← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

قرأت بخط تاج الاسلام: البارع من أهل زوزن، سكن نيسابور وورد العراق وأكرم فضلاؤها مورده، وكان شاعر عصره وأوحد «١» دهره بخراسان والعراق، وقد شاع ذكره في الآفاق. وكان على كبر سنّه يسمع الحديث ويكتب إلى آخر عمره. سمع أبا عبد الرحمن ابن محمد الداودي وأبا جعفر محمد بن اسحاق البحّاثي، روى لنا عنه أبو البركات الفراوي وأبو منصور الشحامي وغيرهما. وذكره الباخرزي في «الدمية» وقال: الأديب أبو القاسم أسعد بن علي البارع الزوزني: هو البارع حقا، والوافر من البراعة حظا، وقد اكتسب الأدب بجدّه وكدّه، وانتهى من الفضل إلى أقصى حدّه، ولفّتني إليه نسبة الآداب، ونظمتني وإياه صحبة الكتاب، وهلم جرّا إلى الآن، ارتدينا المشيب، وخلعنا برد الشباب ذاك القشيب. ولا أكاد أنسى وأنا في الحضر، حظّي منه في السفر، وقد أخذنا بيننا بأطراف الأحاديث، ورشنا المطايا بأجنحة السير الحثيث، حتى سرنا معا إلى العراق، ونزل هو من فضلائه بمنزلة السواد من الأحداق، وعنده توقيعاتهم بتبريزه على الأقران، وحيازته قصبات الرهان، وأنا على ذلك من الشاهدين، لا أكتم من شهادتي دقّا ولا جلّا، بل أعتقد بها صكّا وعليها سجلّا، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه، وعازب لبه. قال السمعاني: أنشدني الشحامي، أنشدنا البارع لنفسه: قد أقبل المعشوق فاستقبلته ... مستشفيا مستسقيا من ريقه نشوان والإبريق في يده ولي ... من ريقه ما ناب عن إبريقه لو كنت أعلم أنه لي زائر ... لرششت من دمعي تراب طريقه ولكنت أذكي جمر قلبي في الدجى ... بطريقه كي يهتدي ببريقه فزويت وجهي عن مدامة كأسه ... وشربت كأسا من مجاج عقيقه وله أيضا: كأن لون الهواء ماء ... أو سندس رقّ أو عمامه كأن شكل الهلال قرط ... أو عطفة النون أو قلامه

стр. 632

وله أيضا: ألا فاشكر لربك كلّ وقت ... على الآلاء «١» والنعم الجسيمه إذا كان الزمان زمان سوء ... فيوم صالح منه غنيمه وله أيضا: أبو بكر حبا في الله مالا ... أكان لسانه يجري بلالا لقد واسى النبيّ بكلّ خير ... وأعطى من ذخائره بلالا لو ان السحر أبغضه اعتقادا ... لما أعطى الإله له بلالا ومما أورده الباخرزي في كتابه للبارع «٢» : قمر سبى قلبي بعقرب صدغه ... لما تجلّى عنه قلب العقرب فأجبته ألديك قلبي قال لا ... لكنّ قلبك عند قلب العقرب قرأت في بعض الكتب، قال: الفضلاء الملقبون بالبارع في خراسان ثلاثة: أحدهم البارع الهروي، وهو صاحب «كتاب طرائف الطرف» وهو أدونهم في الفضل مرتبة، والثاني البارع البوشنجي وهو أوسطهم، والثالث البارع الزوزني وهو أفضلهم وأشهرهم. قال: وكان تلميذ القاضي أبي جعفر البحاثي «٣» ، وهو الذي يقول فيه البحاثي: عفجت على اليبس البويرع مرّة ... فقال لقد أوجعت سرمي فبلّه فقلت بزاقي لا يفي بجميعه ... ومن أين لي أن أبزق الدرب كلّه قلت أنا: ينبغي أن يكون قد استعمله بمنارة اسكندرية إذا عفجه في شيء كالدرب فأوجعه. وقال البحاثي فيه أيضا:

стр. 633

للبارع ابن العاهره ... زوجة سوء فاجره مؤاجر قد زوّجوه ... كفؤه مؤاجره وقال البارع هذا يخاطب أبا القاسم علي بن أبي نزار «١» رئيس زوزن: كفّ عليّ عندها التبر ... هان وللملك بها قدر كأنما الخال على ظهرها ... عنبرة قد مجّها البحر [٢٣٢] أسعد بن مسعود بن علي بن محمد بن الحسن العتبي أبو إبراهيم: من ولد عتبة بن غزوان، وهو حفيد أبي النصر «٢» العتبي، كذا ذكر السمعاني في «المذيّل» وأبو النصر هو محمد بن عبد الجبار «٣» ، وليس في نسب هذا عبد الجبار كما ترى، ولا أدري ما صوابه إلّا أن يكون ابن بنته. قال السمعاني: قرأت بخط والدي: أسعد بن مسعود العتبي مولده سنة أربع وأربعمائة، ذكره أبو الحسن البيهقي في «وشاح الدمية» وقال: هو مصنف «كتاب درة التاج» و «كتاب تاج الرسائل» وكان كاتبا في الدواوين المحمودية والسلجوقية، وعاش إلى آخر أيام نظام الملك، وقال في الإمام علي الفنجكردي: يا أوحد البلغاء والأدباء ... يا سيد الفضلاء والعلماء يا من كأنّ عطاردا في قلبه ... يملي عليه حقائق الأشياء وذكره أبو سعد، ونقلت من خطّه، قال بعد ذكر نسبه: كان من أهل نيسابور،

стр. 634

وكان يسكن مدرسة البيهقي؛ وهو من أولاد المنعّمين «١» ، شاعر كاتب، تصرف في الأعمال أيام شبابه، وخرج في صحبة «٢» عميد خراسان إلى أسفار، وصحب الأكابر، وارتفعت به الأيام وانخفضت حتى تأخّر عن العمل، وتاب ولزم البيت وقنع بالكفاف من العيش، واستراح من الأمور، وعقد له مجلس الإملاء في الجامع المنيعي «٣» فأملى مدة، وكان يحضر عنده المحدّثون والأئمة. دخل بغداد وسمع بها من أبي منصور عبد الله بن سعيد بن مهدي الكاتب الخوافي، وسمع بنيسابور ومرو وغير ذلك، وسمع جدّه أبا النصر العتبيّ وروى لنا عنه جماعة. قال: وقرأت بخط أبي جعفر محمد بن علي الحافظ الهمذاني: أسعد بن مسعود العتبي شيخ عالم ثقة ديّن، كان يثني عليه أبو صالح المؤذن الحافظ. وذكره في موضع آخر وقال: أسعد العتبي تزهّد وكان من الصالحين. قال السمعاني: أنبأنا أبو البركات الفراوي عن أسعد بن مسعود عن عبد القاهر بن طاهر التميمي، حدثني شيخ فاضل قال: دخلت المسجد الجامع بالبصرة فرأيت شيخا بهيا قد قطع مسافة العمر، فسلّمت عليه وقلت: أتفرّس أنك شاعر، فقال: أجل، فقلت: أنشدني من مقولك ما يكون لي تذكرة منك، فقال: اكتب: قالوا تغيّر شعره عن حاله ... والهمّ يشغلني عن الأشعار أما الهجاء فعنه شيبي زاجري «٤» ... والمدح قلّ لقلّة الأحرار قال السمعاني: أنشدني أبو الحسين أحمد بن محمد السمناني المصري، أنشدنا أبو إبراهيم أسعد العتبي لنفسه: قد كنت فيما مرّ من أزماني ... متوانيا لتقاصر الإحسان ورأيت خلّاني وأهل مودّتي ... متوفّرين معا على الاخوان

стр. 635

فتغيّروا لما رأوني تائبا ... وعن التصرّف قد صرفت عناني دعهم وعادتهم فلم أر مثلهم ... إلا مجرّد صورة الإنسان واغسل يديك من الزمان وأهله ... بالطين والصابون والأشنان [٢٣٣ الف] أسعد بن المهذب بن أبي المليح مماتي : أحد الرؤساء الأعيان الجلة «١» ، والكاتب الكبراء المنزلة، ومن تصرف في الأعمال، وولي رئاسة الديوان، وله أدب بارع، وخاطر وقّاد مسارع، وقد صنّف في الأدب وعرف، ومات بمدينة حلب في ثامن عشري جمادى الأولى سنة ست وستمائة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وأصله من نصارى أسيوط- بليدة بصعيد مصر- قدموا مصر وخدموا وتقدموا وولوا الولايات، وهو مع ذلك من أهل بيت في الكتابة عريق، [برز جدّ أبيه ممّاتي أيام بدر الجمالي] «٢» وهو كالمستولي على الديار المصرية ليس على يده يد، والمسمّون بالخلافة محجوبون ليس لهم غير السكة والخطبة. وكان إلى مماتي كثير من أعماله، فحدثني الصاحب الكبير الوزير الجليل جمال الدين الأكرم أبو الحسن علي بن يوسف الشيباني القفطي- حرس الله علاه- بمدينة حلب قال: بلغني أن بعض تجار الهند قدم إلى مصر ومعه سمكة مصنوعة من عنبر، قد تنوّق فيها وأجيد وطيّبت ورصعت بالجواهر، فعرضها على بدر الجمالي ليبيعها منه فسامها من صاحبها فقال: لا أنقصها من ألف دينار شيئا، فأعيدت إليه، فخرج بها من دار بدر، فقال له أبو المليح: أرني هذه السمكة، فأراه إياها، فقال له: كم سمت فيها؟ فقال: لا أنقصها من ألف دينار

