النصراني حين هزمه بعدد قليل، بعد أن كان في جيش عرمرم ثقيل، ولكن الدنيا حمقاء خرقاء ولا تميل الا إلى مثلها، لو كتب المطهر أو نصر بن هارون أو أحد وزراء عضد الدولة إليه بشيء من ذلك لأحرقه بالنار والنفط.
ومن كتاب الروزنامجة: قال الصاحب: ما زال أحداث بغداد يذكرونني بابن شمعون المتصوف وكلامه على الناس في مكان الشبلي، فجمّعت يوما في المدينة وعليّ طيلسان ومصمتة، ووقفت عليه وقد لبس فوطة قصب وقعد على كرسيّ ساج، بوجه حسن ولفظ عذب، فرأيته يقطع مسائله بهوس يطيله ويسهب فيه، فقلت:
لا بد من أن أسأله عما أقطعه به، وابتدرت فقلت: يا شيخ ما تقول في قد سيكونيات العلم إذا وقعت قبل التوهم؟ فورد عليه ما لم يسمع به، فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال: لم أؤخر إجابتك عجزا عن مسألتك بل لأعطشك إلى الجواب، وأخذ في ضرب من الهذيان، فلما سكت قلت: هذا بعد التوهم، وإنما سألتك قبله، إلى أن ضجر فانصرفت عنه.
قرأت بمصر في نسخة باليتيمة للثعالبي عليها خطّ يعقوب بن أحمد بن محمد بالقراءة عليه يرويها عن مؤلفها الثعالبي فوجدت فيها زوائد لا أعرفها في النسخ المشهورة بأيدي الناس منها «١» : حدثني عوف بن الحسين الهمذاني التميمي قال كنت يوما في خزانة الخلع للصاحب فرأيت في ثبت الحسبانات لكاتبها، وكان صديقي، مبلغ عمائم الخز التي صارت في تلك الشتوة في خلع العلويين والفقهاء والشعراء سوى ما صار منها في خلع الخدم والحاشية ثمانمائة وعشرون؛ قال: وكان يعجبه الخزّ ويأمر بالاستكثار منه في داره، فنظر أبو القاسم الزعفراني يوما إلى جميع ما فيها من الخدم والحاشية عليهم الخزوز الملوّنة الفاخرة فاعتزل ناحية وأخذ يكتب شيئا، فسأل الصاحب عنه فقيل له: إنه في مجلس كذا يكتب، فقال: عليّ به، فاستمهل الزعفراني ريثما يتم مكتوبه، فأعجله الصاحب وأمر أن يؤخذ ما في يده من الدرج، فقام الزعفراني إليه وقال: أيد الله الصاحب:
стр. 702
اسمعه ممن قاله تزدد به ... عجبا فحسن الورد في أغصانه
فقال: هات يا أبا القاسم فأنشده أبياتا منها:
سواك يعدّ الغنى ما اقتنى ... ويأمره الحرص أن يخزنا
وأنت ابن عباد المرتجى ... تعدّ نوالك نيل المنى
وخيرك، من باسط كفّه ... وممن ثناها، قريب الجنى
غمرت الورى بصنوف الندى ... فأصغر ما ملكوه الغنى
وغادرت أشعرهم مفحما ... وأشكرهم عاجزا ألكنا
أيا من عطاياه تهدي الغنى ... إلى راحتي من نأى أو دنا
كسوت المقيمين والزائرين ... كسا لم نخل مثلها ممكنا
وحاشية الدار يمشون في ... ضروب من الخزّ إلا أنا
فقال الصاحب: قرأت في أخبار معن بن زائدة أن رجلا قال له: احملني فأمر له بفرس وبغلة وحمار وناقة وجارية ثم قال: لو علمت أن الله خلق مركوبا غيرها لحملتك عليه، وقد أمرنا لك من الخز بجبة وقميص وسراويل وعمامة ومنديل ومطرف ورداء وجورب، ولو علمنا لباسا آخر يتخذ من الخز لأعطيناكه، ثم أمر بادخاله إلى الخزانة وصيّرت تلك الخلع عليه، وسلّم ما فضل عن لبسه في الوقت إلى غلامه.
قال «١» وحدثني أبو عبد الله محمد بن حامد الحامدي قال: عهدي بأبي محمد [الخازن] ماثلا بين يدي الصاحب ينشده قصيدة أولها:
هذا فؤادك نهبى بين أهواء ... وذاك رأيك شورى بين آراء
هواك بين العيون النّجل مقتسم ... داء لعمرك ما أبلاه من داء
لا تستقرّ بأرض أو تسير إلى ... أخرى بشخص قريب عزمه ناء
يوما بحزوى ويوما بالعقيق ويو ... ما بالعذيب ويوما بالخليصاء
وتارة تنتحي نجدا وآونة ... شعب العقيق وطورا قصر تيماء
стр. 703
قال: فرأيت الصاحب مقبلا عليه بمجامعه، حسن الإصغاء إلى إنشاده مستعيدا لاكثر أبياته، مظهرا من الاعجاب به والاهتزاز له ما يعجب الحاضرين، فلما بلغ إلى قوله:
أدعى بأسماء نبزا في قبائلها ... كأنّ أسماء أضحت بعض أسمائي
أطلعت شعري فألقت شعرها طربا ... فألّفا بين إصباح وامساء
زحف عن دسته طربا له، فلما بلغ إلى قوله في المدح:
لو أن سحبان باراه لأسحبه ... على خطابته أذيال فأفاء
أرى الأقاليم قد ألقت مقالدها ... إليه مستبقات أيّ إلقاء
فساس سبعتها منه بأربعة ... أمر ونهي وتثبيت وإمضاء
كذاك توحيده ألوى بأربعة ... كفر وجبر وتشبيه وإرجاء
فجعل يحرك رأسه ويقول: أحسنت أحسنت، فلما أنهى القصيدة أمر له بجائزة وخلع.
قال الأمير أبو الفضل الميكالي «١» : كتب عامل رقعة إلى الصاحب في التماس شغل وفي الرقعة. إن رأى مولانا أن يأمر بإشغالي ببعض أشغاله فعل، فوقع الصاحب تحتها: من كتب إشغالي لا يصلح لأشغالي.
وحدث هلال بن المحسن: ما رئي أحد وفّي من الإعظام والاكبار بعد موته ما وفّيه الصاحب، فإنه لما جهز ووضع في تابوته وأخرج على أكتاف حامليه للصلاة عليه قام الناس بأجمعهم فقبلوا الأرض بين يديه، وخرّقوا عند ذلك ثيابهم، ولطموا وجوههم، وبلغوا في البكاء والنحيب عليه جهدهم. وكان يلبس القباء في حياته تحققا بالوزارة وانتسابا معها إلى الجندية.
وحدث عن أبي الفتح ابن المقدر قال: كان أبو القاسم ابن أبي العلاء الشاعر من وجوه أهل أصبهان وأعيانهم ورؤسائهم، فحدثني أنه رأى في منامه قائلا يقول له: لو كاثرت الصاحب أبا القاسم ابن عباد مع فضلك وكثرة علمك وجودة شعرك فقلت:
стр. 704
أفحمتني كثرة محاسنه، فلم أدر بما أبدأ منها، وخفت أن أقصّر وقد ظنّ بي الاستيفاء لها، فقال: أجز ما أقوله، قلت: قل، فقال:
ثوى الجود والكافي معا في حفيرة ... فقلت: ليأنس كلّ منهما بأخيه
فقال: هما اصطحبا حيّين ثم تعانقا ... فقلت: ضجيعين في لحد بباب ذريه
فقال: إذا ارتحل الثاوون عن مستقرّهم ... فقلت: أقاما إلى يوم القيامة فيه
(باب ذريه: المحلة التي فيها تربته أو ما يستقبلك من اصفهان) . وحدث في كتاب الروزنامجه: وانتهيت إلى أبي سعيد السيرافي، وهو شيخ البلد، وفرد الأدب، حسن التصرف، وافر الحظ من علوم الأوائل، فسلمت عليه وقعدت إليه، وبعضهم يقرأ «الجمهرة» فقرأ ألمقت فقلت إنما هو لمقت، فدافعني الشيخ ساعة ثم رجع إلى الأصل فوجد حكايتي صحيحة، واستمرّ القارىء حتى أنشد وقد استشهد:
رسم دار وقفت في طلله ... كدت «أقضّي» الغداة من جلله «١»
فقلت: أيها الشيخ هذا لا يجوز والمصراعان على هذا النشيد يخرجان من بحرين لأن:
رسم دار وقفت في طلله ... فاعلاتن مفاعلن فعلن
كدت «أقضّي» الغداة من جلله ... مفتعلن فاعلاتن مفتعلن
فذاك من الخفيف وهذا من المنسرح، فقال: لم لا تقول الجميع من المنسرح والمصراع الأول مخزوم؟ فقلت: لا يدخل الخزم هذا البحر لأنه أوله مستفعلن
стр. 705
مفاعلن، هذه مزاحفة عنه، وإذا حذفنا متحرّكا بقينا ساكنا، وليس في كلام العرب ابتداء به وانما هو:
كدت أقضي الغداة من جلله
بتخفيف الضاد فأمر بتغييره، ورفعني إلى جنبه، وابتدأ فقرىء عليه من «كتاب المقتضب» باب ما يجرى وما لا يجرى، إلى أن ذكر وسحر، وأنه لا ينصرف إذا كان لسحر بعينه، لأنه معدول عن الأول، فقلت: ما علامة العدل فيه؟ فقال: أنا قلنا السحر ثم قلنا سحر، فعلمنا أن الثاني معدول عن الأول، قلت: لو كان كذلك لوجب أن تطّرد العلة في عتمة، لأنك تقول العتمة، ثم تقول عتمة، فضجر واحتدّ وصاح واربدّ، وادعيت أنه ناقص والتمس التحاكم، فكتبت رسالة أخذت فيها خطوط أهل النظر، وقد أنفذت درج كتابي نسختها، وفيها خط أبي عبد الله بن رذامر عين مشايخهم، ورأيت الشيخ بعد ذلك عزيزا فاضلا متوسعا عالما فعلقت عليه، وأخذت عنه وحصلت تفسيره لكتاب سيبويه وقرأت صدرا منه. وهناك أبو بكر ابن مقسم، وما في أصحاب ثعلب أكثر دراية وما أصحّ رواية منه، وقد سمعت مجالسه وفيها غرائب ونكت، ومحاسن وطرف، من بين كلمة نادرة، ومسألة غامضة، وتفسير بيت مشكل، وحلّ عقد معضل. وله قيام بنحو الكوفيين وقراءتهم ورواياتهم ولغاتهم.
