وما الدمع يوم البين إلّا لآلىء ... على الرسم في رسم الديار نثرناها
وما أطلع الزهر الربيع وإنما ... رأى الدمع أجياد الغصون فحلّاها
ولمّا أبان البين سرّ صدورنا ... وأمكن فيها الأعين النّجل مرماها
عددنا دموع العين لما تحدرت ... دروعا من الصبر الجميل نزعناها
ولما وقفنا للوداع وترجمت ... لعينيّ عمّا في الضمائر عيناها
بدت صورة في هيكل فلو آننا ... ندين بأديان النصارى عبدناها
وما طربا صغنا القريض وإنما ... جلا اليوم مرآة القرائح مرآها
وليلة بتنا: في ظلام شبيبتي ... سراي، وفي ليل الذوائب مسراها
تأرّج أرواح الصّبا كلما سرى ... بأنفاس ريا آخر الليل رياها
ومهما أدرنا الكأس باتت جفونها ... من الراح تسقينا الذي قد سقيناها
[ومنها] :
ولو لم يجد يوم الندى في يمينه ... لسائله غير الشبيبة أعطاها
فيا ملك الدنيا وسائس أهلها ... سياسة من قاس «١» الأمور وقاساها
ومن كلّف الأيام ضدّ طباعها ... وعاين أهوال الخطوب فعاناها
عسى نظرة تجلو بقلبي وناظري «٢» ... صداه فإني دائما أتصداها
وحدثني الشريف أبو جعفر محمد بن عبد العزيز الادريسي أن السبب في حبسه كان أنه كاتب شيركوه الملقب بأسد الدين، وهو نازل على بلبيس بعساكره في محاربة شاور، فلما رحل أسد الدين عن بلبيس وجدت الكتب في منزله، فحملت إلى شاور فحبسه وهمّ بصلبه لو لم يستنقذه ابنه الكامل.
وأنشدني المصريون للمهذب في رفّاء:
بليت برفّاء «٣» لواحظ طرفه ... بنا فعلت ما ليس يفعله النّصل
стр. 947
يجور على العشّاق والعدل دأبه ... ويقطعني ظلما وصنعته الوصل
ومن شعره أيضا «١» :
ولئن ترقرق دمعه يوم النوى ... في الطرف منه وما تناثر عقده
فالسيف أقطع ما يكون إذا غدا ... متحيّرا في صفحتيه فرنده
ومنه أيضا «٢» :
لقد طال هذا الليل بعد فراقه ... وعهدي به قبل الفراق قصير
فكيف أرجّي الصبح بعدهم وقد ... تولّت شموس بعدهم وبدور
ومنه أيضا:
يعنّفني من لو تحقّق ما الهوى ... لكان إلى من قد هويت رسولي
بنفسي بدر لو رآه عواذلي ... على الحبّ فيه فاد كلّ عذول
ومنه أيضا «٣» :
أقصر فديتك عن لومي وعن عذلي ... أو لا فخذ لي أمانا من ظبا المقل
من كلّ طرف مريض الجفن ينشدني ... «يا ربّ رام بنجد من بني ثعل»
إن كان فيه لنا وهو السقيم شفا ... «فربّما صحّت الأجسام بالعلل» «٤»
وقال يرثي صديقا له وقد وقع المطر يوم موته «٥» :
بنفسي من أبكى السماوات فقده ... بغيث ظنّناه نوال يمينه
فما استعبرت إلا أسى وتأسّفا ... وإلا فماذا القطر في غير حينه
стр. 948
وله أيضا:
لا ترج ذا نقص ولو أصبحت ... من دونه في الرتبة الشمس
كيوان أعلى كوكب موضعا ... وهو إذا أنصفته نحس
وله أيضا:
فدع التمدح بالقديم فكم عفا ... في هذه الآكام قصر داثر
إيوان كسرى اليوم عند خرابه ... خير لعمرك منه خصّ عامر
стр. 949
محتويات الجزء الثّاني
الموضوع الصفحة
[تتمة تراجم حرف الألف] ٤٨٣
١٦٩- أحمد بن محمد بن الفضل الخزاز ٤٨٣
١٧٠- أحمد بن محمد بن أحمد أبو علي الأصبهاني ٤٨٣
١٧١- أحمد بن محمد بن هاشم القرطبي الأعرج ٤٨٣
١٧٢- أحمد بن محمد بن جعفر بن ثوابة ٤٨٤
١٧٣- أحمد بن محمد بن الفضل الأهوازي ٤٨٥
١٧٤- أحمد بن محمد الافريقي، المتيم ٤٨٥
١٧٥- أحمد بن محمد، أبو سليمان الخطابي ٤٨٦
١٧٦- أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الهروي الباشاني ٤٩١
١٧٧- أحمد بن محمد بن عبد الله، العروضي الصفار ٤٩١
١٧٨- أحمد بن محمد، ابن شرام الغساني ٤٩٢
١٧٩- أحمد بن محمد بن الحسن الخلال ٤٩٣
١٨٠- أحمد بن محمد الملقب مسكويه ٤٩٣
١٨١- أحمد بن محمد الصخري ٥٠٠
١٨٢- أحمد بن محمد السهلي الخوارزمي ٥٠٤
١٨٣- أحمد بن محمد، أبو علي المرزوقي ٥٠٦
١٨٤- أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ٥٠٧
١٨٥- أحمد بن محمد بن أحمد، أبو حامد الاستوائي ٥٠٨
١٨٦- أحمد بن محمد بن عمار المهدوي ٥٠٨
стр. 950
الموضوع الصفحة
١٨٧- أحمد بن محمد، ابن برد الأصغر ٥٠٩
١٨٨- أحمد بن محمد بن هارون النزلي ٥١٠
١٨٩- أحمد بن محمد العمركي ٥١١
١٩٠- أحمد بن محمد بن أحمد بن شهردار ٥١١
١٩١- أحمد بن محمد، أبو الفضل الميداني ٥١١
١٩٢- أحمد بن محمد الصلحي ٥١٤
١٩٣- أحمد بن محمد بن القاسم الأخسيكثي ٥١٤
١٩٤- أحمد بن محمد الآبي ٥١٥
١٩٥- أحمد بن محمد بن جعفر الواسطي ٥١٧
١٩٦- أحمد بن مروان المؤدب أبو مسهر ٥١٨
١٩٧- أحمد بن مطرف بن إسحاق القاضي ٥١٩
١٩٨- أحمد بن مطرف أبو الفتح العسقلاني ٥١٩
١٩٩- أحمد بن موسى بن أبي عمار الحناط ٥١٩
٢٠٠- أحمد بن موسى بن العباس، ابن مجاهد ٥٢٠
٢٠١- أبو أحمد النهرجوري ٥٢٣
٢٠٢- أحمد بن نصر بن الحسين البازيار ٥٢٦
٢٠٣- أحمد بن هبة الله بن العلاء المخزومي ٥٢٨
٢٠٤- أحمد بن الهيثم بن فراس السامي ٥٢٩
٢٠٥- أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري ٥٣٠
٢٠٦- أحمد بن يحيى بن زيد، أبو العباس ثعلب ٥٣٦
٢٠٧- أحمد بن يحيى بن علي المنجم ٥٥٤
٢٠٨- أحمد بن يحيى بن الوزير ٥٥٥
٢٠٩- أحمد بن يحيى بن سهل الطائي المنبجي ٥٥٥
٢١٠- أحمد بن يزيد بن محمد المهلبي ٥٥٦
стр. 951
الموضوع الصفحة
٢١١- أحمد بن يعقوب بن يوسف، برزويه الاصبهاني ٥٥٦
٢١٢- أحمد بن يعقوب بن ناصح الاصبهاني ٥٥٦
٢١٣- أحمد بن إسحاق بن جعفر، ابن واضح اليعقوبي ٥٥٧
٢١٤- أحمد بن يوسف بن إبراهيم، ابن الداية ٥٥٧
٢١٥- أحمد بن يوسف بن القاسم الكاتب ٥٦٠
٢١٦- أخثاء ٥٧٠
٢١٧- أسامة بن سفيان السجزي ٥٧١
٢١٨- أسامة بن مرشد ابن منقذ ٥٧١
٢١٩- إسحاق بن إبراهيم الموصلي ٥٩٤
٢٢٠- إسحاق بن إبراهيم البربري ٦١٦
٢٢١- إسحاق بن إبراهيم الفارابي اللغوي ٦١٨
٢٢٢- إسحاق بن أحمد بن شيث البخاري ٦٢٠
٢٢٣- إسحاق بن بشر بن محمد، أبو حذيفة البخاري ٦٢٢
٢٢٤- إسحاق بن سلمة بن إسحاق القيني ٦٢٣
٢٢٥- إسحاق بن عمار، ابن الجصاص ٦٢٣
٢٢٦- إسحاق بن براء، أبو عمرو الشيباني ٦٢٥
٢٢٧- إسحاق بن نصير الكاتب البغدادي ٦٢٨
٢٢٨- إسحاق بن يحيى بن سريج الكاتب ٦٢٩
٢٢٩- إسحاق بن موهوب بن الخضر الجواليقي ٦٣٠
٢٣٠- أسعد بن عصمة، أبو البيداء الرياحي ٦٣٠
٢٣١- أسعد بن علي بن أحمد الزوزني، البارع ٦٣٠
٢٣٢- أسعد بن مسعود بن علي العتبي ٦٣٣
٢٣٣- أسعد بن المهذب، ابن مماتي ٦٣٥ ٢٣٣ ب- أسعد بن علي النحوي ٦٤٥
стр. 952
الموضوع الصفحة
٢٣٤- أسلم بن سهل الرزاز، بحشل الواسطي ٦٤٦
٢٣٥- اسماعيل بن أحمد بن عبد الله الحبري ٦٤٦
٢٣٦- اسماعيل بن اسحاق، ابن حماد الأزدي ٦٤٧
٢٣٧- إسماعيل بن الحسن بن علي الغازي، شمس الأئمة ٦٥١
٢٣٨- إسماعيل بن الحسين بن محمد العلوي النسابة ٦٥٢
٢٣٩- إسماعيل الضرير النحوي أبو علي ٦٥٥
٢٤٠- إسماعيل بن حماد الجوهري، صاحب الصحاح ٦٥٦
٢٤١- إسماعيل بن خلف الصقلي أبو طاهر ٦٦٢
