← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 978

أثر أعمال القلوب على الداعية والدعوة

إبراهيم بن حسن الحضريتي

Полный текст (777 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

بعض الفاسدين كادوا أن يقتلوه لولا أن حماه الله ببعض جيران الشيخ، لما رأوهم يتسورون عليه يريدون قتله، فصاحوا بهم ففروا، فاضطر الشيخ إلى الخروج إلى بلدة العيينة (١). ولما نزل الشيخ على ابن معمر أمير العيينة ورحب به وبدعوته قام الشيخ بما يجب عليه من إنكار المنكر بلسانه ويده، وإزالة مظاهر الشرك، وتعاون معه على ذلك ابن معمر، ولما ظهر أمره سعى أعداؤه إلى تأليب الحكام عليه، فأرسل حاكم الأحساء الذي كان يتبع له ابن معمر أن يقتل الشيخ أو يخرجه من العيينة، وهدده بقطع المعونة عنه، فرضخ ابن معمر له، وأمر الشيخ بالخروج، كما سبقت الإشارة إلى ذلك (٢)، فخرج الشيخ وحيدًا فريدًا لا يملك من الدنيا شيئًا إلا مروحة خوص (٣) في يده، وفي قلبه ثقة بموعود الله ونصره له، قوي ثابت على مبدئه، يبحث عن مكان آخر ينشر فيه دعوته، لسانه لا يفتر عن ذكر الله والابتهال إليه أن يجعل له مخرجًا وفرجًا لدعوته (٤). وفي هذه المواقف الصعبة التي يسقط فيها أصحاب القلوب الضعيفة، وفي المقابل يظهر أثر عمل القلب في ثبات العبد على الحق والصبر على الأذى في سبيل الله، مع اليقين التام بنصر الله وظهور الحق، وهذا ما كان عليه الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، فكلّما سُدَّ في وجهه باب فتح الله له بابًا آخر، على رغم ما يواجهه من حرب من القريب والبعيد، وما زاده ذلك إلا إصرارًا على القيام بالدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك أينما حل ورحل، وما ذلك إلا من توفيق الله له.

стр. 317

المطلب الثالث: أثر عمل القلب على حسن خلقه ﵀، وسلامة قلبه، وعفوه عمن آذوه: لقد ضرب الإمام محمد بن عبد الوهاب أروع الأمثلة في الصبر على الأذى في سبيل دعوته، وقد سلك أعداء الدعوة مسالك شتى في محاربتها، ومنها على سبيل الإجمال: ١ - الكتابة ضدها بالتشويه تارة وبالتنفير منها تارة أخرى. ٢ - مجادلة بعض العلماء لأتباع الدعوة. ٣ - الاتصال بالعلماء وذوي النفوذ خارج نجد وتحريضهم ضد الشيخ ودعوته. ٤ - ترويج الكتب التي ألفها علماء من غير نجد ضد الدعوة ونشرها بين الناس (١). لكن الشيخ ﵀ قابل كل ذلك بالحجج البينات القائمة على الدليل، وكان يدعو الله بهدايتهم، حتى لما أظهره الله عليهم عفا عنهم، ولم ينتقم لنفسه، بالرغم من أنهم جرَّدوا ضدَّه وضدَّ دعوته ألسنةً حدادًا، ولم يعاملهم بما عاملوه به؛ إذ لو تمكنوا منه لقطَّعوه أوصالًا، ولكن لما مكنه الله منهم عفا عنهم، حتى إنه لم يستخدم معهم أسلوب اللوم والعتاب (٢)، وتلك أخلاق الأئمة العظماء التي لا يقوى عليها إلا أفذاذ الرجال. المطلب الرابع: أثر عمل القلب على نظرته التفاؤلية للمستقبل، وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين: كان عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب يقينٌ تامٌّ بأن الله سيعلِي هذه الدعوة،

стр. 318

وسينصر من ينصرُها، وكان قوله دائمًا لمن يرغب في التعاون معه: النصر مع الصبر على دعوة التوحيد وعلى نشرها، قال ذلك لابن معمر أمير العيينة: "إني أرجو إن أنت قمتَ بنصر لا إله إلا الله أن يُظهرَك الله وتملك نجدًا وأعرابها" (١). وهذا مثال آخر تظهر فيه نظرة الشيخ الثاقبة ورؤيته الصادقة المتفائلة بأن المستقبل والنصر والتمكين لمن ينشر دعوة التوحيد خالصة لوجه الله. ودخل محمد بن سعود على زوجته (٢) فأخبرته بمكان الشيخ، وقالت له: إن هذا الرجل ساقه الله إليك، وهو غنيمة، فاغتنم ما خصَّك الله به، فقبل قولها، ويظهر في هذا الموقف أثر المرأة الصالحة على زوجها وبركة مشورتها، ثم دخل عليه أخوه ثنيان (٣) وأخوه مشاري (٤)، وأشاروا عليه بمساعدته ونصرته، وألقى الله في قلبه للشيخ

стр. 319

المحبة، فأراد أن يرسل إليه، فقالوا: سر إليه برجلك في مكانه، وأظهر تعظيمه والاحتفال به؛ لعل الناس أن يكرموه ويعظموه، فقام محمد بن سعود من فوره وسار إليه ومعه أخواه ثنيان ومشاري، فدخلوا عليه في بيت أحمد بن سويلم، فسلم عليه ورحب به، وأبدى غاية الإِكرام والتبجيل، وأخبره أنه يمنعه بما يمنع به نساءه وأولاده، وقال: أبشر ببلاد خيرٍ من بلادك، وأبشر بالعز والمنعة، فقال الشيخ: وأنا أبشرك بالعز والتمكين، وهذه كلمة (لا إله إلا الله) من تمسَّك بها وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد والعباد، وهي كلمة التوحيد، وأول ما دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وأنت ترى نجدًا وأقطارها أطبقت على الشرك والجهل والفرقة وقتال بعضهم لبعض، فأرجو أن تكون إمامًا يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك (١). وهكذا تم اللقاء، وقد حقق الله تلك النظرة الثاقبة التي كان يعتقدها الشيخ فيمن ينصر كلمة التوحيد، وكان من ثمرة ذلك قيام هذا الكيان الشامخ المملكة العربية السعودية، والتي لا تزال على هذا العهد والميثاق في نصرة كلمة التوحيد، وهو سرٌّ من أسرار بقائها وثباتها ونصرها وتمكينها، ولله الحمد والمنة.

стр. 320

الباب الثالث: من آثار تحقيق أعمال القلوب على الداعية في نفسه، وفي دعوته الفصل الأول: من آثار تحقيق أعمال القلوب على الداعية في نفسه. الفصل الثاني: من آثار تحقيق أعمال القلوب على الداعية في دعوته.

