← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 978

أثر أعمال القلوب على الداعية والدعوة

إبراهيم بن حسن الحضريتي

Полный текст (777 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

خارج المدينة، وهذه هي فرصتنا؛ دعنا نستمتع بالرحلة، وننظر إلى الجبال والأودية، ونتفكر في مخلوقات الله. فضحك سماحته وقال: اللهم اهدنا فيمن هديت، اللهم اهدنا فيمن هديت؛ ليقرأ الشيخ إبراهيم، وأنت تفكر في مخلوقات الله كما تقول، وبعد أن ينتهي الشيخ إبراهيم، أملي عليك، وينظر الشيخ إبراهيم ويتفكر وقت الإملاء، وهكذا .. ويقول الشيخ عبد الرحمن ابن دايل: أنتم ما أدركتم نشاط سماحته؛ إذ كان في المدينة لا ينام بعد العشاء إلا متأخرًا، وكان لا ينام بعد الفجر، ولا الظهر، ولا العصر. ثانياً: الهمة العالية: من العجائب في سيرة سماحة الإمام عبد العزيز ابن باز همته العالية المتجددة، التي تزكو وتتسامى مع تقدمه في العمر. وإذا أردت الحديث عن همته فإنك تحار؛ فبأي شيء تبدأ، وعن أي مجال تتحدث؟ ذلك أن همته العالية لا تقتصر على مجال معين، أو عمل محدد، بل هي شاملة لشتى الأعمال التي يقوم بها؛ فهمته العالية تتجلى في قراءة الكتب؛ فهو لا يمل قراءتها، بل كثيرًا ما يشرع في قراءة كتب مطولة لا يخطر بالبال أن يتمها؛ لما يُرى من كثرة أعماله، وما هي إلا مدة ثم يتم قراءتها، وتتجلى همته في الاطلاع على المعاملات، والتوجيه بما يلزم؛ فلا يمل ولا يكل من كثرة ما يعرض عليه، وتتجلى في العبادة، وتطبيق السنة في شتى شؤونه. وتتجلى في زكاء نفسه، وطهارتها، وترفعها عن السفاسف، والمحقرات. وتتجلى في سخائه، وجوده، وكرمه، في شتى صور السخاء، والجود والكرم. وتتجلى في اغتنام الأوقات، والقيام بالمشروعات والأعمال العظيمة، التي تقف دونها عقبات، إلى غير ذلك من مجالات همته. وإن الذي يعمل معه، ويرافقه ليعجب أشد العجب مما يراه من همته ﵀.

стр. 352

وإنك لترى الإعياء يبلغ مبلغه بمن يرافقون سماحته، ويعملون معه مع أنهم في قوتهم ونشاطهم، ومع أنهم مجموعة يتعاقبون العمل، ويتناوبون على القراءة عليه، ومرافقته، ومع أنهم يجدون متعة ولذة في العمل معه، ومع أنهم متفرغون له، ومع أن سماحته كبير في السن، ويقوم بأعمال متنوعة كثيرة. ومع ذلك كله؛ تجد أن سماحة الشيخ يقوم بالأعمال العظيمة بمنتهى اليسر، والسهولة، والسرور، والسكينة، يستوى بذلك حاله في السفر، أو الحضر، أو الصحة، أو المرض. والشواهد والقصص في هذا السياق لا يمكن حصرها .. وإليك هذه الحادثة العجيبة التي تبين حال هذا الإمام في صبره وجلده، وتوفيق الله وإعانته له (١): في عام ١٤١٣ هـ كان سماحة الشيخ في مكة المكرمة، ودعي إلى افتتاح أحد المراكز الدعوية في جدة، وألحوا عليه أن يكون الحضور بعد صلاة المغرب؛ حتى لا يطول أمد الحفل إلى ساعات متأخرة. فقال سماحته: ما يكون إلا الخير، وعندما صلى المغرب قلنا له: نذهب الآن إلى جدة؟ لكن سماحته لم تطب نفسه بترك المجلس بعد المغرب، فقال: بل نذهب إلى مجلسنا المعتاد، وننظر في حاجات الناس، فقلنا له: إذًا نتأخر في الحضور، ونتأخر في الرجوع، فقال: ولو! يعين الله، فجلس في مجلسه المعتاد، ونظر في حاجات الناس، وقرئ عليه ما شاء الله أن يُقرأ، وأجاب على الأسئلة الموجهة إليه، حتى إنني حسبت له ستين

стр. 353

إجابة على ستين سؤالًا، بعد ذلك المغرب. وبعد أن انتهى المجلس قام لصلاة العشاء، ووجهه يتهلل فرحًا وبشرًا؛ بسبب جلوسه للناس. ثم توجَّه إلى جدة، وكنت في صحبته أنا ومعالي الدكتور محمد الشويعر .. ، وكنا نتناوب القراءة حتى وصلنا إلى جدة. ولما وصلنا استقبله الناس بجموعهم الكاثرة، فسلم عليهم، ودخل المشروع، واستمع إلى شرح مفصل عنه، وعن نشاطاته وأهدافه، ثم دخل قاعة المحاضرات المكتظة بالناس، واستمع إلى جميع فقرات الحفل وما ألقى فيه من كلمات وقصائد، ثم ألقى كلمته، وبعد أن انتهى الحفل، تناول طعام العشاء، وودع الناس هناك، وعاد إلى مكة، فكنا نتناوب عليه القراءة طوال الطريق؛ فما وصلنا منزله في مكة إلا الساعة الثانية ليلًا، وكان من عادة سماحته أنه يقوم للتهجد في حدود الساعة الثالثة ليلًا، وكان ينبه من معه لقيام الليل، وكان ينبهني أنا، والشيخ عبد العزيز بن ناصر بن باز (١)؛ فجزمنا أنه لن يقوم تلك الليلة، بسبب ما لقيه من تعب من أول الليل، وبسبب تأخره في المجيء إلى مكة، فلما جاء وقت قيامه إذا به يوقظنا للقيام، ثم شرع بالقيام، وبقي يصلي ويدعو، ويقرأ حتى أُذِّن بالفجر، فذهبنا إلى مسجد القطان المجاور لنا، فتأخر الإمام فصلى بنا سماحته وتلا الآيات بصوت نديٍّ خاشع، فلما سلم استقبل الناس بوجهه، وألقى فيهم كلمة. ولما عدنا إلى المنزل قلنا: لابد أن سماحته سينام؛ فماذا بعد هذا الإعياء والنصب؟ فلما وصلنا المجلس ألقى غترته وطاقيته جانبًا، وجلس وقال: بسم الله، ماذا

