حرف الثاء
[٢٧١]
ثابت بن الحسين بن شراعة أبو طالب التميمي الأديب
: ذكره شيرويه فقال: روى عن ابن سلمة وابن عيسى وأبي الفضل محمد بن عبد الله الرشيدي ومنصور بن رامش والريحاني وغيرهم، سمعت منه وكان صدوقا، توفي في العشر الأخير من صفر سنة تسع وستين وأربعمائة.
[٢٧٢]
ثابت بن أبي ثابت علي بن عبد الله الكوفي
: قال الزبيدي: كان من أمثل أصحاب أبي عبيد القاسم بن سلام، وقيل اسم أبي ثابت سعيد، وقال النديم قال السكري: اسم أبي ثابت محمد، لغوي لقي فصحاء الأعراب وأخذ عنهم، وهو من كبار الكوفيين. قال محمد بن إسحاق: وله من الكتب: كتاب خلق الإنسان. كتاب الفرق. كتاب الزجر والدعاء. كتاب خلق الفرس. كتاب الوحوش. كتاب مختصر العربية. كتاب العروض.
стр. 772
[٢٧٣]
ثابت بن أبي ثابت عبد العزيز اللغوي الذي له
كتاب «خلق الانسان» من علماء اللغة: يروي عن أبي عبيد القاسم بن سلام وأبي الحسن علي بن المغيرة الأثرم واللحياني وأبي نصر أحمد بن حاتم وسلمة بن عاصم التميمي وأبي عبد الله محمد بن زياد وآخرين. روى عنه أبو الفوارس داود بن محمد بن صالح المروزي النحوي المعروف بصاحب ابن السكيت وابنه عبد العزيز بن ثابت.
واسم أبي ثابت أبيه عبد العزيز، من أهل العراق، جليل القدر موثوق به مقبول القول في اللغة يعرف بورّاق أبي عبيد.
[٢٧٤]
ثابت بن عمرو بن حبيب
مولى عليّ بن رائطة، روى عن أبي عبيد القاسم بن سلام.
[٢٧٥]
ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة بن مروان الصابىء
أبو الحسن الطبيب المؤرخ: مات فيما ذكره هلال بن المحسن لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وستين وثلاثمائة، وكان قد ذكر في تاريخه إلى آخر سنة ستين، ووصل هلال بن المحسن من أول سنة إحدى وستين وثلاثمائة. وكان أبو الحسن طبيبا حاذقا وأديبا بارعا وله «كتاب التاريخ» الذي ابتدأ به من أول أيام المقتدر. وله كتاب مفرد
стр. 773
في أخبار الشام ومصر مجلد واحد. وقال أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابىء يرثي خاله أبا الحسن ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة:
أسامع أنت يا من ضمّه الجدف ... نشيج باك حزين دمعه يكف
وزفرة من صميم القلب صاعدة ... يكاد منها حجاب الصدر ينكشف
أثابت بن سنان دعوة شهدت ... لربها أنه ذو غلّة أسف
ما بال طبّك ما يشفي وكنت به ... تشفي العليل إذا ما شفّه الدنف
غالتك غول المنايا فاستكنت لها ... وكنت ذائدها والروح تختطف
فارقتني كفراق الكفّ صاحبها ... أطنّها ضارب من زندها ثقف
فتتّ في عضدي يا من غنيت به ... أفتّ في عضد الباغي وأنتصف
ثوى بمغناك في لحد سكنت به ... الدين والعقل والعلياء والشرف
لهفي عليك كريما في عشيرته ... ممهدا جسمه من نعمة ترف
قد أسلموه إلى غبراء يشمله ... فيها التراب فمنها الفرش واللحف
[٢٧٦]
ثابت بن محمد الجرجاني أبو الفتوح
: ذكره الحميدي في كتاب الأندلسيين فقال: دخل إلى الأندلس وجال في أقطارها «١» وبلغ إلى ثغورها واجتمع بملوكها، وكان إماما في العربية متمكنا في علم العرب.
قال ابن بشكوال: قتل في محرم سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، قتله باديس بن
стр. 774
حبوس أمير صنهاجة لتهمة لحقته عنده في القيام عليه مع ابن عمه يدّير بن حباسة.
ومولده سنة خمسين وثلاثمائة. وكان مع تحققه بالأدب قيما بعلم المنطق، ودخل بغداد وأقام بها طالبا، وأملى بالأندلس كتاب «شرح الجمل» للزجاجي. روى ببغداد عن ابن جني وعلي بن عيسى الربعي وعبد السلام بن الحسين البصريّ، وروى كثيرا من علم الأدب.
وحدث الحميدي عن أبي محمد علي بن أحمد عن البراء بن عبد الملك الباجي قال: لما ورد أبو الفتوح الجرجاني الأندلس كان أول من لقي من ملوكها الأمير الموفق أبا الجيش مجاهدا العامري، فأكرمه وبالغ في إكرامه، فسأله يوما عن رفيقه: من هذا معك؟ فقال:
رفيقان شتّى ألّف الدهر بيننا ... وقد يلتقي الشتّى فيأتلفان
قال أبو محمد: ثم لقيت بعد ذلك أبا الفتوح فأخبرني عن بعض شيوخه أن ابن الأعرابي رأى في مجلسه رجلين يتحادثان، فقال لأحدهما: من أين أنت؟ فقال: من أسبيجاب؟ وقال للآخر: من أين أنت؟ فقال: من الأندلس، فعجب ابن الأعرابي وأنشد البيت المتقدم ثم أنشدني تمامها «١» :
نزلنا على قيسيّة يمنية ... لها نسب في الصالحين هجان
فقالت وأرخت جانب الستر دوننا ... لأيّة أرض أم من الرجلان
فقلت لها أما رفيقي فقومه ... تميم وأما أسرتي فيماني
رفيقان شتّى ألّف الدهر بيننا ... وقد يلتقي الشتّى فيأتلفان
стр. 775
[٢٧٧]
أبو ثروان العكلي
: أحد بني عكل، وعكل اسم امرأة حضنت ولد عوف بن وائل بن قيس بن عوف بن عبد مناة «١» بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وهي أمة لهم، وأمهم بنت ذي اللحية بن حمير، كان ثطّا فسمّي بضدّ صفته، وبنو عوف بن وائل: الحارث وجشم وسعد وعلي وقيس، درج ولا عقب له، فكلّ من ولده واحد من هؤلاء كان عكليا.
وكان أبو ثروان أعرابيا بدويا تعلم في البادية، كذا ذكر يعقوب بن السكيت ووجد بخطّه، وكان فصيحا.
قال محمد بن إسحاق: وله من الكتب: كتاب خلق الفرس. كتاب معاني الشعر.
стр. 776
حرف الجيم
[٢٧٨]
جبر بن علي بن عيسى بن الفرج بن صالح
: أبو البركات الربعي الزهيري «١» ، ووالده أبو الحسن علي بن عيسى هو النحوي المشهور صاحب أبي علي الفارسيّ. وكان أبو البركات هذا أحد الأدباء البلغاء الفصحاء.
قال محمد بن عبد الملك الهمذاني: كان ينوب عن الوزراء ببغداد، وله اليد الطولى في الكتابة، وجنّ في شبيبته فكان يتعمم بحبل البئر، وادعى النبوة في ذلك الوقت، وعولج حتى برأ. وللبصروي وغيره فيه مدائح، ومات في سنة تسع وأربعين وأربعمائة «٢» .
[٢٧٩]
جعفر بن أحمد المروزي، أبو العباس
: ذكره محمد بن إسحاق النديم فقال: هو أحد جمّاعي ومؤلّفي الكتب في أنواع من العلم، وكتبه كثيرة «٣» جدا، وهو أول من ألّف كتابا في المسالك والممالك ولم يتمّ. مات بالأهواز، وحملت كتبه إلى
стр. 777
بغداد وبيعت في طاق الحراني سنة أربع وسبعين ومائتين. فمن كتبه: كتاب المسالك والممالك. كتاب الآداب الكبير. كتاب الآداب الصغير. كتاب الناجم. كتاب تاريخ [آي] القرآن لتأييد كتب السلطان. كتاب البلاغة والخطابة.
[٢٨٠]
جعفر بن أحمد بن عبد الملك بن مروان اللغوي
، أبو مروان الاشبيلي، يعرف بابن الغاسلة: روى عن القاضي أبي بكر ابن زرب وأبي عون ابنه والمعيطي والزبيدي، وكان بارعا في الأدب واللغة ومعاني الشعر والخبر ذا حظ من علم السنّة، توفي سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة ومولده سنة أربع وخمسين وثلاثمائة.
[٢٨١]
جعفر بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن جعفر
السراج أبو محمد القارىء البغدادي: سمع أبا عليّ ابن شاذان وأبا القاسم ابن شاهين وأبا محمد الخلال وأبا الفتح ابن شيطا وأبا الحسين النوري وأبا القاسم التنوخي.