стр. 321

الفصل الأول: من آثار تحقيق أعمال القلوب على الداعية في نفسه المبحث الأول: سلامة المقصد وخلوصه لله وحده. المبحث الثاني: الشعور بمعية الله ورعايته له. المبحث الثالث: الشعور بتوفيق الله وإعانته له. المبحث الرابع: اليقين بنصر الله تعالى لدينه. المبحث الخامس: التفاؤل وعدم اليأس. المبحث السادس: تعلق القلب بالله تعالى. المبحث السابع: الزهد في الدنيا وتعلق القلب بالآخرة. المبحث الثامن: طمأنينة القلب وقوته. المبحث التاسع: الرضا بما يلقاه في ذات الله تعالى. المبحث العاشر: المسارعة في فعل القربات. المبحث الحادي عشر: الثبات. المبحث الثاني عشر: الفوز والنجاة في الآخرة.

стр. 322

توطئة: إذا اجتهد الداعية في أسباب صلاح قلبه، وجاهد نفسه على ذلك، ودقق في محاسبتها، وقام بتحقيق عمل القلب، وحرص على سلامة قلبه من الآفات، وجد آثار ذلك عليه في نفسه، في قوله وفعله، قال تعالى في بيان إعانته لمن جاهد نفسه في الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقال : ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت: ٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤]. فيوفق الله الداعية لصلاح نفسه، فيصير بذلك قدوة حسنة للناس، فيعود ذلك بالآثار العظيمة عليه وعلى دعوته، وسيكون الحديث هنا عن آثار عمل القلب على الداعية في نفسه، وفق المباحث الآتية: المبحث الأول: سلامة المقصد وخلوصه لله وحده. المبحث الثاني: الشعور بمعية الله ورعايته له. المبحث الثالث: الشعور بتوفيق الله وإعانته له. المبحث الرابع: اليقين بنصر الله تعالى لدينه. المبحث الخامس: التفاؤل وعدم اليأس. المبحث السادس: تعلق القلب بالله تعالى. المبحث السابع: الزهد في الدنيا وتعلق القلب بالآخرة. المبحث الثامن: طمأنينة القلب وقوته. المبحث التاسع: الرضا بما يلقاه في ذات الله تعالى. المبحث العاشر: المسارعة في فعل القربات. المبحث الحادي عشر: الثبات. المبحث الثاني عشر: الفوز والنجاة في الآخرة. ودونك تفصيل هذه الآثار:

стр. 323

المبحث الأول: سلامة المقصد وخلوصه لله وحده إذا حقق الداعية عمل القلب، وعلى رأس ذلك الإخلاص والصدق، وجاهد نفسه وحاسبها على ذلك، وفقه الله لسلامة المقاصد وإخلاص النية لله تعالى، ولذلك أثره العظيم عليه في نفسه، ويمتد الأثر إلى دعوته، ودونك شيئًا من آثار الإخلاص وسلامة المقصد على الداعية في نفسه: ١ - قبول الله لعمل العبد: لأن الإخلاص شرط لقبول العمل، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ، مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا شَيْءَ لَهُ»، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا شَيْءَ لَهُ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ». دل الحديث على أن الله لا يقبل العمل إلا إذا كان خالصًا لوجهه الكريم، أما إذا أريد بالعمل غير الله فإن الله لا يقبله، ويجعله هباءً منثورًا، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. قال ابن القيم ﵀: "وهي الأعمال التي كانت على غير السنة، أو أريد بها غير وجه الله" (١). وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].

стр. 324

والآية تدل على ركني قبول العمل، وهو أن يكون موافقًا لشريعة النبي ﷺ ، ويراد به وجه الله وحده لا شريك له (١). وعلى هذا إذا اجتهد الداعية في سلامة مقاصده وخلوصها لله وحده لا شريك له قبل الله عمله، وبارك له في دعوته، وفتح له مغاليق القلوب. ٢ - تنفيس الكروب واجابة الدعاء: ومن آثار إخلاص النية لله تعالى وسلامة المقاصد تنفيس الكروب وإجابة الدعوات. ذكر الله تعالى عن يونس ﵇ حينما التقمه الحوت فأطبقت عليه الظلمات (٢)، توجه إلى ربه مخلصًا في دعوته معترفًا بذنبه، فحصل الفرج ونجا من الكرب، وقد وعد الله أن ينجي كل مؤمن من الكرب إذا أخلص لربه واعترف بذنبه، فقال : ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧، ٨٨]. وعَنْ سَعْد بن أبي وقاص ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ» (٣).

стр. 325

ومما يدل على أن الإخلاص في الدعاء سبب لتفريج الكربات ما ورد في السنة من حديث الثلاثة الذين أطبقت عليهم الصخرة، فسدت باب الغار الذي هم بداخله، «فقالوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ»، وكان كل واحد يتوسل إلى الله بالعمل الصالح الذي أخلص فيه، فكانت دعوة كل واحد منهم يختمها بقوله: «اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ»، واستجاب الله دعواتهم، فتدحرجت الصخرة عن فتحة الغار، وخرجوا يمشون، ودل ذلك على أثر الإخلاص في تفريج الكروب. وهذا سياق الحديث بتمامه، فعن عَبْدِ اللهِ بْن عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوِا المبِيتَ إِلَى غَارٍ، فَدَخَلُوهُ فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ، فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا، فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا، فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا، فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ، وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ وَالقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ»، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ، كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِي، فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ، حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا قَالَتْ: لا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَتَحَرَّجْتُ مِنَ الوُقُوعِ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِيَ

стр. 326

أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِنْهَا»، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ، فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي، فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنَ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ وَالرَّقِيقِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، لا تَسْتَهْزِئ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ، فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ» (١). والداعية إلى الله أحوج ما يكون إلى ما يعينه على ما يواجهه في دعوته من أعباء وكروب. ولا شك أن للإخلاص أثرَه على الداعية في نفسه في تفريج الكروب التي تواجهه في حياته الدعوية، فإذا شعر بأن الأبواب مقفلة أمام دعوته، وقد أحاطت به الكروب، فيتوجه إلى ربه متضرعًا إليه متطلعًا لفرجه، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢]. فيجد أثر ذلك في حياته بركة وتوفيقًا وإعانة وسدادًا، يفتح الله له أبواب الفرج وتكشف الكروب، وتهب عليه نسائم رحمة الله التي لا يستطيع أحد أن يمسكها عنه،

