← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 978

أثر أعمال القلوب على الداعية والدعوة

إبراهيم بن حسن الحضريتي

Полный текст (777 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ تُفْلِحُوا»، قَالَ: وَأَبُو جَهْلٍ يَحْثِي عَلَيْهِ التُّرَابَ وَيَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَغُرَّنَّكُمْ هَذَا عَنْ دِينِكُمْ، فَإِنَّمَا يُرِيدُ لِتَتْرُكُوا آلِهَتَكُمْ، وَتَتْرُكُوا اللَّاتَ وَالْعُزَّى، قَالَ: وَمَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ . الحديث. وعَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَارِبِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي سُوقِ ذِي الْمَجَازِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، وَهُوَ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ تُفْلِحُوا»، وَرَجُلٌ يَتْبَعُهُ يَرْمِيهِ بِالْحِجَارَةِ، وَقَدْ أَدْمَى عُرْقُوبَيْهِ وَكَعْبَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تُطِيعُوهُ، فَإِنَّهُ كَذَّابٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قِيلَ: هَذَا غُلَامُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قُلْتُ: فَمَنْ هَذَا الَّذِي يَتْبَعُهُ يَرْمِيهِ بِالْحِجَارَةِ؟ قَالَ: هَذَا عَبْدُ الْعُزَّى أَبُو لَهَبٍ. الحديث. وهكذا ينبغي على الداعية إلى الله أن يسير على منهج الأنبياء في الحرص على هداية الناس، وبذل كل ما يستطيع من أجل ذلك. ولا يحرص على هداية الناس إلا أصحاب القلوب السليمة من الغل والحسد والبغض والشحناء، قلوب امتلأت بالرحمة والشفقة وحب الخير للناس، تجد لذتها في إيصال الخير إليهم والصبر على أذاهم، همها دلالة الناس على الخير، وبذل الغالي والنفيس من أجل هدايتهم إلى الله تعالى. وقد سبق أن ذكرت كلام الإمام أحمد ﵀ في أثر العلماء الصالحين المصلحين على الناس، فمن المناسب إعادة بعضه هنا، فيقول: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضالٍّ تائه قد هدوه، فما أحسنَ أثرهم على الناس! وأقبح أثر الناس عليهم! " (١).

стр. 562

المبحث الثامن: الرحمة والشفقة بالمدعوين وهذا المبحث له تعلق وثيق بالمبحث الذي قبله، وهو الحرص على هداية الناس، فإذا وفق الله الداعية لذلك، وحرص على تحقيق عمل قلبه، فإن الله يرزقه الرحمة والشفقة بالمدعوين، قال الله تعالى ممتنًا بذلك على رسوله ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقال تعالى عن الهدف من إرساله ﷺ للناس: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وقال تعالى في وصفه ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. لأن الداعية إذا وفقه الله للحرص على المدعوين والرحمة والشفقة بهم ملك القلوب وأثر فيها، ولهذا جاءت الأحاديث مرغبة في هذه الصفة العظيمة، منها ما ورد عن جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ» (١). وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ : «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ

стр. 563

الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ ﷺ صَاحِبَ هَذِهِ الْحُجْرَةِ يَقُولُ: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ» (٢). ودونك -أيها الداعية- أمثلة حية ناطقة من حياة النبي ﷺ ، وهو يتمثل الرحمة سلوكًا عمليًا في أحوال دعوته للناس؛ لنقتدي بها ونهتدي بنورها في دعوتنا إلى الله تعالى، فإذا امتثل الداعية هذه الرحمة في بيته، ومع الناس أقبلت عليه القلوب، ونجح في دعوته. والأمثلة على رحمته ﷺ كثيرة، أذكر منها على سبيل المثال: ١ - رحمته ﷺ بالأطفال: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ؟ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ؟!» (٣).

стр. 564

وعن أَبَي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنَ النَّهَارِ، لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ، حَتَّى جَاءَ سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، حَتَّى أَتَى خِبَاءَ فَاطِمَةَ فَقَالَ: «أَثَمَّ لُكَعُ؟ أَثَمَّ لُكَعُ (٢)؟» يَعْنِي حَسَنًا، فَظَنَنَّا أَنَّهُ إِنَّمَا تَحْبِسُهُ أُمُّهُ لِأَنْ تُغَسِّلَهُ وَتُلْبِسَهُ سِخَابًا (٣)، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ يَسْعَى، حَتَّى اعْتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اللهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ، فَأَحِبَّهُ، وَأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ» (٤). وعن بُرَيْدَةَ ﵁ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُنَا إِذْ جَاءَ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ المِنْبَرِ فَحَمَلَهُمَا وَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «صَدَقَ اللهُ: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، نَظَرْتُ إِلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي وَرَفَعْتُهُمَا» (٥).

