← Тараджим

Тараджим · id 9788

معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

الحموي، ياقوت

Полный текст (3 532 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

بهما، ولا تجزع من تأفّفي بك ولا تفزع من نكيري عليك، ودفع البيتين إليه وأمره بالخروج إلى صحن الدار، وأذن للرجلين حتى وصلا، فلما جلسا وأنسا دخل الآخر على تفيئتهما ووقف للخدمة وأخذ يتلمّظ، يري أنه يقرض شعرا، ثم قال: يا مولانا قد حضرني بيتان فإن أذنت أنشدت، قال له: أنت إنسان أخرق سخيف لا تقول شيئا فيه خير، اكفني أمرك وشعرك، قال: يا مولانا هي بديهتي وإن كسرتني «١» ظلمتني، وعلى كلّ حال فاسمع فإن كانا بارعين وإلا فعاملني بما تحبّ، قال: أنت لجوج هات، فأنشد: يا أيها الصاحب تاج العلا ... لا تجعلنّي نهزة «٢» الشامت بملحد يكنى أبا قاسم ... ومجبر يعزى إلى ثابت فقال: قاتلك الله، لقد أحسنت وأنت مسيء. قال لي أبو القاسم: وكدت أتفقأ غيظا لأني علمت أنها من فعلاته المعروفة، وكان ذلك الجاهل لا يقرض بيتا، ثم حدثني الخادم الحديث بقضه. والذي غلّطه في نفسه وحمله على الإعجاب بفضله والاستبداد برأيه أنه لم يجبهه أحد قطّ بتخطئة، ولا قوبل بتسوئة، لأنه نشأ على أن يقال: أصاب سيدنا وصدق مولانا، ولله درّه ما رأينا مثله، من ابن عبد كان مضافا إليه، ومن ابن ثوابة مقيسا عليه؟ ومن إبراهيم بن العباس الصولي؟ من صريع الغواني؟ من أشجع السلمي؟ إذا سلك طريقهما، قد استدرك مولانا على الخليل في العروض، وعلى أبي عمرو بن العلاء في اللغة، وعلى أبي يوسف في القضاء، وعلى الاسكافي في الموازنة، وعلى ابن نوبخت في الآراء والديانات، وعلى ابن مجاهد في القراءات، وعلى ابن جرير في التفسير، وعلى أرسطاطاليس في المنطق، وعلى الكندي في الجزء، وعلى ابن سيرين في العبارة، وعلى أبي العيناء في البديهة، وعلى ابن أبي خالد في الخطّ، وعلى الجاحظ في الحيوان، وعلى سهل بن هارون في الفقر، وعلى يوحنا في الطبّ، وعلى ابن ربن في الفردوس «٣» ، وعلى

стр. 667

عيسى بن دأب «١» في الرواية، وعلى الواقدي في الحفظ، وعلى النجار في البدل «٢» وعلى بني ثوابة في التقفية «٣» ، وعلى السريّ السقطي في الخطرات والوساوس، وعلى مزبّد «٤» في النوادر، وعلى أبي الحسن العروضي في استخراج المعمّى، وعلى بني برمك في الجود، وعلى ذي الرياستين في التدبير، وعلى سطيح في الكهانة، وعلى أبي المحياة خالد بن سنان في دعواه. هو والله أولى بقول أبي شريح أوس بن حجر التميمي في فضالة بن كلدة أبي دليجة «٥» : الألمعيّ الذي يظنّ لك الظنّ كأن قد رأى وقد سمعا فتراه عند هذا الهذر وأشباهه يتلوّى ويبتسم، ويطير فرحا به وينقسم، ويقول: ولا كذا، ثمرة السبق لهم وقصرنا أن نلحقهم أو نقفو أثرهم، وهو في ذلك يتشاجى ويتحايك «٦» ، ويلوي شدقه ويبتلع ريقه ويردّ كالآخذ ويأخذ كالمتمنع، ويغضب في عرض الرضى ويرضى في لبوس الغضب، ويتهالك ويتمالك ويتفاتك «٧» ويتمايل، ويحاكي المومسات ويخرج في أصحاب السماجات، وهو مع هذا يظن أنه خاف على نقّاد الأخلاق وجهابذة الأحوال ... » «وقد أفسده أيضا ثقة صاحبه به وتعويله عليه وقلة سماعه من الناصح فيه، وهو في الأصل مجدود لا جرم [ليس] يقلّه مكان دلالا وترفا وعجبا، واندراء على الناس، وازدراء للصغار والكبار، وجبها للصادر والوارد. وفي الجملة آفاته كثيرة وذنوبه جمة، ولكن الغنى ربّ غفور: (وهذا عجز بيت لعروة بن الورد من أبيات أولها) «٨» :

стр. 668

ذريني للغنى أسعى فإني ... رأيت الناس شرّهم الفقير وأبعدهم وأهونهم عليهم ... وإن أمسى له حسب وخير ويقصيه النديّ وتزدريه ... حليلته وينهره الصغير وتلقى ذا الغنى وله جلال ... يكاد فؤاد صاحبه يطير قليل ذنبه والذنب جمّ ... ولكنّ الغنى ربّ غفور «قال فكيف تتمّ له الأمور مع هذه الصفات؟ قلت: والله لو أنّ عجوزا بلهاء أو أمة ورهاء أقيمت مقامه لكانت الأمور على هذا السياق «١» ، لأنه قد أمن أن يقال له: لم فعلت ولم لم تفعل؟ وهذا باب لا يتّفق لأحد من خدم الملوك إلا بجدّ سعيد ولقد نصح صاحبه الهرويّ في أموال تاوية وأمور من النظر عارية، فقذف بالرقعة إليه حتى عرف ما فيها، ثم قتل الرافع خنقا، هذا وهو يدين بالوعيد. وقال لي الثقة من أصحابه: ربما شرع في أمر يحكم فيه بالخطأ فيقلبه جدّه صوابا حتى كأنه عن وحي، وأسرار الله في خلقه عند الارتفاع والانحطاط خفية، ولو جرت الأمور على موضوع الرأي وقضية العقل لكان معلّما في مصطبة على شارع أو في دار لتان «٢» فإنه يحرج «٣» الانسان بتفيهقه وتشادقه، واستحقاره واستكباره، وإعادته وإبدائه، وهذه أشكال تعجب الصبيان ولا تنفّرهم عن المعلمين، ويكون فرحهم بها سببا للملازمة والحرص على التعلم والحفظ والرواية والدراسة» . هذا قول صاحب «الامتاع» فيه. ومما وجدت في بعض الكتب من مكارم الاخلاق للصاحب أنه استدعى يوما شرابا من شراب السكر فجيء بقدح منه، فلما أراد شربه قال له بعض خواصه: لا تشربه فإنه مسموم، فقال له: وما الشاهد على صحّة ذلك؟ قال: بأن: تجرّبه على من أعطاكه، قال: لا أستجيز ذلك ولا أستحلّه، قال: فجرّبه على كلب «٤» ، قال: إن

стр. 669

التمثيل بالحيوان لا يجوز وأمر بصبّ ما في القدح، وقال للغلام: انصرف عني ولا تدخل داري بعدها، وأقرّ رزقه عليه وقال: لا تدفع اليقين بالشكّ، والعقوبة بقطع الرزق نذالة. قال: ودخل إلى الصاحب رجل لا يعرفه، فقال له الصاحب: أبو من؟ فأنشد الرجل: وتتفق الأسماء في اللفظ والكنى ... كثيرا ولكن لا تلاقى الخلائق «١» فقال له: اجلس يا أبا القاسم. وكان يقول لجلسائه: نحن بالنهار سلطان وبالليل إخوان «٢» . وحدث أبو الحسن النحوي قال «٣» : كان مكي المنشد قديم الصحبة والخدمة للصاحب، فأساء إليه غير مرة والصاحب يتجاوز له، فلما كثر ذلك منه أمر الصاحب بحبسه، فحبس في دار الضرب، وكانت في جواره، فاتفق أن الصاحب صعد يوما سطح داره وأشرف على دار الضرب فناداه مكي: فاطلع فرآه في سواء الجحيم (الصافات: ٥٥) فضحك الصاحب وقال اخسؤا فيها ولا تكلمون (المؤمنون: ١٠٨) ثم أمر باطلاقه. ومن كتاب «أخلاق الوزيرين» لأبي حيان التوحيدي: قال المؤلف: أما خبر أبي حيان مع ابن عباد فى ذكر في أخبار أبي حيان، وأما غيره فإن أبا حيان كان قصد ابن عباد إلى الري فلم يرزق منه، فرجع عنه ذامّا له، وكان أبو حيان مجبولا على الغرام بثلب الكرام، فاجتهد في الغضّ من ابن عباد، وكانت فضائل ابن عباد تأبى الا أن تسوقه إلى المدح وإيضاح مكارمه، فصار ذمّه له مدحا، فمن ذلك أن قال بعد أن فرغ من الاعتذار من التصدي لثلبه قال «٤» : فأول ما أذكر من ذلك ما أدلّ به على سعة كلامه، وفصاحة لسانه، وقوة جأشه، وشدة منّته،

стр. 670

وإن كان في فحواه ما يدل على رقاعته وانتكاث مريرته وضعف حوله وركاكة عقله وانحلال عقده: لما رجع من همذان سنة تسع وستين وثلاثمائة بعد أن فارق حضرة عضد الدولة استقبله الناس من الريّ وما يليها واجتمعوا بساوة، وكان قد أعدّ لكلّ واحد منهم كلاما يلقاه به عند رؤيته، فأول من دنا منه القاضي أبو الحسن الهمذاني «١» من قرية يقال لها أسد اباذ، فقال له: أيها القاضي ما فارقتك شوقا إليك، ولا فارقتني وجدا عليك، ولقد مرّت لي بعدك مجالس تقتضيك وتحظيك وترضيك، ولو شهدتني بين أهلها وقد علوتهم ببياني ولساني وجدلي وبرهاني لأنشدت قول حسان بن ثابت «٢» في ابن عباس وهو: إذا ما ابن عباس بدا لك وجهه ... رأيت له في كلّ مجمعة فضلا إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بملتقطات لا ترى بينها فصلا كفى وشفى ما في النفوس ولم يدع ... لذي إربة في القول جدا ولا هزلا سموت إلى العلياء من غير خفّة ... فنلت ذراها لا دنيّا ولا وغلا ولذكرت أيضا أيها القاضي قول الآخر وأنشدته، فإنه قال في من وقف موقفي، وقرف مقرفي، وتصرّف تصرّفي، وانصرف منصرفي، واغترف مغترفي: إذا قال لم يترك مقالا ولم يقف ... لعيّ ولم يثن اللسان على هجر يصرّف بالقول اللسان إذا انتحى ... وينظر في أعطافه نظر الصقر ولقد أودعت صدر عضد الدولة ما يطيل التفاته إليّ ويكثر حسرته عليّ، ولقد رأى منّي ما لم ير قبله مثله ولا يرى بعده شكله، والحمد لله [الذي] أوفدني عليه على ما يسرّ الوليّ وأصدرني عنه على ما يسوء العدوّ، أيّها القاضي كيف الحال والنفس، [وكيف الامتاع والأنس] ، وكيف المجلس والدرس، وكيف القرص والجرس «٣» ، وكيف