стр. 327

قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢]. ٣ - حصْنُ المسلم من نزغات الشيطان والفتن: إذا أخلص الداعية لربه جعل الله له حصنًا من الشيطان ونزغاته، فلا يتسلط عليه، ويقيه الله شر الفتن. قال تعالى عن الشيطان: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٢]. قال الشوكاني (١) ﵀: "قرأ أهل المدينة وأهل الكوفة بفتح اللام، أي: الذين استخلصتهم من العباد، وقرأ الباقون بكسر اللام، أي: الذين أخلصوا لك العبادة فلم يقصدوا بها غيرك" (٢). وهذا يوسف ﵇ حماه الله من الفتنة بإخلاصه لربه، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ

стр. 328

لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]. وقال القرطبي: "وقرأ ابن كثير (١) وأبو عمرو (٢) وابن عامر (٣): ﴿الْمُخْلِصِينَ﴾ بكسر اللام، وتأويلُها: الذين أخلصوا طاعة الله. وقرأ الباقون بفتح اللام، وتأويلها: الذين أخلصهم الله لرسالته، وقد كان يوسف ﷺ بهاتين الصفتين؛ لأنه كان مخلِصًا في طاعة الله تعالى، مستخلَصًا لرسالة الله تعالى" (٤). وكذلك الدعاة إلى الله تعالى يحميهم الله بإخلاصهم من شر شياطين الإنس والجن، ومن الفتن، وبقدر ما يحدث من خلل عند الداعية في إخلاصه يتسلَّط عليه الشيطان وحزبه. ٤ - نقاء القلب من الحقد والغل (٥) والخيانة: إذا سلمت مقاصد الداعية وخلصت النيات لله، أثر ذلك على قلبه في سلامته ونقائه من الغل، وما يترتب عليه من أمراض تعوق الداعية عن التأثير فيمن يدعوهم،

стр. 329

وكما في حديث جبير بن مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْخَيْفِ مِنْ مِنًى، فَقَالَ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي، فَبَلَّغَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْر فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، ثَلَاثٌ لَا يُغَلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِوُلَاةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ؛ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ» (١). وقال ابن القيم ﵀ معلقًا على هذا الحديث في بيان أثر هذه الأعمال على القلب: "أي: لا يبقى فيه غل، ولا يحمل الغل مع هذه الثلاثة، بل تنفي عنه غله، وتنقيه منه، وتخرجه عنه، فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل، وكذلك يغل على الغش، وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة والضلالة، فهذه الثلاثة تملؤه غلًّا ودغلًا (٢)، ودواء هذا الغل واستخراج أخلاطه بتجريد الإخلاص والنصح، ومتابعة السنة" (٣). وإذا تحققت هذه الأعمال الثلاثة من: الإخلاص لله، ومناصحة ولاة الأمر، وعدم الخروج على جماعة المسلمين وإمامهم، وجاهد الداعية نفسه على الالتزام بهذه الخصال العظيمة، سلم له قلبه من مرض الغل الذي يستغله الشيطان في حرف الداعية عن المنهج الصحيح منهج أهل السنة والجماعة؛ ليوقعه في طرق البدعة، فيجر

стр. 330

على دعوته شرًّا وبلاء، ويحرم من نصر الله له، فيصير عائقًا في طريق ظهور الدعوة، منفرًا للناس من اتّباعه، ويفتح الباب لأعداء الدعوة من التسلط عليه. وما يحصل بين الدعاة الذين يظهرون أنهم على منهج السلف من تنازع وخصام يفرح به الشيطان وحزبه، فذلك ناتج عن غل القلوب بسبب ضعف الإخلاص والخلل في المقاصد. ٥ - قلب المباحات إلى طاعات: ومن آثار إخلاص النية أن المباحات تصير طاعات يثاب عليها، قال ابن رجب ﵀: "ومتى نوى المؤمن بتناول شهواته المباحة التقوِّي على الطاعة، كانت شهواته له طاعة يثاب عليها، كما قال معاذ بن جبل: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي (١)، يعني: أنه ينوي بنومه التقوي على القيام في آخر الليل، فيحتسب ثواب نومه كما يحتسب ثواب قيامه" (٢). ومن ذلك جماع الرجل لزوجته الذي فيه حظ الشهوة والجسد واضح، فيجعله الله عملًا يؤجر عليه: قال ﷺ : «وَفِي بُضْعِ (٣) أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟! قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» (٤). قال النووي ﵀: "وفي هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنيات الصادقات، فالجماع يكون عبادة إذا نوى به قضاء حق الزوجة ومعاشرتها بالمعروف

стр. 331

الذي أمر الله تعالى به، أو طلب ولد صالح، أو إعفاف نفسه، أو إعفاف الزوجة، ومنعهما جميعًا من النظر إلى حرام، أو الفكر فيه، أو الهم به، أو غير ذلك من المقاصد الصالحة" (١). ٦ - إدراك الأجر وإن عجز عن العمل: إن المخلص في نيته يدرك الأجر على العمل ولو عجز عنه، ويصل إلى منازل الشهداء والمجاهدين بحسب صدق نيته وإن مات على فراشه، ويجعله الله في صفوف الدعاة المصلحين والمتصدقين ولو عجز بسبب قلة ذات يده، أو بسبب ضعف صحته، أو بأمر حال دون تحقيق مقصده، فإن الله يكتب له أجر ما نوى. قَالَ ﷺ : «إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَخْبَثِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ» (٢). وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَدَنَا مِنَ المَدِينَةِ، فَقَالَ: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا، مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟! قَالَ: «وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ» (٣).

стр. 332

قال ابن عبد البر ﵀: "لأن هؤلاء لما نووا الجهاد وأرادوه، وحبسهم العذر، كانوا في الأجر كمن قطع الأودية والشعاب مجاهدًا بنفسه" (١). وقال ابن حجر ﵀: "وفيه أن المرء يبلغ بنيته أجر العامل إذا منعه العذر عن العمل" (٢). وعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَقَالَ: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ؛ حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ»، وفي رواية: «إِلَّا شَركُوكُمْ فِي الْأَجْرِ» (٣). قال النووي ﵀: "وفي هذا الحديث فضيلة النية في الخير، وأن من نوى الغزو وغيره من الطاعات، فعرض له عذر منعه، حصل له ثواب نيته، وأنه كلما أكثر من التأسف على فوات ذلك وتمنى كونه مع الغزاة ونحوهم كثر ثوابه، والله أعلم" (٤). وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا، وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ» (٥). وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» (٦).

стр. 333

قال النووي ﵀ في شرحه للحديثين: "وفي الرواية الأخرى: «من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه» معنى الرواية الأولى مفسر من الرواية الثانية، ومعناهما جميعًا: أنه إذا سأل الشهادة بصدق أعطي من ثواب الشهداء وإن كان على فراشه، وفيه استحباب سؤال الشهادة، واستحباب نية الخير" (١).