قال ابن عساكر «١» : قرأت [بخطّ] غيث بن علي الصوري: جعفر بن أحمد بن الحسين ذو طريقة جميلة، ومحبة للعلم والأدب، وله شعر لا بأس به، وخرّج له شيخنا الخطيب فوائد. وتكلّم عليها في خمسة أجزاء، وكان يسافر إلى مصر وغيرها، وتردّد إلى صور عدة دفعات، ثم قطن بها زمانا، وعاد إلى بغداد وأقام بها إلى أن
стр. 778
توفي. كتب عنه، ولم يكن به بأس، وله تصانيف منها: مصارع العشاق. كتاب مناقب السودان «١» . ونظم أشعارا كثيرة في الزهد والفقه وغير ذلك؛ قال الصوري قال لي: ولدت سنة تسع عشرة وأربعمائة وسمعت الحديث ولي خمس سنين.
وقرأت بخط أبي المعمّر الأنصاري «٢» : توفي جعفر السراج في حادي عشر صفر سنة خمسمائة ودفن بمقبرة باب أبرز وكان ثقة؛ وقال السمعاني: مولده سنة سبع عشرة أو ست عشرة، ومن شعره:
أفلح عبد عصى هواه ... وفاق في دينه وكاسا
ولم يرح مدمنا لخمر ... ينهل طاسا يعلّ كاسا
ومن شعره:
يا من إذا ما رضيته حكما ... جار علينا في حكمه وسطا
قد مدح الله أمة جعلت ... في محكم الذكر أمّة وسطا
وقال جعفر بن أحمد السراج (نقلا من كتاب الخريدة) «٣» :
قضت وطرا من أرض نجد وأمّت ... عقيق الحمى مرخى لها في الأزمّة
وخبّرها الروّاد أنّ بحاجر ... حيا نوّرت منه الرياض فحنّت
ولاح لها برق من الغور موهنا ... كشعلة نار للطوارق شبّت
فميّلن بالأعناق «٤» عند وميضه ... تراقص في أرسانها واستمرّت
وغنّى لها الحادي فأذكرها الحمى «٥» ... وأيامها فيه وساعات «٦» وجرة
وقد شركتني في الحنين ركائبي ... وزدن علينا رنة بعد رنّة
стр. 779
أقول لركب مجهشين تطوحوا «١» ... وعزّ بهم ماء ردوا ماء عبرتي
ألا ليت شعري هل تعود رواجعا ... ليالي الصبا من بعد ما قد تولّت
قرأت بخط الحسن بن جعفر بن عبد الصمد بن المتوكل في كتابه: حدثني الشيخ أبو الفضائل ابن الخاضبة قال: دخل الشيخ أبو سعد ابن أبي عمامة الواعظ إلى المسجد المعلّق، مقابل دار الخلافة، وكان فيه الشيخ أبو محمد ابن السراج ليسلّم عليه، فالتقاه الشيخ أبو محمد «٢» بالرحب والسعة، وتعانقا وجلسا يتذاكران، فجاء الشيخ أبو نصر الأصبهاني فصعد إليهما، وقد كان في الحمام، فكشف رأسه وقعد يستريح من كرب الحمام، فقال له الشيخ أبو محمد: غطّ رأسك لا ينالك الهوا فتتأذّى، فقال الشيخ أبو سعد: لعله يجد فيه راحة.
أنبأنا أبو محمد عبد العزيز بن الأخضر شيخنا ﵀ قال، سمعت أبا الكرم المبارك بن الحسن الشهرزوري المقرىء يقول: كنت أقرأ على أبي محمد جعفر ابن أحمد السراج وأسمع منه، فضاق صدري منه لحاله، فانقطعت عنه ثم ندمت وقلت: يفوتني منه بانقطاعي عنه فوائد كثيرة، فقصدته في مسجده المعلّق المحاذي لباب النوبي، فلما وقع نظره عليّ رحّب بي وأنشدني لنفسه:
وعدت بأن تزوري بعد شهر ... فزوري قد تقضّى الشهر زوري
وموعد بيننا نهر المعلّى ... إلى البلد المسمى شهرزور
فأشهر صدّك المحتوم حقّ ... ولكن شهر وصلك شهر زور
ومن شعره:
دع الدمع بالوكف يبلي «٣» الخدودا ... فإن الأحبّة أضحوا خمودا
دعا بهم هاتف الحادثات ... فبدّلهم بالقصور اللحودا
دنت منهم نوب للردى ... فأفنت ضعيفهم والشديدا
стр. 780
دموع يكفكفهنّ الأسى ... عليهم غزارا تروّي الصعيدا
دجاهم وصبحهم واحد ... وقد مزق الدود منهم جلودا
وجعل «كتاب مصارع العشاق» أجزاء، وكتب على كلّ جزء أبياتا من قوله، فكان على الجزء الأول:
هذا كتاب مصارع العشاق «١» ... صرعتهم أيدي نوى وفراق
تصنيف من لدغ الفراق فؤاده ... وتطلّب الراقي فعزّ الراقي
وأنشد [له] السمعاني في «المذيل» «٢» :
حبذا طيف سليمى إذ طوى ... حذر الواشي السّرى من ذي طوى
وأتى الحيّ طوقا وهم ... بين أجراع زرود فاللوى
بتّ أشكو ما ألاقيه إلى ... طيفها الطارق من مسّ الجوى «٣»
أشكر الأحلام لما جمعت ... بيننا وهنا على رغم النوى «٤»
أيها العاذل دعني والهوى ... ليس مشغول وخال بالسّوا
وأنشد له «٥» :
حبذا نجد بلادا لم نجد ... راحة للقلب في أرض سواها
فإذا ما لاح منها بارق ... هاج أشواقي أو هبّت صباها
لست أنسى إذ سليمى جارة ... تبذل الودّ وتصفينا هواها
ثم لما شطّت الدار بها ... ورماها البين من حيث رماها
أرسلت طيف كرى لكنه ... زارنا والعين قد زال كراها
ومن شعره أيضا:
وقفنا وقد شطّت بأحبابنا النوى ... على الدار نبكيها سقى ربعها المزن
стр. 781
وزادت دموع الواقفين برسمها ... فلو أرسلت سفن بها جرت السفن
ولم يبق صبر يستعان على النوى ... به بعد توديع الخليط ولا جفن
سألنا الصبا لما رأينا غرامنا ... يزيد بسكّان الحمى والهوى يدنو
أفيك لحمل الشوق يا ريح موضع ... فقد ضعفت عن حمل أشواقنا البدن
[٢٨٢]
جعفر بن إسماعيل بن القاسم القالي
: هو ولد أبي علي القالي الذي تقدم ذكره، وأبو علي والده هو صاحب «الأمالي» وغيرها من التصانيف المشهورة، وكان جعفر هذا أيضا أديبا فاضلا أريبا، وهو القائل في المنصور محمد بن أبي عامر أمير الأندلس يمدحه:
وكتيبة للشيب جاءت تبتغي ... قتل الشباب ففرّ كالمذعور
فكأنّ هذا جيش كلّ مثلّث ... وكأنّ تلك كتيبة المنصور
[٢٨٣]
جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد بن موسى
بن الحسن بن الفرات، أبو الفضل المعروف بابن حنزابة، وحنزابة اسم أمهم، كانت جارية، وكانت حنزابة حماة المحسّن بن الفرات بمصر: كان وزيرا فاضلا بارعا كاملا، وزر بمصر لأنوجور بن أبي بكر الأخشيد ثم لأخيه أبي الحسن علي ثم لكافور إلى أن انقضت دولة الاخشيدية، وإليه رحل أبو الحسن الدارقطني حتى صنّف له ما صنف في مصر. مات في سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة ومولده سنة ثمان وثلاثمائة.
стр. 782
وفي تاريخ أبي محمد أحمد بن الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الروذباري «١» أن ابن حنزابة مات في ثالث عشر صفر سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة في أيام الحاكم، وفي سنة تسع وتسعين قتل الحاكم ابنه أبا الحسين ابن جعفر بن الفضل بن الفرات، وكان يلقب بسيدوك، وفي سنة خمس وأربعمائة ولي وزارة الحاكم أبو العباس الفضل بن جعفر بن الفضل بن الفرات ابنه الآخر، وضمن ما لم يعرفه فقتل بعد خمسة أيام من ولايته. ويروى لأبي الفضل جعفر هذان البيتان، ولا يعرف له شعر غيرهما «٢» :
من أخمل النفس أحياها وروّحها ... ولم يبت طاويا منها على ضجر
إنّ الرياح إذا اشتدّت عواصفها ... فليس تردي سوى العالي من الشجر
قال يحيى بن منده: قدم أبو الفضل ابن حنزابة أصفهان، وسمع من عبد الله بن محمد بن عبد الكريم ومحمد بن عمارة بن حمزة «٣» والحسن بن محمد «٤» الداركي، وسمع ببغداد من محمد بن هارون الحضرمي «٥» ومن في طبقته. وهو أحد الحفاظ، حسن العقل كثير السماع مائل إلى أهل العلم والفضل، نزل مصر وتقلّد الوزارة لأميرها كافور، وكان أبوه وزير المقتدر بالله، وبلغني أنه كان يذكر أنه سمع من عبد الله بن محمد البغوي مجلسا، ولم يكن عنده، وكان يقول: من جاءني به أغنيته، وكان يملي الحديث بمصر، وإليه خرج أبو الحسن الدارقطني إلى هناك، فإنه [كان] يريد أن يصنف مسندا، فخرج الدارقطني إليه وأقام عنده مدة فصنّف له المسند، وحصل له من جهته مال كثير، وروى عنه الدارقطني في «كتاب المدبّج» .