والقاضي أبو بكر ابن كامل بقية الدنيا في علوم شتى، يعرف الفقه والشروط والحديث، وما ليس من حديثنا، ويتوسع في النحو توسعا مستحسنا، وله في حفظ الشعر بضاعة واسعة، وفي جودة التصنيف قوة تامة، ومن كبار رواة المبرد وثعلب والبحتري وأبي العيناء وغيره، وقد سمعت صدرا صالحا مما عنده. وكنت أحبّ أن أسمع كلام أهل النظر بالعراق لما تتابع في حذقهم من الأوصاف، وذكر أبا زكرياء يحيى بن عدّي وغيره ومناظرات جرت هناك يطول شرحها.
وحدث عن أبي نصر ابن خواشاده أنه قال: ما غبطت أحدا على منزلة كما غبطت الصاحب أبا القاسم ابن عباد، فانا كنا مقيمين بظاهر جرجان مع مؤيد الدولة على حرب الخراسانية، فدخل الصاحب إلى داره في البلد آخر نهار يوم لحضور المجلس الذي يعقده لأهل العلم، وتحته دابّة رهواء وقد أرسل عنانه، فرأيت وجوه الديلم
стр. 706
وأكابرهم من أولاد الأمراء يعدون بين يديه كما تعدو الركابية. وكان عضد الدولة يخاطب شيخنا خطابا لا يشرك معه فيه إلا أنه كان يقلّ مكاتبته، وكانت الكتب من عضد الدولة إنما ترد على لسان كاتبه أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف.
ولما وجدت الشعراء لبضائعها عند ابن عباد نفاقا وسوقا أهدوا نتائج أفكارهم إلى حضرته وساقوها نحوه سوقا. فذكر الثعالبي قال «١» : واحتفّ به من نجوم الأرض وأفراد العصر وأبناء الفضل وفرسان الشعر من يربي عددهم على شعراء الرشيد، ولا يقصّرون عنهم في الأخذ برقاب القوافي، وملك رقّ المعاني، فإنه لم يجتمع بباب أحد من الخلفاء والملوك مثل ما اجتمع بباب الرشيد من فحولة الشعراء المذكورين، كأبي نواس وأبي العتاهية والعتابي والنمري ومسلم بن الوليد وأبي شيص وابن أبي حفصة ومحمد بن مناذر، وجمعت حضرة الصاحب بأصبهان والري وجرجان مثل أبي الحسين السلامي وأبي سعيد الرستمي وأبي القاسم الزعفراني وأبي العباس الضبي والقاضي الجرجاني وأبي القاسم ابن أبي العلاء وأبي محمد الخازن وأبي هاشم العلوي وأبي الحسن الجوهري وبني المنجم وابن بابك وابن القاشاني والبديع الهمذاني وإسماعيل الشاشي وأبي العلاء الأسدي وأبي الحسن الغويري وأبي دلف الخزرجي وأبي حفص الشهرزوري وأبي معمر الاسماعيلي وأبي الفياض الطبري وغيرهم ممن لم يبلغني ذكره أو ذهب عني اسمه، ومدحه مكاتبة الرضيّ الموسوي وأبو إسحاق الصابىء وابن الحجاج وابن سكرة وابن نباتة وغيرهم ممن يطول ذكره.
وكتب أبو حفص الأصفهاني «٢» الوراق إلى الصاحب رقعة نسختها: لولا أن الذكرى- أطال الله بقاء مولانا الصاحب الجليل- تنفع المؤمنين، وهزّ الصمصام يعين المصلتين، لما ذكّرت ذاكرا، ولا هززت ماضيا، ولكن ذا الحاجة يستعجل النّجح، ويكدّ الجواد السمح، وحال عبد مولانا في الحنطة متخلفة، وجرذان داره عنها منصرفة، فإن رأى أن يخلط عبده بمن أخصب رحله، فلم يشدّ رحله، فعل إن شاء الله تعالى. فوقع على رقعته: أحسنت يا أبا حفص قولا، وسنحسن فعلا، فبشر
стр. 707
جرذان دارك بالخصب، وأمنها من الجدب، فالحنطة تأتيك في الأسبوع، ولست عن غيرها من النفقة بممنوع، ان شاء الله تعالى.
قال «١» : وحدثني أبو الحسن الدارمي «٢» المصيصي قال: انتحل فلان- يعني بعض المتشاعرين- بحضرة الصاحب شعرا له، وبلغه ذلك فقال: أبلغوه عني:
سرقت شعري وغيري ... يضام فيه ويخدع
فسوف أجزيك صفعا ... يكدّ رأسا وأخدع
فسارق المال يقطع ... وسارق الشعر يصفع
قال: فاتخذ الليل جملا وهرب من الري.
وحدث عن عون بن الحسين الهمذاني قال «٣» : سمعت أبا عيسى ابن المنجم يقول: سمعت الصاحب يقول: ما استأذنت على فخر الدولة وهو في مجلس الأنس إلا وانتقل الى مجلس الحشمة فأذن لي فيه، وما أذكر أنه تبذّل بين يديّ أو مازحني قط إلّا مرة واحدة، فإنه قال لي: بلغني أنك تقول إن المذهب مذهب الاعتزال، والنيك نيك الرجال، فأظهرت الكراهة لانبساطه وقلت: بنا من الجدّ ما لا نفرغ معه للهزل ونهضت كالمغاضب، فما زال يعتذر إليّ مراسلة حتى عاودت مجلسه، ولم يعد بعدها إلى ما يجري مجرى الهزل والمزح.
ولما أتت الصاحب «٤» البشارة بسبطه عباد بن علي الحسني- ولم يكن للصاحب ولد غيرها، وكان قد زوّجها من أبي الحسن علي بن الحسين الحسني الهمذاني، وكان شاعرا أديبا بليغا، وله شعر منه هذان البيتان في دار لبعض الملوك بناها:
دار علت دار الملوك بهمة ... كعلوّ صاحبها على الأملاك
فكأنها من حسنها وبهائها ... بنيت قواعدها على الأفلاك
стр. 708
أنشأ الصاحب يقول:
أحمد الله لبشرى ... أقبلت عند العشيّ
إذ حباني الله سبطا ... هو سبط للنبيّ
مرحبا ثمت أهلا ... بغلام هاشمي
نبويّ علويّ ... حسني صاحبي
ثم قال:
الحمد لله حمدا دائما أبدا ... قد صار سبط رسول الله لي ولدا
وقد ذكرت ذلك الشعراء في أشعارهم، فمن ذلك قول أبي الحسن الجوهري في قصيدة منها «١» :
وكان بعد رسول الله كافله ... فصار جدّ بنيه بعد كافله
هلمّ للخبر المأثور مسنده ... في الطالقان فقرّت عين ناقله
فذلك الكنز عباد وقد وضحت ... عنه الإمامة في أولى مخايله
لما روت الشيعة أن بالطالقان كنزا من ولد فاطمة يملأ الله الأرض به عدلا كما ملئت جورا، والصاحب من الطالقان من قرى أصفهان، فلما رزق سبطا فاطميا تأولوا له هذا الخبر وأنا بريء من العهدة.
هذا الذي ذكره الثعالبي أن طالقان من قرى أصفهان، والصواب ما تقدم.
قال «٢» : وعرض عليّ أبو الحسن الشقيقي البلخي توقيع الصاحب إليه في رقعته:
من نظر لدينه نظرنا لدنياه، فإن آثرت العدل والتوحيد، بسطنا لك الفضل والتمهيد، وإن أقمت على الجبر، فليس لكسرك من جبر.
وهذه رسالة «٣» كتبها الصاحب إلى أبي علي الحسين بن أحمد في شأن أبي عبد الله محمد بن حامد، قال الثعالبي: وسمعت الأمير أبا الفضل عبيد الله بن أحمد
стр. 709
الميكالي يسردها فزادني جريها على لسانه وصدورها عن فمه إعجابا بها وهي: كتابي هذا يا سيدي صدر من سحنة «١» وقد أرخى الليل سدوله، وسحب الظلام ذيوله، ونحن على الرحيل غدا إن شاء الله إذا مدّ الصباح غرره قبل أن يسبغ حجوله، ولولا ذلك لأطلته كوقوف الحجيج على المشاعر، ولم أقتصر منه على زاد المسافر، فإن المتحمّل له وسيع الحقوق لديّ، حقيق أن أتعب له خاطري ويديّ، وهو أبو عبد الله الحامدي- كان وافى مع ذلك الشيخ الشهيد أبي سعيد الشبيبي السعيد، رفع الله منازله، وقتل قاتله، بكتب له فأنسنا بفضله، وآنسنا الخير من عقله، فلما فجع بتلك الصحبة، وبما كان له فيها من القربة، لم يرض غير بابي مشرعا، وغير جنابي مرتعا، وقطع إليّ الطريق الشاقّ مؤكّدا حقا لا يشقّ فيه غباره، ولا ينسى على الزمان ذماره، فكنت على جناح هذه النهضة التي بنا لم يستقرّ نواها، ولم تلق عصاها.