٢٤٢- إسماعيل بن عباد، الصاحب ابن عباد ٦٦٢
٢٤٣- إسماعيل بن عبد الله، أبو العباس الميكالي ٧٢١
٢٤٤- إسماعيل بن عبد الرحمن، السدي الكبير ٧٢٤
٢٤٥- إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الصابوني ٧٢٦
٢٤٦- إسماعيل بن علي بن إسماعيل الخطبي ٧٢٧
٢٤٧- إسماعيل بن علي الحظيري ٧٢٨
٢٤٨- إسماعيل بن عيسى العطار ٧٢٩
٢٤٩- إسماعيل بن القاسم، أبو علي القالي ٧٢٩
٢٥٠- إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الصفار ٧٣٢
٢٥١- إسماعيل بن محمد بن أحمد الوثابي ٧٣٣
٢٥٢- إسماعيل بن محمد بن عبدوس الدهان ٧٣٤
٢٥٣- إسماعيل بن محمد القمي ٧٣٥
٢٥٤- إسماعيل بن محمد بن عامر، أبو الوليد ابن حبيب ٧٣٥
٢٥٥- إسماعيل بن مجمع الأخباري ٧٣٦
٢٥٦- إسماعيل بن موهوب بن أحمد الجواليقي ٧٣٦
٢٥٧- إسماعيل بن يحيى بن المبارك اليزيدي ٧٣٧
стр. 953
الموضوع الصفحة
٢٥٨- الأغر أبو الحسن ٧٣٩
٢٥٩- أمان بن الصمصامة بن الطرماح ٧٣٩
٢٦٠- أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت ٧٤٠
[تراجم حرف الباء] ٧٤٤
٢٦١- بزرج بن محمد العروضي ٧٤٤
٢٦٢- بشر بن يحيى بن علي القيني النصيبي ٧٤٦
٢٦٣- بقي بن مخلد الأندلسي ٧٤٦
٢٦٤- بكر بن حبيب السهمي ٧٥٠
٢٦٥- أبو بكر ابن عياش الحناط الكوفي ٧٥١
٢٦٦- بكر بن محمد، أبو عثمان المازني ٧٥٧
٢٦٧- بندار بن عبد الحميد الكرخي، ابن لره ٧٦٥
٢٦٨- بهزاد بن يوسف بن يعقوب النجيرمي ٧٦٨
[تراجم حرف التاء] ٧٦٩
٢٦٩- تمام بن غالب، ابن التياني المرسي ٧٦٩
٢٧٠- توفيق بن محمد بن الحسين الأطرابلسي ٧٧٠
[تراجم حرف الثاء] ٧٧١
٢٧١- ثابت بن الحسين بن شراعة التميمي ٧٧١
٢٧٢- ثابت بن أبي ثابت علي الكوفي ٧٧١
٢٧٣- ثابت بن أبي ثابت عبد العزيز اللغوي ٧٧٢
٢٧٤- ثابت بن عمرو بن حبيب ٧٧٢
٢٧٥- ثابت بن سنان الصابىء ٧٧٢
٢٧٦- ثابت بن محمد الجرجاني ٧٧٣
٢٧٧- أبو ثروان العكلي ٧٧٥
стр. 954
الموضوع الصفحة
[تراجم حرف الجيم] ٧٧٦
٢٧٨- جبر بن علي بن عيسى الزهيري ٧٧٦
٢٧٩- جعفر بن أحمد المروزي ٧٧٦
٢٨٠- جعفر بن أحمد بن عبد الملك الاشبيلي ٧٧٧
٢٨١- جعفر بن أحمد بن الحسين، ابن السراج ٧٧٧
٢٨٢- جعفر بن إسماعيل بن القاسم القالي ٧٨١
٢٨٣- جعفر بن الفضل ابن الفرات، ابن حنزابة ٧٨١
٢٨٤- جعفر بن قدامة بن زياد الكاتب ٧٨٨
٢٨٥- جعفر بن محمد بن أحمد بن حدار ٧٩٠
٢٨٦- جعفر بن محمد بن الأزهر الأخباري ٧٩٢
٢٨٧- جعفر بن محمد بن خالد بن ثوابة ٧٩٢
٢٨٨- جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي ٧٩٣
٢٨٩- جعفر بن موسى، أبو الفضل ابن الحداد ٧٩٨
٢٩٠- جعفر بن هارون بن إبراهيم الدينوري ٧٩٨
٢٩١- جلد بن جمل الراوية ٧٩٩
٢٩٢- جناد بن واصل الكوفي ٧٩٩
٢٩٣- جنادة بن محمد بن الحسين الهروي ٨٠٠
٢٩٤- جهم بن خلف المازني ٨٠١
٢٩٥- جودي بن عثمان الموروري ٨٠٢
[تراجم حرف الحاء] ٨٠٣
٢٩٦- الحارث بن أبي العلاء، أخو أبي عمرو ٨٠٣
٢٩٧- حبشي بن محمد الشيباني ٨٠٣
٢٩٨- حبيش بن عبد الرحمن، أبو قلابة الجرمي ٨٠٤
٢٩٩- حبيش بن موسى الصيني ٨٠٥
стр. 955
الموضوع الصفحة
٣٠٠- حسان بن مالك بن أبي عبدة ٨٠٦
٣٠١- الحسن بن إبراهيم بن زولاق ٨٠٧
٣٠٢- الحسن بن أحمد بن يعقوب، الهمداني ٨٠٩
٣٠٣- الحسن بن أحمد بن يعقوب (ترجمة ثانية) ٨١٠
٣٠٤- الحسن بن أحمد، أبو علي الفارسي ٨١١
٣٠٥- الحسن بن أحمد، الأسود الغندجاني ٨٢١
٣٠٦- الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء ٨٢٣
٣٠٧- الحسن بن أحمد الاستراباذي ٨٢٥
٣٠٨- الحسن بن أحمد بن الحسن الهمذاني ٨٢٥
٣٠٩- الحسن بن إسحاق بن أبي عباد اليمني ٨٤٠
٣١٠- الحسن بن أسد بن الحسن الفارقي ٨٤١
٣١١- الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي ٨٤٧
٣١٢- أبو الحسن البوراني ٨٥٤
٣١٣- الحسن بن الحسين، أبو سعيد السكري ٨٥٤
٣١٤- الحسن بن الخطير، الظهير الفارسي ٨٥٧
٣١٥- الحسن بن داود الرقي ٨٦٠
٣١٦- الحسن بن داود بن الحسين القرشي النقاد ٨٦٠
٣١٧- الحسن بن رشيق القيرواني ٨٦١
٣١٨- الحسن بن شهاب بن الحسن العكبري ٨٦٦
٣١٩- الحسن بن صافي، ملك النحاة ٨٦٦
٣٢٠- الحسن بن عبد الله، لغدة الأصبهاني ٨٧٣
٣٢١- الحسن بن عبد الله، أبو سعيد السيرافي ٨٧٦
٣٢٢- الحسن بن عبد الله، أبو أحمد العسكري ٩١١
٣٢٣- الحسن بن عبد الله، أبو هلال العسكري ٩١٨
стр. 956
الموضوع الصفحة
٣٢٤- الحسن بن عبد الله العثماني ٩٢٢
٣٢٥- الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي ٩٢٣
٣٢٦- الحسن بن عثمان بن حماد الزيادي ٩٢٨
٣٢٧- الحسن بن علي الحرمازي ٩٣١
٣٢٨- الحسن بن علي المدائني ٩٣٢
٣٢٩- الحسن بن علي بن عمر، ابن المصحح ٩٣٢
٣٣٠- الحسن بن علي بن الحسن، ابن مقلة ٩٣٣
٣٣١- الحسن بن عليل بن الحسين العنزي ٩٣٥
٣٣٢- الحسن بن علي بن إبراهيم الأهوازي ٩٣٦
٣٣٣- الحسن بن علي بن إبراهيم الصقلي ٩٣٨
٣٣٤- الحسن بن علي بن بركة بن عبيدة ٩٣٩
٣٣٥- الحسن بن علي الجويني الكاتب ٩٤٠
٣٣٦- الحسن بن علي، ابن الزبير الاسواني ٩٤١
стр. 957
[الجزء الثالث]
[تتمة حرف الحاء]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
- ٣٣٧-
الحسن بن علي بن أبي سالم المعمر بن عبد الملك بن ناهوج الاسكافي
الأصل البغدادي المولد والدار، أبو البدر ابن أبي منصور: من أهل باب الأزج، أحد الكتاب المتصرفين في خدمة الديوان الامامي هو وأبوه، وكان فيه فضل وأدب بارع وعربية وتصرف في فنونها، ويكتب خطا على طريقة أبي علي ابن مقلة قلّ نظيره فيه، وله خصائص، ولقي المشايخ، وصنف عدّة تصانيف في الأدب حسنة، وتنقّل في الولايات إلى أن رتّب مشرفا بالديوان العزيز في سادس شهر رمضان سنة ست وثمانين وخمسمائة، فكان على ذلك إلى أن عزل في سابع ذي الحجة سنة ثمان وثمانين.
وكان صحب أبا محمد ابن الخشاب النحوي، وقرأ عليه وبحث معه وعلّق عنه تعاليق وقفت على بعضها فوجدتها منبئة عن يد باسطة في هذا الفن من العلم، ورأيت بخطه في حلب تعاليق وكتبا واختيارات ونظما ونثرا تدلّ على قريحة سالمة، ونفس عالمة، تقلل النظير، وتؤذن بالعلم الغزير، ومما بلغني من شعره:
وعلى الكثيب مخمّر من تيهه ... كالبدر من حسن وليس بآفل
حجبوه بالبيض القواصل مادروا ... من حسنه وسيوفهم كالقاصل
رشأ كأنّ لحاظه مطرورة ... قذفت بها غرضا حنيّة نابل
стр. 958
وكأنّ سحر بلاغة في لفظه ... أخذ تعقّدها نوافث بابل
وكان خرج من بغداد حاجّا في سنة تسع وثمانين وخمسمائة أو نحوها فجاور بمكة، ثم صار منها إلى الشام وأقام بحلب مدة، ثم انتقل إلى مصر فسكنها إلى أن مات بها في ثامن عشر رمضان سنة ست وتسعين وخمسمائة عن سبع وستين سنة، ودفن بالقرافة، حدث بذلك ابنه أبو منصور علي.
