← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 978

أثر أعمال القلوب على الداعية والدعوة

إبراهيم بن حسن الحضريتي

Полный текст (777 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

للتقوى كما قال تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، وقال تعالى عن أثر التقوى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، ومن كان هذا حاله تيسرت له الحكمة ووفق لها. ولحب الله للعدل جاءت النصوص مرغبة فيه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨]. ٤ - الرحمة واللين والرفق: من رزقه الله الرحمة واللين والرفق وفقه في أصابة الحكمة والقول بها؛ لأن هذه الأسباب تؤثر في خلق العبد، وتضبط نفسه من التسرع والانفعال الذي يتنافى مع الحكمة، فمن كانت صفاته غلظ القلب نفر الناس عنه، وانفضوا من حوله كما قال تعالى مرشدًا خيرة خلقه ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وفي الآية إشارة إلى أن لين قلب الداعية من أعظم أسباب إقبال المدعوين عليه، وأن في المقابل غلظ القلب سبب لنفور الناس عن الداعية مهما أوتي من القدرات

стр. 527

العلمية؛ لأن الغلظ -والله أعلم- ينزع منه الحكمة في التعامل مع الناس، فينفضون عنه. وقال تعالى في بيان مقصد رسالته ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وعن عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ اليَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ: وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ» (١). وعَنها ﵂: أَنَّ يَهُودَ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: عَلَيْكُمْ، وَلَعَنَكُمُ اللَّهُ، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ. قَالَ: «مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالعُنْفَ وَالفُحْشَ»، قَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟! قَالَ: «أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ؟! رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ» (٢). وعَنْ جَرِيرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ» (٣). وعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ» (٤).

стр. 528

وعَنها ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» (١). فهذه النصوص تبين أهمية الرفق مع الناس، فإذا اتصف الداعية إلى الله تعالى به فتح الله له مغاليق القلوب، ورزقه الحكمة وإصابة الحق في قوله وفعله. ٥ - الاستشارة: ومن أسباب الحكمة استشارة الداعية لأصحاب العلم والخبرة من أولي الألباب قبل أن يقدم على ما يريده من أمور الدعوة في الأمور التي تحتاج إلى اشتراك الرأي فيها، وبالأخص الأمور التي يعود نفعها أو ضررها على الجميع؛ ليوفق فيها للصواب، يقول ابن جرير ﵀ في ثمرة الاستشارة: "لأن المؤمنين إذا تشاوروا في أمور دينهم متبعين الحق في ذلك لم يخلهم الله من لطفه، وتوفيقه للصواب من الرأي والقول فيه" (٢). وإذا كانت الاستشارة مبنية على المحبة والتواد، وإرادة الجميع للصواب، من غير ميل إلى هوى، أو حيد عن هدى، فإن الله يوفقهم ويسددهم (٣). المطلب الثالث: من معالم فقه الحكمة في الدعوة وأساليبها (٤): حتى ينجح الداعية في دعوته لا بد أن يكون على اطلاع على معالم فقه الحكمة في الدعوة وأساليبها، وأشير إليه في هذه النقاط الآتية: أولًا: مراعاة التدرج: ومعنى التدرج في الدعوة: أن يراعي الداعية حال المدعوين، ويترقى بهم في الدعوة شيئًا فشيئًا، يبدأ بالأهم ثم المهم، حتى يصل بهم الغاية المقصودة، وفق طرق مشروعة

стр. 529

مخصوصة (١). ويدل على هذا المعلم قوله ﷺ لمعاذ ﵁ لما أرسله داعية إلى أهل اليمن: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ طَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ طَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ طَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ». وعلى الداعية أن يتعرف على أحكام التدرج التي تناسب المدعوين، فقضية التدرج في دعوة الكفار تختلف عن دعوة غيرهم. ثانيًا: معرفة طبائع النفوس: إن الحكمة في الدعوة تقتضي أن يعرف الداعية طبائع النفوس ليتعامل معها بالطريقة المناسبة، فالناس "متباينون في طبائعهم، مختلفون في مدركاتهم، في العلم والذكاء، في الأمزجة والمشاعر، مختلفون في الميول والاتجاهات؛ مما يدعو رجل العلم والدعوة إلى تخير المدخل -بل المداخل- المناسبة لتلك النفوس المختلفة والعقول المتباينة. نعم، إن فيهم الغضوب والهادئ، وفيهم المثقف والأمي، فيهم الوجيه وغير الوجيه" (٢)، ولكن إذا أحسنتَ تألف قلوبهم أقبلوا عليك، والذي لا يحسن التعامل مع طبائعهم المختلفة، ويعاملهم بطريقة واحدة، ينفرون منه كما تنفر الوحوش، ومما قيل

стр. 530

عن علي ﵁: القلوب وحشية، فمن تألفها أقبلت عليه" (١). يقول الشيخ صالح بن حميد (٢) حفظه الله في تعليقه على قول علي ﵁: "إنه يصورها ﵁ وكأنها دواب متوحشة، لا تعرف الألفة في طبعها، ويبدو هذا -والله أعلم- في ميدان النصائح والتوجيهات، فهل رأيت من يرضى أن تنسبه إلى جهل، أو عدم معرفة، أو سوء في التصرف؟! إن الإنسان يعظم عليه أن ينسب إلى الجهل؛ ولذا تراه يغضب إذا نبه على الخطأ، ويجتهد في مجاهدة الحق بعد معرفته خيفة انكشاف جهله. إنها في هذا الباب تنفر إذا قرب منها، بل لعلها بدافع الدفاع عن النفس تهجم وتؤذي، ومن كان صاحب حكمة وفطنة في ترويض الوحوش فهو المفلح -بتوفيق الله- في هداية الناس. وصاحب الترويض الناجح هو الذي يحرص على تلمس الجانب الطيب في نفوس الناس، وتقصد إلى شيء من العطف على أخطائهم وحماقاتهم .. شيء من العناية -غير المتصنعة- باهتماماتهم وهمومهم. وسوف يصل إلى مصدر النبع الخيّر في نفوسهم، وحينئذ يمنحونه حبهم وثقتهم. إن شيئًا من سعة الصدر والإحاطة بطبائع