стр. 334

المبحث الثاني: الشعور بمعية الله ورعايته له المطلب الأول: من أسباب المعية الخاصة. المطلب الثاني: من آثار المعية الخاصة.

стр. 335

المبحث الثاني: الشعور بمعية الله ورعايته له ومعية الله هنا هي: المعية الخاصة التي تقتضي المحبة، والنصرة والتأييد، والمعونة والهداية، والحفظ والحماية، والقرب من عباده (١)، وحين يشعر الداعية إلى الله بهذه المعية الخاصة، ويحقق أسبابها، والتي لها ارتباط وثيق بأعمال القلوب، فإن لذلك أثره على الداعية في نفسه، وهذا ما سيتضح بإذن الله في نهاية المبحث، وسيكون الحديث في هذا المبحث في مطلبين: المطلب الأول: من أسباب المعية الخاصة. المطلب الثاني: من آثار المعية الخاصة. المطلب الأول: من أسباب المعية الخاصة: ١ - الصبر: فهو من أسباب معية الله الخاصة، وحينما يحقق الداعية الصبر ينال بذلك معية الله الخاصة التي يجد أثرها في نفسه وعلى دعوته، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]. قال الطبري ﵀: "وأما قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ فإن تأويله: فإن

стр. 336

الله ناصره وظهيره وراض بفعله، كقول القائل: افعل -يا فلان- كذا وأنا معك، يعني: إني ناصرك على فعلك ذلك ومعينك عليه" (١). وقال الشوكاني ﵀: "وإن هذه المعية التي أوضحها الله بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] فيها أعظم ترغيب لعباده سبحانه إلى لزوم الصبر على ما ينوب من الخطوب، فمن كان الله معه لم يخش من الأهوال وإن كانت كالجبال" (٢). ٢ - التقوى: هي من أسباب معية الله الخاصة، ومتى ما حقق الداعية إلى الله تعالى التقوى في قلبه، وظهر أثرها على جوارحه، نال معية الله الخاصة، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]. وفي الآية أمر بتقوى الله، وإخبار بأن الله مع المتقين بالنصر والتأييد، والحفظ والرعاية، والعناية بهم في الدنيا والآخرة (٣). وحينما يحقق الداعية الصبر على ما يلقاه في ذات الله، وعلى ما يلقاه من أعباء ومشقات في طريق دعوته، ويحقق التقوى قولًا وعملًا، فإنه يسعد في نفسه بهذه المعية الخاصة من ربه التي تشعره بقرب ربه منه، وأن ما يواجهه في سبيل الدعوة إلى الله لا يعوقه عن الاجتهاد فيها، وأن الباطل الذي يقف في طريق دعوته، مهما كانت قوته وشدة مكره، فإن الله سيزهقه، ويذهب قوته، ويفسد مكره، قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]، وقال تعالى عن مكر أعداء الدعوة أن الله سيبطله: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ

стр. 337

أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر: ١٠]، وكلما قوي في قلب الداعية الصبر والتقوى، لقي آثار ذلك في نفسه ثباتًا وتوفيقًا وإعانة من الله له، تحف به من كل جانب، فلا تسل عن فرحته، وقوة قلبه، وتلذذه بما يقوم به في دعوته إلى الله تعالى. ٣ - الإحسان: وهو من أسباب معية الله الخاصة، ويشمل الإحسان في عبادة الله، ومع خلقه، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ويشمل أيضًا الإحسان إلى الخلق ببذل النفع لهم من كل وجه (١). وإذا أحسن العباد كما ينبغي كان الله معهم، ومن كان الله معهم، فهم في حفظ الله: يكلؤهم، وينصرهم، ويؤيدهم، ويظفرهم على أعدائهم ومخالفيهم، ويعينهم، ويوفقهم، ويسددهم (٢). ٤ - الإيمان: هو من أسباب المعية الخاصة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩]. قال السعدي ﵀: "ومن كان الله معه فهو المنصور وإن كان ضعيفًا قليلًا عدده، وهذه المعية التي أخبر الله أنه يؤيد بها المؤمنين، تكون بحسب ما قاموا به من أعمال الإيمان. فإذا أديل العدو على المؤمنين في بعض الأوقات، فليس ذلك إلا تفريطًا من المؤمنين وعدم قيام بواجب الإيمان ومقتضاه، وإلا فلو قاموا بما أمر الله به من كل وجه، لما انهزم لهم راية انهزامًا مستقرًّا، ولا أديل عليهم عدوهم أبدًا" (٣).

стр. 338

٥ - ذكر الله مع الإقبال عليه بالقلب واللسان: يستجلب به المعية الخاصة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي» الحديث. ٦ - الدعاء: وهو العبادة كما صح بذلك الحديث من أسباب حصول معية الله الخاصة، مع القرب من عبده الذي يدعوه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي» (١). ٧ - الوقوف بين يدي الله في الصلاة، والإقبال عليه، وعدم الالتفات بالوجه أو القلب مما تنال به معية الله الخاصة: قال ﷺ : «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الصَّلاةِ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلا يَتَنَخَّمَنَّ أَحَدٌ قِبَلَ وَجْهِهِ فِي الصَّلَاةِ». وقال ﷺ : «وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَالمْ يَلْتَفِتْ» الحديث. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ نَادَى رَجُلًا كَانَ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ، فَقَالَ: «يَا فُلَانُ، أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ؟! أَلَا تَنْظُرُ كَيْفَ تُصَلِّي؟! إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي إِنَّمَا يَقُومُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ يُنَاجِيهِ، إِنَّكُمْ تَرَوْنَ أَنِّي لَا أَرَاكُمْ، إِنِّي وَاللَّهِ لَأَرَى مِنْ خَلْفِ ظَهْرِي كَمَا أَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ». وهذه الأحاديث تدل على أنه إذا أقبل العبد على صلاته بقلبه ووجهه خاشعًا

стр. 339

فيها مستحضرًا لعظمة الله وقربه منه، نال بذلك معية الله الخاصة، ولذلك أثره العظيم على الداعية. وقد سبق الكلام عن هذه الأحاديث (١). المطلب الثاني: من آثار المعية الخاصة: وحين يوفق الله عبده ويرزقه معيته الخاصة، فإنه يجد أثرها في نفسه وعلى دعوته: ١ - توفيق الله وإعانته له. ٢ - رعاية الله وعنايته وحفظه لعبده. ٣ - نصر الله وتأييده. ٤ - طمأنينة القلب، وانشراح الصدر، والثقة في وعد الله، وأوضح ما يكون عند الشدائد. ودونك على سبيل المثال هذين الموقفين: الموقف الأول: قال تعالى عن نبيه ﷺ وهو في الغار يطارده أعداؤه: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠]. عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا فِي الغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ

стр. 340

قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا! فَقَالَ: «مَا ظَنُّكَ -يَا أَبَا بَكْرٍ- بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا؟!» (١). وفي حديث الهجرة الطويل، في آخره قال النبي ﷺ لأبي بكر ﵁: «أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ؟»، قال: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَمَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: وَنَحْنُ فِي جَلَدٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أُتِينَا، فَقَالَ: «لَا تَحْزَنْ؛ إِنَّ اللهَ مَعَنَا» فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا، أُرَى فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ، فَادْعُوَا لِي، فَاللهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ فَدَعَا اللهَ، فَنَجَا، فَرَجَعَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ: قَدْ كَفَيْتُكُمْ مَا هَاهُنَا، فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ، قَالَ: وَوَفَى لَنَا (٢). الموقف الثاني: قال تعالى عن موسى ﵇ في ثقته بربه لما لحق بهم فرعون وجنوده، فصار العدو من خلفهم والبحر أمامهم، وليس معهم مراكب يجتازون بها البحر، فحصلت هزة قوية جعلت أصحاب القلوب التي ضعف تعلقها بالله تضطرب وتشعر بالهلاك، فقال الله عنهم وعن موسى الواثق بربه الذي تعلق قلبه به، وهو يشعر بقربه منه ومعيته له: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٨] ..

стр. 341

٥ - تثبيت الله للمؤمن عند لقاء العدو في ساحات الوغى: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]. وهذا النصر والثبات مشروط بنصرتهم لدين الله، فإذا فعلوا ونصروا دينه، وقاموا به في أنفسهم، ودعوا إليه وجاهدوا أعداءه مخلصين لله، كان الله معهم بالنصر والتثبيت. قال السعدي ﵀ عند تفسيره لهذه الآية: "هذا أمر منه تعالى للمؤمنين أن ينصروا الله بالقيام بدينه، والدعوة إليه، وجهاد أعدائه، والقصد بذلك وجه الله، فإنهم إذا فعلوا ذلك، نصرهم الله وثبت أقدامهم، أي: يربط على قلوبهم بالصبر والطمأنينة والثبات، ويصبر أجسامهم على ذلك، ويعينهم على أعدائهم، فهذا وعد من كريم صادق الوعد أن الذي ينصره بالأقوال والأفعال سينصره مولاه، وييسر له أسباب النصر، من الثبات وغيره" (١). بل ويسخر الله الملائكة تقف معه بالتثبيت والتأييد، كما قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢]، وهذا ما حصل لأصحاب رسول الله ﷺ في بدر. ٦ - الثبات على المنهج الحق إذا هبّت أعاصير الفتن: ومن أسباب ثبات الداعية على المنهج الحق شعوره بمعية الله له إذا هو حقق أسبابها التي مر ذكر بعضها، واجتهد في إصلاح قلبه، وتنقيته من الشوائب، ثبته الله على المنهج الحق، ومكن الله له ونصره، وسيأتي مزيد بيان لمسألة الثبات (٢).

стр. 342

٧ - القوة في الحق وعدم الخوف من غير الله: وهذه ثمرة من ثمرات معية الله الخاصة لعبده، والداعية أحوج ما يكون لذلك؛ لأنه يواجه شياطين الإنس والجن، الذين يسعون في الأرض فسادًا، فهو بحاجة ماسة لرعاية الله وعنايته به، فإذا حصل ذلك وجد أثره قوة في قلبه، ولا يكون في قلبه خوف من أحد غير الله، قال الله تعالى لنبيه وكليمه موسى ووزيره هارون لما أرسلهما دعاة إلى الله تعالى إلى فرعون الطاغية المتجبر المتكبر: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٣ - ٤٦]. ٨ - ولما يشعر الداعية بقرب ربه منه، فيقبل عليه، ويزداد خشوعًا، وذلًّا وخضوعًا لربه، فيسارع ويسابق إلى مرضاته: قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٩].

стр. 343

المبحث الثالث: الشعور بتوفيق الله وإعانته له المطلب الأول: نماذج لمن رزقهم الله التوفيق والإعانة. المطلب الثاني: من وفقه الله لعمل صالح وفتح له فيه، فليجتهد فيما فتح له فيه.

стр. 344

المبحث الثالث: الشعور بتوفيق الله وإعانته له ومن آثار تحقيق أعمال القلوب على الداعية في نفسه أن الله يمكنه من إنجاز أعمال كبيرة في أوقات يسيرة، ويعطيه الله من القوة والجلد والإعانة بقدر إخلاصه وتقواه وصدقه مع الله، ويجد أثر توفيق الله له في دعوته على نفسه وعلى من يدعوهم، وكذلك يجد إعانة الله تحف به من كل جانب، في طلب العلم، أو كتابته، أو قراءته، أو في قيام الليل، وقراءة القرآن، ونحو ذلك من أعمال البر، والشواهد من حياة دعاة الأمة على هذا ظاهرة واضحة، وهذه بعض الأمثلة: المطلب الأول: نماذج لمن رزقهم الله التوفيق والإعانة: وهذه النماذج -أحسبهم والله حسيبهم ولا أزكي على الله أحدًا- ممن حققوا أعمال القلوب مع الله وصدقوا معه في ذلك، وهم كثير في هذه الأمة في القديم والحديث، ولله الحمد والمنّة، وقد وقع الاختيار على هذه النماذج على سبيل المثال: النموذج الأول: عن علمين من أعلام هذه الأمة من نماذج كثيرة، سطرها العلماء في كتب السير، وأكتفي بالحديث عن علمين لقصر عمرهما مع إخراج كتب مباركة فيها العلم الكثير، مع قوة التحقيق، وجودة التأليف، نفع الله بها الأمة، وكتب الله لها القبول في الأرض، وقد بارك الله لهما في العمر، ورزقهما توفيقًا وإعانة وصبرًا وجلدًا على البحث العلمي، وهذا أثر من آثار عمل القلب من الإخلاص لله، والتقوى، والتوكل، والصدق.