стр. 354

عندكم؟ فأخذت أقرأ عليه المعاملات، وأنا أرى عليه من السرور والانشراح، ما يبهر اللب؛ فبقيت أقرأ عليه حتى السابعة والثلث تقريبًا، فظننت بعدها أنه سينام نومة طويلة؛ فإذا به يقول: ضع منبه الساعة على الثامنة والثلث، فلما جاء ذلك الوقت نهض إلى رابطة العالم الإسلامي؛ لحضور الندوات، والاجتماعات المطولة، التي كانت تعقد آنداك، ولم يرجع إلى منزله إلا الساعة الثانية والنصف بعد الظهر، ثم أكمل الجلوس مع الحاضرين في المجلس، وتناول معهم الغداء، وصلى العصر وهو في تمام النشاط، والانشراح، ونحن نكاد نسقط على وجوهنا من جراء الإرهاق، وقلة النوم (١). ومع هذا الجهد العظيم من سماحته ﵀ في شتى ميادين الخير إلا إن له انتاجًا علميًا غزيرًا في شتى فنون العلم الشرعي في العقيدة والحديث والفقه وغير ذلك، طبع منها قرابة ثلاثين مجلدًا. النموذج الثالث: الدكتور عبد الرحمن السميط ﵀ (٢): عبد الرحمن بن حمود السميط ولد سنة ١٣٦٦ هـ، وتوفي ﵀ في شوال سنة ١٤٣٤ هـ، داعية كويتي ومؤسس جمعية العون المباشر -لجنة مسلمي إفريقيا سابقًا- ورئيس مجلس إدارتها، حيث تولى منصب أمين عام لجنة مسلمي إفريقيا عام ١٤٠١ هـ، وواصل على رأس الجمعية بعد أن تغير اسمها إلى: جمعية العون المباشر في عام ١٤١٩ هـ.

стр. 355

رئيس مجلس البحوث والدراسات الإسلامية، كما أصدر مجموعة من الكتب، منها: لبيك إفريقيا، دمعة على إفريقيا، رسالة إلى ولدي، العرب والمسلمون في مدغشقر، بالإضافة إلى العديد من البحوث وأوراق العمل، ومئات المقالات التي نشرت في صحف متنوعة (١). هذا الشيخ نموذج فريد في الصبر وبذل المال والوقت والنفس من أجل إغاثة الناس في إفريقيا، أحسبه -والله حسيبه- أنه ممن صدق مع الله، وأخلص لله، ورغب فيما عنده، وتعلق قلبه بالدار الآخرة، وكانت له خبيئة مع الله تمكن بسببها من الوصول إلى القلوب بأيسر طريق، فسلم قلبه من الأحقاد والأضغان، وجعل همه واحدًا وهو إنقاذ إخوانه المسلمين الجوعى في إفريقيا، وما عرف عنه التصادم مع أحد، ولصدقه مع ربه وإخلاصه -ولا أزكي على أحدًا- فقد مكنه الله من القيام بأعمال عظيمة تعجز عنها دول، ودونك شيئًا من سيرته الجميلة، نأخذ منها الدروس والعبر، ونسأل الله أن يرحمه رحمة واسعة، وأن يجعله في عليين، مع النبيين والشهداء والصديقين. من المظاهر الدالة على أثر عمل القلب في دعوة الدكتور السميط ﵀ -كما أحسبه والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدًا- النماذج الآتية: ١ - إخلاصه ﵀ في دعوته وعمله الإغاثي، ودونك مثلًا من حياته في بداية عمله كطبيب: تذكر زوجته أنه بعد سنة من تخرج الدكتور السميط حرص والده على شراء سيارة لابنه تليق به كطبيب، فتقول زوجته: استغربت أنه لم يبادر في مساعدة والده في ذلك، مع العلم أنه مر عليه سنة على عمله في الوظيفة، ثم تقول: علمت فيما بعد بطريق غير مباشر أنه كان يستقطع من راتبه مبلغًا كبيرًا في السنة الأولى لمساعدة

стр. 356

عوائل محتاجة، ولم يكن أحد يعلم بذلك (١). مثال على تواضعه ﵀: فقد ضرب أروع الأمثلة في التواضع، وإنك حينما تقرأ هذه النماذج من حياة هذا الرجل؛ لتذكرك بحياة السلف الأول عليهم رحمة الله، ودونك صورة من ذلك كما يرويها من حصلت معه، وهو الأخ يوسف محمد الكندري (٢)، يقول: "قبل عشر سنوات تقريبًا (٣) كان أول سفرة لي إلى إفريقيا بصحبة السميط عليه رحمة الله، فقال لي: بما أن هذه هي أول مرة تسافر فيها معي، فأنت في ضيافتي طوال هذه الرحلة، ولكن بشروطي، فأجبته قائلًا: أقبل بشروطك حتى قبل أن أعرفها، فزجرني وعنفني وهو يقول: لا توافق على شيء قبل أن تعرف شروطه .. فكان هذا أول درس أتعلمه منه ﵀، أتدرون ماذا كان شروطه؟ قال لي: أنت ضيفي، فلا تطبخ، ولا تغسل، ولا تجلب شيئًا لنفسك، حتى ملابسك أنا أغسلها لك، وأقوم بخدمتك ما دمت في ضيافتي، فإفريقيا بيتي، وكل قادم إليها عن طريقي فهو ضيفي حتى يرجع إلى أهله. دهشت مما سمعته منه، ولكني تمالكت نفسي، وقلت: يا شيخي، ألازمك في الكويت كل الأوقات أكثر مما يلازمك أبناؤك، وهنا تجعلني ضيفًا عليك، فكيف يستقيم أن يخدم والد ابنه؟! ضحك السميط ﵀ كثيرًا ثم قال لي: لقد قلت منذ قليل أن تقبل كل شروطي، فلا مجال للتراجع الآن. وقد كان ما أراد رحمه الله تعالى، فكان يطبخ ويغسل الأواني والملابس، ويكنس الدار بنفسه، وهو سعيد بما يفعل .. وفي أحد الأيام قمت بغسل الأواني بعد وجبة الغداء، وعندما علم بذلك، أمرني بالعودة إلى الكويت، لأنني

стр. 357

لم ألتزم بآداب الضيافة وشروط الاتفاق" (١). ٢ - حرصه على عدم الشهرة مع الورع والزهد في الدنيا، وحب خدمة الناس والقرب منهم دون أن يرجو من أحد جزاء أو شكورًا، وهذه أمور لا تأتي إلا من صلاح في القلب -كما أحسبه والله حسيبه-. ودونك بعض الشواهد من سيرته في هذه الأمور من كتاب عبد الرحمن السميط أسطورة العمل الإغاثي (٢): - لقد ضرب ﵀ أروع الأمثلة في التورع عن المال الذي بين يديه، مع الحرص الشديد على أن يصرفه في مصارفه الصحيحة. - ومما قيل: إنه كان إذا انتهى الشهر واستلم الراتب الجديد أعاد ما تبقى من الراتب القديم للجمعية. - وكان ﵀ لا يبحث عن الشهرة أو الرياء، ولا يسكن الفنادق، ولا يتحرك بالطائرات أو السيارات الفخمة، لا يخصص لنفسه طعامًا خاصًّا أو حارسًا، يعيش بين الناس في القرى والغابات، يجوع ويعطش ويعرى ويمرض. - وكان لا يحب أن يمدح، ويكره ذلك كرهًا شديدًا، وينزعج منه، ويروي أحد الملاصقين للدكتور السميط (٣) أنه في مرة أثنى عليه أحد المتبرعين وصار يمدحه أمام الناس، فلما تبرع وخرج، غاب الدكتور السميط، فبحث عنه الموظف، فوجده ينظف دورة المياه، فسأله: لماذا يفعل ذلك؟ فقال له ﵀: أما سمعت الرجل يمدح ويثني؟! وأردت أن أعلم نفسي ألا تغتر بالكلام الذي قيل. - كان بعيدًا عن التكلف في ملبسه ومطعمه ومركبه من بداية حياته، واستمر