стр. 531

النفوس كفيل بتحقيق الخير في الناس بنتيجة لا يظنها الكثيرون" (١). ثالثًا: مخاطبة الناس على قدر عقولهم: وفقه الحكمة في الدعوة يستدعي من الداعية أن يدرس واقع الناس، وأحوالهم، وقدراتهم العقلية؛ ليخاطبهم على قدر عقولهم؛ حتى يتمكن من التأثير فيهم، ويقبلون على دعوته، ولا ينفرون منها (٢)، وينبغي على الداعية الحكيم ألا يخاطب الناس بأمور أعلى من قدراتهم العقلية، فيحصل لبعضهم فتنة، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: «ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» (٣)، وقال علي ﵁: «حدثوا الناس بما يعرفون؛ أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟!» (٤). رابعًا: القول الحسن: من الحكمة مع المدعوين أن يتلطف بهم في الخطاب، وأن يقول القول الحسن الذي ينفذ إلى القلوب، ويقربها من الخير، قال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، يقول القرطبي ﵀: "وهذا كله حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينًا، ووجهه منبسطًا طلقًا مع البر والفاجر، والسني والمبتدع، من غير مداهنة، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه؛ لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤]، فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه" (٥).

стр. 532

خامسًا: معرفة فقه الموازنات: الداعية الحكيم لا بد أن يكون ملمًّا بفقه الموازنات؛ ليعرف قواعد الترجيح بين المصالح والمفاسد، وذلك لأن الشريعة جاءت "بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين، وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما" (١)، وليس العاقل -كما يقول شيخ الإسلام- "الذي يعلم الخير من الشر، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين، وينشد: إنَّ اللَّبِيبَ إذَا بَدَا مِنْ جِسْمِهِ مَرَضَانِ مُخْتَلِفَانِ دَاوَى الْأَخْطَرَا (٢) وهذا ثابت في سائر الأمور" (٣). سادسًا: مراعاة الوقت المناسب: ومن الحكمة في الدعوة أن يختار الداعية الأوقات المناسبة في وعظه وتذكيره للناس، حتى لا يملوا، ومما يدل على التخول بالموعظة ما ورد عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا؛ مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا" (٤).

стр. 533

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "حَدِّثِ الْقَوْمَ مَا حَدَجُوكَ (١) بِأَبْصَارِهِمْ، وَأَقْبَلَتْ عَلَيْكَ قُلُوبُهُمْ، فَإِذَا انْصَرَفَتْ عَنْكَ قُلُوبُهُمْ، فَلا تُحَدِّثْهُمْ"، قِيلَ: وَمَا عَلامَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "إِذَا الْتَفَتَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَرَأَيْتَهُمْ يَتَثَاءَبُونَ، فَلا تُحَدِّثْهُمْ" (٢). وَعَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «حَدِّثِ النَّاسَ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ أَبَيْتَ فَمَرَّتَيْنِ، فَإِنْ أَكْثَرْتَ، فَثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَلا تُمِلَّ النَّاسَ هَذَا الْقُرْآنَ، وَلا أُلْفِيَنَّكَ تَأْتِي الْقَوْمَ وَهُمْ فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ، فَتَقُصُّ عَلَيْهِمْ، فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ، فَتُمِلَّهُمْ، وَلَكِنْ أَنْصِتْ، فَإِذَا أَمَرُوكَ، فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ» (٣). سابعًا: الأصل التعريض لا التصريح: ومعنى التعريض: خلا ف التصريح، وهو ما يفهم به السامع المراد من غير تصريح بالقول (٤). والتعريض من الأساليب الحكيمة المؤثرة في النفوس التي يوفق الله لها أصحاب القلوب الرحيمة، فمن رزق هذا الأسلوب استطاع أن يغير في واقع المدعوين، وكسب قلوبهم، فأما أسلوب التصريح فإنه يؤدي إلى النفور من النصيحة، والتبجح بالمجاهرة، ويهيّج النفس على الإصرار والعناد. أما التعريض فإنه يستميل النفوس الفاضلة (٥)، ويكبح جماح نفور النفس، فتقبل على الدعوة راغبة طالبة؛ ولذا كان المنهج النبوي

стр. 534

يقوم على التعريض في الغالب، يقول ﷺ : «مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا؟! .. » (١). وإن كان هناك بعض الحالات لا ينفع فيها إلا التصريح دون التعريض، وهذا يرجع إلى توفيق الله للعبد للحكمة؛ ليتعامل مع كل حالة بما يناسبها. ثامنًا: المداراة لا المداهنة: المداراة صورة من صور التعامل الدال على الحكمة، والموصل إلى المقصود، مع حفظ كرامة ومروءة الداعية والمدعو (٢). والمداراة تعني لين الكلمة وترك الإغلاظ في القول للناس، وتألفهم. ومن أمثلتها دفع شر الظالم المتسلط بغير العنف، كالملاطفة ودفع المال ونحو ذلك (٣). وقال ابن بطال (٤) ﵀: "المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة وسل السخيمة (٥) " (٦).

стр. 535

وبوب البخاري ﵀ في صحيحه فقال: "باب المداراة مع الناس"، وأورد فيه أثرًا عن أبي الدرداء ﵁: «إِنَّا لَنَكْشِرُ (١) فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ» (٢)، وحديث عائشة ﵂: أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: «ائْذَنُوا لَهُ، فَبِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ» أَوْ: «بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ»، فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الكَلَامَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتَ مَا قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ فِي القَوْلِ! فَقَالَ: «أَيْ عَائِشَةُ، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ تَرَكَهُ -أَوْ: وَدَعَهُ- النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ» (٣). وفرق ابن بطال ﵀ بين المداراة والمداهنة بقوله: "وقال بعض العلماء: وقد ظن من لم ينعم النظر أن المداراة هي المداهنة، وذلك غلط؛ لأن المداراة مندوب إليها والمداهنة محرمة، والفرق بينهما بيّن، وذلك أن المداهنة اشتق اسمها من الدهان الذي يظهر على ظواهر الأشياء ويستر بواطنها، وفسرها العلماء فقالوا: المداهنة هي أن يلقى الفاسق المظهر لفسقه فيؤالفه ويؤاكله ويشاربه، ويرى أفعاله المنكرة ويريه الرضا بها، ولا ينكرها عليه، ولو بقلبه وهو أضعف الإيمان، فهذه المداهنة التي برأ الله منها نبيه ﵇ بقوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]. والمداراة هي الرفق بالجاهل الذي يستتر بالمعاصي، ولا يجاهر بالكبائر، والمعاطفة في رد أهل الباطل إلى مراد الله بلين ولطف؛ حتى يرجعوا عما هم عليه" (٤).