قال ابن منده «٦» : سمعت أبا القاسم إسماعيل بن مسعدة الجرجاني قال، قال
стр. 783
حمزة بن يوسف السهمي: سألت أبا الحسن علي بن عمر الحافظ الدارقطني عن محمد بن محمد بن سليمان الباغندي، فحكى عن الوزير أبي الفضل ابن الفرات المعروف بابن حنزابة حكاية، قال الشيخ حمزة: ثم دخلت مصر وسألت الوزير أبا الفضل جعفر بن الفضل عن الباغندي، وحكيت له ما كنت سمعته من الدارقطني، فقال لي الوزير: لحقت الباغندي محمد بن محمد بن سليمان وأنا ابن خمس سنين، ولم أكن سمعت منه شيئا، وكان للوزير الماضي ﵀ [يعني أباه] حجرتان إحداهما للباغندي يجيئه يوما ويقرأ له والأخرى لليزيدي. قال أبو الفضل، سمعت أبي ﵀ يقول: كنت يوما مع الباغندي في الحجرة يقرأ لي كتب أبي بكر ابن أبي شيبة، فقام الباغندي إلى الطهارة، فمددت يدي إلى جزء معه من حديث أبي بكر، فإذا على ظهره مكتوب «مربع» والباقي محكوك، فرجع الباغندي فرأى الجزء في يدي فتغير وجهه، وسألته وقلت: أيش هذا مربع؟ فغير ذلك ولم أفطن له، لأني أول ما كنت دخلت في كتبة «١» الحديث، ثم سألت عنه فإذا الكتاب لمحمد بن إبراهيم مربع «٢» سمعه من أبي بكر ابن أبي شيبة.
قرأت في تاريخ لابن زولاق الحسن بن إبراهيم في «أخبار سيبويه الموسوس» «٣» قال: ورأى سيبويه جعفر بن الفضل بن الفرات بعد موت كافور، وقد ركب في موكب عظيم، فقال: ما بال أبي الفضل قد جمع كتّابه، ولفق أصحابه، وحشد بين يديه حجابه، وأشمّ «٤» أنفه، وساق العساكر خلفه؟! أبلغه أن الإسلام طرق، أو أن ركن الكعبة سرق [فخرج لهذا الأمر ينكره] ؟ فقال له رجل: هو اليوم صاحب الأمر ومدبر الدولة، فقال: يا عجبا أليس بالأمس نهب الأتراك داره، ودكدكوا آثاره «٥» ، وأظهروا عواره، وهم اليوم يدعونه وزيرا، ثم صيّروه أميرا، ما عجبي منهم
стр. 784
كيف نصبوه، بل عجبي [منه] كيف تولّى أمرهم وأمن غدرهم «١» .
قال الحافظ أبو القاسم: ذكر بعض أهل العلم، وأظنه محمد بن أبي نصر الحميدي، أن الوزير أبا الفضل ابن حنزابة حدث بمصر سنة سبع وثمانين وثلاثمائة مجالس إملاء خرّجها الدارقطني وعبد الغني بن سعيد، وكانا كاتبيه ومخرّجيه، وكان كثير الحديث جمّ السماع، مكرما لأهل العلم مطعما لأهل الحديث، استجلب الدارقطني من بغداد وبرّ إليه وخرّج له المسند، وقد رأيت عند أبي إسحاق الحبّال «٢» من الأجزاء التي خرّجت له جملة كثيرة جدا، في بعضها الموفي ألفا من مسند كذا، والموفي خمسمائة من مسند كذا، وهكذا هي سائر المسندات. وقد أعطى الدارقطني مالا كثيرا، وأنفق عليه نفقة واسعة، ولم يزل في أيام عمره يصنع أشياء من المعروف عظيمة، وينفق نفقات كثيرة على أهل الحرمين من أصناف الأشراف وغيرهم إلى أن تم له أن اشترى بالمدينة دارا إلى جانب المسجد من أقرب الدور إلى القبر، ليس بينها وبين القبر إلا حائط وطريق في المسجد، وأوصى أن يدفن فيها، وقرر عند الأشراف ذلك فسمحوا له بذلك وأجابوه اليه، فلما مات حمل تابوته من مصر إلى الحرمين، فخرجت الأشراف من مكة والمدينة لتلقيه والنيابة في حمله، إلى أن حجّوا به وطافوا ووقفوا بعرفة، ثم ردوه إلى المدينة ودفنوه في الدار التي أعدها لذلك.
قرأت بخط الشريف النسابة محمد بن أسعد بن علي الجواني المعروف بابن النحوي: كان الوزير جعفر بن الفضل بن الفرات المعروف بابن حنزابة يهوى النظر الى الحشرات من الأفاعي والحيّات والعقارب وأم أربعة وأربعين وما يجري هذا المجرى، وكان في داره التي تقابل دار الشنتكاني «٣» ومسجد ورش، وكانت للماذرائي قبل ذلك قاعة لطيفة مرخّمة «٤» فيها سلل الحيات «٥» ، ولها قيّم فراش حاو «٦»
стр. 785
من الحواة، ومعه مستخدمون برسم الخدمة ونقل السلل وحطّها، وكان كل حاو في مصر وأعمالها يصيد له ما يقدر عليه من الحيات، ويتباهون في ذوات العجب من أجناسها وفي الكبار وفي الغريبة المنظر، وكان الوزير يثيبهم في ذلك أوفى الثواب ويبذل لهم الجزيل حتى يجتهدوا في تحصيلها، وكان له وقت يجلس فيه على دكة مرتفعة ويدخل المستخدمون والحواة، فيخرجون ما في السلل، ويطرحونه في ذلك الرخام، ويحرشون بين الهوام، وهو يتعجب من ذلك ويستحسنه، فلما كان ذات يوم أنفذ رقعة إلى الشيخ الجليل ابن المدبر «١» الكاتب، وكان من أعيان كتّاب أيامه «٢» ودولته، وكان عزيزا عنده، وكان يسكن في جوار دار ابن الفرات، يقول له فيها:
نشعر الشيخ الجليل- أدام الله سلامته- أنه لما كان البارحة وعرض علينا الحواة الحشرات، الجاري بها العادات، انسابت الى داره منها الحية البتراء وذات القرنين الكبرى والعقربان الكبير وأبو صوفة، وما حصلوا لنا بعد عناء ومشقة، وبجعلة بذلناها للحواة، ونحن نأمر الشيخ- وفقه الله تعالى- بالتقدم إلى حاشيته وصبيته بصون ما وجد منها إلى أن ننفذ الحواة لأخذها وردها إلى سللها. فلما وقف ابن المدبر على الرقعة قلبها وكتب في ذيلها: أتاني أمر سيدنا الوزير- أدام الله نعمته وحرس مدته- بما أشار إليه في أمر الحشرات، والذي يعتمد عليه في ذلك أن الطلاق يلزمه ثلاثا إن بات هو أو واحد من أهله في الدار، والسلام.
أنشدني أبو بكر ابن البر القيرواني «٣» التميمي لصالح بن مؤنس المصري يمدح بعض آل الفرات:
قد مرّ عيد وعيد ... ما اخضرّ لي فيه عود
وكيف يخضرّ عود ... والماء منه بعيد
يا من له عدد المجد كلّها والعديد
стр. 786
آل الفرات نداهم ... على الفرات يزيد
وأنت فضلك فيهم ... عليك منه شهود
وكلّ يوم لغيري ... من راحتيك مديد
هل لي إلى الرزق ذنب ... فكان منه صدود
ما الناس إلا شقيّ ... في دهرنا وسعيد
قال ابن الأكفاني: أنبأنا أبو محمد عبد الله بن الحسين بن النحاس، حدثنا أبو محمد عبد الله بن يوسف بن نصر من لفظه قال: حضرت عند أبي الحسين المهلبي في داره بالقاهرة فقال لي: كنت منذ أيام حاضرا دار الوزير- يعني أبا الفرج ابن كلس- فدخل عليه أبو العباس الفضل بن أبي الفضل الوزير ابن حنزابة، وكان قد زوّجه ابنته وأكرمه وأجله، فقال له: يا أبا العباس يا سيدي ما أنا بأرجل «١» من أبيك ولا بأعلم ولا بأفضل، وزاد في وصفه وإكرامه، ثم قال: أتدري ما أقعد أباك خلف الباب «٢» ؟
شيل أنفه [بأبيه] وأخرج يده فعلا بها رأسه، وشال أنفه إلى فوق وقال له: بالله يا أبا العباس لا تشل أنفك [بأبيك] تدري ما الإقبال؟ نشاط وتواضع، تدري ما الإدبار؟
كسل وترافع.