وقرأت بخط ابن أبي سالم الذي لا أرتاب به ما صورته: نسخة كتاب كتبته إلى القاضي الفاضل عند قدومي من الحجاز إلى مصر في جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة: لو كانت المودات- أطال الله بقاء المجلس السامي في نعمة خصيبة المرتع، وعيشة عذبة المنبع، وأدام علاه في سعادة لا تتطرق إلى ضافي بردها السابغ حوادث الأقدار، ولا يتطرّق صافي وردها السائغ بحوادث الأكدار، وحرس مواهبه لديه ما لزم السكون أول المشدّدين، ولا زالت ثاوية بجنابه حتى يلتقي المخفّفان من كلمتين، ولا فتئت منح التوفيق مصاحبة له ما اشتبه الذاتي بالعرض اللازم، وذم المفرط أمره وأحمده الحازم- لا تقرع أبوابها، ولا يتدرع زينة لبوسها وأثوابها إلا عن معرفة في المشاهد سابقة، أو ماتّة قائدة أو ذريعة سائقة ... [١]
التعاضد والتضافر.... [١] سابق للصفة، وإنما للنفوس سرائر أهواء تحنّ إلى التداني وإن تباعدت الشعوب وتنازحت الديار، كما لتباينها أسباب تتنافر من أجلها وإن تقاربت الأنساب وتناوحت المقارّ، والفضائل الفاضلية القريرة، والمناقب الشهيرة، التي قد سار ذكرها في الآفاق سير القمر، وعطل مزيتها مرويّ السير، وتليت محاسنها كما تتلى السور، وصار الفوز بمناسمة ريّاها من أفضل ما أسفر عنه سفر، ولو عاينها الصّدر الأول لمدح في دراستها السهر، وما جدب السمر، فلا غرو أن تحنّ النفوس إلى محلّ كمالها، ومأوى توافر أضدادها التي انفرد بجمالها، ومثوى مواهبها التي هبطت اليه من المحلّ الأرفع لما سمّي لها وسما لها، ومن هو أمينها المصدق لظنونها ويمينها إذا كان غيره يمينها وشمالها، وقد زادها إفراط حبّ التبيان، فلله درّ ذلك
стр. 959
البيان، فلكم استفاءت حجته إلى أمر الله من الطوائف والفرق، وكم فضّ كتابه من كتائب الضلال وفرق.
ثم ذكر وصف بلاغته بما أطال فيه ووصف البحر الذي ركبه حتى خلص إلى مصر ثم قال: وقد أرسل هذه الخدمة مستخرجة للإذن في الحضور والتشرف بميمون اللقاء، وإن زاحم به أوقات الطاعات ومواقيت الأذكار، وشغل على اختصاره عن شيء من المهام والأوطار، فللمتوكل لنفسه أن يدّعي أنّ في ذلك ضربا من ضروب البرّ، فإنه قد أصبح ولله الحمد في هذا الطرف لقاطنيه وطارقيه كالأب البرّ. والمنشود من الأريحية الكريمة إكرام مثوى خدمته وتلقّيها بما يزيل عنها انقباض الغريب ووحشته، وحيرة القادم ودهشته، فعنده حياء طبيعيّ لعلة متجاوزة للقدر المحدود.
غذيت به طفلا فإن رمت غيره ... عصاني وأغرتني به ألفة المهد
وكتب إليه بعد الحضور عنده رقعة منها: وحضر الشيخ النفيس وصحبته ما قابل كريم الاهتمام الذي صدر عنه من الأدعية والأثنية بما لا يزال يواليه ويرفعه ويهديه، ولقد أخجله أن يرى نفسه في صورة مثقّل، أو يرى بعين غير موحّد في دين هواه متنقّل. ومقترحه أن يخصّ من حسن الرأي العالي بشعار يبهج ولا ينهج، ويشرع له سبيلا في الفخر وينهج، وأن يشير بأسطر بالخط الكريم تفوق المال، وتبقي الجمال، فأبقى السمات ما خطّته يمينه، وأثبت الصفات ما دلّ عليه تزيينه، وأزكى الشهادات ما تطوّع به كرمه، وأعطر رياض الحمد ما أنبته ديمه. وقد حصل الخادم بين نزاع يحضّه على حضور الخدمة وينشطه، وخوف إبرام يقبضه ويثبّطه؛ وقد ترجم عن حاله هذه بأبيات الشاعر أبي عبد الله وهي:
حالة قد حصلت أخبط [١] منها ... حول دار الأستاذ في عشواء
إن تأخّرت أو تقدّمت فيها ... ساء ظنّي في الموضعين برائي
لست أدري من الضلال أقدّا ... مي خير في ذاك أم من ورائي
أوثر الخدمة التي تثبت [٢] اسمي ... عندكم في جريدة الأولياء
ثم أخشى من أن [٣] أعدّ إذا ... جئت من المبرمين والثقلاء
стр. 960
قد تحيرت فاجعلوا أنتم اسمي ... حيث شئتم من هذه الأسماء
ومن خطه: ومن عبث الخاطر وهوسه أبيات تشوقت فيها الحجاز بعد مجاورتي بالحرم الشريف بمكة، قدسها الله سنة اثنتين أو ثلاث وسبعين:
خليليّ هل تشفي من الوجد وقفة ... بخيف منى والسامرون هجوع
وهل للييلات [١] المحصّب عودة ... وعيش مضى بالمأزمين رجوع
وهل سرحة بالسفح من أيمن الصفا ... رعت من عهودي ما أضاع مضيع
وهل قوّضت خيم على أبرق الحمى ... وما ذاك من غدر الزمان بديع
وهل تردن ماء بشعب ابن عامر ... حوائم لو يقضى لهنّ شروع
وما ذاك إلا عارض من طماعة ... له بقلوب العاشقين ولوع
وإني متى أعص التجلّد والأسى ... فللشوق مني والغرام مطيع
فيا جيرتي إذ للزمان نضارة ... وعودي نضار والخيام جميع
بنعمان والأيام فينا حميدة ... ووادي الهوى للنازلين مريع
وما أزمع الحيّ اليمانون نيّة ... ولا ريع بالبين المشتّ مروع
كفى حزنا أني أبيت وبيننا ... من البيد ممتدّ [٢] الفجاج وسيع
أعالج نفسا قد تولّى بها الأسى ... وطرفا يجفّ المزن وهو هموع
ومن خطّه أيضا: بيتان صدرت بهما كتابا في هذه الرقعة إلى بعض الإخوان بمكة حرسها الله تعالى:
ألا قل لجيران الصفا ليت ... داعي التفرق أعمى يوم راح مناديا
لعمري لقد ودّعت يوم وداعكم ... بشعب المنقّى شعبة من فؤاديا
ومن خطّه رسالة كتبها إلى الفاضل أيضا يسأله شيئا من رسائله، قال في آخرها:
فصار مثل هذه العوارف التي أقتصر في ذكرها على الإيماء وقوفا مع مجد سيدنا- أطال
стр. 961
الله بقاءه مبسوط اليد في عباد الله بالفرض، مقرضا له عناء همه فيهم أحسن القرض، منجزا لهم ما وعد: وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
(الرعد: ١٧) - عند الخادم، ومثله كالبيت من القريض قبل القافية، والمريض الذي مطلته الأيام بالعافية، فلا يكمل ذلك ولا يروق، ولا يتطرّب به المشوق، ولا يترنّم به الكئيب، ولا يتسلّى به الغريب، دون تمامه، وتكافي أجزاء نظامه، وعبقه بمسك ختامه، ولا يحسّ هذا بلذة على الحقيقة، وإن شرفت، حتى تجد روحه روح الشفاء فيدرك مزيتها بطرق الصحة ومروءتها بحاسة سمعها، وتساعفه الأقدار بتكميلها لك وجمعها:
وما أسفي إلّا عليها فإنني ... بقرطاسها لا بالدنانير أكلف
فجد لي بما أهواه منها فإنني ... سألحف في استيهابها وأكلّف
وما هذه الأهواء إلا غرائز ... قبيح لدى نقادها المتكلف
وإن كان الخادم عن حال من شرّف بهذا من أفناء الناس، ولم يكمل بعدته الاستئناس، فليس له أن يكون معترضا، ولا أن يتلقى ذلك بغير التسليم والرضى، فإن الخدمة السامية هي التي تبين لديها الأقدار، وبأفعالها تترتب المنازل وتتفاوت الأخطار.
- ٣٣٨-
الحسن بن علي بن محمد بن إبراهيم بن أحمد القطان ،
أبو علي المروزي:
أصله من بخارى، وولد بمرو سنة خمس وستين وأربعمائة. ومات مقتولا، قتله الغز لما وردوا خراسان وتغلّبوا على مرو، فقبضوا عليه في من قبضوا، فجعل يشتمهم وجعلوا يحثون التراب في فمه، حتى مات سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.
стр. 962
وكان شيخا فاضلا، كبيرا محترما، قد أخذ بأطراف العلوم على اختلافها، وغلب عليه اسم الطّبّ، وله في كل نوع تصنيف مأثور. وكان له دكان برأس المربّعة يقعد فيه للتطبب يؤذي الناس ويشتمهم إذا سئل عن شيء من المداواة. وكان ينظر في الخزانة التي عملت يرسم الكتب في المدرسة الخاتونيّة وهي يومئذ معمورة بالكتب ينتابها الفضلاء ويلتذ بها العلماء، حتى أغار خوارزمشاه على مرو وفي صحبته الرشيد الوطواط كاتبه فدخلها وانتخب من محاسن كتبها ونقلها الى خوارزم وتركها صفرا.
وكان القطان قد وقف فيها من كتب نفسه الكثير، فبين القطان والوطواط في ذلك رسائل معروفة وأجوبة مشهورة يدعي القطان عليه أنه انتهب كتبه وأغار على ثمرة عمره وما جمعه في سالف أيامه، والرشيد يتبرأ من ذلك ويحلف له أنه ما فعل.
وكنت عند كوني بمرو عرض عليّ شيخنا فخر الدين أبو المظفر عبد الرحيم بن تاج الاسلام أبي سعد السمعاني- تغمدهما الله برحمته- جزءا يشتمل على رسائل للحسن القطان إلى الرشيد الوطواط، محشوة بالسبّ له والثلب تصريحا لا تعريضا، ويلزمه الحجة في أنه نهب كتبه وسلبه نتيجة عمره، ويستحسب الله عليه، وضاق نطاق الزمان من تحصيلها وكتبها، وقلت:
وكم منية خلّفت خلفي وبغية ... ومن حاج نفس حال من دونها الترك
إذا ذكرتها النفس حنّت وأرزمت ... وودّت لفرط الوجد أدركها الفتك
سلام على تلك الديار وقدّست ... نفوس بمثواها ثوى العلم والنسك
وبقيت نفسي إليها متطلعة، وإلى مكنونها ملتفتة، فظفرت برسائل الرشيد محمد بن محمد بن عبد الجليل العمري البلخي المعروف بالوطواط متضمنة الأجوبة عنها يدلّ آخرها على إضراب الحسن القطّان عن تهمته والإذعان بابراء ساحته.
