكي جمر قلبي في الدجى ... بطريقه كي يهتدي ببريقه فزويت وجهي عن مدامة كأسه ... وشربت كأسا من مجاج عقيقه وله أيضا: كأن لون الهواء ماء ... أو سندس رقّ أو عمامه كأن شكل الهلال قرط ... أو عطفة النون أو قلامه

стр. 632

وله أيضا: ألا فاشكر لربك كلّ وقت ... على الآلاء «١» والنعم الجسيمه إذا كان الزمان زمان سوء ... فيوم صالح منه غنيمه وله أيضا: أبو بكر حبا في الله مالا ... أكان لسانه يجري بلالا لقد واسى النبيّ بكلّ خير ... وأعطى من ذخائره بلالا لو ان السحر أبغضه اعتقادا ... لما أعطى الإله له بلالا ومما أورده الباخرزي في كتابه للبارع «٢» : قمر سبى قلبي بعقرب صدغه ... لما تجلّى عنه قلب العقرب فأجبته ألديك قلبي قال لا ... لكنّ قلبك عند قلب العقرب قرأت في بعض الكتب، قال: الفضلاء الملقبون بالبارع في خراسان ثلاثة: أحدهم البارع الهروي، وهو صاحب «كتاب طرائف الطرف» وهو أدونهم في الفضل مرتبة، والثاني البارع البوشنجي وهو أوسطهم، والثالث البارع الزوزني وهو أفضلهم وأشهرهم. قال: وكان تلميذ القاضي أبي جعفر البحاثي «٣» ، وهو الذي يقول فيه البحاثي: عفجت على اليبس البويرع مرّة ... فقال لقد أوجعت سرمي فبلّه فقلت بزاقي لا يفي بجميعه ... ومن أين لي أن أبزق الدرب كلّه قلت أنا: ينبغي أن يكون قد استعمله بمنارة اسكندرية إذا عفجه في شيء كالدرب فأوجعه. وقال البحاثي فيه أيضا:

стр. 633

للبارع ابن العاهره ... زوجة سوء فاجره مؤاجر قد زوّجوه ... كفؤه مؤاجره وقال البارع هذا يخاطب أبا القاسم علي بن أبي نزار «١» رئيس زوزن: كفّ عليّ عندها التبر ... هان وللملك بها قدر كأنما الخال على ظهرها ... عنبرة قد مجّها البحر [٢٣٢] أسعد بن مسعود بن علي بن محمد بن الحسن العتبي أبو إبراهيم: من ولد عتبة بن غزوان، وهو حفيد أبي النصر «٢» العتبي، كذا ذكر السمعاني في «المذيّل» وأبو النصر هو محمد بن عبد الجبار «٣» ، وليس في نسب هذا عبد الجبار كما ترى، ولا أدري ما صوابه إلّا أن يكون ابن بنته. قال السمعاني: قرأت بخط والدي: أسعد بن مسعود العتبي مولده سنة أربع وأربعمائة، ذكره أبو الحسن البيهقي في «وشاح الدمية» وقال: هو مصنف «كتاب درة التاج» و «كتاب تاج الرسائل» وكان كاتبا في الدواوين المحمودية والسلجوقية، وعاش إلى آخر أيام نظام الملك، وقال في الإمام علي الفنجكردي: يا أوحد البلغاء والأدباء ... يا سيد الفضلاء والعلماء يا من كأنّ عطاردا في قلبه ... يملي عليه حقائق الأشياء وذكره أبو سعد، ونقلت من خطّه، قال بعد ذكر نسبه: كان من أهل نيسابور،