فإحراج الحرّ المبتدىء الأمر، القريب العهد بوطأة الدهر، تحامل عليه بالمركب الوعر، فرددته إليك يا سيدي لتسهّل عليه حجابك، وتمهّد له جنابك، وتترصد [له] عملا خفيف الثقل، نديّ الظل، فإذا اتفق عرضته عليه، ثم فوضته إليه. وهو إلى أن يتّسق ذلك ضيفي وعليك قراه، وعندك مربعه ومشتاه، ويريد اشتغالا بالعلم يزيده استقلالا، إلى أن يأتيه إن شاء الله خبرنا في الاستقرار، ثم له الخيار: إن شاء أقام على ما ولّيته، وإن شاء التحق بنا ناشرا ما أوليته. وقد وقعت له إلى فلان بما يعينه على بعض الانتظار، إلى أن تختار له كلّ الاختيار، فأوعز إليه بتعجيله، واكفني شغل القلب بهذا الحرّ الذي أفردني بتأميله، إن شاء الله تعالى وحده.
وكتب «٢» إلى القاضي أبي بشر الفضل بن محمد الجرجاني عند وروده باب الري وافدا عليه:
تحدثت الركاب بسير أروى ... إلى بلد حططت به خيامي
فكدت أطير من شوق إليها ... بقادمة كقادمة الحمام
стр. 710
أفحقّ ما قيل من أمر القادم؟ أم ظنّ كأمانيّ الحالم؟ لا والله بل هو درك العيان، وإنه ونيل المنى سيّان، فمرحبا أيها القاضي براحلتك ورحلك، بل أهلا بك وبكافة أهلك، ويا سرعة ما فاح نسيم مسراك، ووجدنا ريح يوسف من رياك، فحثّ المطيّ تزل غلّتي برؤياك، وتزح علتي بلقياك، ونصّ على يوم الوصول نجعله عيدا مشرّفا، ونتخذه موسما ومعرّفا «١» ، وردّ الغلام، أسرع من رجع الكلام، فقد أمرته أن يطير على جناح نسر، يترك الصّبا في عقال أسر:
سقى الله دارات مررت بأرضها ... فأدّتك نحوي يا زياد بن عامر
أصائل قرب أرتجي أن أنالها ... بلقياك قد زحزحن حرّ الهواجر
وقال «٢» بعض ندماء الصاحب له يوما: أرى مولانا قد أغار في قوله:
لبسن برود الوشي لا لتجمل ... ولكن لصون الحسن بين برود
على المتنبي في قوله:
لبسن الوشي لا متجملات ... ولكن كي يصنّ به الجمالا
فقال: كما أغار هو في قوله:
ما بال هذي النجوم حائرة ... كأنها العمي ما لها قائد
على العباس بن الأحنف في قوله:
والنجم في كبد السماء كأنه ... أعمى تحيّر ما لديه قائد
وللصاحب أيضا «٣» :
يقولون لي كم عهد عينك بالكرى ... فقلت لهم مذ غاب بدر دجاها
ولو تلتقي عين على غير دمعة ... لصارمتها حتى يقال نفاها
стр. 711
من قول المهلبي الوزير:
تصارمت الأجفان منذ صرمتني ... فما تلتقي إلا على دمعة تجري
وللصاحب أيضا «١» :
ومهفهف حسن الشمائل أهيف ... يروي النفوس بفترتي عينيه
ما زال يبعدني ويؤثر هجرتي ... فجذبت قلبي من إسار يديه
قالوا تراجعه فقلت بديهة ... قولا أقيم مع الرويّ عليه
والله لا راجعته ولو انه ... كالبدر أو كالشمس أو كبويه
أخذه من قول ابن المعتز:
والله لا كلّمتها ولو انها ... كالبدر أو كالشمس أو كالمكتفي
قال المؤلف: هكذا ذكر الثعالبي، ونسب هذا البيت الى ابن المعتز، وهو لأبي بكر محمد بن السراج النحوي، وله قصة طريفة، وهي مذكورة في أخباره من هذا الكتاب.
ومما هجي به الصاحب قول أبي العلاء الأسدي:
إذا رأيت مسجّى في مرقعة ... يأوي المساجد حرّا ضرّه بادي
فاعلم بأن الفتى المسكين قد قذفت ... به الخطوب الى لؤم ابن عباد
وقال السلامي «٢» :
يا ابن عباد بن عباس بن عبد الله حرها ... تنكر الجبر وأخرجت الى دنياك كرها
ومرّ أبو العباس الضبي بباب الصاحب بعد موته فقال «٣» :
أيها الباب لم علاك اكتئاب ... أين ذاك الحجاب والحجّاب
أين من كان يفزع الدهر منه ... فهو الآن في التراب تراب
стр. 712
ولأبي القاسم ابن أبي العلاء الأصفهاني يرثي الصاحب من قصيدة «١» :
ما متّ وحدك لكن مات من ولدت ... حوّاء طرّا بل الدنيا بل الدين
هذي نواعي العلا مذ متّ نادبة ... من بعد ما ندبتك الخرّد العين
تبكي عليك العطايا والصلات كما ... تبكي عليك الرعايا والسلاطين «٢»
قام السعاة وكان الخوف أقعدهم ... واستيقظوا بعد ما نام الملاعين
لا يعجب الناس منهم إن هم انتشروا ... مضى سليمان وانحلّ الشياطين
وكتب الصاحب الى أبي العلاء الأسدي من أجود أبياته «٣» :
يقرّ بعيني أن يلمّ رسولها ... ببابي ويهدي بالعشيّ سلامها
ويذكر لي دون الرجال حديثها ... وينشر عندي نطقها وكلامها
ورد يا شيخي- أطال الله بقاءك- رسولك بكتاب سبق الأفكار والظنون، وحسدت عليه القلوب العيون، وترك الواصفين بين قاصر ومقصّر. ومثّل ليالينا بين اللوى فمحجّر، بكلام كالورق النضير تتأوّه منه الغصون، وكالنور المنير أفنانه فنون، فصادفني حليفا للشوق أو رهينا، وحنينا على الحنين وساء قرينا، وكيف لا وقد ألفنا القرب حولا حولنا رياض الأدب ترفّ، ودوننا رواحل الفضل تزفّ، نملك رقاب المنطق، ونتنازع أطراف الكلام المنمّق، ونقطع الليالي تناشدا وتذاكرا، وتحادثا وتسامرا، إلى أن يخلع الظلام ثيابه، ويحدر المصباح نقابه، هذا دأبنا كان إلى أن جاوزنا الشباب مراحل، ووردنا من المشيب مناهل «٤» ، ثم حان الفراق فنحن حتى اليوم منه في جوّ كدر، ونجم منكدر، يقبضنا عن الموارد العذاب، ويعرضنا على لواعج العذاب، والله نسأل إعادة هاتيك الأحوال، وتلك الأيام الخضراء الظلال، وإن كان الله قد زادنا بعدك مناجح ومنائح، وأيادي غوادي وروائح، حتى فتحنا الفتوح، وذللنا القروح، ورتقنا الفتوق، ونسخنا الفروق، وأثرنا الآثار، ووطأنا الرقاب وطلبنا الثار، واصطنعنا الصنائع، وجعلنا ودائع النعم قطائع، وعقدنا في أعناق الأحرار مننا،
стр. 713
وأحيينا من سبل الاحسان سننا، انا قد تحملنا مشاقّ مالت على القوة للضعف، وتحاملت على الأشدّ بالوهن، ودفعت الى معالجة خطوب تعجّب الدهر من صبرنا عليها فخار، وجبن الزمان عند شجاعتنا لها فحار، وها أنا أحوج ما كنت إلى أن أرفّه، ولا أستكره، وقد رميت بسهم الأربعين، وأرميت على شرف الخمسين، مدفوع الأشغال والأثقال إلى متاعب ومصاعب لو مني [بها] ابن ثلاثين قويا أزره طريّا حرصه، لقام عجزه وقعدت به نفسه، وأظنني كنت قديما قلت:
وقائلة لم عرتك الهموم ... وأمرك ممتثل في الأمم
فقلت دعيني وما قد عرا ... فان الهموم بقدر الهمم
وما على الراحة آسف بل على أن لا أكون مشغولا بأخرى أمهد لها وأكدح، وأدأب لنفسي وأنصح، اللهم وفّق وقدّر، وسهّل ويسّر، إنك على ما تشاء قدير.
والرسالة طويلة كتبت مقدمها.
ذكر محمد ما فعله الصاحب مع القاضي عبد الجبار بن أحمد من حسن العناية والتولية والتمويل، فلما مات الصاحب كان يقول «١» : أنا لا أترحّم عليه لأنه لم يظهر توبته، فطعن عليه في ذلك ونسب إلى قلّة الرعاية، لا جرم أنّ فخر الدولة قبض عليه بعد موت الصاحب، وصادره فيما قيل على ثلاثة آلاف ألف درهم، وعزله عن قضاء الري، وولّى مكانه القاضي أبا الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني العلامة صاحب التصانيف والفضائل الجمة، وقد ذكرته أنا في بابه «٢» ، فقيل إن عبد الجبار باع ألف طيلسان مصري في مصادرته، وهو شيخ طائفتهم، يزعم أن المسلم يخلّد في النار على ربع دينار، وجميع هذا المال من قضاء الظلمة بل الكفرة عنده وعلى مذهبه، وإنما ذكرت هذا للاعتبار.