стр. 636

درهما واحدا، فأخذ بيده وقبض ألف دينار من ماله وتركها عنده مدة، فاتفق أن شرب أبو مليح يوما وسكر وقال لندمائه: قد اشتهيت سمكا هاتم المقلى والنار حتى نقليه بحضرتنا، فجاءوه بمقلى حديد وفحم وتركوه على النار، وجاء بتلك السمكة العنبر فتركها في المقلى، فجعلت تتقلى وتفوح روائحها حتى لم يبق بمصر دار إلا ودخلتها تلك الرائحة، وكان بدر الجمالي جالسا فشمّ تلك الرائحة وتزايدت، فاستدعى الخزّان وأمرهم بفتح خزائنه وتفتيشها خوفا من حريق قد يكون وقع فيها، فوجدوا خزائنه سالمة، فقال: ويحكم انظروا ما هذا، ففتشوا حتى وقعوا على حقيقة الخبر، فاستعظم، وقال: هذا النصرانيّ الفاعل الصانع قد أكل أموالي واستبدّ بالدنيا دوني حتى أمكنه أن يفعل مثل هذا، وتركه إلى الغداة، فلما دخل إليه وهو مغضب قال له: ويحك أستعظم أنا وأنا ملك مصر شرى سمكة من العنبر فأتركها استكثارا لثمنها فتشتريها أنت، ثم لا يقنعك حتى تقليها وتذهب في ساعة ألف دينار مصرية؟! ما فعلت هذا الا وقد نقلت بيت أموالي إليك وفعلت، فقال له: والله ما فعلت هذا إلا غيرة عليك ومحبة لك، فإنك اليوم سلطان نصف الدنيا، وهذه السمكة لا يشتريها إلا ملك، فخفت ان يذهب بها إلى بعض الملوك ويخبره بأنك استعظمتها ولم تشترها، فأردت أن أعكس الأمر وأعلمه أنك ما تركتها إلّا احتقارا لها، وأنها لم يكن لها عندك مقدار، وأنّ كاتبا نصرانيا من كتابك اشتراها وأحرقها، فيشيع بذلك ذكرك، ويعظم عند الملوك قدرك. فاستحسن بدر ذلك منه وأمر له بضعفي ثمنها وزاد في رزقه. وكان مماتي مع ذلك كريما ممدّحا قد مدحه الشعراء، فذكر أبو الصلت «١» في «كتاب الرسالة المصرية» «٢» له أن أبا طاهر إسماعيل بن محمد الشاعر المعروف بابن مكنسة كان منقطعا إليه، فلما مات مماتي رثاه ابن مكنسة بقصيدة منها: ماذا أرجّي من حيا ... تي بعد موت أبي المليح

стр. 637

ما كان بالنّكس الدنيّ ... من الرجال ولا الشحيح كفر النصارى بعد ما ... غدروا «١» به دين المسيح (كذا قال، ولعلهم اغتالوه أو قتلوه) . ولما ولي الأفضل ابن أمير الجيوش بدر الجماليّ بعد أبيه دخل إليه ابن مكنسة مادحا، فقال له: ذهب رجاؤك بموت أبي المليح فما الذي جاء بك إلينا؟ وحرمه ولم يقبل مديحه. وأما المهذّب والده، وكان يلقب بالخطير، فإنه كان كاتب ديوان الجيش بمصر في أواخر أيام المصريين وأول أيام بني أيوب مدة، فقصده الكتاب وجعلوا له حديثا عند السلطان «٢» فهمّ به صلاح الدين يوسف بن أيوب أو أسد الدين شير كوه، وهو يومئذ المتولي على الديار المصرية، فخاف المهذّب فجمع أولاده ودخل على السلطان وأسلموا على يده، فقبلهم وأحسن إليهم وزاد في ولاياتهم وجبّ الاسلام ما قبله. ووجدت على ظهر كتاب من تصانيف ابن مماتي مكتوبا: كان المهذب أبوه المعروف بالخطير مرتبا على ديوان الاقطاعات، وهو على دين النصرانية، فلما علم أسد الدين شيركوه في بدء أمره بمصر أنه نصراني وأنه يتصرّف في [الديوان] بلا غيار نهاه، وأمره بغيار النصارى، ورفع الذؤابة وشدّ الزنار، وصرفه عن الديوان، فبادر هو وأولاده فأسلموا على يده، فأقرّه على ديوانه مدة ثم صرفه عنه، فقال فيه ابن الذروي «٣» : لم يسلم الشيخ الخطير ... لرغبة في دين أحمد بل ظنّ أن محاله ... يبقي له الديوان سرمد والآن قد صرفوه عنه ... فدينه فالعود أحمد قال: ووجدت بخط ابن مماتي: صحّ التمثل في قديم ... الدهر أنّ العود أحمد

стр. 638

ولما أمر شيركوه النصارى بلبس الغيار وأن يعمّموا بغير عذبة قال عمارة اليمني: يا أسد الدين ومن عدله ... يحفظ فينا سنّة المصطفى كفى غيارا شدّ أوساطنا ... فما الذي يوجب كشف القفا وجرى معه حديث النحويين وأن أحدهم ينفد عمره فيه ولا يتجاوزه إلى شيء من الأدب الذي يراد النحو لأجله: من البلاغة وقول الشعر ومعرفة الأخبار والآثار وتصحيح اللغة وضبط الأحاديث، فقال الأسعد: هؤلاء مثلهم مثل الذي يعمل الموازين وليس عنده ما يزن فيه، فيأخذها غيرهم فيزن فيها الدرّ النفيس والجوهر الفاخر والدنانير الحمر والجواهر البيض. وهذا عندي من حسن التمثيل. أنشدنا سعيد بن أبي الكرم بن هبة الله المصري- قال، أنشدني الخطير أبو سعيد ابن مماتي لنفسه في أبي سعيد ابن أبي اليمن النحال وزير العادل، وكان نصرانيا وأسلم، وكان أملح الناس وجها- أعني ابن النحّال: وشادن لما أتى مقبلا ... سبّحت ربّ العرش باريه ومذ رأيت النحل «١» في خدّه ... أيقنت أنّ الشهد في فيه وأنشدنا سعيد بن أبي الكرم المذكور قال، أنشدني الخطير أبو سعيد ابن مماتي في ابن النحال أيضا، وكان يسكن ابن النحّال في أول الدرب، وكان في آخر الدرب صبيّ مثله في الحسن يعرف بابن زنبور: حوى درب نور الدين كلّ شمردل ... مشددة أوساطهم بالزنانير فأوّله للشهد والنحل منزل ... وآخره يا سادتي للزنابير ومن عجيب ما جرى للخطير أنه كان يوما جالسا في ديوانه في حجرة موسومة بديوان الجيش من قصر السلطان بمصر، وكانت حجرة حسنة مرخّمة منمّقة، فجاءه قوم وقالوا له: قم من ها هنا: فقال لهم: ما الخبر؟ فقالوا: قد تقدم الملك العادل أبو بكر بن أيوب بأخذ رخام هذه الحجرة وأن يعمر به موضعا آخر، فخرج منكسرا كاسفا، فقيل له في ذلك فقال: قد استجيبت فينا دعوة، وما أظنني أجلس في ديوان

стр. 639

بعدها، أما سمعتم إذا بالغوا في الدعاء علينا قالوا: خرّب الله ديوانه، وما بعد الخراب إلا اليباب، ثم دخل منزله وحمّ فلم يخرج منه إلّا ميتا. فلما مات خلفه ابنه الأسعد هذا على ديوان الجيش وتصدّر فيه مدّة طويلة ثمّ أضيف إليه في الأيام الصلاحية والعزيزية ديوان المال، وهو أجلّ ديوان من دواوين مصر، وتصدّر فيه واختصّ بصحبة القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني، ونفق عليه وحظي عنده وكرم لديه، فقام بأمره وأشاع من ذكره ونبّه على فضله، وصنّف له عدة تصانيف باسمه، ولم يزل على ذلك إلى أن ملك الملك العادل أبو بكر ابن أيوب الديار المصرية، وكان وزيره والمدبّر لدولته الصفي عبد الله بن علي بن شكر، وكان بينه وبين الأسعد ذحل قديم أيام رئاسته عليه، ووقعت من الأسعد إهانة في حقّ ابن شكر فحقدها عليه إلى أن تمكن منه، فلما ورد مصر أحضر الأسعد إليه وأقبل بكلّيته عليه وفوّض إليه جميع الدواوين التي كانت باسمه قديما، وبقي على ذلك سنة كاملة، ثم عمل له المؤامرات ووضع عليه المحالات وأكثر فيه التأويلات، ولم يلتفت إلى أعذاره ولا أعاره طرفا لاعتذاره، فنكبه نكبة قبيحة، ووجه عليه أموالا كثيرة وطالبه بها، فلم يكن له وجه لأنه كان عفيفا ذا مروءة، فأحال عليه الأجناد فقصدوه وطالبوه وأكثروا عليه وآذوه «١» واشتكوه إلى ابن شكر فحكّمهم فيه؛ فحدثني المؤيد إبراهيم بن يوسف الشيباني قال: سمعت الأسعد يقول: علقت في المطالبة على باب داري بمصر على ظهر الطريق في يوم واحد إحدى عشرة مرة، فلما رأوا أنه «٢» لا وجه لي قيل لي: تحيّل ونجّم هذا المال عليك في نجوم، فقلت: أما المال فلا وجه له عندي، ولكن إن أطلقت وملكت نفسي استجديت من الناس وسألت من يخافني ويرجوني فلعلّي أحصّل من هذا الوجه، فأما من وجه حاصل فليس لي بعد ما أخذتموه مني درهم واحد، فنجّم المال عليّ وأطلقت، وبقيت مديدة إلى أن حلّ بعض نجوم المال عليّ فاختفيت واستترت، وقصدت إلى القرافة وأخفيت نفسي في مقبرة الماذرائيين،

стр. 640

وأقمت «١» بها مدة عام كامل وضاق الأمر عليّ فهربت قاصدا للشام على اجتهاد من الاستتار «٢» ، فلحقني في بعض الطريق فارس مجدّ فسلّم عليّ وسلّم إليّ مكتوبا ففضضته وإذا هو من الصفّي ابن شكر يذكر فيه: لا تحسب أن اختفاءك عني كان بحيث لا أدري أين أنت ولا أين مكانك، فاعلم أن أخبارك كانت تأتيني يوما يوما «٣» وأنك كنت في قبور الماذرائيين بالقرافة منذ يوم كذا، وأنني اجتزت هناك واطّلعت فرأيتك بعيني، وأنك لما خرجت هاربا عرفت خبرك، ولو أردت ردّك لفعلت، ولو علمت أنك قد بقي لك مال أو حال لما تركتك، ولم يكن ذنبك عندي مما يبلغ أن أتلف معه نفسك، وإنما كان مقصودي أن أدعك تعيش خائفا فقيرا غريبا مهجّجا «٤» في البلاد، فلا تظنّ أنك هربت مني بمكيدة صحّت لك عليّ، فاذهب إلى غير دعة الله. قال: وتركني القاصد وعاد، فبقيت مبهوتا إلى أن وصلت إلى حلب. فحدثني الصاحب جمال الدين الأكرم- أدام الله علوّه-: لما ورد إلى حلب نزل في داري، فأقام عندي مدة وذلك في سنة أربع وستمائة، وعرف الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين بن أيوب ﵀ خبره فأكرمه وأجرى عليه في كلّ يوم دينارا صوريا وثلاثة دنانير أخرى في الشهر أجرة دار، فكان يصل إليه في كلّ شهر ثلاثة وثلاثون دينارا غير برّ وألطاف ما كان يخليه منها، وأقام عنده على قدم العطلة إلى سنة ست وستمائة كما ذكرنا، ومات فدفن بظاهر حلب بمقام بقرب قبر أبي بكر الهروي. وله تصانيف كثيرة يقصد بها قصد التأدب وفي معرض وقائع تجري، ويعرضها على الأكابر، لم تكن مفيدة إفادة علمية إنما كانت شبيهة بتصانيف «٥» الثعالبي وأضرابه، فمن ذلك كتاب تلقين اليقين في الفقه. كتاب سرّ الشعر. كتاب علم النثر. كتاب الشيء بالشيء يذكر، وعرضه على القاضي فسمّاه «سلاسل الذهب» لأخذ بعضه بشعب بعض. كتاب تهذيب الأفعال لابن طريف. كتاب قرقرة الدجاج في ألفاظ ابن