قرأت فيما جمعه أبو علي صالح بن رشدين «٣» قال: كان أبو الفضل جعفر بن الفضل الوزير قد خرج إلى بستانه بالمقس، فكتب إليه أبو نصر ابن كشاجم على تفاحة بماء الذهب، وأنفذها إليه:
إذا الوزير تخلّى ... للنيل في الأوقات
فقد أتاه سميّا ... هـ جعفر بن الفرات
قال محمد بن طاهر المقدسي: سمعت أبا اسحاق الحبال يقول: لما قصد
стр. 787
هؤلاء «١» مصر ونزلوا قريبا منها لم يبق أحد من الدولة العباسية إلا خرج للاستقبال والخدمة، غير الوزير أبي الفضل ابن حنزابة، فإنه لم يخرج، فلما كان في الليلة التي صبيحتها الدخول اجتمع إليه مشايخ البلد وعاتبوه في فعله، وقيل له: إنك تغري بدماء أهل السنة، ويجعلون تأخرك عنهم سببا للانتقام، قال: الآن أخرج، فخرج للسلام، فلما دخل عليه أكرمه وبجّله وأجلسه وفي قلبه منه شيء، وكان إلى جنبه ابنه وولي عهده، وغفل الوزير عن التسليم عليه، فأراد أن يمتحنه بسبب يكون إلى الوقيعة به، فقال له: حجّ الشيخ؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: وزرت الشيخين؟
فقال: شغلت بالنبي ﷺ عنهما، كما شغلت بأمير المؤمنين عن ولي عهده، السلام عليك يا وليّ عهد المسلمين ورحمة الله وبركاته، فأعجب من فطنته وتداركه ما أغفله، وعرض عليه الوزارة فامتنع، فقال: إذا لم تل لنا شغلا فيجب أن لا تخرج عن بلادنا فإنّا لا نستغني أن يكون في دولتنا مثلك، فأقام بها ولم يرجع إلى بغداد.
قال وسمعت أبا إسحاق الحبال «٢» يقول: كان يستعمل للوزير أبي الفضل الكاغد بسمرقند، ويحمل إليه إلى مصر في كل سنة، وكان في خزانته عدة من الوراقين، فاستعفى بعضهم فأمر بأن يحاسب ويصرف، فكمل عليه مائة دينار، فعاد إلى الوراقة وترك ما كان عزم عليه من الاستعفاء.
قال: وسمعت أبا إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبال يقول «٣» : خرج أبو نصر السجزي الحافظ على أكثر من مائة شيخ لم يبق منهم غيري، وكان قد خرج له عشرين جزءا في وقت الطلب، وكتبها في كاغد عتيق، فسألت الحبال عن الكاغد فقال: هذا من الكاغد الذي كان يحمل للوزير من سمرقند، وقعت إليّ من كتبه قطعة، فكنت إذا رأيت فيها ورقة بيضاء قطعتها إلى أن اجتمع هذا، فكتبت فيه هذه الفوائد.
стр. 788
[٢٨٤]
جعفر بن قدامة بن زياد الكاتب أبو القاسم
: ذكره الخطيب فقال: هو أحد مشايخ الكتّاب وعلمائهم، وكان وافر الأدب حسن المعرفة، وله مصنفات في صنعة الكتابة وغيرها، حدث عن أبي العيناء الضرير وحماد بن إسحاق الموصليّ والمبرد ومحمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي ونحوهم، روى عنه أبو الفرج الأصفهاني.
ونقلت من خط أبي سعيد معن بن خلف البستي مستوفي بيت الزرد والفرش السلطاني الملكشاهي بتولية نظام الملك، قال قال جعفر بن قدامة الكاتب:
استمع بالله يا ابن الملك والنجدة منّي يومنا في الحسن والبهجة قد جاز التمنّي فأزرني نفسك الحسرّة أو لا فاستزرني ومن خطه، قال: نقلت من خط عبد الرحمن بن عيسى الوزير لجعفر بن قدامة:
كيف يخفى وإن أتاني نهارا ... كسف الشمس بالجمال البهيّ
وإذا زار في الدجى طلع البد ... ر علينا من الجبين المضي
فكلا حالتيه يفضح سرّي ... وينادي بكلّ أمر خفي
بأبي أحسن الأنام جميعا ... تاه عقلي به وحقّ النبي
وقال أبو محمد عبيد الله بن أبي القاسم عبد المجيد بن بشران الأهوازي في «تاريخه» : مات أبو القاسم جعفر بن قدامة بن زياد يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وثلاثمائة. قال ابن بشران: وفي سنة عشر وثلاثمائة أخرج علي بن عيسى الوزير إلى اليمن منفيا، فقال أبو القاسم جعفر بن قدامة الكاتب في ذلك:
стр. 789
أصبح الملك واهي الأرجاء ... وأمور الورى بغير استواء
منذ عادت نوى عليّ بن عيسى ... واستمرّت به إلى صنعاء
فوحقّ الذي يميت ويحيي ... وهو الله مالك الأشياء
لقد اختلّ بعده كلّ أمر ... واستبانت كآبة الأعداء
ثم صاروا بعد العداوة و ... الله جميعا في صورة الأولياء
يتألّون كلّهم في عليّ ... أنه قد خلا من النظراء
ومن شعره أيضا:
تسمّع- متّ قبلك- بعض قولي ... ولا تتسلّلن منّي لواذا
نعم أسقمت بالهجران جسمي ... ومتّ بغصتي فيكون ماذا؟
ومن «كتاب الوزراء» «١» لهلال بن محسن: ولجعفر بن قدامة يمدح ابن الفرات:
يا ابن الفرات ويا ... كريم الخيم محمود الفعال
ضيّعت بعدك واطّرحت ... وبان للناس اختلالي
وتغيّرت مذ غيّرت ... أحوالك الأيام حالي
لهفا أبا حسن على ... أيامك الغرّ الحوالي
لهفا عليها إنها ... بليت بأحوال بوالي
قرأت في «كتاب المحاضرات» لأبي حيان «٢» : قلت وقلت للعروضي أراك منخرطا في سلك ابن قدامة ومنصبّا إليه ومتوفّرا عليه، وكيف يتفق بينكما وكيف تأتلفان ولا تختلفان؟ فقال: اعلم أن الزمان وقت الاعتدال، والرجل كما تعرف على غاية البرد والغثاثة وجباسة الطبع، وأنا كما تعرفني وتثبتني، فاعتدلنا إلى أن يتغير الزمان، ثم نفترق ونختلف ولا نتفق، وأنشأ يقول:
стр. 790
وصاحب أصبح من برده ... كالماء في كانون أو في شباط
ندمانه من ضيق أخلاقه ... كأنّه في مثل سمّ الخياط
نادمته يوما فألفيته ... متصل الصمت قليل النشاط
حتى لقد أوهمني أنه ... بعض التماثيل التي في البساط
[٢٨٥]
جعفر بن محمد بن أحمد بن حدار الكاتب
، أبو القاسم: ذكره الصولي في «كتاب أخبار شعراء مصر» قال: لم يكن بمصر مثله في وقته، كثير الشعر حسن البلاغة عالم له ديوان شعر ومكاتبات كثيرة حسنة.
قال: وكان العباس بن أحمد بن طولون قد خرج على أبيه في نواحي برقة عند غيبة أبيه بالشام، وتابعه أكثر الناس، ثم غدر به قوم وخرج عليه آخرون من نواحي القيروان فظفر به أبوه، وكان جعفر بن حدار وزير العباس وصاحب أمره.
قال ابن زولاق مؤرخ مصر: قبض على العباس بنواحي الاسكندرية وأدخل إلى الفسطاط على قتب على بغل مقيدا في سنة سبع وستين ومائتين ونصب لكتّابه ومن خرج بهم إلى ما خرج إليه دكة عظيمة رفيعة السّمك في يوم الأربعاء، لا أعرف موقعه من الشهر، وجلس أحمد بن طولون في علو يوازيها، وشرع من ذلك العلو إليها طريقا، وكان العباس قائما بين يدي أبيه في خفتان ملحم وعمامة وخفّ، وبيده سيف مشهور، فضرب ابن حدار ثلاثمائة سوط، وتقدم إليه العباس فقطع يديه ورجليه من خلاف، وألقي من الدكة إلى الأرض، وفعل مثل ذلك بالمنتوف وبأبي معشر، واقتصر بغيرهم على ضرب السوط فلم تمض أيام حتى ماتوا.