стр. 536

تاسعًا: إقالة العثرات وغض الطرف عن الأخطاء: يقول الشيخ صالح بن حميد حفظه الله: "إقالة العثرات، والغض عن الأخطاء، وأسلوب المداراة المتقرر في الفقرة السابقة، يقود إلى غض الطرف عن أخطاء المقصرين ما دام طريقًا لاستصلاحهم، وإقالة عثرات العاثرين إذا كانوا كرامًا ذوي هيئات، أو كان ذلك سبيلًا إلى دفنها وتقليلها" (١). ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما حصل من حاطب بن أبي بلتعة ﵁، فعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا مَرْثَدٍ الغَنَوِيَّ وَالزُّبَيْرَ بْنَ العَوَّامِ، وَكُلُّنَا فَارِسٌ، قَالَ: «انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ (٢)، فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنَ المُشْرِكِينَ، مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى المُشْرِكِينَ». فَأَدْرَكْنَاهَا تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، حَيْثُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْنَا: الكِتَابُ، فَقَالَتْ: مَا مَعَنَا كِتَابٌ، فَأَنَخْنَاهَا فَالْتَمَسْنَا فَلَمْ نَرَ كِتَابًا، فَقُلْنَا: مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ أَوْ لَنُجَرِّدَنَّكِ، فَلَمَّا رَأَتِ الجِدَّ أَهْوَتِ إلى حُجْزَتِهَا، وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ، فَأَخْرَجَتْهُ، فَانْطَلَقْنَا بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، فَدَعْنِي فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟» قَالَ حَاطِبٌ: وَاللَّهِ، مَا بِي أَنْ لَا أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ ، أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ القَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ إِلَّا لَهُ هُنَاكَ مِنْ عَشِيرَتِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «صَدَقَ، وَلَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا»، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، فَدَعْنِي فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟!» فَقَالَ: «لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الجَنَّةُ»، أَوْ:

стр. 537

«فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»، فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ، وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ (١). المطلب الرابع: عوائق الحكمة (٢): فكما سبق أن للحكمة أسبابًا، من أتى بها وجاهد نفسه على العمل بها وفقه الله للحكمة ورزقه إياها، وفي مقابل هذا من وقع في عوائق الحكمة حرم منها ولم يوفقه الله لها، وهذه بعض العوائق في طريق الحكمة: ١ - الجهل: الجهل يعيق عن الحكمة، ويوقع صاحبه في المزالق الخطيرة، والجاهل ما يفسده أكثر مما يصلحه، وكم يُجَرّ على الدعوة من انحرافات بسبب الجهل، وقد ذكر الله في كتابه أن مما يعوق الإنسان عن الحق ويوقعه في رده والبعد عنه الجهل، قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. وقد سبق الكلام على هذا الموضوع (٣). ٢ - الهوى وعدم التجرد: ومما يضاد الحكمة ويعمي القلب عنها الوقوع في الهوى، قال تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ

стр. 538

سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]. وقد سبق الكلام عن الهوى (١). ٣ - ضعف التعامل مع الأدلة الشرعية: وذلك يرجع إلى الجهل، والهوى وعدم التجرد لله، وقلة التقوى، فاذا أصيب الداعية بهذه الأمور لم يرزقه الله الحكمة في التعامل مع أدلة الشرع. وهذا العائق يندرج تحته مجموعة من الأسباب، منها: الأول: ضعف المعرفة بالقرآن من ناحية: ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله (٢). والذي يجهل هذه العلوم لا يوفق للحكمة في فهم القرآن الكريم، ويؤدي إلى تأوُّله على غير مراد الله ورسوله. الثاني: عدم الجمع بين الأدلة. ويقع في هذا من أصيب بداء العجلة، وأصاب قلبه الهوى؛ لأنه إذا صبر وتجرد لله وجمع بين الأدلة وفهم مراد الله من مجموعها، يوفقه الله للحكمة في التعامل مع هذه الأدلة، فلا يسقطه الشيطان في مرض الهوى وغوائله. الثالث: الاستدلال بالدليل في غير موضعه. ويقع في هذا من أصيب بداء الجهل، وعدم فهم مراد الله من النص، والتسرع في الفتوى بسبب العجلة في تنزيل الدليل على الواقعة بدون تأمل وطلب للتوفيق من الله، وينبغي على من يقوم بمهمة تعليم الناس والإفتاء أن يستلهم عون الله، ويستنزل توفيقه