стр. 641

الحجاج. كتاب الفاشوش في أحكام قراقوش. كتاب لطائف الذخيرة، لابن بسام. كتاب ملاذ الأفكار وملاذ الاعتبار. كتاب سيرة صلاح الدين يوسف بن أيوب. كتاب أخاير الذخائر. كتاب كرم النجار في حفظ الجار، عمله للملك الظاهر لما قدم عليه. كتاب ترجمان الجمان. كتاب مذاهب المواهب. كتاب باعث الجلد عند حادث الولد. كتاب الحضّ على الرضى بالحظ. كتاب زواهر السدف وجواهر الصدف. كتاب قرص العتاب. كتاب درّة التاج. كتاب ميسور النقد. كتاب المنحل. كتاب أعلام النصر. كتاب خصائص المعرفة في المعمّيات. [كتاب روائع الوقائع] «١» . وكان علم الدين ابن الحجاج شريكه في ديوان الجيش، وكان بينهما ما يكون بين المتماثلين في العمل، فعمل فيه الكتاب المتقدم ذكره، وهجاه بعدة أشعار منها: حكى نهرين ما في الأرض ... من يحكيهما أبدا ففي أفعاله ثورا ... وفي ألفاظه بردى وكان له نوادر حسنة حادّة منها ما حدثني به الصاحب القاضي الأكرم قال: ركبت وإياه يوما «٢» وخرجنا نسير بظاهر حلب، فكان خروجنا من أحد أبوابها، ودرنا سور البلد جميعه ثم دخلنا من ذلك الباب، فقال: اليوم سيرنا تدليك، قيل «٣» كيف؟ قال: من برّا برّا. وكان السديد بن المنذر «٤» وهو رجل فقيه اتصل بالسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بعض الاتصال، فجعل لنفسه بذلك سوقا، واستجلب بما يمتّ به من ذلك- وإن كان باطلا- رزقا، وكان أعور رديئا قليل الدين بغيضا. ولما أحدث الملك الظاهر غازي قناة الماء بحلب وأجراها في شوارعها ودور الناس فوّض إلى ابن المنذر النظر في مصالحها، ورزق على ذلك رزقا حسنا نحو ثلاثمائة درهم في الشهر «٥» ، فسأل عنه الأمير فارس الدين ميمون القصري، والأسعد بن مماتي حاضر، فقال له مسرعا:

стр. 642

هو اليوم مستخدم على قناة، فأعجب بحسن هذه النادرة الحاضرين. وقيل للأسعد يوما: أي شيء يشبه ابن المنذر؟ فقال: يشبه الزبّ، فاستبردوا ذلك وظنوا أنه إنما ذهب إلى عورة فقط، فقال: ما لكم لا تسألوني كيف يشبهه؟ فقالوا: كيف؟ قال: هو أقرع أصلع أعور يسمع بلا أذن، يدخل المداخل الرديئة بحدّة واجتهاد «١» ويرجع منكسرا، فاستحسن ذلك. وله شعر، من ذلك قوله في الثلج في رجب سنة خمس وستمائة: قد قلت لما رأيت الثلج منبسطا ... على الطريق إلى أن ضلّ سالكها ما بيّض الله وجه الأرض في حلب ... إلا لأنّ غياث الدين مالكها وقال أيضا فيه: لما رأت عيني الثلج ... ساقطا كالأقاحي وصار ليل الثرى ... منه أبيضا كالصباح حسبت ذلك من ذو ... ب درّ عقد الوشاح أو من حباب الحميّا ... أو من ثغور الملاح فما على داخل النا ... ر بعد ذا من جناح وقال أيضا فيه: بسيف غياث الدين غازي بن يوسف ... بن أيوب دام القتل واتصل الفتح وشاهدته في الدست والثلج دونه ... فقلت سليمان بن داود والصرح وقال أيضا فيه: مذ رأينا الصبح يزدا ... ن ويزداد انفراشا وحسبنا نوره يط ... رد من خلف الفراشا نثر الثلج علينا ... ياسمينا وفراشا

стр. 643

ورأى أن يرسل الأس ... هم بالبرد فراشا فغدا الكافور في عنبرة ... الأرض فراشا وقال أيضا فيه: لما رأت عيني ... الثلج خلته الياسمينا وقلت من عجب منه ... أصبح الآس مينا وخلته من ثغور ... الملاح للّاثمينا فما أرادوا من الدرّ ... قطّ إلا ثمينا وقال أيضا فيه: لما رأيت الثلج قد ... أضحت به الأرض سما وأنست الصّبا الصّبا ... وأذكرت جهنما خفت فما فتحت من ... تعاظم الخوف فما فإن نمى صبري وهو ناقص فإنما وقال أيضا فيه: لما رأيت الثلج قد ... غطّى الوهاد والقنن سألت أهل حلب ... هل تمطر السما لبن «١» نقل من خطه ومن شعره أيضا: وحياء «٢» ذاك الوجه بل وحياته ... قسم يريك الحسن في قسماته لأرابطنّ على الغرام بثغره ... لأفوز بالمرجوّ من حسناته وأجاهدنّ عواذلي في حبّه ... بالمرهفات عليّ من لحظاته قد صيغ من ذهب وقلّد جوهرا ... فلذاك ليس يجوز أخذ زكاته

стр. 644

وله أيضا: يعاهدني أن لا يخون وينكث ... ويحلف لي ألّا يصدّ ويحنث ومن أعجب الأشياء أنّك ساكن ... بقلبي وأني عن مكانك أبحث وللحسن بل لله طرف مذكّر ... يتيه به عجبا وظرف مؤنث ومنه أيضا: يا سالب الظبية لحظا وجيد ... أجر لمن تهجر أجر الشهيد متى رأى طرفك قتل أمرىء ... بأسهم اللحظ فقيد الفقيد وله دو بيت: يا غصن أراك حاملا عود أراك ... حاشاك إلى السّواك يحتاج سواك قل لي أنهاك عن محبّيك نهاك ... لو تمّ وفاك بست خدّيك وفاك كذا وجدت له في أشعار مجموعة، وأنشدني هذين الدوبيت بعض أهل الأدب وذكر أنهما للعماد الأصبهاني الكاتب، وهما به أشبه، لأنّهما في غاية الجودة، وابن مماتي في طبقة شعره انحطاط جدّا. ومن شعره أيضا: قد نهانا عن الغرام نهانا ... إذ هوانا ألا نذوق هوانا وهجرنا الحبيب خيفة أن ... يهجر بدءا فيستمرّ عنانا وتركناه للورى فكأنّا ... قد أدرناه بيننا دستكانا وأنسنا من وحشة بفراق ... فافترقنا كما ترى برضانا وسمعنا من العذول كلاما ... فأنفنا من ضحكه لبكانا أيّ خير يكون في حبّ من ... فوّق سهما من لحظه ورمانا نحن لو لم نكن هجرناه من ... قبل لأبدى صدوده وجفانا شيمة في الملاح قد أحسن الدهر ... بأعلامها بنا وأسانا

стр. 645

وصباح المشيب يظهر ما كا ... ن طلام الشباب عنه ثنانا ما مشينا إلى الصبابة إلّا ... وخطانا معدودة من خطانا فأدرها معسجدات كؤوسا ... مطلعات من الحباب جمانا [٢٣٣ ب] أسعد بن علي النحوي : نقلت من خط محمد بن أسعد بن النقيب الجواني النسابة النحوي، أنشدني مولاي الشريف القاضي الكامل الفاضل المرتضى جمال العلماء تاج الأدباء سناء الملك معتمد الدولة ذو الحسبين أبو المبارك أسعد بن علي الحسيني في مرضه الذي مات فيه، ﵁، وقد أغمي عليه في يوم حمّى كانت به فأفاق فقال: اكتب عني هذين البيتين بديها رأيت كأنني قلتهما في النوم، وكأني نجوت بهما: واتخذ حبّ النبيّ ملجأ ... ثم أصحاب النبيّ العشره فبذا أوصى أباك والد ... ثم جدّ الجدّ حتى حيدره ومات أسعد بن علي الجواني سنة تسع وخمسين وخمسمائة، فمن شعره في الثلج «١» : قد قلت لما رأيت الثلج منبسطا ... على الطريق إلى أن ضلّ سالكها ما بيّض الله وجه الأرض في حلب ... إلا لأنّ غياث الدين مالكها

стр. 646

[٢٣٤] اسلم بن سهل بن أسلم بن زياد بن حبيب الرزاز أبو الحسن المعروف ببحشل الواسطي: منسوب إلى محلّة الرزّازين، المحلة السفلى بواسط، ومسجده هناك وداره، وهو ثقة إمام يصلح للصحيح «١» ، وجدّه لأمّه أبو محمد وهب بن بقية، ويقال وهبان. جمع بحشل «تاريخ واسط» وضبط أسماء أهلها ورتّب طبقاتهم، وكان لا مزيد عليه في الحفظ والإتقان. مات في سنة ثمان وثمانين ومائتين قبلها أو بعدها بقليل، حدّث عنه بتاريخه أبو بكر محمد بن عثمان بن سمعان المعدّل، وكان يضاهيه في الحفظ والاتقان، وشركه في أكثر شيوخه، ومات قبل الثلاثين والثلاثمائة، ذكر ذلك كله السلفي الحافظ في «السؤالات» التي سألها خميسا الحوزي. [٢٣٥] إسماعيل بن أحمد بن عبد الله الحيري : أبو عبد الرحمن «٢» الضرير المفسر المقرىء الواعظ الفقيه المحدّث الزاهد أحد أئمة المسلمين- والحيرة محلّة بنيسابور هي الآن خراب- مات فيما ذكره عبد الغافر بن إسماعيل بعد الثلاثين وأربعمائة، ومولده سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، قال: وله التصانيف المشهورة في علوم القرآن