وقرأت في كتاب هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابىء قال: وكان الصاحب أبو القاسم يراعي من ببغداد والحرمين من أهل الشرف وذوي المآثر من السلف، وشيوخ الكتاب والشعراء، وأولاد الأدباء والزهاد والفقهاء، بما يحمله إليهم في كلّ
стр. 714
سنة مع الحاجّ على مقاديرهم ومنازلهم، وكان يحمل إلى أبي إسحاق إبراهيم بن هلال جدي خمسمائة دينار وإليّ ألفي درهم جبلية مع جعفر بن شعيب، فأذكر وقد راسله بعد وفاة عضد الدولة بالاستدعاء إلى حضرته بالري، وبذل له النفقة الواسعة والمعونة الشاسعة عند شخوصه والإرغاب والاكثار عند حضوره، فكانت عقلة بالذيل الطويل والظهر الثقيل تمنعه من ترك موضعه ومفارقة موطنه، فمما كتبه إليه بالاعتذار عن التأخر:
نكصت على أعقابهنّ مطالبي ... وتقاعست عن شأوهنّ مآربي
وتبلّدت مني القريحة بعد ما ... كانت نفاذا كالشهاب الثاقب
وبكيت شرخ شبيبتي فدفنتها ... دفن الأعزّة في العذار الشائب
ومنها:
فلو ان لي ذاك الجناح لطار بي ... حتى أقبّل ظهر كفّ الصاحب
وأعيش في سقيا سحائبه التي ... ضمنت سعادة كلّ جد خائب
وأراجع العادات حول قبابه ... حتى السواد من الشباب الذاهب
وأعدّ من جلساء حضرته التي ... شحنت بكلّ مسائل ومحارب
فيقول من ذا سائل عني له ... مستثبت فيقول: هذا كاتبي
أترى أروم بهمتي ما فوق ذا ... أنّى وخدمته أجلّ مراتبي
ومنها يعتذر:
كثرت عوائقي التي تعتاقني ... من غيث راحته الملثّ الساكب
ولد لهم ولد وبطن ثالث ... هو رابعي وعشيرتي وأقاربي
والسنّ تسع بعدها خمسون قد ... شامت بوارق يومها المتقارب
فالجسم يضعف عن تجشّم راجل ... والحال يقصر عن ترفّه راكب
وعليّ للسلطان طاعة مالك ... كانت على المملوك ضربة لازب
وتعطلي مع شهوتي كتصرفي ... كلّ سواء في حساب الحاسب
стр. 715
وهي طويلة فلما كانت سنة أربع وثمانين التي توفي فيها جدي أحسّ بانقضاء مدته، وحضور منيته، فكتب إلى الصاحب كتابا يسأله فيه إقرار هذا الرسم المذكور على ولده، واجراءه لهم من بعده، وقرن الكتاب بقصيدة أولها:
تحذّر منك النائبات فتحذر ... وتذكر للخطب الجسيم فيصغر
وتكسى بك الدنيا ثياب جمالها ... فيرجوك معروف ويخشاك منكر
يقول فيها:
أسيدنا إنّ المنية أعذرت ... إليّ بآيات تروع وتذعر
لها نذر قد آذنتني بهجمة ... على مورد ما عنه للمرء مصدر
وإني لأستحلي مرارة طعمه ... إذا كنت بالتقديم لي تتأخر
وحقّ لنفس كان منك معاشها ... إذا غمضت عينا وعينك تنظر
ومن ورّث الأولاد بعد وفاته ... حضانك طابت نفسه حين يقبر
تمرّد منك الجود حتى تمردت ... مطالبنا والماجد الحرّ يصبر
أأطلب منك الرفد عمري كله ... وأطلبه والجنب مني معفر
وليست بأولى بدعة لك في الندى ... لها موقف [في] الحمد [يطوى و] ينشر
وهي طويلة.
قال هلال بن المحسن: وأمرني بأن أنفذ ذلك فأنفذته، وكتبت عن نفسي كتابا في معناه، ووصل ونفذ من يحمل الرسم على العادة، ثم اتفق أن توفي الصاحب في أول سنة خمس وثمانين وثلاثمائة فوقف، وكانت بين وفاتهما شهور.
قال هلال: وسمعت محدثا يحدّث أبا إسحاق أنه سمع الصاحب يقول: ما بقي من أوطاري وأغراضي إلا أن أملك العراق، وأتصدّر ببغداد، وأستكتب أبا اسحاق الصابىء، ويكتب عني وأغيّر عليه، فقال جدي: ويغيّر علي وإن أصبت!! قال: وحدثني أبو إسحاق جدي قال: حضر الصاحب أبو القاسم ابن عباد دار الوزير المهلبي عند وروده إلى بغداد مع مؤيد الدولة، فحجب عنه لشغل كان فيه، وجلس طويلا، فلما تأخر الإذن كتب إليّ رقعة لطيفة فيها:
стр. 716
وأترك محجوبا على الباب كالخصى ... ويدخل غيري كالأيور ويخرج
فأقرأتها الوزير المهلبيّ فأمر بإدخاله.
قال: وكان الصاحب عند دخوله إلى بغداد قصد القاضي أبا السائب عتبة بن عبيد لقضاء حقه، فتثاقل في القيام له، وتحفّز تحفزا أراه به ضعف حركته وقصور نهضته، فأخذ الصاحب بضبعه وأقامه، وقال: نعين القاضي على قضاء حقوق إخوانه، فخجل أبو السائب واعتذر إليه.
وذكر القاضي أبو علي التنوخي في كتاب نشوار المحاضرة «١» : حدثني أبو منصور عبد العزيز بن محمد بن عثمان المعروف بابن أبي عمرو الشرابي حاجب أمير المؤمنين المطيع لله قال: دخلت في حداثتي يوما على أبي السائب القاضي فتثاقل في القيام لي وأظهر لي ضعفا عنه للسنّ والعلل المتصلة به، قال: فتطاول فجذبت يده بيدي حتى أقمته القيام التامّ وقلت له: أعين قاضي القضاة أيده الله على إكمال البر وتوفية الإخوان حقوقهم، قال: وقد كنت عاتبا عليه في أشياء عاملني بها، وإنما جئته للخصومة، فبدأت لأخذ «٢» الكلام، فحين رأى الشرّ في وجهي قال:
تتفضل لاستماع كلمتين ثم تقول ما شئت، فقلت له: قل فقال: روينا عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: فاصفح الصفح الجميل
(الحجر: ٨٥) قال: عفو بلا تقريع، فإن رأيت أن تفعل ذلك فافعل، فاستحييت من الاستقصاء عليه وانصرفت.
قال المؤلف: والذي عندي أن الخبر إنما جرى بين هذا والقاضي، وبلغ أمره الصاحب فانتحله لنفسه، وحكاه في مجلس أنسه، فشاع عنه، وكان الصاحب ﵀ ممن يحبّ الفخر وانتحال الفضائل التي ربما قصّر عنها.
ومن أشعار الصاحب «٣» :
يا خاطرا يخطر في تيهه ... ذكرك موقوف على خاطري
стр. 717
إن لم تكن آثر من ناظري ... عندي فلا متّعت بالناظر
وكتب إلى أبي الحسين «١» الطبيب «٢» :
إنا دعوناك «٣» على انبساط ... والجوع قد أثّر في الأخلاط
فإن عسى ملت إلى التباطي ... صفعت بالنعل قفا بقراط
وله «٤» :
بعدت فطعم العيش بعدك علقم ... ووجه حياتي مذ تغيبت أرقم
فما لك قد أدغمت قربك في النوى ... وودّك في غير النداء مرخم
وقال لما حضرته الوفاة «٥» :
وكم شامت بي عند موتي جهالة ... بظلم يسلّ السيف بعد وفاتي
ولو علم المسكين ماذا يناله ... من الذلّ بعدي مات قبل مماتي
وله أيضا «٦» :
بدا لنا كالبدر في شروقه ... يشكو غزالا لجّ في عقوقه
يا عجبا والدهر في طروقه ... من عاشق أحسن من معشوقه
قال أبو بكر الخوارزمي «٧» أنشدنا الصاحب هذه القوافي ليلة وقال: هل تعرفون نظيرا لمعناها في شعر المحدثين؟ فقلت لا أعرف إلا قول البحتري:
ومن عجب الدهر أنّ الأمير ... أصبح أكتب من كاتبه
قال فقال: جودت وأحسنت هكذا فليكن الحفظ.