стр. 358

على ذلك إلى وفاته ﵀. - عاش السميط ﵀ مثالًا حيًّا لأولئك الرجال المخلصين الذين جُبِلوا على بذل الغالي والنفيس من أجل إيصال الخير إلى المسلمين خاصّة وخدمتهم، وكذلك إيصال الخير والنور إلى غير المسلمين، بعيدًا عن الأضواء والشهرة خفيًّا تقيًّا متحملًا من أجل دعوته المشاق والمخاطر والأمراض، لا يطلب لنفسه مجدًا ولا حظًّا من حظوظ الدنيا، وإنما يطلب من الله الذكر والثناء الحسن، ولو أراد المال والشهرة لنال ذلك بأيسر مجهود، فقد حاز أعلى الشهادات في الطب، لكنه ترك ذلك من أجل إنقاذ إخوانه المسلمين في إفريقيا الذين انطمست لديهم معالم دين الإسلام، فصبر على ذلك، وواصل الليل بالنهار دون كلل ولا ملل، يقطع الفيافي، ويصعد الجبال، ويخوض في المستنقعات الخطرة في ديار لا يعرفه فيها إلا الله، يحفر الآبار، ويربي اليتامى، ويواسى الثكالى، ويبني المساجد والمدارس. يسعى في مناكب إفريقيا لينشر دعوة الإيمان، مرة راكبًا لعدة ساعات في طرق وعرة، ومرة ماشيًا مئات الأميال، يخترق الأدغال الموحشة والخوف والخطر يحيط به، حتى ناله في سبيل دعوته عدد من الأمراض التي أثخنت جسده المنهك إلى آخر حياته، كما تعرض للموت مرات، فحفظه الله وأنجاه، قال تعالى: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤] (١). وكان يتثمل ﵀ في حياته الدعوية والإغاثية -فيما أحسبه والله حسيبه- حديث ابن عباس ﵄ سلوكًا عمليًّا حيث يقول ﷺ في وصيته لابن عباس: «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ

стр. 359

قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» (١). ٣ - ومما تميز به الدكتور السميط ﵀ شعوره بالمسؤولية الملقاة على عاتقه نحو إخوانه المسلمين في إفريقيا، وأن الله سيسأله عنهم: ماذا قدم لهم؟ وهذا الهم لا يغيب عنه ليلًا ولا نهارًا، يشعر بمسؤوليته الفردية، وأن الواجب عليه عظيم، لا يعفيه منه بُعد الديار ولا المرض، ولا قلة ذات اليد، ولا يعلل نفسه بالأماني الخادعة أن هناك من يقوم بالمهمة عنه، أو أنه معذور بسبب مرضه أو بعد الشقة عليه، كلا، لم يكن ﵀ يلتفت لذلك؛ ليتخلص من مسؤوليته المعلقة برقبته بشتى المعاذير، كما يفعل من قعدت بهم ذنوبهم، وهذا -والله حسيبه- دليل على صلاح القلب وسلامته، ودونك صورة معبرة من ذلك: يرويها المؤرخ عبد العزيز العويد (٢) في كتابه الذي سبق ذكره (٣)، يقول: لقد كان الكثير من محبي السميط ﵀ يرحمون حاله، ويتمنون لو ارتاح وعمل في الجانب الإداري؛ لأن العمل الميداني قد أتعب صحته كثيرًا، لكنه يرفض

стр. 360

ذلك بشدة، ودونك هذا الموقف المؤثر. يقول المستشار الدكتور خليفة الشعالي (١): إن حاكم عجمان الشيخ حميد النعيمي (٢) كان يحب السميط، ويساهم معه في مشاريعه، وقد رافقته مرة في زيارة لحاكم عجمان، وبعد حديث ماتع بينهما نصح سمو الشيخ حميد النعيمي الدكتور السميط ﵀ بضرورة إيجاد البدلاء له، والراحة في بلده الكويت لمرضه وكبر سنه، وقال له: أنت ما قصرت يا د. عبد الرحمن. قال: فقام د. السميط، وقال: كيف تقول يا شيخ: ما قصرت؟! لقد قصرت والله في إفريقيا كثيرًا، وأنا اليوم أتجول في الخليج وتركت الأيتام والمحتاجين، لقد قصرت يا شيخ. فاستأذن وخرج وهو يبكي من مجلس الحاكم، وكان في السيارة يبكي ويقول: كيف يقول: ما قصرت؟! لقد قصرت وهو يكررها ﵀ (٣). ٤ - ومن كلماته التي تدل على تعلق القلب بالله والدار الآخرة: أنه كان يتحدث أحد إخوته (٤) فيقول: كان يمكن للدكتور السميط ﵀ كأحد أوائل الأطباء الكويتيين أن يعيش حياة رغدة، يمتلك فيها الملايين كما هو الحال مع زملائه

стр. 361

وطلبته، لكنه يقول: كان بمقدوري أن أعيش مثل هؤلاء، لكنني -والله- أعطف على بعضهم؛ إذ يظنون السعادة فيما تحمله من مال، ويضيف: السعادة ليست كم هو حسابك في هذا البنك أو ذاك، لكن السعادة كم هو رصيدك عند رب العزة والجلال (١). ٥ - ومن الأدلة على صدق الرجل مع الله تعالى وإخلاصه له -فيما أحسبه والله حسيبه- هذه الخلاصة التي نختم بها سيرة الرجل ﵀ رحمة واسعة، وجزاه على ما قدم خير الجزاء. إن المتأمل في سيرة هذا الرجل العظيم ليرى آثار توفيق الله وإعانته له في تلك المنجزات الضخمة التي قام بها من خلال جمعية العون المباشر التي كان يقوم عليها، وهذه المنجزات في الحقيقة تعجز عن القيام بها دول، ودونك شذرات من ذلك: ١ - توفيق الله له لتمثل أخلاق الإسلام العظيمة قولًا وفعلًا، حيث حرص ﵀ على أن تكون هذه الأخلاق العظيمة سلوكًا عمليًّا، فطبق أسلوب الدعوة على بصيرة وبالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن فيما أحسبه على قدر وسعِه، فما عرف عنه ﵀ التصادم مع الناس، بل كان صاحب لين ورفق، بعيدًا عن الغلظة والشدة على الناس (٢). ٢ - صبره على ما لقيه في سبيل نشر دعوته وقيامه بإغاثة الفقراء والمنكوبين في أماكن الصراع، ودونك صورًا شاهدة على ذلك من كتاب العمل الأغاثي عند الدكتور عبد الرحمن السميط وأثره في قبول دعوته (٣):