نسخة الرسالة الأولى [١] : بسم الله الرّحمن الرّحيم، قرع سمعي من أفواه الواردين وألسنة الطارئين على خوارزم أنّ سيدنا- أدام الله فضله- كلّما تفرّغ من مهمّات نفسه، ووظائف درسه، يقبل بمجامعه على أكل لحمي، والإطناب في سبّي
стр. 963
وشتمي، وينسبني إلى الإغارة على كتبه، ويبالغ في هتك أستار الكرم وحجبه. أهذا يليق بالفضل والمروّة؟ أو يجمل بالكرم والفتوة أن يفتري على أخيه المسلم، بمثل هذا الكذب المقلق والبهتان المؤلم؟ والله إذا نفخ في الصور يوم النشور، وبعثت هذه الرمم البالية، من الأجداث متدرعة ملابس الحياة الثانية، وجمعت عباد الله في مواقف العرصات، وتطايرت صحائف الأعمال إلى أربابها، وسئلت كلّ نفس عما كسبت، فمن مسيء يسحب على وجهه إلى النار، ومن محسن يحمل على أعطاف الملائكة إلى الجنة، لم يتعلق في ذلك المقام الهائل أحد بذيلي طالبا مني ملكا غصبته، ولا مالا نهبته، أو دما سفكته، أو سترا هتكته، أو شخصا قتلته، أو حقا أبطلته. وها أنا ذا قد آتاني الله من الوجه الحلال قريبا من ألف مجلد من الكتب النفيسة، والدفاتر الفائقة والنسخ الشريفة، وقد وقفت الكلّ [١] على خزائن الكتب المبنية في بلاد الاسلام- عمرها الله- لينتفع المسلمون بها، ومن كانت عقيدته هكذا كيف يستجيز من نفسه أن يغير على كتب إمام من شيوخ العلم، أنفق جميع عمره حتى حصّل أوراقا [٢] يسيرة لو بيعت في الأسواق لما أحضر بثمنها مائدة لئيم؟! الله الله لا يفترينّ سيدنا- أدام الله فضله- فافتراء الكذب على مثلي ذنب [٣] يتعثر في أذياله يوم القيامة، وليخافنّ الله [٤] الذي لا إله إلا هو، وليتذكرن يوما يثاب الصادق فيه على صدقه، ويعاقب الكاذب على كذبه، والسلام.
فورد على الرشيد جواب عن هذه الرسالة يكون في نحو كراستين يغلظ له في القول، ويصرّح فيه بالسبّ والتهمة، فكتب إليه الرشيد [٥] : بسم الله الرحمن الرحيم، ورد كتاب سيدنا- أطال الله بقاءه في دولة مفترّة المباسم، ونعمة متجددة المراسم- مشتملا من الإيذاء والإيحاش، والإبذاء والإفحاش [٦] ، على كلمات، بل
стр. 964
على ظلمات، لو أطفأ أدام الله علوّه بعض لهبه، وسكّن نائرة غضبه، ثم عاد إليه متصفحا لألفاظه ومعانيه، متفحّصا عن مقاطعه ومبانيه، لما ارتضى ذلك من دينه وعقله، ولما استحسنه من كرمه وفضله. إلا أني أعذره فيما قال، قصر كلامه أو طال، لعلمي أنه أدام الله علوّه مسلوب مغلوب، جريح أسنّة القهر، طريح صدمات الدهر، عضّته أنياب النوائب، وخدشته أظفار المصائب. نهبت كتبه وأمواله، وغصبت رحاله وأثقاله، وطالب الثأر يقصد كلّ راجل وفارس، وصاحب الضالّة يتّهم كل قائم وجالس. ولقد علم سيدنا- أدام الله علوه- أن وقعة مرو عمرها الله كانت واقعة عامّة شملت كلّ جبهة وحافر، وطبقت كلّ صائح وصافر، وكان قد لحقت في ذلك الوقت بعسكر خوارزمشاه من طبقات الناس أوزاع وأخياف، ومن حشرات [١] الأرض أنواع وأصناف، قصارى همّهم القتل والإغارة، ومنتهى أربهم الإحراق والإبارة، وأوباش مرو أيضا كانوا يخرجون من مكامنهم في الليالي، ويتعرضون لبيوت السادات والموالي، فليس بمستبعد أن يكون قد ظفر بكتبه من أولئك الأقوام أحد لا يعرف شانه، ولا يعلم مكانه. أما أنا فالله تعالى يعلم- وقد خاب من استشهده باطلا- أني ما فتحت للإغارة بابا، ولا نهبت كتابا [٢] ، بل ذهبت يوما على مقتضى إشارته الكريمة لأحمل كتبه إلى المعسكر [٣] ، فلما دخلت داره الرفيعة، ورأيت كتبا كثيرة فوق ما يحيط به عدّ، أو يشتمل عليه حدّ، فقلت: نقل هذه أمر مشكل، وحمل هذه خطب معضل، فتركتها بحالتها [٤] في أماكنها، وخليتها برمتها في معادنها، وخرجت كما دخلت خالي الحقائب، فارغ الزكائب. فإن كنت غصبت [٥] يوم وقعة مرو أو قبلها أو بعدها من كتبه- أدام الله علوه- كتابا أو جزءا أو دفترا [٦] ، أو من سائر أمواله شيئا صغر أو جل، كثر أو قلّ، أو رضيت أن يغصبه أحد من أتباعي والمنتمين إليّ، أو عرفت غاصبا غصبه، أو ناهبا نهبه، فأخفيت ذلك عنه، أو كتمته منه، فأنا بريء من الله وهو بريء مني، وإن كنت فعلت بنفسي شيئا مما ذكرت، أو رضيت أن يفعله أحد من
стр. 965
المتعلقين بي، أو عرفت فاعلا فعله، فعليّ لله أن أحجّ بيته المعظم المكرم راجلا حافيا وعلى عاتقي الزاد والمزادة عشر مرات، وإن كنت فعلت شيئا من ذلك، أو رضيت أن يفعله أحد من المتعلقين بي أو عرفت فاعلا فعله، فكلّ مال ملكته يميني فهو في سبيل الله على مساكين الحرمين، وإن كنت فعلت شيئا من ذلك، أو رضيت أن يفعله أحد من المتعلقين بي، أو عرفت فاعلا فعله، فكلّ عبد ملكته أو أملكه فهو حرّ، وإن كنت فعلت شيئا من ذلك، أو رضيت أن يفعله أحد من المتعلقين بي، أو عرفت فاعلا فعله، فكلّ امرأة تزوّجتها أو أتزوّجها فهي طالق مني ثلاث تطليقات [١] ؛ هذه الأيمان والنذور كتبتها ببناني، وأجريتها على لساني، لا خوفا من غوائله، ولا هربا من حبائله، فإن الصلح آمن أهله، والإسلام جبّ ما قبله، ولكن إظهارا لخلوّ راحتي، وبراءة ساحتي، وشفقة عليه- أدام الله علوّه- وصيانة لفاضل مثله [وهو] الذي لا مثيل له في أقطار الشرق والغرب وأقاصي البر والبحر، أن يسلك طريقة غير مستصوبة، ويختار شريعة غير مستعذبة. عصمنا الله وإياه مما يورث ذمّا، ويعقب إثما. وقد بعثت في قران هذه الخدمة خدمة أخرى مفرطة في الطول، مجررة الذيول [٢] ، منسوجة على منوال آخر كالكي للداء إذا استحكمت شدته، وتطاولت مدته، وعجز الأساة عن معالجته، والأطبّاء عن مداواته، وهديته- أدام الله علوه- فيها النّجدين، وأريته الطريقين، ودفعت عنان الاختيار إليه، ووضعت زمام الإيثار في يديه، ليسلك منهما ما يشاء، إما ما يسرّ [به] وإما ما يساء، وفقه الله للأصوب والأصلح، وأسعده بالأرشد والأنجح، وجعله من الصالحين المصلحين، والفائزين المفلحين، والسلام.