стр. 718
وله ويروى لغيره «١» :
رشأ غدا وجدي عليه كردفه ... وغدا اصطباري في هواه كخصره
وكأنّ يوم وصاله من وجهه ... وكأن ليلة هجره من شعره
إن ذقت خمرا خلتها من ريقه ... أو رمت مسكا نلته من نشره
وإذا تكبّر واستطال بحسنه ... فعذار عارضه يقوم بعذره
وله أيضا «٢» :
دبّ العذار على ميدان وجنته ... حتى إذا كاد أن يسعى به وقفا
كأنه كاتب عزّ المداد له ... أراد يكتب لاما فابتدا ألفا
وله أيضا «٣» :
وخطّ كأنّ الله قال لحسنه ... تشبّه بمن قد خطّك اليوم فائتمر
وهيهات أين الخطّ من حسن وجهه ... وأين ظلام الليل من صفحة القمر
وله أيضا «٤» :
وشادن قلت له ما اسمكا ... فقال لي بالغنج عبّاث
فصرت من لثغته ألثغا ... فقلت أين الكاث والطاث
وله يصف الثلج «٥» :
هات المدامة يا غلام مصيّرا ... نقلي عليها قبلة أو عضّه
أو ما ترى كانون ينثر ورده ... وكأنما الدنيا سبائك فضّه
стр. 719
وله أيضا «١» :
وصفراء أو حمراء فهي مخيلة ... لرقّتها إلا على المتوهّم
تشكّكنا في الكرم أنّ انتماءه ... إلى الخمر أم هاتا إلى الكرم تنتمي
لك الوصف دون القصف مني فخيّمي ... بغير يدي وارضي بما قاله فمي
وكتب إلى أبي الفضل ابن شعيب «٢» :
يا أبا الفضل لم تأخّرت عنّا ... فأسأنا بحسن عهدك ظنّا
كم تمنت نفسي صديقا صدوقا ... فإذا أنت ذلك المتمنّى
فبغصن الشباب لما تثنّى ... وبعهد الصّبا وإن بان منّا
كن جوابي إذا قرأت كتابي ... لا تقل للرسول كان وكنا
وله أيضا «٣» :
يا ابن يعقوب يا نقيب البدور ... كن شفيعي إلى فتى مسرور
قل له إنّ للجمال زكاة ... فتصدّق بها على المهجور
وله يمدح عضد الدولة «٤» :
سعود يحار المشتري في طريقها ... ولا تتأتّى في حساب المنجّم
وكم عالم أحييت من بعد عالم ... على حين صاروا كالهشيم المحطم
فو الله لولا الله قال لك الورى ... مقال النصارى في المسيح ابن مريم
محامد لو فضّت ففاضت على الورى ... لما أبصرت عيناك وجه مذمّم
وكلّا ولكن لو حظوا بزكاتها ... لما سمعت أذناك ذكر ملوّم
ولو قلت إن الله لم يخلق الورى ... لغيرك لم أحرج ولم أتأثم
стр. 720
وله يهجو «١» :
سبط متّوي رقيع سفله ... أبدا يبذل فينا أسفله
اعتزلنا نيكه في دبره ... فلهذا يلعن المعتزله
وله في رجل كثير الشرب بطيء السكر «٢» :
يقال لماذا ليس يسكر بعد ما ... توالت عليه من نداماه قرقف
فقلت سبيل الخمر أن تنقص الحجى ... فإن لم تجد شيئا فماذا تحيّف
وله أيضا «٣» :
شرط الشروطيّ فتى أيّر ... وما سواه غير مشروط
أبغى من الإبرة لكنّه ... يوهم قوما أنه لوطي
وله أيضا «٤» :
تصدّ أميمة لما رأت ... مشيبا على عارضي قد فرش
فقلت لها الشيب نقش الشباب ... فقالت ألا ليته ما نقش
وله أيضا «٥» :
ولما تناءت بالأحبّة دارهم ... وصرنا جميعا من عيان إلى وهم
تمكن مني الشوق غير مسامح ... كمعتزليّ قد تمكن من خصم
حدث القاضي أبو عبد الله ابن الحسن بن علي السميري قال، حدث الصاحب قال «٦» : لما عدت من أصبهان بعد القبض على أبي الفتح ابن العميد دعا مؤيد الدولة إلى طعامه وكنت عليه معه، فبينا الألوان توضع وترفع إذ قدمت بين يديّ طنبورية بمكبة، ثم شيلت المكبة فإذا بيد أبي الفتح ابن العميد وفي إصبعه خاتمه الذي أعرفه، فارتعت لذلك ووجمت منه، فقال لي مؤيد الدولة: إنما فعلت هذا لتسكن نفسك
стр. 721
وتعلم إن الله قد كفاك عدوك، فدعوت له ولم أنتفع بنفسي أياما قلقا وانزعاجا. قال القاضي: وكانت والدة أبي الفتح في دار الصاحب على أتمّ حال مراعاة وحراسة فلم يعلمها ولا مكن من إعلامها بقتله حتى ماتت.
[٢٤٣]
إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن ميكال
، أبو العباس الميكالي، وقد ذكر هذا النسب في عدة مواضع: مات ليلة الاثنين الخامس عشر من صفر سنة اثنتين وستين وثلاثمائة بنيسابور وهو ابن اثنتين وتسعين سنة، ودفن بمقبرة باب معمر، وكان شيخ خراسان ووجهها وعينها في عصره. سمع بنيسابور أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة وأبا العباس محمد بن إسحاق السراج وأبا العباس أحمد بن محمد الماسرجسي، وبكور الأهواز عبدان بن أحمد بن موسى الجواليقي الحافظ والحسين بن بهار وعليّ بن سعيد العسكري. سمع منه الحفاظ مثل أبي علي النيسابوري وأبي الحسين محمد بن محمد بن الحجاجي وأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن البيع الحافظ وذكره في «التاريخ» وقال: ولد أبو العباس بنيسابور، فلما قلد أمير المؤمنين المقتدر بالله أباه عبد الله بن محمد الأعمال بكور الأهواز حمل إلى حضرة أبيه، فاستدعى أبا بكر محمد بن الحسن بن دريد لتأديبه، فأجيب إليه إيجابا له، وبعث بأبي بكر الدريدي إليه فهو كان مؤدبه، وكان واحد عصره. وفي عبد الله بن محمد بن ميكال وابنه أبي العباس قال الدريدي قصيدته المشهورة «١» في الدنيا التي مدحهم بها.
ثم قال الحاكم: سمعت أبا العباس وسئل عن مقصورة الدريدي يقول:
стр. 722
أنشدنيها مؤدبي أبو بكر الدريدي ثم قرأتها عليه مرارا، فسألناه أن ينشدناها فقال:
أنشدنا أبو بكر ابن دريد «١» :
إمّا تري رأسي حاكى لونه
إلى أن بلغ إلى الأبيات التي مدحهم الدريدي فيها، فقال: هذه الأبيات قد ذكرنا فيها، فلو أنشدها بعضكم، فقرأها عليه أبو منصور الفقيه وأقرّ بها وهي «٢» :
إنّ العراق لم أفارق أهله ... عن شنآن صدّني ولا قلى
إلى أن بلغ قوله:
لا زال شكري لهما مواصلا ... دهري أو يعتاقني صرف المنى «٣»
إلى ها هنا قرىء عليه، ثم أنشدنا لفظا إلى آخرها، وذلك في شهر رمضان سنة ست وأربعين وثلاثمائة.
قال الحاكم: سمعت أبا بكر محمد «٤» بن إبراهيم الجوري الأديب وهو يحدثنا عن أبي بكر ابن دريد، قلت له: أين كتبت عنه ولم تدخل العراق؟ قال: كتبت عنه بفارس لما قدم على عبد الله بن محمد بن ميكال لتأديب ولده أبي العباس، فقلت له: أبو العباس إذ ذاك صبي؟ فقال: لا والله إلا رجل إمام في الأدب والفروسية بحيث يشار إليه.
قال: وسمعت أبا عبد الله محمد بن الحسين الوضاحي يقول «٥» : سمعت أبا العباس ابن ميكال يذكر صلة الدريدي في إنشائه المقصورة فيهم؛ قال الوضاحي:
فقلت له: وأيش الذي وصل إليه من خاصة الشيخ؟ فقال: لم تصل يدي إذ ذاك إلا إلى ثلاثمائة دينار صببتها في طبق كاغد ووضعتها بين يديه.
قال: وسمع الميكالي من عبدان الاهوازي، وسمع «الموطأ» لمالك بن أنس، وسمع لما عاد إلى نيسابور من أبي بكر محمد بن خزيمة وأبي العباس الثقفي
стр. 723
والماسرجسي وأقرانهم وحدث بضع عشرة سنة إملاء وقراءة. وروى عنه أبو علي الحافظ في مصنفاته وأبو الحسين الحجاجي ومشايخنا ﵃.
قال الحاكم: سمعت أبا محمد عبد الله بن إسماعيل يقول [قال أبي] : لما توفي أبي عبد الله بن ميكال أمر أمير المؤمنين أن أقلّد الأعمال التي كان يتقلّدها أبي، فأمر لي باللواء والخلعة، وأخرج في ذلك خادما من خواصّ الخدم، وكوتبت فيه فبكيت واستعفيت، والناس يتعجبون من ذلك، وقلت: لي بخراسان معاش أرجع إليه. فلما انصرفت إلى نيسابور جاءني أبو نصر ابن أبي حية غداة جمعة فقال: ينبغي ان تتأهب للركوب إلى الرئيس أبي عمرو الخفاف، فإنّ هذا رسم مشايخ البلد معه، فركبت معه إليه فلم يتحرك لي، فخرجت من عنده وأنا أبكي، فقال لي أبو نصر: ما الذي أبكاك؟ فقلت: سبحان الله، رددت على المقتدر الولاية بفارس وخوزستان وانصرفت إلى نيسابور حتى أزور أبا عمرو الخفاف فلا يتحرك لي؟ فقال لي: لا تغتمّ بهذا واعمل على الخروج إلى هراة فإن والي خراسان أحمد بن إسماعيل بها، وإذا رآك وضربك بالصولجان وعلم محلّك أجلسك على رقاب كلّ من بنيسابور. فتأهبت وأصلحت هدية له، وخرجت إلى هراة، فوصلت إلى خدمة السلطان ورضي خدمتي ودعاني إلى الصولجان ورضي مقامي، فلما استأذنت للانصراف عرض عليّ أعمالا جليلة فامتنعت عنها، فزوّدوني بجهاز وخلع، وكان الأمر على ما ذكره أبو نصر ابن أبي حية.
قال: وسمعت أبا عبد الله ابن أبي ذهل يقول: قال لي الوزير أبو جعفر أحمد بن الحسين العتبي: لما أجلسني الأمير الرشيد هذا المجلس نظرت إلى جميع أهل خراسان ممن يؤهل للجلوس معي في مجلس السلطان- أيده الله- فلم أجد فيهم أجلّ من أبي العباس ابن ميكال، فسألت السلطان استحضاره، فلما حضر امتنع من تقلّد العمل، فقلت له: ديوان الرسائل هو قضاء القضاة أمر منوط بالعلم والعلماء، فتقلد ديوان الرسائل، فصار جليسي في مجلس السلطان، وكان على كره من أبي العباس.
قال: وسمعت أبا يحيى حماد بن الحمادي يقول: لما قلد أبو العباس ابن ميكال أمر أن يغير زيه من التعمّم تحت الحنك والرداء وغير ذلك فلم يفعل، وراجع
стр. 724
السلطان فيه حتى أذن فيه، فكان يجلس في الديوان متطلّسا متعمما تحت الحنكة.
قال: وسمعت قاضي القضاة أبا الحسن محمد بن صالح الهاشمي يذكر آثار الميكالية ببغداد، ويصف إنشاء ابن ميكال، فوصف له بعض أحوالهم بخراسان فقال: آثارهم عندنا بالعراق أكثر منها بخراسان لأنهم ناقلة من عندنا إلى خراسان.