وقال الصولي: مثّل أحمد بن طولون بابن حدار لما قتله، يروى أنه تولّى قطع يديه ورجليه بيده. ومن شعر ابن حدار إلى صديق له من أبيات:
стр. 791
يا كسرويا في القديم ... وهاشميا في الولاء
يا ابن المقفّع في البيا ... ن ويا إياسا في الذكاء
يا ناظرا في المشكلا ... ت المعضلات ويا ضيائي
إيها جعلت فداك فيم ... طويتني طيّ الرداء
وتركتني بين الحجاب ... أعوم في بحر الجفاء
ورغبت عما كنت تر ... غب فيه من لطف الإخاء
من بعد اني كنت عندك ... وابن أمك بالسواء
فوحقّ كفك إنها ... كفّ كأخلاق السماء
لأخلّينّك والهوى ... ولأصبرنّ عن اللقاء
ولأشكونّك ما استطعت ... إلى حفاظك والوفاء
ولأصبرنّ على رقيّك ... في ذرى درج العلاء
فهناك أجني ما غرست ... إليك من ثمر الرجاء
ومن شعره أيضا:
جاءت بوجه كأنه قمر ... على قوام كأنه غصن
ترنو بعينين من يعاينها ... من وسن في جفونها وسن
حتى إذا ما استوت بمجلسها ... وصار فيه من حسنها وثن
غنّت فلم تبق فيّ جارحة ... إلا تمنيت أنها أذن
ومن شعره أيضا:
زارني زور ثكلتهم ... وأصيبوا حيث ما سلكوا
أكلوا حتى إذا شبعوا ... حملوا الفضل الذي تركوا
стр. 792
[٢٨٦]
جعفر بن محمد بن الأزهر بن عيسى الأخباري
: أحد أصحاب السير ومن عني بجمع الأخبار والتواريخ، مات سنة تسع وسبعين ومائتين، ومولده سنة مائتين، سمع من ابن الأعرابي وطبقته، وله من الكتب كتاب التاريخ على السنين، وهو من جيد الكتب، ذكر ذلك محمد بن إسحاق «١» .
[٢٨٧]
جعفر بن محمد بن خالد بن ثوابة، أبو الحسين
الكاتب: أحد البلغاء الفصحاء. قال أبو علي حدثني أبو الحسين ابن قيراط، قال حدثني أبو الحسن الإيادي الكاتب صديق الكرخيين، قال أبو محمد عبد الوهاب بن الحسن بن عبيد الله بن سليمان بن وهب، وعبيد الله وسليمان هما الوزيران، قال: كان إلى والدي الحسن بن عبيد الله ديوان الرسائل وديوان المعاون وجملة الدواوين التي كانت إليه في أيام وزارة أبيه للمعتضد، فأمر عبيد الله ابنه أن يستخلف أبا الحسين ابن ثوابة على ديوان الرسائل وديوان المعاون، فصار كالمتقلّد له من قبل الوزير لكثرة استخدامه له فيه، ثم مات أبي فأقره جدّي الوزير عبيد الله على الديوان رئاسة، وبقي عليهم يتوارثونه مرة رئاسة ومرة خلافة إلى أن تسلمه الصابىء أبو إسحاق من ابن ابنه أحمد.
وكتب جعفر بن محمد هذا رقعة إلى عبيد الله بن سليمان الوزير في نسختها:
قد فتحت للمظلوم بابك، ورفعت عنه حجابك، فانا أحاكم الأيام إلى عدلك، وأشكو صروفها إلى عطفك، وأستجير من لؤم غلبتها بكرم قدرتك، فإنها تؤخّرني إذا قدّمت، وتحرمني إذا قسمت، فإن أعطت أعطت يسيرا، وإن ارتجعت ارتجعت
стр. 793
كثيرا، ولم أشكها إلى أحد قبلك، ولا أعددت للإنصاف منها إلا فضلك؛ ودفع ذمام المسألة وحقّ الظلامة حقّ التأميل وقدم صدق الموالاة والمحبة. والذي يملأ يدي من النصفة ويسبغ العدل عليّ حتى تكون إليّ محسنا وأكون بك للأيام معديا أن تخلطني بخواصّ خدمك الذين نقلتهم من حال الفراغ إلى الشغل، ومن الخمول إلى النباهة والذكر، فإن رأيت أن تعديني فقد استعديت، وتجيرني فقد عذت بك، وتوسع عليّ كنفك فقد أويت إليه، وتشملني بإحسانك فقد عوّلت عليه، وتستعمل يدي ولساني فيما يصلحان لخدمتك فيه فقد درست كتب أسلافك، وهم الأئمة في البيان، واستضأت برأيهم، واقتفيت آثارهم اقتفاء حصلني بين وحشيّ كلام وأنيسه، ووقفني منه على جادة متوسطة يرجع إليها الغالي ويسمو نحوها المقصر، فعلت، إن شاء الله تعالى.
فكانت هذه الرقعة سبب استخلافه لأبي.
[٢٨٨]
جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي، أبو القاسم
الفقيه الشافعي: ذكره محمد بن إسحاق فقال: هو حسن التأليف، عجيب التصنيف، شاعر أديب، فاضل ناقد للشعر كثير الرواية، مات سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، ومولده سنة أربعين ومائتين، له عدة كتب في الفقه على مذهب الشافعي، فأما كتبه في الأدب فهي:
كتاب الباهر في أشعار المحدثين «١» عارض به «الروضة» للمبرد «٢» . كتاب الشعر والشعراء لم يتمّ ولو تمّ لكان غاية في معناه. كتاب السرقات لم يتمّ أيضا، وهو كتاب جيد في معناه «٣» . كتاب محاسن أشعار المحدثين، لطيف.
стр. 794
قال أبو عبد الله الخالع: كان أبو القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي ممن عمّر طويلا، وكانت بينه وبين البحتري مراسلة «١» ، ورثاه بعد وفاته، ومدح القاسم بن عبيد الله وأدرك أبا العباس النامي وتكاتبا بالشعر.
وقال أبو علي ابن الزمكدم: كان ابن حمدان كبير المحلّ من أهل الرياسات بالموصل، ولم يكن بها في وقته من ينظر إليه ويفضّل في العلوم سواه، متقدما في الفقه معروفا به، قويا في النحو فيما يكتبه، عارفا بالكلام والجدل مبرزا فيه، حافظا لكتب اللغة، راوية للأخبار، بصيرا بالنجوم، عالما مطلعا على علوم الأوائل عالي الطبقة فيها، وكان صديقا لكل من وزراء عصره مدّاحا لهم، آنسا بالمبرد وثعلب وأمثالهما من علماء الوقت مفضّلا عندهم. وكانت له ببلده دار علم قد جعل فيها خزانة كتب من جميع العلوم وقفا على كلّ طالب لعلم، لا يمنع أحد من دخولها إذا جاءها غريب يطلب الأدب، وإن كان معسرا «٢» أعطاه ورقا وورقا، تفتح في كلّ يوم ويجلس فيها إذا عاد من ركوبه، ويجتمع إليه الناس فيملي «٣» عليهم من شعره وشعر غيره ومصنفاته، مثل الباهر وغيره من مصنفاته الحسان، ثم يملي من حفظه من الحكايات المستطابة وشيئا من النوادر المؤلفة وطرفا من الفقه وما يتعلق به. وكان جماعة من أهل الموصل حسدوه على محلّه وجاهه عند الخلفاء والوزراء والعلماء، وكان قد جحد بعض أولاده وزعم أنه ليس منه، فعاندوه بسببه وزعموا أنه نفاه ظلما واجتهدوا أن يلحقوه به فما تمّ لهم، فاجتمعوا وكتبوا فيه محضرا وشهدوا عليه فيه بكلّ قبيح عظيم «٤» ، ونفوه عن الموصل فانحدر هاربا منهم إلى مدينة السلام، ومدح المعتضد بقصيدة يشكو فيها ما ناله منهم، ويصف ما يحسنه من العلوم ويستشهد بثعلب والمبرد وغيرهما، أولها:
أجدّك ما ينفكّ طيفك ساريا ... مع الليل مجتابا إلينا الفيافيا
стр. 795
يذكّرنا عهد الحمى وزماننا ... بنعمان والأيام تعطي الأمانيا
ليالي مغنى آل ليلى على الحمى ... ونعمان غاد بالأوانس غانيا
وعهد الصبا منهنّ فينان مورق ... ظليل الضحى من حائط اللهو دانيا
قريب المدى نائي الجوى داني الهوى ... على ما يشاء المستهام مؤاتيا
حلفت بأخياف المخيّم من منى ... ومن حلّ جمعا والرعان المتاليا
وبالركب يأتمّون بطحاء مكة ... على أركب تحكي الحنيّ حوافيا
طواهنّ طيّ البيد في غلس الدجى ... ونشر الفيافي والفيافي كما هيا
ولو أنني أبثثت ما بي من الجوى ... شماريخ رضوى أو شمام رثى ليا
وإن أطو ما تطوي الجوانح من هوى ... عن الناس تخبرهم بحالي حاليا
أأدخل تحت الضيم والبيد والسرى ... وأيدي المطايا الناعجات عتاديا
سأخرج من جلباب كلّ ملمة ... خروج المعلّى والمنيح ورائيا
إذا أنا قابلت الإمام مناجيا ... له بالذي من ريب دهري عنانيا
رميت بآمالي إلى الملك الذي ... أذلّت مساعيه الأسود الضواريا
وما هي إلا روحة وادّلاجة ... تنيل الأماني أو تقيم البواكيا
ولي في أمير المؤمنين مدائح ... ملأت بها الآفاق حسن ثنائيا
وأمّت بي الآمال لا طالبا جدى ... ولا شاكيا إنفاض حالي وماليا
ولكنني أشكو عدوّا مسلّطا ... عليّ عداني بغيه عن مجاليا
أيا ابن الولاة الوارثين محمدا ... خلافته دون الموالي مواليا
إذا ما اعتزمت الأمر أبرمت فتله ... ولم تك عن إمضائك العزم وانيا
فلا تك للمظلوم ناداك في الدجى ... لغربته والدفع للظلم ناسيا
[وعش سالم الأيام للملك راعيا ... ودم عالي الأحوال تعلي المعاليا]
وهي مائة وخمسون بيتا، فيها بعد المدح ما يحسنه من العلوم الدينية والأدبية، ويتبجح بمعرفته أقليدس وأشكاله، وزيادات زادها في أعماله.