стр. 671

الدسّ والدعس «١» ، وكيف الفرس والمرس «٢» . وكاد لا يخرج من هذا الهذيان لتهيجه واحتدامه وشدة خباله «٣» وغلوائه، والهمذاني مثل الفأرة بين يدي السنور، وقد تضاءل وقمؤ لا يصعد له نفس الا بنزع تذلّلا وتقلّلا، هذا على كبره [في مجلسه ونذالته] في نفسه. ثم نظر إلى الزعفرانيّ «٤» رئيس أصحاب الرأي فقال: أيها الشيخ سرّني لقاؤك، وساءني عناؤك، ولقد بلغني عدواؤك، وما خيّله إليك خيلاؤك، وأرجو ألّا أعيش حتى يردّ عليك غلواؤك، ما كان عندي أنك تقدم على ما أقدمت عليه، وتنتهي في عداوتك لأهل العدل والتوحيد إلى ما انتهيت إليه، ولي معك إن شاء الله نهار له ليل «٥» وليل يتبعه ليل، وثبور يتصل به ويل، وقطر يدفع ومعه «٦» سيل وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار (الرعد: ٤٤) فقال له الزعفراني: حسبنا الله ونعم الوكيل. ثم أبصر أبا طاهر الحنفي فقال: أيها الشيخ ما أدري أشكوك أم أشكو إليك؟ أما شكواي منك، فإنك لم تكاتبني بحرف، كانّا لم نتلاحظ بطرف، ولم نتحافظ على إلف، ولم نتلاق على ظرف؛ وأما شكواي إليك فإني ذممت الناس بعدك، وذكرت لهم عهدك، وعرضت بينهم ودك، وقدحت عليهم زندك، ونشرت عليهم غرائب ما عندك، فاشتاقوا إليك بتشويقي، واستصفوك بترويقي «٧» . وأثنوا عليك بتنميقي وتزويقي «٨» ، وهكذا عمل الأحباب، إذا تناءت بهم الركاب، والتوت دونهم الأعناق، واضطرمت في صدورهم نار الاشتياق، فالحمد لله الذي أعاد الشعب ملتئما، والشمل منتظما، والقلوب وادعة، والأهواء جامعة، حمدا يتصل بالمزيد، على عادة السادة مع العبيد، عند كلّ قريب وبعيد. ثم التفت إلى ابن القطّان القزويني

стр. 672

الحنفي، وكان من ظرفاء العلماء، فقال: كدت أيها الشيخ أحلم بك في اليقظة، وأشتمل عليك دون الحفظة؛ لأنك قد ملكت مني غاية المكانة والحظة «١» ، والله ما أسغت بعدك ريقا، إلا على جرض، ولا سلكت دونك طريقا، إلا على مضض، ولا وجدت للظرف سوقا، إلا بالعرض. سقى الله ربعا أنت ساكنه «٢» بنزاهتك، وطبعا أنت طابنه «٣» ببراعتك، ومغرسا أنت ينعه «٤» بنباهتك [وأصلا أنت فرعه بفقاهتك] . وقال للعباداني «٥» : أيها القاضي أيسرّك ان أشتاقك وتسلو عني، وأن أسأل عنك وتنسلّ مني، وأن أكاتبك فتتغافل، وأطالبك بالجواب فتتكاسل؟! وهذا ما لا أحتمله من صاحب خراسان، ولا يطمع في مثله مني ملك بني ساسان. متى كنت منديلا ليد، ومتى نزلت على هذا الحدّ لأحد؟ إن انكفأت عليّ بالعذر انكفاء، وإلّا اندرأت عليك بالعذل اندراء، ثم لا يكون لك قرار بحال، ولا يبقى لك بمكاني استكثار إلا على وبال وخبال. ثم طلع أبو طالب العلوي، فقال: أيها الشريف جعلت حسناتك عندي سيئات، ثم أضفت إليها هنات، ولم تفكّر في ماض ولا آت. أضعت العهد، وأخلفت الوعد، وحققت النحس وأبطلت السعد. وحلت سرابا للحيران، بعد ما كنت شرابا للحرّان. وظننت أنك قد شبعت مني، واعتضت عنّي هيهات وأنّى [لك] بمثلي، أو بمن يعثر في ذيلي، أو له نهار كنهاري أو ليل كليلي. وهل عائض منّي وإن جلّ عائض أنا واحد هذا العالم، وأنت بما تسمع عالم. لا إله الا الله سبحان الله، أيها الشريف، أين الحقّ الذي وكّدناه أيام كادت الشمس تزول، والزمان علينا يصول، وأنا أقول وأنت تقول، والحال بيننا يحول؟! سقى الله ليلة تشييعك وتوديعك، وأنت

стр. 673

متنكّر تنكّرا يسوء الوليّ وأنا متفكّر تفكّرا يسوء العدوّ، ونحن متوجّهون إلى ورامين «١» خوفا من ذلك الجاهل المهين (يعني بالجاهل المهين ذا الكفايتين حين أخرجه من الريّ بعد أن ألّب عليه وكاد أن يؤتى على نفسه الخبيثة، وهو حديث له فرش، وما أنا بصدده يمنع من اقتصاصه ولعله يأتي فيما بعد) . ثم نظر إلى أبي محمد كاتب الشروط فقال: أيها الشيخ الحمد لله الذي كفانا شرّك، ووقانا عرّك وضرّك. ونآنا فيحك وحرّك، دببت الضّراء الينا، ومشيت الخمر علينا «٢» ، ونحن نحيس لك الحيس «٣» ، ونصفك باللبابة والكيس، ونقول ليس مثله ليس، وأنت في خلال ذلك تقابلنا بالويح والويس، لولا أنك قرحان، لسقط بك العشاء على سرحان «٤» . وقال لابن أبي خراسان الفقيه الشافعي: أيها الشيخ ألغيت ذكرنا عن لسانك، واستمررت على الخلوة بانسانك، جاريا على نسيانك، مشتهرا «٥» بفتيانك وافتنانك، غير عاطف على أخدانك وإخوانك، لولا أنني أرعى قديما قد أضعته، وأعطيك من رعايتي ما قد منعته، لكان لي ولك حديث، إما طيب وإما خبيث. خلّفتك محتسبا، فخلفت مكتسبا، وتركتك آمرا بالمعروف فلحقتك راكبا للمنكر. قد يفيل الرأي ويخيب الظنّ ويكذب الأمل، وقد قال الأول: ألا ربّ من تغتشه لك ناصح ... ومؤتمن بالغيب وهو ظنين ثم نظر إلى الشادياشي «٦» فقال: يا أبا علي كيف أنت، وكيف كنت؟ فقال: يا مولانا: لا كنت إن كنت أدري كيف كنت ولا ... لا كنت إن كنت أدري كيف لم أكن

стр. 674

فقال: اغرب يا ساقط، يا هابط، يا من تذهب إلى الحائط بالغائط، ليس هذا من نحت يدك، ولا هو مما نشأ من عندك، هذا لمحمد بن عبد الله بن طاهر وأوله: كتبت تسأل عني كيف كنت وما ... لاقيت بعدك من همّ ومن حزن لا كنت إن كنت أدري كيف كنت ولا ... لا كنت إن كنت أدري كيف لم اكن وكان ينشد وهو يلوي رقبته، وتجحظ حدقته، وينزي أطراف منكبيه، ويتشايل «١» ويتمايل، كأنه الذي يتخبّطه الشّيطان من المسّ. ثم قال: يا أبا علي لا تعوّل على أير في سراويل [غيرك] لا أير إلا أير تمطى تحت عانتك، فإنك إن عوّلت على ذلك شانك وخانك، وفضح حانك ومانك «٢» . ثم نظر إلى غلام قد بقل وجهه كان يتّهم به على الوجه الأقبح، فالتوى وتقلقل، وقال ادن مني يا بنيّ كيف كنت، ولم حملت على نفسك هذا العناء؟ وجهك هذا الحسن لا يبتذل للشحوب، ولا يعرّض للفحات الشمس بين الطلوع إلى الغروب، أنت يجب أن تكون [في] بذلة، بين حجلة وكلّة، تزاح بك العلة، وتغلي بك القلة، وتشفى منك الغلّة. هذا آخر حديث الاستقبال. قال أبو حيان «٣» : ودخل يوما دار الإمارة الفيرزان المجوسي [فقال له] في شيء خاطبه به: إنما أنت محشّ مجش مخش «٤» ، لا تهشّ ولا تبش ولا تمتشّ «٥» ، فقال الفيرزان: أيها الصاحب برئت من النار إن كنت أدري ما تقول، إن كان رأيك أن تشتمني فقل ما شئت، بعد أن أعلم فانّ العرض لك، والنفس فداؤك، لست من الزنج ولا من البربر، كلّمنا على العادة التي عليها العمل، والله ما هذا من لغة آبائك

стр. 675

الفرس، ولا من لغة أهل دينك من أهل السواد، وقد خالطنا الناس فما سمعنا منهم هذا النمط، فقام مغضبا. قال «١» : وكان ابن عباد يقول للإنسان إذا قدم عليه من أهل العلم: يا أخي تكلّم واستأنس واقترح وانبسط ولا ترع، واحسبني في جوف مرقّعة، ولا يروعك هذا الحشم والخدم والغاشية والحاشية، وهذه المرتبة والمصطبة، وهذا الطاق والرواق، وهذه المجالس والطنافس، فإن سلطان العلم فوق سلطان الولاية، فليفرخ روعك، ولينعم بالك، وقل ما شئت، وانصر ما أردت، فلست تجد عندنا إلا الإنصاف والإسعاف، والإتحاف والإطراف، والمواهبة والمقاربة، والمؤانسة والمقابسة؛ ومن كان يحفظ ما كان يهذي به في هذا وفي غيره؟ ويجري في هذا الميدان فيطيل، حتى إذا استوفى «٢» ما عند ذلك الانسان بهذه الزخارف والحيل وسال «٣» الرجل معه في حدوره على مذهب الثقة فحاجّه وراجعه «٤» وضايقه وسابقه، ووضع يده على النكتة الفاصلة والأمر القاطع تنمّر له وتغيّر عليه ثم يقول «٥» : يا غلام خذ بيد هذا الكلب إلى الحبس، وضعه فيه بعد أن تصبّ على كاهله وظهره وجنبيه خمسمائة سوط وعصا فإنه معاند ضدّ، يحتاج إلى أن يشدّ بالقدّ، ساقط هابط كلب [نباح، وقاح، متعجرف] أعجبه صبري، وغرّه حلمي، ولقد أخلف ظني، وعدت على نفسي بالتوبيخ، وما خلق الله العصا باطلا. فيقام ذلك البائس على هذه الحالة، وليس الخبر كالعيان، فمن لم يحضر ذلك المجلس لم ير منظرا رفيعا ورجلا رقيعا. قال «٦» : وكان أبو الفضل ابن العميد إذا رآه قال: أحسب أن عينيه ركّبتا من زئبق، وعنقه عمل بلولب- وصدق فإنه كان ظريف التثني والتلوّي، شديد التفكّك والتفتّل، كثير التعوّج والتموّج، في شكل المرأة المومسة والفاجرة الماجنة.