стр. 539

له وإعانته، بالدعاء والتضرع في أن يلهمه الله الصواب، فمتى قرع هذا الباب فقد قرع باب التوفيق، فعليه أن يوجه قلبه ونظره إلى منبع الهدى والرشد والصواب إلى النصوص من القرآن والسنة وآثار الصحابة، فيستفرغ وسعه في تعرف حكم تلك النازلة منها، فإن ظفر بذلك أخبر به، وإن اشتبه عليه بادر إلى التوبة والاستغفار والإكثار من ذكر الله، فإن العلم نور الله يقذفه في قلب عبده، والهوى والمعصية رياح تعصف بذلك النور، فتطفئه أو تكاد، ولا بد أن تضعفه (١). ويقول ابن القيم عن شيخه ابن تيمية ﵀: "وشهدت شيخ الإسلام إذا أعيته المسائل واستعصت عليه فر منها إلى التوبة والاستغفار والاستغاثة بالله واللجأ إليه، واستنزال الصواب من عنده، والاستفتاح من خزائن رحمته، فقلما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليه مدًّا، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيَّتهن يبدأ، ولا ريب أن من وفق لهذا الافتقار علمًا وحالًا، وسار قلبه في ميادينه حقيقة وقصدًا، فقد أعطي حظه من التوفيق، ومن حرمه فقد منع الطريق والرفيق، فمتى أعين مع هذا الافتقار ببذل الجهد في درك الحق، فقد سلك به الصراط المستقيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم" (٢). ٤ - العجلة وعدم ضبط النفس: إن العجلة وعدم ضبط النفس من الصفات المذمومة التي تتنافى مع حكمة الداعية، وتجر الدعوة إلى مزالق خطره، وفي الغالب تؤدي إلى تصادم الداعية مع الناس؛ ولذا جاء ذم العجلة وأنها من الشيطان، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «التَّأَنِّي مِنَ اللَّهِ، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَان» (٣).

стр. 540

وقال المناوي في شرحه لهذا الحديث: "أي: هو الحامل عليها بوسوسته؛ لأن العجلة تمنع من التثبت والنظر في العواقب" (١). وقال ابن القيم في ذم العجلة: "ولهذا كانت العجلة من الشيطان، فإنها خفة وطيش وحدة في العبد تمنعه من التثبت والوقار والحلم، وتوجب له وضع الأشياء في غير مواضعها، وتجلب عليه أنواعًا من الشرور، وتمنعه أنواعًا من الخير، وهي قرين الندامة فقل من استعجل إلا ندم" (٢). وكذلك من الصفات التي تنافي الحكمة عدم ضبط النفس عند تعرض الداعية لمواقف يستفزّ فيها، بل ينبغي عليه كظم غيظه، وعدم الغضب لنفسه، قال تعالى في وصف عباده المتقين: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ جُرْعَةٍ أَعْظَمُ أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ كَظَمَهَا عَبْدٌ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ» (٣).

стр. 541

وعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنفذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الحُورِ شَاءَ» (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ». وسيأتي مزيد بيان لآفة الاستعجال (٢). ٥ - الخلل في فقه الموازنات: إن الخلل في فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد في التقديم والدرء يعود بآثاره السلبية على الداعية في دعوته، فلا يصيب الحكمة، فتتعثر دعوته، وقد سبق الكلام على هذا (٣). ٦ - ضيق الأفق وسطحية التفكير: وهذه الصفة تتنافى مع حكمة الداعية، بل توقع الداعية في أمور تخل بدعوته، وتمكن للأعداء من التسلط عليه، وصرفه عن المنهج الصحيح في الدعوة، ولذلك

стр. 542

مظاهر منها: أ - التسرع في إطلاق الأحكام على الأشخاص والهيئات من غير تثبت وروية. ب - عدم إلمامه بفقه الواقع الذي يعايشه، فلا يدرك خطر الأعداء وكيدهم، ولا يحذر من مكرهم، وغفلته عن ذلك، وربما يستخدمه أعداء الدعوة لضربها وهو لا يشعر. ت - الفوضوية والارتجال في المواقف بدون دراسة كافية، والبعد عن التخطيط لدعوته. ٧ - الاستبداد بالرأي وعدم الاستشارة. ومن أسباب انعدام الحكمة عند الداعية، أن يستبد برأيه ولا يستشير، وبالذات في الأمور التي يترب عليها مصالح أو مفاسد على الدعوة. وبعض من ينتسب إلى الدعوة يرى في استشارة الآخرين نقص في قدره عند أتباعه، وربما ردد بعض العبارات التي يظهر منها إعتداده بنفسه كقوله هم رجال ونحن رجال، فقد تكون هذه الأمور يحرم الداعية بسببها من الحكمة في الأمر الذي يريد القيام به، وكم جر من هذه التصرفات من خطر على الدعوة، فقد يتمكن الشيطان وأعوانه من التسلط على الدعوة وأهلها بسبب هذا الخلل.

стр. 543

المبحث الخامس: الدعوة إلى الله بالموعظة الحسنة المطلب الأول: تعريف الموعظة الحسنة. المطلب الثاني: صفات تمكن الداعية من الموعظة الحسنة. المطلب الثالث: نموذج على الموعظة الحسنة.

стр. 544

المبحث الخامس: الدعوة إلى الله بالموعظة الحسنة توطئة: قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. فإذا حقق الداعية عمل القلب وجاهد نفسه وحاسبها على ذلك، وفقه الله لأن يتميز في هذه الأساليب في دعوته، فيختار المناسب منها لمن يدعوه، ولا شك أن الموعظة الحسنة منهج نبوي وأسلوب دعوي مؤثر، وبقدر صدق الداعية وإخلاصه لربه يكون لموعظته الأثر الكبير في قلب من يدعوه. وسيكون الكلام عن الموعظة الحسنة من خلال المطالب الآتية: المطلب الأول: تعريف الموعظة الحسنة. المطلب الثاني: صفات تمكن الداعية من الموعظة الحسنة. المطلب الثالث: نموذج على الموعظة الحسنة. وفيما يلي تفصيل ذلك: المطلب الأول: تعريف الموعظة الحسنة: أولًا: التعريف اللغوي: ١ - تعريف الموعظة: من وعظ، تقول: وعظته وعظًا وعِظَة فاتَّعظ، أي: قبل الموعظة.

