← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 978

أثر أعمال القلوب على الداعية والدعوة

إبراهيم بن حسن الحضريتي

Полный текст (777 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» (١).

стр. 597

الباب الرابع: من آثار إهمال الداعية لأعمال القلوب على نفسه وعلى دعوته الفصل الأول: من آثار إهمال الداعية لأعمال القلوب على نفسه. الفصل الثاني: من آثار إهمال الداعية لأعمال القلوب على دعوته.

стр. 598

الفصل الأول: من آثار إهمال الداعية لأعمال القلوب على نفسه المبحث الأول: التعلق بمطامع الدنيا والتنازل عن الأصول من أجلها. المبحث الثاني: قسوة القلب وتسلط الشيطان. المبحث الثالث: اتباع الهوى، والوقوع في فتنة الشبهات والشهوات. المبحث الرابع: التطلع إلى الرياسة للمكاسب الدنيوية. المبحث الخامس: الركون إلى الكفار والظلمة. المبحث السادس: الهزيمة النفسية. المبحث السابع: لبس الحق بالباطل وكتمانه. المبحث الثامن: العُجْب، والرياء والسمعة، والكبر. المبحث التاسع: الاستعجال. المبحث العاشر: الضيق والتبرم من النصيحة، وعدم حب الناصحين. المبحث الحادي عشر: تتبع العثرات، وتصيد الهفوات، والفرح بزلات الآخرين. المبحث الثاني عشر: البخل والشح والعجز والكسل والجبن والهم والحزن. المبحث الثالث عشر: الخذلان وقلة التوفيق. المبحث الرابع عشر: الغفلة عن الآخرة الخامس عشر: الخسارة في الآخرة.

стр. 599

الفصل الأول: الآثار المترتبة على إهمال الداعية لأعمال القلوب على نفسه توطئة: إذا أهمل الداعية تحقيق أعمال القلوب، ولم يجاهد نفسه على إصلاح قلبه، ولم يحاسب نفسه، ويتفقد ما فيها من آفات، ويسعى إلى بذل أسباب علاجها، فحينئذ تتمكن من قلبه الأمراض، وتتجذر الآفات في داخله، وتظهر عليه آثارها عليه في نفسه، ومن ثَّم يمتد أثرها إلى دعوته، فيصبح فتنة لكل مفتون، وداعية سوء يجر على أمته ألوانًا من الانحراف، ويسخره أعداء الإسلام لحرب الدين وأهله، ويمكنهم من امتطاء ظهره وهو لا يشعر، فيكون كما قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥]. وكما قال تعالى أيضًا: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦]. وقال تعالى في بيان أثر الوقوع في أمراض القلوب على من تلبس بذلك: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥].

стр. 600

وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]. والآيات في ذلك كثيرة. ودونك شيئًا من آثار إهمال الداعية لعمل القلب على نفسه، أسوقها أولًا على سبيل الإجمال، وفق المباحث الآتية: المبحث الأول: التعلق بمطامع الدنيا والتنازل عن الأصول من أجلها. المبحث الثاني: قسوة القلب وتسلط الشيطان. المبحث الثالث: اتباع الهوى، والوقوع في فتنة الشبهات والشهوات. المبحث الرابع: التطلع إلى الرياسة للمكاسب الدنيوية. المبحث الخامس: الركون إلى الكفار والظلمة. المبحث السادس: الهزيمة النفسية. المبحث السابع: لبس الحق بالباطل وكتمانه. المبحث الثامن: العُجْب، والرياء والسمعة، والكبر.

стр. 601

المبحث التاسع: الاستعجال. المبحث العاشر: الضيق والتبرم من النصيحة، وعدم حب الناصحين. المبحث الحادي عشر: تتبع العثرات، وتصيد الهفوات، والفرح بزلات الآخرين. المبحث الثاني عشر: البخل والشح والعجز والكسل والجبن والهم والحزن. المبحث الثالث عشر: الخذلان وقلة التوفيق. المبحث الرابع عشر: الغفلة عن الآخرة الخامس عشر: الخسارة في الآخرة. ودونك تفصيل هذه الآثار:

стр. 602

المبحث الأول: التعلق بمطامع الدنيا والتنازل عن الأصول من أجلها سبق الكلام عن الحياة الدنيا بتفصيل (١)، وأضيف إليه هنا فأقول: لقد حذر النبي ﷺ أمته من خطر التعلق بالدنيا والمنافسة عليها، وبين ﷺ أثر التنافس على الدنيا، وأن نتيجته الهلاك في أودية الدنيا وشعابها، والإلهاء عما خلقوا له، فعن عمرو بن عوف الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فَوَاللهِ، مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» (٢)، وفي رواية للبخاري: «وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُم» (٣). وعلى الداعية أن ينقذ الناس من فتنة الدنيا بقوله وفعله، وأن يكون قدوة حسنة في تخففه منها، فأما إذا كان من المتعلقين بمطامع الدنيا وزهرتها والمنافسين فيها، فقد يبتلى بزيغ القلب، ويصير فتنة لكل مفتون، وهذا لا يحصل إلا إذا حصل الخلل في الأعمال القلبية، وذلك حين امتلأ القلب بحب الدنيا، فغفل عن الآخرة. وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْفَقْرَ وَنَتَخَوَّفُهُ، فَقَالَ: «آلْفَقْرَ تَخَافُونَ؟! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتُصَبَّنَّ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا صَبًّا، حَتَّى لَا يُزِيغَ قَلْب أَحَدِكُمْ إِزَاغَةً إِلَّا هِيهْ، وَايْمُ اللَّهِ، لَقَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى مِثْلِ الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ» (٤).

стр. 603

وعلى ذلك فإذا تعلق قلب الداعية بالدنيا ومطامعها، ونافس عليها أهلها، ألهته وأشغلته عن دعوته، وزاغ قلبه بسببها، وأدى ذلك إلى تنازله عن بعض دينه من أجل الحصول عليها، ووقع في البغي على إخوانه الدعاة، وصار يفري (١) في أعراضهم، ويسعى في الإيقاع بهم، وتشويه سمعتهم؛ ليتقرب إلى من يجد عندهم الدنيا، فعن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «سَيُصِيبُ أُمَّتِي دَاءُ الْأُمَمِ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا دَاءُ الْأُمَمِ؟ قَالَ: «الْأَشَرُ وَالْبَطَرُ (٢)، وَالتَّكَاثُرُ وَالتَّنَاجُشُ (٣) فِي الدُّنْيَا، وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ حَتَّى يَكُونَ الْبَغْيُ» (٤). وفي الحديث -والله أعلم- إشارة إلى ارتباط هذه الآفات بالتنافس على الدنيا الذي يؤدي إلى البغي وظلم الآخرين من أجل الحصول على لُعَاعَةٍ من هذه الدنيا، فيبغي على إخوانه ويظلمهم؛ لأجل الحصول على حطام الدنيا، ويتنازل عن أصول دينه؛ ليظهر في أعين من يتقرب إليهم من أجل دنياهم بمظهر القريب منهم وهو يحقق

стр. 604

لأعداء الدين ما يصبون إليه من تشويه للدين بحجة اليسر ومسايرة العصر، فيكون فتنة لكل مفتون. ودونك أمثلة على تنازل بعض الدعاة عن أصول دينه من أجل الدنيا: ١ - كتمان الحق ولبسه بالباطل، وسيأتي مزيد بيان لذلك. ٢ - المداهنة للمبطلين، والمجادلة عنهم، وتبرير أفعالهم المخالفة للشرع. ٣ - القول على الله بغير الحق؛ لأجل إرضاء أهل الدنيا؛ ليحصل على شيء مما في أيديهم منها.

стр. 605

المبحث الثاني: قسوة القلب وتسلط الشيطان المطلب الأول: قسوة القلب. المطلب الثاني: تسلط الشيطان.

стр. 606

المبحث الثاني: قسوة القلب وتسلط الشيطان توطئة: ومن آثار ضعف تحقيق عمل القلب على الداعية، وبالأخص حين يتعلق قلبه بالدنيا، فيفتن بها، ويغفل عن آخرته: قسوة قلبه، فإن الله تعالى يعاقبه بقسوة القلب وتسلط الشيطان. ودونك تفصيل هذا الأمر في المطلبين الآتيين: المطلب الأول: قسوة القلب: القسوة في اللغة: الصلابة في كل شيء، والقسوة: غلظ القلب وشدته، يقال: الذنب مقساة للقلب، وحجر قاسٍ: صلب، وقسا القلب إذا ذهب منه اللين والرحمة والخشوع (١). ومعنى قسوة القلب: غلظه وشدته، وذهاب معاني اللين والرحمة والخشوع منه، وخلوه من الإنابة والإذعان لآيات الله، ولا يتأثر بالمواعظ (٢). وقد ذم الله قسوة القلب فقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢].