стр. 676

قال «١» : وحدثني الجرباذقاني «٢» الكاتب أبو بكر، وكان كاتب داره، قال: يبلغ من سخنة عين صاحبنا أنه لا يسكت عمّا لا يعرف، ولا يسالم نفسه فيما لا يفي به ولا يكمل له، ويظنّ أنه إن سكت فطن لنقصه، وإن احتال وموّه جاز ذلك وخفي واستتر، ولا يعلم أن ذلك الاحتيال طريق إلى الإغراء بمعرفة الحال وصدق القائل: «كاد المريب يقول خذوني» ؛ قلت: وما الذي حداك على هذه المقدمة؟ قال قال لي في بعض هذه الأيام: ارفع حسابك فقد أخّرته وقصّرت فيه وانتهزت سكوتي وشغلي بأمر الملك وسياسة الأولياء والجند والرعايا والمدن، وما عليّ من أعباء الدولة وحفظ البيضة ومشارفة الأطراف النائية والدانية باللسان والقلم، والرأي والتدبير، والبسط والقبض، والتتبع والنفض، وما على قلبي من الفكر في الأمور «٣» الظاهرة والغامضة، وهذا باب لعمري مطمع وإمساكي عنه مغر بالفساد مولع، فبادر عافاك الله إلى عمل حساب بتفصيل باب باب، يبين فيه أمر داري وما يجري «٤» عليه أمر دخلي وخرجي. قلت له: هذا كلّه بسبب قوله: هات حسابك بما نراعيه؟ فقال: أي والله، ولقد كان أكثر من هذا ولقد اختصرته. قال أبو بكر: فتفردت أياما وحرّرت الحساب على قاعدته وأصله والرسم الذي هو معروف بين أهله، وحملته إليه، فأخذه من يدي وأمرّ عينيه فيه من غير تثبّت أو فحص أو مسألة، فحذف به إليّ وقال: أهذا حساب؟ أهذا كتاب؟ أهذا تحرير؟ أهذا تقرير؟ أهذا تفصيل؟ أهذا تحصيل؟ والله لولا أني ربّيتك في داري، وشغلت بتخريجك ليلي ونهاري، ولك حرمة الصبا، ويلزمني رعاية الابنا: لأطعمتك هذا الطومار، وأحرقتك بالنفط والقار، وأدّبت بك كلّ كاتب وحاسب، وجعلتك مثلة لكلّ شاهد وغائب: أمثلي يموّه عليه؟ ويطمع فيما لديه؟ وأنا خلقت الحسابة والكتابة، والله ما أنام ليلة إلّا وأحصّل في نفسي ارتفاع العراق، ودخل الآفاق. أغرّك مني أني أجررتك رسنك؟ وأخفيت قبيحك وأبديت حسنك؟ غيّر هذا الذي رفعت، واعرف قبل وبعد ما صنعت، واعلم أنك من الآخرة

стр. 677

قد رجعت، فزد في صلاتك وصدقتك، ولا تعوّل على قحتك وصلابة حدقتك. قال: فو الله ما هالني كلامه، ولا أحاك فيّ هذيانه، لأني كنت أعلم جهله في الحساب، ونقصه في هذا الباب، فذهبت وأفسدت وأخّرت وقدّمت، وكابرت «١» وتعمدت، ثم رددته إليه، فنظر فيه وضحك في وجهي وقال: أحسنت بارك الله عليك، هكذا أردت، وهذا بعينه طلبت، لو تغافلت عنك في أول الأمر لما تيقظت في الثاني، فهذا كما ترى، اعحب منه كيف شئت. قال أبو حيان «٢» : ومن رقاعته أيضا سمعته يقول وقد جرى حديث الأبهري المتكلم، وكان يكنى أبا سعيد فقال: لعن الله ذاك الملعون المأبون المأفون، جاءني بوجه مكلّح، وأنف مفلطح، ورأس مسطّح، وسرم مفتّح، ولسان مبلّح «٣» ، فكلمني في مسألة الأصلح، فقلت له: اعزب عليك غضب «٤» الله الأترح، الذي يلزم ولا يبرح. وشتم يوما رجلا فقال «٥» : لعن الله هذا الأهوج الأعوج «٦» الأفلج الأفحج، الذي إذا قام تحلّج «٧» ، وإذا مشى تدحرج، وإذا عدا تفجفج «٨» . قال أبو حيان: بالله يا أصحابنا حدثوني أهذا عقل رئيس، أم بلاغة كاتب، أم كلام متماسك؟ لم تجنّون به، وتتهالكون عليه، وتغيظون أهل الفضل به؟ هل هناك إلا الجدّ الذي يرفع من هو أنذل منه ويضع «٩» من هو أرفع منه؟! ولقد حدثت هذا الحديث أبا السلم «١٠» الشاعر فأنشدني لشاعر:

стр. 678

سبحان من أنزل الدنيا منازلها ... وميّز الناس مشنوءا وموموقا فعاقل فطن أعيت مذاهبه ... وجاهل خرق تلقاه مرزوقا كأنّه من خليج البحر مغترف ... ولم يكن بارتزاق القوت محقوقا هذا الذي ترك الألباب حائرة ... وصيّر العاقل النحرير زنديقا قال «١» : وكان كلفه بالسجع في الكلام والقلم عند الجد والهزل يزيد على كلف كلّ من رأيناه في هذه البلاد، قلت لابن المسيبي «٢» : أين يبلغ ابن عباد في عشقه للسجع؟ قال: يبلغ به ذلك لو أنه رأى سجعة تنحلّ بموقعها عروة الملك ويضطرب بها حبل الدولة ويحتاج من [أجلها] إلى غرم ثقيل وكلفة صعبة وتجشّم أمور وركوب أهوال لما كان يخفّ عليه أن يفرج عنها ويخلّيها بل يأتي بها ويستعملها ولا يعبأ بجميع ما وصفت من عاقبتها. قال «٣» : وقلت للخليلي: أما كان ابن العميد يسمع كلامه؟ قال: بلى، وكان يقول: سجعه يدل على الخلاعة والمجانة، وخطه يدلّ على الشلل والزمانة، وصياحه يدلّ على أنه قد غلب بالقمار في الحانة. وهو أحمق بالطبع إلّا أنه طيب، قلت للخليلي: فهل عرفت طالعه؟ فقال حدثني بعض أصحابنا منهم الهرويّ أن طالعه الجوزاء والشعرى اليمانية (كط) وكان زحل في الحادي عشر في الحمل (كز) «٤» والقمر فيه (يط) والشمس في السنبلة (يج) والزهرة فيها (ي) والمشتري في الميزان (كد) والمريخ في العقرب (ن) وسهم السعادة في القوس (يد) وسهم الغيب في الجدي (يز) والرأس في الثالث من الأسد (يا) . قال وخفي عليّ عطارد. وذكر أنه ولد سنة ست وعشرين وثلاثمائة من الهجرة لأربع عشرة ليلة من ذي القعدة، روز سروش من ماه شهرير «٥» . قلت: وأين ولد؟ قال: كان عندنا أنه ولد بطالقان، وقال لنا يوما باصطخر، وقال غير الخليلي: كان عطارد في السنبلة (ط ي) .

стр. 679

قال أبو حيان «١» : وكنت بالريّ سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وابن عباد بها مع مؤيّد الدولة قد ورد في مهمات وحوائج، وعقد ابن عباد مجلس جدل، وكنا نبيت عنده في داره في باب شير «٢» ومعنا الضرير أبو العباس القاضي وأبو الحوراء «٣» البرقي وأبو عبد الله النحوي الزعفراني وجماعة من الغرباء، فرأى ليلة في مجلسه وجها غريبا صاحب مرقّعة فأحبّ أن يعرفه «٤» ويعرف ما عنده، وكان الشابّ من أهل سمرقند يعرف بأبي واقد الكرابيسي، فقال له: يا أخ انبسط واستأنس وتكلم، فلك منا جانب وطيء وشرب مريء، ولن ترى إلا الخير، بم تقرف، فقال: بدقاق قال: تدق ماذا؟ قال: أدقّ الخصم إذا زاغ عن سبيل الحق، فلما سمع هذا تنكّر وعجب لأنه فجىء ببديعة، فقال: دع هذا وتكلم، قال: أتكلم سائلا؟ ما بي والله حاجة إلى مسألة، أم أتكلّم مسؤولا؟ فو الله إني لأكسل عن الجواب، أم أتكلّم مقررا؟ فو الله إني لأكره أن أبدّد الدرّ في غير موضعه، وإني لكما قال الأول: لقد عجمتني العاجمات فلم تجد ... هلوعا ولا لين المجسّة في العجم وكاشفت أقواما فأبديت وصمهم ... وما للأعادي في قناتي من وصم قال له: يا هذا ما مذهبك؟ قال: مذهبي ألا أقرّ على الضيم ولا أنام على الهون ولا أعطي صمتي لمن لم يكن وليّ نعمتي ولم يصل عصمته بعصمتي، قال: هذا مذهب حسن، ومن ذا الذي يأتي الضيم طائعا ويركب الهون سامعا؟ ولكن ما نحلتك التي تنصرها؟ قال: نحلتي مطوّية في صدري لا أتقرّب بها إلى مخلوق، ولا أنادي عليها في سوق، ولا أعرضها على شاكّ، ولا أجادل فيها المؤمن، قال: فما تقول في القرآن؟ قال: ما أقول في كلام رب العالمين الذي يعجز عنه الخلق إذا أرادوا الاطلاع على غيبه، وبحثوا عن خافي سره وعجائب حكمته؟ فكيف إذا حاولوا مقابلته بمثله، وليس له مثل مظنون فضلا عن مثل متيقن؟ فقال له ابن عباد:

стр. 680

صدقت، ولكن أمخلوق أم غير مخلوق؟ فقال: إن كان مخلوقا [كما تزعم فما ينفعك؟ وإن كان غير مخلوق] كما يزعم خصمك فما يضرّك؟ فقال: يا هذا أبهذا [العقل] تناظر في دين الله وتقوم على عبادة الله؟ قال: إن كان كلام الله نفعني إيماني به وعملي بمحكمه وتسليمي لمتشابهه، وإن كان كلام غيره- وحاش لله من ذلك- ما ضرني؟ فأمسك عنه ابن عباد وهو مغيظ، ثم قال: أنت لم تخرج من خراسان بعد. فمكث الرجل ساعة ثم نهض، فقال له ابن عباد: إلى أين يا هذا، قد تكسّر الليل، بت هاهنا، فقال: أنا بعد لم أخرج من خراسان، كيف أبيت بالريّ، وخرج فارتاب به ابن عباد فقفّاه بصاحب له وأوصاه بأن يتبع خطاه ويبلغ مداه من حيث لا يفطن به ولا يراه، فما زاغ الرجل عن باب ركن الدولة حتى وصل ودخل في ذلك الوقت الفائت إليه، فقيل لابن عباد ذلك فطار نومه وقال: أيّ شيطان هبط علينا وأحصى ما كنّا فيه بلسان سليط وطبع مريد؟ وكان هذا الكرابيسيّ عينا لركن الدولة بخراسان، فلذلك كان قريبا [منه] وكان أحد رجالات [الدنيا] . ومما «١» يدلّ على ولوع ابن عباد بالسجع ومجاوزة الحدّ فيه بالإفراط قوله يوما: حدثني [ابن] باش، وكان من سادة الناش؛- جعل السين شينا ومرّ في هذا الحديث وقال: هذه لغة، وكذب وكان كذوبا. وقال «٢» ابن عباد لشيخ من خراسان في شيء جرى: والله لولا شيء لقطّعتك تقطيعا، وبضّعتك تبضيعا، ووزعتك توزيعا، ومزعتك تمزيعا، وجزّعتك تجزيعا، وأدخلتك في حر أمك «٣» ، ثم وقف ساعة ثم قال: جميعا. قال وملح هذه الحكاية ينبتر في الكتابة وبهاؤها ينقص في الرواية دون مشاهدة الحال وسماع اللفظ وملاحة الشكل في التحرك والتثني والترنح والتهادي ومدّ اليد وليّ العنق وهزّ الرأس والأكتاف واستعمال الأعضاء والمفاصل. قال «٤» وحدثنا ابن عباد يوما قال: ما قطعني «٥» إلا شابّ ورد علينا إلى أصبهان