стр. 545

والوعظ: النصح، والتخويف، والتذكير بالعواقب، وبالخير، وما يرق له القلب من ثواب وعقاب (١). ٢ - تعريف الحسنة: من الحسن وهو: ضد القبح (٢). ثانيًا: التعريف الاصطلاحي: يقول البغوي ﵀ في معنى الموعظة الحسنة: "وقيل: الموعظة الحسنة هي الدعاء إلى الله بالترغيب والترهيب. وقيل: هو القول اللين الرقيق، من غير غلظة ولا تعنيف" (٣). ويقول الشوكاني ﵀: "والموعظة الحسنة وهي المقالة المشتملة على الموعظة الحسنة التي يستحسنها السامع، وتكون في نفسها حسنة باعتبار انتفاع السامع بها" (٤). ويقول السعدي ﵀ عن الموعظة الحسنة: "الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب" (٥). ويقول ابن عاشور (٦) ﵀: "والموعظة: القول الذي يلين نفس المقول له لعمل

стр. 546

الخير .. ووصفها بالحسن تحريض على أن تكون لينة مقبولة عند الناس" (١). ولقد جاءت النصوص بالحث على حسن الموعظة، فقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. يقول ابن القيم ﵀: "أطلق الحكمة ولم يقيدها بوصف الحسنة؛ إذ كلها حسنة، ووصف الحسن لها ذاتي، وأما الموعظة فقيدها بوصف الإحسان؛ إذ ليس كل موعظة حسنة" (٢). وقال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]. وقال تعالى لموسى وهارون لما أرسلهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]؛ ليكون ذلك منهجًا للدعاة إلى الله تعالى. ويحسن هنا أن أورد كلامًا سبق ذكره للإمام القرطبي ﵀ عن القول الحسن مع الناس، فقال عند قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]: "وهذا كله حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينًا، ووجهه منبسطًا طلقًا مع البر والفاجر، والسني والمبتدع، من غير مداهنة، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه؛ لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤]، فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه" (٣).

стр. 547

المطلب الثاني: صفات تمكن الداعية من الموعظة الحسنة (٤): هناك صفات لا بد من توفرها في الداعية حتى تكون مواعظه حسنة، من أهمها على سبيل الإجمال، وقد مرت الإشارة إلى بعضها وسيأتي البعض الآخر: ١ - الصدق والإخلاص. ٢ - حرصه على نصح المدعوين. ٣ - أن يكون قدوة حسنة. ٤ - الحرص على التمكن العلمي. ٥ - التخول بالموعظة والقصد فيها. ٦ - البعد عن التشهير. ٧ - أن يكون ملمًّا بفقه الدعوة القائم على البصيرة والحكمة. ٨ - الرحمة واللين. فالرحمة واللين لهما ارتباط وثيق بحسن مواعظ الداعية خاصة، وهما خلقان عظيمان، قال تعالى في بيان أثرهما على المدعوين في إقبالهم على الدعوة والتفافهم حول الداعية: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. يقول السعدي ﵀: "فهذه أخلاقه ﷺ ، أكمل الأخلاق، التي يحصل بها من المصالح العظيمة ودفع المضار ما هو مشاهد، فهل يليق بمؤمن بالله ورسوله ويدّعي اتباعه والاقتداء به أن يكون كلًّا على المسلمين، شرس الأخلاق، شديد الشكيمة عليهم، غليظ القلب، فظ القول، فظيعه؟! وإن رأى منهم معصية، أو سوء أدب، هجرهم، ومقتهم، وأبغضهم، لا لين عنده، ولا أدب لديه، ولا توفيق، قد حصل من

стр. 548

هذه المعاملة من المفاسد وتعطيل المصالح ما حصل، ومع ذلك تجده محتقرًا لمن اتصف بصفات الرسول الكريم، وقد رماه بالنفاق والمداهنة، وقد كمّل نفسه ورفعها، وأعجب بعمله، فهل هذا إلا من جهله، وتزيين الشيطان وخدعه له؟! " (١). وبرحمته ولينه وكريم خلقه ﷺ جذب القلوب إليه أشد من جذب المغناطيس لبرادة الحديد، تعلقت به القلوب وأحبته حبًّا عظيمًا يفوق حب النفس والوالد والولد والناس جميعًا والمال. يقول عمرو بن العاص ﵁ في حبه لرسول ﷺ : "وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ؛ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ" (٢). ويقول عروة بن مسعود الثقفي ﵁ لقريش وهو يصف محبة أصحاب النبي ﷺ له: "أَيْ قَوْمِ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى المُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُحَمَّدًا، وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ" (٣). وهكذا الداعية الذي يقتدي بنبيه ﷺ ويسير على منهجه في الرحمة بالمدعوين واللين معهم في مواعظه وتعامله، فيؤدّي ذلك إلى قبول الناس لدعوته، وتنفذ مواعظه إلى قلوبهم، ويقبلون عليها، كما يقبل العطشان على الماء البارد.

стр. 549

٩ - الرفق: والرفق خلق عظيم يرتبط ارتباطاً وثيقاً باللين والرحمة، وهو من الصفات التي تمكن الداعية من الحسن في الموعظة، ومعناه: "لين الجانب بالقول والفعل والأخذ بالأسهل، وهو ضد العنف" (١)، فعَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ». وعَنْ جَرِيرٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ» (٢). وفي رواية للحديث: يقول ﷺ : «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ كُلَّهُ» (٣). وإذا كان الداعية يتصف بالرفق تجده يحسن القول في وعظه؛ لأن خلق الرفق يمنع من سوء القول في الموعظة، بل يحرص على حسن الموعظة، وعلى الرفق بالمدعوين في تصحيح أخطائهم أو في دعوتهم إلى الخير، فيجعل الله لمواعظه القبول والأثر الحسن. المطلب الثالث: نموذج على الموعظة الحسنة: ودونك هذا النموذج العظيم الذي يظهر فيه أثر الموعظة الحسنة على المخاطبين، فآثرت أن أنقله كما هو بدون تعليق عليه؛ لأن تعليقي أحسب أنه يذهب روعته: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ، حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمُ الْقَالَةُ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: لَقِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَوْمَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ، قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ،

стр. 550

وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الْأَنْصَارِ شَيْءٌ، قَالَ: «فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَنَا إِلَّا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي، وَمَا أَنَا؟! قَالَ: «فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ»، قَالَ: فَخَرَجَ سَعْدٌ، فَجَمَعَ الْأَنْصَارَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ، قَالَ: فَجَاءَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَتَرَكَهُمْ، فَدَخَلُوا وَجَاءَ آخَرُونَ، فَرَدَّهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ: قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، ثُمَّ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ؟ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللهُ، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللهُ، وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ؟!»، قَالُوا: بَلِ اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ، قَالَ: «أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ؟!» قَالُوا: وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ؟! قَالَ: «أَمَا وَاللهِ، لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ: أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَعَائِلًا فَآسَيْنَاكَ، أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ -يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ- فِي لُعَاعَةٍ (١) مِنَ الدُّنْيَا، تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ؟! أَفَلَا تَرْضَوْنَ -يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ- أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ فِي رِحَالِكُمْ؟! فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ، اللهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصَارَ، وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ»، قَالَ: فَبَكَى الْقَوْمُ، حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ (٢)، وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللهِ قسْمًا وَحَظًّا، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَفَرَّقُوا (٣).