وله في صفة الليل:
стр. 796
ربّ ليل كالبحر هولا وكالدهر امتدادا وكالمداد سوادا
خضته والنجوم يوقدن حتى ... أطفأ الفجر ذلك الإيقادا
قال ابن عبد الرحيم: ونقلت من خط جعفر بن محمد الموصليّ من قصيدة في أبي سليمان داود بن حمدان:
أعيجي بنا قبل انبتات حبالك ... جمالك إن الشوق شوق جمالك
قفي وقفة تبلل عليك أوامها ... جوانح لا تروى بغير نوالك
فقد طلعت شمس الندى بأوارها ... على مستظلات بفيء ظلالك
ومنها:
بأبناء حمدان الذين كأنهم ... مصابيح لاحت في ليال حوالك
لهم نعم لا أستقلّ بشكرها ... وإن كنت قد سيّرته في المسالك
وخلّفت فيه من قريض بدائعا ... ترى خلفا من كلّ باق وهالك
وله من قصيدة في القاسم بن عبيد الله:
ما شأن دارك يا ليلى نناجيها ... فما تجيب ولا ترعي لداعيها
إنّا عشية عجنا بالمطيّ بها ... كنّا نحييك فيها لا نحييها
لا ترسلي الطيف ان الطرف في شغل ... عن الكرى بدموع بات يجريها
لأضربنّ بآمالي إلى ملك ... تقلّ في قدره الدنيا بما فيها
يا ابن الوزارة والمأمول بعد لها ... وسائر الأرض دانيها وقاصيها
ما بال ما اجتاب عرض الأرض من مدحي ... إليك يسري مع الركبان ساريها
لم يأتني نبأ عنها ولا خبر ... واليوم كالحول لي مما أراعيها
وله أيضا:
وما الموت قبل الموت عندي غير أن ... يرى ضرعا بالعسر يوما لذي اليسر
فدع قولهم ليس الثراء من العلا ... فما الفخر إلا أن يقال هو المثري
إذا أنت لم تبل الصديق فلا تكن ... له آمنا فيما يجنّ من الأمر
فإن سترت حال امرىء لؤم أصله ... أبى اللؤم ألا أن يبين مع الستر
стр. 797
وله أيضا:
على الخيف من أكناف برقة أطلال ... دوارس عفّتها ببرقة أحوال
ومبنى خيام من فريق تفرّقوا ... أيادي سبا والبين للشمل مغتال
وهنّ نجوم للنجوم ضرائر ... وهنّ لأقمار الحنادس أقتال
ألا إن آجال الظباء سوانحا ... لمن عالج الوجد المبرّح آجال
إلى ابن أبي العباس جاذبنا المنى ... ومن دونه بيد يخبّ بها الآل
وما زالت الأيام تضحك عنهم ... وتشرق عنهم بالمكارم أفعال
أولئك أرباب العلا وبنو الندى ... وقوّال فضل يوم مجد وفعّال
هم ورّثوه الجود والبذل والندى ... فزاد على ما ورّثوه ولم يال «١»
وله يرثى البحتري:
تعوّلت البدائع والقصيد ... وأودى الشعر مذ أودى الوليد
وأظلم جانب الدنيا وعادت ... وجوه المكرمات وهنّ سود
فقل للدهر يجهد في الرزايا ... فليس وراء فجعته مزيد
وله من قصيدة:
تمكّن حبّ علوة في فؤادي ... وملّك «٢» أمر غيّي والرشاد
فوالى بين دمعي والمآقي ... وعادى بين جفني والرقاد
وقد طلب السلامة في سليمى ... زمانا والسعادة في سعاد
فلا هاتيك أحمدها وصالا ... ولا هذي ارتضاها في الوداد
وله أيضا:
أيها القرم الذي ... أعوزنا فيه الندود «٣»
стр. 798
وأعانته على المجد ... مساع وجدود
عجّل النّجح فإنّ ... المطل بالوعد وعيد
قال عبيد الله الفقير إليه مؤلف هذا الكتاب: هذا معنى عنّ لي من قبل أن أقف على هذه الأبيات، وكنت أعجب كيف فات الأوائل اشتماله على مطابقة التجنيس وحسن المعنى مدة، حتى وقفت على ما ها هنا فعلمت أن أكثر ما ينسب إلى الشعراء من السرقات إنما هو توارد خواطر «١» ووقوع حافر على حافر؛ وأما أبياتي فهي:
يا سيدا بذّ من يمشي على قدم ... علما وحلما وآباء وأجدادا
ماذا دعاك إلى وعد تصيّره ... بالخلف والمطل والتسويف إيعادا
لا تعجلنّ بوعد ثم تخلفه ... فيثمر المطل بعد الودّ أحقادا
فالوعد بذر ولطف القول منبته ... وليس يجدي إذا لم يلق حصّادا
[٢٨٩]
جعفر بن موسى، يعرف بابن الحداد
، أبو الفضل النحوي: كتب الناس عنه شيئا من اللغة وغريب الحديث وما كان من كتب أبي عبيد ما سمعه من أحمد بن يوسف التغلبي وغير ذلك، [وكان] «٢» من ثقات المسلمين وخيارهم «٣» . مات لثلاث خلون من شعبان سنة تسع وثمانين ومائتين، ودفن بقرب منزله ظهر قنطرة البردان.
[٢٩٠]
جعفر بن هارون بن إبراهيم النحوي الدينوري
أبو محمد: روى عنه ابن
стр. 799
شاذان «١» كان علامة بأيام العرب وأخبارها وأشعارها عارفا بأنسابها، كان «٢» في شوال سنة أربع وأربعين وثلاثمائة.
[٢٩١]
جلد بن جمل الراوية
: ما رأيت أحدا من أهل التصنيف والرواية والتأليف ذكره في كتاب ترجمة إلا أن الإسناد إليه كثير، والرواية عنه ظاهر شهير، وكان فيما تدل عليه الأخبار التي يرويها علّامة بأخبار العرب وأشعارها، عارفا بأيامها وأنسابها.
[٢٩٢]
جنّاد بن واصل الكوفي
: أبو محمد، ويقال أبو واصل، مولى بني غاضرة «٣» : من رواة الأخبار والأشعار، لا علم له بالعربية، وكان يصحّف ويكسر الشعر ولا يميز بين الأعاريض المختلفة فيخلط بعضها ببعض، وهو من علماء الكوفيين القدماء، وكان كثير الحفظ في قياس «٤» حماد الراوية.
وحدث المرزباني قال «٥» قال عبد الله بن جعفر: أخبرنا أبو عمرو أحمد بن عليّ الطوسيّ عن أبيه قال: ما كانوا يشكّون بالكوفة في شعر ولا يعزب عنهم اسم شاعر إلا سألوا عنه جنادا فوجدوه لذلك حافظا وبه عارفا، على لحن كان فيه. وكان كثير اللحن جدّا فوق لحن حماد، وربما قال من الشعر البيت والبيتين.
وقال التوّزي: اتكل أهل الكوفة على حماد وجناد، ففسدت رواياتهم، من رجلين كانا يرويان لا يدريان، كثرت رواياتهما وقلّ علمهما.