стр. 681

بغدادي فقصدني فأذنت له، وكان عليه مرقعة وفي رجليه نعل طاق، فنظرت إلى حاجبي فقال له وهو يصعد إليّ: اخلع نعلك، فقال: ولم ولعلّي أحتاج إليها بعد ساعة، فغلبني الضحك وقلت: أتراه يريد أن يصفعني. قال أبو حيان: وقال لي علي بن الحسن الكاتب: هجرني في بعض الأيام هجرا أضرّ بي وكشف مستور حالي، وذهب عليّ أمري، ولم أهتد إلى وجه حيلة في مصلحتي، وورد المهرجان فدخلت عليه في غمار الناس فلما أنشدت نوبتين «١» تقدمت فأنشدت فلم يهشّ لي ولم ينظر إليّ، وكنت ضمّنت أبياتي بيتا له من قصيدة على رويّ قصيدتي، فلما مرّ به البيت هبّ من كسله ونظر إليّ كالمنكر عليّ، فطأطأت رأسي وقلت بصوت خفيض: لا تلم ولا تزد في القرحة فما عليّ محمل، وإنما سرقت هذا من قافيتك لأزيّن به قافيتي، وأنت بحمد الله تجود بكلّ علق ثمين وتهب كلّ درّ مكنون، أتراك تشاحّني على هذا القدر وتفضحني في هذا المشهد؟! فرفع رأسه وصوته وقال: يا بني أعد هذا البيت، فأعدته، فقال: أحسنت يا هذا، ارجع إلى أوّل قصيدتك فقد سهونا عنك وطار الفكر بنا إلى شأن آخر، والدنيا مشغلة، وصار ذلك ظلما بغير قصد منا ولا تعمد. قال: فأعدتها وأمررتها وفغرت فمي بقوافيها، فلما بلغت آخرها قال: أحسنت، الزم هذا الفنّ فإنه حسن الديباجة وكأنّ البحتريّ استخلفك، وأكثر بحضرتنا وارتفع بخدمتنا وابذل نفسك في طاعتنا نكن من وراء مصالحك بأداء حقك والجذب بضبعك «٢» والزيادة في قدرك على أقرانك، قال: فلم أر بعد ذلك إلا الخير حتى عراه ملل آخر فوضعني في الحبس سنة، وجمع كتبي فأحرقها بالنار، وفيها كتب الفراء والكسائي ومصاحف القرآن وأصول كثيرة في الفقه والكلام، فلم يميزها من كتب الأوائل، وأمر بطرح النار فيها من غير تثبّت بل لفرط جهله وشدة نزقه. فهلّا طرح النار في خزانته وفيها كتب ابن الراوندي «٣» وكلام ابن أبي العوجاء «٤» في معارضة القرآن بزعمه، وصالح بن عبد القدوس وأبي سعيد

стр. 682

الحصيري وكتب أرسطاطاليس وغير ذلك؟! ولكن من شاء حمق نفسه. قال أبو حيان «١» : وحدثني محمد بن المرزبان قال: كنا بين يديه ليلة فنعس وأخذ إنسان يقرأ سورة الصافّات فاتفق أنّ بعض هؤلاء الأجلاف من أهل ما وراء النهر نعس أيضا وضرط ضرطة منكرة فانتبه وقال: يا أصحابنا نمنا على «والصافّات» وانتبهنا على «والمرسلات» وهذا من نوادره وملاحاته. وحدثني أيضا قال «٢» : انفلتت ليلة أخرى ضرطة من بعض الحاضرين وهو في الجدل فقال على حدّته: كانت بيعة أبي بكر، خذوا فيما أنتم فيه، يعني فلتة، لأنه قيل في بيعة أبي بكر كانت فلتة. قال «٣» : وقال قوم من أهل أصبهان لابن عباد: لو كان القرآن مخلوقا لجاز أن يموت، ولو مات القرآن في آخر شعبان بماذا كنّا نصلّي التراويح في رمضان؟ قال: لو مات القرآن كان رمضان يموت أيضا ويقول لا حياة لي بعدك ولا نصلّي التراويح ونستريح. قال أبو حيان «٤» واسمع ما هو أعجب من هذا: ناظر بالريّ اليهوديّ رأس الجالوت في إعجاز القرآن، فراجعه اليهودي فيه طويلا وماتنه «٥» قليلا، وتنكد عليه حتى احتد وكاد يتّقد «٦» ، فلما علم أنه قد سجر تنّوره وأسعط أنفه احتال طلبا لمصاداته «٧» ورفقا به في مخاتلته فقال: أيها الصاحب فلم تتقد وتستشيط وتلتهب وتختلط؟ كيف يكون القرآن عندي آية ودلالة ومعجزة من جهة نظمه وتأليفه؟ فإن كان النظم والتأليف بديعين وكان البلغاء فيما تدّعي عنه عاجزين وله مذعنين وها أنا أصدق عن نفسي وأقول ما عندي: إنّ رسائلك وكلامك وفقرك وما تؤلفه وتباده به نظما ونثرا

стр. 683

هو فوق ذلك، أو مثل ذلك وقريب منه، وعلى كلّ حال فليس يظهر لي أنه دونه، وأن ذلك سيستعلي عليه بوجه من وجوه الكلام أو بمرتبة من مراتب البلاغة. فلما سمع ابن عباد هذا فتر وخمد، وسكن عن حركته، وانخمص ورمه به وقال: ولا هكذا يا شيخ، كلامنا حسن وبليغ، وقد أخذ من الجزالة حظا وافرا، ومن البيان نصيبا ظاهرا، ولكن «١» القرآن له المزية التي لا تجهل، والشرف الذي لا يخمل، وأين ما خلقه الله على أتمّ حسن وبهاء مما يخلقه العبد بطلب وتكلف. هذا كله يقوله وقد خبا حميه، وتراجع مزاجه، وصارت ناره رمادا، مع إعجاب شديد قد شاع في أعطافه، وفرح غالب قد دبّ في أسارير وجهه، لأنه رأى كلامه شبهة لليهود وأهل الملل. وقال «٢» بعض الشعراء في ابن عباد يذم سجعه وخطه وعقله: متلقّب «٣» كافي الكفاة وإنما ... هو في الحقيقة كافر الكفار السجع سجع مهوّس والخط خط منقرس والعقل عقل حمار وكان ذو الكفايتين ابن العميد يقول «٤» : خرج ابن عباد من عندنا من الريّ متوجها إلى أصفهان ومنزله ورامين، وهي قرية كالمدينة، فجاوزها إلى قرية غامرة وماء ملح لا لشيء إلا ليكتب إلينا: «كتابي هذا من النوبهار، يوم السبت نصف النهار» . قال أبو حيان «٥» : وكان ابن عباد يروي لأبي الفضل ابن العميد كلاما في رقعة إليه حين استكتبه لمؤيد الدولة وهو: بسم الله الرحمن الرحيم، مولاي وإن كان سيدا بهرتنا نفاسته، وابن صاحب تقدمت علينا رياسته، فإنه يعدّني سندا ووالدا، كما أعدّه ولدا وواحدا، ومن حقّ ذلك أن يعضد رأيي برأيه ليزداد استحكاما، ويتظاهر عقدا وابراما. وحضرت اليوم مجلس مولانا ركن الدين ففاوضني ما جرى بينه وبين مولاي طويلا ووصل به كلاما بسيطا وأطلعني على أنّ مولاي لا يزيد بعد الاستقصاء والاستيفاء

стр. 684

على التقصي والاستعفاء وألزم عبده أن أكره مولاي إكراه المسألة وأجبره إجبار الطلبة، علما بأنه إن دافع المجلس المعمور طلبا للتحرز لم يردّ وساطتي أخذا بالتطول، وأقول بعد أن أقدّم مقدمة: مولاي غنيّ عن هذا العمل بتصوّنه وتظلّفه «١» وعزوفه بهمته عن التكثر بالمال وتحصيله، لكن العمل فقير إلى كفايته، محتاج إلى كفالته، وما أقول إن مرادي ما يعقد من حساب، وينشأ من كتاب، ويستظهر به من جمع، ويقدّر «٢» من عطاء ومنع، فكل ذلك وإن كان مقصودا، وفي آلات الوزارة معدودا، ففي كتّاب مولاي من يفي به ويستوفيه، ويوفي عليه بأيسر مساعيه. ولكن وليّ النعمة يريده لتهذيب ولده ومن هو وليّ عهده من بعده، والمأمول ليومه وغده- أدام الله أيامه، وبلّغه فيه مرامه. ولا بدّ وإن كان الجوهر كريما، والسّنخ قويما، والمجد صميما، ومركب العقل سليما، من مناب من يعلم ما السياسة وما الرياسة، وكيف تدبير العامّة والخاصة، وبماذا تعقد المهابة، ومن أين تجلب الأصالة والاصابة، وكيف ترتّب المراتب، ويعالج الخطب إذا ضاقت المذاهب، وتعصى الشهوة لتحرس الحشمة، وتهجر اللذة لتحصّن الامرة. ولا بد من محتشم يقوم في وجه صاحبه فيرادّه إذا بدر منه الرأي المنقلب، ويراجعه إذا جمح به اللّجاج المرتكب، ويعاوده إذا ملكه الغضب الملتهب. فلم يكن السبب في أن فسدت ممالك جمة وبلدان عدة إلا أن خفّضت أقدار الوزارة، فانقبضت أطراف الامارة. وليس يفسد على ما أرى بقية الأرض إلا إذا استعين بأذناب على هذا الأمر. فلا يبخلنّ مولاي على وليّ نعمته بفضل معرفته، فمن هذه الدولة جرى ماء فضله، وفضل الشيخ الأمين من قبله، وإن كان مسموعا كلامي، وموثوقا باهتمامي، فلا يقعنّ انقباض عني، وإعراض عما سبق مني. ومولاي محكّم [بعد] الاجابة إلى العمل فيما يقترحه، وغير مراجع فيما يشترطه، وهذا خطّي به وهو على وليّ النعمة حجّة لا يبقى معها شبهة، وسأتبع هذه المخاطبة بالمشافهة، إما بحضوري لديه، أو بتجشمه إلى هذا العليل الذي قد ألحّ النقرس عليه. وكان ابن عباد [يحفظ] هذه النسخة ويرويها ويفتخر بها. قال أبو حيان: وقال لي أصحابنا بالريّ، منهم أبو غالب الكاتب الأعرج إن هذه

стр. 685

المخاطبة من كلام ابن عباد افتعلها عن ابن العميد إلى نفسه تشبّعا «١» بها ونفاقا بذكرها. قال «٢» : وكان ابن عباد ورد الريّ سنة ثمان وخمسين مع مؤيد الدولة وحضر مجلس ابن العميد وجرى بينه وبين مسكويه كلام ووقع تجاذب، فقال مسكويه: فدعني حتى أتكلم، ليس هذا نصفة، إذا أردت أن لا أتكلم فدع على فمي مخدة، فقال الصاحب: بل أدع فمك على المخدة، وطارت النادرة ولصقت وشاعت بين الناس وبقيت. قال «٣» : ودخل الناس في مذهب ابن عباد وقالوا بقوله رغبة فيما لديه، واجتهد بالحسين «٤» المتكلّم الكلّابي «٥» أن ينتقل إلى مذهبه، فقال الحسين: دعني أيها الصاحب أكون مستحدّا «٦» لك فما بقي غيري فإن دخلت في المذهب لم يبق بين يديك من تنثو عليه قبيحه وتبدي «٧» للناس عواره، فضحك وقال: قد أعفيناك يا أبا عبد الله، وبعد فما نبخل عليك بنار جهنم، اصل بها كيف شئت. قال لنا الحسين بعد ذلك: أتراني أصلى بنار جهنم، وعقيدتي وسريرتي معروفتان، ويتبوأ هو الجنة مع قتل النفس المحرمة وركوب المحظورات العظيمة؟! إن ظنّه بنفسه لعجب، لحا الله الوقاح. وقال يوما «٨» ما صدر قول الشاعر «٩» ؟ والمورد العذب كثير الزحام فسكتت الجماعة فقال ابن الرازي «١٠» :