[٢٤٤]
إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي ذؤيب السدّي الأعور
، وقيل عبد الرحمن بن أبي كريمة، مولى زينب بنت قيس بن مخرمة من بني عبد مناف: حجازي الأصل سكن الكوفة، مات سنة سبع وعشرين ومائة في أيام بني أمية في ولاية مروان بن محمد. روى عن أنس بن مالك وعبد خير «١» وأبي صالح «٢» ورأى ابن عمر. وهو السدّي الكبير، وكان ثقة مأمونا. روى عنه الثوري وشعبة «٣» وزائدة «٤» وسماك بن حرب وإسماعيل بن أبي جذيمة وسليمان التيمي «٥» . وكان ابن أبي خالد إسماعيل يقول: السديّ أعلم بالقرآن من الشعبي.
وقال أبو بكر ابن مردويه الحافظ: إسماعيل بن عبد الرحمن السدي يكنى أبا محمد، صاحب التفسير، إنما سمّي السدي لأنه نزل بالسدة، كان أبوه من كبار أهل أصبهان، أدرك جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم: سعد بن أبي وقاص وأبو
стр. 725
سعيد الخدري وابن عمر وأبو هريرة وابن عباس. وقال غيره: نسب السدّي إلى بيع الخمر- يعني المقانع- في سدة الجامع- يعني باب الجامع. وقال الفلكي: إنما سمّي السدي لأنه كان يجلس بالمدينة في موضع يقال له السّدّ.
وكان شريك يقول: ما ندمت على رجل لقيته أن لا أكون كتبت كلّ شيء لفظ به الا السدّي. قال يحيى بن سعيد: ما سمعت أحدا يذكر السدّيّ إلا بخير.
ومحمد بن مروان بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي «١» من أهل الكوفة، يروي عن الكلبي صاحب التفسير وداود بن أبي هند وهشام بن عروة، روى عنه ابنه علي ويوسف بن عديّ والعلاء بن عمرو وأبو إبراهيم الترجماني وغيرهم، وهو السدي الصغير. وكان يحيى بن معين يقول: السدي الصغير محمد بن مروان صاحب التفسير ليس بثقة. وقال البخاري: محمد بن مروان الكوفي صاحب الكلبيّ لا يكتب حديثه ألبتة. وسئل أبو علي صالح جزرة «٢» عنه فقال: كان ضعيفا وكان يضع الحديث، وكلّ ضعّفه.
وذكر الحافظ أبو نعيم في «تاريخ أصبهان» «٣» من تصنيفه قال: إسماعيل بن عبد الرحمن الأعور يعرف بالسدّي صاحب التفسير، كان أبوه عبد الرحمن يكنى أبا كريمة «٤» من عظماء أهل أصبهان، توفي في ولاية مروان، وذكر كما تقدم «٥» ، وكان عريض اللحية إذا جلس غطى لحيته صدره، قيل إنه رأى سعد بن أبي وقاص.
وقال أبو نعيم باسناده: إن السدّي قال: هذا التفسير أخذته عن ابن عباس، فإن كان صوابا فهو قاله، وان كان خطأ فهو قاله. قال أبو نعيم فيما رفعه إلى السدي أنه قال: رأيت نفرا من أصحاب النبي ﷺ منهم: أبو سعيد الخدري وأبو هريرة وابن عمر، كانوا يرون أنه ليس أحد منهم على الحال التي فارق عليها محمدا إلا عبد الله بن عمر.
стр. 726
[٢٤٥]
إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل
بن إبراهيم بن عامر بن عابد، أبو عثمان الصابوني: مات في ثالث محرم سنة تسع وأربعين وأربعمائة. قال عبد الغافر: هو الاستاذ الإمام شيخ الاسلام أبو عثمان الصابوني الخطيب المفسر المحدث الواعظ، أوحد وقته في طريقته، وكان أكثر أهل العصر من المشايخ سماعا وحفظا ونشرا لمسموعاته وتصنيفاته وجمعا وتحريضا على السماع وإقامة لمجالس الحديث. سمع الحديث بنيسابور من أبي العباس البالوني «١» وأبي سعيد [محمد بن الحسين بن موسى] السمسار، وبهراة من أبي بكر أحمد بن إبراهيم القرّاب «٢» وأبي معاذ شاه بن عبد الرحمن «٣» وسمع بالشام والحجاز ودخل معرة النعمان فلقي بها أبا العلاء أحمد بن سليمان، وسمع بالجبال وغيرها من البلاد، وحدّث بنيسابور وخراسان إلى غزنة وبلاد الهند وجرجان وآمل وطبرستان وبالشام وبيت المقدس والحجاز. روى عنه أبو عبد الله القارىء وأبو صالح المؤذن.
ومن «تاريخ دمشق» ان الصابوني وعظ للناس ستين «٤» سنة، قال: وله شعر منه «٥» :
ما لي أرى الدهر لا يسخو بذي كرم ... ولا يجود بمعوان ومفضال
ولا أرى أحدا في الناس مشتريا ... حسن الثناء بانعام وإفضال
صاروا سواسية في لؤمهم شرعا ... كأنما نسجوا فيه بمنوال
стр. 727
وذكر من فضله كثيرا ثم قال: ومولده ببوشنج للنصف من جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، وذكر وفاته كما تقدم.
[٢٤٦]
إسماعيل بن علي بن إسماعيل بن يحيى بن بنان الخطبي
أبو محمد: سمع الحارث بن أبي أسامة والكديمي «١» وعبد الله بن أحمد «٢» وغيرهم. وروى عنه الدارقطني وابن شاهين وابن رزقويه، وكان ثقة فاضلا نبيلا فهما عارفا بأيام الناس وأخبار الخلفاء، وصنف تاريخا كبيرا على ترتيب السنين، وكان عالما بالأدب ركينا عاقلا ذا رأي ويتحرّى الصدق. ولد الخطبي في محرم سنة تسع وتسعين ومائتين ومات في جمادى الآخرة سنة خمسين وثلاثمائة في خلافة المطيع لله.
حدث الخطيب قال «٣» : سمعت الأزهري يقول: جاء أبو بكر ابن مجاهد وإسماعيل الخطبي إلى منزل أبي عبد الصمد الهاشمي فقدم إسماعيل أبا بكر، فتأخر أبو بكر وقدّم إسماعيل، فلما استأذن إسماعيل أذن له فقال له: أدخل ومن أنا معه «٤» ؟
وحدث عن [أبي] الحسن ابن رزقويه عن إسماعيل الخطبي قال: وجّه إليّ الراضي بالله ليلة عيد فطر فحملت إليه راكبا بغلة، فدخلت عليه وهو جالس في الشموع، فقال لي: يا إسماعيل إني قد عزمت في غد على الصلاة بالناس في المصلّى فما أقول إذا انتهيت في الخطبة إلى الدعاء لنفسي؟ قال: فأطرقت ثم قلت:
стр. 728
يقول أمير المؤمنين: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين
(النمل: ١٩) فقال:
حسبك، ثم أمرني بالانصراف وأتبعني بخادم فدفع إليّ خريطة فيها أربعمائة دينار وكانت الدنانير خمسمائة فأخذ الخادم منها لنفسه مائة، [أو] كما قال.
[٢٤٧]
إسماعيل بن علي الحظيري
-[والحظيرة] من أعمال دجيل ثم من ناحية نهر تاب-: كان فاضلا متميزا لسنا ذا بلاغة وبراعة، وله في ذلك تصانيف معروفة متداولة، إلا أنّ الخمول كان عليه غالبا. قدم بغداد، وقرأ الأدب على أبي محمد إسماعيل بن أبي منصور موهوب بن الخضر الجواليقي وعلى أبي البركات عبد الرحمن بن الأنباري وعلى علي بن عبد الرحمن السلمي بن العصار، وأدرك ابن الخشاب أبا محمد وأخذ عنه علما جما، وقرأ على أبي الغنائم ابن حبشي، وكان ورعا زاهدا تقيا، رحل إلى الموصل وأقام بها في دار الحديث عدة سنين، ثم اشتاق إلى وطنه فرجع إلى بغداد فمات بها في صفر سنة ثلاث وستمائة. وله تصانيف ورسائل مدوّنة وخطب وديوان شعر وكتاب جيّد في علم القراءة، رأيته. ومن شعره:
لا عالم يبقى ولا جاهل ... ولا نبيه لا ولا خامل
على سبيل مهيع لاحب ... يودي أخو اليقظة والغافل
стр. 729
[٢٤٨]
إسماعيل بن عيسى بن العطار أبو إسحاق:
من أهل السير، بغدادي روى عنه الحسن بن علويه. ذكره محمد بن اسحاق النديم وقال: له من الكتب كتاب المبتدأ
. [٢٤٩]
اسماعيل بن القاسم بن عيذون بن هارون بن عيسى
بن محمد بن سليمان المعروف بالقالي، أبو علي البغدادي مولى عبد الملك بن مروان: ولد بمنازجرد «١» من ديار بكر، ودخل بغداد سنة ثلاث وثلاثمائة وأقام بها إلى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، مات بقرطبة في ربيع الآخر سنة ست وخمسين وثلاثمائة ومولده في سنة ثمانين ومائتين، وفي أيام الحكم المستنصر كانت وفاته. سمع من أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي وأبي سعيد الحسين «٢» بن علي بن زكرياء بن يحيى بن صالح بن عاصم بن زفر العدوي وأبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وقرأ على أبي بكر ابن دريد وأبي بكر ابن السراج وأبي عبد الله نفطويه وأبي إسحاق الزجاج وأبي الحسن علي بن سليمان الأخفش وأبي عمر الزاهد، وقرأ كتاب سيبويه على ابن درستويه «٣» وسأله عنه حرفا حرفا. وأما نسبته فإنه منسوب
стр. 730
إلى قالي قلا، بلد من أعمال أرمينية. قال القالي «١» . لما دخلت [بغداد] انتسبت إلى قالي قلا رجاء الانتفاع بذلك لأنها ثغر من ثغور المسلمين لا يزال بها المرابطون.