стр. 345

١ - الإمام الحافظ النووي عليه رحمة الله (١): ولد سنة (٦٣١ هـ)، وتوفي سنة (٦٧٦ هـ)، وعاش ما يقارب (٤٥) عامًا مليئة بالعلم النافع والعمل الصالح، حيث درس ودرّس الكثير من العلوم في شتى الفنون. قال ابن العطار (٢) ﵀ عن الإمام النووي: "ذكر لي شيخنا أنه كان لا يضيِّعُ له وقتًا في ليل ولا نهار، إلا في وظيفة من الاشتغال بالعلم حتى في ذهابه في الطريق يكرر أو يطالع، وأنه بقي على هذا ست سنين، ثم اشتغل بالتصنيف والإشغال، والنصح للمسلمين وولاتهم، مع ما هو عليه من المجاهدة لنفسه، والعمل بدقائق الفقه والحرص على الخروج من خلاف العلماء، والمراقبة لأعمال القلوب وتصفيتها من الشوائب، يحاسب نفسه على الخطرة بعد الخطرة، وكان محققًا في علمه وفنونه" (٣). برغم العمر القصير للإمام النووي، إلا أنه ترك مؤلفات انتفعت بها الأمة، وجعل الله لها قبولًا عند الناس، وانتفع بها الصغار والكبار، وبقي أثرها، وسيبقى إلى ما شاء الله، والسر في ذلك -والله أعلم- هو ما قاله تلميذه ابن العطار ﵀، وهو من أخص تلاميذ النووي، فقد ذكر مراقبته ﵀ لأعمال قلبه ومحاسبة نفسه على ذلك (٤)، فأثمر له توفيقًا من الله وإعانة على جودة التأليف والتحقيق في جميع مؤلفاته، وجعل لها قبولًا عند الأمة، ومنها:

стр. 346

- وعلى رأسها رياض الصالحين، والأذكار، والأربعون النووية، وهذه الكتب في الغالب لا يخلو منها بيت ولا مسجد. - وله كتب تعد مراجع في الفقه المقارن، وفقه الإمام الشافعي: كالمجموع وهو بحق يعد موسوعة متميزة في الفقه المقارن، وقد مات ﵀ قبل إتمامه، وله الروضة، والمنهاج في فقه الإمام الشافعي. - وله شرحه المتميز على صحيح مسلم. - وفي المصطلح: الإرشاد، والتقريب. - وكتب في اللغة، ومنها: تهذيب الأسماء واللغات، وغيرها. ٢ - العلامة حافظ الحكمي ﵀ (١): ولد سنة (١٣٤٢ هـ)، وتوفي سنة (١٣٧٧ هـ) عن عمر يناهز (٣٥) عامًا، مليئة بالعلم النافع والعمل الصالح، حيث درس ودرّس الكثير من العلوم في شتى الفنون برغم العمر القصير، إلا أنه ترك مؤلفات عظيمة انتفعت بها الأمة، ومنها: ١ - ألف منظومة: سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد في ما يقارب (٣٠٠) بيت وعمره (٢٠) سنة، وشرحها في معارج القبول في ما يقارب ٤ سنوات. ويقع الشرح في مجلدين كبيرين تزيد صفحاتهما في طبعته الأولى على ألف ومائة صفحة. وهذا الكتاب أهم آثار الشيخ وأشهرها وأغناها عن التعريف، يتمتع الآن بقيمة علمية كبيرة بين طلاب العلم وأساتذة الجامعات الإسلامية، وقد دأبت الرئاسة العامة

стр. 347

لإدارات البحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية زمنا طويلًا على توزيعه مجانًا على خريجي الكليات وعلى المدرسين والقضاة؛ لما فيه من فوائد جمة، وما يحويه من معلومات قيمة في موضوعه، ولحسن عرضه وتبويبه واستيفائه لكثير من نصوص الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح بما لا يدع زيادة لمستزيد. وله مؤلفات عديدة في: التوحيد، ومصطلح الحديث، والفقه وأصوله، والفرائض، والتاريخ والسيرة النبوية، والنصائح والوصايا والآداب العلمية، منها ما هو منظوم، ومنها ما هو منثور. النموذج الثاني: العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (١). ولد سنة (١٣٣٠ هـ) وتوفي سنة (١٤٢٠ هـ) ﵀. نموذج فريد في البركة والتوفيق والقيام بجلائل الأعمال في أوقات قليلة لا يستطيع غيره أن يقوم بها في أيام، مع كبر سنه وكثرة الأعمال التي يقوم بها، وما ذاك إلا من ثمرات الإخلاص وتوفيق الله له، أحسبه والله حسيبه من أكثر الناس إخلاصًا واجتهادًا في عمل القلب، وحب الخير للناس. وإليك طرفًا من أخباره في ذلك، كما يرويها الشيخ محمد الموسى (٢) ﵀

стр. 348

مدير مكتب الشيخ (١)، أذكر منها ما يدل على المقصود: أولاً: الوقت في حياته ﵀. للوقت عند سماحة الشيخ منزلة كبرى؛ فهو يدرك أهميته، ويسعى سعيه لاغتنامه بأقصى ما يمكن؛ فلا يكاد يفوت عليه وقت مهما قل أو قصر إلا اغتنمه فيما يرضي الله وينفع الناس، فوقته ما بين قراءة في كتاب، أو إملاء لشفاعة، أو سماع لشكوى، أو حلٍّ لمعضلة، أو إجابة لسائل، أو مهاتفة لمستفت، أو إلقاء دروس، أو محاضرة، أو تعليق على كلمة أو مشاركة في ندوة، أو بإلطاف للضيوف، أو بلهج بذكر الله، كان ﵀ يتميز بدقته في المواعيد على كثرة ما يقوم به من أعمال، فيأتي أحيانًا قبل الموعد بدقائق حرصًا على الالتزام بالموعد، لا يكاد ينسى موعدًا ضربه لأحد سواء لمن يأتون إليه، أو من يأتي إليهم. ومن سمات التوفيق في حياة الشيخ ﵀ بركة الوقت: فالبركة في وقت سماحة الشيخ ظاهرة؛ حيث ينجز الأعمال العظيمة في الأوقات اليسيرة القليلة، فهو يُشْرِف على كثير من المشروعات الكبيرة، ويدير كثيرًا من الأعمال المختلفة المتفرقة بأيسر كلفة، وأخف مؤونة، وأقل وقت. ولا أبالغ إذا قلت (٢): إنه يوجه التوجيهات الكثيرة التي يترتب عليها أعمال عظيمة، وأموال ضخمة بدقائق معدودة، بل ربما لا تتجاوز الدقيقة الواحدة. وقد حسبت له بعد المغرب في يوم من الأيام ستين إجابة لستين سؤالًا، كل ذلك في جلسة بعد المغرب، مع أنه لم يكن متفرغًا للإجابة وحدها، بل عن يمينه وشماله اثنان من الكتاب يتعاقبان القراءة عليه، والناس يتوالون للسلام عليه، والهاتف لا يقف