стр. 362

• كان يقضي ﵀ عشرة أشهر إلى أحد عشر شهرًا متنقلًا في إفريقيا، لا يبقى ثلاثة أيام في مكان واحد، ثم قرر أن يأتي بأهله من الكويت، فكانوا ينامون مرة في العراء، ومرة في المساجد، وثالثة في الغابات بين الوحوش والهوام. • يسير في المستنقعات الطينية الملوثة بروث الحيوانات، وربما يصل الماء إلى الكتف، وفي هذه المستنقعات تماسيح فتاكة، لكن الله أنجاه منها. ويمشي في بعض الأوقات مسافات طويلة على قدمه حتى تتورم؛ لعدم توفر وسيلة النقل لوعورة المكان، وقد يمر عليه من يوم إلى يومين بلا شرب، وإذا وصل إلى مقصده في تلك القرى النائية، فلا يجد من الماء إلا ما يصلح لشرب الدواب من كثرة ما فيه من الأوساخ والطين والروث، وقد سبب له شربه فشلًا في كليتيه ﵀. • سافر في رحلة في شاحنة قديمة مع مجموعة من الأبقار، في رحلة استمرت عشرة أيام عبر طريق ترابي، وكانت تلك الأبقار تقوم بلحس رأسه إذا تجمع عليه الغبار، وكان ينام في أكواخ مفروشة بروث البهائم، وكم من مرة تعرض لإطلاق نار عشوائي، لا سيما في المناطق التي تعيش حروبًا أهلية. • كان يعصب الحجر عل بطنه من شدة الجوع، ليوصل رسالة الإسلام إلى تلك المناطق المعزولة التي لم تعرف الإسلام. • ودونك هذا الموقف العظيم الذي يدل على صبر عظيم تمكن من قلب هذا الرجل، وهو يضحي بنفسه من أجل دعوته، أحسبه والله حسيبه أنه يتلذذ بذلك في سبيل الله، وفي أثناء زيارته لقبيلة بدائية في وسط كينيا لدعوة زعمائها وأبنائها إلى الإسلام قدموا له حليبًا -تعبيرًا عن ضيافتهم له- في إناء قذر جدًّا يصفه الدكتور السميط ﵀ بقوله: "لم أر أقذر منه في حياتي، يحوم حوله الذباب، وهم ينظرون إليه بدون أدنى حركة لإبعاده! لدرجة أن بعضه سقط في الإناء، فمنه من يسبح فيه، ومنه ما لقي حتفه"، وكان عليه التزامًا بآداب الضيافة أن يلبي هذه الدعوة، مع أنه طبيب يعرف ضرر مثل هذا، لكنه قبِل الضيافة وشرب الحليب من هذا الإناء، ولم

стр. 363

يُظهر أي اشمئزاز أو تهرب من الموقف، ليستميل قلوبهم ويحببهم إلى ما يدعو إليه، ولا سيما أنه قد سمع عن مجموعة من المنصرين الأمريكيين زاروا إحدى القرى الإفريقية لدعوة أهلها إلى النصرانية، فعندما قدم لهم الطعام ترحيبًا بهم عافوه، فكانت نتيجة ذلك أن رفَضَ أهل القرية دعوتهم والدخول في ملتهم، فدعا السميط ﵀ أهل تلك القرية إلى الإسلام، فدخلوا فيه، حتى إذا عرف سبيلًا إلى نفوسهم علَّمهم أن نظافة البدن والملبس والطعام والشراب والمكان من الإيمان. وله ﵀ الكثير من القصص في هذا المجال، أكتفي بما سبق ذكره؛ ليكون نموذجًا من نماذج كثيرة سطرها هذا الرجل العظيم (١). ٣ - حرصه الشديد على العمل المؤسسي المنظَّم الذي لا مجال فيه للفوضوية والحماس المتهوِّر، ولهذا أصبحت جمعية العون المباشر التي أسسها أكبر منظمة عالمية في إفريقيا، ومن إنجازاتها: - كفالة أكثر من ٢٠٠٠ معلم. - كفالة ما يزيد على ٧٤٤٥٧ يتيمًا. - كفالة أكثر من ٧٧٧٥ طالبًا في الدراسات الجامعية. - إنشاء وتسيير وإدارة ٤ مستشفيات. - بناء وتسيير ٢٦٠ مستوصفًا. - بناء وإدارة ٢٩٦ مدرسة نظامية من مرحلة رياض الأطفال حتى الثانوية. - بناء أكثر من ٥٠٩٤ مسجدًا في مختلف الدول الإفريقية. - بناء وتسيير ٣٦ معهدًا شرعيًّا.

стр. 364

- إنشاء وتسيير ٦٣ مركزًا لتدريب النساء وتأهيلهن. - إنشاء وتسيير ٤ جامعات شاملة للعديد من التخصصات الأكاديمية. - إنشاء ٤ محطات إذاعية في إفريقيا، وتشغيل ٢٤٩٦ برنامجًا إذاعيًّا في ١٩ دولة. - حفر أكثر من ٢٠٣٠٦ بئر ماء سطحي وأرتوازي لتوفير الماء النظيف لأهالي القرى والمناطق الفقيرة. - إجمالي عدد المشاريع التنموية ١٤٠٧٢ للأسر الفقيرة (١). ومع هذا الجهد العظيم كان الرجل يعاني من أمراض عدة زادت عليه في آخر حياته، منها السكري، ويستخدم إبر الأنسولين خمس مرات في اليوم، وأصيب بعدة جلطات بالقلب وبالمخ، ويتناول أكثر من عشرة أدوية يوميًّا (٢). يروي عنه الدكتور جاسم المطوع (٣) أنه كان ﵀ يقول: "أعاني من مرض السكر، وأجريت لي ثلاث عشرة عملية، منها ثلاث في القلب، لكنني مجرد ما أجلس

стр. 365

مع الأيتام وأعيش معهم فترة أنسى ما بي من أمراض وآلام" (١)، فرحمه الله رحمة واسعة. المطلب الثاني: من وفقه الله لعمل صالح وفتح له فيه، فليجتهد فيما فتح له فيه: توطئة: ذكرت في المطلب الأول نماذج عملية لمن رزقهم الله الصدق والإخلاص وظهر أثر أعمال القلوب على ما حصل لهم من بركة وتوفيق وإعانة من الله، مكنتهم من القيام بجلائل الأعمال، فضربوا أروع الأمثلة في العلم والعمل والدعوة، فنفع الله بهم الأمة نفعًا عظيمًا. وسيكون الحديث في المطلب الثاني عمن وفقه الله لعمل صالح وفتح له فيه، فليجتهد فيما فتح له فيه، ويبذل وسعه فيما فتح له فيه، ويجتهد في الإخلاص والصدق، ومن المعلوم أن القلة من الناس من يفتح له في أكثر من باب. ١ - وعلى رأس الأعمال الصالحة: دعوة الناس وتعليمهم الخير، فهو من أفضل الأعمال لمن حسنت نيته: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ». وعن أَبي عَمَّارٍ الحُسَيْن بْن حُرَيْثٍ الخُزَاعِيَّ (٢) قال: سَمِعْتُ الفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ يَقُولُ: "عَالِمٌ عَامِلٌ مُعَلِّمٌ يُدْعَى كَبِيرًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ".

