أبو الوليد ابن محمد بن عامر قريبا من سنة أربعين وأربعمائة با شبيلية؛ ومن شعره في الربيع:
أبشر فقد سفر الثرى عن بشره ... وأتاك ينشر ما طوى من نشره
متحصّنا من حسنه في معقل ... عقل العيون على رعاية زهره
فضّ الربيع ختامه فبدا لنا ... ما كان من سرّائه في سرّه
من بعد ما سحب السحاب ذيوله ... فيه ودرّ عليه أنفس درّه
[فاشكر لآذار بدائع ما ترى ... من حسن منظره النضير وخبره]
شهر كأنّ الحاجب ابن محمد ... ألقى عليه مسحة من بشره
[٢٥٥]
إسماعيل بن مجمع الأخباري
: ذكره محمد بن إسحاق النديم فقال: هو أحد أصحاب السير والأخبار، ومعروف بصحبة الواقديّ المختصّ به، مات سنة سبع وعشرين ومائتين. له من التصنيف كتاب أخبار النبي ﷺ ومغازيه وسراياه.
[٢٥٦]
إسماعيل بن موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر بن الجواليقي
: يكنى أبا محمد، كان إمام أهل الأدب بعد أبيه أبي منصور بالعراق، واختص بتأديب ولد الخلفاء، مات في شوال سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وكان مليح الخطّ جيّد الضبط، يشبه خطّه خطّ والده، وكانت له معرفة حسنة باللغة والأدب، وكانت له حلقة بجامع القصر يقرىء فيها الأدب كلّ جمعة. سمع منه ابن الأخضر وابن حمدون
стр. 737
الحسن تاج الدين «١» وغيرهما، ومولده في شعبان سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وكان بينه وبين أخيه إسحاق في المولد سنة ونصف وفي الوفاة ثلاثة أشهر.
حدثت أن أبا الحسن جعفر بن محمد بن فطيرا ناظر واسط والبصرة وما بينهما من تلك النواحي دخل يوما إلى بعض الوزراء في أيام المستضيء بالله- سقى الله عهوده صوب الرضوان- فرأى في مجلسه الذي كان يجلسه رجلا لم يعرفه فهابه، وجلس بين يدي الوزير، وكان ابن فطيرا معروفا بالمزاح والنادرة، فتقدم حتى قال للوزير مسارّا:
يا مولانا من هذا الذي قد جلس في مجلسي؟ فقال: هذا الشيخ الإمام أبو محمد ابن الجواليقي. فقال: وأيّ أرباب المناصب هو؟ قال: ليس هو من أرباب المناصب، هذا هو الإمام الذي يصلّي بأمير المؤمنين صلوات الله عليه وسلامه؛ قال: فقام مبادرا وأخذ بيده وأزاحه عن موضعه وجلس في منصبه وقال له: أيها الشيخ أنت ينبغي أن تتشامخ أمام الوزير «٢» ومن دونه فتجلس فوقهم، لأنك أعلى منه منزلة، فأما عليّ أنا، وأنا ناظر واسط والبصرة وما بينهما فلا، قال: فما تمالك أهل المجلس من الضحك أن يمسكوه.
[٢٥٧]
إسماعيل بن أبي محمد يحيى بن المبارك اليزيدي
: نذكر نسبه وولادته في ترجمة أبيه يحيى «٣» إن شاء الله تعالى وحده؛ وكان إسماعيل أحد الأدباء الرواة الفضلاء من ولد أبيه، وكان شاعرا مصنفا صنّف «كتاب طبقات الشعراء» . فنقلت من خطّ عمر بن محمد بن سيف الكاتب، أنشدنا اليزيدي أبو عبد الله يعني محمد بن العباس بن محمد بن أبي محمد بعد فراغه من «كتاب الوحوش» لعم أبيه إسماعيل بن
стр. 738
أبي محمد اليزيدي:
كلّما رابني من الدهر ريب ... فاتكالي عليك يا ربّ فيه
إنّ من كان ليس يدري أفي ... المحبوب صنع له أو المكروه
لحريّ بأن يفوّض ما يعجز ... عنه إلى الذي يكفيه
الإله البرّ الذي هو في الرأفة ... أحنى من أمّه وأبيه
قعدت بي الذنوب أستغفر الله ... لها مخلصا وأستوفيه «١»
كم يوالي لنا الكرامة و ... النعمة من فضله وكم نعصيه
ومن شعره عن المرزباني:
أتت ثمانون فاستمرّت ... بالنقص من قوتي وعزمي
فرقّ جلدي ودقّ عظمي ... واختلّ بعد التمام جسمي
يا ليت أني صحبت دهري ... صحبة ذي تهمة وحزم
من لم يكن عاملا «٢» بعلم ... رواه لم ينتفع بعلم
وقال يرثي علي بن يحيى المنجم ومات علي في سنة خمس وسبعين وثلاثمائة:
مات السماح ومات الجود والكرم ... إذ ضمّ شخص عليّ ذلك الرجم «٣»
سقّيت من جدث أنبل «٤» بساكنه ... غيثا ملثّا توالي صوبه الديم
عادت لنا بعدك الأيام مظلمة ... وكنت ضوءا لها تجلى به الظلم
كان الزمان فتيا مشرقا نضرا «٥» ... فاليوم أخلقه من بعدك الهرم
قد كنت للخلق في حاجاتهم علما ... يفرّج الهمّ عنهم ذلك العلم
стр. 739
[٢٥٨]
الأغر أبو الحسن
: ذكره أبو بكر الزبيدي في نحاة مصر وقال: أخذ عن أبي الحسن علي بن حمزة الكسائي، ولقيه قوم من أهل الأندلس وحملوا عنه في سنة سبع وعشرين ومائتين.
[٢٥٩]
أمان بن الصمصامة بن الطرماح بن حكيم بن الحكم
بن نفر بن قيس بن جحدر بن ثعلبة بن عبد رضا بن مالك بن أمان بن عمرو بن ربيعة بن جرول بن ثعل بن عمرو بن الغوث أبي طيء، والطرماح الشاعر المشهور، ويكنى أمان هذا أبا مالك، واطّرحه ابن الأغلب إذ صار إليه الأمر لهجاء جدّه الطرماح بني تميم.
قال أبو الوليد المهري «١» : أبطأت على أبي مالك وكان مريضا فكتب إليّ:
أبلغ المهريّ عني مألكا ... أن دائي قد أصار المخّ ريرا
كنت في المرضى مريضا مطلقا ... ولقد أصبحت في المرضى أسيرا
فإذا ما متّ فانعم سالما ... وتملّ العيش في الدنيا كثيرا
وأخذ عنه المهري جزءا من النحو واللغة والشعر.
стр. 740
[٢٦٠]
أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت، أبو الصلت
: من أهل الأندلس كان أديبا فاضلا حكيما منجما، مات في سنة تسع وعشرين وخمسمائة في المحرم بالمهدية من بلاد القيروان، وهو صاحب فصاحة بارعة وعلم بالنجوم والطب، وكان قد ورد إلى مصر في أيام المسمّى بالآمر من ملوك مصر، واتصل بوزيره ومدبّر دولته الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر، واشتمل عليه رجل من خواصّ الأفضل يعرف بمختار ويلقب بتاج المعالي، وكانت منزلته عند الأفضل عالية، ومكانته منه بالسعد حالية، فيحسنت حال أمية عنده، وقرب من قلبه وخدمه بصناعتي الطب والنجوم، وأنس تاج المعالي منه بالفضل الذي لا يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فوصفه بحضرة الأفضل وأثنى عليه، وذكر ما سمعه من أعيان أهل العلم وإجماعهم على تقدمه في الفضل وتميزه عن كتّاب وقته. وكان كاتب حضرة الأفضل يومئذ رجل قد حمى هذا الباب، ومنع من أن يمرّ بمجلسه ذكر أحد من أهل العلم بالأدب، إلا أنه لم يتمكن من معارضة قول تاج المعالي، فأغضى على قذى، وأضمر لأبي الصلت المكروه، وتتابعت من تاج المعالي سقطات «١» أفضت إلى تغيّر الأفضل والقبض عليه والاعتقال، فوجد حينئذ السبيل إلى أبي الصلت بما اختلق له من المحال، فحبسه الأفضل في سجن المعونة بمصر مدة ثلاث سنين وشهر واحد على ما أخبرني به الثقة عنه «٢» ، ثم أطلق فقصد المرتضى أبا طاهر يحيى بن تميم بن المعز بن باديس صاحب القيروان، فحظي عنده وحسن حاله معه. وقد ذكر ذلك في رسالة له يذمّ فيها مصر ويصف
стр. 741
حاله، ويثني على ابن باديس، واستشهد فيها بهذه الأبيات في وصف ابن باديس «١» :
فلم أستسغ إلا نداه ولم يكن ... ليعدل عندي ذا الجناب جناب
فما كلّ إنعام يخفّ احتماله ... وإن هملت منه عليّ سحاب
ولكن أجلّ الصنع ما جلّ ربّه ... ولم يأت باب دونه وحجاب
«وما شئت إلا أن أدلّ عواذلي ... على أن رأيي في هواك صواب»
«وأعلم قوما خالفوني وشرّقوا ... وغرّبت أني قد ظفرت وخابوا»
ومن شعره أيضا «٢» :
لا غرو أن لحقت لهاك مدائحي ... فتدفقت نعماك ملء إنائها
يكسى القضيب ولم يحن إبّانه ... وتطوّق الورقاء قبل غنائها
ومنه يرثي «٣» :
قد كنت جارك والأيام ترهبني ... ولست أرهب غير الله من أحد
فنافستني الليالي فيك ظالمة ... وما حسبت الليالي من ذوي الحسد
ولأبي الصلت من التصانيف: كتاب الأدوية المفردة. كتاب تقويم الذهن في المنطق. كتاب الرسالة المصرية. كتاب ديوان شعره كبير. كتاب رسالة عمل بالاسطرلاب. كتاب الديباجة في مفاخر صنهاجة. كتاب ديوان رسائل. كتاب الحديقة في مختار من أشعار المحدثين.