стр. 607

وقال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٧٤]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦]. وفي الآيات بيان أن القلوب تصيبها القساوة العظيمة بسبب الغفلة وتتابع الذنوب على القلب. قال مالك بن دينار ﵀: "إن لله عقوبات في القلوب والأبدان: ضنك في المعيشة، ووهن في العبادة، وما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب" (١). وأما أسباب قسوة القلب فكثيرة، فمنها (٢): ١ - نقض العهد مع الله تعالى، قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣]. قال ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: "أخبر تعالى عما أحل بهم من العقوبة عند مخالفتهم ميثاقه ونقضهم عهده، فقال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ أي: فبسبب نقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم لعناهم، أي: أبعدناهم عن الحق وطردناهم عن الهدى، ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ أي: فلا يتعظون بموعظة

стр. 608

لغلظها وقساوتها" (١). وقال السعدي ﵀ في بيان معنى قسوة قلوبهم: "قوله: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ أي: غليظة لا تجدي فيها المواعظ، ولا تنفعها الآيات والنذر، فلا يرغّبهم تشويق، ولا يزعجهم تخويف، وهذا من أعظم العقوبات على العبد، أن يكون قلبه بهذه الصفة التي لا يفيده الهدى والخير إلا شرًّا" (٢). ٢ - تعلق القلب بغير الله، فإذا تعلق القلب بغير الله أصابه من الخذلان وقلة التوفيق بقدر ذلك التعلق، ووكله الله إلى نفسه، وضربه بالقسوة عقوبة له. قال ابن القيم ﵀: "ومن وكل إِلى شيء غير الله فقد فتح له باب الهلاك والعطب، وأغلق عنه باب الفوز والسعادة" (٣). ٣ - كثرة الضحك، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُكْثِرُوا الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ» (٤). ومن أعظم العلامات الدالة على موت القلب قسوته العظيمة.

стр. 609

٤ - كثرة تتابع الذنوب على القلب، مع الإصرار على الذنب وعدم الاستغفار والتوبة، قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]. وقد فسر النبي ﷺ الران بتتابع الذنوب على القلب، كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ، حَتَّى يَعْلُوَ قَلْبَهُ ذَاكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]». وذكر ابن جرير ﵀ عن الحسن ﵀ في قوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] قال: "الذنب على الذنب حتى يعمى القلب، فيموت" (١). ٥ - كثرة الأكل لا سيما أكل الحرام والمشتبهات، أما أكل الحرام فأثره على قسوة القلب كبير، فهو من أسبابها، وضرره عليه واضح بين، ويليه في الضرر أكل المشتبهات، وقد جاء في حديث النعمان بن بشير ﵁ ذكر الحلال البين، والحرام البين، والمشتبه، ثم عقب ﷺ بذكر أن الجسد في صلاحه وفساده مرتبط بالقلب، وفي ذلك إشارة إلى أن فساد القلب وقسوته مرتبط بالحرام البين، ويليه في الضرر أكل المشتبه والله أعلم، فقال ﷺ : «الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ». وكثرة الأكل والإفراط في الشبع دائمًا -حتى من المباحات- يدخل في الإسراف

стр. 610

الذي قال الله تعالى عنه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]. وعَنْ مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» (١). وقال بشر الحافي ﵀: "خصلتان تقسيان القلب كثرة الكلام، وكثرة الأكل" (٢). ولقسوة القلب آثار على الداعية، منها: ١ - لا ينتفع بمواعظ القرآن، ولا يتأثر بها، ويحرم من تدبره، كما قال تعالى عن أصحاب القلوب المريضة التي ضربت بالقسوة، فحيل بينها وبين تدبر القرآن: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. ٢ - نفور الناس منه وانفضاضهم من حوله ؛ لأن قسوة القلب وفظاظته من الأسباب العظيمة لنفور الناس من الداعية، قال تعالى عن رسوله ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ

стр. 611

اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وهذه الآية تدل على منة الله على رسوله ﷺ بأن رزقه الله اللين والرحمة، فلو كان فظًّا غليظ القلب لانفض عنه الناس، وتركوا دعوته، وهو مرسل من الله، فكيف بمن عداه؟! ٣ - ضعف تأثيره في الناس، فمواعظه لا تصل إلى القلوب، وتزل عنها كما يزل القطر عن الصفا. ٤ - تسلط الشيطان عليه، وهذا سيأتي تفصيله في المطلب الثاني. المطلب الثاني: تسلط الشيطان: ومن مداخل الشيطان التي يتسلط من خلالها على العبد: ضعفه في تحقيق عمل القلب، فضعف الإخلاص مثلًا عند الداعية يفتح الباب لتسلط الشيطان عليه؛ لأن المخلص لا يقدر عليه الشيطان كما أخبر الله عنه، فقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩، ٤٠]، قال الشوكاني ﵀: " ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ قرأ أهل المدينة وأهل الكوفة بفتح اللام (١)، أي: الذين استخلصتهم من العباد. وقرأ الباقون بكسر اللام (٢)، أي: الذين أخلصوا لك العبادة فلم يقصدوا بها غيرك" (٣).

стр. 612

وإذا ضعف الإخلاص تسلط عليه الشيطان، وأضعف همته عن الدعوة، بل قد يتولى ويفر من ميدانها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، قال السعدي ﵀ في تفسيره للآية: "يخبر تعالى عن حال الذين انهزموا يوم أحد وما الذي أوجب لهم الفرار، وأنه من تسويل الشيطان، وأنه تسلط عليهم ببعض ذنوبهم، فهم الذين أدخلوه على أنفسهم، ومكنوه بما فعلوا من المعاصي؛ لأنها مركبه ومدخله، فلو اعتصموا بطاعة ربهم لما كان له عليهم من سلطان، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]. ثم أخبر أنه عفا عنهم بعدما فعلوا ما يوجب المؤاخذة، وإلا فلو واخذهم لاستأصلهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ للمذنبين الخطائين بما يوفقهم له من التوبة والاستغفار، والمصائب المكفرة، ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعاجل من عصاه، بل يستأني به، ويدعوه إلى الإنابة إليه، والإقبال عليه. ثم إن تاب وأناب قبل منه، وصيره كأنه لم يجر منه ذنب، ولم يصدر منه عيب، فلله الحمد على إحسانه" (١). وعلى هذا فقد يتولى الداعية عن دعوته بسبب خطيئته، التي يستثمرها الشيطان في تخويفه بأتباعه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، أي: يخوفكم الشيطان

стр. 613

بأوليائه بأنهم أصحاب بأس وشدة (١)، قال ابن القيم ﵀: "المعنى عند جميع المفسرين: يخوفكم بأوليائه، قال قتادة: يعظمهم في صدوركم (٢)، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فكلما قوى إيمان العبد زال من قلبه خوف أولياء الشيطان، وكلما ضعف إيمان العبد قوى خوفه منهم" (٣)، فإذا تسلط الشيطان على الداعية، وقع مفعول هذا التخويف في قلبه، فضعفت همته، وربما أدى به تخويف الشيطان من أوليائه إلى التولي والانزواء عن ميدان الدعوة، والركض في ميادين الدنيا والانشغال بها. من أسباب تسلط الشيطان: ١ - عدم الاعتصام بالكتاب والسنة، مما يؤدي بالعبد إلى الوقوع في سبل الشيطان، فيتسلط عليه، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ

стр. 614

وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وقد فسر النبي ﷺ هذه الآية فعَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود ﵁ قَالَ: خَطَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَطًّا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللهِ مُسْتَقِيمًا»، قَالَ: ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذِهِ السُّبُلُ، لَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ إِلَّا عَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (١). ٢ - الذنوب، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥]. وفي الآية دليل على أن الشيطان يتسلط على العبد، فيوقعه في المنكر؛ لأنه وجد مدخلًا عليه بسبب ذنوبه، فالذنوب الباب الذي يدخل منه الشيطان إلى النفوس، فيستزلها ويوقعها فيما يبعدها عن الله.