وكتب إليه مع الكتاب المتقدم ذكره [٣] : بسم الله الرحمن الرحيم، صادفني- أطال الله بقاءك في دولة مشرقة الكواكب، ونعمة هاطلة السحائب، وسلامة طيبة المشارع والمشارب- خطابه الكريم وكتابه الشريف بخوارزم وأنا ناعم البال، منتظم
стр. 966
الحال، من النفس في دعة، ومن العيش في سعة، والحمد لله على ذلك وبه الثقة والحول، وله المنّة والطول، وحين تنسمت من يد حامله رياه، وثبت من مكاني مستقبلا إياه، ومددت إليه يميني مدّ معزّ مكرم، وأخذته بطرف كمي أخذ مجلّ معظم، وقلت في نفسي: كرامة ساقها الله تعالى إليّ، وسعادة ألقت أنوارها عليّ، وأرسلت في الحال قاصدا إلى دارات [١] الأشراف وسروات الأطراف، وبعثت في الساعة مسرعا إلى رجالات الأخبية والأبنية، وساكنة الأباطح والأودية، ودعوت من كلّ حلة رئيسها وزعيمها، ومن كل خطّة كبيرها وعظيمها، حتى اجتمع عندي البدويّ والحضري، واحتشد في ربعي الربعي والمضري، ثم عرضت عليهم كتابا شريفا [٢] بختمه، وحنيت ظهري لتقبيله ولثمه، وطلبت خطيبا مصقعا من بلغاء بني معدّ صحيح اللسان، فصيح البيان، ووضعت له في منزلي منبرا من الساج، مغشّى بالأطلس [٣] والديباج، ليصعد به ذرى الأعواد، ويقرأه على رؤوس الأشهاد، فرفع الكلّ أبصارهم [٤] يمنة ويسرة، وسألوني خفية وجهرة، ما هذا الذي تظهره لنا وتعرضه، وتوجب علينا سماعه وتفرضه؟ فقلت: كتاب إمام [٥] لم تلمح عين الزمان بمثله، ولم تسمح يد الليالي [٦] بشكله، كتاب إمام هو في العلم صاحب آيات، وفي الفضل سابق غايات، إمام تطلع نجوم الجوّ دون قدره، وتحسد رياض الخلد أطايب صدره، كتاب إمام تمّ به حساب العلماء، كما تمّ برسول الله ﷺ حساب الأنبياء، صحيفة فخر حررتها يد بيضاء، وقلادة مجد رصّعتها همة روعاء. ونشرت من معالي سيدنا- أدام الله علوه- ومفاخره، وذكرت من مناقبه ومآثره، ما امتلأ بنشره النادي، وسال من ذكره الوادي، فسكنوا وسكتوا، وأنصفوا وأنصتوا، فلما فضضت ختامه، وحدرت لثامه، شاهدت في أثنائه من الفزع الأكبر، وعاينت في أدراجه من أهوال يوم المحشر، ما أطال السهاد، وأطار الرقاد، وشقّ جلباب الصبر ومريطاء الجلد، وجرح سواد العين وسويداء الخلد، حسبته حلّة خسروانية، فوجدته حربة هندوانية. كتاب لا
стр. 967
بل كتائب تفلّ كلّ جيش، وخطاب لا بل خطوب تكدّر كلّ عيش، وكلام لا بل في الأضالع كلام، وفصول لا بل في الجوانح نصول، وأسجاع مؤنقة، لا بل أوجاع موبقة، كأنّه نازلة الدهر، وقاصمة الظهر، كأنما ألفاظه أنياب الأراقم، ولمعانيه أظفار الضراغم. هو- أدام الله علوه- دفّاع الأمراض بطبّه، فلم أمرضني بفضائح سبّه؟ ونطاسيّ الجراح بعلمه، فلم جرحني بقبائح ظلمه؟
وممّن أرجّي شفاء السقام ... ومسقمتي جفوات الطبيب
ما هذا الإنذار والإيعاد؟ وما هذا الإبراق والإرعاد؟ كأنه صاحب دلدل، أو فارس بلبل [١] ، أو كأنه من أقيال اليمن، وأبطال الزمن، أو كأنه ثعبان الحرب، وشيطان الطّعن والضرب [٢] ، وذكر البول أولى به من ذكر الهول، وحديث البراز أولى به من حديث البراز:
إن للهجر رجالا ... ورجالا للوصال
قال- أدام الله علوّه- مصصت دمي من عرقي، أو ليس يدري أنّ امتصاص الدماء من خصائص بضاعته، والتصرف في اللحوم والعظام [٣] من لوازم صناعته؟! رحم الله امرءا عرف قدره، ولم يتعدّ طوره. وشر ما في بني آدم من الخصال الذميمة، والأفعال اللئيمة، إيذاء الصغار للكبار، وإيحاش العبيد للأحرار [٤] . وهذا له- أدام الله فضله- جبلّة فطر عليها، وطبيعة استرسل معها، وسجية شهر بين العامة والخاصة بها، يشتم كلّ يوم [٥] في منزله ومكانه، وعلى سدّة داره وطرف دكانه، خلقا كثيرا، وجما غفيرا، من الرافعين قصصهم إليه، والعارضين عللهم عليه، فيرجعون وجفونهم تتصوّب عبراتها، وقلوبهم تتصعّد زفراتها، لما يلاقون من سوء خلقه،
стр. 968
ويقاسون من خشونة نطقه، ويقفلون وألم ذلك التهجم [١] والإعراض، والوقيعة في الأحساب والأعراض، أشدّ عليهم من ألم الأسقام والأمراض. ولهذا جعل شخصه، وصيّر نفسه- مع أنه أفضل زمانه، وأعلم أولاد أقرانه- ضحكة الأداني والأقاصي، وسخرة للأذناب والنواصي، حتى صار بحيث إذا مشى في الأسواق تعادى صبيان البلد حوله فيسخرون منه ويضحكون عليه وينعرون في قفاه. ولا أقول فيه- أدام الله علوه- إلا ما قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في ابن المقفع حين رأى كمال فضله، ونقصان عقله. «علم وافر، وعقل قاصر» . ومن قصور عقل ابن المقفع أنه مرّ ببيت النار، وكان من أولاد كسرى، فتنفس الصعداء وتمثّل ببيت الأحوص بن محمد الأنصاري:
يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكّل
فاتهم بالمجوسية، فألقي في تنور مسجور، فأحرق. وما أصدق من قال:
قيراط عقل، خير من قنطار فضل، ومثقال حلم، أنفع من مكيال علم. أنكر- أدام الله علوه- رشاد مذهبي وإنكاره ضلال، وجحد سداد سيرتي وجحوده باطل محال، فيا طيّر الله جمجمة فرّخت فيها الأضاليل وباضت، ويا أسكت الله شقشقة دفقت منها الأباطيل وفاضت. ولا أعني بهذه الجمجمة إلا جمجمته التي لا عقل فيها، ولا أريد بهذه الشقشقة إلا شقشقته التي يباينها الصدق وينافيها. حتى متى يتهمني بظنّه؟ وإلى كم يجرّعني درديّ دنّه؟ أيحسب- أدام الله علوّه- أن ظنّه الباطل وخياله الفاسد ووهمه الكاذب وحي من السماء إلهي؟ أو إلهام في الحقيقة رباني؟ أو آية نفث بها روح القدس في روعه؟ لا بل هو واحد من أبناء زماننا وهذا شرّ الأزمنة، عجم الشيطان عوده فاستلانه، فصير خزانة خياله مكانه، فهذه الخطرات التي تختلج في جنانه، وتدور حول حسبانه، من تلك الخيالات الشيطانية، لا من الإلهامات الربانية. ولقد بلغني من أفواه الرواة، وألسنة الثقات أنه- أدام الله علوّه- أخذ بعين هذه التهمة الكاذبة قبل هذا واحدا من أعيان أهل جلدته، وسكّان بلدته، وهو مسعود بن المنتجب- رحمة الله- فأغار على أهله وبيته، وتعرّض لحيّه وميته، وخرّب دوره ورباعه،
стр. 969
وغصب أثاثه ومتاعه [١] ، من غير حجّة صحّحها، ولا بيّنة أوضحها. اللهم اصرع الظالم على الهامة، وخذ منه للمظلوم حتى يرضى عنه يوم القيامة. ومما أقضي منه العجب أن عهدي به- أدام الله عزه- قد كان يخرب الأبدان، فها هو الآن يخرب الأوطان، وما أسرع الدهر إلى تغيير البشر، وما أقدره على تبديل الصور والسير.
قرأت في بعض الكتب [٢] أنّ خليفة من الخلفاء رأى في منامه أن واحدا من ندمائه وثب عليه ليقتله، فلما أصبح استدعى النديم وأمر بقتله، فقال له النديم: ماذا فعلت حتى استوجبت هذه العقوبة، قال الخليفة: ما فعلت شيئا، ولكني رأيت في المنام أنك تقتلني وأنا أقتلك لذلك، فقال له النديم: إن يوسف بن يعقوب- صلوات الله عليهما- مع كونه صدّيقا نبيا احتاجت رؤياه إلى تعبير، وافتقرت أحاديثه إلى تأويل وتفسير، أفتستغني رؤياك عن مثل ذلك؟ فضحك الخليفة وخلاه. وأنا أقول: هكذا ظنون جميع ذوي الألباب، معرضة للخطأ والصواب. كأنّه- أدام الله علوه- تفرّد من بينهم بذاته، وتوّحد بعظمة صفاته [٣] ، فتنزهت ظنونه عن السهو، وتقدّست أحاديثه عن اللغو. عصمنا الله من الكبر البائن، والعجب الشائن. أما حان أن ينتبه- أدام الله علوه- من غفلته، ويستيقظ من رقدته، وقد بلغ غاية شيبه، وأخذ الموت بلحيته وجيبه، يقرع كلّ ساعة منادي الفناء، في أذنه الصمّاء: أن اترك أوطانك، واهجر أهلك وجيرانك، وارحل إلى جهنم بخيلك ورجلك، فإنها قد أوقدت نيرانها لأجلك. وما حرص جهنم على شي، كحرصها على إحراق [٤] شيخ غويّ، وهمّ غبي، سيّء الخليقة، مذموم الطريقة، يتظاهر بالإثم والعدوان، ويتبع خطوات الشيطان. هو- أدام الله علوّه- بلغ ساحل الحياة ووقف على ثنية الوداع، وهمّ بحر عمره بالنضوب، ومال نجم بقائه للغروب، فما ظنّه: هل في الحياة مطمع وقد بليت جدّته، وفنيت مدته، وتراجع أمره، وأتى على الثمانين عمره؟!
أيرجو الفتى عودا إلى طيّباته ... وقد جاوزت رأس الثمانين سنّه
стр. 970
كتبت هذه الأحرف على سبيل الأنموذج، والجواب بعد في الجراب، والسيف لم يسلّ من القراب، فإن انزجر- أدام الله علوه- واتعظ، وترك الفظاظة والغلظ، وعاد إلى كرم العهد وصفاء الود، فانا خادم مخلص وعبد مطيع وتلميذ معتقد:
والا فعندي للعدوّ وقائع ... تريه المنايا لا ينادى وليدها
فجاء جواب القطان بالاعتذار وبراءة ساحته من التهمة [١] .
ومن تصانيفه: كتاب دوحة الشّرف في نسب أبي طالب- ثماني مجلدات، كتاب بخطّه مشجّر. رسالة سارحة الرّموز وفاتحة الكنوز. سبائك الذهب. العروض- مشجّر. كتاب «كيهان شناخت» في الهيئة؛ وقد رأيته وهو جيّد في بابه. ومن شعره في كتاب: «الدّوحة في النسب» :
حداني لحصر الطالبيّين حبّهم ... وشدّ إلى مرقى علاهم تشوّفي
ففيهم ذراريّ النبيّ محمد ... فهم خير أخلاف تلوا خير مخلف
مضى بعد تبليغ الرّسالات موصيا ... بإكرام ذي القربى وإعظام مصحف
وما رام أجرا غير ودّ أقارب ... وأهون به أجرا فهل من به يفي
قال أبو سعد السّمعاني؛ كان فاضلا عالما بالطّبّ واللغة والأدب، وعلوم الأوائل المهجورة، وكان ينصر مذهبهم ويميل إليهم، واشتغل بالفقه والحديث في ابتداء عمره، ثم أعرض عنه، وكان يسمع الحديث على كبر سنّه ويشتغل به، ويصححه على من يعلم من الغرباء الواردين إلى مرو تستّرا وإظهارا للرغبة في العلوم الشرعية، والله أعلم بالعقيدة الباطنة.