ومن شعر أمية منقولا من «كتاب سر السرور» «٤» :
حسبي فقد بعدت في الغيّ أشواطي ... وطال في اللهو إيغالي وإفراطي
أنفقت في اللهو عمري غير متّعظ ... وجدت فيه بوفري غير محتاط
стр. 742
فكيف أخلص من بحر الذنوب وقد ... غرقت فيه على بعد من الشاطي
يا ربّ ما لي لا أرجو رضاك به ... إلا اعترافي بأني المذنب الخاطي
ومنه أيضا «١» :
لله يومي ببركة الحبش ... والصبح بين الضياء والغبش
والنيل تحت الرياح مضطرب ... كقائم في يمين مرتعش «٢»
ونحن في روضة مفوّفة ... دبّج بالنور عطفها ووشي
قد نسجتها يد الربيع لنا ... فنحن من نسجها على فرش
وأثقل الناس كلّهم رجل ... دعاه داعي الهوى فلم يطش
فعاطني الراح إنّ تاركها ... من سورة الهمّ غير منتعش
وسقّني بالكبار مترعة ... فهنّ أشفى لشدة العطش
قال محمد بن محمود: حدثني طلحة أن أبا الصلت اجتمع في بعض متنزهات مصر مع وجوه أفاضلها، ومعهم صبيّ «٣» صبيح الوجه عديم الشبه، قد نقّط نون صدغه على صفحة خدّه، فاستوصفوه إياه، فقال «٤» :
منفرد بالحسن والظّرف ... بحت لديه بالذي أخفي
لهفي بشكر وهو من تيهه ... في غفلة عني وعن لهفي
قد عوقبت أجفانه بالضنا ... لأنها أضنت ولم تشف
قد أزهر الورد على خدّه ... لكنه ممتنع القطف
كأنما الخال به نقطة ... قد قطرت من كحل الطّرف
قال: وحدثني أبو عبد الله الشامي، وكان قد درس عليه واقتبس ما لديه، أن الأفضل كان قد تغير عليه وحبسه بالاسكندرية في دار كتب الحكيم أرسطاطاليس،
стр. 743
قال: وكنت أختلف إليه إذ ذاك، فدخلت إليه يوما فصادفته مطرقا، فلم يرفع رأسه إليّ على العادة، فسألته فلم يردّ الجواب، ثم قال بعد ساعة: اكتب، وأنشدني «١» :
قد كان لي سبب قد كنت أحسب أن ... أحظى به فإذا دائي من السبب
فما مقلّم أظفاري سوى قلمي ... ولا كتائب أعدائي سوى كتبي
فكتبت، وسألته عن ذلك فقال: إن فلانا تلميذي قد طعن فيّ عند الأمير الأفضل، ثم رفع رأسه إلى السماء واغرورقت عيناه دمعا ودعا عليه، فلم يحل الحول حتى استجيب له.
وأنشدني الشيخ سليمان بن الفياض الاسكندراني، وكان ممن درس عليه واختلف إليه، في صفة فرس «٢» :
صفراء إلّا حجول مؤخرها ... فهي مدام ورسغها زبد
تعطيك مجهودها فراهتها ... في الحضر والحضر عندها وتد
وأنشدني له يهجو وما هو من صناعته «٣» :
صاف ومولاته وسيّده ... حدود شكل القياس مجموعه
فالشيخ فوق الاثنين مرتفع ... والستّ تحت الاثنين موضوعه
والشيخ محمول ذي وحامل ذا ... بحشمة في الجميع مصنوعه
شكل قياس كانت نتيجته ... قرينة في دمشق مطبوعه
وقرأت في «الرسالة المصرية» زيادة على البيتين المتقدم ذكرهما قبل:
وكم تمنيت أن ألقى بها أحدا ... يسلي من الهمّ أو يعدي على النّوب
فما وجدت سوى قوم إذا صدقوا ... كانت مواعيدهم كالآل في الكذب
стр. 744
حرف الباء
[٢٦١]
بزرج بن محمد أبو محمد العروضي
: مولى بجيلة، وقال الصولي: أظنه من موالي كندة، وقال ابن درستويه: ومن علماء الكوفة بزرج بن محمد العروضي، وهو الذي صنف كتابا في العروض ينقض فيه العروض في زعمه على الخليل، ويبطل الدوائر والألقاب والعلل التي وضعها الخليل للأوزان في كتابه، واستشهد على ذلك بأشعار رواها مولدة، وضعها «١» ، ونسبها إلى قبائل العرب، وكان كذابا.
وحدث الصولي، حدّث جبلة بن محمد قال: سمعت أبي يقول: كان الناس قد أكبوا «٢» على أبي محمد بزرج بن محمد العروضي لكثرة حفظه، فساء ذلك حمّادا وجنادا «٣» فدسا إليه من يسقطه، فإذا هو يحدث بالحديث عن رجل فعل شيئا، ثم يحدث به عن رجل آخر بعد ذلك، ثم حدث به عن آخر، فتركه الناس حتى كان يجلس وحده.
وحدث صعودا قال: سمعت سلمة يقول: كان يونس النحوي يقول: إن لم
стр. 745
يكن بزرج أروى الناس فهو أكذب الناس. قال سلمة: وصدق يونس، يقول إن كان ما أتى به حقا وإلا فقد كذب لأنه حدث عن أقوام لا يعرفهم الناس.
وحدث ابن قادم قال: سئل الفرّاء عن بزرج فأنشد قول زهير «١» :
أضاعت فلم تغفر لها غفلاتها ... فلاقت بيانا عند آخر معهد
يريد أن الناس اجتنبوه لشيء استبانوه منه.
وحدّث المازني قال: روى بزرج شعرا لامرىء القيس، فقال له جناد: عمّن رويت هذا؟ قال: عنّي وحسبك بي، فقال له جناد: من هذا أتيت يا غافل.
وحدث الصولي عن أبي عبد الله أحمد بن الحسن السكوني قال: كنا نروي لبزرج أشعارا منها:
ليس بيني وبين قومي إلّا ... أنني فاضل لهم في الذكاء
حسدوني فزخرفوا فيّ قولا ... تتلقّاه ألسن البغضاء
كنت أرجو العلاء فيهم بعلمي ... فأتاني من الرجاء بلائي
شدة إستفدتها من رخاء ... وانتقاص جنيته من وفاء
وحدث الحارث بن أبي أسامة قال: أنشدني عثمان بن محمد لأبي حنش واسمه خضير بن قيس يقوله في بزرج:
بزرج فقدت كلّك «٢» من ثقيل ... فظلّك حين يوزن وزن فيل
تحبّب بالتبغّض يا مقيت ... وتختار القبيح على الجميل
فما تنفكّ إنسانا تماري ... «٣» جليسك منه في هم طويل
وبالأشعار علمك حين تقضي ... علينا بالقضاء المستحيل
يكون كعلم «٤» سنّور إذا ما ... أجاعوه بأكل الزنجبيل
стр. 746
ولبزرج من التصانيف: كتاب العروض. كتاب بناء الكلام، قال محمد بن إسحاق النديم: رأيته في جلود. وكتاب معاني العروض على حروف المعجم. كتاب النقض على الخليل وتغليطه في العروض. كتاب الأوسط في العروض. كتاب تفسير الغريب.
[٢٦٢]
بشر بن يحيى بن علي القيني النصيبي، أبو ضياء
: من أهل نصيبين، شاعر قليل الشعر وأديب كثير الأدب، وله من الكتب فيما ذكره محمد بن إسحاق: كتاب سرقات البحتري عن أبي تمام. كتاب الجواهر. كتاب الآداب. كتاب السرقات الكبير، لم يتم.
[٢٦٣]
بقي بن مخلد الأندلسي أبو عبد الرحمن
: ذكره الحميدي وقال: مات بالأندلس سنة ست وسبعين ومائتين في قول أبي سعيد ابن يونس، وقال الدارقطني:
مات سنة ثلاث وسبعين والأول أصح.
قال الحميدي: وبقيّ من حفاظ المحدثين، وأئمة الدين، والزهاد الصالحين، رحل إلى المشرق فروى عن الأئمة وأعلام السنة، منهم الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل وأبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة وأحمد بن إبراهيم الدورقي
стр. 747
وخليفة بن خياط «١» وجماعة «٢» أعلام يزيدون على المائتين، وكتب المصنّفات الكبار والمنثور الكثير، وبالغ في الجمع والرواية، ورجع إلى الأندلس فملأها علما جما، وألف كتبا حسانا تدلّ على احتفاله واستكثاره؛ قال لنا أبو محمد علي بن أحمد «٣» :
فمن مصنّفات بقي بن مخلد «كتاب تفسير القرآن» وهو الكتاب الذي أقطع قطعا لا أستثني فيه أنه لم يؤلّف في الاسلام مثله، ولا تصنيف محمد بن جرير الطبري ولا غيره؛ ومنها في الحديث كتاب مصنفه الكبير الذي رتّبه على أسماء الصحابة، فروى فيه عن ألف وثلاثمائة صاحب ونيف، ثم رتّب حديث كلّ صاحب على أسماء الفقه وأبواب الأحكام، فهو مصنف ومسند «٤» ، وما أعلم هذه الرتبة لأحد قبله، مع ثقته وضبطه وإتقانه واحتفاله فيه في الحديث وجودة شيوخه، فإنه روى عن مائة «٥» رجل وأربعة وثمانين رجلا ليس فيهم عشرة ضعفاء وسائرهم أعلام مشاهير؛ ومنها كتاب في فتاوى الصحابة والتابعين ومن دونهم الذي أربى فيه على مصنّف أبي بكر ابن أبي شيبة وغيره، فصارت تصانيفه قواعد الاسلام لا نظير لها، وكان متخيرا لا يقلّد أحدا، وكان خاصّا بأحمد بن حنبل وجاريا في مضمار البخاري ومسلم- كلّ هذا من كتاب الحميدي. وإنما ذكرته لتصنيفه كتابا في تفسير القرآن.