стр. 647

والقراءات والحديث والوعظ والتذكير. سمع «صحيح البخاري» من أبي الهيثم، سمع منه ببغداد، وقد روى عن زاهر السرخسي [وأبي الفضل الحدادي وأبي العباس الأنماطي والمخلدي وأبي الحسن العبدوي وطاهر بن خزيمة والخفاف وأبي الحسن الماسرجسي وطبقتهم. وكان نفاعا للخلق مفيدا مباركا في علمه] «١» . [٢٣٦] إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم أبو إسحاق الأزدي مولى آل جرير بن حازم: من أهل البصرة، مات فيما ذكره الخطيب «٢» سنة اثنتين وثمانين ومائتين ومولده سنة مائتين، مات فجأة. قال التنوخي، حدثني أبو الفرج الأصبهاني أن القاضي إسماعيل لبس سواده ليخرج إلى الجامع فيحكم، ولبس أحد خفّيه وأراد أن يلبس الآخر فمات، وهو قاض على جانبي بغداد جميعا. سمع محمد بن عبد الله الأنصاري ومسدد بن مسرهد وعلي بن المديني وغيرهم. روى عنه موسى بن هارون الحافظ وعبد الله بن أحمد بن حنبل ويحيى بن صاعد وكثيرون. وكان فاضلا عالما متقنا فقيها على مذهب مالك بن أنس، شرح مذهبه ولخصه واحتج له، وصنّف المسند وكتبا عدة في علوم القرآن، وجمع كتاب حديث مالك وكتاب يحيى بن سعيد الأنصاري وكتاب أيوب السختياني، واستوطن بغداد قديما وولي القضاء بها ولم يزل يتقلده إلى حين وفاته. قال الخطيب «٣» ، قال طلحة بن محمد بن جعفر الشاهد: إسماعيل بن إسحاق

стр. 648

منشأه البصرة، وأخذ الفقه على مذهب مالك عن أحمد بن المعذّل، وتقدم في هذا المذهب «١» حتى صار علما فيه، ونشر من مذهب مالك وفضله ما لم يكن بالعراق في وقت من الأوقات، وصنّف في الاحتجاج لمذهب مالك والشرح له ما صار لأهل هذا المذهب مثالا يحتذونه وطريقا يسلكونه، وانضاف إلى ذلك علمه بالقرآن فإنّه صنّف في القرآن كتبا تتجاوز كثيرا من الكتب المصنفة فيه، فمنها كتاب في أحكام القرآن، وهو كتاب لم يسبقه أحد من أصحابه إلى مثله. وكتاب في القراءات، وهو كتاب جليل القدر عظيم الخطر. وكتاب في معاني القرآن، وهذان الكتابان يشهد بفضله فيهما واحد زمانه «٢» ، ومن انتهى إليه العلم في النحو واللغة في أوانه، وهو المبرد. ورأيت أبا بكر ابن مجاهد يصف العلم بهذين «٣» الكتابين، وسمعته مرّات لا أحصيها يقول: القاضي إسماعيل أعلم مني بالتصريف. وبلغ من العمر ما صار به واحدا في عصره في علوّ الإسناد، لأن مولده في سنة تسع وتسعين ومائة، فحمل الناس عنه من الحديث الحسن ما لم يحمل عن كثير أحد، وكان الناس يصيرون إليه فيقتبس منه كلّ فريق علما لا يشاركه فيه الآخر فمن قوم يحملون الحديث، ومن قوم يحملون علم القرآن والقراءات والفقه إلى غير ذلك مما يطول شرحه، فأما سداده في القضاء، وحسن مذهبه فيه، وسهولة الأمر عليه فيما كان يلتبس على غيره، فشيء شهرته تغني عن ذكره. وكان في أكثر أوقاته وبعد فراغه من الخصوم متشاغلا بالعلم لأنه اعتمد على كاتبه «٤» أبي عمر محمد بن يوسف فكان يحمل عنه أكثر أمره من لقاء السلطان وينظر في كلّ أمره، وأقبل هو على الحديث والعلم. قال أبو العباس محمد بن يعقوب الأصمّ: كان إسماعيل بن إسحاق نيفا وخمسين سنة على القضاء ما عزل عنه «٥» إلا سنتين. قال الخطيب «٦» : وهذا القول فيه تسامح، وذلك أنّ ولاية إسماعيل للقضاء ما

стр. 649

بين ابتدائها إلى حين وفاته لم تبلغ خمسين سنة، وأول ما ولي في خلافة المتوكل لمّا مات سوار بن عبد الله بن سوار بن عبد الله، وكان قاضي القضاة بسرّ من رأى جعفر ابن عبد الواحد الهاشمي، فأمره المتوكل أن يولّي إسماعيل قضاء الجانب الشرقي من بغداد سنة ست وأربعين ومائتين، ولم يعزله أحد من الخلفاء غير المهتدي، فإنه نقم على أخيه حماد بن إسحاق شيئا فضربه بالسياط وعزل إسماعيل، إلى أن قتل المهتدي «١» وولي المعتمد فأعاده إلى القضاء، فلم يزل على قضاء بغداد بالجانبين إلى أن مات، ولم يقلد قضاء القضاة لأنّ قاضي القضاة كان الحسن بن أبي الشوارب وكان يكون حينئذ بسامرّا. وحدث الخطيب قال «٢» ، قال المبرد: لما توفيت والدة القاضي إسماعيل رأيت من وجهه «٣» ما لم يقدر على ستره، وكان كلّ يعزّيه، وقد كاد لا يسلو، فسلّمت عليه ثم أنشدته: لعمري لئن عال ريب الزمان ... فساء لقد عال نفسا حبيبه ولكنّ علمي بما في الثواب ... عند المصيبة ينسي المصيبه فتفهم كلامي واستحسنه، ودعا بدواة وكتبه، ثم انبسط وزالت عنه تلك الكآبة والجزع. قال إبراهيم بن حماد: أنشدني عمي إسماعيل القاضي: همم الموت عاليات فمن ... ثمّ تخطّى الى لباب اللباب ولهذا قيل الفراق أخو الموت ... لإقدامه على الأحباب قال «٤» : ودخل إلى القاضي إسماعيل بن إسحاق عبدون بن صاعد الوزير،

стр. 650

وكان نصرانيا، فقام له ورحب به، فرأى إنكار الشهود ومن حضره، فلما خرج قال لهم: قد علمت إنكاركم وقد قال الله تعالى: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم (الممتحنة: ٨) وهذا الرجل يقضي حوائج المسلمين، وهو سفير بيننا وبين خليفتنا، وهذا من البر، فسكتت الجماعة. قرأت بخط أبي سعد السمعاني باسناد له رفعه إلى أبي العباس ابن الهادي قال: كنت عند إسماعيل بن إسحاق القاضي في منزله، فخرج يريد صلاة العصر ويدي في يده، فمرّ بابن البري وكان غلاما جميلا فنظر إليه فقال وهو يمشي إلى المسجد: لولا الحياء وأنني مشهور ... والعيب يعلق بالكبير كبير لحللت منزلها الذي تحتلّه ... ولكان منزلنا هو المهجور وانتهى إلى مسجد على باب داره فقال: الله أكبر الله أكبر، ثم مرّ في أذانه؛ والشعر لابراهيم بن المهدي. وحكى أبو حيان هذه الحكاية كما مرّ وزاد فيها: فقيل له افتتحت الأذان بقول الشعر؟ فقال: دعوني فو الله لو نظر أمير المؤمنين إلى ما نظرت إليه لشغله عن تدبير ملكه، قيل له: فهل قلت شيئا آخر فيه؟ قال: نعم أبيات عبثت بي وأنا في المحراب فما استتممت قراءة الحمد حتى فرغت منها، وهي: ألحاظه ترجمان منطقه ... ووجهه نزهة لعاشقه هذّبه الظرف والكمال فما ... يمرّ عيب على طرائقه قد كثرت قالة العباد فما ... تسمع إلا سبحان خالقه ومن «كتاب القضاة» لابن سمكة قال: لما مات إسماعيل بن إسحاق بقيت بغداد ثلاثة أشهر بغير قاض حتى ضجّ الناس ورفع إلى المعتضد، فاختار عبيد الله بن سليمان ثلاثة قضاة: أبا حازم وعليّ بن أبي الشوارب ويوسف، وهو ابن عم إسماعيل بن إسحاق، فولّى أبا حازم الكرخ، وابن أبي الشوارب مدينة المنصور، ويوسف الجانب الشرقي. قال: وأخبرني الثقة أن إسماعيل دخل على الموفق فقال له: ما تقول في النبيذ؟ فقال: أيها الأمير إذا أصبح الإنسان وفي رأسه شيء منه يقال له ماذا؟ فقال الموفق: يقال هو مخمور، قال: فهو كاسمه.