стр. 686

يزدحم الناس على بابه فأقبل عليه بغيظ وقال: ما عرفتك الا متعجرفا جاهلا، أما كان لك بالجماعة أسوة؟! قلت «١» لأبي السلم نجبة بن عليّ القحطاني الشاعر: أين ابن عباد من ابن العميد؟ فقال: زرتهما منتجعا ورزتهما جميعا، كان ابن العميد أعقل وكان يدّعي الكرم، وابن عباد أكرم ويدعي العقل، وهما في دعواهما كاذبان وعلى سجيتهما جاريان. أنشدت يوما على باب ذاك قول الشاعر: إذا لم يكن للمرء في ظلّ دولة «٢» ... جمال ولا مال تمنّى انتقالها وما ذاك من بغض لها غير أنه ... يؤمّل أخرى فهو يرجو زوالها فرفع إليه إنشادي فأخذني وأوعدني وقال: انج بنفسك، فإني إن رأيتك بعد هذا أو لغت الكلاب دمك. وكنت قاعدا على باب هذا منذ أيام فأنشدت البيتين على سهو، فرفع الحديث إليه فدعاني ووهب لي دريهمات وخريقات وقال: لا تتمنّ انتقال دولتنا بعد هذا. قال: وأبو السلم هذا من أغزر «٣» الناس في الشعر يحفظ الطّمّ والرّمّ. وقال الخليلي «٤» : الرجل مجنون- يعني ابن عباد- وفي طباع المعلمين، سمعته يقول للتميمي الشاعر: كيف تقول الشعر؟ وإن قلت كيف تجيد؟ وان أجدت فكيف تغزر؟ وان غزرت فكيف تروم غاية وأنت لا تعرف ما الزهلق وما الهبلع وما العثلط وما الجلعلع وما القهقب وما القهبلس وما الخيسفوج وما الخزعبلة وما القذعملة وما العمرّط وما الجرفاس وما اللووس وما النعثل وما الطربال «٥» ، وما الفرق بين العذم

стр. 687

والرذم «١» ، والحدم والحذم «٢» ، والقضم والخضم «٣» ، والنضح والرضح «٤» ، والفصم والقصم «٥» ، والقصع والفصع «٦» ، وما العبنقس وما الفلنقس «٧» ، وما الوكواك والزونك «٨» ، وما الخيتعور واليستعور «٩» ، وما الستعون «١٠» وما الحرذون وما الحلزون، وما القفندر وما الجمعليل «١١» قال الشاعر: جاءت بحفّ وحنين وزجل ... جاءت تمشّى وهي قدّام الابل مشي الجمعليلة بالخرق النّقل قال: ورأيت بعض الجهال يصحف ويقول: [بخفّ] وحنين ورخل «١٢» . قلت للخليلي: من عنى بهذا؟ قال: ابن فارس معلم ابن العميد أبي الفتح. قال الخليلي: أفهذا الضرب من الكلام [مما] يجب أن يفتخر بمثله ويتدفّق به؟ إنك يا أبا حيان لو رأيته يمشي وهو يهذي بهذا وشبهه، ويتفيهق [فيه] ويلوي شدقيه عليه، ويقذف بالبصاق على أهل المجلس، لحمدت الله على العافية مما بلي هذا الرجل

стр. 688

به. وبعد فما بين الشاعر وهذا الضرب؟ الشاعر يطلب لفظا حرّا، ومعنى بديعا، ونظما حلوا، وكلمة رشيقة، ومثلا سهلا، ووزنا مقبولا. قال أبو حيان عندما قارب الفراغ من كتابه في أخلاق الوزيرين «١» : ولولا أنّ هذين الرجلين- أعني ابن عباد وابن العميد- كانا كبيري زمانهما، وإليهما انتهت الأمور، وعليهما طلعت شمس الفضل، وبهما ازدانت الدنيا، وكانا بحيث ينشر الحسن منهما نشرا، والقبيح يؤثر عنهما أثرا، لكنت لا أتسكّع في حديثهما هذا التسكع، ولا أنحي عليهما بهذا الحد، ولكنّ النقص ممن يدّعي التمام أشنع، والحرمان من السيد المأمول فاقرة، والجهل من العالم منكر، والكبيرة ممن يدّعي العصمة جائحة، والبخل ممن يتبرأ منه بدعواه عجيب، ولو أردت مع هذا كلّه أن تجد لهما ثالثا في جميع من كتب للجيل والديلم إلى وقتك هذا المؤرخ في الكتاب لم تجد. قال «٢» : وقال ابن عباد يوما: كان أبو الفضل- يعني ابن العميد- سيّدا ولكن لم يشقّ غبارنا، ولا أدرك شرارنا «٣» ، ولا مسح «٤» عذارنا، ولا عرف غرارنا، لا في علم الدين، ولا فيما يرجع إلى نفع المسلمين؛ فاما ابنه فقد عرفتم قدره في هذا وفي غيره، طيّاش قلاش «٥» ، ليس عنده إلا قاش وقماش «٦» ، مثل ابن عياش والهروي الحواش ... وولدت والشعرى في طالعي، ولولا دقيقة لأدركت النبوة، وقد أدركت النبوة إذ قمت بالذبّ عنها والنصرة لها فمن ذا يجارينا ويبارينا ويغارينا ويسارينا ويشارينا «٧» . قال «٨» : وسمعته يقول لابن ثابت: جعلك الله ممن إذا خرىء شطّر، وإذا بال

стр. 689

قطّر، وإذا فسا غبّر، وإذا ضرط كبّر، وإذا عفج عبّر. قال: وهذا سخف لا يليق بأصحاب الفرضة والذين اختلفوا إلى الخندق ودار بانوكة والزبيدية والرمادة والخلد. قال «١» : وأنشد أبو دلف الخزرجي: يا ابن عباد بن عباس ... بن عبد الله حرها تنكر الجبر وقد ... أخرجت من دنياك كرها قال «٢» : على أن عطاء ابن عباد لا يزيد على مائة درهم وثوب، إلى خمسمائة، وما يبلغ إلى الألف نادر، وما يوفي على الألف بديع، بلى قد نال به ناس من عرض جاهه على السنين ما يزيد قدره على هذا بأضعاف، وعدد هؤلاء قليل جدّا، وذلك بابتذال النفس وهتك الستر. قال «٣» : ولقد بلغ من ركاكته أنه كان عنده أبو طالب العلوي، فكان إذا سمع منه كلاما يسجع فيه، وخبرا ينمّقه [ويرويه] يبلق «٤» عينيه، وينشز «٥» منخريه، ويري أنه قد لحقه غشي حتى يرشّ على وجهه ماء الورد، فإذا أفاق قيل: وما أصابك؟ ما عراك؟ ما الذي نالك وتغشّاك؟ فيقول: ما زال كلام مولاي يروقني ويؤنقني حتى فارقني لبي وزايلني عقلي «٦» واسترخت «٧» مفاصلي، وتخاذلت عرى قلبي، وذهل ذهني «٨» ، وحيل بيني وبين رشدي، فيتهلّل وجه ابن عباد عند ذلك ويتنفّش ويضحك «٩» عجبا وجهلا، ثم يأمر له بالحباء والتكرمة، ويقدّمه على جميع بني أبيه وعمه، ومن ينخدع هكذا فهو بالنساء الرّعن أشبه وبالصبيان الضعاف أمثل.

стр. 690

وذكر الوزير أبو سعد منصور بن الحسين الآبي في «تاريخه» من جلالة قدر الصاحب وعظم قدره في النفوس وحشمته ما لم يذكر لوزير قبله ولا بعده مثله، وأنا ذاكر ما ذكر على ما نسقه، قال: توفيت أمّ كافي الكفاة بأصبهان، وورد عليه الخبر فجلس للتعزية يوم الخميس للنصف من محرم سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، وركب إليه سلطانه ووليّ نعمته فخر الدولة بن ركن الدولة معزيا، ونزل وجلس عنده طويلا يعزّيه ويسكّن منه، وبسط الكلام معه بالعربية، وكان يفصح بها، فسمعته يقول حين أراد القيام: أيها الصاحب هذا جرح لا يندمل، فأما سائر الأمراء والقواد مثل منوجهر بن قابوس ملك الجبل وفولاذ بن مانادر أحد ملوك الديلم وأبي العباس الفيروزان بن خالة فخر الدولة وغيرهم من الأكابر والأماثل فانهم كانوا يحضرون حفاة حسّرا، وكان كلّ واحد منهم إذا وقعت عينه على الصاحب قبّل الأرض، ثم يوالي بين ذلك إلى أن يقرب منه ويأمره بالجلوس فيجلس، وما كان يتحرك ولا يستوفز لأحد، بل كان جالسا على عادته في غير أيام التعزية، فلما أراد القيام من المعزّى بعد الثالث كان أول من أمر أن تقدّم إليه اللالكة «١» منوجهر بن قابوس، فإنه قال: يحمل إلى أبي منصور ما يلبسه، فقدم إليه ومنع من الخروج من الدار حافيا، ثم قدّم بعد ذلك الحجّاب والحاشية اللالكات «٢» إلى الجماعة، فعتب فولاذ بن مانادر والفولاذريدية عليه ذلك وقالوا: ميز منوجهر من بين الجماعة، فاحتجّ الصاحب ببيته العظيم ورياسته القديمة. قال: وخطب كافي الكفاة ابنة أبي الفضل ابن الداعي لسبطه عباد بن الحسين، ووقع الإملاك في داره يوم الخميس لأربع خلون من شهر ربيع الأول سنة أربع وثمانين وكان يوما عظيما احتفل فيه كافي الكفاة، ونثر من الدنانير والدراهم شيئا كثيرا، ولذلك أنفذ فخر الدولة له على يدي أحد حجابه الكبار إلى هناك من النثار ما زاد على مائة طبق عينا وورقا، وحضر الفولاذريدية بأسرهم، فإن الابنة المزوجة كانت ابنة ديكونه بنت الحسن بن الفيروزان خالة فخر الدولة، وكان القوم أخوالها، وأضافهم