стр. 349

رنينه إلى غير ذلك. ومما يحضرني في هذا السياق أنني في إحدى الليالي أنهيت عليه عشر معاملات طلاق من بعد صلاة المغرب إلى أذان العشاء، وكان بجانبه الآخر معالي الدكتور محمد الشويعر (١) وربما قرأ مثلي أو أكثر مني. وفي يوم من الأيام قرأت عليه بعد صلاة الفجر أربعين معاملة في ساعة ونصف الساعة. وكان من عادته إذا صلى الفجر، ولم يكن عنده دروس أن يلتف الناس حوله يسألونه بعد أن يأتي بالأذكار المعتادة من ورده اليومي، وربما جلس لهم نصف ساعة أو أكثر أو أقل. لا يستهين بإنجاز أي عمل ولو قل: فربما قضى وقته بأعمال عظيمة يترتب عليها مصالح كبيرة للأمة بعامة، كاجتماعات الهيئة، واللجنة، والرابطة، وغيرها. وربما لم يكن عنده أعمال كبيرة، فيقضي وقته في رد على الهاتف، أو مسامرة لضيف، أو إجابة لأسئلة امرأة، أو أحد من العوام، بل للرد على بعض الأسئلة التي ترد من بعض الشباب أو الفتيات حول بعض المسابقات الثقافية، فيرد عليه وهو منشرح الصدر؛ فهو لصغار الأمور وكبارها، ويعنيه كثيرًا ألا يضَيع وقته إلا في فائدة أو مصلحة ولو قَلَّت. اغتنام الوقت في حال السفر: لم يكن الشيخ ﵀ حريصًا على وقته في الحضر فحسب، بل كان حريصًا كذلك على أوقاته في حال السفر الذي هو مظنة التعب

стр. 350

والمشقة، إلا أن الشيخ بمجرد ركوبه السيارة وذكره لدعاء السفر، يلتفت إلى من بجانبه من الكُتَّاب، ويقول له: ما معك؟ فيبدأ بسماع أخبار الصحف، أو قراءة بعض الكتب، أو عرض بعض القضايا والمعاملات. وهكذا حاله وهو ينتظر موعد إقلاع الطائرة، وبعد أن تقلع حيث يكون معه كاتب، أو كاتبان أو أكثر، فيتعاقبون القراءة عليه إلى حين وصول الطائرة إلى مكان هبوطها في الرياض، أو الطائف، أو غيرهما. ومما يحضرني من القصص في هذا القبيل ما ذكره الشيخ عبد الرحمن ابن دايل (١) وهو من قدامى كتّاب سماحة الشيخ وعمره قريب من عمر سماحة الشيخ، فهو من مواليد ١٣٣٢ هـ تقريبًا، وقد عاش مع سماحته ما يقارب أربعين سنة؛ يقول: كنا في المدينة إبَّان عمل سماحته في الجامعة الإسلامية، وذات يوم سافر سماحته إلى قرية بدر التي تقع على الطريق بين جده والمدينة على الطريق القديم، حيث ذهب لمهمة دعوة يلقي خلالها محاضرة وكنت أنا والشيخ ابراهيم بن عبد الرحمن الحصين (٢) معه في السيارة؛ فلما بدأ سيرنا ودعا سماحته بدعاء السفر التفت وقال: توكلوا على الله، يعني ابدؤا بقراءة المعاملات، فقلنا: يا شيخ غفر الله لك نحن دائمًا نقرأ، ولا نتمكن من الخروج

стр. 351

خارج المدينة، وهذه هي فرصتنا؛ دعنا نستمتع بالرحلة، وننظر إلى الجبال والأودية، ونتفكر في مخلوقات الله. فضحك سماحته وقال: اللهم اهدنا فيمن هديت، اللهم اهدنا فيمن هديت؛ ليقرأ الشيخ إبراهيم، وأنت تفكر في مخلوقات الله كما تقول، وبعد أن ينتهي الشيخ إبراهيم، أملي عليك، وينظر الشيخ إبراهيم ويتفكر وقت الإملاء، وهكذا .. ويقول الشيخ عبد الرحمن ابن دايل: أنتم ما أدركتم نشاط سماحته؛ إذ كان في المدينة لا ينام بعد العشاء إلا متأخرًا، وكان لا ينام بعد الفجر، ولا الظهر، ولا العصر. ثانياً: الهمة العالية: من العجائب في سيرة سماحة الإمام عبد العزيز ابن باز همته العالية المتجددة، التي تزكو وتتسامى مع تقدمه في العمر. وإذا أردت الحديث عن همته فإنك تحار؛ فبأي شيء تبدأ، وعن أي مجال تتحدث؟ ذلك أن همته العالية لا تقتصر على مجال معين، أو عمل محدد، بل هي شاملة لشتى الأعمال التي يقوم بها؛ فهمته العالية تتجلى في قراءة الكتب؛ فهو لا يمل قراءتها، بل كثيرًا ما يشرع في قراءة كتب مطولة لا يخطر بالبال أن يتمها؛ لما يُرى من كثرة أعماله، وما هي إلا مدة ثم يتم قراءتها، وتتجلى همته في الاطلاع على المعاملات، والتوجيه بما يلزم؛ فلا يمل ولا يكل من كثرة ما يعرض عليه، وتتجلى في العبادة، وتطبيق السنة في شتى شؤونه. وتتجلى في زكاء نفسه، وطهارتها، وترفعها عن السفاسف، والمحقرات. وتتجلى في سخائه، وجوده، وكرمه، في شتى صور السخاء، والجود والكرم. وتتجلى في اغتنام الأوقات، والقيام بالمشروعات والأعمال العظيمة، التي تقف دونها عقبات، إلى غير ذلك من مجالات همته. وإن الذي يعمل معه، ويرافقه ليعجب أشد العجب مما يراه من همته ﵀.

стр. 352

وإنك لترى الإعياء يبلغ مبلغه بمن يرافقون سماحته، ويعملون معه مع أنهم في قوتهم ونشاطهم، ومع أنهم مجموعة يتعاقبون العمل، ويتناوبون على القراءة عليه، ومرافقته، ومع أنهم يجدون متعة ولذة في العمل معه، ومع أنهم متفرغون له، ومع أن سماحته كبير في السن، ويقوم بأعمال متنوعة كثيرة. ومع ذلك كله؛ تجد أن سماحة الشيخ يقوم بالأعمال العظيمة بمنتهى اليسر، والسهولة، والسرور، والسكينة، يستوى بذلك حاله في السفر، أو الحضر، أو الصحة، أو المرض. والشواهد والقصص في هذا السياق لا يمكن حصرها .. وإليك هذه الحادثة العجيبة التي تبين حال هذا الإمام في صبره وجلده، وتوفيق الله وإعانته له (١): في عام ١٤١٣ هـ كان سماحة الشيخ في مكة المكرمة، ودعي إلى افتتاح أحد المراكز الدعوية في جدة، وألحوا عليه أن يكون الحضور بعد صلاة المغرب؛ حتى لا يطول أمد الحفل إلى ساعات متأخرة. فقال سماحته: ما يكون إلا الخير، وعندما صلى المغرب قلنا له: نذهب الآن إلى جدة؟ لكن سماحته لم تطب نفسه بترك المجلس بعد المغرب، فقال: بل نذهب إلى مجلسنا المعتاد، وننظر في حاجات الناس، فقلنا له: إذًا نتأخر في الحضور، ونتأخر في الرجوع، فقال: ولو! يعين الله، فجلس في مجلسه المعتاد، ونظر في حاجات الناس، وقرئ عليه ما شاء الله أن يُقرأ، وأجاب على الأسئلة الموجهة إليه، حتى إنني حسبت له ستين