стр. 800
وحدث عبد الله بن جعفر عن جبلة بن محمد الكوفي عن أبيه قال: مررت بجنّاد مولى الغاضريين «١» وهو ينشد:
اعلم بأنّ الحقّ مركبه ... إلا على أهل التقى مستصعب
فاقدر بذرعك في الأمور فإنما ... رزق السلامة من لها يتسبب
فقلت: أبرقت يا جناد قال: وأنى ذلك؟ قلت: في هذين البيتين، قال: فلم يستبن ذلك، فتركته وانصرفت.
قال عبد الله: وإنما أنكر عليه أن البيت الأول ينقص من عروضه وتد والثاني تامّ، فكسره ولم يعلم، والعرب لا تغلط بمثل هذا، وإنما يغلطون بأن يدخلوا عروضين في ضرب واحد من الشعر لتشابههما، فاما هذا فالصواب فيه ان يقول:
اعلم بأن الحقّ مركب ظهره ... إلّا على أهل التقى مستصعب
ومعنى قوله «ابرقت» خلطت بيتا مكسورا ببيت صحيح، فصار كالحبل الأبرق على لونين، والبرقاء من الأرض والحجارة: ذات لونين سواد وبياض.
[٢٩٣]
جنادة بن محمد بن الحسين الهروي
، أبو أسامة اللغوي النحوي: عظيم القدر شائع الذكر عارف باللغة، أخذ عن أبي منصور الأزهري وروى عنه كتبه، وروى عن أبي أحمد العسكري ثم قدم مصر فأقام بها إلى أن قتله الحاكم من الملوك المصرية المنتسبة إلى العلويين في سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، ذكر ذلك أبو محمد أحمد بن الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الروذباري في تاريخه الذي ألفه في حوادث مصر. وأخذ عنه بمصر أبو سهل الهروي وغيره من أهل مصر وغيرهم وكان مجلسه بمصر في جامع المقياس «٢» ، وهو الذي فيه العمود الذي يعتبرون به زيادة النيل
стр. 801
من نقصه؛ واتفق في بعض السنين أنّ النيل لم يزد زيادة تامة، فقيل للحاكم حينئذ إن جنادة رجل ميشوم «١» يقعد في المقياس ويلقي النحو ويعزم على النيل فلذلك لم يزد، وكان من حدّة الحاكم وتهوّره وما عرف من سوء سيرته لا يتثبت فيما يفعله ولا يبحث عن صحة ما يبلغه، فأمر من ساعته بقتله فقتل ﵀. سمعت هذا الحديث في مصر مفاوضة، حكوه عن الأثير ابن البيساني أخي القاضي الفاضل وغيره، واللفظ يزيد وينقص، والله أعلم.
[٢٩٤]
جهم بن خلف المازني الأعرابي، من مازن تميم
: له اتصال في النسب بأبي عمرو بن العلاء المازني المقرىء، وكان جهم راوية علّامة بالغريب والشعر، وكان في عصر خلف الأحمر والأصمعي، وكانوا ثلاثتهم متقاربين في معرفة الشعر، ولجهم شعر مشهور في الحشرات والجوارح من الطير، وقيل ان ابن مناذر قال يمدح جهما «٢» :
سمّيتم آل العلاء لأنكم ... أهل العلاء ومعدن العلم
ولقد بنى آل العلاء لمازن ... بيتا أحلّوه مع النجم
وجهم القائل في رواية المازني يصف الحمامة:
مطوّقة كساها الله ... طوقا لم يكن ذهبا
جمود العين، مبكاها ... يزيد أخا الهوى نصبا
مفجّعة بكت شجوا ... فبتّ بشجوها وصبا
على غصن تميل به ... جنوب مرة وصبا
стр. 802
ترنّ عليه إمّا ما ... ل من شوق أو انتصبا
وما فغرت فما وبكت ... بلا دمع لها انسكبا
قال وله يخاطب المفضل الضبي [حين] قدم البصرة:
أنت كوفيّ ولا ... يحفظ كوفيّ صديقا
لم يكن وجهك يا كو ... فيّ للخير خليقا
[٢٩٥]
جودي بن عثمان مولى لآل يزيد بن طلحة
العنبسيين «١» : من أهل مورور من بلاد الغرب، ذكره الحميدي والزبيدي، رحل إلى المشرق فلقي الكسائي والفراء وغيرهما وهو أوّل من أدخل كتاب الكسائي إلى الغرب، وسكن قرطبة بعد قدومه من المشرق، وفي حلقته أنكر على عباس بن ناصح قوله:
يشهد بالإخلاص نوتيّها ... لله فيها وهو نصراني
فلحّن حيث لم يشدّد ياء النسب، وكان بالحضرة رجل من أصحاب عباس بن ناصح، فساءه ذلك فقصد عباسا، وكان مسكنه بالجزيرة، فلما طلع على عباس قال له: ما أقدمك- أعزك الله- في هذا الأوان؟ قال: أقدمني لحنك، قال له عباس: وأي لحن؟ فأعلمه، فقال له ألا أنشدتهم قول عمران بن حطان:
يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن ... وان لقيت معدّيا فعدناني
فلما سمع البيت كرّ راجعا، فقال له عباس: لو نزلت فأقمت عندنا، فقال:
ما بي إلى ذلك من حاجة، ثم قدم قرطبة واجتمع بجوديّ وأصحابه فأعلمهم ما قال ووافقوه؛ ومات سنة ثلاث وتسعين ومائة.
стр. 803
حرف الحاء
[٢٩٦]
الحارث بن أبي العلاء عمّار بن العريان أبو سفيان
أخو أبي عمرو ابن العلاء.
[٢٩٧]
حبشي بن محمد بن شعيب الشيباني، أبو الغنائم النحوي الضرير
: من أهل واسط، من ناحية تعرف بالأفشولية، مات في ذي القعدة سنة خمس وستين وخمسمائة، وكان قد ورد واسط وقرأ بها القرآن وشيئا من النحو، ثم قدم بغداد وأقام بها وقرأ النحو على ابن الشجري العلوي «١» ، واللغة على الشيخ أبي منصور الجواليقي، وسمع منهما ومن قاضي المارستان. وكان عارفا بالنحو واللغة والعربية، تخرج به جماعة من أهل الأدب كمصدق بن شبيب، وكان يحسن الثناء عليه ويقول:
стр. 804
به تخرجنا لأنّ الشيخ ابن الخشاب كان مشغولا عنّا وكان يضنّ علينا بعلمه، فكان انعكافنا على حبشي. وكان مع هذا العلم إذا خرج إلى الطريق بغير قائد لا يهتدي كما يهتدي العميان حتى سوق الكتب الذي كان يأتيه في كل ليلة عشرين سنة ولم يكن بعيدا عن منزله «١» .
[٢٩٨]
حبيش بن عبد الرحمن، وقيل حبيش بن منقذ أبو
قلابة الجرمي: كان أحد الرواة الفهمة، وكان بينه وبين الأصمعي مماظّة لأجل المذهب لأن الأصمعي ﵀ كان سنّيّا حسن الاعتقاد وكان أبو قلابة شيعيّا رافضيّا، ولما بلغه وفاة الأصمعي شمت به وقال:
أقول لما جاءني نعيه ... بعدا وسحقا لك من هالك
يا شرّ ميت خرجت نفسه ... وشرّ مدفوع «٢» إلى مالك
وله أيضا فيه:
لعن الله أعظما حملوها ... نحو دار البلى على خشبات
أعظما تبغض النبيّ وأهل ... البيت والطّيبين والطيّبات
وكان أبو قلابة صديقا لعبد الصمد بن المعذّل وبينهما مجالسة وممازحة وله معه أخبار. حدث المرزباني قال: قال عبد الصمد بن المعذل أنشدت أبا قلابة قولي فيه:
يا ربّ إن كان أبو قلابه ... يشتم في خلوته الصحابه
стр. 805
فابعث عليه عقربا دبّابه ... تلسعه في طرف السبابه
واقرن إليه حيّة منسابه ... وابعث على جوخانه «١» سحابه
قال وأبو قلابة ساكت، فلما قلت: «وابعث على جوخانه سحابه» قال: الله الله ليس مع ذهاب الخير عمل.
حدث المبرد في «الروضة» حدثني عبد الصمد بن المعذل قال: جئت أبا قلابة الجرمي، وهو أحد الرواة الفهمة، ومعه الأرجوزة التي تنسب إلى الأصمعي وهي:
تهزأ منّي أخت آل طيسله ... قالت أراه مملقا لا شيء له
قال فسألته أن يدفعها إليّ فأبى، فعملت أرجوزتي التي أولها:
تهزأ منّي وهي رؤد طلّه ... أن رأت الأحناء مقفعلّه
قالت أرى شيب القذال احتلّه ... والورد من ماء اليرنّا حلّه
قال: ودفعتها إليه على أنها لبعض الأعراب وأخذت منه تلك، ثم مضى أبو قلابة إلى الأصمعي يسأله عن غريبها، فقال له: لمن هذه؟ قال: لبعض الأعراب، فقال له: ويحك هذه لبعض الدجالين دلّسها عليك، أما ترى فيها كيت وكيت وكيت، قال فخزي أبو قلابة واستحيى.