стр. 366

قال المباركفوري (١) ﵀: "أي: نسبة شرف العالم إلى شرف العابد كنسبة شرف الرسول إلى شرف أدنى الصحابة" (٢). وعَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ (٣) ﵀ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، أَتَيْتُكَ مِنَ الْمَدِينَةِ، مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: فَمَا جَاءَ بِكَ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: وَلَا جَاءَ بِكَ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانِ فِي الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ». ومما يدل على أن الله يفتح لعبده ويوفقه لباب خير -وقل من يفتح له في أكثر من باب- ما ورد من حديث أَبَي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «مَنْ

стр. 367

أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ شَيْءٍ (١) مِنَ الأَشْيَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دُعِيَ مِنْ أَبْوَابِ -يَعْنِي الجَنَّةَ-: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصِّيَامِ، وَبَابِ الرَّيَّانِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: مَا عَلَى هَذَا الَّذِي يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، وَقَالَ: هَلْ يُدْعَى مِنْهَا كُلِّهَا أَحَدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ» (٢). يقول ابن المبارك ﵀ عن الإمام مالك: "مَا رأيت أحدًا ارتفع مثل مالك، ليس له كثير صلاة ولا صيام، إلا أن تكون له سريرة. قلت (٣): ما كان عليه من العلم ونشره أفضل من نوافل الصوم والصلاة لمن أراد به اللهَ" (٤). وعلى هذا فعلى الداعية إلى الله تعالى أن يشكر ربه على توفيقه له لهذا العمل العظيم، وأن يبذل وسعه فيما فتح له، ويستعين بالله، ويبذل أسباب النجاح في هذا المجال، ومن أعظمها إخلاصه وصدقه مع ربه، وليعلم أنه قد لا يفتح له في باب آخر من أبواب الخير، فعليه ألا يشتت جهده في أبواب لم يفتح له فيها، ولا ينتقص الآخرين الذين فتح لهم في عمل غير عمله، وكذلك ينبغي الحذر من صرف الناس عن أبواب الخير التي فتحت لهم، بحجة أنها أعمال قاصرة غير متعدية النفع، ونحو ذلك من الأخطاء التي يقع فيها بعض الدعاة. وذكر ابن عبد البر كلامًا متينًا رصينًا في شرحه لحديث أبي هريرة ﵁ السابق،

стр. 368

فقال ﵀: "وفي هذا الحديث من الفقه والفضائل الحض على الإنفاق في سبيل الخير، والحرص على الصوم. وفيه أن أعمال البر لا يفتح في الأغلب للإنسان الواحد في جميعها، وأن من فتح له في شيء منها حرم غيرها في الأغلب، وأنه قد تفتح في جميعها للقليل من الناس، وأن أبا بكر الصديق ﵁ من ذلك القليل. وفيه أن من أكثر من شيء عرف به ونسب إليه، ألا ترى إلى قوله: فمن كان من أهل الصلاة، يريد من أكثر منها فنسب إليها؛ لأن الجميع من أهل الصلاة، وكذلك من أكثر من الجهاد ومن الصيام على هذا المعنى ونسب إليه، دعي من بابه ذلك، والله أعلم. ومما يشبه ما ذكرنا ما جاوب به مالك (١) ﵀ العُمري العابد، وذلك أن عبد الله بن عبد العزيز العُمري (٢) العابد كتب إلى مالك يحضّه إلى الانفراد والعمل، ويرغب به عن الاجتماع إليه في العلم، فكتب إليه مالك: إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصيام، وآخر فتح له في الجهاد ولم يفتح له في الصلاة، ونشر العلم وتعليمه من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح الله لي فيه من ذلك،

стр. 369

وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير، ويجب على كل واحد منا أن يرضى بما قسم له والسلام. هذا معنى كلام مالك لأني كتبته من حفظي، وسقط عني في حين كتابتي أصلي منه" (١). ٢ - وهذه نماذج لبعض العلماء ﵏ أذكرها على سبيل المثال لمن فتح الله لهم في باب من أبواب الخير من علم أو عبادة ونحو ذلك، وذكروا ذلك من باب التحدث بنعمة الله: • قال ابن عقيل (٢) ﵀: "عصمني الله في شبابي بأنواع من العصمة، وقصر محبتي على العلم، وما خالطت لعّابًا قط، ولا عاشرت إلا أمثالي من طلبة العلم، وأنا في عشر الثمانين أجد من الحرص على العلم أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين، وبلغت لاثنتي عشرة سنة، وأنا اليوم لا أرى نقصًا في الخاطر والفكر والحفظ، وحدة النظر بالعين لرؤية الأهلة الخفية، إلا أن القوة ضعيفة" (٣). • ويقول أبو بكر بن عياش ﵀: سمعت أبا إسحاق السبيعي (٤) يقول: "ذهبت الصلاة مني وضعفت ورق عظمي، إني اليوم أقوم في الصلاة فما أقرأ إلا

стр. 370

البقرة وآل عمران" (١). • ويذكر أبو الفرج ابن الجوزي عن همته في العلم شيئًا عجبًا، فيقول ﵀: "وإني أخبر عن حالي: ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابًا لم أره فكأني وقعت على كنز، ولقد نظرت في ثبت الكتب الموقوفة في المدرسة النظامية (٢)؛ فإذا به يحتوي على نحو ستة آلاف مجلد، وفي ثبت كتب أبي حنيفة (٣)، وكتب الحميدي (٤)، وكتب شيخنا عبد الوهاب (٥)، وابن ناصر (٦)، وكتب أبي محمد بن الخشَّاب (٧)، وكانت أحمالًا، وغير ذلك من كل كتاب أقدر عليه، ولو قلت: إني

стр. 371

طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر، وأنا بعد في الطلب! فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سير القوم وقدر هممهم وحفظهم وعباداتهم وغرائب علومهم ما لا يعرفه من لم يطالع" (١).

стр. 372

المبحث الرابع: اليقين بنصر الله تعالى لدينه إن تعلق قلب الداعية بالله وصدقه وإخلاصه، والشعور بمعية الله ورعايته له، يؤدي ذلك إلى شعور الداعية بأثر من آثار عمل القلب، وهو يقين الداعية بنصر الله لدينه، وذلك يجعله يبذل أسباب النصر في نفسه، ويتحرك بدعوته وهو على يقين أن العاقبة للمتقين، ولكنه مع هذا لا يغفل عن العمل لدينه وفق سنن الله في الكون، فيتحرك بدعوته بقدر وسعه، وما أتاح الله له من الإمكانات، فهو يعرف كيف يسير في دعوته إلى الله على بصيرة، بعيدًا عن العجلة والتسرع، يراعي فقه الموازنات، يضبط نفسه بضوابط فقه الدعوة إلى الله وقواعده، وسيأتي مزيد بيان لهذه الأمور في الفصل الثاني من هذا الباب. وهو كذلك يعلم يقينًا أنه قد يتأخر النصر لحكمة لا يعلمها إلا الله، فلا يصيبه خوف ولا إحباط وإن تأخر النصر، فهو يعمل لدينه في كل الظروف والأحوال، ومع يقينه في نصر الله لدينه، إلا أنه دائم المحاسبة لنفسه؛ لخوفه أن تؤتى الدعوة من قبله، أو يتأخر النصر بسببه. أسباب حصول اليقين عند الداعية بنصر الله لدينه كثيرة، منها: ١ - ثقة الداعية في ربه بأنه ناصر دينه، وإيمانه ويقينه بوعد الله الذي وعد به، وقد جاءت النصوص الكثيرة في كتاب الله في بيان أن هذا الدين ينصره الله، فقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢، ٣٣].

стр. 373

وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٨، ٩]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]. وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]. وإن الداعية إلى الله تعالى -وهو يؤمن بهذه الحقيقة والسنة الربانية إيمانًا جازمًا- لا يخالجه شك في ذلك، ومع هذا لا بد أن يبذل الأسباب لنصرة دين الله في نفسه بفعل الأوامر واجتناب النواهي، حتى يأتي وعد الله، والله لا يخلف الميعاد، كما قال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]. عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ ﵁ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟! أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟! قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ

стр. 374

صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» (١). ٢ - إيمان الداعية بأن نصر الله لدعوته مرتبط بنصرته لربه في نفسه، وذلك بامتثال أمره واجتناب نهيه، ودعوة الناس إلى ربهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يكون قدوة حسنة في نفسه، قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]. قال ابن سعدي ﵀: "هذا أمر منه تعالى للمؤمنين أن ينصروا الله بالقيام بدينه، والدعوة إليه، وجهاد أعدائه، والقصد بذلك وجه الله، فإنهم إذا فعلوا ذلك نصرهم الله وثبت أقدامهم، أي: يربط على قلوبهم بالصبر والطمأنينة والثبات، ويصبر أجسامهم على ذلك، ويعينهم على أعدائهم، فهذا وعد من كريم صادق الوعد أن الذي ينصره بالأقوال والأفعال سينصره مولاه، وييسر له أسباب النصر، من الثبات وغيره" (٢).

стр. 375

٣ - يقين الداعية بأنه مهما كان كيد العدو ومكره إلا أن الله سيبطله، ولن يضر الداعية من كيدهم شيئًا، ما دام أنه يجاهد نفسه على التقوى والصبر، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [النمل: ٥٠ - ٥٣]. وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر: ١٠]. وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]. ويقين الداعية إلى الله بهذه الحقيقة والسنة الربانية يجعله في ثقة تامة بأن نصر الله لدعوته لن يتخلف، ولكن قد يتأخر لحكمة يعلمها الله، فما على الدعاة إلى الله تعالى إلا أن يراجعوا أنفسهم، ويعرفوا من أين أتاهم الخلل، ويسعوا في علاج ما حصل منهم، وإلا فنصر الله للدعوة لا يتخلف إلا بخلل من الدعاة في أنفسهم، أو عدم بذل أسباب النصر كما شرع الله. وقد وجه الله الخطاب لأعظم جيل حمل رسالة الإسلام، وهو يربيهم ويربي الأمة من بعدهم، على أنه قد يأتي الخلل من قبل من يحملون هذه الدعوة، كما حصل في غزوة أحد من خلل ومخالفة لأمر الرسول ﷺ من قبل الرماة؛ مما ألقى بظلاله على سير المعركة، وتحولها لصالح عدوهم، فقال : ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ

стр. 376

أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآيات [آل عمران: ١٦٥، ١٦٦]. ٤ - تعلق قلب الداعية بأن النصر لدعوته من عند الله، فلا يطلبه من أحد غيره، إنما يتوجه إلى ربه بالدعاء الصادق وقوة الالتجاء إليه أن ينصره، ويشعر بحاجته الماسة لربه في فتح أبواب النصر لدعوته، لا يعتمد على حوله وقوته، ولا يلتفت قلبه إلى أحد سوى ربه؛ لأنه على يقين أن النصر بيد الله لا يملكه أحد غيره، فلا يذل ولا يخضع لأحد، ولا يطلب المدد والإعانة من غير الله، يؤمن بهذه الحقيقة بجزم، ويصدقها بعزم وتوكل صادق على ربه، قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ١٠]. وخذ هذا المثال العظيم على هذا: بات النبي ﷺ ليلة بدر يستغيث ربه في إنزال نصره عليه، حتى يشفق عليه الصّديق ﵁ من كثرة الإلحاح على ربه، عن عُمَرَ ابن الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: «اللهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ»، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ

стр. 377

بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] فَأَمَدَّهُ اللهُ بِالْمَلَائِكَةِ .. الحديث (١). وإيمان الداعية بهذه السنة الربانية يجعله ثابتًا على المنهج الحق، لا يتنازل عنه؛ لأجل الحصول على عون البشر، بل هو واثق بأن النصر من الله وحده لا شريك له، فلا يتعلق قلبه بغير ربه في نصرة دعوته، إنما عليه أن يبذل أسباب النصر الممكنة له، ويعلق قلبه بربه ويثق في وعده، ويتجرد قلبه من التعلق بالأسباب المادية، فقد يخذله الله بهذه الأمور القلبية الخفية؛ من اعتماد القلب على الأسباب المادية، وهذا مثال ذكره الله في كتابه يربي فيه الأمة على تعلق القلوب به وحده لا شريك له؛ لأنها حين تتعلق بالأسباب المادية يكلها الله إليها، فيغلبهم العدو بقوته، قال تعالى في تعقيبه على أحداث غزوة حنين: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٧].

стр. 378

المبحث الخامس: التفاؤل وعدم اليأس وهذا المبحث مرتبط ارتباطًا وثيقًا بما قبله من الشعور بمعية الله ورعايته له، واليقين بنصر الله لدينه، فما دام أن الداعية عنده شعور بمعية الله له، وعنده يقين بنصر الله لدينه، فلن يجد اليأس إلى قلبه سبيلًا، وسيكون التفاؤل الحسن هو رائده، حتى في أحلك الظروف وأشدها لا يفارق التفاؤل الحسن قلبه، التفاؤل الذي معه العمل لدعوته أينما كان، وأينما حل، أما التفاؤل السلبي الذي يخدر المشاعر، ولا يكون معه عمل، فهذا لا يقره ولا يؤمن به؛ لأنه يراه مجرد أماني تنقطع لا تدفع للعمل، وهو ينظر في سيرة القدوة ﷺ ، كان التفاؤل رائده في أشد الأوقات وأصعب المواقف؛ لكنه التفاؤل العظيم الذي يحرك الهمة للعمل الجاد المثمر، وفي المقابل كان ﷺ لا يحب الكلمات المثبطة التي تضعف الهمة عن العمل، وتصيب الإنسان بالإحباط، وتضعف التفاؤل الحسن لديه، ودونك شيئًا من سيرته ﷺ في هذا المجال: قال ﷺ : «وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ الصَّالِحُ: الكَلِمَةُ الحَسَنَةُ» (١). ويقول ﷺ : «وَأُحِبُّ الْفَأْلَ الصَّالِحَ» (٢). ويقول ﷺ : «وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ: الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ، الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ» (٣). وقال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ

стр. 379

سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠]. وعَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا فِي الغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا! فَقَالَ: «مَا ظَنُّكَ -يَا أَبَا بَكْرٍ- بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟!». ويَقُولُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵁: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إِلَى أَبِي فِي مَنْزِلِهِ، فَاشْتَرَى مِنْهُ رَحْلًا، فَقَالَ لِعَازِبٍ: ابْعَثِ ابْنَكَ يَحْمِلْهُ مَعِي، قَالَ: فَحَمَلْتُهُ مَعَهُ، وَخَرَجَ أَبِي يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا أَبَا بَكْرٍ، حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا حِينَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: نَعَمْ، أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا وَمِنَ الغَدِ، حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ وَخَلَا الطَّرِيقُ لَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ، فَرُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ لَهَا ظِلٌّ، لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، فَنَزَلْنَا عِنْدَهُ، وَسَوَّيْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَكَانًا بِيَدِي يَنَامُ عَلَيْهِ، وَبَسَطْتُ فِيهِ فَرْوَةً، وَقُلْتُ: نَمْ -يَا رَسُولَ اللَّهِ- وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ، فَنَامَ وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ (١) مَا حَوْلَهُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعٍ مُقْبِلٍ بِغَنَمِهِ إِلَى الصَّخْرَةِ، يُرِيدُ مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي أَرَدْنَا، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلامُ؟ فَقَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ -أَوْ: مَكَّةَ-، قُلْتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَفَتَحْلُبُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَخَذَ شَاةً، فَقُلْتُ: انْفُضِ الضَّرْعَ مِنَ التُّرَابِ وَالشَّعَرِ وَالقَذَى -قَالَ: فَرَأَيْتُ البَرَاءَ يَضْرِبُ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الأُخْرَى يَنْفُضُ-، فَحَلَبَ فِي قَعْبٍ (٢) كُثْبَةً (٣) مِنْ لَبَنٍ، وَمَعِي إِدَاوَةٌ (٤) حَمَلْتُهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ يَرْتَوِي مِنْهَا، يَشْرَبُ وَيَتَوَضَّأُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ

стр. 380

فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ، فَوَافَقْتُهُ حِينَ اسْتَيْقَظَ، فَصَبَبْتُ مِنَ المَاءِ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ، ثُمَّ قَالَ: «أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ؟» قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَمَا مَالَتِ الشَّمْسُ، وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ، فَقُلْتُ: أُتِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «لَا تَحْزَنْ؛ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا»، فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَارْتَطَمَتْ بِهِ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا -أُرَى فِي جَلَدٍ مِنَ الأَرْضِ، شَكَّ زُهَيْرٌ- فَقَالَ: إِنِّي أُرَاكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ، فَادْعُوَا لِي، فَاللَّهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ، فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَنَجَا، فَجَعَلَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ: قَدْ كَفَيْتُكُمْ مَا هُنَا، فَلا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ، قَالَ: وَوَفَى لَنَا (١). وقد سبق أن ذكرت مثالًا على تفاؤل النبي ﷺ أرى من المناسب إعادته هنا (٢): والنظرة التفاؤلية واستشراف المستقبل مع الثقة بنصر الله من أعظم ما يعين على الثبات، ولهذا شواهد، منها ما حصل في وقت من أصعب الأوقات التي مرت على المسلمين في يوم الأحزاب الذي قال الله عنه في بيان الحال التي وصلوا إليها: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١٠، ١١]، في لحظةٍ اشتد فيها الخوف والجوع والبرد، لكنه ﷺ ينظر نظرة المتفائل بنصر الله الواثق بربه، وإن كانت نظرة أهل النفاق وأصحاب القلوب المريضة لا ترى شيئًا يلوح في الأفق القريب، وقد عبر القرآن الكريم بقوله

стр. 381

عنهم: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٩]، ويقول عنهم في يوم الأحزاب: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢]، وفي هذا الموقف العظيم ها هو يقول ﷺ لأصحابه حينما عرضت لهم صخرة وهم يحفرون الخندق، فَأَخَذَ ﷺ الْمِعْوَلَ فَقَالَ: «بِسْمِ اللهِ»، فَضَرَبَ ضَرْبَةً فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ، وَقَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ! أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ، وَاللهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ مِنْ مَكَانِي هَذَا»، ثُمَّ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ»، وَضَرَبَ أُخْرَى فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ، فَقَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ! أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ، وَاللهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ الْمَدَائِنَ، وَأُبْصِرُ قَصْرَهَا الْأَبْيَضَ مِنْ مَكَانِي هَذَا»، ثُمَّ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ» وَضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَقَلَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ، فَقَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ! أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، وَاللهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا».

стр. 382

المبحث السادس: تعلق القلب بالله تعالى من أبرز آثار محبة الله والخوف منه ورجائه تعلق القلب به ، وإذا تعلق القلب بالله ظهرت آثار ذلك على الداعية، ولذلك علامات من أبرزها: ١ - شدة محبته لله: ومن العلامات الدالة على تعلق قلب الداعية بربه شدة حبه له، قال تعالى عن المؤمنين بالله حقًّا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. قال ابن كثير ﵀ في تفسيره: "ولحبهم لله وتمام معرفتهم به، وتوقيرهم وتوحيدهم له، لا يشركون به شيئًا، بل يعبدونه وحده ويتوكلون عليه، ويلجؤون في جميع أمورهم إليه" (١). ٢ - عدم خشيته وخوفه من غير الله: إن القلب الذي تعلق بربه لا يخشى أحدًا سواه، ولا يرهب من صولة الباطل، بل يزيده ذلك ثباتًا وصدقًا مع الله، قال الله تعالى عن الصادقين الذين حاول الأعداء أن يخوفوِّهم بقوة أهل الكفر وإمكاناتهم وعدتهم وعددهم، فقال المؤمنون الصادقون كما ذكر الله عنهم: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ

стр. 383

يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٢ - ١٧٥]. ٣ - كثرة ذكره لله تعالى: ومما يدل على تعلق القلب بالله كثرة ذكر الله على كل الأحوال، كما قال تعالى عن القلوب التي أحبت الله وتعلقت به: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]. والآية تدل على حال أولي الألباب المحبين لله، في صلاتهم، وفي سائر أحوالهم؛ يدامون على ذكر الله بالقلب واللسان في جميع الأحوال؛ لأن الإنسان قلَّ أن يخلو عن واحد من هذه الحالات الثلاث (١). وعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» (٢). والحديث يدل على جواز ذكر الله على كل الأحوال وفي كل الأحيان: متطهرًا، ومحدثًا، وجنبًا، وقائمًا، وقاعدًا، ومضطجعًا، وماشيًا، إلا أنه يستثنى من ذلك حال الجلوس على البول والغائط، وحالة الجماع، فإنه يكره ذكر الله في هذه الحالات، والصحيح أن الكراهة كراهة تنزيه وليست كراهة تحريم، فلو ذكر الله في هذه الحالات، فلا إثم عليه (٣)، والله أعلم. وكثرة ذكر الله على كل الأحوال وفي كل الأحيان، لها أثرها على نفس الداعية، فيجد من طمأنينة القلب والقوة والنشاط ما يعينه على القيام بدعوته خير قيام.