стр. 615

٣ - ضعف الإيمان والتوكل، قال تعالى عن الشيطان: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩]. ويتسلط الشيطان على العبد إذا ضعف إيمانه وتوكله على الله، فإذا قوي إيمان الداعية وصدق في توكله على الله حماه الله من كيد الشيطان، ولا يتمكن أعوان الشيطان من التأثير عليه، وصرفه عن دعوته. ٤ - تعلق القلب بالدنيا، والافتتان بشهواتها المحرمة، من المال والنساء، قال تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٥، ٦]. وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ». والافتتان بالدنيا مدخل لتسلط الشيطان بسبب تعلق القلب بها، فإذا فتن الداعية بالدنيا، وصارت أكبر همه ومبلغ علمه، تمكن الشيطان من استغلال هذا الضعف فيه؛ ليغره ويخدعه ويصرفه عن دعوته بشتى الصوارف. ٥ - الغفلة عن ذكر الله ؛ لأن مما يحصن العبد من تسلط الشيطان عليه ذكره لله تعالى، ويدل على ذلك قوله ﷺ : «وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ؛ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا، حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ العَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ».

стр. 616

قال تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٩]. ومعنى ﴿اسْتَحْوَذَ﴾ أي: غلب واستولى على قلوبهم حتى أنساهم ذكر الله تعالى (١). ٦ - ومن أسباب تسلط الشيطان ترك صلاة الجماعة، والبعد عن جماعة المسلمين، فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ إِلَّا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ؛ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ»، قَالَ زَائِدَةُ: قَالَ السَّائِبُ: يَعْنِي بِالْجَمَاعَةِ: الصَّلَاةَ فِي الْجَمَاعَةِ (٢). وقال ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ فَلْيَلْزَمُ الجَمَاعَة» الحديث. وتفرد الداعية عن إخوانه الدعاة واستبداده بالرأي، وعدم التشاور مع إخوانه يفتح للشيطان عليه بابًا، فيتسلط عليه، ويوقعه فيما يضر بدعوته.

стр. 617

المبحث الثالث: اتباع الهوى، والوقوع في فتنة الشبهات والشهوات المطلب الأول: اتباع الهوى. المطلب الثاني: الوقوع في فتنة الشبهات والشهوات.

стр. 618

المبحث الثالث: اتباع الهوى، والوقوع في فتنة الشبهات والشهوات توطئة: إذا تعلق القلب بالدنيا أصابته القسوة وفتن بها، وتسلط عليه الشيطان، وتمكَّن منه الهوى فصار متبعًا له بعيدًا عن الهدى، فوقع صريعًا أمام فتن الشهوات والشبهات، وسيكون الحديث عن هذا المبحث في المطلبين الآتيين: المطلب الأول: اتباع الهوى. المطلب الثاني: الوقوع في فتنة الشبهات والشهوات. المطلب الأول: اتباع الهوى: ومن آثار الخلل في عمل القلب حصول الزيغ فيه، وذلك بعدوله عن اتباع الحق مع علمه به، فيعاقبه الله بأن يزيغ القلب عن الهدى، فيميل عن اتباع الحق إلى اتباع الهوى، فيصير داعية ضلال بسبب ما في قلبه من مرض اتباع الأهواء، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥]. وذكر ابن جرير ﵀ عن أبي أمامة ﵁ قال: "هم الخوارج" (١). وينطبق على هؤلاء قول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨]. ونقل البغوي ﵀ عن سعيد بن جبير ﵀ قوله: "نزلت في أصحاب الأهواء والبدع"، وذكر أيضًا عن قتادة ﵀ أنه قال: "منهم الخوارج الذين

стр. 619

يستحلون دماء المسلمين وأموالهم، فأما أهل الكبائر فليسوا منهم؛ لأنهم لا يستحلون الكبائر" (١). وقال ابن كثير ﵀: "وقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أي: فلما عدلوا عن اتباع الحق مع علمهم به، أزاغ الله قلوبهم عن الهدى، وأسكنها الشك والحيرة والخذلان، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]، وقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] " (٢). ويقول السعدي ﵀ عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾: "وهذه الآية الكريمة تفيد أن إضلال الله لعباده ليس ظلمًا منه، ولا حجة لهم عليه، وإنما ذلك بسبب منهم، فإنهم الذين أغلقوا على أنفسهم باب الهدى بعدما عرفوه، فيجازيهم بعد ذلك بالإضلال والزيغ الذي لا حيلة لهم في دفعه، وتقليب القلوب عقوبة لهم وعدلًا منه بهم، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] " (٣). إن خطر اتباع الهوى في كونه يؤدي بصاحبه لاتخاذه إلهًا يعبده، فيصرفه كيف يشاء، ويظن أنه على الهدى وهو يعبد الهوى، وزين له الشيطان ذلك، كما قال