وذكر له ترجمة أخرى فقال فيها: ولد بقي بن مخلد الأندلسي في رمضان سنة إحدى وثمانين وتوفي ليلة الثلاثاء لتسع وعشرين ليلة مضت من جمادى الآخرة سنة ست وسبعين ومائتين، ودفن في المقبرة المنسوبة إلى بني العباس، وكانت له رحلتان: أقام في إحداهما نحو العشرين عاما، وفي الثانية نحو الأربعة عشر عاما، فأخبرني أبي أنه كان يطوف في الأمصار على أهل الحديث، فإذا أتى وقت الحج أتى
стр. 748
إلى مكة فحج، هذا كان فعله كلّ عام في رحلتيه جميعا. وكان يلتزم صيام الدهر، فإذا أتى يوم جمعة أفطر، وكانت له عبادات كثيرة من قراءة القرآن وغيرها من الصلوات ونشر العلم.
قال: مشايخه الذين سمع منهم فكانوا مائتي رجل وأربعة وثمانين رجلا (هكذا ذكر في هذه الترجمة فما أدري أيهما الصحيح) أخبرني أسلم بن عبد العزيز، أخبرني أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد قال: لما وضعت مسندي أتاني عبيد الله بن يحيى [بن يحيى] ومعه أخوه إسحاق فقالا لي: بلغنا أنك وضعت مسندا قدّمت فيه أبا مصعب وابن بكير وأخّرت أبانا، فقال بقي: أما تقديمي لأبي مصعب فإني قدمته لقول رسول الله ﷺ : «قدّموا قريشا ولا تقدّموها» «١» ، وأما ابن بكير فإني قدمته لسنّه، وقال النبي ﷺ : «كبّر كبّر» «٢» ، مع أنه سمع «الموطأ» من مالك سبع عشرة مرة ولم يسمع أبو كما إلا مرة واحدة؛ قال بقي: فخرجا عنّي ولم يعودا إليّ بعد ذلك، وخرجا إلى حد العداوة.
حدثنا قاسم بن أصبغ قال: خرجت من الأندلس ولم أرو عن بقي شيئا، فلما دخلت العراق وغيره من البلدان سمعت من فضائله وتعظيمه ما أندمني على ترك الرواية عنه وقلت: إذا رجعت لزمته حتى أروي جميع ما عنده، فأتانا نعيه ونحن بأطرابلس.
وحدثنا قاسم بن أصبغ قال: سمعت أحمد بن أبي خيثمة يقول، وذكر بقيّ بن مخلد، فقال: ما كنا نسميه إلا المكنسة، وهل احتاج بلد [فيه] بقيّ أن يأتي إلى هاهنا منه أحد؟ فقلنا له: ولا أنت تحدثنا عن رجال ابن أبي شيبة؟ فقال: ولا أنا.
وذكر بقيّ أنه أدرك جماعة من أصحاب سفيان الثوري فلم يرو عنهم، وروى عن رجلين عن سفيان الثوري.
قال: وحدثت عن بقيّ أنه قال يوما لطلبته: أنتم تطلبون العلم، أهكذا يطلب العلم؟ إنما أحدكم إذا لم يكن عليه شغل يقول: أمضي أسمع العلم، إني لأعرف
стр. 749
رجلا تمضي عليه الأيام في وقت طلبه للعلم لا يكون له عيش إلا من ورق الكرنب الذي يلقيه الناس، وإني لأعرف رجلا باع سراويله غير مرة في شرى كاغد حتى يسوق الله عليه من حيث يخلفها.
قال الحميدي «١» : أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري في إجازة وصلت إليه، وذكر إسنادا، وقال: جاءت امرأة إلى بقي بن مخلد فقالت: إن ابني قد أسره الروم ولا أقدر على مال أكثر من دويرة، ولا أقدر على بيعها، فلو أشرت إلى من يفديه بشيء فإنه ليس لي ليل ولا نهار ولا نوم ولا قرار، فقال: نعم انصرفي حتى أنظر في أمره إن شاء الله، وأطرق الشيخ وحرّك شفتيه، قال: ولبثنا مدة فجاءت المرأة ومعها ابنها، فأخذت تدعو له وتقول: قد رجع سالما، وله حديث يحدّثك به، فقال الشاب: كنت في يدي بعض ملوك الروم مع جماعة من الأسارى، وكان له إنسان يستخدمنا كلّ يوم، يخرجنا إلى الصحراء للخدمة ثم يردّنا وعلينا قيودنا، فبينا نحن نجيء من العمل مع صاحبه الذي كان يحفظنا إذ انفتح القيد من رجليّ ووقع على الأرض، ووصف اليوم والساعة، فوافق الوقت الذي جاءت المرأة ودعا الشيخ، قال: فنهض إليّ الذي كان يحفظني وصاح عليّ وقال: كسرت القيد فقلت: لا إلا أنه سقط من رجلي، قال: فتحير وأخبر صاحبه وأحضر الحداد وقيدوني فلما مشيت خطوات سقط القيد من رجلي «٢» فتحيّروا في أمري ودعوا رهبانهم فقالوا لي: ألك والدة؟ قلت لهم: نعم، فقالوا: وافق دعاؤها الإجابة، وقالوا: أطلقك الله ولا يمكننا تقييدك، فزودوني وأصحبوني إلى ناحية المسلمين.
стр. 750
[٢٦٤]
بكر بن حبيب السهمي والد عبد الله بن بكر المحدث
: ذكره الزبيدي وغيره في النحويين، أخذ عن ابن أبي إسحاق، وقال ابن أبي إسحاق لبكر بن حبيب: ما ألحن في شيء؟ قال: تفعل، فقال له: فخذ عليّ كلمة، قال: هذه واحدة، قل كلمة. وقربت منه سنورة فقال لها: اخسي، فقال له: أخطأت إنما هو اخسأي.
وحدث أبو أحمد الحسين بن عبد الله العسكري في «كتاب التصحيف» «١» له عن أبيه عن عسل بن ذكوان عن الرياشي قال: توفي ابن لبعض المهالبة، فأتاه شبيب بن شيبة المنقري يعزّيه وعنده بكر بن حبيب السهمي، فقال شبيب: بلغنا أن الطفل لا يزال محبنطئا على باب الجنة يشفع لأبويه، فقال بكر بن حبيب: إنما هو محبنطيا غير مهموز، فقال له شبيب: أتقول لي هذا وما بين لابتيها أفصح مني؟! فقال بكر: وهذا خطأ ثان، ما للبصرة وللّوب؟! لعلك غرّك قولهم «ما بين لابتي المدينة» يريدون الحرة. قال أبو أحمد: والحرة أرض تركبها حجارة سود، وهي اللابة وجمعها لابات، فإذا كثرت فهي اللوب واللاب، وللمدينة لابتان من جانبيها وليس للبصرة لابة ولا حرة.
قال أبو عبيدة المحبنطي بغير همز هو المنتصب «٢» المستبطىء للشيء، والمحبنطىء بالهمز العظيم البطن المنتفخ.
وقال أبو عبد الله المرزباني في «كتاب المعجم» : بكر بن حبيب السهمي من باهلة أحد مشايخ المحدثين قال ابنه عبد الله بن بكر: كان أبي يقول البيتين والثلاثة، وهو القائل:
سير النواعج في بلاد مضلّة ... يمشي الدليل «٣» بها على ملمال «٤»
стр. 751
خير من الطمع الدنيء ومجلس ... بفناء لا طلق ولا مفضال
فاقصد لحاجتك المليك فإنه ... يغنيك عن مترفّع مختال
وحدث التاريخي عن أبي خالد يزيد بن محمد المهلبي عن البجلي عن قتب بن بشر قال: كنت مع بكر بن حبيب السهمي بموضع يقال له قصر زربي ونحن مشرفون على المربد، إذ مرّ بنا يونس بن حبيب النحوي، فقال: أمرّ بكم الأمير؟ قال بكر:
نعم مرّ بنا عاصبا فوه، فرمى يونس بعنانه على عنق حماره ثم قال: أف أف، فقال له بكر: انظر حسنا، ثم قال: نعم وإنما ظنّ يونس بن حبيب النحوي أنه قد لحن، وأنه كان يجب أن يقول عاصبا فاه، فلما تبين أنه أراد عصب الفم صدّقه.
قال: ومرّ بكر بن حبيب بدار فسمع جلبة فقال: ما هذه الجلبة، أعرس أم خرس أم إعذار أم توكير؟ فقال له قوم: قد عرفنا العرس فأخبرنا ما سوى ذاك، قال:
الخرس الطعام على الولادة، والاعذار الختان، والتوكير أن يبني الرجل القبّة أو يحدث القدر الجماع فيقال: وكّر لنا طعاما. قال: والقدر الجماع الكبيرة، وقال ثعلب: الوكيرة مأخوذ من الوكر، وهي الوليمة التي يصنعها الرجل عند بناء المنزل.