سمع كتاب فضائل القرآن من أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عليّ القرشي.
ومن شعر أبي علي القطان:
كانوا يعيشون دهرا في ديانتهم ... لا يلفتون إلى شيء من الرتب
فرقّ دين فعاشوا في مروءتهم ... حتى خلت عنهم الأوطان عن كثب
فالآن عيش مداراة وتزجية ... إما إلى رغب إما إلى رهب
стр. 971
- ٣٣٩-
الحسن بن علي بن غسان
أبو عمرو ويعرف بالشاكر [١] [البصري] : كان من أكبر أهل البصرة فضلا، وأوفرهم حجى وعقلا، له في جميع العلوم اليد البيضاء والهمة العلياء، وكان يغشى مجلسه رؤساء أهل البصرة وفضلاؤها وعلماؤها يقرأون عليه الحديث والفقه وعلوم القرآن وكتب الأدب. وكان حسن الهيئة، نظيف الثوب، مليح الخطّ، ظريف الشكل، حسن الخلق، أبيّ النفس، متين الدين، كثير الورع. وكان شافعيّ المذهب، وله عدة مصنّفات في عدّة فنون، وله شعر في فنون مختلفة وغير ذلك من الأدعية والخطب ما ليس لغيره من أبناء عصره وأهل زمانه.
وكان يبذل جهده في تأديب ولد اسمه عبد الرحمن ويحسن تربيته، فأبى الله إلا أن ينشأ على أقبح صفة، واشتغل في حياة أبيه مع الكناسين ومن أشبههم. وبالغ أبوه في استنقاذه من ذلك فلم يصل إلى مقصوده، ومات أبوه وهو على تلك الحال.
فمن كلامه في مخاطبة ولده هذا: أما بعد فإن العلم أفضل ما التمس، وأنفع ما اقتبس، به يحاز الجمال والأجر، وهو الغاية في الشرف والفخر:
إذا ما فاخر المثرون يوما ... بما حازوه من مال ووفر
فخرت عليهم بالعلم إني ... وجدت العلم غاية كلّ فخر
وقال أيضا: أما بعد فإن الأدب قوام اللسان وقيمة الانسان، صاحبه محبّب مكرّم، جليل في العيون مفخم، إن قال أصغى إليه الأقوام، وإن صال صال بنطق كالحسام:
لساني أمضى من سنا السيف مرهفا ... وأبعد في الأغراض من ظبة السهم
به أتّقي قذع الغواة وأرتقي ... بسلطانه يوم الفخار إلى النجم
أما بعد فإن الأدب ملبس جميل، ومفخر جليل، يعلو بصاحبه إلى أشرف
стр. 972
الرتب، وينهض به إلى أقعد الحسب:
إذا الفتى فاته مال يجمّله ... ففي التأدّب مما فاته خلف
هو اللباس الذي لا شيء يعدله ... والمفخر الزين فيه العزّ والشرف
- ٣٤٠-
الحسن بن عمر بن المراغي ،
أبو علي الأديب: أحد محاسن أذربيجان فضلا عن المراغة، له الأدب البارع والفضل الذائع، والتصانيف المفيدة والاشعار الرائقة.
وجدت من تصانيفه: كتاب في رسائل من إنشائه. وكتاب الديباجة في النحو، مفيد حسن.
ومن منثور كلامه مشفوعا بشيء من نظمه: حررت هذا الخطاب- أطال الله بقاء سيدنا الأستاذ الرئيس، وأدام علوه- عن سلامة مشفوعة بصبابة، وزفرات للفراق مقرونة بكآبة، فأنا أسيرها، وفرط الأسى أميرها، أجود بالدمعة، من شدة اللوعة، على خدّ مخدّد لما أقاسيه من شوق مجدد، إلى حضرته، آنسها الله تعالى، وعزته حرسها الله.
وهذا من غاية [الجودة] في الرسائل ولا أدري أهو من كلامه أو كلام غيره ولو تحققت انه من [ ... ] [١] .
- ٣٤١-
الحسن بن عمرو الحلبي النحوي
المعروف بابن دهن الحصى: أقام بحلب واتخذها دارا وصار له بها أهل وولد، بقي مدة يقرىء النحو بجامعها، ومات بحلب
стр. 973
سنة ثلاث وستمائة، وله تصانيف منها: [ ... ] .
أنشدني كمال الدين عمر بن أبي جرادة- أدام الله علوه- قال أنشدني ابن دهن الحصى لنفسه عقيب برئه من نقرس كان يعتريه:
من لصبّ فوق فرش ضنا ... أبدا يبرا وينتكس
جفنه بالدمع منطلق ... وكراه عنه محتبس
جهل العوّاد موضعه ... فهداهم نحوه النفس
وأنشدني أيضا، قال أنشدني المذكور لنفسه:
برد ولا قلب من أهوى إذا ذكرت ... له حرارة قلب الهائم الدنف
جسمي دقيق به عار كما عريت ... من نقطها ثم دقّت صورة الألف
وأنشدني، قال أنشدني المذكور لنفسه:
وما أنا في الشكوى عن البين عاجز ... ولا ضاق في حمل الرزايا بكم صدري
ولا خانني حسن اصطباري وإنما ... رميت من البلوى بأكثر من صبري
قال وأنشدني لبعضهم:
ما شانها والله زرقة عينها ... بل كان ذاك زيادة في زينها
كادت أساود شعرها تسطو على ... مهج الورى لولا زمرّد عينها
قال وأنشدني لبعضهم [ ... ] [١] .
أنشدني بدر الدين بن الشيزري أبو الحسن محمد بن هبة الله بن علي التميمي، أنشدنا ضياء الدين الحسن بن عمرو بن دهن الحصى لنفسه في التجنيس:
ولما تجلّى الدار عنا وقد جرت ... حميّا الغوادي في معاطف عود
وأخفى وميض البرق دمع مدامة ... وأخرس صوت الرعد ناطق عود
أعادت سماء الدّجن فينا نبيذها ... مباخر عود في مباخر عود
стр. 974
وله، أنشدني له عنه:
إذا كنت ذا علم فكن ذا سماحة ... فما أنت فيما قلته بملوم
ولا تك ممن يبرز القال وهو في ... مدار علوم في مدارع لوم
وله أيضا، أنشدنيه له:
بأبي من شادن فمه ... لحميا ريقه قدح
قاتل الله الوشاة بنا ... كم سعوا فينا وكم قدحوا
وأنشدنيه له:
مرضى من الهجر لا يعتادهم أحد ... ما كان أسعدهم لو أنهم عيدوا
صاموا لغيبة بدر التم عن غضب ... ويوم يبدو لهم وجه الرضى عيد
وأنشدنيه له:
تطالبني عيني بكم بعد بعدكم ... وأنتم على حكم الهوى في سوادها
وتطمعني في طيفكم برقادها ... وإذخرها كحلا بميل سهادها
إذا لم تكونوا عون عيني على الكرى ... فلا حاجة لي في لذيذ رقادها
ولي مهجة لم تبق منها بقية ... سوى ما سكنتم من صميم فؤادها
وله:
حاكمتني إليك أطماع نفسي ... أنت ما بينهنّ خصم وقاض
إن أكن أمس بالتواصل حيا ... فأنا اليوم بالقطيعة راض
وأنشدني أيضا له ﵀:
تمثلتم لي والديار بعيدة ... فخيّل لي ان الفؤاد بكم مغنى
وناجاكم قلبي على البعد بيننا ... فأوحشتم لفظا وآنستم معنى
وكان له جامكية فأخّرت، فكتب إلى السلطان، أنشدنيه بدر الدين المذكور، قال أنشدني ابن دهن الحصى لنفسه:
ابني الندى من آل أيوب الأولى ... بنوالهم فاقوا على الأمطار
стр. 975
من كلّ منبجس البنان كأنما ... يهمي عليك بديمة مدرار
لا غار دركم العميم ولا خلت ... يوما صحائفكم من الإدرار
فأطلقها في الحال، وكتب: يوفّى على سياقة قبضه.
وأنشدني قال أنشدني لنفسه:
منّي لا منك الذي أشتكي ... يا من له العتبى أنا المذنب
ما غبت عن عيني ولم تحتجب ... لكن بعينيّ قذى يحجب
فخذ يدي في الحبّ يا من به ... منه إليه في الهوى أهرب
- ٣٤٢-
الحسن بن القاسم الرازي، أبو علي:
كان يلازم مجلس الصاحب ابن عباد، وكان نحويا لغويا، وله «كتاب المبسوط» في اللغة.
- ٣٤٣-
الحسن بن مالك أبو العالية الشامي:
مولى العمّيين، وبنو العمّ قوم من فارس نزلوا البصرة في بني تميم أيام عمر بن الخطاب ﵁، وأسلموا وغزوا مع المسلمين فحمدوا بلاءهم فقالوا لهم: أنتم وإن لم تكونوا من العرب إخوتنا وأهلنا، وأنتم الأنصار وبنو العمّ، فلقبوا بذلك.
وقدم [أبو العالية] بغداد وأدّب العباس بن المأمون، وكان من أصحاب الاصمعي. فمن شعره:
فلو أنني أعطيت من دهري المنى ... وما كلّ من يعطى المنى بمسدّد
لقلت لأيام مضين ألا ارجعي ... إلينا وأيام مضين ألا ابعدي
стр. 976
وحدث محمد بن يزيد المبرد: [قال] قال الجماز لأبي العالية: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت على غير ما يحبّ الله وغير ما أحبّ أنا وغير ما يحبّ إبليس، لأن الله يحبّ أن أطيعه ولا أعصيه ولست كذلك، وابليس يحبّ أن أعصي الله وأطيعه ولست كذلك، وأنا أحب أن أكون على غاية الجدة والثروة ولست كذلك.
وأنشد المبرد لأبي العالية:
أذمّ بغداد والمقام بها ... من بعد ما خبرة وتجريب
ما عند سكّانها لمختبط ... رفد ولا فرجة لمكروب
قوم مواعيدهم مطرّزة ... بزخرف القول والأكاذيب
خلّوا سبيل العلا لغيرهم ... ونازعوا في الفسوق والحوب
يحتاج راجي النوال عندهم ... إلى ثلاث بغير تكذيب
كنوز قارون أن تكون له ... وعمر نوح وصبر أيوب
- ٣٤٤-
الحسن بن محمد المهلبي الوزير:
هو أبو محمد الحسن بن محمد بن هارون بن إبراهيم بن عبد الله بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة، وزير معزّ الدولة أبي الحسين ابن أحمد بن بويه، ومات وهو على الوزارة في سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة.