стр. 634

وكان يسكن مدرسة البيهقي؛ وهو من أولاد المنعّمين «١» ، شاعر كاتب، تصرف في الأعمال أيام شبابه، وخرج في صحبة «٢» عميد خراسان إلى أسفار، وصحب الأكابر، وارتفعت به الأيام وانخفضت حتى تأخّر عن العمل، وتاب ولزم البيت وقنع بالكفاف من العيش، واستراح من الأمور، وعقد له مجلس الإملاء في الجامع المنيعي «٣» فأملى مدة، وكان يحضر عنده المحدّثون والأئمة. دخل بغداد وسمع بها من أبي منصور عبد الله بن سعيد بن مهدي الكاتب الخوافي، وسمع بنيسابور ومرو وغير ذلك، وسمع جدّه أبا النصر العتبيّ وروى لنا عنه جماعة. قال: وقرأت بخط أبي جعفر محمد بن علي الحافظ الهمذاني: أسعد بن مسعود العتبي شيخ عالم ثقة ديّن، كان يثني عليه أبو صالح المؤذن الحافظ. وذكره في موضع آخر وقال: أسعد العتبي تزهّد وكان من الصالحين. قال السمعاني: أنبأنا أبو البركات الفراوي عن أسعد بن مسعود عن عبد القاهر بن طاهر التميمي، حدثني شيخ فاضل قال: دخلت المسجد الجامع بالبصرة فرأيت شيخا بهيا قد قطع مسافة العمر، فسلّمت عليه وقلت: أتفرّس أنك شاعر، فقال: أجل، فقلت: أنشدني من مقولك ما يكون لي تذكرة منك، فقال: اكتب: قالوا تغيّر شعره عن حاله ... والهمّ يشغلني عن الأشعار أما الهجاء فعنه شيبي زاجري «٤» ... والمدح قلّ لقلّة الأحرار قال السمعاني: أنشدني أبو الحسين أحمد بن محمد السمناني المصري، أنشدنا أبو إبراهيم أسعد العتبي لنفسه: قد كنت فيما مرّ من أزماني ... متوانيا لتقاصر الإحسان ورأيت خلّاني وأهل مودّتي ... متوفّرين معا على الاخوان

стр. 635

فتغيّروا لما رأوني تائبا ... وعن التصرّف قد صرفت عناني دعهم وعادتهم فلم أر مثلهم ... إلا مجرّد صورة الإنسان واغسل يديك من الزمان وأهله ... بالطين والصابون والأشنان [٢٣٣ الف] أسعد بن المهذب بن أبي المليح مماتي : أحد الرؤساء الأعيان الجلة «١» ، والكاتب الكبراء المنزلة، ومن تصرف في الأعمال، وولي رئاسة الديوان، وله أدب بارع، وخاطر وقّاد مسارع، وقد صنّف في الأدب وعرف، ومات بمدينة حلب في ثامن عشري جمادى الأولى سنة ست وستمائة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وأصله من نصارى أسيوط- بليدة بصعيد مصر- قدموا مصر وخدموا وتقدموا وولوا الولايات، وهو مع ذلك من أهل بيت في الكتابة عريق، [برز جدّ أبيه ممّاتي أيام بدر الجمالي] «٢» وهو كالمستولي على الديار المصرية ليس على يده يد، والمسمّون بالخلافة محجوبون ليس لهم غير السكة والخطبة. وكان إلى مماتي كثير من أعماله، فحدثني الصاحب الكبير الوزير الجليل جمال الدين الأكرم أبو الحسن علي بن يوسف الشيباني القفطي- حرس الله علاه- بمدينة حلب قال: بلغني أن بعض تجار الهند قدم إلى مصر ومعه سمكة مصنوعة من عنبر، قد تنوّق فيها وأجيد وطيّبت ورصعت بالجواهر، فعرضها على بدر الجمالي ليبيعها منه فسامها من صاحبها فقال: لا أنقصها من ألف دينار شيئا، فأعيدت إليه، فخرج بها من دار بدر، فقال له أبو المليح: أرني هذه السمكة، فأراه إياها، فقال له: كم سمت فيها؟ فقال: لا أنقصها من ألف دينار
следующие страницы →