стр. 620

تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨]، وقال تعالى في بيان ذلك: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]. وخطورة اتباع الأهواء تكمن في أن من يقع فيها يسير في طريق الضلالة، وهو يظن أنه على الحق؛ لأن الهوى يعميه عن الحق، ويصم أذنه عن سماعه. ومن آثار اتباع الهوى على الداعية: ١ - قلة التوفيق وحصول الخذلان. ٢ - كثرة الشكوك والحيرة. ٣ - نفوره من الناصحين، وقربه من المادحين. ٤ - تعصبه لقوله وفعله، فلا يقبل أن يستشير، ولا يوفق لأن يستخير. ٥ - يتسلط عليه أعداء الدين، فيستغلونه في تشويه الدين، وسمعة أهل المنهج الحق؛ لأنهم يحققون له ما يحبه من المدح والثناء، وإبرازه على أنه الداعية المستنير. ٦ - يتعصب لحزبه ويقدم أقوال الرجال على قول الله وقول رسوله ﷺ . ٧ - يكشف الله أمره للناس، فينفر منه أهل الخير، ويكون فتنة لكل مفتون. ٨ - يقوده هواه إلى الانغماس في الفتن، وسيأتي تفصليه في المطلب الثاني. المطلب الثاني: الوقوع في فتنة الشبهات والشهوات: معنى الشهوات والشبهات: ١ - الشهوات: جمع شهوة وهي في اللغة والاصطلاح بمعنى واحد: نزوع النفس إلى ما تريده، فتحبه وترغب فيه بشدة، كشهوة الطعام والمال،

стр. 621

وشهوة الرجل للمرأة والعكس، ونحو ذلك (١). ٢ - الشبهات: جمع شبهة، ولها في اللغة معان منها: التماثل والالتباس، والأمور المشتبهات المشْكِلات (٢). والشبهة في الاصطلاح: ما التبس أمره بين الحلال والحرام، والحق والباطل (٣). ومن آثار الخلل في عمل القلب بعد اتباعه للهوى: سقوط صاحبه في براثن (٤) فتن الشبهات والشهوات. أولاً: فتنة الشبهات: وفتنة الشبهات من أخطر الفتن على القلوب، والمتبع لهواه يسقط في هذه الفتنة لأسباب، منها: ١ - بسبب اتباع المتشابه، وذلك ناتج عن زيغ القلب الذي يجعله يبحث عن المتشابه ليوظفه لصالحه في نشر الفتنة التي وقع فيها وزينها له الشيطان، وقد بين الله في كتابه أن القرآن منه محكم وهو أكثره، ومنه متشابه، فتجد أهل الهوى الذين زاغت قلوبهم بسبب ضلالهم يتبعون هذا المتشابه ويتركون المحكم، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ الآية [آل عمران: ٧].

стр. 622

قال السعدي ﵀: "وأن هذا الكتاب يحتوي على المحكم الواضح المعاني البين الذي لا يشتبه بغيره، ومنه آيات متشابهات، تحتمل بعض المعاني، ولا يتعين منها واحد من الاحتمالين بمجردها، حتى تضم إلى المحكم. فالذين في قلوبهم مرض وزيغ وانحراف -لسوء قصدهم- يتبعون المتشابه منه، فيستدلون به على مقالاتهم الباطلة وآرائهم الزائفة، طلبًا للفتنة، وتحريفًا لكتابه، وتأويلًا له على مشاربهم ومذاهبهم لِيَضِلوا ويُضِلوا" (١). ثم أتم كلامه بعد ذلك في تفسير تكملة الآية والتي تليها عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٧، ٨]، فقال ﵀ (٢): "وأما أهل العلم الراسخون فيه، الذين وصل العلم واليقين إلى أفئدتهم، فأثمر لهم العمل والمعارف، فيعلمون أن القرآن كله من عند الله، وأن كله حق، محكمه ومتشابهه، وأن الحق لا يتناقض ولا يختلف. فلعلمهم أن المحكمات معناها في غاية الصراحة والبيان، يردون إليها المشتبه، الذي تحصل فيه الحيرة لناقص العلم وناقص المعرفة، فيردون المتشابه إلى المحكم، فيعود كله محكمًا، ويقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ﴾ للأمور النافعة، والعلوم الصائبة، ﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: أهل العقول الرزينة، ففي هذا دليل على أن هذا من علامة أولي الألباب، وأن اتباع المتشابه من أوصاف أهل الآراء السقيمة والعقول الواهية والقصود السيئة. وقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ إن أريد بالتأويل معرفة عاقبة الأمور، وما