стр. 384

وذكر ابن القيم ﵀ من فوائد الذكر: "أنه قُوتُ القلب والروح، فإذا فقده العبد صار بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قوته. وحضرتُ شيخ الاسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر، ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليَّ وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي، أو كلامًا قريبًا من هذا، وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها؛ لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر، أو كلامًا هذا معناه" (١). والداعية المتعلق بالله تجده ذاكرًا لله بقلبه ولسانه في كل أحواله، قائمًا وقاعدًا وعلى جنبه، يجد فيه لذته، وطمأنينة قلبه، وما يعينه على أعباء طريق الدعوة الشائك، ويجعله بإذن الله ثابتًا على مبدئه، صابرًا على ما يلقاه في ذات الله؛ لأنه يشعر بقرب الله منه ورعايته له وحفظه وحمايته، وكما في الحديث القدسي يقول الله تعالى: «وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي». ٤ - المسارعة والمسابقة إلى أسباب رضوان الله: ومما يدل على تعلق القلب بالله المسارعة والمسابقة إلى أسباب مرضاة الله من الفرائض والنوافل، ولا شك أن الداعية الذي يريد حياة قلبه لا بد أن يضرب في هذه الغنائم بسهم وافر ويجتهد في ذلك؛ ليكون هذا الزاد من أعظم الأسباب المعينة على القيام بمهمته الدعوية. وقد سبق الكلام على هذه المسألة في مبحث سابق (٢). ٥ - كثرة تلاوة القرآن الكريم مع التدبُّر: ومن العلامات الدالة على تعلق القلب بالله تعالى: كثرة تلاوة القرآن الكريم مع تدبره وحضور القلب والتأثر بآياته ونزولها إلى القلب، وهكذا الداعية صاحب القلب

стр. 385

الحي يكون حاله مع القرآن الكريم كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩]. وقد نالوا بركة القرآن الكريم بتدبرهم لآياته كما قال تعالى، وهو يحث عباده على تدبر كتابه الذي أنزله من أجل ذلك، فقال : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. وكيف لا يتأثرون بالقرآن وهو الذي لو نزل على الجبال لتصدعت من خشية الله؟! كما قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]. فإذا تعلق القلب بالله أقبل على تلاوة كتابه متدبرًا له، يجد فيه طمأنينة قلبه وخشوعه، وزيادة إيمانه وثباته. ٦ - كثرة دعاء الله والالتجاء إليه في جميع الأحوال: ومن آثار تعلق القلب بالله: كثرة الدعاء والالتجاء إلى الله في جميع الأحوال، والداعية صاحب القلب الحي يدرك مكانة الدعاء وأثره على حياته وعلى دعوته، فقلبه موصول بالله، يشعر بقربه منه كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقال : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. يشعر الداعية بحاجته الماسة لربه، فيقبل على الدعاء والتضرع والابتهال أن يعينه

стр. 386

على هذه المهمة العظيمة مهمة الدعوة إلى الله، وأن يوفقه ويسدده في كل تصرف يقوم به، وأن يفتح له القلوب، ويسأل ربه أن لا تؤتى الدعوة من قبله، وهو يعلم أثر الدعاء ومكانته العظيمة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ مِنَ الدُّعَاءِ»، وقال ﷺ : «لَا يَرُدُّ القَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي العُمْرِ إِلَّا البِرُّ» (١)، وقال ﷺ : «وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاء» الحديث (٢). وكثرة الدعاء والالتجاء إلى الله مرتبط كذلك بقضية عظيمة التي سيكون الحديث عنها في علامة تعلق القلب بالله الآتية: ٧ - يخاف على قلبه من التقلب، فلا يأمن مكر الله: من العلامات الدالة على تعلق القلب بربه: خوفه على قلبه من التقلب، وعدم أمنه من مكر الله؛ لأن الأمن من مكر الله من صفات أهل الخسارة الذين غفلوا عن الله، ونسوا يوم الحساب، وتمادوا في غيهم وضلالهم، يقول تعالى محذرًا منهم ومنذرًا: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩].

стр. 387

ومكر الله هو بأسه ونقمته وقدرته عليهم، فيستدرجهم من حيث لا يعلمون، ويأخذهم في حال غفلتهم وسهوهم (١)، ولا يأمن ذلك إلا أهل الغفلة أصحاب القلوب المريضة، قال الحسن البصري ﵀: "المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق وجل خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن" (٢). وقال أيضًا ﵀ في مقارنة بين حال عباد الله المؤمنين وحال المنافقين، فذكر أن المؤمنين عملوا لله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم: "إن المؤمن جمع إيمانًا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنًا" (٣). وقال السعدي ﵀ عن قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]: "وهذه الآية الكريمة فيها من التخويف البليغ على أن العبد لا ينبغي له أن يكون آمنًا على ما معه من الإيمان" (٤). بل لا يزال خائفًا وجلًا أن يبتلى ببلية تسلب ما معه من الإيمان، وأن لا يزال داعيًا أن يثبت قلبه على دينه إلى أن يلقاه غير مغير ولا مبدل، دائمًا يلهج بالدعاء الذي كان يكثر منه النبي ﷺ ، فعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟! قَالَ: «نَعَمْ؛ إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ». تجد المؤمن يعمل ويسعى في كل سبب يخلصه من الشر عند وقوع الفتن، فإن العبد -ولو بلغت به الحال ما بلغت- فليس على يقين من

стр. 388

السلامة (١). ولذا يخاف المؤمن على قلبه من الزيغ، فهو دائم الدعاء بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]. ٨ - كثرة التوبة والاستغفار: ومن علامات تعلق القلب بالله تعالى: كثرة التوبة والاستغفار، فقلب الداعية الموصول بربه يشعر بتقصيره في حق ربه، ويشعر بأثر الذنب، فهو دائم الاستغفار والتوبة، كما قال تعالى عن عباده المتقين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. وها هو سيد المرسلين وإمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، يستغفر في المجلس الواحد ويطلب من ربه أن يتوب عليه مائة مرة، كما في الحديث عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ: «رَبِّ، اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» (٢).

стр. 389

وهو الذي قال الله له: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، ومع هذا يستغفر ربه ويطلب منه أن يتوب عليه بهذا العدد في مجلس واحد، فكيف بمن عداه من أهل الذنوب؟! فإذا أراد الداعية أن يفتح الله عليه في دعوته، ويزيده قوة إلى قوته، فليكثر من التوبة والاستغفار الذي يواطئ فيه القلب اللسان، قال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ الآية [هود: ٥٢]. وقد سبق الكلام على الاستغفار والتوبة (١).

стр. 390

المبحث السابع: الزهد في الدنيا وتعلق القلب بالآخرة المطلب الأول: حقيقة الدنيا من خلال نصوص الكتاب والسنة. المطلب الثاني: مشاهد من بيت النبوة تبين حقيقة الدنيا، وكيف تعامل معها ﷺ . المطلب الثالث: من آثار تعلق القلب بالآخرة. المطلب الرابع: تنبيهات مهمة حول علاقة المسلم بالدنيا من خلال الميزان الشرعي الصحيح.
следующие страницы →