стр. 651

وحدث المحسن «١» قال: سمعت أبي يحكي عن أبي عمر القاضي قال: عرض القاضي إسماعيل على عبيد الله بن سليمان وزير المعتضد رقعة في حوائج الناس [فوقع فيها] فعرض أخرى وقال: إن أمكن الوزير أن يوقّع وقّع، وعرض أخرى وقال شيئا من هذا الجنس، فقال له عبيد الله: يا أبا إسحاق كم تقول: إن أمكن وإن جاز وإن سهل؟ من قال لك إنه يجلس هذا المجلس أحد ثم يتعذر عليه شيء على وجه الأرض من الأمور فقد كذبك، هات رقاعك كلّها في موضع واحد، قال: فأخرجها إسماعيل من كمه وطرحها بين يديه، فوقّع فيها فكانت مع ما وقّع فيه قبل الكلام وبعده نحو الستين «٢» رقعة، ﵀ فما أصدق ما كانت رغبته إلى الله . [٢٣٧] إسماعيل بن الحسن بن علي الغازي البيهقي أبو القاسم شمس الأئمة: ذكره البيهقي في «كتاب الوشاح» فقال: يعرف بالشمس البيهقي، كان جامعا لفنون الآداب، حائزا «٣» لمفاتيح الحكمة وفصل الخطاب، أقام وتوطّن بمرو، وطريقه في الفقه مستقيم، وأكثر مصنفاته عن المناقص سليم، ومن منظومه: كتّاب حضرتنا دامت سلامتهم ... يهيّئون من الألقاب أسبابا وينصبون من الأطماع ألوية ... ويفتحون من الألقاب أبوابا ويبخلون بما جاد الكريم به ... وينفقون على الأقوام ألقابا تجشّأوا في نواديهم بلا شبع ... كأنّهم أكلوا الحلتيت والرابا

стр. 652

أخذه من قول الخوارزمي: قلّ الدراهم في كيسي خليفتنا ... فصار ينفق في الأقوام ألقابا قال: ومن تصانيفه كتاب نقض الاصطلام. كتاب سمط الثريا في معاني غريب الحديث. كتاب في اللغة. كتاب في الخلاف طريف «١» . [٢٣٨] إسماعيل بن الحسين بن محمد بن الحسين بن أحمد بن محمد بن عزيز «٢» بن الحسن بن أبي جعفر محمد الأطروش بن علي بن الحسين بن علي بن محمد الديباج بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃: كنيته أبو طالب بن أبي محمد بن أبي الحسين بن أبي أحمد بن أبي أحمد بن أبي علي بن أبي الحسين بن أبي جعفر بن أبي الفضل بن أبي جعفر الأطروش بن أبي الحسين بن أبي عبد الله بن أبي الحسين بن أبي جعفر بن أبي عبد الله الصادق بن أبي جعفر الباقر بن أبي محمد زين العابدين بن أبي عبد الله السبط بن أبي الحسن أمير المؤمنين، المروزي العلويّ النسابة الحسيني عزيز الدين حقا؛ أول من انتقل من أجداده إلى مرو من قمّ أبو علي أحمد بن محمد بن عزيز، وكان انتقل إلى بغداد من المدينة علي بن محمد الديباج، وكان علي هذا يعرف بالخارص، وابنه الحسين انتقل إلى قم، ثم أقاموا بمرو إلى هذا الأوان. وأخبرني- أحسن الله جزاءه- أن مولده ليلة الاثنين الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. ورد بغداد في سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة «٣» صحبة الحجاج ولم يحجّ، وقرأ الأدب على الإمام منتجب الدين أبي الفتح محمد بن سعد بن محمد بن محمد بن أبي الفضل الديباجي والإمام برهان الدين أبي الفتح

стр. 653

ناصر بن أبي المكارم عبد السيد بن علي المطرزي الخوارزمي وأخيه الامام مجد الدين أبي الرضى طاهر، وقرأ الفقه على الامام فخر الدين محمد بن محمد بن محمد بن الحسين الطيان الماهرويّ الحنفي وقاضي القضاة منتجب الدين أبي الفتح محمد بن سليمان بن إسحاق الفقيهي، قال: وما علمت أنه ولي القضاء بمرو أحسن سيرة منه، ﵀. وقرأ الحديث على الامام فخر الدين إسماعيل بن محمد بن يوسف القاشاني وأبي بكر محمد بن عمر الصائغي السنجي «١» والامام شرف الدين محمد بن مسعود المسعودي والإمام فخر الدين أبي المظفر عبد الرحيم بن الامام تاج الاسلام عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني وعبد الرشيد بن محمد بن أبي بكر الزرقي المؤدب، وبنيسابور على القاضي ركن الدين إبراهيم بن علي بن حمد المعيني والإمام مجد الدين أبي سعد عبد الله بن عمر الصفار والإمام نور الدين فضل الله بن أحمد بن محمد الجليل النوقاني وعبد الرحيم بن عبد الرحمن الشعري، وبالريّ على مجد الدين يحيى بن الربيع الواسطي، وببغداد عليه وعلى عبد الوهاب بن علي بن سكينة وغيرهم بشيراز وهراة وتستر ويزد. وله من التصانيف كتاب حظيرة «٢» القدس، نحو ستين مجلدا ولعله يزيد فيما بعد. وكتاب بستان الشرف، وهو مختصر ذلك يكون عشرين مجلدا. كتاب غنية الطالب في نسب آل أبي طالب، مجلد. كتاب الموجز في النسب، مجلد لطيف. كتاب الفخري صنّفه للفخر الرازي. كتاب زبدة الطالبية، مجلد لطيف. كتاب خلاصة العترة النبوية في أنساب الموسوية. كتاب المثلث في النسب. شجّر عدة كتب منها: كتاب أبي الغنائم الدمشقي. كتاب من اتصل عقبه لأبي الحسن محمد بن القاسم التميمي الأصفهاني مشجّر. وكتاب المعارف للسيد أبي طالب الزنجاني الموسوي. كتاب الطبقات للفقيه زكريا بن أحمد البزار «٣» النيسابوري. كتاب نسب الشافعي خاصة. كتاب وفق الأعداد في النسب. وهذا السيد- أدام الله فضله- اجتمعت به في مرو في سنة أربع عشرة وستمائة

стр. 654

فوجدته كما قيل: قد زرته فرأيت «١» الناس في رجل ... والدهر في ساعة والفضل في دار قد طبع من حسن الأخلاق وسجاحة «٢» الأعراق وحسن البشر وكرم الطبع وحياء الوجه وحبّ الغرباء على ما لا نراه متفرّقا في خلق كثير، وهو مع ذلك أعلم الناس يقينا بالأنساب والنحو واللغة والشعر والأصول والنجوم. وقد تفرّد بهذا البلد بالتصدّر لاقراء العلوم على اختلافها في منزل ينتابه الناس على حسب أغراضهم، فمن قارىء للغة، ومتعلّم في النحو، ومصحّح للغة، وناظر في النجوم، ومباحث في الأصول وغير ذلك من العلوم. وهو مع سعة علمه متواضع حسن الأخلاق لا يرد غريب إلا عليه، ولا يستفيد مستفيد إلّا منه. وأنشدني أدام علوه لنفسه: قولوا لمن لبّي في حبّه ... قد صار مغلوبا ومسلوبا وفي صميم القلب مني أرى ... هواه والإيمان مكتوبا وصحّتي في عشقه صيّرت ... جسمي معلولا ومعيوبا ومدمعي منهمرا ماؤه ... منهملا في الخدّ مسكوبا وأنشدني أدام الله علوه لنفسه: والعين يحجبها لألاء وجنته ... من التأمّل في ذا المنظر الحسن بل عبرتي منعت لو نظرتي عبرت ... إليه من مقلتي إلا على الشّفن لولا تجشّمه بالإبتسام وما ... أمدّه الله عند النطق باللسن لما عرفت عقيقا شقّه درر ... ولم يبن فوه نطقا وهو لم يبن حدثني عزيز الدين ﵀ قال: لما ورد الفخر الرازي إلى مرو، وكان من جلالة القدر وعظم الذكر وضخامة الهيبة بحيث لا يراجع في كلامه، ولا يتنفّس أحد بين يديه لإعظامه على ما هو مشهور متعارف، دخلت إليه، وترددت للقراءة عليه،

стр. 655

فقال لي يوما: أحبّ أن تصنّف لي كتابا لطيفا في أنساب الطالبيين لأنظر فيه فلا أحبّ أن أموت «١» جاهلا به، فقلت له: أتريده مشجّرا أم منثورا؟ فقال: المشجر لا ينضبط بالحفظ، وأنا أريد شيئا أحفظه، فقلت له: السمع والطاعة، ومضيت وصنّفت له الكتاب الذي سميته ب «الفخري» وحملته وجئته به، فلما وقف عليه نزل عن طراحته وجلس على الحصير وقال لي: اجلس على هذه الطراحة، فأعظمت ذلك وهبته «٢» ، فانتهرني نهرة [عظيمة] مزعجة وزعق فيّ قائلا «٣» : اجلس بحيث أقول لك، فتداخلني علم الله من هيبته ما لم أتمالك إلا أن جلست حيث أمرني، ثم أخذ يقرأ عليّ ذلك الكتاب وهو جالس بين يديّ ويستفهمني عما يستغلق عليه إلى أن أنهاه قراءة، فلما فرغ من قراءته «٤» قال: اجلس الآن حيث شئت، فإن هذا علم أنت أستاذي فيه، وأنا أستفيد منك وأتتلمذ لك، وليس من الأدب أن يجلس التلميذ إلا بين يدي الأستاذ، فقمت من مقامي «٥» ، وجلس هو في منصبه، ثم أخذت أقرأ عليه وأنا جالس بحيث كان أوّلا، وهذا لعمري من حسن الأدب حسن ولا سيّما من مثل ذلك الرجل العظيم المرتبة. [٢٣٩] إسماعيل الضرير النحوي أبو علي : لا أعرف من أمره الا ما ذكر أن رجلا سأل إسماعيل الضرير النحويّ عن أبي القاسم علي بن أحمد بن الفرج بن الحسين بن المسلمة الملقب برئيس الرؤساء، وزير القائم: كيف ترى رئيس الرؤساء في النحو؟ فقال: يتكلّم فيه بكلام أهل الصنعة، وسئل رئيس الرؤساء عن إسماعيل فقال: ما أرى مفتوح القلب في النحو إلا هذا المغمّض العينين.