وكان المهلبيّ من ارتفاع القدر واتساع الصّدر ونبل الهمّة وفيض الكفّ على ما هو مذكور مشهور، وأيامه معروفة في وزارته لمعزّ الدولة وتدبيره أمور العراق، مع أنه [كان] غاية في الأدب والمحبة لأهله والإقبال عليهم والاحسان إليهم، وكان يترسّل ترسلا بليغا ويقول الشعر قولا لطيفا يضرب بحسنه المثل، كما قال بعض أهل العصر:
стр. 977
بأبي من إذا أراد سراري ... عبّرت لي أنفاسه عن عبير
وسباني ثغر كدرّ نظيم ... تحته منطق كدرّ نثير
وله طلعة كنيل الأماني ... أو كشعر المهلبيّ الوزير
وقال ابن الحجاج في ضد ذلك:
قيل إن الوزير قد قال شعرا ... يجمع الجهل شمله ويضمّه
ثم أخفاه فهو كالهرّ يخرا ... في زوايا البيوت ثم يطمّه
ليتني كنت حاضرا حين يروي ... هـ فأفسو في راحتي وأشمّه
قال [الثعالبي] [١] : وحدثني أبو بكر الخوارزمي وأبو نصر ابن سهل بن المرزبان وأبو الحسن المصيصي، دخل حديث بعضهم في بعض فزاد ونقص، قالوا: كانت حال المهلبي قبل الاتصال بالسلطان حال ضعف وقلّة، وكان يقاسي منها قذى عينه وشجى صدره، فبينا هو ذات يوم في بعض أسفاره مع رفيق له [٢] من أصحاب الحراب والمحراب، إلا أنه من أهل الأدب، إذا لقي من سفره نصبا واشتهى اللحم فلم يقدر على ثمنه، فقال ارتجالا:
ألا موت يباع فأشتريه ... فهذا العيش ما لا خير فيه
إذا أبصرت قبرا من بعيد ... وددت لو آنني فيما يليه
ألا رحم المهيمن نفس حرّ ... تصدّق بالوفاة على أخيه
فاشترى له رفيقه بدرهم واحد ما سكّن قرمه، وتحفّظ الأبيات وتفارقا؛ وضرب الدهر ضربانه حتى ترقّت حال المهلبي إلى أعظم درجة من الوزارة فقال:
رقّ الزمان لفاقتي ... ورثى لطول تحرقي
فأنالني ما أرتجي ... وأفاتني ما أتقي
стр. 978
فلأصفحن عن ما أتا ... هـ من الذنوب السّبق
حتى جنايته لما ... فعل المشيب بمفرقي
وحصل الرفيق تحت كلكل من كلاكل الدهر ثقل عليه بركه، وهاضه عركه، فقصد حضرته وتوصل إلى إيصال رقعة تتضمن أبياتا منها:
ألا قل للوزير بلا احتشام [١] ... مقالة مذكر ما قد نسيه
أتذكر إذ تقول لضنك عيش ... «ألا موت يباع فأشتريه»
فلما نظر فيها تذكره وهزته أريحية الكرم للحنين إليه، ورعاية [٢] حق الصحبة فيه، والجري على حكم من قال:
إنّ الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن
فأمر له في العاجل بسبعمائة درهم، ووقع في رقعته: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ
(البقرة: ٢٦١) [ثم دعا به، وخلع عليه وقلده عملا يرتفق به ويرتزق منه] [٣] .
قيل [٤] : كان لمعز الدولة غلام تركيّ يدعى تكين الجمدار، أمرد وضيء الوجه، فلفرط [ميل] معزّ الدولة إليه وشدة إعجابه به جعله رئيس سريّة جرّدها لحرب بعض بني حمدان، وكان المهلّبي يستظرفه ويستحسن صورته ويرى أنه من عدد الهوى لا من عدد الوغى، فقال فيه:
طفل [٥] يرقّ الماء في ... وجناته ويرفّ عوده
ويكاد من شبه العذا ... رى فيه أن تبدو نهوده
стр. 979
ناطوا بمعقد خصره ... سيفا ومنطقة تؤوده
جعلوه قائد عسكر ... ضاع الرعيل ومن يقوده
فما كان بأسرع من أن كانت الدائرة على هذا القائد.
وكتب إلى ابن العميد في جواب كتاب ورد منه [١] :
طلع الفجر من كتابك عندي ... فمتى باللقاء يبدو الصباح
ذاك إن تمّ لي فقد عذب العيش ونيل المنى وريش الجناح وكتب القاضي أبو القاسم علي بن محمد التنوخي إلى المهلبي، وقد منعه المطر عن زيارته:
سحاب أتى كالأمن بعد تخوّف ... له في الثرى فعل الشفاء بمدنف
ومدّ جناحيه على الأرض جانحا ... فراح عليها كالغراب المرفرف
غدا البرّ بحرا زاخرا وانثنى الضحى ... بظلمته في ثوب ليل مسجّف
تحاول منه الشمس في الجوّ مخرجا ... كما حاول المغلوب تجريد مرهف
فأفرغ ماء قال وارد حوضه ... أسلسال ماء أم سلافة قرقف
أتى رحمة للناس غيري فإنه ... عليّ عذاب ماله من تكشّف
سحاب عدا بي عن سحاب وعارض ... منعت به عن عارض متكفكف
فأجابه المهلبي:
أتت رقعة الشيخ [٣] الجليل فكشّفت ... وساوس محزون الفؤاد ملهّف
فأهدت نظاما من قريض كأنه ... نظام لآل أو كوشي مفوّف
تكامل فيه الشكل والظّرف مثلما ... تكامل في مهديه كلّ التظرف
حوى منتهى الحسنى بأول خاطر ... تكلّفه في الشعر ترك التكلّف
стр. 980
ودخل رسول معز الدولة على المهلبي يدعوه وهو على شرابه فقال بديها:
إذا قيل طعم الوصل ثمّ تنمرت ... عليك بوجه لم يكن يعرف القطبا
وما جاءني منه رسول وإن أتى ... بما سرّني إلا ملئت به رعبا
قيل: صحب أبو محمد المهلّبي في أول أمره أبا زكريا يحيى بن سعيد السوسي ونظر في ضياعه بالأهواز وكانت جليلة القدر، ثم اتصل بأبي الحسن عليّ بن محمد الطبري وكان واليا كبيرا من قبل معز الدولة وناب عنه على باب معزّ الدولة بحضرة أبي جعفر الصيمريّ، وكانت فيه مداخلة ومعرفة بخدمة الرؤساء. وكان بين أبي جعفر وأبي الحسن الطبري عداوة، فجرى بين المهلبي وبين أبي الحسن منافرة نكبه لأجلها ثم رضي عنه بعد ذلك. ثم لازم أبا جعفر وصحبه إلى بغداد والجبل، وشرع في سدّ بثق النهروان، فندب له المهلبي، فقام فيه أحسن قيام.
ولأبي [....] قصيدة يخاطب فيها أبا جعفر الصميري ويذكر المهلبي وكان في صحبته:
ماذا لقينا من القاطول لا هطلت ... فيه السحاب ولا سقّته تهتانا
فقد سددناه وارتدّت غواربه ... حسرى ولم نأل إحكاما وإتقانا
وقد دعمنا له سكرا سما وطما ... حتى توهّمه راءوه ثهلانا
واستفرغ الوسع حتى طمّ خا ... دمك المهلّبي وقاسى فيه أشجانا
نجاه منه بآراء مثقّفة ... تخالها في ظلام الليل نيرانا
رميت بحرا بطود فاستكان له ... كرها وأيقظت فيما ناب يقظانا
وما تقابل بالإقبال ممتنعا ... إلا تبدّل بالعصيان إذعانا
ثم خرج معزّ الدولة والصميري إلى الموصل لقتال ناصر الدولة، فاستخلف الصيمريّ المهلبيّ وأبا الحسن طازاد بن عيسى على الأمور بمدينة السلام إلى أن عاد.
ثم خرج الصميريّ إلى البطيحة لطلب عمران بن شاهين، فاستناب بحضرة معزّ الدولة أبا محمد وحده في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، فخدم أبو محمد بين يدي معز الدولة خدمة حسنة خفّف بها عنه وخفّ على قلبه بها، فمال إليه وقربه، وبلغ أبا جعفر ذلك
стр. 981
فثقل عليه، فتطلّب لأبي محمد الذنوب، وتمحّل ما أنكره عليه، وأطلق فيه لسانه بالوقيعة والتهدد، وبلغ أبا محمد ذلك فقلق له واستشعر النكبة والهلكة لأنه لم يطمع من معز الدولة في نصرته عليه وعصمته منه، فما راعه إلا ورود كتاب الطائر بوفاة الصميري، فجلس له في العزاء وأظهر له الحزن الشديد ولزم منزله، فاستدعاه معز الدولة وأمره بالحضور وتمشية الأمور إلى أن يقلّد من يرى تقليده الوزارة. وترشح للوزارة جماعة منهم: أبو علي الحسن بن هارون بن نصر وأبو علي الحسن بن محمد الطبري وأبو الحسن محمد بن أحمد المافروخي وأبو عبد الله محمد بن أحمد الخوميني، وبذلوا البذول وضمنوا الأموال، ووسّط أبو عليّ الطبري في أمره والدة عز الدولة وبذل مائتي ألف درهم عاجلة على سبيل الهدية فطالبه معز الدولة بالمال، فحمل منه مائة وثمانين ألف درهم وقال: قد بقي بقية يسيرة إذا ظهر حملتها، فقال معز الدولة: لا أفعل إلا بعد استيفاء المال، فعلم الطبري أنه خدع، وندم على ما فعله. ثم حضر الجماعة المترشحون الخاطبون وكل يعتقد أنه المختار المقلّد، وجلسوا في خركاه ينتظرون الإذن، ثم أوصل القوم ووقفوا على مراتبهم، ودخل أبو محمد بعدهم وقام في أخرياتهم، فلما تجمع الناس أسرّ معز الدولة إلى أبي علي الحسن بن إبراهيم الخازن قولا لم يسمع، فمشى إلى أبي محمد المهلبي وقبّل يده وخاطبه بالاستاذية، على ما كان أبو جعفر يخاطب به، وحمله إلى الخزانة فخلع عليه الخلعة التي هي رسم أمثاله: القباء والسيف والمنديل والمنطقة. قال هلال، قال جدي: فو الله يا بنيّ لقد رأيت الناس على طبقاتهم ممن أسميناه، ومن يتلوهم من الجند وغيرهم، والسعيد منهم من وصل إلى يده فقبّلها. وعاد أبو محمد إلى حضرة معز الدولة فخاطبه بالتعويل عليه في تقلّد وزارته وتدبير دولته، وشكره أبو محمد شكرا
стр. 982
أطال فيه وخرج منصرفا إلى داره، فقدّم له شهريّ بمركب ذهب، وسار أبو محمد وسبكتكين الحاجب بين يديه، والقواد والناس في موكبه، وذلك لثلاث بقين من جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، ثم جددت له الخلع من دار الخلافة بالسواد والسيف والمنطقة فأثقلته هذه الخلع وكان ذا جثّة، والزمان صيف، وقد مشى في تلك الصحون الكثيرة، فسقط عند دخوله إلى حضرة المطيع لله ووقع على ظهره، وظنّ أنه يحصر لما جرى، فقال يا أمير المؤمنين:
خرسنوه وما درى ما خراسا ... ن بلبس القباء والموزجين
ثم أكثر الشكر وأطال فيه، فاستحسنت منه هذه البديهة على تلك الصورة، وركب إلى داره وجميع الجيش معه، وحجاب الخلافة ومعز الدولة بين يديه.