стр. 353

إجابة على ستين سؤالًا، بعد ذلك المغرب. وبعد أن انتهى المجلس قام لصلاة العشاء، ووجهه يتهلل فرحًا وبشرًا؛ بسبب جلوسه للناس. ثم توجَّه إلى جدة، وكنت في صحبته أنا ومعالي الدكتور محمد الشويعر .. ، وكنا نتناوب القراءة حتى وصلنا إلى جدة. ولما وصلنا استقبله الناس بجموعهم الكاثرة، فسلم عليهم، ودخل المشروع، واستمع إلى شرح مفصل عنه، وعن نشاطاته وأهدافه، ثم دخل قاعة المحاضرات المكتظة بالناس، واستمع إلى جميع فقرات الحفل وما ألقى فيه من كلمات وقصائد، ثم ألقى كلمته، وبعد أن انتهى الحفل، تناول طعام العشاء، وودع الناس هناك، وعاد إلى مكة، فكنا نتناوب عليه القراءة طوال الطريق؛ فما وصلنا منزله في مكة إلا الساعة الثانية ليلًا، وكان من عادة سماحته أنه يقوم للتهجد في حدود الساعة الثالثة ليلًا، وكان ينبه من معه لقيام الليل، وكان ينبهني أنا، والشيخ عبد العزيز بن ناصر بن باز (١)؛ فجزمنا أنه لن يقوم تلك الليلة، بسبب ما لقيه من تعب من أول الليل، وبسبب تأخره في المجيء إلى مكة، فلما جاء وقت قيامه إذا به يوقظنا للقيام، ثم شرع بالقيام، وبقي يصلي ويدعو، ويقرأ حتى أُذِّن بالفجر، فذهبنا إلى مسجد القطان المجاور لنا، فتأخر الإمام فصلى بنا سماحته وتلا الآيات بصوت نديٍّ خاشع، فلما سلم استقبل الناس بوجهه، وألقى فيهم كلمة. ولما عدنا إلى المنزل قلنا: لابد أن سماحته سينام؛ فماذا بعد هذا الإعياء والنصب؟ فلما وصلنا المجلس ألقى غترته وطاقيته جانبًا، وجلس وقال: بسم الله، ماذا

стр. 354

عندكم؟ فأخذت أقرأ عليه المعاملات، وأنا أرى عليه من السرور والانشراح، ما يبهر اللب؛ فبقيت أقرأ عليه حتى السابعة والثلث تقريبًا، فظننت بعدها أنه سينام نومة طويلة؛ فإذا به يقول: ضع منبه الساعة على الثامنة والثلث، فلما جاء ذلك الوقت نهض إلى رابطة العالم الإسلامي؛ لحضور الندوات، والاجتماعات المطولة، التي كانت تعقد آنداك، ولم يرجع إلى منزله إلا الساعة الثانية والنصف بعد الظهر، ثم أكمل الجلوس مع الحاضرين في المجلس، وتناول معهم الغداء، وصلى العصر وهو في تمام النشاط، والانشراح، ونحن نكاد نسقط على وجوهنا من جراء الإرهاق، وقلة النوم (١). ومع هذا الجهد العظيم من سماحته ﵀ في شتى ميادين الخير إلا إن له انتاجًا علميًا غزيرًا في شتى فنون العلم الشرعي في العقيدة والحديث والفقه وغير ذلك، طبع منها قرابة ثلاثين مجلدًا. النموذج الثالث: الدكتور عبد الرحمن السميط ﵀ (٢): عبد الرحمن بن حمود السميط ولد سنة ١٣٦٦ هـ، وتوفي ﵀ في شوال سنة ١٤٣٤ هـ، داعية كويتي ومؤسس جمعية العون المباشر -لجنة مسلمي إفريقيا سابقًا- ورئيس مجلس إدارتها، حيث تولى منصب أمين عام لجنة مسلمي إفريقيا عام ١٤٠١ هـ، وواصل على رأس الجمعية بعد أن تغير اسمها إلى: جمعية العون المباشر في عام ١٤١٩ هـ.

стр. 355

رئيس مجلس البحوث والدراسات الإسلامية، كما أصدر مجموعة من الكتب، منها: لبيك إفريقيا، دمعة على إفريقيا، رسالة إلى ولدي، العرب والمسلمون في مدغشقر، بالإضافة إلى العديد من البحوث وأوراق العمل، ومئات المقالات التي نشرت في صحف متنوعة (١). هذا الشيخ نموذج فريد في الصبر وبذل المال والوقت والنفس من أجل إغاثة الناس في إفريقيا، أحسبه -والله حسيبه- أنه ممن صدق مع الله، وأخلص لله، ورغب فيما عنده، وتعلق قلبه بالدار الآخرة، وكانت له خبيئة مع الله تمكن بسببها من الوصول إلى القلوب بأيسر طريق، فسلم قلبه من الأحقاد والأضغان، وجعل همه واحدًا وهو إنقاذ إخوانه المسلمين الجوعى في إفريقيا، وما عرف عنه التصادم مع أحد، ولصدقه مع ربه وإخلاصه -ولا أزكي على أحدًا- فقد مكنه الله من القيام بأعمال عظيمة تعجز عنها دول، ودونك شيئًا من سيرته الجميلة، نأخذ منها الدروس والعبر، ونسأل الله أن يرحمه رحمة واسعة، وأن يجعله في عليين، مع النبيين والشهداء والصديقين. من المظاهر الدالة على أثر عمل القلب في دعوة الدكتور السميط ﵀ -كما أحسبه والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدًا- النماذج الآتية: ١ - إخلاصه ﵀ في دعوته وعمله الإغاثي، ودونك مثلًا من حياته في بداية عمله كطبيب: تذكر زوجته أنه بعد سنة من تخرج الدكتور السميط حرص والده على شراء سيارة لابنه تليق به كطبيب، فتقول زوجته: استغربت أنه لم يبادر في مساعدة والده في ذلك، مع العلم أنه مر عليه سنة على عمله في الوظيفة، ثم تقول: علمت فيما بعد بطريق غير مباشر أنه كان يستقطع من راتبه مبلغًا كبيرًا في السنة الأولى لمساعدة
следующие страницы →