стр. 565

وعَنْ شداد بن الهاد ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعِشَاءِ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ فَصَلَّى فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا، قَالَ أَبِي: فَرَفَعْتُ رَأْسِي وَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ سَاجِدٌ فَرَجَعْتُ إِلَى سُجُودِي، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ! قَالَ: «كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ» (١). ٢ - رحمته ﷺ بالمخطئين: عن أَبَي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي المَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : «دَعُوهُ، وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ -أَوْ: ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ (٢) -، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ». وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَالَ: «ادْنُهْ»، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، قَالَ:

стр. 566

فَجَلَسَ قَالَ: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟» قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ». قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ». قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ». قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ». قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟» قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ». قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: «اللهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ»، قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ (١). ٣ - رحمته ﷺ بالمرأة: يقول ﷺ : «وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ؛ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، إِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» (٢). فأمر ﷺ بالوصية بالنساء خيرًا، ثم بين ﷺ طبيعةً في خلقة المرأة لا بد من الانتباه لها من قبل الأزواج بالأخص، وبقية الأقارب للمرأة، لا بد أن يراعوا هذه الطبيعة في خلقة المرأة التي متى ما أحسنوا التعامل معها، وأخذوا بوصية رسولهم ﷺ ، فعند ذلك سترفرف أعلام السعادة الزوجية والسعادة في البيت على حياتهم، ولكن حينما يتجاهل الرجل هذه الطبيعة في المرأة التي نبه عليها ﷺ ، يتعكر صفو الحياة في داخل

стр. 567

بيوتهم، ويقترب الشيطان منهم، فيحل الشقاق محل الوفاق، والاختلاف والتنازع محل الائتلاف والتوافق، فيجلب الشيطان عليهم بقواته حتى تتمزق البيوت ويتشتت شمل الأسرة، فيفرح الشيطان بهدم ذلك البيت بالطلاق. ومن أراد النجاح في حياته الزوجية، فعليه الأخذ بوصيته ﷺ بالنساء بالرحمة بهن والشفقة عليهن، وتحمل ما يحصل منهن من طبيعة العوج اللاتي فيهن. مثال على تعامله مع طبيعة المرأة والرحمة بها عند حدوث الغيرة منها التي هي من طبيعة العوج الذي وجد مع المرأة: عن أنس ﵁: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتِ الَّتِي النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِهَا يَدَ الخَادِمِ، فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ فِلَقَ الصَّحْفَةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ، وَيَقُولُ: «غَارَتْ أُمُّكُمْ»، ثُمَّ حَبَسَ الخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ المَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ (١). والأمثلة على رحمته ﷺ كثيرة أكتفى بما ذكر.

стр. 568

المبحث التاسع: إقبال الناس على دعوته (١) وتضحية الداعية وحرصه على من يدعوهم، ورحمته وشفقته بهم، ودعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة، مع إخلاصه وصدقه مع الله في دعوته، ومجاهدة نفسه على التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، وحرصه على الاستقامة والتقوى، فإن الله يحبه، ويرزقه القبول والوصول إلى قلوب الناس، ويجمع قلوبهم عليه ويؤلف بينها، فيقبلون على دعوته، ولو بعد وفاته، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]. وذكر ابن جرير ﵀ عن ابن عباس ومجاهد في معنى قوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ أي: حبًّا، فيحبهم ويحببهم إلى خلقه (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» الحديث. فالله إذا أحب عبده جعل له القبول في الأرض، وجعل القلوب تقبل على دعوته، فإذا وعظ أقبل الناس على موعظته.

стр. 569

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ العَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ». وكتب أبو الدرداء ﵁ إلى مسلمة بن مخلد (١) وهو أمير بمصر: «أما بعد: فإن العبد إذا عمل بطاعة الله أحبه الله، وإذا أحبه الله حببه إلى خلقه، وإذا أبغضه بغضه إلى خلقه» (٢). قال هرم بن حيان (٣) ﵀: "ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب أهل الإيمان عليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم" (٤). قال أبو حازم (٥) رحمة الله عليه: "لا يحسن عبد فيما بينه وبين الله تعالى، إلا أحسن الله فيما بينه وبين العباد، ولا يُعَوِّرُ (٦) فيما بينه وبين الله تعالى إلا عوَّر الله فيما بينه وبين العباد، ولمصانعة وجه واحد أيسر من مصانعة الوجوه كلها، إنك إذا