[٢٦٥]
أبو بكر ابن عياش بن سالم الكوفي الحنّاط
مولى واصل بن حيان الأسدي الأحدب: واختلف في اسمه فقيل: اسمه كنيته، وقيل شعبة، وقيل عبد الله، وقيل محمد، وقيل مطرف، وقيل سالم، وقيل عنترة، وقيل أحمد، وقيل عتيق، وقيل رؤبة، وقيل حماد، وقيل حسين، وقيل قاسم، وقيل لا يعرف له اسم، وأظهر ذلك شعبة ومطرف. قال الهيثم بن عدي: اسم أبي بكر مطرف بن النهشلي، ومات ابن عياش في سنة ثلاث وتسعين ومائة في السنة التي مات فيها الرشيد بن المهدي قبله
стр. 752
بشهر، وفيها مات غندر وعبد الله بن إدريس. وروي أن ابن عياش مات في سنة اثنتين وتسعين والأول أظهر، ومولده سنة سبع وتسعين في أيام سليمان بن عبد الملك، وروي سنة أربع وتسعين وروي سنة خمس وتسعين وكان ابن عياش يقول:
أنا نصف الإسلام.
وقال الحسين بن فهم، وقد ذكر جماعة لا تعرف أسماؤهم: منهم أبو بكر بن أبي مريم وأبو بكر بن أبي سبرة وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وأبو بكر بن عبد الرحمن وأبو بكر بن عياش وأبو بكر بن أبي العرامس.
وقال أبو الحسن الأهوازي المقرىء في كتابه: وإنما وقع هذا الاختلاف في اسم أبي بكر لأنه كان رجلا هيوبا، فكانوا يهابونه أن يسألوه، فروى كلّ واحد على ما وقع له.
قلت: وقد روى المرزباني في كتابه أن جماعة من أهل العلم سألوه عن اسمه واختلفت أقوالهم على ما تقدم، ولولا كراهة الإطالة لذكرته.
وكان ابن عياش معظما عند العلماء، وقد لقي الفرزدق وذا الرمة وروى عنهما شيئا من شعرهما.
حدث المرزباني، حدثنا أحمد بن عيسى عن أحمد بن أبي خيثمة، حدثنا محمد بن يزيد قال: سمعت أبا بكر ابن عياش يقول «١» : كان أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ في القرآن، قال الله : للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم
إلى قوله: أولئك هم الصادقون
(الحشر: ٨) فهؤلاء سموه خليفة رسول الله وهؤلاء لا يكذبون.
وحدث المرزباني بإسناده إلى زكرياء بن يحيى الطائي قال: سمعت أبا بكر ابن عياش يقول: إني أريد أتكلم اليوم بكلام لا يخالفني فيه أحد إلا هجرته ثلاثا، قالوا: قل يا أبا بكر، قال: ما ولد لآدم ﵇ مولود بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر الصدّيق، قالوا: صدقت يا أبا بكر، ولا يوشع بن نون وصيّ موسى ﵇. قال: ولا يوشع بن نون إلا أن يكون نبيا. ثم فسره فقال: قال
стр. 753
الله تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس
(آل عمران: ١١٠) وقال رسول الله ﷺ :
«خير هذه الأمة أبو بكر» .
قال زكرياء بن يحيى وسمعت ابن عياش يقول: لو أتاني أبو بكر وعمر وعلي ﵃ في حاجة لبدأت بحاجة عليّ قبل حاجة أبي بكر وعمر لقرابته برسول الله، ولأن أخرّ من السماء إلى الأرض أحبّ إليّ من أن أقدّمه عليهما. وكان يقدم عليا على عثمان ولا يغلو ولا يقول إلا خيرا.
وحدث المرزباني بإسناده عن أبي بكر ابن عياش عن ذر عن عبد الله قال: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلبه فوجد قلوب أصحابه خير القلوب بعد قلبه، فجعلهم وزراء نبيه ﷺ يقاتلون عن دينه، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيّء؛ قال أبو بكر ابن عياش: وأنا أقول: إنهم رأوا أن يولوا أبا بكر بعد النبي ﷺ .
وحدث المرزباني، حدثنا محمد بن مخلد العطار، حدثنا أبو عمر العطاردي قال: بعث أبو بكر ابن عياش إلى أبي يوسف الأعشى، فمضيت مع أبي يوسف ومع عبد الوهاب بن عمر والعباس بن عمير، فدخلنا إليه وهو في علية له، فقال لأبي يوسف: قد قرأت عليّ القرآن مرتين، وقد نقلت عني القرآن، فاقرأ عليّ آخر الأنفال، واقرأ عليّ من رأس المائة من براءة، واقرأ عليّ كذا واقرأ كذا، فقال له أبو يوسف: يا أبا بكر هذا القرآن والحديث والفقه وأكثر الأشياء قد أفدتها بعد ما كبرت أو لم تزل فيه مذ كنت؟ ففكر هنيهة ثم قال: بلغت وأنا ابن ست عشرة سنة، فكنت فيما يكون فيه الشبان مما يعرف وينكر سنتين، ثم وعظت نفسي وزجرتها، وأقبلت على الخير وقراءة القرآن، فكنت أختلف إلى عاصم في كلّ يوم، وربما مطرنا ليلا فأنزع سراويلي وأخوض الماء إلى حقويّ، فقال له أبو يوسف: ومن أين هذا الماء كله؟ قال: كنا إذا مطرنا جاء ماء الحيرة إلينا حتى يدخل الكوفة. وكنت إذا قرأت على عاصم أتيت الكلبيّ فسألته عن تفسيره. وأخبرني أبو بكر أن عاصما أخبره أنه كان يأتي زرّ بن حبيش فيقرئه خمس آيات لا يزيد عليها شيئا، ثم يأتي أبا عبد الرحمن السلمي فيعرضها عليه، فكانت توافق قراءة زرّ قراءة أبي عبد الرحمن، وكان أبو
стр. 754
عبد الرحمن قرأ على عليّ ﵇، وكان زرّ بن حبيش الشكرمي العطاردي «١» قرأ على عبد الله بن مسعود القرآن كلّه في كلّ يوم آية واحدة لا يزيده عليها شيئا، فإذا كانت آية قصيرة استقلها زرّ من عبد الله، فيقول عبد الله: خذها، فو الذي نفسي بيده لهي خير من الدنيا وما فيها؛ ثم يقول أبو بكر: وصدق والله، ونحن نقول كما قال أبو بكر ابن عياش إذا حدثنا عن عاصم عن زر عن عبد الله، قال: هذا- والله الذي لا إله إلا هو- حقّ كما أنكم عندي جلوس، والله ما كذبت، والله ما كذب عاصم بن أبي النجود، والله ما كذب زر، والله ما كذب عبد الله بن مسعود، وإن هذا لحقّ كما أنكم عندي جلوس.
وحدث عمن أسنده إلى أحمد بن عبد الله بن يونس قال: ذكر النبيذ عند العباس بن موسى فقال: إن ابن إدريس يحرمها، فقال أبو بكر ابن عياش: إن كان النبيذ حراما فالناس كلّهم أهل ردّة.
وحدث المرزباني قال: قال عبد الله بن عياش: كنت أنا وسفيان الثوري وشريك نتماشى بين الحيرة والكوفة، فرأينا شيخا أبيض الرأس واللحية حسن السمت والهيئة، فظننا أنّ عنده شيئا من الحديث وأنه قد أدرك الناس، وكان سفيان أطلبنا للحديث وأشدّنا بحثا عنه، فتقدم إليه وقال: يا هذا عندك شيء من الحديث؟ فقال:
أما حديث فلا، ولكن عندي عتيق سنتين، فنظرنا فإذا هو خمّار.
وحدث أبو بكر ابن عياش [قال] : رأيت الفرزدق بالكوفة ينعى عمر بن عبد العزيز ﵁، فقال:
كم من شريعة عدل قد سننت لهم ... كانت أميتت وأخرى منك تنتظر
يا لهف نفسي ولهف اللاهفين معي ... على العدول التي تغتالها الحفر
وحدث بإسناده عن ابن كناسة قال، حدثني أبو بكر ابن عياش قال: كنت إذ أنا شابّ إذا أصابتني مصيبة تصبّرت ورددت البكاء، فكان ذلك يوجعني ويزيدني ألما، حتى رأيت بالكناسة أعرابيا واقفا وقد اجتمع الناس حوله (فأنشد) «٢» :
стр. 755
خليليّ عوجا من صدور الرواحل ... بجمهور حزوى وابكيا في المنازل
لعلّ انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي نجيّ البلابل
فسألت عنه فقيل: ذو الرمة، قال: فأصابتني بعد ذلك مصائب فكنت أبكي فأجد راحة، فقلت في نفسي: قاتل الله الأعرابي ما كان أبصره وأعلمه.
وحدث المرزباني عن الحسن النحوي عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال:
سمعت عمّي القاسم بن محمد يقول: حدثني يحيى بن آدم قال: لما قدم هارون الرشيد الكوفة نزل الحيرة ثم بعث الى أبي بكر ابن عياش، فحملناه إليه، وكنت أنا أقتاده بعد ذهاب بصره، فلما انتهينا إلى باب الخليفة ذهب الحجّاب يأخذون أبا بكر مني، فأمسك أبو بكر بيدي وقال: هذا قائدي لا يفارقني، فقالوا: ادخل أنت وقائدك يا أبا بكر، قال يحيى: فدخلت به وإذا هارون جالسا وحده، فلما دنا منه أنذرته فسلّم عليه بالخلافة، فأحسن هارون الردّ، فأجلسته حيث أمرت، ثم خرجت فقعدت في مكان أراهما وأسمع كلامهما، قال: فجعلت أنظر إلى هارون يتلمح أبا بكر، قال:
وكان أبو بكر رجلا قد كبر وضعفت رقبته، فإنما ذقنه على صدره، فسكت هارون عنه ساعة ثم قال له: يا أبا بكر، فقال: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: إني سائلك عن أمر، فأسألك بالله لما صدقتني عنه، قال: إن كان علمه عندي، قال: إنك قد أدركت أمر بني أمية وأمرنا، فأسألك بالله أيهما كان أقرب إلى الحقّ؟ قال يحيى:
فقلت في نفسي اللهم وفّقه وثبّته، قال: فأطال أبو بكر في الجواب ثم قال له: يا أمير المؤمنين أمّا بنو أمية فكانوا أنفع للناس منكم وأنتم أقوم بالصلاة منهم. قال: فجعل هارون يشير بيده ويقول: إن في الصلاة، إن في الصلاة؛ قال: ثم خرج فتبعه الفضل بن الربيع فقال: يا أبا بكرّ إن أمير المؤمنين قد أمر لك بثلاثين ألفا، فقال أبو بكر: فما لقائدي؟ فضحك الفضل وقال: لقائدك خمسة آلاف، قال يحيى:
فأخذت الخمسة آلاف قبل أن يأخذ أبو بكر الثلاثين.