стр. 656

[٢٤٠] إسماعيل بن حماد الجوهري أبو نصر الفارابي : ابن أخت أبي إسحاق الفارابي صاحب «ديوان الأدب» ، وكان الجوهري هذا من أعاجيب الزمان ذكاء وفطنة وعلما، وأصله من بلاد الترك من فاراب، وهو إمام في علم اللغة والأدب، وخطّه يضرب به المثل في الجودة لا يكاد يفرّق بينه وبين خطّ أبي عبد الله ابن مقلة، وهو مع ذلك من فرسان الكلام في الأصول. وكان يؤثر السفر على الحضر، ويطوف الآفاق، واستوطن الغربة على ساق، دخل العراق فقرأ علم العربية على شيخي زمانه ونور عين أوانه: أبي علي الفارسي وأبي سعيد السيرافي، وسافر إلى أرض الحجاز، وشافه باللغة العرب العاربة، وقد ذكر هو ذلك في مقدمه «كتاب الصحاح» من تصنيفه، وطوّف بلاد ربيعة ومضر، وأجهد نفسه في الطلب، ولما قضى وطره من التطواف «١» عاد راجعا إلى خراسان، وتطرّف الدامغان، فأنزله أبو علي الحسين بن علي، وهو من أعيان الكتاب وأفراد الفضلاء، عنده، وأخذ عنه وسمع منه، ثم سرّحه إلى نيسابور، فلم يزل مقيما بها على التدريس والتأليف وتعليم «٢» الخط وكتابة المصاحف والدفاتر حتى مضى لسبيله عن آثار جميلة. وذكره أبو الحسين الباخرزي فقال «٣» : هو صاحب «صحاح اللغة» لم يتأخر فيها عن شرط أقرانه، ولا انحدر عن درجة أبناء زمانه، أنشدني الأديب يعقوب بن أحمد قال، أنشدني الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن صالح الوراق تلميذ الجوهري ﵀ له:

стр. 657

يا ضائع العمر بالأماني ... أما ترى رونق الزمان فقم بنا يا أخا الملاهي ... نخرج إلى نهر بشتقان «١» لعلّنا نجتني سرورا ... حيث جنى الجنتين دان كأننا والقصور فيها ... بحافتي كوثر الجنان والطير فوق الغصون تحكي ... بحسن أصواتها الأغاني وراسل الورق عندليب ... كالزير والبمّ والمثاني وبركة حولها أناخت ... عشر من الدّلب واثنتان فرصتك اليوم فاغتنمها ... فكلّ وقت سواه فان «٢» وله من التصانيف: كتاب في العروض جيد بالغ سماه «عروض الورقة» . كتاب المقدمة في النحو. كتاب الصحاح في اللغة. وهذا الكتاب هو الذي بأيدي الناس اليوم وعليه اعتمادهم، أحسن تصنيفه، وجوّد تأليفه، وقرّب متناوله، وأبرّ في ترتيبه على من تقدمه، يدلّ وضعه على قريحة سالمة ونفس عالمة؛ فهو أحسن من «الجمهرة» وأوقع من «تهذيب اللغة» وأقرب متناولا من «مجمل اللغة» ، فيه يقول الشيخ أبو محمد إسماعيل بن محمد بن عبدوس النيسابوري «٣» : هذا كتاب الصحاح أحسن «٤» ما ... صنّف قبل الصحاح في الأدب يشمل أبوابه «٥» ويجمع ما ... فرّق في غيره من الكتب هذا مع تصحيف فيه في مواضع عدة أخذها عليه المحققون وتتبعها العالمون، ومن ذا الذي ما ساء قط؟ ومن له الحسنى فقط؟ فإنه ﵀ غلط وأصاب، وأخطأ المرمى وأصاب، كسائر العلماء الذين تقدموه وتأخروا عنه، فإني لا أعلم في الدنيا كتابا سلّم إلى مؤلفه فيه، ولم يتبعه بالتتبع من يليه.

стр. 658

وذكره أبو الحسن علي بن فضال المجاشعي في كتابه الذي سماه «بحر الذهب في معرفة أئمة الادب» فقال: كان الجوهري قد صنف «كتاب الصحاح» للأستاذ أبي منصور عبد الرحيم «١» بن محمد البيشكي، وسمعه منه إلى باب الضاد المعجمة، واعترى الجوهري وسوسة فانتقل إلى الجامع القديم بنيسابور، فصعد إلى سطحه وقال: أيها الناس إني عملت في الدنيا شيئا لم أسبق [إليه] فسأعمل للآخرة أمرا لم أسبق إليه، وضمّ إلى جنبيه مصراعي باب وسّطهما «٢» بحبل وصعد مكانا عاليا من الجامع وزعم أنه يطير، فوقع فمات، وبقي بقية الكتاب مسوّدة غير منقح ولا مبيض، فبيّضه أبو إسحاق إبراهيم بن صالح الوراق تلميذ الجوهري بعد موته، فغلط فيه في عدة مواضع غلطا فاحشا. وكان الجوهري يجيد قول الشعر، فمن ذلك «٣» : رأيت فتى أشقرا أزرقا ... قليل الدماغ كثير الفضول يفضّل من حمقه دائبا ... يزيد بن هند على ابن البتول قال المؤلف: وكنت بحلب في سنة إحدى عشرة وستمائة في منزل القاضي الأكرم والصاحب الأعظم أبي الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم الشيباني، فتجارينا أمر الجوهريّ وما وفّق له من حسن التصنيف، ثم قلت له: ومن العجب أني بحثت عن مولده ووفاته بحثا شافيا، وسألت عنهما الواردين من نيسابور فلم أجد مخبرا عن ذلك، فقال لي: لقد بحثت قبلك عن ذلك فلم أر مخبرا عنه، فلما كان من غد ذلك اليوم جئته فقال لي: ألا أخبرك بطريفة؟ إنني رأيت في بارحتنا في النوم قائلا يقول لي: مات إسماعيل بن حماد الجوهري في سنة ست وثمانين وثلاثمائة ولعمري وان كان المنام مما لا يقطع به ولا يعمل عليه فهذا بلا شك زمانه وفيه كان أوانه، لأن شيخيه أبا علي وأبا سعيد ماتا قبل هذه المدة بسنين يسيرة. ثم وجدت نسخة بديوان الأدب بخطّ الجوهري بتبريز وقد كتبها في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، ثم وقفت على

стр. 659

نسخة بالصحاح بخطّ الجوهري بدمشق عند الملك المعظم بن العادل بن أيوب صاحب دمشق وقد كتبها في سنة ست وتسعين وثلاثمائة. وقد ذكره أبو منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي في «كتاب يتيمة الدهر» وأنشد من شعره «١» : لو كان لي بدّ من الناس ... قطعت حبل الناس بالياس العزّ في العزلة لكنّه ... لا بدّ للناس من الناس وأنشد له «٢» : وها أنا يونس في بطن حوت ... بنيسابور في ظلل الغمام فبيتي والفؤاد ويوم دجن ... ظلام في ظلام في ظلام وأنشد له «٣» : زعم المدامة شاربوها أنها ... تنفي الهموم وتذهب الغما صدقوا سرت بعقولهم فتوهموا ... أن السرور بها لهم تما سلبتهم أديانهم وعقولهم ... أرأيت عادم ذين مغتمّا ومن شعره «٤» : يا صاحب الدعوة لا تجزعن ... فكلنا أزهد من كرز فالماء كالعنبر في قومس ... من عزّه يجعل في الحرز فسقّنا ماء بلا منّة ... وأنت في حلّ من الخبز قال مؤلف الكتاب: وذكر محمود «٥» بن أبي المعالي الحواري في «كتاب ضالة الأديب من الصحاح والتهذيب» - بعد أن ذكر قصة الجوهري كما ذكرها المجاشعي

стр. 660

سواء، من تصنيفه الكتاب للبيشكي، وقراءة الناس عليه إلى باب الضاد، وشدّه مصراعي الباب وطيرانه، ثم قال: وسألت الإمام سعيد ابن الامام أحمد بن محمد الميداني عن الخلل الواقع في هذا الكتاب فقال مثل ما ذكرناه: إن هذا الكتاب قرىء عليه إلى باب الضاد فحسب، وبقي أكثر الكتاب على سواده، ولم يقدّر له تنقيحه ولا تهذيبه، فلهذا يقول في باب السين: قيس أبو قبيلة من مضر، واسمه الياس بنقطتين تحتها، ثم يقول في فصل النون من هذا الباب: الناس بالنون اسم قيس عيلان، فالأول سهو «١» والثاني صحيح. ثم قال: ومن زعم أنه سمع عن الجوهري شيئا من الكتاب زيادة على أول الكتاب إلى باب الضاد فهو مكذوب عليه. قال: ورأيت أنا نسخة السماع وعليها خطّه إلى باب الضاد، وهي الآن موجودة في بلادنا، والله أعلم بحقيقته. قال: والكتاب بخط مؤلفه عند أبي محمد إسماعيل بن محمد بن عبدوس النيسابوري وفيه يقول، وذكر البيتين المتقدمين. قال وقال الثعالبي في أثناء كتابه يعني «يتيمة الدهر» : إن تلك النسخة بيعت بمائة دينار نيسابورية وحملت إلى جرجان، والعلم عند الله في ذلك. قال المؤلف: وأما البيشكي الذي صنّف له الكتاب فقد ذكره عبد الغافر الفارسي في «السياق» «٢» فقال: هو عبد الرحيم بن محمد «٣» البيشكي الأستاذ الامام أبو منصور بن أبي القاسم الأديب الواعظ الأصولي، من أركان أصحاب أبي عبد الله- يعني الحاكم بن عبد الله بن البيع- له المدرسة والأصحاب والأوقاف والأسباب والتدريس والمناظرة والنثر والنظم، توفي في جمادى الأولى سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. ووجدت على ظهر «كتاب الصحاح» وكانت مجلدة واحدة كاملة بخطّ الحسن بن يعقوب بن أحمد النيسابوري اللغوي الأديب ما صورته: قرأ عليّ هذا الكتاب من أوله إلى آخره، بما عليه من حواشيه من الفوائد، معارضا بنسختي

стр. 661

مصححا إياها، صاحبه الفقيه الفاضل السديد الحسين بن مسعود الصرام، بارك الله له فيه، وهو إجازة لي عن الاستاذ أبي منصور عبد الرحيم بن محمد البيشكي عن المصنف، وكتبه الحسن بن يعقوب بن أحمد في شهر الله الاصم سنة احدى وسبعين وأربعمائة؛ فهذا كما تراه مخالف لما تقدم من أنّ الجوهري لم يعمل من الكتاب إلا إلى باب الضاد. ومن كتابه الموسوم ب «الصحاح» «١» : النخيس: البكرة يتّسع ثقبها الذي يجري فيه المحور مما يأكله المحور فيعمدون إلى خشيبة فيثقبون وسطها ثم يلقمونها ذلك الثقب المتسع، ويقال لتلك الخشيبة النخاس، وسألت أعرابيا بنجد من بني تميم، وهو يستقي وبكرته نخيس، فوضعت إصبعي على النخاس فقلت: ما هذا؟ وأردت أن أتعرف منه الخاء من الحاء فقال: نخاس، بخاء معجمة، فقلت: أليس قال الشاعر: وبكرة نحاسها نحاس فقال: ما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين «٢» . ومن كتابه في باب بقّم «٣» : وقلت لأبي علي الفارسي «٤» : أعربيّ هو؟ فقال: معرب، قال: وليس في كلامهم اسم على فعل الا خمسة خضّم بن عمرو بن تميم وبالفعل سمّي، وبقّم لهذا الصبغ، وشلّم موضع بالشام، وهما أعجميان وبذّر اسم ماء من مياه العرب، وعثّر موضع، ويحتمل أن يكونا سميا بالفعل، فثبت أنّ فعّل ليس من أصول أسمائهم وانما يختص بالفعل، فإذا سميت به رجلا لم ينصرف في المعرفة للتعريف ووزن الفعل، وينصرف في النكرة.