стр. 691

الصاحب، ونصبت مائدة عظيمة في بيت طوله يزيد على خمسين ذراعا، وكانت بطول البيت، وأجلس عليه ستة أنفس، وكان فولاذ بن مانادر وكبات بن بلقسم في الصدر، وبجنب فولاذ أبو جعفر ابن الثائر العلوي، وبجنبه الآخر أبو القاسم ابن القاضي العلوي، ودون أحد العلويين كاكي بن يشكرزاد، ودون الآخر مرداويج الكلاري، ووقف أبو العباس الفيروزان وعبد الملك بن ما كان للخدمة، ووقف كافي الكفاة أيضا ساعة، ووقف جميع أكابر الكتاب والحجاب مثل الرئيس أبي العباس أحمد بن إبراهيم الضبي وأبي الحسين العارض وأخيه أبي علي وابنه أبي الفضل وأبي عمران الحاجب وغيرهم إلى أن فرغ القوم من الأكل، ثم أكل هؤلاء مع الصاحب على مائدة مفردة. وأما قاضي القضاة والأشراف والعدول فإنهم أطعموا على مائدة أخرى في بيت آخر. قال: وكان نصر بن الحسن بن الفيروزان، وهو خال فخر الدولة، مقداما شجاعا قليل المبالاة، قد استعصى على فخر الدولة واقتطع قطعة من بلاده وتغلب عليها، واحتال على جماعة من عساكره فقتلهم بأنواع القتل، ثم كسر له عدة عساكر، إلى أن تكاثرت عساكر فخر الدولة فكسرته وشتتت جموعه، وهرب نحو خراسان حتى صار إلى إسفرايين، ثم بدا له أن سلك طريق المفازة فيها حتى ورد الريّ ليلة الجمعة لست بقين من شوال سنة أربع وثمانين، وقصد في الليل باب كافي الكفاة مستجيرا به ومستعطفا له، فلم يلن له وردّ إلى دار بعض حجاب فخر الدولة فحبس فيها. قال الوزير أبو سعد: وكنت في هذه الليلة بحضرة كافي الكفاة، فأتاه الحاجب وقد مضى هزيع من الليل، فأخبره بوقوف نصر بن الحسن بن الفيروزان على الباب خاشعا متضرعا، فرأيته قد تحيّر في الأمر ساعة ثم راسله بأن السلطان الأعظم- يعني فخر الدولة- ساخط عليك، ولا يجوز لي أن آذن لك في دخول داري إلا بعد أن تترضاه وتستعطف قلبه، فإذا عفا عنك ورجع لك فالدار بين يديك وأنا معين لك. فعاد الحاجب إليه بذلك ورجع فقال: إنه امتنع من العود وقال: إنما جئت إلى الصاحب لائذا به ومنقطعا إليه، ولا أعرف غيره، وهو يحتاج أن يدبّر أمري ويجيرني ويحامي عليّ ويذبّ عنّي، فرأيت الصاحب وقد ميّل رأيه بين إحدى خصلتين: إما أن يستمرّ على المنع ولا يأذن له، وإما أن يأذن له ويجعل داره بما فيها من الخزائن له، وينتقل هو إلى دار كانت لحاجبه الراوندي وكان قد أضافها بعد موت هذا الحاجب إلى داره.

стр. 692

ثم تقرر رأيه على صرفه، واستمرّ نصر على الالحاح في الخضوع والاجتهاد أن يأذن له في الدخول، وانتقل من الباب الكبير إلى باب الخاصة، وسأل واجتهد، إلى أن جاءه من قبل فخر الدولة علوسة الحاجب وحبسه وكان هذا الفعل من الصاحب مستهجنا تعجّب الناس منه، وتحدثوا به واستقبحوه مع ما اظهره نصر من الاستكانة والاستجارة به. وأظنّ أنه لم يفعل ذلك إلا لأنه جبن عن الاجتماع معه في دار واحدة مع العداوة المتأكدة بينهما والضغينة الراسخة في قلب كلّ واحد منهما. ثم ذكر وفاة الصاحب في الوقت الذي ذكره غيره، وكما ذكرناه آنفا، ثم قال: وتوفي فخر الدولة عشية يوم الثلاثاء عاشر شعبان، وكان مبلغ عمره أربعا وأربعين سنة وستة أشهر وأياما، ثم وصف أخلاقه وجيوشه وقلاعه وأمواله التي خلفها ثم قال: فاما أمر الوزارة في أيامه فكانت أشهر من أن يحتاج إلى ذكرها، فإن أوّل وزرائه كان كافي الكفاة، وأسنّة الأقلام وعذبات الألسنة تكلّ دون أيسر أوصافه وأدنى فضائله، ولولا ما آل إليه أمر الوزارة في هذه الأيام واعتقاد من لم يعلم حالها في ذلك الزمان بأن الأمر لم يزل على ما نراه أو قريبا منه وشبيها به لأمسكنا عن ذكره، ولكنا نذكر يسيرا من أحواله، فإن هؤلاء الذين ذكرناهم من أبناء الملوك والأمراء والقواد وسائر من ساواهم من الزعماء والكبار مثل أولاد مؤيد الدولة وابن عز الدولة ومنوجهر بن قابوس بن وشمكير وأبي الحجاج ابن ظهير الدولة وأسفهبذ بن أسفار وحسن بن وشمكير وفولاذ بن مانادر ونصر بن الحسن بن الفيروزان وحيدر بن وهسوذان وكيخسرو بن المرزبان بن السلار وجستان بن نوح بن وهسوذان وشيرزيل بن سلار بن شيرزيل، وكان في يد كلّ واحد من هؤلاء من الإقطاع ما يبلغ ارتفاعه خمسين الف دينار وما دونها إلى عشرين الف دينار، ومن اكابر القوّاد ما يطول تعدادهم يحضرون باب داره، فيقفون على دوابهم مطرقين لا يتكلم واحد منهم هيبة وإعظاما لموضعه، إلى أن يخرج أحد خلفاء حجابه، فيأذن لبعض أكابرهم ويصرفهم جملة، فكان من يؤذن له في الدخول يظنّ أنه قد بلغ الآمال ونال الفوز بالدنيا والآخرة، فرحا ومسرة وشرفا وتعظيما، فإذا حصل في الدار وأذن له في الدخول إلى مجلسه قبّل الأرض عند وقوع بصره عليه ثلاث مرات أو أربعا إلى أن يقرب منه فيجلس من كانت رتبته الجلوس، إلى أن يقضي كلّ واحد

стр. 693

منهم وطره من خدمته، ثم ينصرف بعد أن يقبّل الأرض أيضا مرارا. ولم يكن يقوم لأحد من الناس، ولا يشير إلى القيام، ولا يطمع منه أحد في ذلك. ونزل بالصيمرة عند عوده من الأهواز، فدخل عليه شيخ من زهاد المعتزلة يعرف بعبد الله بن اسحاق، فقام له، فلما خرج التفت كافي الكفاة وقال: ما قمت لأحد مثل هذا القيام منذ عشرين سنة، وإنما فعل ذلك به لزهده، فإنه كان أحد أبدال دهره، فأما العلم فقد كان يرى من هو أعلم منه فلا يحفل به؛ وأما هيبته في الصدور، ومخافته في القلوب، وحشمته عند الصغير والكبير والبعيد والقريب، فقد بلغت إلى أن كان صاحبه فخر الدولة ينقبض عن كثير مما يريده بسببه، ويمسك عما تشره إليه نفسه لمكانه، وقد ظهر ذلك للناس بعد موته وانبساط فخر الدولة فيما لم يكن من عادته، فعلم أنه كان يزمّ نفسه لحشمته، ثم كان يحله محل الوالد إكراما وإعظاما، ويخاطبه بالصاحب شفاها وكتابا، فأما أكابر الدولة فكان الواحد إذا رأى أحد حجابه، بل أحد الأصاغر من حاشيته، فإن فرائصه كانت ترتعد، وجوانحه كانت تصطفق، إلى أن يعلم ما يريده منه ويخاطبه به. وتظلمت إليه امرأة من صاحب لفولاذ بن مانادر، وذكرت أنه ينازعها في حقّ لها، فما زاد على أن التفت إلى فولاذ، وكان في موكبه يسير خلفه، فبهت وتحير وارتعد، ووقف ولم يبرح إلى أن سار كافي الكفاة، ثم أرسل مع المرأة من أرضاها وأزال ظلامتها، ومثل هذا كثير يطول الكتاب ببعضه، فكيف أن نوضع «١» في كله. وأما أسبابه وحاشيته وهيبته ورتبته فإن من أيسرها كان له عدة من الحجاب منهم من على مربطه ثلاثمائة رأس من الدوابّ أو ما يقاربها، وكانت أحوال بلكا الحاجب تزيد على ذلك زيادة كثيرة، فإنه كان على مربط خليفة له يعرف بيزد مئة «٢» من الخيل العتاق الموصوفة، وكان لا يستغني عنها لأنه كان موصوفا بحفظ الطرق وطلب الأكراد وأهل العيث وصيانة السابلة. وكان ما يخرج لكافي الكفاة في السنة في وجوه البرّ والصدقات والمبرّات وصلات الأشراف وأهل العلم والغرباء الزوّار ومن يجري مجرى ذلك مما يتكلفه ويريد به صيت الدنيا وأجر الآخرة يزيد على مائة الف دينار. وانتقلت الوزارة عنه إلى أبي العباس أحمد بن إبراهيم الضبي وأبي علي

стр. 694

الحسن بن أحمد بن حمولة، والسياسة التي قد سنها هو باقية، وحشمة الوزارة ثابتة، والأمور على ما عهد في أيامه جارية. وكان لهما من الحشم والحاشية والتجمل والزينة مثل ما كان له بل كانا فوقه في الغنى والثروة، وان لم يلحقاه في الفضل والمكرمة. قال غرس النعمة: حدث أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى النصيبي قال: كان أبو الفتح علي بن أبي الفضل بن العميد قد دبّر على الصاحب ابن عباد حتى أزاله عن كتبة الأمير مؤيد الدولة، وأبعده عن حضرته بالريّ إلى أصفهان، وانفرد هو بتدبير الأمور لمؤيد الدولة كما كان يدبرها لأبيه ركن الدولة، واستدعى يوما ندماءه وعبأ لهم مجلسا عظيما، وأظهر من الزينة وآلات الفضة والذهب والصيني وما شاكله ما يفوت الحصر، وشرب واستفزّه الطرب، وكان قد شرب يومه وليلته، فعمل شعرا غني به وهو: دعوت المنى ودعوت العلا ... فلما أجابا دعوت القدح وقلت لأيام شرخ الشباب ... ألا إنّ هذا أوان الفرح إذا بلغ المرء آماله ... فليس له بعدها مقترح فلما غني بالشعر استطابه وشرب عليه إلى أن سكر، وقال لغلمانه: غطوا المجلس ولا تسقطوا منه شيئا لأصطبح في غد عليه، وقال لندمائه: باكروني، وقام إلى بيت منامه، وانصرف عنه الندماء، فدعاه مؤيد الدولة في السحر فلم يشكّ أنه لمهمّ، فقبض عليه، وأنفذ إلى داره من استولى على جميع ما فيها وأعاد ابن عباد إلى وزارته، وتطاولت بابن العميد النكبة حتى مات فيها كما ذكرناه في ترجمته. ثم وزر ابن عباد بعد مؤيد الدولة لأخيه فخر الدولة أخي عضد الدولة، فبقي في الوزارة ثماني عشرة سنة وشهورا، وفتح خمسين قلعة سلّمها إلى فخر الدولة لم يجتمع عشر منها لأبيه ولا لأخيه. وسمع الصاحب الحديث وأملى، فحدث أبو الحسن علي بن محمد الطبري الكيا قال: لما عزم الصاحب ابن عباد على الاملاء، وهو وزير، خرج يوما متطلّسا متحنكا بزيّ أهل العلم فقال: قد علمتم قدمي في العلم، فأقرّوا له بذلك فقال: وأنا متلبّس بهذا الأمر وجميع ما أنفقته من صغري إلى وقتي هذا من مال أبي وجدي، ومع

стр. 695

هذا فلا أخلو من تبعات أشهد الله وأشهدكم أني تائب إلى الله من ذنب أذنبته. واتخذ لنفسه بيتا وسماه بيت التوبة، ولبث أسبوعا على ذلك، ثم أخذ خطوط الفقهاء بصحة توبته، ثم خرج فقعد للاملاء، وحضر الخلق الكثير، وكان المستملي الواحد ينضاف إليه ستة، كلّ يبلّغ صاحبه، فكتب الناس حتى القاضي عبد الجبار. وأهدى إليه العميدي «١» قاضي قزوين كتبا وكتب معها: العميدي «٢» عبد كافي الكفاة ... وإن اعتدّ في وجوه القضاة خدم المجلس الرفيع بكتب ... مفعمات من حسنها مترعات فوقع الصاحب تحتها: قد قبلنا من الجميع كتابا ... ورددنا لوقتها الباقيات لست أستغنم الكثير فطبعي ... قول خذ ليس مذهبي قول هات حدّث أبو الرجاء الضرير الشطرنجي العروضي الشاعر الأهوازي بالأهواز قال: قدم علينا الصاحب ابن عباد في السنة التي جاء فيها فخر الدولة، ولقيه الناس ومدحه الشعراء، فمدحته بقصيدة قلت فيها: إلى ابن عباد أبي القاسم الصاحب إسماعيل كافي الكفاه فقال: قد كنت والله أشتهي بأن تجتمع كنيتي واسمي ولقبي واسم أبي في بيت فلما انتهيت إلى قولي فيها: ويشرب الجيش هنيئا بها فقال: يا أبا الرجاء أمسك فامسكت فقال: ويشرب الجيش هنيئا بها ... من بعد ماء الريّ ماء الصّراه «٣» هكذا هو؟ قلت: نعم، قال: أحسنت، قلت: يا مولاي أحسنت أنت، عملت أنا هذا في ليلة وأنت عملته في لحظة.