وحدث بإسناد رفعه إلى أبي بكر ابن عياش قال: دخلت على هارون أمير المؤمنين فسلّمت وجلست، فدخل فتى من أحسن الناس وجها فسلّم وجلس، فقال لي هارون: يا أبا بكر أتعرف هذا؟ قلت: لا، قال: هذا ابني محمد، ادع الله له، فقلت: يا أمير المؤمنين جعله الله أهلا لما جعلته له أهلا، فسكت ثم قال: يا أبا بكر
стр. 756
ألا تحدثني؟ فقلت: يا أمير المؤمنين حدثنا هشام بن حسان عن الحسن قال، قال رسول الله ﷺ : «إن الله فاتح عليكم مشارق الأرض ومغاربها، وإن عمّال ذلك الزمان في النار، إلا من اتّقى الله وأدّى الأمانة» ، فانتفض وتغيّر وقال: يا مسرور اكتب؛ ثم سكت ساعة وقال: يا أبا بكر ألا تحدثني؟ فقلت: يا أمير المؤمنين حدثنا هشام بن حسان عن الحسن قال: «أتدري ما قال عمر بن الخطاب للهرمزان» «١» قال: وما قال له؟ قلت: قال له ما منعك «٢» من حبّ المال وأنت كافر القلب طويل الأمل؟ قال: لأني قد علمت أن الذي لي سوف يأتيني، والذي أخلّفه بعدي يكون وباله عليّ؛ ثم قال: يا مسرور اكتب ويحك. قال: ألك حاجة يا أبا بكر؟ قلت: تردّني كما جئت بي، قال: ليست هذه حاجة، سل غيرها، قلت: يا أمير المؤمنين لي بنات أخت ضعاف، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لهنّ بشيء، قال: قدّر لهن، قلت: يقول غيري قال: لا يقول غيرك، قلت: عشرة آلاف، قال: لهن عشرة آلاف وعشرة آلاف وعشرة آلاف وعشرة آلاف وعشرة آلاف، يا فضل اكتب بها إلى الكوفة وألا تحبس عليه، ثم قال: انصرف ولا تنسنا من دعائك.
وحدث بإسناده عن العباس بن بنان قال: كنا عند أبي بكر ابن عياش يقرأ علينا كتاب مغيرة فغمض عينيه، فحرّكه جمهور وقال له: تنام يا أبا بكر؟ فقال: لا ولكن مرّ ثقيل فغمضت عيني حتى عبر «٣» .
وحدث أبو هاشم الدلال قال: رأيت أبا بكر ابن عياش مهموما فقلت له: ما لي أراك مهموما؟ قال: سيف كسرى لا أدري الى من صار.
وقال محمد بن كناسة يذكر أصحاب أبي بكر ابن عياش:
لله مشيخة فجعت بهم ... كانت تريغ إلى أبي بكر
سرج لقوم يهتدون بها ... وفضائل تنمي ولا تحري «٤»
стр. 757
وحدث المدائني قال: كان أبو بكر ابن عياش أبرص، وكان رجل من قريش يرمى بشرب الخمر، فقال له أبو بكر ابن عياش يداعبه: زعموا أن نبيا قد بعث بحلّ الخمرة، فقال له القرشي: إذا لا أومن به حتى يبرىء الأكمه والأبرص.
أنشد أبو بكر ابن عياش المحدّث، ويقال إنهما له:
إن الكريم الذي تبقى مودته ... ويكتم السرّ ان صافى وإن صرما
ليس الكريم الذي إن زلّ صاحبه ... أفشى الذي كان من أسراره «١» علما
[٢٦٦]
بكر بن محمد بن بقية المازني أبو عثمان النحوي
: وقيل هو بكر بن محمد بن عدي بن حبيب، أحد بني مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب «٢» بن علي بن بكر بن وائل.
قال الزبيدي، قال الخشني: المازني مولى بني سدوس نزل في بني مازن بن شيبان فنسب إليهم.
وهو من أهل البصرة، وهو أستاذ المبرّد، روى عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد الأنصاري، وروى عنه الفضل بن محمد اليزيدي والمبرّد وعبد الله بن [أبي] سعد الورّاق.
وكان إماميا يرى رأي ابن ميثم ويقول بالإرجاء، وكان لا يناظره أحد إلا قطعه لقدرته على الكلام، وكان المبرد يقول: لم يكن بعد سيبويه أعلم من أبي عثمان
стр. 758
بالنحو، وقد ناظر الأخفش في أشياء كثيرة فقطعه، وهو أخذ عن الأخفش، وقال حمزة: لم يقرأ على الأخفش، إنما قرأ على الجرمي، ثم اختلف إلى الأخفش وقد برع، وكان يناظره ويقدمه الأخفش وهو حيّ. وكان أبو عبيدة يسميه بالتّدرج والنقّار.
مات أبو عثمان فيما ذكره الخطيب في سنة تسع وأربعين ومائتين أو ثمان وأربعين ومائتين وذكر ابن واضح أنه مات سنة ثلاثين ومائتين.
حدث المبرد عن المازني قال: كنت عند أبي عبيدة فسأله رجل فقال له: كيف تقول عنيت بالأمر، قال: كما قلت «عنيت بالأمر» قال: فكيف الأمر منه؟ قال:
فغلط وقال اعن بالأمر، فأومأت إلى الرجل ليس كما قال، فرآني أبو عبيدة فأمهلني قليلا فقال: ما تصنع عندي؟ قلت: ما يصنع غيري، قال: لست كغيرك، لا تجلس إليّ، قلت: ولم؟ قال: لأني رأيتك مع إنسان خوزي سرق مني قطيفة، قال: فانصرفت وتحمّلت عليه بأخوانه، فلما جئته قال لي: أدّب نفسك أوّلا ثم تعلّم الأدب.
قال المبرد: الأمر من هذا باللام لا يجوز غيره لأنك تأمر غير من بحضرتك كأنّه ليفعل هذا.
وقال الجماز يهجو المازني:
كادني المازنيّ عند أبي العباس والفضل ما علمت كريم
يا شبيه النساء في كل فنّ ... إن كيد النساء كيد عظيم
جمع المازنيّ خمس خصال ... ليس يقوى بحملهنّ حليم
هو بالشعر والعروض و ... بالنحو وغمز الأيور طبّ عليم
ليس ذنبي إليك يا بكر إلا ... أنّ أيري عليك ليس يقوم
وكفاني ما قال يوسف في ذا ... إنّ ربّي بكيدكنّ عليم
وحدّث المبرد قال: عزّى المازني بعض الهاشميين ونحن معه فقال:
إني أعزّيك لا أني على ثقة ... من الحياة ولكن سنة الدين
ليس المعزّي بباق بعد ميّته ... ولا المعزّى وإن عاشا الى حين
стр. 759
وقد روي عن المبرد أن يهوديّا بذل للمازني مائة دينار ليقرئه «كتاب سيبويه» فامتنع من ذلك، فقيل له: لم امتنعت مع حاجتك وعائلتك؟ فقال: إن في «كتاب سيبويه» كذا وكذا آية من كتاب الله، فكرهت أن أقرىء كتاب الله للذمّة، فلم يمض على ذلك إلا مديدة حتى أرسل الواثق في طلبه وأخلف الله عليه أضعاف ما تركه لله، كما حدث أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني في «كتاب الأغاني» «١» بإسناد رفعه الى أبي عثمان المازني قال: كان سبب طلب الواثق لي أن مخارقا غناه في شعر الحارث بن خالد المخزومي:
أظليم أن مصابكم رجلا ... أهدى السلام تحية ظلم
فلحّنه قوم وصوّبه آخرون، فسأل الواثق عمن بقي من رؤساء النحويين فذكرت له، فأمر بحملي وإزاحة عللي. فلما وصلت إليه قال لي: ممن الرجل؟ قلت: من بني مازن، قال: من مازن تميم أم مازن قيس أم مازن ربيعة أم مازن اليمن؟ قلت:
من مازن ربيعة، قال لي: با اسمك- يريد ما اسمك، وهي لغة كثيرة في قومنا، فقلت على القياس: اسمي مكر- وفي رواية فقلت: اسمي بكر- فضحك وأعجبه ذلك، وفطن لما قصدت أنني لم أستجرىء أن أواجهه بالمكر وضحك، وقال:
اجلس فاطبئن أي فاطمئن، فجلست فسألني عن البيت فقلت: صوابه إنّ مصابكم رجلا، قال: فأين خبر إنّ؟ قلت: ظلم، وهو الحرف في آخر البيت، والبيت كله متعلق به لا معنى له حتى يتمّ بقوله ظلم، ألا ترى أنه لو قال أظليم إنّ مصابكم رجلا أهدى السلام تحية فكأنّه لم يفد شيئا حتى يقول ظلم، ولو قال أظليم إن مصابكم رجل أهدى السلام تحية لما احتاج إلى ظلم ولا كان له معنى إلا أن تجعل التحية بالسلام ظلما، وذلك محال، ويجب حينئذ أظليم إن مصابكم رجل أهدى السلام تحية ظلما ولا معنى لذلك، ولا هو لو كان له وجه مراد الشاعر فقال: صدقت، ألك ولد؟ قلت:
بنية لا غير، قال: فما قالت لك حين ودّعتها؟ قلت: أنشدتني قول الأعشى:
تقول ابنتي حين جدّ الرحيل ... أرانا سواء ومن قد يتم
стр. 760
أبانا فلا رمت من عندنا ... فانا بخير إذا لم ترم
أرانا إذا أضمرتك البلاد ... نجفى وتقطع منا الرّحم
فقال الواثق: كأني بك وقد قلت لها قول الأعشى أيضا:
تقول بنتي وقد قرّبت مرتحلا ... يا ربّ جنّب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صلّيت فاعتصمي ... يوما فإن لجنب المرء مضطجعا
فقلت: صدق أمير المؤمنين، قلت لها ذلك وزدتها قول جرير:
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح
فقال: ثق بالنجاح إن شاء الله تعالى، إن ها هنا قوما يختلفون إلى أولادنا فامتحنهم، فمن كان عالما ينتفع به ألزمناهم إياه، ومن كان بغير هذه الصفة قطعناه عنهم، قال: فامتحنتهم فما وجدت فيهم طائلا، وحذروا ناحيتي، فقلت: لا بأس على أحد منكم، فلما رجعت إليه قال: كيف رأيتهم؟ فقلت: يفضل بعضهم بعضا في علوم ويفضل الباقون في غيرها وكلّ يحتاج إليه، فقال الواثق: إني خاطبت منهم رجلا فكان في نهاية الجهل في خطابه ونظره، فقلت: يا أمير المؤمنين أكثر من تقدم فهم بهذه الصفة، وقد أنشدت فيهم:
إن المعلم لا يزال مضعّفا ... ولو ابتنى فوق السماء سماء «١»
من علّم الصبيان أصبوا «٢» عقله ... مما يلاقي بكرة وعشاء
قال فقال لي: لله درّك كيف لي بك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين ان الغنم لفي قربك والأمن والفوز لديك والنظر إليك، ولكني ألفت الوحدة وأنست بالانفراد، ولي أهل يوحشني البعد عنهم ويضرّ بهم ذلك، ومطالبة العادة أشدّ من مطالبة الطباع، فقال لي: فلا تقطعنا وان لم نطلبك، فقلت: السمع والطاعة، وأمر لي بألف دينار (وفي رواية بخمسمائة دينار) وأجرى عليّ في كلّ شهر مائة دينار.