стр. 662

[٢٤١] إسماعيل بن خلف أبو طاهر الصقلي المقرىء : صاحب علي بن إبراهيم بن سعيد الحوفي، من حوف مصر. وصنّف «كتاب إعراب القراءات» في تسع مجلدات كبار، وصنف في القراءات كتاب الاكتفاء. وكتاب العيون. وأرى أنه كان فيما بعد سنة عشر وخمسمائة. [٢٤٢] إسماعيل بن عباد بن العباس بن عباد الوزير الملقب بالصاحب كافي الكفاة، أبو القاسم: من أهل الطالقان، وهي ولاية بين قزوين وأبهر، وهي عدة قرى يقع عليها هذا الاسم. وبخراسان بلدة تسمى الطالقان غير هذه خرج منها جماعة من أهل العلم- هكذا نسبه المحدثون، وقد قال الرستمي شاعره «١» : يهني ابن عباد بن عباس بن عبد ... الله نعمى بالكرامة تردف وقال فيه السلامي يهجوه: يا ابن عباد بن عباس ... بن عبد الله حرها تنكر الجبر وأخرجت ... إلى دنياك كرها

стр. 663

قال أبو حيان في «أخلاق الوزيرين» «١» : كان عباد يلقب الأمين، وكان دينا خيرا مقدما في صناعة الكتابة. قال: وكتب الأمين لركن الدولة، كما كتب العميد لصاحب خراسان، والأمين كان ينصر مذهب الأشناني «٢» تدينا وطلبا للزلفى عند ربه، والعميد كان يعمل لعاجلته. وإن قلت: كان الأمين معلما بقرية من قرى طالقان الديلم، قيل: وكان والد العميد نخالا في سوق الحنطة بقمّ. والصاحب مع شهرته بالعلوم وأخذه من كلّ فن منها بالنصيب الوافر والحظّ الزائد الظاهر، وما أوتيه من الفصاحة ووفّق لحسن السياسة والرجاحة، مستغن عن الوصف، مكتف عن الإخبار عنه والرصف. مولده في ذي القعدة سنة ست وعشرين وثلاثمائة، ووزر لمؤيد الدولة أبي منصور بويه بن ركن الدولة أبي علي الحسن بن بويه وأخيه فخر الدولة ثماني عشرة سنة وشهرا واحدا. ومات الصاحب- فيما ذكره أبو نعيم الحافظ- في رابع عشرين من صفر سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. وكان أبوه عباد يكنى بالحسن، وكان من أهل العلم والفضل أيضا، سمع أبا خليفة الفضل بن الحباب وغيره من البغداديين والأصفهانيين والرازيين، وصنف كتابا في «أحكام القرآن» نصر فيه الاعتزال، جوّد فيه. روى عنه ابنه الوزير أبو القاسم ابن عباد وابن مردويه الأصفهاني، ومات عباد في السنة التي مات فيها ابنه سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. كلّ ما ذكرناه من خبر عبّاد أبي الوزير فهو منقول من «كتاب المنتظم» في التاريخ من تصنيف أبي الفرج ابن الجوزي «٣» . وبين عباد وبين الحسن بن عبد الرحمن بن حماد القاضي مكاتبات ومراسلات مذكورة مدوّنة. وكان الصاحب في بدء أمره من صغار الكتاب يخدم أبا الفضل ابن العميد على خاصة، فترقّت به الحال إلى أن كتب لمؤيد الدولة بن ركن الدولة بن بويه أخي عضد الدولة بن ركن الدولة الديلمي، ومؤيد الدولة حينئذ أمير، وأحسن في خدمته وحصل له عنده بقدم الخدمة قدم، وأنس منه مؤيد الدولة كفاية وشهامة فلقبه بالصاحب كافي

стр. 664

الكفاة، فلما مات أبوه ركن الدولة وولي مؤيد الدولة بلاده بالري وأصبهان وتلك النواحي خلع على أبي الفتح ابن العميد وزير أبيه خلع الوزارة وأجراه على ما كان في أيام أبيه إلى أن قتل- كما ذكرناه في ترجمته- واستوزر الصاحب واستولى على أموره وحكّمه في أمواله، ولم يزل على ذلك إلى أن مات مؤيد الدولة. وكان فخر الدولة أخو مؤيد الدولة قد هرب من أخيه عضد الدولة والتجأ بخراسان إلى السامانية هو وقابوس بن وشمكير- في أخبار يضيق كتابنا عنها- فأنفذ الصاحب إليه وأحضره وملّكه البلاد، فأقر الصاحب على أمره، فأراد الصاحب اختباره: هل في نفسه عليه شيء مما كان في أيام مؤيد الدولة الذي أوجب هرب فخر الدولة، فاستعفاه من الخدمة والوزارة فقال له فخر الدولة: لك في هذه الدولة من إرث الوزارة كما لنا من إرث الإمارة، فسبيل كلّ واحد منا أن يحتفظ بحقه، ولم يعفه. ولم يزل على أمره معه إلى أن مات الصاحب، والأمور تصدر عن أمره، والملك يتدبر برأيه. وكان إذا قال فخر الدولة قولا وقال الصاحب قولا امتثل قول الصاحب وترك قول فخر الدولة. وللصاحب أخبار حسان في مكارم الأخلاق مع رقاعة كانت فيه، ووصفه صاحب «الامتاع» فقال «١» : كان الصاحب كثير المحفوظ حاضر الجواب فصيح اللسان، قد نتف من كلّ أدب [خفيف] شيئا وأخذ من كلّ فنّ طرفا «٢» والغالب عليه كلام المتكلمين المعتزلة، وكتابته مهجّنة بطرائقهم، ومناظرته مشوبة بعبارة الكتّاب، وهو شديد التعصّب على أهل الحكمة والناظرين في أجزائها كالهندسة والطبّ والتنجم والموسيقى والمنطق والعدد، وليس له من الجزء الإلهي خبر، ولا له فيه عين ولا أثر. وهو حسن القيام بالعروض والقوافي ويقول الشعر وليس بذاك «٣» . و [في] بديهته غزارة، وأما رويّته فخوارة. وطالعه الجوزاء والشعرى فقريبة منه، ويتشيع لمذهب أبي حنيفة ومقالة الزيدية، ولا يرجع إلى التألّه والرقة والرأفة والرحمة، والناس كلّهم يحجمون عنه لجراءته وسلاطته واقتداره وبسطته، شديد العقاب،

стр. 665

طفيف الثواب، طويل العتاب، بذيء اللسان يعطي كثيرا قليلا (يعني يعطي الكثير القليل) ، مغلوب بحرارة الرأس، سريع الغضب بعيد الفيئة، قريب الطّيرة، حسود حقود، وحسده وقف على أهل الفضل، وحقده سار إلى أهل الكفاية، أما الكتّاب والمتصرّفون فيخافون سطوته، وأما المنتجعون فيخافون جفوته، وقد قتل خلقا وأهلك ناسا ونفى أمة نخوة وبغيا وتجبرا وزهوا، ومع هذا يخدعه الصبيّ، ويخلبه الغبيّ، لأن المدخل عليه واسع والمأتى إليه سهل، وذلك بأن يقال: «مولانا يتقدم بأن أعار شيئا من كلامه ورسائله، منظومه ومنثوره، فما جبت الأرض إليه من فرغانة ومصر وتفليس إلّا لأستفيد كلامه وأفصح به وأتعلّم البلاغة منه، لكأنّما رسائل مولانا سور قرآن، وفقره فيها آيات فرقان، واحتجاجه في أثنائها «١» برهان، فسبحان من جمع العالم في واحد، وأبرز جميع قدرته في شخص» . فيلين عند ذلك ويذوب، ويلهى عن كلّ مهمّ له، وينسى كلّ فريضة عليه، ويتقدّم إلى الخازن بأن يخرج إليه رسائله مع الورق والورق، ويسهّل الإذن عليه والوصول إليه والتمكّن من مجلسه، فهذا هذا، ثمّ يعمل في أوقات كالعيد والفصل شعرا ويدفعه إلى أبي عيسى ابن المنجّم ويقول له: قد نحلتك هذه القصيدة، امدحني بها في جملة الشعراء، وكن الثالث من [الهمج] المنشدين، فيفعل ذلك أبو عيسى وهو بغداديّ محكّك، قد شاخ على الخدائع وتحنّك، وينشد، فيقول له عند سماعه شعره في نفسه، ووصفه بلسانه، ومدحه من تحبيره: أعد يا أبا عيسى فإنك والله مجيد، زه يا أبا عيسى، قد صفا ذهنك وزادت قريحتك وتنقّحت قوافيك، ليس هذا من الطراز الأول حين أنشدتنا في العيد الماضي، مجالسنا تخرّج الناس وتهب لهم الذكاء وتزيدهم الفطنة وتحوّل الكودن عتيقا والمحمّر جوادا، ثم لا يصرفه عن مجلسه إلا بجائزة سنيّة وعطيّة هنية، ويغايظ الجماعة من الشعراء وغيرهم لأنهم يعلمون أن أبا عيسى لا يقرض مصراعا ولا يزن بيتا ولا يذوق عروضا. قال يوما: من في الدار؟ فقيل له: أبو القاسم الكاتب وابن ثابت، فعمل في الحال بيتين وقال لإنسان بين يديه: إذا أذنت لهذين فادخل بعد هما بساعة، وقل: قد قلت بيتين فإن رسمت لي إنشادهما أنشدتهما، وازعم أنك بدهت