стр. 570

صانعت (١) الله مالت الوجوه كلها إليك، وإذا أفسدت ما بينك وبينه شنأتك (٢) الوجوه كلها" (٣). وقال ابن الجوزي ﵀: "وإن قلوب الناس لتعرف حال الشخص وتحبه أو تأباه، وتذمه أو تمدحه وفق ما يتحقق بينه وبين الله تعالى، فإنه يكفيه كل هم، ويدفع عنه كل شر. وما أصلح عبد ما بينه وبين الخلق دون الحق (٤)، إلا انعكس مقصوده، وعاد حامده ذامًّا" (٥). وقال أيضًا عليه رحمة الله: "والله، لقد رأيت من يكثر الصلاة والصوم والصمت، ويتخشع في نفسه ولباسه، والقلوب تنبو عنه، وقدره في النفوس ليس بذاك! ورأيت من يلبس فاخر الثياب، وليس له كبير نفل، ولا تخشع، والقلوب تتهافت على محبته، فتدبرت السبب، فوجدته السريرة .. فمن أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فالله الله في السرائر، فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح ظاهر" (٦). ودونك أمثلة تدل على أن القلوب يقبل بها الله على من شاء من عباده، ممن اتصف باللين والرحمة والرفق والصدق مع ربه، وحقق التقوى وحرص على سلامة قلبه من الأمراض:

стр. 571

١ - قال الله تعالى عن نبيه ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٣]. وقال تعالى ممتنًّا على عباده المؤمنين: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. ٢ - قصة الغلام الذي ضحى بنفسه من أجل دعوة الناس إلى الدين الحق، وقال للملك الطاغية الذي يريد قتله: «إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ ارْمِنِي، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبْدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، فَأُتِيَ الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قَدْ وَاللهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ، قَدْ آمَنَ النَّاسُ، فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ، فَخُدَّتْ وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا، أَوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ، فَفَعَلُوا» (١).

стр. 572

وهكذا ضحى هذا الغلام بنفسه من أجل دعوة الناس شفقة عليهم وحرصًا على إيصال النور إليهم، فصبر على أن يقتل من أجل دعوتهم إلى الله تعالى، وأقبلوا على الحق بعده، وهو فارق الدنيا شهيدًا في سبيل الله، ولم ير ثمرة دعوته في حياته، لكنه أدى ما عليه أعظم أداء، يكفيه شرفًا عند الله أنه جاد بنفسه من أجل دعوتهم إلى الله، فجزاؤه على الله، وقد لحق به من هداهم الله على يديه شهداء بررة، وخلد الله ذكرهم في كتابه، فقال : ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج: ٤ - ١١]. وهذا على قول بعض المفسرين أن هذه الآيات نزلت في هذا الملك الطاغية وأعوانه، وفي من آمنوا بالغلام، وأحرقوا في الأخدود، وهناك أقوال أخرى في المراد بأصحاب الأخدود (١)، والله أعلم.

стр. 573

المبحث العاشر: نبذ أسباب التفرق والاختلاف المطلب الأول: الاعتصام بالكتاب والسنة. المطلب الثاني: لزوم جماعة المسلمين وإمامهم وعدم الخروج على ولاة الأمر: الفرع الأول: لزوم جماعة المسلمين وإمامهم. الفرع الثاني: السمع والطاعة لولاة الأمر بالمعروف، والحذر من الخروج عليهم مهما جاروا. المطلب الثالث: البعد عن سبب الفشل وذهاب الريح. المطلب الرابع: الحذر من البغي.

стр. 574

المبحث العاشر: نبذ أسباب التفرق والاختلاف توطئة: إنَّ من المقرر في منهج الأنبياء ﵈ في دعوتهم لأممهم التحذير من التفرق والاختلاف، ونبذ أسبابه؛ ولذا جاءت النصوص محذرة من ذلك ومبينة خطره، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩]. وفي هاتين الآيتين تحذير الأمة من داء التفرق والاختلاف، وقد توعد الله من يقع فيه بالعذاب العظيم والوعيد الشديد؛ لأن التفرق والاختلاف من أعظم أسباب تسلط الأعداء على الأمة، كما في الحديث عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ (١)، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا -أَوْ: قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا- حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا» (٢).

стр. 575

دل هذا الحديث على أن من أسباب تسلط العدو الخارجي على المسلمين بسبب منهم، وهو التفرق والاختلاف بينهم الذي يؤدي إلى تقاتل بعضهم مع البعض، فحينئذ يتسلط عدوهم عليهم. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ» (١). وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ آيَةً، وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ خِلَافَهَا، فَجِئْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الكَرَاهِيَةَ، وَقَالَ: «كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ، وَلَا تَخْتَلِفُوا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا» (٢). وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ: «اسْتَوُوا، وَلَا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»، قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا (٣). وقال ابن مسعود ﵁: "الخلاف شر" (٤).