стр. 761
وزاد الزبيدي قال «١» : وكنت بحضرته يوما فقلت لابن قادم أو ابن سعدان وقد كابرني: كيف تقول نفقتك دينارا أصلح من درهم فقال: دينار بالرفع، قلت: فكيف تقول ضربك زيدا خير لك فنصب زيدا، فطالبته بالفرق بينهما فانقطع، وكان ابن السكيت حاضرا فقال الواثق «٢» سله عن مسألة، فقلت له: ما وزن نكتل من الفعل؟
فقال: نفعل، فقال الواثق، غلطت، ثم قال لي: فسّره، فقلت: نكتل تقديره نفتعل، وأصله نكتيل فانقلبت الياء ألفا لفتحة ما قبلها فصار لفظها نكتال، فأسكنت اللام للجزم لأنه جواب الأمر، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فقال الواثق: هذا الجواب لا جوابك يا يعقوب. فلما خرجنا قال لي يعقوب: ما حملك على هذا وبيني وبينك المودة الخالصة؟ فقلت: والله ما قصدت تخطئتك ولم أظنّ أنه يعزب عنك ذلك؛ ولهذا البيت قصة أخرى في أخبار ابن السكيت.
قال المبرّد: سألت المازني عن قول الأعشى:
هذا النهار بدا لها من همها ... ما بالها بالليل زال زوالها
فقال: نصب النهار على تقدير هذا الصدود بدا لها النهار واليوم والليلة، والعرب تقول زال وأزال بمعنى، فتقول زال زوالها.
وحدث الزبيدي قال، قال المازني «٣» : وحضرت يوما عند الواثق، وعنده نحاة الكوفة، فقال لي الواثق: يا مازني هات مسألة، فقلت: ما تقولون في قوله تعالى وما كانت أمك بغيا
(مريم: ٢٨) لم لم يقل بغيّة وهي صفة لمؤنث؟ فأجابوا بجوابات غير مرضية، فقال الواثق: هات ما عندك، فقلت: لو كانت بغيّ على تقدير فعيل بمعنى فاعلة لحقتها الهاء مثل كريمة وظريفة، وإنما تحذف الهاء إذا كانت في معنى مفعولة، نحو المرأة قتيل وكفّ خضيب، وبغيّ ها هنا ليس بفعيل إنما هو فعول، وفعول لا تلحقه الهاء في وصف التأنيث، نحو امرأة شكور وبئر شطون إذا كانت بعيدة الرشاء، وتقدير بغيّ بغوي قلبت الواو ياء ثم ادغمت في الياء فصارت ياء
стр. 762
ثقيلة نحو سيّد وميّت، فاستحسن الجواب.
قال المازني «١» : ثم انصرفت إلى البصرة فكان الوالي يجري عليّ المائة دينار في كل شهر حتى مات الواثق فقطعت عني. ثم ذكرت للمتوكل فأشخصني، فلما دخلت إليه رأيت من العدد والسلاح والأتراك ما راعني، والفتح بن خاقان بين يديه، وخشيت أن سئلت عن مسألة ألّا أجيب فيها. فلما مثلت بين يديه وسلمت قلت: يا أمير المؤمنين أقول كما قال الأعرابي «٢» :
لا تقلواها وادلواها دلوا ... إنّ مع اليوم أخاه غدوا
قال أبو عثمان: فلم يفهم عني ما أردت واستبردت فأخرجت (والقلو: أرفع السير، والدلو أدناه) ثم دعاني بعد ذلك فقال: أنشدني أحسن مرثية للعرب «٣» فأنشدته قول أبي ذؤيب:
أمن المنون وريبها تتوجّع
وقصيدة متمم بن نويرة:
لعمري وما دهري بتأبين هالك
وقول كعب الغنوي:
تقول سليمى ما بجسمك شاحبا
وقصيدة محمد بن مناذر:
كل حيّ لاقي الحمام فمودي
فكان كلما أنشدته قصيدة يقول: ليست بشيء، ثم قال: من شاعركم اليوم بالبصرة؟ قلت: عبد الصمد بن المعذل، قال: فأنشدني له، فأنشدته أبياتا قالها في قاضينا ابن رياح «٤» :
стр. 763
أيا قاضية البصرة ... قومي فارقصي قطره
ومرّي برواشنك ... فماذا البرد والفتره
أراك قد تثيرين ... عجاج القصف يا حرّه
بتحذيفك خدّيك ... وتجعيدك للطّرّه
قال: فاستحسنها واستطار لها وأمر لي بجائزة؛ قال فكنت أتعمّل له أن أحفظ أمثالها فأنشده إذا وصلت إليه فيصلني، وكان المازني يفضل الواثق.
وللمازني شعر قليل منه ذكره المرزباني:
شيئان يعجز ذو الرياضة عنهما ... رأي النساء وإمرة الصبيان
أما النساء فانهن عواهر ... وأخو الصبا يجري بكلّ عنان
ولما مات المازني اجتازت جنازته على أبي الفضل الرياشي فقال متمثلا:
لا يبعد الله أقواما رزئتهم ... أفناهم حدثان الدهر والأبد
نمدّهم كلّ يوم من بقيتنا ... ولا يؤوب إلينا منهم أحد
قال محمد بن إسحاق «١» : وللمازني من الكتب: كتاب في القرآن كبير. كتاب علل النحو صغير. كتاب تفاسير كتاب سيبويه. كتاب ما يلحن فيه العامة. كتاب الألف واللام. كتاب التصريف. كتاب العروض. كتاب القوافي. كتاب الديباج في جوامع كتاب سيبويه.
قرأت بخط الازهري أبي منصور في كتاب «نظم الجمان» تصنيف المنذري قال: سئل المازني عن أهل العلم فقال: أصحاب القرآن فيهم تخليط وضعف، وأهل الحديث فيهم حشو ورقاعة، والشعراء فيهم هوج، وأصحاب النحو فيهم ثقل، وفي رواية الأخبار الظّرف كلّه، والعلم هو الفقه.
وتصانيف المازني كلها لطاف، فإنه كان يقول: من أراد أن يصنّف كتابا كبيرا في النحو بعد «كتاب سيبويه» فليستح. وتخرّق كتاب سيبويه في كمّه عدّة نوب.
حدث «٢» محمد بن رستم الطبري قال، أنبأنا ابو عثمان المازني قال: كنت عند
стр. 764
سعيد بن مسعدة الأخفش انا وأبو الفضل الرياشي، فقال الأخفش: إن «منذ» إذا رفع بها فهي اسم مبتدأ وما بعدها خبرها كقولك ما رأيته منذ يومان، فإذا خفض بها فهي حرف معنى ليس باسم كقولك ما رأيته منذ اليوم، فقال له الرياشي: فلم لا تكون في الموضعين اسما، فقد نرى الأسماء تخفض وتنصب كقولك هذا ضارب زيدا غدا وضارب زيد أمس، فلم لا تكون بهذه المنزلة؟ فلم يأت الأخفش بمقنع. قال أبو عثمان: فقلت له لا تشبه «منذ» ما ذكرت، لأنا لم نر الأسماء هكذا تلزم موضعا إلا إذا ضارعت حروف المعاني، نحو أين وكيف، فكذلك «منذ» هي مضارعة لحروف المعاني فلزمت موضعا واحدا؛ قال الطبري، فقال ابن أبي زرعة للمازني: أفرأيت حروف المعاني تعمل عملين مختلفين متضادّين؟ قال: نعم كقولك قام القوم حاشا زيد وحاشا زيدا، وعلى زيد ثوب وعلا زيد الفرس، فتكون مرة حرفا ومرة فعلا بلفظ واحد.