стр. 696

قال عبد الله الفقير إليه: وممن ذكر نسب الممدوح كاملا الحارث الدئلي في عاصم بن عمرو بن عثمان بن عفان: إليك ابن عثمان بن عفان عاصم بن عمرو سرت عيسي فطال سراها ومن مستحسن شعر الصاحب: دعتني عيناك نحو الصبا ... دعاء تكرّر في كلّ ساعه فلولا وحقّك عذر المشيب ... لقلت لعينيك سمعا وطاعه وحدث البديع الهمذاني قال «١» : كان بعض الفقهاء ويعرف بابن الحضيري يحضر مجلس الصاحب بالليالي فغلبته عينه ليلة فنام وخرجت منه ريح لها صوت، فخجل وانقطع عن المجلس، فقال الصاحب: أبلغوه عني: يا ابن الحضيريّ لا تذهب على خجل ... لحادث كان مثل الناي في العود فإنها الريح لا تسطيع تحبسها ... إذ لست أنت سليمان بن داود ولأبي بكر الخوارزمي في ابن عباد: لا تحمدنّ ابن عباد وان هطلت ... كفّاه يوما ولا تذممه إن حرما فإنها خطرات من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما فلما مات الخوارزمي بلغ الصاحب وفاته فقال: أقول لركب من خراسان رائح ... أمات خوارزميّكم قيل لي نعم فقلت اكتبوا بالجصّ من فوق قبره ... «ألا لعن الرحمن من كفر النّعم» وحدث أبو الحسن ابن أبي القاسم البيهقي في «كتاب مشارب التجارب» وذكر الصاحب فقال: أبو القاسم إسماعيل بن عباد بن عباس الوزير ابن الوزير ابن الوزير، كما قال الرستمي فيه: ورث الوزارة كابرا عن كابر ... موصولة الإسناد بالاسناد يروي عن العباس عباد وزا ... رته وإسماعيل عن عباد

стр. 697

قال: وولد بكورة فارس في ذي القعدة سنة ست وعشرين وثلاثمائة، ومدحه خمسمائة شاعر من أرباب الدواوين. وممن كان ببابه قاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد الأسداباذي، وكان قد فوّض إليه قضاء همذان والجبال. واستقبل القاضي عبد الجبار الصاحب يوما فلم يترجل له، فقال: أيها الصاحب أريد أن أترجل للخدمة ولكن العلم يأبى ذلك. وكان يكتب في عنوان كتابه «إلى الصاحب: داعيه عبد الجبار بن أحمد» ثم كتب «وليه عبد الجبار بن أحمد» ثم كتب «عبد الجبار بن أحمد» فقال الصاحب لندمائه: أظنه يؤول أمره إلى أن يكتب الجبار. وأنشد الصاحب لنفسه يرثي: يقولون لي أودى كثير بن أحمد ... وذلك رزء ما علمت جليل فقلت دعوني والعلا نبكه معا ... فمثل كثير في الرجال قليل وذكر هلال بن المحسن عن أبي طاهر ابن الحمامي عن الانبراني الكاتب، قال: ورد إلى الصاحب رجل من أهل الشأم فكان فيما استخبره عنه: رسائل من تقرأ عندكم؟ فقال: رسائل ابن عبد كان، قال: ومن؟ قال: رسائل الصابىء، وغمزه أحد جلسائه ليقول رسائل الصاحب فلم يفطن، ورآه الصاحب فقال: تغمز حمارا لا يحسّ. وكان صاحب خراسان الملك نوح بن منصور الساماني قد أرسل إلى الصاحب في السرّ يستدعيه إلى حضرته ويرغّبه في خدمته، وبذل البذول السنية، فكان من جملة اعتذاره أن قال: كيف يحسن بي مفارقة قوم بهم ارتفع قدري، وشاع بين الأنام ذكري، ثم كيف لي بحمل أموالي، مع كثرة أثقالي، وعندي من كتب العلم خاصة ما يحمل على أربعمائة جمل أو أكثر. قال أبو الحسن البيهقي: وأنا أقول: بيت الكتب الذي بالري على ذلك دليل بعد ما أحرقه السلطان محمود بن سبكتكين، فإني طالعت هذا البيت فوجدت فهرست تلك الكتب عشر مجلدات، فإن السلطان محمودا لما ورد إلى الريّ قيل له ان هذه الكتب كتب الروافض وأهل البدع، فاستخرج منها كلّ ما كان في علم الكلام وأمر بحرقه.

стр. 698

وللصاحب من التصانيف: كتاب المحيط باللغة عشر مجلدات. كتاب ديوان رسائله عشر مجلدات. كتاب الكافي رسائل. كتاب الزيدية. كتاب الأعياد وفضائل النوروز. كتاب في تفضيل علي بن أبي طالب وتصحيح إمامة من تقدمه. كتاب الوزراء، لطيف. كتاب عنوان المعارف في التاريخ. كتاب الكشف عن مساوي المتنبىء. كتاب مختصر أسماء الله تعالى وصفاته. كتاب العروض الكافي. كتاب جوهرة الجمهرة. كتاب نهج السبيل في الأصول. كتاب أخبار أبي العيناء. كتاب نقض العروض. كتاب تاريخ الملك واختلاف الدول. كتاب الزيدين. كتاب ديوان شعره. وقال «١» بعض ولد المنجم بعد وفاة الصاحب وقد استوزر أبو العباس الضبي ولقب بالرئيس وضمّ إليه أبو علي ولقب بالجليل: والله والله لا أفلحتم أبدا ... بعد الوزير ابن عباد بن عباس إن جاء منكم جليل فاقطعوا أجلي ... أو جاء منكم رئيس فاقطعوا راسي ومن شعر الصاحب «٢» : وشادن جماله ... تقصر عنه صفتي أهوى لتقبيل يدي ... فقلت لا بل شفتي وله: قال لي إنّ رقيبي ... سيّء الخلق فداره قلت دعني وجهك الجن ... ة حفّت بالمكاره وله أيضا: أقول وقد رأيت له سحابا ... من الهجران مقبلة إلينا وقد سحّت عزاليها بسكب ... حوالينا الصدود ولا علينا

стр. 699

حدث الوزير أبو العلاء ابن حسول قال: كان دينار المجوسي صدرا في ديوان الري، وكان مدنّرا مدرهما مموّلا، فكتب رجل إلى الصاحب: لم لا يفرّق في ديوان عسكره ... كافي كفاة الورى دينار دينار فإن أيسر ما في قطع شأفته ... تطهير ديوانه من عابدي النار فقبض عليه وصادره واستوفى منه مالا عظيما، والسبب في ذلك البيتان. وحدث ابن بابك قال: سمعت الصاحب يقول: مدحت والعلم عند الله بمائة ألف قصيدة شعرا عربية وفارسية، وقد أنفقت أموالي على الشعراء والأدباء والزوار والقصاد، ما سررت بشعر ولا سرني شاعر كما سرني أبو سعيد الرستمي الأصفهاني بقوله: ورث الوزارة كابرا عن كابر ... مرفوعة الإسناد بالاسناد يروي عن العباس عباد وزا ... رته وإسماعيل عن عباد وقال أبو الحسن علي بن الحسين الحسني ختن الصاحب يرثيه: ألا إنها يمنى المكارم شلّت ... ونفس المعالي إثر فقدك سلّت حرام على الظلماء إن هي قوّضت ... وحجر على شمس الضحى إن تجلت لتبك على كافي الكفاة مآثر ... تباهي النجوم الزهر في حيث حلّت لقد فدحت فيه الرزايا وأوجعت ... كما عظمت فيه العطايا وجلّت ألا هل أتى الآفاق أية غمة ... أطلّت ونعمى أيّ دهر تولت وهل تعلم الغبراء ماذا تضمّنت ... وأعواد ذاك النعش ماذا أقلّت فلا أبصرت عيني تهلّل بارق ... يحاكي ندى كفّيك إلا استهلّت ولو قبلت أرواحنا عنك فدية ... لجدنا بها عند الفداء وقلّت قال أبو حيان «١» : كان ابن عباد يأتي بالسجع في إثر كلامه مع روية طويلة، وأنفاس مديدة وحشرجة صدر، وانتفاخ منخريه، والتواء شدقيه، وتعويج عنقه،

стр. 700

واللعب بشاربه وعنفقته، فلو رأيته يقرّر المسائل على هذه الأمثلة العجيبة والبيان الشافي، لرأيت عجبا من العجائب، وضربا من الغرائب. وقال لي يوما الشاباشي، وقد خرجنا من مجلس الصاحب: كيف رأيت مولانا الصاحب اليوم مع هذا التقرير وإظهاره البلاغة الحسنة بين الناس؟ فقلت: السكوت عن مثله احدى الحسنيين وأحرى الحالتين، ولكن نعوذ بالله ممن يزين له الشيطان عمله ويزخرف له قوله. قال لي: كأنه لم يخلق هذا الرجل إلا غيظا لأكباد الأحرار وشفاء لسقم الأنذال، لحا الله دهرا آل بنا إليه، وأنزلنا عليه، وأحوجنا إلى مقاساته، وألجأنا إلى مجالسته، وأنشد يقول: يا من تبرّمت الدنيا بطلعته ... كما تبرمت الأجفان بالرمد يمشي على الأرض مجتازا فأحسبه ... من بغض طلعته يمشي على كبدي لو كان في الأرض جزء من سماجته ... لم يقدم الموت إشفاقا على أحد قال أبو حيان، قال لي الشاباشي: أهدى ابن عباد إلى صاحبه وقت ورودهما إلى الأهواز دينارا من ضربه وزنه ألف مثقال وكتابته «١» : وأحمر يحكي الشمس شكلا وصورة ... فأوصافه مشتقة من صفاته فإن قيل دينار فقد صدق اسمه ... وإن قيل الف كان بعض سماته بديع فلم يطبع على الدهر مثله ... ولا ضربت أضرابه لسراته وصار إلى شاهانشاه انتسابه ... على أنه مستصغر لعفاته تفاءلت أن يبقى سنين كوزنه ... لتستمتع الدنيا بطول حياته تأنّق فيه عبده وابن عبده ... وغرس أياديه وكافي كفاته فقال أرأيت أكذب منه حيث قال: فلم يطبع على الدهر مثله؟ ما كان في الدنيا من خدم ملكا بألف دينار ثم قال: «وكافي كفاته» والله لو كتبت امرأة بمثله إلى زوجها لكان سمجا قبيحا، فكيف إلى فخر الدولة؟! ما أحسن ما كفاه أمر أبي العلاء