فلما كانت سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة لهج معز الدولة بذكر عمان، وحدّث نفسه بأخذها، وأغراه بذلك المعروف بكرك، أحد النقباء الأصاغر [١] ، فأمر المهلبيّ بالخروج إليها، فدافعه ووضع عليه من يزهّده فيها، فلم يزدد إلا لجاجا، وكاد أبو محمد الوزير [٢] حاشية معز الدولة إذ ألزمهم تقسيطا في نفقة البناء الذي استحدثه من غير أن يخرج بأحد منهم إلى عسف، فأحفظهم فعله، فبعثوا معزّ الدولة على إخراجه، فلما ألحّ عليه ضمن له أن يستخرج من هؤلاء جملة كبيرة يستعين بها في هذا الوجه، فمكّنه من ذلك بعد أن شرط عليه أخذ العفو وتجنّب الإجحاف، فقبض على جماعة وأخذ منهم ألفي ألف درهم، منها خمسمائة ألف درهم من أبي علي الحسن بن إبراهيم النصراني الخازن، ومعزّ الدولة على غاية العناية بأمره والثقة بأنه لا مال له، وأظهر أبو علي الفقر وسوء الحال وأنه اقترض المال الذي أدّاه من الناس، فشقّ ذلك على معزّ الدولة وظنه حقا، واعتلّ أبو علي عقيب ذلك ومات، فاعتقد معزّ الدولة أن أبا محمد قتله لما عامله به، وأقبل عليه يلومه ويحلف له أنه يقيده به، فلم يلتفت أبو محمد إلى ذلك، وبادر إلى دار أبي علي وقبض على خادم له ضغير
стр. 983
كان يختصّه ويثق به، ومنّاه ووعده، فدلّه على دفين كان لأبي علي في الدار [١] ، فاستخرج منه عدة قماقم فيها نيف وتسعون ألف دينار وحملها إلى معز الدولة وقال له:
هذا قدر أمانة خازنك الذي ظننت أني قد قتلته باليسير الذي أخذته لك منه، وما فيه درهم من ماله [٢] ، وإنما افترصه [٣] من أولادك وحرمك وغلمانك وشنّع عليك، ثم تتبع أسبابه فأخذ منهم تمام مائتي ألف دينار، وقدّر أبو محمد أن معز الدولة يمكنه من الحاشية الباقين ويعفيه من الخروج فلم يقبل [٤] ، وجدّ به جدّا شديدا في الانحدار فانحدر في جمادي الآخرة من سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة، وتمادت أيامه بالبصرة للتأهب والاستعداد، وامتنع العسكر المجرد من ركوب البحر، فبلغ معزّ الدولة ذلك، فاتهمه بأنه بعث العسكر على الشغب [٥] ، فكاتبه بالجدّ والإنكار عليه في توقفه وألزمه بالمسير [٦] ، ووجد أعداؤه طريقا للطعن عليه، فاغتنموا تنكّر معز الدولة عليه، وأقاموا في نفسه أنه انحدر من مدينة السلام وهو لا يعتقد العود إليها، وأنه سيغلب على البصرة كما تغلّب البريديون، وأن العسكر الذي معه والعشائر هناك على طاعته [٧] ، عظّموا عنده أمواله، فتدوخ معزّ الدولة بأقاويلهم، وعرف أبو محمد ذلك فأطلق لسانه فيهم، وخرق الستر بينه وبينهم، وتطابقت الجماعة في المشورة على معز الدولة بالقبض عليه، والاعتياض بأمواله عما تعذّر [٨] حصوله من عمان، وجعلوه على ثقة من أنهم يسدون مسدّه، فمال إلى قولهم، وكتب إلى أبي محمد يعفيه من الانحدار [٩] إلى عمان، ويرسم له الانكفاء إلى مدينة السلام، وعلم أبو محمد بالحال ووطّن نفسه على الصبر وركوب أصعب المراكب فيه، وأن يدخل فيما دخل فيه القوم، ويتولى هو
стр. 984
مصادرة نفسه وأصحابه وخصومه وأعدائه، وكان مليّا بذلك، فهجمت عليه علته التي مات منها، وتردد بين إفاقة ونكسة إلى أن وردت الكتب باليأس منه، فأنفذ معزّ الدولة حينئذ أحد ثقاته على ظاهر العيادة له وباطن الاستظهار على ماله وحاشيته، فألفاه في طريقه محمولا في محفة كبيرة مملوءة بالفرش الوثيرة، ومعه فيها من يخدمه ويعلّله، ويتناوب في حملها جماعة من الحمالين، فلما انتهى إلى زاوطا [١] قضى نحبه ومضى لسبيله، وسقط الطائر بمدينة السلام بذلك، فقبض على أسبابه وحرمه وولده، فصودرت الجماعة، ووقع السّرف في الاستقصاء عليهم، فلم يظهر لأبي محمد مال صامت ولا ذخيرة باطنة، وبانت لمعزّ الدولة نصيحته وبطلان التكثيرات [٢] عليه، وقد كان يصل إليه من حقوق الرقاب في ضياعه وما يأخذه من إقطاعه ويستثني به على عماله مال كثير يستوفيه جهرا، من غير أن توقع فيه أمانة، ويصرف جميعه في مؤونته ونفقاته وصلاته وهباته، إلى هدايا جليلة كان يتكلّفها لمعز الدولة في أيام النواريز والمهاريج، وعطف معز الدولة على الجماعة يطالبهم بالضمانات التي ضمنوها، فاحتجوا بوفاته، ووعدوا بالبحث عن ودائعه، وتدافعت الأيام واندرج الأمر فكان الذي صحّ من مال أبي محمد ومال حرمه وأولاده وأسبابه خمسة آلاف ألف درهم، فيها الصامت والناطق والباطن وأثمان الغلات وارتفاع الأملاك والأموال وأموال جماعة من التجار أخذت بالتأويلات، وكانت وفاته سببا لصيانته عن عاجل ابتذالهم له، وصيانتهم عن آجل بلواهم به. وكانت مدة وزارته ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر، ووفاته في يوم السبت لثلاث ليال بقين من سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة. ولأبي محمد:
قضيت نحبي فسرّ قوم ... حمقى لهم غفلة ونوم
كأنّ يومي عليّ حتم ... وليس للشامتين يوم
قال هلال بن المحسن بن أبي إسحاق الصابي: وحدثني أبو إسحاق جدي
стр. 985
قال: صاغ أبو محمد دواة ومرفعا وحلّاهما حلية كثيرة مشرقة، وكانت ذرعا وكسرا في عرض شبر، وكذلك كانت آلاته عظاما حتى إن مخادّ دسته مثل مساند الدسوت، إلى ما يجري هذا المجرى من آلات الاستعمال، وقدّمت الدواة بين يديه في مرفعها وأبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي وأنا إلى جانبه، فتذاكرنا سرّا حسن الدواة وجلالتها وعظمها، ثم قال لي: ما كان أحوجني إليها لأبيعها وأتسع بثمنها، فقلت:
وأي شيء يعمل الوزير؟ قال: يدخل في حر أمه. وسمع أبو محمد ما جرى بيننا بالإصغاء منه إلينا وذهب ذاك علينا [١] ، فاجتمعت مع أبي أحمد من غد فقال لي:
عرفت خبر الدواة؟ قلت: لا، قال: جاءني البارحة رسول الوزير ومعه الدواة ومرفعها ومنديل فيه عشر قطع ثيابا حسانا وخمسة آلاف درهم، وقال: الوزير يقول أنا عارف بأمرك في قصور الموادّ عنك، وتضاعف المؤن عليك، وأنت تعرف شغلي وانقطاعي به عن كل حق يلزمني، وقد آثرتك بهذه الدواة لما ظننته من استحسانك إياها اليوم عند مشاهدتك، وحملت معها ما تجدّد به كسوتك وتصرفه في بعض نفقتك [٢] ، وانصرف الرسول وبقيت متحيّرا متعجبا من اتفاق ما تجارينا به أمس وحدوث هذا على أثره.
وتقدم أبو محمد بصياغة دواة أخرى على شكلها ومرفع مثل مرفعها، فصيغت في أقرب مدة، ودخلنا إلى مجلسه وقد فرغ منها وتركت بين يديه وهو يوقع منها، ونظر أبو محمد إليّ وإلى أبي أحمد ونحن نلحظها فقال: هيه من منكما يريدها بشرط الإعفاء من الدخول في حر الأمّ؟ فخجلنا وعلمنا أنه كان قد سمع قولنا، وقلنا: بل يمتع الله مولانا وسيدنا الوزير بها ويبقيه حتى يهب ألفا مثلها، اللهم أنت جدد الرحمة والرضوان عليه في كلّ ساعة، بل لحظة، بل لمحة، وعلى كل نفس شريفة وهمة عالية، إنك العلي تحب معالي الأمور وأشرافها وتبغض سفسافها.
قال: وحدث إبراهيم بن هلال قال: كان أبو محمد المهلبي يناصف العشرة أوقات خلوته، ويبسطنا في المزح إلى أبعد غاية، فإذا جلس للعمل كان امرءا وقورا مهيبا محذورا آخذا في الجد الذي لا يتخوّنه نقص، ولا يتداخله ضعف، فاتفق أن