وحدث المبرد قال: سمعت المازني يقول معنى قولهم «إذا لم تستح فاصنع ما شئت» أي إذا صنعت ما لا يستحى من مثله فاصنع منه ما شئت وليس على ما يذهب العوام إليه، قلت: وهذا تأويل حسن جدا.
قال أبو القاسم الزجاجي، أخبرنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن رستم الطبري قال: حضرت مجلس ابي عثمان المازني وقد قيل له: لم قلّت روايتك عن الأصمعي؟ قال: رميت عنده بالقدر والميل إلى مذاهب أهل الاعتزال، فجئته يوما وهو في مجلسه فقال لي: ما تقول في قول الله إنا كل شيء خلقناه بقدر
(القمر: ٤٩) قلت: سيبويه يذهب إلى أنّ الرفع فيه أقوى من النصب في العربية لاستعمال الفعل المضمر، وأنه ليس ها هنا شيء هو بالفعل أولى، ولكن أبت عامّة القراء الا النصب، ونحن نقرؤها كذلك اتباعا لأنّ القراءة سنة، فقال لي: فما الفرق بين الرفع والنصب في المعنى؟ فعلمت مراده فخشيت أن يغري بي العامة، فقلت:
الرفع بالابتداء والنصب باضمار فعل وتعاميت عليه، فقال: حدثني جماعة من أصحابنا أن الفرزدق قال يوما لأصحابه: قوموا بنا إلى مجلس الحسن البصري، فإني أريد أن أطلّق النوار وأشهده على نفسي، فقالوا له: لا تفعل فلعلّ نفسك تتبعها وتندم، فقال: لا بد من ذلك، فمضوا معه، فلما وقف على الحسن قال له: يا أبا سعيد
стр. 765
تعلّمن ان النوار طالق ثلاثا، قال: قد سمعت فتتبعتها نفسه بعد ذلك وندم وأنشأ يقول «١» :
ندمت ندامة الكسعيّ لما ... غدت منّي مطلقة نوار
وكانت جنّتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضّرار
ولو أني ملكت يدي ونفسي ... لكان عليّ للقدر الخيار
ثم قال: والعرب تقول: لو خيّرت لاخترت، تحيل على القدر، وينشدون:
هي المقادير فلمني أو فذر ... إن كنت أخطأت فلم يخط القدر
ثم أطبق نعليه وقال: نعم القناع للقدري، فأقللت غشيانه بعد ذلك.
قال المبرد حدثني المازني قال: مررت ببني عقيل فإذا رجل أسود قصير أعور أبرص أكشف قائم على تلّ سماد، وهو يملأ جواليق معه من ذلك السماد، وهو يغنّي بأعلى صوته:
فإن تصرمي حبلي وتستكرهي وصلي ... فمثلك موجود ولن تجدي مثلي
فقلت: صدقت والله، ومتى تجد ويحها مثلك؟! فقال: بارك الله عليك، وسهّل خيرا، ثم اندفع ينشد:
يا ربة المطرف والخلخال ... ما أنت من همّي ومن أشكالي
مثلك موجود ومثلي غالي
[٢٦٧]
بندار بن عبد الحميد الكرخي الأصبهاني
يعرف بابن لره: ذكره محمد بن إسحاق في «الفهرست» فقال: أخذ عن أبي عبيد القاسم بن سلام وأخذ عنه ابن كيسان.
стр. 766
وقال ابن الانباري عن أبيه القاسم: كان بندار يحفظ سبعمائة قصيدة أول كل قصيدة بانت سعاد.
قال المؤلف: وبلغني عن الشيخ الامام أبي محمد الخشاب أنه قال: أنعمت «١» التفتيش والتنقير فلم أقع على أكثر من ستين قصيدة أولها بانت سعاد.
وفي «كتاب أصبهان» : كان بندار بن لره متقدما في علم اللغة ورواية الشعر، وكان ممن استوطن الكرج، ثم خرج منها إلى العراق فظهر هناك فضله، وكان الطوسيّ صاحب ابن الأعرابي يوصي أصحابه بالأخذ عن بندار ويقول: هو أعلم مني ومن غيري فخذوا عنه.
قال: وحدث أبو بكر ابن الأنباريّ في أماليه ببغداد قال: سمعت أبا العباس الأموي يقول: كان بندار بن لره الأصبهاني أحفظ أهل زمانه للشعر، وأعلمهم به، أنشدني من حفظه ثمانين قصيدة أول كل قصيدة منها بانت سعاد.
قال حمزة: وحدثني النوشجان بن عبد المسيح، قال سمعت المبرد يقول:
كان سبب غناي بندار بن لره الأصبهاني، وذلك أني حين فارقت البصرة وأصعدت إلى سامرّا وردتها في أيام المتوكل، فآخيت بها بندار بن لره، وكان واحد زمانه في رواية دواوين شعر العرب، حتى كان لا يشذّ عن حفظه من شعر شعراء الجاهلية والاسلام إلا القليل، وأصح الناس معرفة باللغة، وكان له كلّ أسبوع دخلة على المتوكل، فجمع بيني وبين النحويين، فمرّت ليلة في داره مجالس، فرفع حديثي إلى الفتح بن خاقان، ثم توصل إلى أن وصفني للمتوكل، فأمر بإحضاري مجلسه، وكان المتوكل يعجبه الأخبار والأنساب، ويروي صدرا منها يمتحن من يراه بما يقع فيها من غريب اللغة، فلما دنوت من طرف بساطه استدناني حتى صرت إلى جانب بندار، فأقبل علينا وقال: يا ابن لره ويا ابن يزيد ما معنى هذه الأحرف التي جاءت في هذا الخبر «ركبت «٢» الدجوجيّ وأمامي قبيله، فنزلت ثم سريت الصباح فمررت وليس أمامي إلا نجيم فرقصت أمامي فمنحت النحوص والمسحل والتدمرية، ثم عطفت ورائي قلّوب فلم أزل به حتى أذقته الحمام، ثم رجعت إلى ورائي فلم أزل أمارس الأغضف في
стр. 767
قتله، فحمل عليّ وحملت عليه حتى خرّ صريعا» قال المبرد: فبقيت متحيّرا، فبدر بندار وقال: يا أمير المؤمنين في هذا نظر ورويّة، فقال: قد أجّلتكما بياض يومي، فانصرفا وباكراني غدا، فخرجنا من عنده وأقبل بندار عليّ وقال: إن ساعدك الجد ظفرت بهذا الخبر، فاطلب فإني طالبه، فانقلبت إلى منزلي وقلبت الدفاتر ظهرا لبطن حتى وقفت على هذا الخبر في أثناء أخبار الأعراب، فتحفظته وباكرت بندار فأنهضته معي وصبّحناه، وبدأت فرويت الخبر، ثم فسرت ألفاظه فالتفت إلى بندار وقال: ابن يزيد فوق ما وصفتم، ثم قال يا غلام: عليّ بالخازن، فحضر فقال له: أخرج إلى ابن يزيد ألفي دينار وقل للحاجب يسهّل إذنه عليّ، فصار ذلك أصل مالي، وكان بندار ﵀ أصله وسببه.
قرأت بخط عبد السلام البصري في «كتاب عقلاء المجانين» لأبي بكر ابن محمد الأزهري حدثنا محمد بن أبي الأزهر قال: كنت يوما في مجلس بندار بن لره الكرخي بحضرة منزله في درب عبد الرحيم الرزامي بدكان الأبناء، وعنده جماعة من أصحابه، إذ هجم علينا المسجد برذعة الموسوس، ومعه مخلاة فيها دفاتر وجزازات، وقد تبعه الصبيان، فجلس إلى جانب بندار، وكأنّ بندارا فرق منه، فقال: اطرد ويلك هؤلاء الصبيان عنّي، فقال لنا: اطردوهم عنه، فوثبت أنا من بين أهل المجلس فصحت عليهم وطردتهم، فجلس ساعة ثم وثب فنظر هل يرى منهم أحدا، فلما لم يرهم رجع فجلس ساعة ثم قال: اكتبوا: حدثني محمد بن أحمد بن عسكر بن عبد الرزاق عن معمر قال: سئل الشعبي ما اسم امرأة ابليس فقال: هذا عرس لم أشهد إملاكه. ثم أقبل على بندار فقال: يا شيخ ما معنى قول الشاعر:
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت ... فقد رابني منها الغداة سفورها
فقال لنا بندار: أجيبوه، فقال: يا مجنون أسألك ويجيب غيرك؟! فقال بندار:
يقول إنه لما رآها فعلت ما فعلته من سفورها، ولم تكن تعهد به، علم أنها قد حذرته من بحضرتها ليحجم عن كلامها وانبساطه إليها؛ فضحك ومسح يده على رأس بندار وقال: أحسنت يا كيّس، وكان بندار قد قارب في ذلك الوقت تسعين سنة «١» .
стр. 768
[٢٦٨]
بهزاد بن أبي يعقوب يوسف بن يعقوب بن خرزاد
النجيرمي: راوية نحوي في طبقة أبيه، مات قبل أبيه بما يقارب الثلاثة شهور بمصر، وذلك لسبع خلون من شوال سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة. قال السمعاني في «كتاب الأنساب» «١» نجيرم:
محلة بالبصرة إليها ينسب النجيرميون.