стр. 551

المبحث السادس: المجادلة بالتي هي أحسن المطلب الأول: تعريف الجدل. المطلب الثاني: أسباب تمكن الداعية من الجدل المحمود، وضوابطه. المطلب الثالث: مثال على المجادلة بالتي هي أحسن.

стр. 552

المبحث السادس: المجادلة بالتي هي أحسن توطئة: قال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] هناك صنف من المدعوين لا ينفع معهم الأساليب السابقة، بل يحتاجون إلى نوع من المجادلة لهم؛ لأنهم يعتقدون أن ما هم عليه هو الحق، فلديهم شبهة تحول بينهم وبين الصواب، أو أنهم من أهل الباطل الذين يدعون إلى باطلهم، فعلى الداعية إلى الله أن يتعامل مع كل نوع من هؤلاء بما يناسبه من المجادلة بالتي هي أحسن، فيبين للأول بطلان ما يعتقده بتفنيد تلك الشبه التي حالت بينه وبين الحق، ومع النوع الداعي إلى الباطل، "فيجادل بالتي هي أحسن، وهي الطرق التي تكون أدعى لاستجابته عقلًا ونقلًا. ومن ذلك الاحتجاج عليه بالأدلة التي كان يعتقدها، فإنه أقرب إلى حصول المقصود، وأن لا تؤدي المجادلة إلى خصام أو مشاتمة تذهب بمقصودها، ولا تحصل الفائدة منها، بل يكون القصد منها هداية الخلق إلى الحق لا المغالبة ونحوها" (١). ولا شك أن لعمل القلب أثره على الداعية في مناظرته ومجادلته بالتي هي أحسن، فله أثره العظيم في توفيق الله للداعية وإعانته وتسديده. وسيكون الكلام في هذا المبحث وفق المطالب الآتية:

стр. 553

المطلب الأول: تعريف الجدل. المطلب الثاني: أسباب تمكن الداعية من الجدل المحمود، وضوابطه. المطلب الثالث: مثال على المجادلة بالتي هي أحسن. المطلب الأول: تعريف الجدل: الجدل لغة: يطلق على عدة معان، منها: الخصومة، فيقال: جادله أي: خاصمه، ويطلق على إحكام الفتل، فتقول: جدلت الحبل أجدله جدلًا، أي: فتلته فتلًا محكمًا، ويطلق على الصرع، يقال: جدلته فانجدل صريعًا، وهو مجدول، ويطلق على مراجعة الكلام (١). والجدل في الاصطلاح: عرفه الراغب بقوله: "المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة" (٢). وعرفه ابن منظور فقال: "مقابلة الحجة بالحجة" (٣). وقال الجرجاني: "الجدل: دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجة، أو شبهة، أو يقصد به تصحيح كلامه" (٤). والذي يظهر أن كل تعريف مما سبق راعى جانبًا من جوانب الجدل، وأغفل الجانب الآخر، وبناء عليه فأقول: الجدل محاورة من تريد أن تدله على الخير، أو تدفع باطله، بإبطال حججه، والرد على شبهه، إظهارًا للحق ودفعًا للباطل. المطلب الثاني: أسباب تمكن الداعية من الجدل المحمود، وضوابطه: وسأوردها مجملة لأن المقام ليس مقام التفصيل، فمن أراد التوسع فليرجع إلى

стр. 554

المراجع التي اعتنت بذلك (١). ١ - النية الخالصة الصادقة. ٢ - تسلحه بالعلم الشرعي. ٣ - تمكنه من علم الجدل والمناظرة. ٤ - اطلاعه على ما عند من يريد مجادلته من باطل وشبهات. إضافة إلى ما سبق فهناك أيضًا ضوابط مهمة لنجاح الداعية في مجادلته بالتي هي أحسن، ومن ذلك: ١ - الاتفاق قبل المجادلة على قواعد ينطلق منها الحوار والنقاش، ومن ذلك: أ- الرد إلى الكتاب والسنة عند الاختلاف. ب- تقديم النقل ونصوصه على العقل وظنونه. ٢ - التحلي بالأخلاق الإسلامية أثناء الجدال، من القول المهذب، واحترام الآخرين، والبعد عن التجريح، وعن الطعن واللمز والسخرية. ٣ - أن يكون الهدف من المجادلة إظهار الحق، والإقناع به، والتحذير من الباطل، وعدم التلبيس. ٤ - الحذر من الانتصار للنفس، أو الأشخاص، وإيهام الناس أنه ينتصر للحق. ٥ - ألا يكون المجادل عنده قلق، واضطراب نفسي، أو تعكر في المزاج، حتى لا ينعكس ذلك سلبًا على مناظرته.