[٢٩٩]
حبيش بن موسى الصيني «٢»
: صاحب «كتاب الأغاني» ألفه للمتوكل، وذكر في هذا الكتاب أشياء لم يذكرها إسحاق ولا عمرو بن بانة، وذكر من أسماء المغنين والمغنّيات في الجاهلية والاسلام كلّ ظريف غريب. وله: كتاب الأغاني على حروف المعجم. كتاب مجردات المغنيات «٣» .
стр. 806
[٣٠٠]
حسان بن مالك بن أبي عبدة اللغوي الأندلسي
«١» ، كنيته أبو عبدة، الوزير: من أئمّة اللغة والأدب وأهل بيت جلالة ووزارة، مات عن سن عالية قبل عشرين وأربعمائة «٢» . له كتاب على مثال كتاب أبي السري سهل بن أبي غالب الذي ألفه في أيام الرشيد وسماه «كتاب ربيعة وعقيل» وهو من أحسن ما ألف في هذا المعنى، وفيه من أشعاره ثلاثمائة بيت، وذاك أنه دخل على المنصور بن أبي عامر وبين يديه كتاب السري وهو معجب به، فخرج من عنده وعمل هذا الكتاب، وفرغ منه تأليفا ونسخا «٣» وجاء به في مثل ذلك اليوم من الجمعة الأخرى، وأراه إياه فسرّ به ووصله عليه.
وكتب أبو عبدة إلى المستظهر عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر «٤» المسمّى بالخلافة أيام الفتنة وكان استوزره:
إذا غبت لم أحضر وإن جئت لم أسل ... فسيان مني مشهد ومغيب
فأصبحت تيميّا وما كنت قبلها ... لتيم ولكنّ الشبيه نسيب
أشار في هذا البيت إلى قول الشاعر:
ويقضى الأمر حين تغيب تيم ... ولا يستأذنون وهم شهود
قال ابن خاقان «٥» : وكان لأبي عبدة أيام الفتنة حين أدجت الفتنة ليلها، وأزجت
стр. 807
إبلها وخيلها، اغتراب كاغتراب الحارث بن مضاض «١» ، واضطراب بين العوالي والمواضي كالحيّة النضناض، ثم اشتهر بعد، وافترّ له السّعد، وفي تلك المدة يقول يتشوق إلى أهله:
سقى بلدا أهلي به وأقاربي ... غواد بأثقال الحيا وروائح
وهبّت عليهم بالعشيّ وبالضحى ... نواسم من برد الظلال فوائح
تذكرتهم والنأي قد حال دونهم ... ولم أنس لكن أوقد القلب لافح
وممّا شجاني هاتف فوق أيكة ... ينوح ولم يعلم بما هو نائح
فقلت اتّئد يكفيك أني نازح ... وأنّ الذي أهواه عنّي نازح
ولي صبية مثل الفراخ بقفرة ... مضى حاضناها فاطّحتها الطوائح
إذا عصفت ريح أقامت رؤوسها ... فلم تلقها إلا طيور بوارح
[٣٠١]
الحسن بن إبراهيم بن زولاق أبو محمد
: هو الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن الحسن «٢» بن علي بن خلف بن راشد بن عبد الله بن سليمان بن زولاق المصري الليثي، من أعيان علماء أهل مصر ووجوه أهل العلم فيهم، وله عدة تصانيف في التواريخ المصرية. مات يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة سنة ست وثمانين وثلاثمائة في أيام المتلقب بالعزيز بالله، وقيل إنه مات في ذي القعدة سنة
стр. 808
سبع وثمانين وثلاثمائة في أيام الحاكم، والأول أظهر. وكان لمحبته للتواريخ والحرص على جمعها وكتبها كثيرا ما ينشد:
ما زلت تكتب في التاريخ مجتهدا ... حتى رأيتك في التاريخ مكتوبا
وله من الكتب: كتاب سيرة محمد بن طغج الأخشيد. كتاب سيرة جوهر.
كتاب سيرة الماذرائيين. كتاب التاريخ الكبير على السنين. كتاب فضائل مصر.
كتاب سيرة كافور. كتاب سيرة المعز. كتاب سيرة العزيز، وغير ذلك.
وكان قد سمع الحديث ورواه، فسمع منه عبد الله بن وهبان بن أيوب بن صدقة وغيره.
وحدث ابن زولاق في «كتاب سيرة العزيز» المتغلّب على مصر، المنتسب إلى العلويين، من تصنيفه حاكيا عن نفسه قال: لما خلع على الوزير يعقوب بن كلس وكان يهوديا فأسلم، وكان مكينا من العزيز، فلما أسلم قلّده وخلع عليه، قال ابن زولاق: وكنت حاضرا مجلسه فقلت: أيها الوزير روى الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود أنه قال: حدثني الصادق رسول الله ﷺ أنّ الشقيّ من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه، وهذا علوّ سماوي. فقال الوزير: ليس الأمر كذلك، وإنما أفعالي وتوفيراتي وكفايتي ونيابتي ونيّتي وحرصي الذي كان يهجّن ويعاب، وقد مات قوم ممن كان وبقي قوم، وكان هذا القول بحضرة القوم الذين حضروا قراءة السجلّ الذي خرج من العزيز في ذكر تشريفه؛ قال ابن زولاق:
فأمسكت وقلت: وفّق الله الوزير، إنما رويت عن رسول الله ﷺ حديثا صحيحا، وقمت وخرجت وهو ينظر إليّ، وانصرف الوزير إلى داره بما حباه العزيز به، قال:
فحدثني أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم الحسيني الزينبي: عاتبت الوزير على ما تكلّم به وقلت: إنما روى حديثا صحيحا بجميع طرقه وما أراد إلا الخير، فقال لي، وخفي عنك؟ إنما هذا مثل قول المتنبي «١» :
ولله سرّ في علاك وإنما ... كلام العدى ضرب من الهذيان
стр. 809
وأجمع الناس على أن ذلك هجو في كافور لأنه أعلمه أنه تقدّم بغير سبب، وابن زولاق هجاني على لسان صاحب الشريعة ﷺ فما أمكنني السكوت، وكان في نفسي شيء فجعلت كلامه سببا.
قال أبو عبد الله الزينبي: فأشهد أن الوزير لم ينقض يومه حتى تكلّم بمثل كلامي الذي أوردته عن النبي ﷺ وذلك أن رجلا عرض عليه رقعة فقال: كم رقاع؟
كم حرص؟ هو ذا الرجل يطوف البلدان، ويتقلّب في الدول ويسافر فلا ينجح، وآخر يأتيه أمله عفوا، قد فرغ الله من الأرزاق والآجال والمراتب ومن الشقاوة والسعادة، ثم التفت إليّ وضحك وقطع كلامه.
قال ابن زولاق: وكنت هنّأت ابن رشيق بهذه التهنئة في مجلس عظيم حفل حين جاءته الخلع من بغداد والتقليد وألبسوه، ورويت له هذا الخبر فبكى وشكر، وحسدني على ذلك أكثر الحاضرين، وكافأني عليه أحسن مكافأة.
[٣٠٢]
الحسن بن أحمد بن يعقوب، يعرف بابن الحائك الهمداني
، من
стр. 810
مفاخرها: له «كتاب الإكليل «١» في مفاخر «٢» قحطان. وذكر اليمن» وله قصيدة سماها «الدامغة في فضل قحطان» «٣» أولها:
ألا يا دار لولا تنطقينا ... فانّا سائلوك فخبرينا
وله كتاب جزيرة العرب وأسماء بلادها وأوديتها ومن يسكنها «٤» .
وقرأت بخطّ الأمير عبد الكريم بن علي البيساني أخي الفاضل عبد الرحيم في فهرست كتبه وذكر خبرا من كتاب الاكليل في أنساب حمير وأخبارها تصنيف الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني وكان في سنة احدى وثلاثين وثلاثمائة «٥» .
[٣٠٣]
الحسن بن أحمد بن يعقوب بن يوسف بن داود
بن سليمان الشاعر المعروف بابن الدمينة «٦» ، بن عمرو بن الحارث بن أبي حبش بن منقذ بن الوليد بن الأزهر بن عمرو بن طارق بن أدهم بن قيس بن قيس «٧» بن ديبع «٨» بن عبد بن عليان بن أرحب ابن الذعّام بن مالك بن ربيعة «٩» بن صعب بن دويثان «١٠» بن جشم بن خيوان بن سرف «١١» بن همدان: وكان آباؤه ينزلون المواشي من بلاد بكيل، ثم انتقل داود بن