стр. 623

تنتهي وتؤول إليه، تعين الوقوف على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ حيث هو تعالى المتفرد بالتأويل بهذا المعنى، وإن أريد بالتأويل معنى التفسير ومعرفة معنى الكلام كان العطف أولى، فيكون هذا مدحًا للراسخين في العلم أنهم يعلمون كيف ينزلون نصوص الكتاب والسنة، محكمها ومتشابهها، ولما كان المقام مقام انقسام إلى منحرفين ومستقيمين، دعوا الله تعالى أن يثبتهم على الإيمان، فقالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ أي: لا تملها عن الحق إلى الباطل، ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ تصلح بها أحوالنا ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ أي: كثير الفضل والهبات، وذلك أن الله تعالى ذكر عن الراسخين أنهم يسألونه أن لا يزيغ قلوبهم بعد إذ هداهم" (١). ٢ - ومن أسباب الوقوع في الشبهات ما يحصل من مرض للقلب بسبب كسب العبد، فقد أخبر سبحانه عن الأسباب التي بها تزيغ قلوب أهل الأهواء الذين اتبعوا المتشابه ابتغاء الفتنة ورغبة في تأوله على غير مراد الله تعالى، وذلك ناتج عن كسبهم وسعيهم في الضلال والإضلال، فيعاقبهم الله بعدم عصمتهم من فتنة الشبهات، فيقعوا فيها، وما ظلمهم الله لكنهم ظلموا أنفسهم، كما قال الله عنهم: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٧]، ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، فالعبد إذا تولى عن ربه، وأعرض عن الحق، ووالى أعداءه، ورأى الباطل فاختاره، وكره الحق واتباعه، فإن الله يوله ما تولى، ويزيغ قلبه عقوبة له على ما

стр. 624

حصل منه من زيغ وانحراف، وما ظلمه الله، ولكنه ظلم نفسه، فلا يلم إلا نفسه الأمّارة بالسوء (١) .... وعلى هذا فلا بد للداعية من الإكثار من هذا الدعاء: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾، وما يماثله من أدعية طلب الثبات على الحق، كما في حديث أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟! قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ»، فإن القلوب لا يثبتها على الدين إلا الله تعالى. ثانياً: فتنة الشهوات: وأما فتنة الشهوات فتكمن خطورتها في أنها مزينة تميل إليها القلوب، وتقبل عليها، وتنشغل بها عن الدعوة من مثل فتنة المال والنساء، قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤]، وكم سقط من دعاة صرعى أمام هذه الشهوات المزينة، فاجتالتهم الدنيا بزخارفها وزينتها، وتسلط عليهم الشيطان، فأبعدهم عن ركب الدعوة، وقعدت بهم شهواتهم، وتنكبوا الطريق الحق، وفتنوا بالدنيا، وقد وصف الله حال من صرعته الدنيا، فترك الانتفاع بآيات الكتاب، ومال إلى الشهوات، وأخلد إلى الأرض وزينتها، فخسر خسرانًا مبينًا، فقال تعالى عنه وعمّن يشبهه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ

стр. 625

آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦]. قال السعدي ﵀ في فوائد الآيات: "وفي هذه الآيات: الترغيب في العمل بالعلم، وأن ذلك رفعة من الله لصاحبه، وعصمة من الشيطان، والترهيب من عدم العمل به، وأنه نزول إلى أسفل سافلين، وتسليط للشيطان عليه، وفيه أن اتباع الهوى وإخلاد العبد إلى الشهوات يكون سببًا للخذلان" (١). آثار الوقوع في فتنة الشبهات والشهوات على الداعية: ١ - الغفلة عن الآخرة. ٢ - الوقوع في طرق أهل الأهواء، فيكون فتنة لكل مفتون. ٣ - الانشغال عن الدعوة بالمال والنساء. ٤ - التعلق بالدنيا ومطامعها، وحدوث التنازلات في الأصول من أجلها، وقد سبق الكلام على ذلك أكثر من مرة.