فلما تأدّب ببغداد ورأى أنه لا حظّ له بالعراق قصد بلاد الغرب، فوافاها في أيام المتلقب بالحكم المستنصر «٢» بالله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف- قالوا: وهذا أول من دعي من هؤلاء بالغرب أمير المؤمنين «٣» ، إنما كان المتولون قبله يدعون ببني الخلائف-. فوفد القالي إلى الغرب في سنة ثلاثين وثلاثمائة، فأكرمه صاحب الغرب وأفضل عليه إفضالا عمّه، وانقطع هناك بقية عمره، وهناك أملى كتبه أكثرها عن ظهر قلب: منها كتاب الأمالي، معروف بيد الناس كثير الفوائد غاية في معناه؛ قال أبو محمد ابن حزم: كتاب نوادر أبي علي مبار للكتاب «الكامل» الذي جمعه المبرد، ولئن كان كتاب أبي العباس أكثر نحوا وخبرا فإن كتاب أبي علي أكثر لغة وشعرا. وكتاب الممدود والمقصور رتّبه على التفعيل ومخارج الحروف من الحلق، مستقصى في بابه لا يشذّ منه شيء في معناه، لم يوضع مثله. وكتاب الإبل ونتاجها وما تصرف معها. وكتاب حلي الانسان والخيل وشياتها. وكتاب فعلت وأفعلت. كتاب مقاتل الفرسان. كتاب تفسير السبع الطوال. كتاب البارع في اللغة على حروف المعجم، جمع فيه كتب اللغة، يشتمل على ثلاثة آلاف ورقة، قال الزبيدي «٤» : ولا نعلم أحدا من المتقدمين ألّف مثله. قرأت بخط أبي بكر محمد بن طرخان بن الحكم قال الشيخ الإمام أبو محمد [ابن] العربي: كتاب البارع لأبي علي القالي يحتوي على مائة مجلد لم يصنّف مثله في الإحاطة والاستيعاب؛ إلى كتب كثيرة ارتجلها وأملاها عن ظهر قلب كلها. قال الحميدي «٥» : وممن روى عن القالي
стр. 731
أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي النحوي صاحب كتاب «مختصر العين» و «أخبار النحويين» وكان حينئذ إماما في الأدب، ولكن عرف فضل أبي علي فمال إليه واختصّ به واستفاد منه وأقرّ له.
قال الحميدي «١» : وكان أقام ببغداد خمسا وعشرين سنة ثم خرج منها قاصدا إلى المغرب سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ووصل إلى الأندلس في سنة ثلاثين وثلاثمائة في أيام عبد الرحمن الناصر، وكان ابنه الأمير أبو العاص الحكم بن عبد الرحمن من أحبّ ملوك الأندلس للعلم وأكثرهم اشتغالا به وحرصا عليه، فتلقاه بالجميل وحظي عنده وقرب منه وبالغ في إكرامه، ويقال إنه هو الذي كتب إليه ورغّبه في الوفود عليه.
واستوطن قرطبة ونشر علمه بها.
قال «٢» : وكان إماما في علم العربية متقدما فيها متقنا لها، فاستفاد الناس منه وعوّلوا عليه، واتخذوه حجة فيما نقلوه. وكانت كتبه على غاية التقييد والضبط والاتقان. وقد ألّف في علمه الذي اختصّ به تآليف مشهورة تدلّ على سعة علمه وروايته. وحدّث عنه جماعة منهم أبو محمد عبد الله بن الربيع بن عبد الله التميمي، ولعله آخر من حدث عنه، وأحمد بن أبان بن سيد، والزبيدي كما ذكرنا آنفا. قال:
وكان أعلم الناس بنحو البصريين وأرواهم للشعر مع اللغة.
قال الزبيدي «٣» : وسألته لم قيل له القالي فقال: لما انحدرنا إلى بغداد كنّا في رفقة فيها أهل قالي قلا، وهي قرية من قرى منازجرد، وكانوا يكرمون لمكانهم من الثغر، فلما دخلت بغداد نسبت إليهم لكوني معهم، وثبت ذلك عليّ.
قال الحميدي «٤» : وكان الحكم المستنصر قبل ولايته الأمور وبعد أن صارت إليه يبعثه على التأليف، وينشطه بواسع العطاء، ويشرح صدره بالإجزال في الإكرام.
... وكانوا يسمونه بالبغدادي لكثرة مقامه [بها] ووصوله إليهم منها.
قال السلفي بإسناد له: أخبرنا القاضي أبو الحكم منذر بن سعيد البلوطي قال:
стр. 732
كتبت إلى أبي علي البغدادي القالي أستعير منه كتابا من «الغريب» وقلت:
بحقّ ريم مهفهف ... وصدغه المتعطّف
ابعث إليّ بجزء ... من «الغريب المصنّف»
قال فأجابني وقضى حاجتي:
وحقّ درّ تألّف ... بفيك أيّ تألّف
لأبعثن بما قد ... حوى الغريب المصنف
ولو بعثت بنفسي ... إليك ما كنت أسرف
[٢٥٠]
إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن صالح بن عبد الرحمن
الصفار أبو علي: علامة بالنحو واللغة، مذكور بالثقة والأمانة، صحب المبرد صحبة اشتهر بها وروى عنه، وسمع الكثير وروى الكثير، أدركه الدارقطني وقال: هو ثقة، صام أربعة وثمانين رمضان، وكان متعصّبا للسنة، مات فيما ذكره الخطيب سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة ومولده سنة تسع وأربعين ومائتين، ودفن مقابل «١» قبر معروف الكرخي، بينهما عرض الطريق، دون قبر أبي بكر الأدمي وأبي عمر الزاهد. قال أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني: أنشدني الصفار لنفسه:
إذا زرتكم لقّيت أهلا ومرحبا ... وإن غبت حولا لا أرى منكم رسلا
وإن جئت لم أعدم ألا قد جفوتنا ... وقد كنت زوّارا فما بالنا نقلى
أفي الحقّ أن أرضى بذلك منكم ... بل الضيم أن أرضى بذا منكم فعلا
ولكنّني أعطي صفاء مودّتي ... لمن لا يرى يوما عليّ له فضلا
стр. 733
واستعمل الانصاف في الناس كلهم ... فلا أصل الجافي ولا أقطع الحبلا
وأخضع لله الذي هو خالقي ... ولن أعطي المخلوق من نفسي الذلّا
[٢٥١]
إسماعيل بن محمد بن أحمد الوثّابي أبو طاهر:
من أهل أصبهان، له معرفة تامّة بالأدب وطبع جواد بالشعر مات في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة.
قال السمعاني- ومن خطّه نقلت: ما رأيت بأصفهان في صنعة الشعر والترسّل أفضل منه، أضرّ في آخر عمره وافتقر، وظهر الخلل في أحواله حتى كاد أن يختلط.
دخلت عليه داره بأصفهان، وما رأيت أسرع بديهة منه في النظم والنثر، اقترحت عليه رسالة فقال لي: خذ القلم واكتب، وأملى عليّ في الحال بلا تروّ ولا تفكّر كأحسن ما يكون، إلّا أني سمعت الناس يقولون إنه يخل بالصلوات المفروضة، والله أعلم بحاله.
وأنشد عنه السمعاني أشعارا له منها:
أشاعوا فقالوا وقفة ووداع ... وزمّت مطايا للرحيل سراع
فقلت وداع لا أطيق عيانه ... كفاني من البين المشتّ سماع
ولم يملك الكتمان قلب ملكته ... وعند النوى سرّ الكتوم مذاع
وأنشد عنه له:
فو الله لا أنسى مدى الدهر قولها ... ونحن على حدّ الوداع وقوف
وللنار من تحت الضلوع تلهّب ... وللماء من فوق الخدود وكيف
ألا قاتل الله الصروف فإنما ... تفرّق بين الصاحبين صروف
وأنشد له عنه أيضا:
طابت لعمري على الهجران ذكراها ... كأنّ نفسي ترى الحرمان إكراها «١»
стр. 734
تحيا بيأس وتفنيها طماعية ... هل مهجة برد يأس الوصل أحياها
قامت لها دون دعوى الحبّ بيّنة ... بشاهدين أبانا صدق دعواها
إرسال شكوى وإجراء الدموع معا ... وإن تحققت مجراها ومرساها
وأنشد عنه له من قصيدة:
فعج صاح بالعوج الطّلاح إلى الحمى ... وزر أثلات القاع طال بها العهد
تعوّض عينا بعد عين أوانسا ... وتوحش أحشاء تضمّنها الوجد
وما ساءني وجد ولا ضرّني هوى ... كما ساءني هجر تعقّبه صدّ
تبصّر خليلي من ثنيّة بارق ... بريقا كسقط النار عالجه الزند
يدقّ وأحيانا يرقّ ويرتقي ... ويخفى كرأي الغمر امضاؤه ردّ
فتقضى بها من ذكر حزوى لبانة ... ويطفى بها من نار وجد بها وقد
وإن كان عهد الوصل أضحى نسيئة ... فهاك دليل البرق أن عهده نقد
وشم لي نسيم الريح من أفق الحمى ... فقد عبق الوادي وفاح بها الرند
[٢٥٢]
إسماعيل بن محمد بن عبدوس الدهان، أبو محمد النيسابوري
: أنفق ماله على الأدب فتقدّم فيه، وبرع في علم اللغة والنحو العروض، وأخذ عن إسماعيل بن حماد الجوهري فاستكثر منه، وحصّل كتابه «كتاب الصحاح» في اللغة بخطّه، واختص بالأمير أبي الفضل الميكالي ومدحه وأباه بشعر كثير ثم آثر «١» الزهد والإعراض عن أعراض الدنيا، وقال لما أزمع الحج والزيارة:
أتيتك راجلا «٢» ووددت أني ... ملكت سواد عيني أمتطيه
وما لي لا أسير على المآقي ... إلى قبر رسول الله فيه
стр. 735
وله أيضا:
أيا خير مبعوث إلى [خير] أمة ... نصحت وبلّغت الرسالة والوحيا
فلو كان في الإمكان سعي بمقلتي ... إليك رسول الله أفنيتها سعيا
وله أيضا:
عبد عصى ربّه ولكن ... « [ليس] سوى واحد» يقول
إن لم يكن فعله جميلا ... فإنما ظنّه جميل
وقال لصديق له:
نصحتك يا أبا إسحاق فاقبل ... فإني ناصح لك ذو صداقه
تعلّم ما بدا لك من علوم ... فما الإدبار إلّا في الوراقه
قال: وسألني أن أورد شيئا من أشعاره في الغزل والمديح في كتابي هذا، فانتهيت في ذلك إلى رواية [ ... ] «١» .