стр. 701

النصراني حين هزمه بعدد قليل، بعد أن كان في جيش عرمرم ثقيل، ولكن الدنيا حمقاء خرقاء ولا تميل الا إلى مثلها، لو كتب المطهر أو نصر بن هارون أو أحد وزراء عضد الدولة إليه بشيء من ذلك لأحرقه بالنار والنفط. ومن كتاب الروزنامجة: قال الصاحب: ما زال أحداث بغداد يذكرونني بابن شمعون المتصوف وكلامه على الناس في مكان الشبلي، فجمّعت يوما في المدينة وعليّ طيلسان ومصمتة، ووقفت عليه وقد لبس فوطة قصب وقعد على كرسيّ ساج، بوجه حسن ولفظ عذب، فرأيته يقطع مسائله بهوس يطيله ويسهب فيه، فقلت: لا بد من أن أسأله عما أقطعه به، وابتدرت فقلت: يا شيخ ما تقول في قد سيكونيات العلم إذا وقعت قبل التوهم؟ فورد عليه ما لم يسمع به، فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال: لم أؤخر إجابتك عجزا عن مسألتك بل لأعطشك إلى الجواب، وأخذ في ضرب من الهذيان، فلما سكت قلت: هذا بعد التوهم، وإنما سألتك قبله، إلى أن ضجر فانصرفت عنه. قرأت بمصر في نسخة باليتيمة للثعالبي عليها خطّ يعقوب بن أحمد بن محمد بالقراءة عليه يرويها عن مؤلفها الثعالبي فوجدت فيها زوائد لا أعرفها في النسخ المشهورة بأيدي الناس منها «١» : حدثني عوف بن الحسين الهمذاني التميمي قال كنت يوما في خزانة الخلع للصاحب فرأيت في ثبت الحسبانات لكاتبها، وكان صديقي، مبلغ عمائم الخز التي صارت في تلك الشتوة في خلع العلويين والفقهاء والشعراء سوى ما صار منها في خلع الخدم والحاشية ثمانمائة وعشرون؛ قال: وكان يعجبه الخزّ ويأمر بالاستكثار منه في داره، فنظر أبو القاسم الزعفراني يوما إلى جميع ما فيها من الخدم والحاشية عليهم الخزوز الملوّنة الفاخرة فاعتزل ناحية وأخذ يكتب شيئا، فسأل الصاحب عنه فقيل له: إنه في مجلس كذا يكتب، فقال: عليّ به، فاستمهل الزعفراني ريثما يتم مكتوبه، فأعجله الصاحب وأمر أن يؤخذ ما في يده من الدرج، فقام الزعفراني إليه وقال: أيد الله الصاحب:

стр. 702

اسمعه ممن قاله تزدد به ... عجبا فحسن الورد في أغصانه فقال: هات يا أبا القاسم فأنشده أبياتا منها: سواك يعدّ الغنى ما اقتنى ... ويأمره الحرص أن يخزنا وأنت ابن عباد المرتجى ... تعدّ نوالك نيل المنى وخيرك، من باسط كفّه ... وممن ثناها، قريب الجنى غمرت الورى بصنوف الندى ... فأصغر ما ملكوه الغنى وغادرت أشعرهم مفحما ... وأشكرهم عاجزا ألكنا أيا من عطاياه تهدي الغنى ... إلى راحتي من نأى أو دنا كسوت المقيمين والزائرين ... كسا لم نخل مثلها ممكنا وحاشية الدار يمشون في ... ضروب من الخزّ إلا أنا فقال الصاحب: قرأت في أخبار معن بن زائدة أن رجلا قال له: احملني فأمر له بفرس وبغلة وحمار وناقة وجارية ثم قال: لو علمت أن الله خلق مركوبا غيرها لحملتك عليه، وقد أمرنا لك من الخز بجبة وقميص وسراويل وعمامة ومنديل ومطرف ورداء وجورب، ولو علمنا لباسا آخر يتخذ من الخز لأعطيناكه، ثم أمر بادخاله إلى الخزانة وصيّرت تلك الخلع عليه، وسلّم ما فضل عن لبسه في الوقت إلى غلامه. قال «١» وحدثني أبو عبد الله محمد بن حامد الحامدي قال: عهدي بأبي محمد [الخازن] ماثلا بين يدي الصاحب ينشده قصيدة أولها: هذا فؤادك نهبى بين أهواء ... وذاك رأيك شورى بين آراء هواك بين العيون النّجل مقتسم ... داء لعمرك ما أبلاه من داء لا تستقرّ بأرض أو تسير إلى ... أخرى بشخص قريب عزمه ناء يوما بحزوى ويوما بالعقيق ويو ... ما بالعذيب ويوما بالخليصاء وتارة تنتحي نجدا وآونة ... شعب العقيق وطورا قصر تيماء

стр. 703

قال: فرأيت الصاحب مقبلا عليه بمجامعه، حسن الإصغاء إلى إنشاده مستعيدا لاكثر أبياته، مظهرا من الاعجاب به والاهتزاز له ما يعجب الحاضرين، فلما بلغ إلى قوله: أدعى بأسماء نبزا في قبائلها ... كأنّ أسماء أضحت بعض أسمائي أطلعت شعري فألقت شعرها طربا ... فألّفا بين إصباح وامساء زحف عن دسته طربا له، فلما بلغ إلى قوله في المدح: لو أن سحبان باراه لأسحبه ... على خطابته أذيال فأفاء أرى الأقاليم قد ألقت مقالدها ... إليه مستبقات أيّ إلقاء فساس سبعتها منه بأربعة ... أمر ونهي وتثبيت وإمضاء كذاك توحيده ألوى بأربعة ... كفر وجبر وتشبيه وإرجاء فجعل يحرك رأسه ويقول: أحسنت أحسنت، فلما أنهى القصيدة أمر له بجائزة وخلع. قال الأمير أبو الفضل الميكالي «١» : كتب عامل رقعة إلى الصاحب في التماس شغل وفي الرقعة. إن رأى مولانا أن يأمر بإشغالي ببعض أشغاله فعل، فوقع الصاحب تحتها: من كتب إشغالي لا يصلح لأشغالي. وحدث هلال بن المحسن: ما رئي أحد وفّي من الإعظام والاكبار بعد موته ما وفّيه الصاحب، فإنه لما جهز ووضع في تابوته وأخرج على أكتاف حامليه للصلاة عليه قام الناس بأجمعهم فقبلوا الأرض بين يديه، وخرّقوا عند ذلك ثيابهم، ولطموا وجوههم، وبلغوا في البكاء والنحيب عليه جهدهم. وكان يلبس القباء في حياته تحققا بالوزارة وانتسابا معها إلى الجندية. وحدث عن أبي الفتح ابن المقدر قال: كان أبو القاسم ابن أبي العلاء الشاعر من وجوه أهل أصبهان وأعيانهم ورؤسائهم، فحدثني أنه رأى في منامه قائلا يقول له: لو كاثرت الصاحب أبا القاسم ابن عباد مع فضلك وكثرة علمك وجودة شعرك فقلت:

стр. 704

أفحمتني كثرة محاسنه، فلم أدر بما أبدأ منها، وخفت أن أقصّر وقد ظنّ بي الاستيفاء لها، فقال: أجز ما أقوله، قلت: قل، فقال: ثوى الجود والكافي معا في حفيرة ... فقلت: ليأنس كلّ منهما بأخيه فقال: هما اصطحبا حيّين ثم تعانقا ... فقلت: ضجيعين في لحد بباب ذريه فقال: إذا ارتحل الثاوون عن مستقرّهم ... فقلت: أقاما إلى يوم القيامة فيه (باب ذريه: المحلة التي فيها تربته أو ما يستقبلك من اصفهان) . وحدث في كتاب الروزنامجه: وانتهيت إلى أبي سعيد السيرافي، وهو شيخ البلد، وفرد الأدب، حسن التصرف، وافر الحظ من علوم الأوائل، فسلمت عليه وقعدت إليه، وبعضهم يقرأ «الجمهرة» فقرأ ألمقت فقلت إنما هو لمقت، فدافعني الشيخ ساعة ثم رجع إلى الأصل فوجد حكايتي صحيحة، واستمرّ القارىء حتى أنشد وقد استشهد: رسم دار وقفت في طلله ... كدت «أقضّي» الغداة من جلله «١» فقلت: أيها الشيخ هذا لا يجوز والمصراعان على هذا النشيد يخرجان من بحرين لأن: رسم دار وقفت في طلله ... فاعلاتن مفاعلن فعلن كدت «أقضّي» الغداة من جلله ... مفتعلن فاعلاتن مفتعلن فذاك من الخفيف وهذا من المنسرح، فقال: لم لا تقول الجميع من المنسرح والمصراع الأول مخزوم؟ فقلت: لا يدخل الخزم هذا البحر لأنه أوله مستفعلن

стр. 705

مفاعلن، هذه مزاحفة عنه، وإذا حذفنا متحرّكا بقينا ساكنا، وليس في كلام العرب ابتداء به وانما هو: كدت أقضي الغداة من جلله بتخفيف الضاد فأمر بتغييره، ورفعني إلى جنبه، وابتدأ فقرىء عليه من «كتاب المقتضب» باب ما يجرى وما لا يجرى، إلى أن ذكر وسحر، وأنه لا ينصرف إذا كان لسحر بعينه، لأنه معدول عن الأول، فقلت: ما علامة العدل فيه؟ فقال: أنا قلنا السحر ثم قلنا سحر، فعلمنا أن الثاني معدول عن الأول، قلت: لو كان كذلك لوجب أن تطّرد العلة في عتمة، لأنك تقول العتمة، ثم تقول عتمة، فضجر واحتدّ وصاح واربدّ، وادعيت أنه ناقص والتمس التحاكم، فكتبت رسالة أخذت فيها خطوط أهل النظر، وقد أنفذت درج كتابي نسختها، وفيها خط أبي عبد الله بن رذامر عين مشايخهم، ورأيت الشيخ بعد ذلك عزيزا فاضلا متوسعا عالما فعلقت عليه، وأخذت عنه وحصلت تفسيره لكتاب سيبويه وقرأت صدرا منه. وهناك أبو بكر ابن مقسم، وما في أصحاب ثعلب أكثر دراية وما أصحّ رواية منه، وقد سمعت مجالسه وفيها غرائب ونكت، ومحاسن وطرف، من بين كلمة نادرة، ومسألة غامضة، وتفسير بيت مشكل، وحلّ عقد معضل. وله قيام بنحو الكوفيين وقراءتهم ورواياتهم ولغاتهم. والقاضي أبو بكر ابن كامل بقية الدنيا في علوم شتى، يعرف الفقه والشروط والحديث، وما ليس من حديثنا، ويتوسع في النحو توسعا مستحسنا، وله في حفظ الشعر بضاعة واسعة، وفي جودة التصنيف قوة تامة، ومن كبار رواة المبرد وثعلب والبحتري وأبي العيناء وغيره، وقد سمعت صدرا صالحا مما عنده. وكنت أحبّ أن أسمع كلام أهل النظر بالعراق لما تتابع في حذقهم من الأوصاف، وذكر أبا زكرياء يحيى بن عدّي وغيره ومناظرات جرت هناك يطول شرحها. وحدث عن أبي نصر ابن خواشاده أنه قال: ما غبطت أحدا على منزلة كما غبطت الصاحب أبا القاسم ابن عباد، فانا كنا مقيمين بظاهر جرجان مع مؤيد الدولة على حرب الخراسانية، فدخل الصاحب إلى داره في البلد آخر نهار يوم لحضور المجلس الذي يعقده لأهل العلم، وتحته دابّة رهواء وقد أرسل عنانه، فرأيت وجوه الديلم
следующие страницы →