стр. 555

٦ - البعد عن الإيجاز المخل عند عرضه لحججه، أو تفنيده للشبه، وكذلك البعد عن الإسهاب في ذلك، حتى يخرج عن الأمر الذي عقدت من أجله المناظرة. ٧ - توطين نفسه على قبول الحق والأخذ به إذا ظهر ذلك عند مناظِره. ٨ - حسن الاستماع لكلام الخصم. ٩ - التحلي بالعدل والإنصاف. المطلب الثالث: مثال على المجادلة بالتي هي أحسن: ودونك هذا المثال العظيم على المجادلة بالتي هي أحسن، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. يقول السعدي ﵀ في تفسيره لهذه الآية: " ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ أي: إلى جرائته وتجاهله وعناده ومحاجته فيما لا يقبل التشكيك، وما حمله على ذلك إلا ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾، فطغى وبغى، ورأى نفسه مترئسًا على رعيته، فحمله ذلك على أن حاج إبراهيم في ربوبية الله، فزعم أنه يفعل كما يفعل الله، فقال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: هو المنفرد بأنواع التصرف، وخص منه الإحياء والإماتة لكونهما أعظم أنواع التدابير، ولأن الإحياء مبدأ الحياة الدنيا والإماتة مبدأ ما يكون في الآخرة، فقال ذلك المحاج: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾، ولم يقل: أنا الذي أحيي وأميت؛ لأنه لم يدع الاستقلال بالتصرف، وإنما زعم أنه يفعل كفعل الله ويصنع صنعه، فزعم أنه يقتل شخصًا فيكون قد أماته،

стр. 556

ويستبقي شخصًا فيكون قد أحياه، فلما رآه إبراهيم يغالط في مجادلته ويتكلم بشيء لا يصلح أن يكون شبهة فضلًا عن كونه حجة، اطرد معه في الدليل (١)، فقال إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ﴾ أي: عيانًا يقر به كل أحد حتى ذلك الكافر، ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾، وهذا إلزام له بطرد دليله إن كان صادقًا في دعواه، فلما قال له أمرًا لا قوة له في شبهة تشوش دليله، ولا قادحًا يقدح في سبيله، ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ أي: تحير فلم يرجع إليه جوابًا، وانقطعت حجته وسقطت شبهته، وهذه حالة المبطل المعاند الذي يريد أن يقاوم الحق ويغالبه، فإنه مغلوب مقهور، فلذلك قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ بل يبقيهم على كفرهم وضلالهم، وهم الذين اختاروا لأنفسهم ذلك، وإلا فلو كان قصدهم الحق والهداية لهداهم إليه، ويسر لهم أسباب الوصول إليه، ففي هذه الآية برهان قاطع على تفرد الرب بالخلق والتدبير، ويلزم من ذلك أن يفرد بالعبادة والإنابة والتوكل عليه في جميع الأحوال" (٢).

стр. 557

المبحث السابع: الحرص على هداية الناس لقد ذكر الله في كتابه حرص الأنبياء على هداية الناس، ومن ذلك حرص نوح ﵇ على هداية قومه ودعوتهم، فقال تعالى عنه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح: ١ - ٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤]. وتلاحظ ملامح حرصه ﵇ على هداية قومه واضحة جلية، ومن ذلك: ١ - إنذاره لقومه من قبل يأتيهم العذاب الشديد. ٢ - وضوح دعوته. ٣ - تنوع أساليب الدعوة. ٤ - الصبر على دعوتهم، والحرص على ذلك قرونًا عديدة. وذكر الله في كتابه الكثير من أمثلة حرص الأنبياء على هداية أقوامهم، وهذا أمر واضح بين في دعوتهم لأقوامهم؛ ليكون ذلك منهجًا لكل من يقتدي بهم، ويسير على

стр. 558

طريقهم من الدعاة إلى الله تعالى. ومن أبرز الأمثلة على الحرص الشديد على هداية الناس ما كان من نبينا ﷺ ، فقد أخبر الله في كتابه عن ذلك فقال : ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦]. يقول الشيخ السعدي ﵀: "ولما كان النبي ﷺ حريصًا على هداية الخلق، ساعيًا في ذلك أعظم السعي، فكان ﷺ يفرح ويسر بهداية المهتدين، ويحزن ويأسف على المكذبين الضالين، شفقة منه ﷺ عليهم، ورحمة بهم، أرشده الله أن لا يشغل نفسه بالأسف على هؤلاء، الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، وقال: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، وهنا قال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي: مهلكها غمًّا وأسفًا عليهم؛ وذلك أن أجرك قد وجب على الله، وهؤلاء لو علم الله فيهم خيرًا لهداهم، ولكنه علم أنهم لا يصلحون إلا للنار، فلذلك خذلهم، فلم يهتدوا، فإشغالك نفسك غمًّا وأسفًا عليهم ليس فيه فائدة لك. وفي هذه الآية ونحوها عبرة، فإن المأمور بدعاء الخلق إلى الله، عليه التبليغ والسعي بكل سبب يوصل إلى الهداية، وسد طرق الضلال والغواية بغاية ما يمكنه، مع التوكل على الله في ذلك، فإن اهتدوا فبها ونعمت، وإلا فلا يحزن ولا يأسف، فإن ذلك مضعف للنفس، هادم للقوى، ليس فيه فائدة، بل يمضي على فعله الذي كلف به وتوجه إليه، وما عدا ذلك فهو خارج عن قدرته، وإذا كان النبي ﷺ يقول الله له: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، وموسى ﵇ يقول: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ الآية [المائدة: ٢٥]، فمن عداهم من باب أولى وأحرى، قال تعالى:

стр. 559

﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١، ٢٢] " (١). والحرص على هداية الناس يدل على قلب رحيم مشفق على العباد، يريد الخير لهم، والنجاة من العذاب، وقد جاء في السنة أمثلة على حرصه ﷺ الشديد على هداية الناس، فمن ذلك ما يرويه ابن عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى البَطْحَاءِ، فَصَعِدَ إِلَى الجَبَلِ فَنَادَى: «يَا صَبَاحَاهْ»، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ حَدَّثْتُكُمْ أَنَّ العَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أَوْ مُمَسِّيكُمْ؟ أَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ»، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟! تَبًّا لَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] إِلَى آخِرِهَا (٢). وعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا فَقَالَ: يَا قَوْمِ، إِنِّي رَأَيْتُ الجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ العُرْيَانُ (٣)، فَالنَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلَجُوا (٤)، فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهَلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ

стр. 560

أَطَاعَنِي فَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ بِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الحَقِّ» (١). وعن أَبُي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ (٢) الَّتِي فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ (٣) فِيهَا»، قَالَ: «فَذَلِكُمْ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ، أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ (٤) عَنِ النَّارِ: هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، فَتَغْلِبُونِي تَقَحَّمُونَ فِيهَا» (٥). ولخص الإمام النووي مقصود إيراد الحديث بقوله ﵀: "ومقصود الحديث أنه ﷺ شبه تساقط الجاهلين والمخالفين بمعاصيهم وشهواتهم في نار الآخرة، وحرصهم على الوقوع في ذلك مع منعه إياهم، وقبضه على مواضع المنع منهم بتساقط الفراش في نار الدنيا لهواه وضعف تمييزه، وكلاهما حريص على هلاك نفسه ساع في ذلك لجهله" (٦). وهذا مثل آخر على حرص النبي ﷺ على هداية الناس: فعَنْ رجل من بَنِي مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ يَتَخَلَّلُهَا يَقُولُ: «يَا

стр. 561

أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ تُفْلِحُوا»، قَالَ: وَأَبُو جَهْلٍ يَحْثِي عَلَيْهِ التُّرَابَ وَيَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَغُرَّنَّكُمْ هَذَا عَنْ دِينِكُمْ، فَإِنَّمَا يُرِيدُ لِتَتْرُكُوا آلِهَتَكُمْ، وَتَتْرُكُوا اللَّاتَ وَالْعُزَّى، قَالَ: وَمَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ . الحديث. وعَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَارِبِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي سُوقِ ذِي الْمَجَازِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، وَهُوَ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ تُفْلِحُوا»، وَرَجُلٌ يَتْبَعُهُ يَرْمِيهِ بِالْحِجَارَةِ، وَقَدْ أَدْمَى عُرْقُوبَيْهِ وَكَعْبَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تُطِيعُوهُ، فَإِنَّهُ كَذَّابٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قِيلَ: هَذَا غُلَامُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قُلْتُ: فَمَنْ هَذَا الَّذِي يَتْبَعُهُ يَرْمِيهِ بِالْحِجَارَةِ؟ قَالَ: هَذَا عَبْدُ الْعُزَّى أَبُو لَهَبٍ. الحديث. وهكذا ينبغي على الداعية إلى الله أن يسير على منهج الأنبياء في الحرص على هداية الناس، وبذل كل ما يستطيع من أجل ذلك. ولا يحرص على هداية الناس إلا أصحاب القلوب السليمة من الغل والحسد والبغض والشحناء، قلوب امتلأت بالرحمة والشفقة وحب الخير للناس، تجد لذتها في إيصال الخير إليهم والصبر على أذاهم، همها دلالة الناس على الخير، وبذل الغالي والنفيس من أجل هدايتهم إلى الله تعالى. وقد سبق أن ذكرت كلام الإمام أحمد ﵀ في أثر العلماء الصالحين المصلحين على الناس، فمن المناسب إعادة بعضه هنا، فيقول: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضالٍّ تائه قد هدوه، فما أحسنَ أثرهم على الناس! وأقبح أثر الناس عليهم! " (١).

стр. 562

المبحث الثامن: الرحمة والشفقة بالمدعوين وهذا المبحث له تعلق وثيق بالمبحث الذي قبله، وهو الحرص على هداية الناس، فإذا وفق الله الداعية لذلك، وحرص على تحقيق عمل قلبه، فإن الله يرزقه الرحمة والشفقة بالمدعوين، قال الله تعالى ممتنًا بذلك على رسوله ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقال تعالى عن الهدف من إرساله ﷺ للناس: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وقال تعالى في وصفه ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. لأن الداعية إذا وفقه الله للحرص على المدعوين والرحمة والشفقة بهم ملك القلوب وأثر فيها، ولهذا جاءت الأحاديث مرغبة في هذه الصفة العظيمة، منها ما ورد عن جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ» (١). وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ : «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ

стр. 563

الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ ﷺ صَاحِبَ هَذِهِ الْحُجْرَةِ يَقُولُ: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ» (٢). ودونك -أيها الداعية- أمثلة حية ناطقة من حياة النبي ﷺ ، وهو يتمثل الرحمة سلوكًا عمليًا في أحوال دعوته للناس؛ لنقتدي بها ونهتدي بنورها في دعوتنا إلى الله تعالى، فإذا امتثل الداعية هذه الرحمة في بيته، ومع الناس أقبلت عليه القلوب، ونجح في دعوته. والأمثلة على رحمته ﷺ كثيرة، أذكر منها على سبيل المثال: ١ - رحمته ﷺ بالأطفال: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ؟ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ؟!» (٣).

стр. 564

وعن أَبَي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنَ النَّهَارِ، لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ، حَتَّى جَاءَ سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، حَتَّى أَتَى خِبَاءَ فَاطِمَةَ فَقَالَ: «أَثَمَّ لُكَعُ؟ أَثَمَّ لُكَعُ (٢)؟» يَعْنِي حَسَنًا، فَظَنَنَّا أَنَّهُ إِنَّمَا تَحْبِسُهُ أُمُّهُ لِأَنْ تُغَسِّلَهُ وَتُلْبِسَهُ سِخَابًا (٣)، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ يَسْعَى، حَتَّى اعْتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اللهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ، فَأَحِبَّهُ، وَأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ» (٤). وعن بُرَيْدَةَ ﵁ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُنَا إِذْ جَاءَ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ المِنْبَرِ فَحَمَلَهُمَا وَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «صَدَقَ اللهُ: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، نَظَرْتُ إِلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي وَرَفَعْتُهُمَا» (٥).

стр. 565

وعَنْ شداد بن الهاد ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعِشَاءِ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ فَصَلَّى فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا، قَالَ أَبِي: فَرَفَعْتُ رَأْسِي وَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ سَاجِدٌ فَرَجَعْتُ إِلَى سُجُودِي، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ! قَالَ: «كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ» (١). ٢ - رحمته ﷺ بالمخطئين: عن أَبَي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي المَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : «دَعُوهُ، وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ -أَوْ: ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ (٢) -، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ». وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَالَ: «ادْنُهْ»، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، قَالَ:
следующие страницы →