стр. 666

بهما، ولا تجزع من تأفّفي بك ولا تفزع من نكيري عليك، ودفع البيتين إليه وأمره بالخروج إلى صحن الدار، وأذن للرجلين حتى وصلا، فلما جلسا وأنسا دخل الآخر على تفيئتهما ووقف للخدمة وأخذ يتلمّظ، يري أنه يقرض شعرا، ثم قال: يا مولانا قد حضرني بيتان فإن أذنت أنشدت، قال له: أنت إنسان أخرق سخيف لا تقول شيئا فيه خير، اكفني أمرك وشعرك، قال: يا مولانا هي بديهتي وإن كسرتني «١» ظلمتني، وعلى كلّ حال فاسمع فإن كانا بارعين وإلا فعاملني بما تحبّ، قال: أنت لجوج هات، فأنشد: يا أيها الصاحب تاج العلا ... لا تجعلنّي نهزة «٢» الشامت بملحد يكنى أبا قاسم ... ومجبر يعزى إلى ثابت فقال: قاتلك الله، لقد أحسنت وأنت مسيء. قال لي أبو القاسم: وكدت أتفقأ غيظا لأني علمت أنها من فعلاته المعروفة، وكان ذلك الجاهل لا يقرض بيتا، ثم حدثني الخادم الحديث بقضه. والذي غلّطه في نفسه وحمله على الإعجاب بفضله والاستبداد برأيه أنه لم يجبهه أحد قطّ بتخطئة، ولا قوبل بتسوئة، لأنه نشأ على أن يقال: أصاب سيدنا وصدق مولانا، ولله درّه ما رأينا مثله، من ابن عبد كان مضافا إليه، ومن ابن ثوابة مقيسا عليه؟ ومن إبراهيم بن العباس الصولي؟ من صريع الغواني؟ من أشجع السلمي؟ إذا سلك طريقهما، قد استدرك مولانا على الخليل في العروض، وعلى أبي عمرو بن العلاء في اللغة، وعلى أبي يوسف في القضاء، وعلى الاسكافي في الموازنة، وعلى ابن نوبخت في الآراء والديانات، وعلى ابن مجاهد في القراءات، وعلى ابن جرير في التفسير، وعلى أرسطاطاليس في المنطق، وعلى الكندي في الجزء، وعلى ابن سيرين في العبارة، وعلى أبي العيناء في البديهة، وعلى ابن أبي خالد في الخطّ، وعلى الجاحظ في الحيوان، وعلى سهل بن هارون في الفقر، وعلى يوحنا في الطبّ، وعلى ابن ربن في الفردوس «٣» ، وعلى

стр. 667

عيسى بن دأب «١» في الرواية، وعلى الواقدي في الحفظ، وعلى النجار في البدل «٢» وعلى بني ثوابة في التقفية «٣» ، وعلى السريّ السقطي في الخطرات والوساوس، وعلى مزبّد «٤» في النوادر، وعلى أبي الحسن العروضي في استخراج المعمّى، وعلى بني برمك في الجود، وعلى ذي الرياستين في التدبير، وعلى سطيح في الكهانة، وعلى أبي المحياة خالد بن سنان في دعواه. هو والله أولى بقول أبي شريح أوس بن حجر التميمي في فضالة بن كلدة أبي دليجة «٥» : الألمعيّ الذي يظنّ لك الظنّ كأن قد رأى وقد سمعا فتراه عند هذا الهذر وأشباهه يتلوّى ويبتسم، ويطير فرحا به وينقسم، ويقول: ولا كذا، ثمرة السبق لهم وقصرنا أن نلحقهم أو نقفو أثرهم، وهو في ذلك يتشاجى ويتحايك «٦» ، ويلوي شدقه ويبتلع ريقه ويردّ كالآخذ ويأخذ كالمتمنع، ويغضب في عرض الرضى ويرضى في لبوس الغضب، ويتهالك ويتمالك ويتفاتك «٧» ويتمايل، ويحاكي المومسات ويخرج في أصحاب السماجات، وهو مع هذا يظن أنه خاف على نقّاد الأخلاق وجهابذة الأحوال ... » «وقد أفسده أيضا ثقة صاحبه به وتعويله عليه وقلة سماعه من الناصح فيه، وهو في الأصل مجدود لا جرم [ليس] يقلّه مكان دلالا وترفا وعجبا، واندراء على الناس، وازدراء للصغار والكبار، وجبها للصادر والوارد. وفي الجملة آفاته كثيرة وذنوبه جمة، ولكن الغنى ربّ غفور: (وهذا عجز بيت لعروة بن الورد من أبيات أولها) «٨» :

стр. 668

ذريني للغنى أسعى فإني ... رأيت الناس شرّهم الفقير وأبعدهم وأهونهم عليهم ... وإن أمسى له حسب وخير ويقصيه النديّ وتزدريه ... حليلته وينهره الصغير وتلقى ذا الغنى وله جلال ... يكاد فؤاد صاحبه يطير قليل ذنبه والذنب جمّ ... ولكنّ الغنى ربّ غفور «قال فكيف تتمّ له الأمور مع هذه الصفات؟ قلت: والله لو أنّ عجوزا بلهاء أو أمة ورهاء أقيمت مقامه لكانت الأمور على هذا السياق «١» ، لأنه قد أمن أن يقال له: لم فعلت ولم لم تفعل؟ وهذا باب لا يتّفق لأحد من خدم الملوك إلا بجدّ سعيد ولقد نصح صاحبه الهرويّ في أموال تاوية وأمور من النظر عارية، فقذف بالرقعة إليه حتى عرف ما فيها، ثم قتل الرافع خنقا، هذا وهو يدين بالوعيد. وقال لي الثقة من أصحابه: ربما شرع في أمر يحكم فيه بالخطأ فيقلبه جدّه صوابا حتى كأنه عن وحي، وأسرار الله في خلقه عند الارتفاع والانحطاط خفية، ولو جرت الأمور على موضوع الرأي وقضية العقل لكان معلّما في مصطبة على شارع أو في دار لتان «٢» فإنه يحرج «٣» الانسان بتفيهقه وتشادقه، واستحقاره واستكباره، وإعادته وإبدائه، وهذه أشكال تعجب الصبيان ولا تنفّرهم عن المعلمين، ويكون فرحهم بها سببا للملازمة والحرص على التعلم والحفظ والرواية والدراسة» . هذا قول صاحب «الامتاع» فيه. ومما وجدت في بعض الكتب من مكارم الاخلاق للصاحب أنه استدعى يوما شرابا من شراب السكر فجيء بقدح منه، فلما أراد شربه قال له بعض خواصه: لا تشربه فإنه مسموم، فقال له: وما الشاهد على صحّة ذلك؟ قال: بأن: تجرّبه على من أعطاكه، قال: لا أستجيز ذلك ولا أستحلّه، قال: فجرّبه على كلب «٤» ، قال: إن

стр. 669

التمثيل بالحيوان لا يجوز وأمر بصبّ ما في القدح، وقال للغلام: انصرف عني ولا تدخل داري بعدها، وأقرّ رزقه عليه وقال: لا تدفع اليقين بالشكّ، والعقوبة بقطع الرزق نذالة. قال: ودخل إلى الصاحب رجل لا يعرفه، فقال له الصاحب: أبو من؟ فأنشد الرجل: وتتفق الأسماء في اللفظ والكنى ... كثيرا ولكن لا تلاقى الخلائق «١» فقال له: اجلس يا أبا القاسم. وكان يقول لجلسائه: نحن بالنهار سلطان وبالليل إخوان «٢» . وحدث أبو الحسن النحوي قال «٣» : كان مكي المنشد قديم الصحبة والخدمة للصاحب، فأساء إليه غير مرة والصاحب يتجاوز له، فلما كثر ذلك منه أمر الصاحب بحبسه، فحبس في دار الضرب، وكانت في جواره، فاتفق أن الصاحب صعد يوما سطح داره وأشرف على دار الضرب فناداه مكي: فاطلع فرآه في سواء الجحيم (الصافات: ٥٥) فضحك الصاحب وقال اخسؤا فيها ولا تكلمون (المؤمنون: ١٠٨) ثم أمر باطلاقه. ومن كتاب «أخلاق الوزيرين» لأبي حيان التوحيدي: قال المؤلف: أما خبر أبي حيان مع ابن عباد فى ذكر في أخبار أبي حيان، وأما غيره فإن أبا حيان كان قصد ابن عباد إلى الري فلم يرزق منه، فرجع عنه ذامّا له، وكان أبو حيان مجبولا على الغرام بثلب الكرام، فاجتهد في الغضّ من ابن عباد، وكانت فضائل ابن عباد تأبى الا أن تسوقه إلى المدح وإيضاح مكارمه، فصار ذمّه له مدحا، فمن ذلك أن قال بعد أن فرغ من الاعتذار من التصدي لثلبه قال «٤» : فأول ما أذكر من ذلك ما أدلّ به على سعة كلامه، وفصاحة لسانه، وقوة جأشه، وشدة منّته،

стр. 670

وإن كان في فحواه ما يدل على رقاعته وانتكاث مريرته وضعف حوله وركاكة عقله وانحلال عقده: لما رجع من همذان سنة تسع وستين وثلاثمائة بعد أن فارق حضرة عضد الدولة استقبله الناس من الريّ وما يليها واجتمعوا بساوة، وكان قد أعدّ لكلّ واحد منهم كلاما يلقاه به عند رؤيته، فأول من دنا منه القاضي أبو الحسن الهمذاني «١» من قرية يقال لها أسد اباذ، فقال له: أيها القاضي ما فارقتك شوقا إليك، ولا فارقتني وجدا عليك، ولقد مرّت لي بعدك مجالس تقتضيك وتحظيك وترضيك، ولو شهدتني بين أهلها وقد علوتهم ببياني ولساني وجدلي وبرهاني لأنشدت قول حسان بن ثابت «٢» في ابن عباس وهو: إذا ما ابن عباس بدا لك وجهه ... رأيت له في كلّ مجمعة فضلا إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بملتقطات لا ترى بينها فصلا كفى وشفى ما في النفوس ولم يدع ... لذي إربة في القول جدا ولا هزلا سموت إلى العلياء من غير خفّة ... فنلت ذراها لا دنيّا ولا وغلا ولذكرت أيضا أيها القاضي قول الآخر وأنشدته، فإنه قال في من وقف موقفي، وقرف مقرفي، وتصرّف تصرّفي، وانصرف منصرفي، واغترف مغترفي: إذا قال لم يترك مقالا ولم يقف ... لعيّ ولم يثن اللسان على هجر يصرّف بالقول اللسان إذا انتحى ... وينظر في أعطافه نظر الصقر ولقد أودعت صدر عضد الدولة ما يطيل التفاته إليّ ويكثر حسرته عليّ، ولقد رأى منّي ما لم ير قبله مثله ولا يرى بعده شكله، والحمد لله [الذي] أوفدني عليه على ما يسرّ الوليّ وأصدرني عنه على ما يسوء العدوّ، أيّها القاضي كيف الحال والنفس، [وكيف الامتاع والأنس] ، وكيف المجلس والدرس، وكيف القرص والجرس «٣» ، وكيف
следующие страницы →