[٢٥٣]
إسماعيل بن محمد القمي النحوي:
ذكره ابن النديم فقال: له من التصانيف كتاب الهمز. كتاب العلل.
[٢٥٤]
إسماعيل بن محمد بن عامر بن حبيب أبو الوليد «٢»
الكاتب باشبيلية: له ولأبيه قدم في الأدب وله شعر كثير يقوله بفضل أدبه، وله كتاب في فصل الربيع. مات
стр. 736
أبو الوليد ابن محمد بن عامر قريبا من سنة أربعين وأربعمائة با شبيلية؛ ومن شعره في الربيع:
أبشر فقد سفر الثرى عن بشره ... وأتاك ينشر ما طوى من نشره
متحصّنا من حسنه في معقل ... عقل العيون على رعاية زهره
فضّ الربيع ختامه فبدا لنا ... ما كان من سرّائه في سرّه
من بعد ما سحب السحاب ذيوله ... فيه ودرّ عليه أنفس درّه
[فاشكر لآذار بدائع ما ترى ... من حسن منظره النضير وخبره]
شهر كأنّ الحاجب ابن محمد ... ألقى عليه مسحة من بشره
[٢٥٥]
إسماعيل بن مجمع الأخباري
: ذكره محمد بن إسحاق النديم فقال: هو أحد أصحاب السير والأخبار، ومعروف بصحبة الواقديّ المختصّ به، مات سنة سبع وعشرين ومائتين. له من التصنيف كتاب أخبار النبي ﷺ ومغازيه وسراياه.
[٢٥٦]
إسماعيل بن موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر بن الجواليقي
: يكنى أبا محمد، كان إمام أهل الأدب بعد أبيه أبي منصور بالعراق، واختص بتأديب ولد الخلفاء، مات في شوال سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وكان مليح الخطّ جيّد الضبط، يشبه خطّه خطّ والده، وكانت له معرفة حسنة باللغة والأدب، وكانت له حلقة بجامع القصر يقرىء فيها الأدب كلّ جمعة. سمع منه ابن الأخضر وابن حمدون
стр. 737
الحسن تاج الدين «١» وغيرهما، ومولده في شعبان سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وكان بينه وبين أخيه إسحاق في المولد سنة ونصف وفي الوفاة ثلاثة أشهر.
حدثت أن أبا الحسن جعفر بن محمد بن فطيرا ناظر واسط والبصرة وما بينهما من تلك النواحي دخل يوما إلى بعض الوزراء في أيام المستضيء بالله- سقى الله عهوده صوب الرضوان- فرأى في مجلسه الذي كان يجلسه رجلا لم يعرفه فهابه، وجلس بين يدي الوزير، وكان ابن فطيرا معروفا بالمزاح والنادرة، فتقدم حتى قال للوزير مسارّا:
يا مولانا من هذا الذي قد جلس في مجلسي؟ فقال: هذا الشيخ الإمام أبو محمد ابن الجواليقي. فقال: وأيّ أرباب المناصب هو؟ قال: ليس هو من أرباب المناصب، هذا هو الإمام الذي يصلّي بأمير المؤمنين صلوات الله عليه وسلامه؛ قال: فقام مبادرا وأخذ بيده وأزاحه عن موضعه وجلس في منصبه وقال له: أيها الشيخ أنت ينبغي أن تتشامخ أمام الوزير «٢» ومن دونه فتجلس فوقهم، لأنك أعلى منه منزلة، فأما عليّ أنا، وأنا ناظر واسط والبصرة وما بينهما فلا، قال: فما تمالك أهل المجلس من الضحك أن يمسكوه.
[٢٥٧]
إسماعيل بن أبي محمد يحيى بن المبارك اليزيدي
: نذكر نسبه وولادته في ترجمة أبيه يحيى «٣» إن شاء الله تعالى وحده؛ وكان إسماعيل أحد الأدباء الرواة الفضلاء من ولد أبيه، وكان شاعرا مصنفا صنّف «كتاب طبقات الشعراء» . فنقلت من خطّ عمر بن محمد بن سيف الكاتب، أنشدنا اليزيدي أبو عبد الله يعني محمد بن العباس بن محمد بن أبي محمد بعد فراغه من «كتاب الوحوش» لعم أبيه إسماعيل بن
стр. 738
أبي محمد اليزيدي:
كلّما رابني من الدهر ريب ... فاتكالي عليك يا ربّ فيه
إنّ من كان ليس يدري أفي ... المحبوب صنع له أو المكروه
لحريّ بأن يفوّض ما يعجز ... عنه إلى الذي يكفيه
الإله البرّ الذي هو في الرأفة ... أحنى من أمّه وأبيه
قعدت بي الذنوب أستغفر الله ... لها مخلصا وأستوفيه «١»
كم يوالي لنا الكرامة و ... النعمة من فضله وكم نعصيه
ومن شعره عن المرزباني:
أتت ثمانون فاستمرّت ... بالنقص من قوتي وعزمي
فرقّ جلدي ودقّ عظمي ... واختلّ بعد التمام جسمي
يا ليت أني صحبت دهري ... صحبة ذي تهمة وحزم
من لم يكن عاملا «٢» بعلم ... رواه لم ينتفع بعلم
وقال يرثي علي بن يحيى المنجم ومات علي في سنة خمس وسبعين وثلاثمائة:
مات السماح ومات الجود والكرم ... إذ ضمّ شخص عليّ ذلك الرجم «٣»
سقّيت من جدث أنبل «٤» بساكنه ... غيثا ملثّا توالي صوبه الديم
عادت لنا بعدك الأيام مظلمة ... وكنت ضوءا لها تجلى به الظلم
كان الزمان فتيا مشرقا نضرا «٥» ... فاليوم أخلقه من بعدك الهرم
قد كنت للخلق في حاجاتهم علما ... يفرّج الهمّ عنهم ذلك العلم
стр. 739
[٢٥٨]
الأغر أبو الحسن
: ذكره أبو بكر الزبيدي في نحاة مصر وقال: أخذ عن أبي الحسن علي بن حمزة الكسائي، ولقيه قوم من أهل الأندلس وحملوا عنه في سنة سبع وعشرين ومائتين.
[٢٥٩]
أمان بن الصمصامة بن الطرماح بن حكيم بن الحكم
بن نفر بن قيس بن جحدر بن ثعلبة بن عبد رضا بن مالك بن أمان بن عمرو بن ربيعة بن جرول بن ثعل بن عمرو بن الغوث أبي طيء، والطرماح الشاعر المشهور، ويكنى أمان هذا أبا مالك، واطّرحه ابن الأغلب إذ صار إليه الأمر لهجاء جدّه الطرماح بني تميم.
قال أبو الوليد المهري «١» : أبطأت على أبي مالك وكان مريضا فكتب إليّ:
أبلغ المهريّ عني مألكا ... أن دائي قد أصار المخّ ريرا
كنت في المرضى مريضا مطلقا ... ولقد أصبحت في المرضى أسيرا
فإذا ما متّ فانعم سالما ... وتملّ العيش في الدنيا كثيرا
وأخذ عنه المهري جزءا من النحو واللغة والشعر.
стр. 740
[٢٦٠]
أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت، أبو الصلت
: من أهل الأندلس كان أديبا فاضلا حكيما منجما، مات في سنة تسع وعشرين وخمسمائة في المحرم بالمهدية من بلاد القيروان، وهو صاحب فصاحة بارعة وعلم بالنجوم والطب، وكان قد ورد إلى مصر في أيام المسمّى بالآمر من ملوك مصر، واتصل بوزيره ومدبّر دولته الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر، واشتمل عليه رجل من خواصّ الأفضل يعرف بمختار ويلقب بتاج المعالي، وكانت منزلته عند الأفضل عالية، ومكانته منه بالسعد حالية، فيحسنت حال أمية عنده، وقرب من قلبه وخدمه بصناعتي الطب والنجوم، وأنس تاج المعالي منه بالفضل الذي لا يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فوصفه بحضرة الأفضل وأثنى عليه، وذكر ما سمعه من أعيان أهل العلم وإجماعهم على تقدمه في الفضل وتميزه عن كتّاب وقته. وكان كاتب حضرة الأفضل يومئذ رجل قد حمى هذا الباب، ومنع من أن يمرّ بمجلسه ذكر أحد من أهل العلم بالأدب، إلا أنه لم يتمكن من معارضة قول تاج المعالي، فأغضى على قذى، وأضمر لأبي الصلت المكروه، وتتابعت من تاج المعالي سقطات «١» أفضت إلى تغيّر الأفضل والقبض عليه والاعتقال، فوجد حينئذ السبيل إلى أبي الصلت بما اختلق له من المحال، فحبسه الأفضل في سجن المعونة بمصر مدة ثلاث سنين وشهر واحد على ما أخبرني به الثقة عنه «٢» ، ثم أطلق فقصد المرتضى أبا طاهر يحيى بن تميم بن المعز بن باديس صاحب القيروان، فحظي عنده وحسن حاله معه. وقد ذكر ذلك في رسالة له يذمّ فيها مصر ويصف