стр. 769
حرف التاء
[٢٦٩]
تمام بن غالب بن عمرو يعرف بابن التياني
أبو غالب المرسي الأندلسي:
بخط ابن حلم «١» ، قال سعد الخير: مرسية بلدة حسنة من بلاد الأندلس، كثيرة التين يجلب منها إلى سائر البلدان فلعلّه نسب إليه لبيع التين.
ذكره الحميدي فقال: كان إماما في اللغة وثقة في إيرادها، مذكورا بالديانة والورع، مات بالمرية في جمادى سنة ست وثلاثين وأربعمائة. وله «كتاب تلقيح العين» في اللغة «٢» ، لم يؤلف مثله اختصارا وإكثارا، وله فيه قصة تدلّ على فضله «٣» ، وذلك أن الأمير أبا الجيش مجاهد بن عبد الله العامري- وهو أحد المتغلبين على تلك النواحي- وجه إلى أبي غالب هذا أيام غلبته على مرسية، وأبو غالب ساكن بها، ألف دينار أندلسية على أن يزيد في ترجمة هذا الكتاب «مما ألفه تمام بن غالب لأبي الجيش مجاهد» فردّ الدنانير ولم يفعل وقال: والله لو بذل لي ملء الدنيا ما فعلت ولا استجزت الكذب، فإني لم أجمعه له خاصة لكن لكلّ طالب عامة. قال الحميدي: فاعجب لهمة هذا الرئيس وعلوّها، واعجب لنفس هذا العالم ونزاهتها «٤» .
стр. 770
وقال أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال الأنصاري الأندلسي في «كتاب الصلة» من تصنيفه، وهو كتاب وصل به كتاب ابن الفرضي في تاريخ الأندلسيين، قال ابن حيان: وله كتاب جامع في اللغة سماه «تلقيح العين» جم الافادة، وكان بقية شيوخ اللغة الضابطين لحروفها، الحاذقين بمقاييسها، وكان ثقة صدوقا عفيفا، وذكر وفاته كما تقدم.
[٢٧٠]
توفيق بن محمد بن الحسين بن عبيد الله بن محمد بن زريق
، أبو محمد الأطرابلسي النحوي: كان جده محمد بن زريق يتولى أمر الثغور من قبل الطائع لله، وانتقل ابنه عبيد الله إلى الشام، وولد توفيق باطرابلس، وسكن دمشق، وكان أديبا فاضلا شاعرا، وكان يتهم بقلة الدين والميل إلى مذاهب الأوائل، ومن شعره:
وجلّنار كأعراف الديوك على ... خضر تميس كأذناب الطواويس
مثل العروس تجلّت يوم زينتها ... حمراء تجلى «١» على خضر الملابيس
في مجلس لعبت أيدي السرور به ... لدى عريش يحاكي عرش بلقيس
سقى الحيا أربعا تحيا النفوس بها ... ما بين مقرى «٢» إلى باب الفراديس
مات في صفر سنة عشر وخمسمائة، ودفن بمقبرة باب الفراديس.
стр. 771
حرف الثاء
[٢٧١]
ثابت بن الحسين بن شراعة أبو طالب التميمي الأديب
: ذكره شيرويه فقال: روى عن ابن سلمة وابن عيسى وأبي الفضل محمد بن عبد الله الرشيدي ومنصور بن رامش والريحاني وغيرهم، سمعت منه وكان صدوقا، توفي في العشر الأخير من صفر سنة تسع وستين وأربعمائة.
[٢٧٢]
ثابت بن أبي ثابت علي بن عبد الله الكوفي
: قال الزبيدي: كان من أمثل أصحاب أبي عبيد القاسم بن سلام، وقيل اسم أبي ثابت سعيد، وقال النديم قال السكري: اسم أبي ثابت محمد، لغوي لقي فصحاء الأعراب وأخذ عنهم، وهو من كبار الكوفيين. قال محمد بن إسحاق: وله من الكتب: كتاب خلق الإنسان. كتاب الفرق. كتاب الزجر والدعاء. كتاب خلق الفرس. كتاب الوحوش. كتاب مختصر العربية. كتاب العروض.
стр. 772
[٢٧٣]
ثابت بن أبي ثابت عبد العزيز اللغوي الذي له
كتاب «خلق الانسان» من علماء اللغة: يروي عن أبي عبيد القاسم بن سلام وأبي الحسن علي بن المغيرة الأثرم واللحياني وأبي نصر أحمد بن حاتم وسلمة بن عاصم التميمي وأبي عبد الله محمد بن زياد وآخرين. روى عنه أبو الفوارس داود بن محمد بن صالح المروزي النحوي المعروف بصاحب ابن السكيت وابنه عبد العزيز بن ثابت.
واسم أبي ثابت أبيه عبد العزيز، من أهل العراق، جليل القدر موثوق به مقبول القول في اللغة يعرف بورّاق أبي عبيد.
[٢٧٤]
ثابت بن عمرو بن حبيب
مولى عليّ بن رائطة، روى عن أبي عبيد القاسم بن سلام.
[٢٧٥]
ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة بن مروان الصابىء
أبو الحسن الطبيب المؤرخ: مات فيما ذكره هلال بن المحسن لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وستين وثلاثمائة، وكان قد ذكر في تاريخه إلى آخر سنة ستين، ووصل هلال بن المحسن من أول سنة إحدى وستين وثلاثمائة. وكان أبو الحسن طبيبا حاذقا وأديبا بارعا وله «كتاب التاريخ» الذي ابتدأ به من أول أيام المقتدر. وله كتاب مفرد
стр. 773
في أخبار الشام ومصر مجلد واحد. وقال أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابىء يرثي خاله أبا الحسن ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة:
أسامع أنت يا من ضمّه الجدف ... نشيج باك حزين دمعه يكف
وزفرة من صميم القلب صاعدة ... يكاد منها حجاب الصدر ينكشف
أثابت بن سنان دعوة شهدت ... لربها أنه ذو غلّة أسف
ما بال طبّك ما يشفي وكنت به ... تشفي العليل إذا ما شفّه الدنف
غالتك غول المنايا فاستكنت لها ... وكنت ذائدها والروح تختطف
فارقتني كفراق الكفّ صاحبها ... أطنّها ضارب من زندها ثقف
فتتّ في عضدي يا من غنيت به ... أفتّ في عضد الباغي وأنتصف
ثوى بمغناك في لحد سكنت به ... الدين والعقل والعلياء والشرف
لهفي عليك كريما في عشيرته ... ممهدا جسمه من نعمة ترف
قد أسلموه إلى غبراء يشمله ... فيها التراب فمنها الفرش واللحف
[٢٧٦]
ثابت بن محمد الجرجاني أبو الفتوح
: ذكره الحميدي في كتاب الأندلسيين فقال: دخل إلى الأندلس وجال في أقطارها «١» وبلغ إلى ثغورها واجتمع بملوكها، وكان إماما في العربية متمكنا في علم العرب.
قال ابن بشكوال: قتل في محرم سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، قتله باديس بن
стр. 774
حبوس أمير صنهاجة لتهمة لحقته عنده في القيام عليه مع ابن عمه يدّير بن حباسة.
ومولده سنة خمسين وثلاثمائة. وكان مع تحققه بالأدب قيما بعلم المنطق، ودخل بغداد وأقام بها طالبا، وأملى بالأندلس كتاب «شرح الجمل» للزجاجي. روى ببغداد عن ابن جني وعلي بن عيسى الربعي وعبد السلام بن الحسين البصريّ، وروى كثيرا من علم الأدب.
وحدث الحميدي عن أبي محمد علي بن أحمد عن البراء بن عبد الملك الباجي قال: لما ورد أبو الفتوح الجرجاني الأندلس كان أول من لقي من ملوكها الأمير الموفق أبا الجيش مجاهدا العامري، فأكرمه وبالغ في إكرامه، فسأله يوما عن رفيقه: من هذا معك؟ فقال:
رفيقان شتّى ألّف الدهر بيننا ... وقد يلتقي الشتّى فيأتلفان
قال أبو محمد: ثم لقيت بعد ذلك أبا الفتوح فأخبرني عن بعض شيوخه أن ابن الأعرابي رأى في مجلسه رجلين يتحادثان، فقال لأحدهما: من أين أنت؟ فقال: من أسبيجاب؟ وقال للآخر: من أين أنت؟ فقال: من الأندلس، فعجب ابن الأعرابي وأنشد البيت المتقدم ثم أنشدني تمامها «١» :
نزلنا على قيسيّة يمنية ... لها نسب في الصالحين هجان
فقالت وأرخت جانب الستر دوننا ... لأيّة أرض أم من الرجلان
فقلت لها أما رفيقي فقومه ... تميم وأما أسرتي فيماني
رفيقان شتّى ألّف الدهر بيننا ... وقد يلتقي الشتّى فيأتلفان
стр. 775
[٢٧٧]
أبو ثروان العكلي
: أحد بني عكل، وعكل اسم امرأة حضنت ولد عوف بن وائل بن قيس بن عوف بن عبد مناة «١» بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وهي أمة لهم، وأمهم بنت ذي اللحية بن حمير، كان ثطّا فسمّي بضدّ صفته، وبنو عوف بن وائل: الحارث وجشم وسعد وعلي وقيس، درج ولا عقب له، فكلّ من ولده واحد من هؤلاء كان عكليا.
وكان أبو ثروان أعرابيا بدويا تعلم في البادية، كذا ذكر يعقوب بن السكيت ووجد بخطّه، وكان فصيحا.
قال محمد بن إسحاق: وله من الكتب: كتاب خلق الفرس. كتاب معاني الشعر.