стр. 576

ووقوع التفرق والاختلاف بين المسلمين من آثار الذنوب، ومن أخطرها خطايا القلوب، يَقُولُ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا تَوَادَّ اثْنَانِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا» الحديث (١). وإذا وقع الداعية في خطايا القلوب نفر الناس عنه، وكان من أسباب وجود الفرقة بين الأمة. ومن آثار تحقيق أعمال القلوب ومجاهدة النفس على ذلك: أن يوفق الله الداعية في دعوته إلى نبذ أسباب التفرق والاختلاف، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]، والآية عامة، فكل من جاهد نفسه في الله وحقق أمر الله في ظاهره وباطنه وفقه الله لأسباب نجاحه وفلاحه في الدنيا والآخرة. ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الداعية نبذ أسباب التفرق والاختلاف، فإذا جاهد نفسه وأصلح قلبه رزقه الله ذلك، وألف به بين القلوب وجمعها على الخير، كما قال تعالى ممتنًّا على نبيه ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].

стр. 577

وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٢، ٦٣]. وقال السعدي ﵀ في معنى قوله تعالى: " ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ وهم الذين هاجروا في سبيل الله، وجاهدوا أعداءهم، وبذلوا مجهودهم في اتباع مرضاته، ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أي: الطرق الموصلة إلينا، وذلك لأنهم محسنون، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ بالعون والنصر والهداية. دل هذا أن من أحسن فيما أمر به أعانه الله ويسر له أسباب الهداية، وعلى أن من جد واجتهد في طلب العلم الشرعي، فإنه يحصل له من الهداية والمعونة على تحصيل مطلوبه أمورًا إلهية خارجة عن مدرك اجتهاده، وتيسر له أمر العلم، فإن طلب العلم الشرعي من الجهاد في سبيل الله، بل هو أحد نوعي الجهاد الذي لا يقوم به إلا خواص الخلق، وهو الجهاد بالقول واللسان للكفار والمنافقين، والجهاد على تعليم أمور الدين، وعلى رد نزاع المخالفين للحق ولو كانوا من المسلمين" (١). وعلى هذا فإن من جاهد نفسه على إصلاح قلبه، وفقه الله إلى سبيل الائتلاف والاجتماع، وأبعده عن سُبُل التفرق والاختلاف، فيهديه الله إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، ولزوم جماعة المسلمين، وعدم الخروج على ولاة الأمر مهما جاروا، ويعصمه الله من سبب الفشل، ويبعده عن البغي والظلم، ويطهر قلبه من الغل الذي هو من أعظم أسباب التفرق والاختلاف، فعن جبير بن مطعم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَطَاعَةُ ذَوِي الْأَمْرِ، وَلُزُومُ

стр. 578

الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تَكُونُ مِنْ وَرَائِهِم» (١)، أي: إذا وجدت هذه الأعمال في القلب طهرته من الغش والحقد والضغينة، وإذا سلم القلب من هذه الأمراض سلم من أسباب التفرق والاختلاف، وهناك أسباب إذا تمسك الداعية (٢) بها سلم من داء التفرق والاختلاف، وسيكون الحديث في هذا الأمر وفق المطالب الآتية: المطلب الأول: الاعتصام بالكتاب والسنة. المطلب الثاني: لزوم جماعة المسلمين وإمامهم وعدم الخروج على ولاة الأمر، وفيه فرعان: الفرع الأول: لزوم جماعة المسلمين وإمامهم. الفرع الثاني: السمع والطاعة لولاة الأمر بالمعروف، والحذر من الخروج عليهم مهما جاروا. المطلب الثالث: البعد عن سبب الفشل وذهاب الريح. المطلب الرابع: الحذر من البغي. المطلب الأول: الاعتصام بالكتاب والسنة (٣): مما لا شك فيه أن الاعتصام بالكتاب والسنة هو سبب النجاة في الدنيا

стр. 579

والآخرة، والاعتصام يعنى الاستمساك بالشيء (١)، والتمسك بالكتاب والسنة عصمة ونجاة من الفتن والضلالات، ومن أسباب التفرق والاختلاف، قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، أي: تمسكوا بدين الله وعهده في كتابه بالأمر بالأُلْفة والاجتماع على الحق، وهناك معان في معنى ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ تندرج ضمن المعنى السابق: الجماعة، بعهد الله وأمره، ووردت أقوال كثيرة في معنى ﴿بِحَبْلِ اللَّهِ﴾، فقيل: القرآن، وقيل: الجماعة، وقيل: عهد الله، وقيل: دين الله (٢). ويقول القرطبي ﵀ معلقًا على هذه المعاني: "والمعنى كله متقارب متداخل، فإن الله تعالى يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة؛ فإن الفرقة هلكة والجماعة نجاة، ورحم الله ابن المبارك حيث قال: إِنَّ الْجَمَاعَةَ حَبْلُ اللَّهِ فَاعْتَصِمُوا … مِنْهُ بِعُرْوَتِهِ الْوُثْقَى لِمَنْ دَانَا" (٣). ومعنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ أي: "لا تتفرقوا عن دين الله وعهده الذي عهد إليكم في كتابه من الائتلاف والاجتماع على طاعته وطاعة رسوله ﷺ والانتهاء إلى أمره" (٤). ولقد جاءت النصوص في الأمر بالاعتصام بالكتاب والسنة والتحذير من مخالفتهما، ومن ذلك:

стр. 580

قول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣]. وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢]. وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]. وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]. هذه الآيات تدل على وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة، فإنه لا نجاة للأمة من الفتن والاختلاف والتفرق إلا بالاعتصام بالكتاب والسنة والتمسك بهما، والتحاكم إليهما في صغير الأمر وكبيره، مع التسليم والانقياد التام لأمر الله ولأمر رسوله دون أدنى ضيق أو حرج. وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللهُمَّ اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. الحديث. وعن أبي شريح الخزاعي ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَبْشِرُوا وَأَبْشِرُوا، أَلَيْسَ تَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «إِنَّ

стр. 581

هَذَا الْقُرْآنَ سببٌ، طَرفُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وطَرفُهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَتَمَسَّكُوا بِهِ، فَإِنَّكُمْ لَنْ تضلُّوا وَلَنْ تَهْلِكُوا بَعْدَهُ أبدًا» (١). وقال ﷺ في خطبة حجة الوداع: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ ﷺ » الحديث (٢). وجاءت النصوص في التحذير من مخالفة أمر الله وأمر رسوله ﷺ ، فقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. ونقل ابن بطة عن الإمام أحمد ﵀ قوله: "نظرت في المصحف فوجدت فيه طاعة رسول الله ﷺ في ثلاثة وثلاثين موضعًا"، ثم جعل يتلو: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، وجعل يكررها، ويقول: "وما الفتنة؟ الشرك، لعله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيزيغ فيهلكه"، وجعل يتلو هذه الآية: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] " (٣).

стр. 582

وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢١ - ٢٣]. ومن أعظم ما يدل على الاعتصام بالكتاب والسنة، ويمنع من التفرق والاختلاف الامتثال والتطبيق في لزوم الرجوع إلى الكتاب والسنة في صغير الأمر وكبيره في كل ما يحصل فيه التنازع، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. المطلب الثاني: لزوم جماعة المسلمين وإمامهم وعدم الخروج على ولاة الأمر (١): الفرع الأول: لزوم جماعة المسلمين وإمامهم: ومما يعصم من التفرق والاختلاف لزوم جماعة المسلمين وإمامهم، فعن حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ ﵁ قال: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ»، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: «قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ»، قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، فَقَالَ: «هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا»، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ:

стр. 583

«تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ»، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ، حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ» (١). قال ابن جرير الطبري ﵀: "والصواب أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة"، قال: "وفي الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام، فافترق الناس أحزابًا، فلا يتبع أحدًا في الفرقة، ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك؛ خشية من الوقوع في الشر" (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» الحديث (٣). وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ يَرْوِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ، فَمِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ» (٤). ويقول ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ (٥) الجَنَّةِ فَلْيَلْزَمُ الجَمَاعَة» الحديث (٦).

стр. 584

قال ابن عبد البر ﵀: "الآثار المرفوعة في هذا الباب كلها تدل على أن مفارقة الجماعة، وشق عصا المسلمين، والخلاف على السلطان المجتمع عليه، يريق الدم ويبيحه ويوجب قتال من فعل ذلك" (١). وقال النووي ﵀: "وفي حديث حذيفة هذا لزوم جماعة المسلمين وإمامهم، ووجوب طاعته وإن فسق وعمل المعاصي مِنْ أخذ الأموال وغير ذلك، فتجب طاعته في غير معصية" (٢). الفرع الثاني: السمع والطاعة لولاة الأمر بالمعروف، والحذر من الخروج عليهم مهما جاروا: السمع والطاعة لولاة الأمر في غير معصية الله وعدم الخروج عليهم مهما جاروا مطلب شرعي لما فيه من المصالح العظيمة، ومن أعظمها المحافظة على دماء المسلمين حتى لا تسفك، وكذلك المحافظة على تماسك المجتمع المسلم، ولذا جاءت النصوص الكثيرة بالسمع والطاعة والتحذير من الخروج، ودونك طرفًا منها: فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ

стр. 585

عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» (١). قال ابن حجر ﵀: "واستدل به على المنع من القيام على السلاطين وإن جاروا؛ لأن القيام عليهم يفضي غالبًا إلى أشد مما ينكر عليهم" (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ» (٣). وذكر النووي ﵀ في شرحه للحديث: "قال العلماء: معناه تجب طاعة ولاة الأمور فيما يشق وتكرهه النفوس وغيره مما ليس بمعصية، فإن كانت لمعصية فلا سمع ولا طاعة كما صرح به في الأحاديث الباقية، فتحمل هذه الأحاديث المطلقة لوجوب طاعة ولاة الأمور على موافقة تلك الأحاديث المصرحة بأنه لا سمع ولا طاعة في المعصية. والأَثَرة بفتح الهمزة والثاء، ويقال: بضم الهمزة وإسكان الثاء (٤)، وبكسر الهمزة وإسكان الثاء (٥)، ثلاث لغات حكاهن في المشارق (٦) وغيره، وهي الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا عليكم، أي: اسمعوا وأطيعوا وإن اختص الأمراء بالدنيا ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم. وهذه الأحاديث في الحث على السمع والطاعة في جميع الأحوال، وسببها

стр. 586

اجتماع كلمة المسلمين، فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم" (١). وعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا، وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ» (٢). وفي الرواية الأخرى: وَقَالَ: فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا، وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ» (٣). وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» (٤). وقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ ﵁: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ، فَجَاءَ اللهُ بِخَيْرٍ، فَنَحْنُ فِيهِ، فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: كَيْفَ؟ قَالَ: «يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ»، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ -يَا رَسُولَ اللهِ- إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ

стр. 587

وَأَطِعْ» (١). وفي هذه الأحاديث الصبر على أئمة الجور وعدم الخروج عليهم؛ حتى لو ضربوا ظهرك وأخذوا مالك؛ لأن في الخروج عليهم تفريقًا لكلمة المسلمين، وفتحًا لأبواب التفرق والاختلاف وتسلط الأعداء، والله أعلم. وقال ابن بطال ﵀ في شرحه لحديث حذيفة ﵁: "وفيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك القيام على أئمة الجور، ألا ترى أنه ﷺ وصف أئمة زمان الشر فقال: «نَعَمْ، دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا»؟! فوصفهم بالجور والباطل والخلاف لسنته؛ لأنهم لا يكونون دُعاةً على أبواب جهنم إلا وهم على ضلال، ولم يقل فيهم: تعرف منهم وتنكر، كما قال في الأولين، وأمر مع ذلك بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم، ولم يأمر بتفريق كلمتهم وشق عصاهم" (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي، يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ» (٣). وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا، فَمَاتَ عَلَيْهِ،

стр. 588

إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً». وعَنْ نَافِعٍ قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطِيعٍ حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَرَّةِ مَا كَانَ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: اطْرَحُوا لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وِسَادَةً، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ آتِكَ لِأَجْلِسَ، أَتَيْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» (١). دلت الأحاديث السابقة على حرمة الخروج على ولاة الأمر وخطره العظيم على من يقع فيه، فإنه يموت ميتة جاهلية، ومعناه أي: على الصفة التي يموت عليها أهل الجاهلية، فوضى على ضلال، لا إمام لهم لأنهم لا يعرفون ذلك (٢)، وأنه لا حجة له ولا عذر له عند الله؛ لأن في الخروج شرًّا عظيمًا على من خرج وعلى الأمة، ولهذا نقل ابن بطال ﵀ أن "الفقهاء مجمعون على أن طاعة المتغلب واجبة ما أقام على الجمعات والأعياد والجهاد، وأنصف المظلوم في الأغلب، فإن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من تسكين الدهماء وحقن الدماء … فتسمع له وتطيع في الحق … ما لم يأمر بنقض شريعة، ولا بهتك حرمة لله تعالى، فإذا فعل ذلك فعلى الناس الإنكار عليه بقدر الاستطاعة، فإن لم يستطيعوا لزموا بيوتهم، أو خرجوا من البلدة إلى

стр. 589

موضع الحق إن كان موجودًا" (١). قال الإمام أحمد ﵀: "ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين، وقد كانوا اجتمعوا عليه وأقروا بالخلافة بأي وجه كان بالرضا أو الغلبة، فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين وخالف الآثار عن رسول الله ﷺ ، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية، ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق" (٢). وبنحو كلام الإمام أحمد قال علي ابن المديني، وأبو زرعة وابن أبي حاتم الرازيان (٣)، وغيرهم من أئمة السلف (٤). وقال شيخ الإسلام ﵀: "وقلَّ من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير" (٥)، ثم ذكر أمثلة على من خرجوا على السلطان، وما تولد من فعلهم من شر عظيم عليهم وعلى المسلمين، وأنهم لم يقيموا دينًا ولا أبقوا على دنيًا (٦). ثم قال ﵀: "كان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة، كما كان عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث؛ ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة

стр. 590

للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم" (١). ثم قال ﵀ بعد ذلك: "وهذا كله مما يبين أن ما أمر به النبي ﷺ من الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم والخروج عليهم هو أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد، وأن من خالف ذلك متعمدًا أو مخطئًا لم يحصل بفعله صلاح بل فساد" (٢). المطلب الثالث: البعد عن سبب الفشل وذهاب هيبة الأمة، وهما في معصية الله تعالى ورسوله ﷺ ، والتنازع والاختلاف، وعدم الصبر: وما يحصل للأمة من هزائم أمام أعدائها وتفرق كلمتها، وذهاب هيبتها بين الأمم يعود إلى أسباب: من أعظمها هذه الأسباب، وقد جاء النص عليها في قول الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]. يقول ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: "وأن يطيعوا الله ورسوله في حالهم ذلك، فما أمرهم الله تعالى به ائتمروا، وما نهاهم عنه انزجروا، ولا يتنازعوا فيما بينهم أيضًا فيختلفوا فيكون سببًا لتخاذلهم وفشلهم. ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: قوتكم وحدتكم وما كنتم فيه من الإقبال، ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وقد كان للصحابة ﵃ في باب الشجاعة والائتمار بأمر الله، وامتثال ما أرشدهم إليه- ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد ممن بعدهم؛ فإنهم ببركة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم شرقًا وغربًا في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم، من الروم والفرس والترك والصقالبة والبربر

стр. 591

والحبوش وأصناف السودان والقبط، وطوائف بني آدم، قهروا الجميع حتى علت كلمة الله، وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها في أقل من ثلاثين سنة، فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وحشرنا في زمرتهم، إنه كريم وهاب" (١). نصت الآية الكريمة على سبب الفشل وذهاب الريح في الأمور الآتية: أولًا: عدم طاعة الله ورسوله. ثانيًا: التنازع الذي لا يرجع فيه إلى الكتاب والسنة، وإنما يرجع فيه إلى الأهواء وآراء الرجال؛ لأن الواجب عند التنازع الرجوع إلى الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. ثالثًا: الخلل في الصبر مما يمنع معية الله الخاصة. المطلب الرابع: الحذر من البغي: ومن أسباب التفرق: البغي، وهو: الظلم والتعدي (٢)، قال ابن كثير ﵀: "وأما البغي فهو: العدوان على الناس" (٣). وبين السعدي في تفسيره البغيَ فقال: "كل عدوان على الخلق في الدماء والأموال والأعراض" (٤). وذكر الله في كتابه أن البغي من أسباب الاختلاف والتفرق فقال تعالى:

стр. 592

﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩]. وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ١٣، ١٤]. وقد ربط الله في هذه الآيات بين الاختلاف والبغي، فدل هذا -والله أعلم- على أن البغي من أعظم أسباب الاختلاف والتفرق، وهذا أمر مشاهد محسوس؛ أن ما من أحد يبغي على آخر إلا حصل بينهم الاختلاف والتنازع، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع. وعليه فإن على الدعاة إلى الله تعالى أن يأخذوا حذرهم من هذا الداء العظيم، فيبتعدوا عن البغي على إخوانهم، ويحرصوا على سلامة قلوبهم من هذا الداء، ويجاهدوا أنفسهم على الحذر منه. والله تعالى يأمر عباده بمحاسن الأخلاق وينهى عن ضدها، كما قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]. وقال تعالى في أثر البغي، وأنه يعود وباله على صاحبه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا

стр. 593

بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣]. وقد ذكر النبي ﷺ أن عقوبة البغي معجلة في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه من العذاب في الآخرة، فعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ البَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» (١). ومن مظاهر بغي بعض الدعاة على إخوانهم: ١ - اتهام الداعية بما ليس فيه، بدون تثبت وروّية، فتجد البعض يسارع إلى الاتهام في أمور العقيدة بدون تأكد وتثبت. ٢ - السعي في إفشال مشاريع إخوانه الدعاة، بتشويه سمعتهم أمام العامة، وتحريض اتباع الداعية على الانفضاض عنه، والسعي للإضرار بالداعية والكيد له، حسداً وبغياً. ٣ - اتهام الداعية في مقصده ونيته مما لا يعلمه إلا الله، ولا تظهر قرائن واضحة على ذلك الاتهام.

стр. 594

المبحث الحادي عشر: التأييد والتمكين في الأرض إذا أخلص الداعية مع ربه، وصبر على أعباء الدعوة ومشاقها، وتمكن اليقين من قلبه، رزقه الله الإمامة في الدين، وأيده ومكن له ونصره على من يقف في طريق دعوته، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. وتأمل بيقين تام هذه الوعود المؤكدة من الله تعالى بالنصر والتمكين لعباده المؤمنين الصادقين الصابرين، إذا هم حققوا أسباب ذلك، من نصرة الله في أنفسهم بامتثال أمره واجتناب نهيه، والله لا يخلف الميعاد، فقال : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠، ٤١]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]. وقَالَ المصطفى ﷺ : «إِنَّمَا يَنْصُرُ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا، بِدَعْوَتِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ

стр. 595

وَإِخْلَاصِهِمْ» (١). وذكر الله في كتابه أنه سيتولى إظهار هذا الدين على جميع الأديان وتأييده بأن الله يتمه، ويظهر أهله العاملين به حقًّا وصدقًا في الباطن والظاهر، فقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢، ٣٣]. وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٨، ٩]. وعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللهُ بِهِ الْكُفْرَ». وَكَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ يَقُولُ: "قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، لَقَدْ أَصَابَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمُ الْخَيْرُ وَالشَّرَفُ وَالْعِزُّ، وَلَقَدْ أَصَابَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ كَافِرًا الذُّلُّ وَالصَّغَارُ وَالْجِزْيَةُ" (٢).

стр. 596

وعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» (١).

стр. 597

الباب الرابع: من آثار إهمال الداعية لأعمال القلوب على نفسه وعلى دعوته الفصل الأول: من آثار إهمال الداعية لأعمال القلوب على نفسه. الفصل الثاني: من آثار إهمال الداعية لأعمال القلوب على دعوته.

стр. 598

الفصل الأول: من آثار إهمال الداعية لأعمال القلوب على نفسه المبحث الأول: التعلق بمطامع الدنيا والتنازل عن الأصول من أجلها. المبحث الثاني: قسوة القلب وتسلط الشيطان. المبحث الثالث: اتباع الهوى، والوقوع في فتنة الشبهات والشهوات. المبحث الرابع: التطلع إلى الرياسة للمكاسب الدنيوية. المبحث الخامس: الركون إلى الكفار والظلمة. المبحث السادس: الهزيمة النفسية. المبحث السابع: لبس الحق بالباطل وكتمانه. المبحث الثامن: العُجْب، والرياء والسمعة، والكبر. المبحث التاسع: الاستعجال. المبحث العاشر: الضيق والتبرم من النصيحة، وعدم حب الناصحين. المبحث الحادي عشر: تتبع العثرات، وتصيد الهفوات، والفرح بزلات الآخرين. المبحث الثاني عشر: البخل والشح والعجز والكسل والجبن والهم والحزن. المبحث الثالث عشر: الخذلان وقلة التوفيق. المبحث الرابع عشر: الغفلة عن الآخرة الخامس عشر: الخسارة في الآخرة.

стр. 599

الفصل الأول: الآثار المترتبة على إهمال الداعية لأعمال القلوب على نفسه توطئة: إذا أهمل الداعية تحقيق أعمال القلوب، ولم يجاهد نفسه على إصلاح قلبه، ولم يحاسب نفسه، ويتفقد ما فيها من آفات، ويسعى إلى بذل أسباب علاجها، فحينئذ تتمكن من قلبه الأمراض، وتتجذر الآفات في داخله، وتظهر عليه آثارها عليه في نفسه، ومن ثَّم يمتد أثرها إلى دعوته، فيصبح فتنة لكل مفتون، وداعية سوء يجر على أمته ألوانًا من الانحراف، ويسخره أعداء الإسلام لحرب الدين وأهله، ويمكنهم من امتطاء ظهره وهو لا يشعر، فيكون كما قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥]. وكما قال تعالى أيضًا: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦]. وقال تعالى في بيان أثر الوقوع في أمراض القلوب على من تلبس بذلك: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥].

стр. 600

وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]. والآيات في ذلك كثيرة. ودونك شيئًا من آثار إهمال الداعية لعمل القلب على نفسه، أسوقها أولًا على سبيل الإجمال، وفق المباحث الآتية: المبحث الأول: التعلق بمطامع الدنيا والتنازل عن الأصول من أجلها. المبحث الثاني: قسوة القلب وتسلط الشيطان. المبحث الثالث: اتباع الهوى، والوقوع في فتنة الشبهات والشهوات. المبحث الرابع: التطلع إلى الرياسة للمكاسب الدنيوية. المبحث الخامس: الركون إلى الكفار والظلمة. المبحث السادس: الهزيمة النفسية. المبحث السابع: لبس الحق بالباطل وكتمانه. المبحث الثامن: العُجْب، والرياء والسمعة، والكبر.
следующие страницы →