стр. 626

المبحث الرابع: التطلع إلى الرياسة للمكاسب الدنيوية ومن آثار الخلل في تحقيق عمل القلب على الداعية في نفسه: تطلعه إلى الرياسة والمكاسب المادية من خلالها، وهو يدخل في فتنة الشهوات التي سبق الحديث عنها في المبحث السابق. والتطلع إلى الرياسة وطلبها يفسد على المرء دينه، كما في حديث كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ المَرْءِ عَلَى المَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ» (١). وقال ابن رجب ﵀ في شرحه لهذا الحديث: "فهذا مثل عظيم جدًّا ضربه النبي ﷺ لفساد دين المسلم بالحرص على المال والشرف في الدنيا، وأن فساد الدين بذلك ليس بدون فساد الغنم بذئبين جائعين ضاريين باتا في الغنم، وقد غاب عنها رعاؤها ليلًا، فهما يأكلان في الغنم ويفترسان فيها. ومعلوم أنه لا ينجو من الغنم من إفساد الذئبين المذكورين والحالة هذه إلا قليل، فأخبر النبي ﷺ أن حرص المرء على المال والشرف إفساده لدينه ليس بأقل من إفساد الذئبين لهذه الغنم؛ بل إما أن يكون مساويًا وإما أكثر، يشير إلى أنه لا يسلم من دين المسلم مع حرصه على المال والشرف في الدنيا إلا القليل، كما أنه لا يسلم من الغنم

стр. 627

مع إفساد الذئبين المذكورين فيها إلا القليل. فهذا المثل العظيم يتضمن غاية التحذير من شر الحرص على المال والشرف في الدنيا" (١). وقال الفضيل بن عياض ﵀: "ما من أحد أحب الرياسة إلا حسد وبغى، وتتبع عيوب الناس، وكره أن يُذكر أحد بخير" (٢). وقال أبو نعيم ﵀: "والله ما هلك من هلك إلا بحب الرياسة" (٣). وقال سفيان الثوري ﵀: "ما رأيت الزهد في شيء أقل منه في الرياسة، ترى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال والثياب، فإن نوزع الرئاسة حامى عليها، وعادى" (٤). وقال سعيد بن محمد الحداد (٥) ﵀: "ما صد عن الله مثل طلب المحامد، وطلب الرفعة" (٦). وقال ابن قدامة المقدسي ﵀: "اعلم أن من غلب على قلبه حب الجاه صار مقصور الهم على مراعاة الخلق، مشغوفًا بالتردد إليهم، والمرآة لهم، ولا يزال في أقواله وأفعاله ملتفتًا إلى ما يعظم منزلته عندهم، وذلك بذر النفاق، وأصل الفساد؛ لأن كل

стр. 628

من طلب المنزلة في قلوب الناس اضطر أن ينافقهم بإظهار ما هو خال عنه، ويجر ذلك إلى المراءاة بالعبادات، واقتحام المحظورات، والتوصل إلى اقتناص القلوب" (١). آثار التطلع للرياسة للمكاسب الدنيوية على الداعية (٢): وقد سبق بعض الآثار، وأضيف إليه الآتي: ١ - من طلب العلم لأجل الشرف في الدنيا حَرَمَه الله رائحة الجنة، كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» يَعْنِي رِيحَهَا (٣). قال ابن رجب ﵀ في تعليقه على الحديث: "وسبب هذا -والله أعلم- أن في الدنيا جنة معجلة، وهي معرفة الله ومحبته، والأنس به والشوق إلى لقائه، وخشيته وطاعته، والعلم النافع يدل على ذلك، فمن دله علمه على دخول هذه الجنة المعجلة في الدنيا دخل الجنة في الآخرة، ومن لم يشم رائحتها لم يشم رائحة الجنة في الآخرة. ولهذا كان أشد الناس عذابًا في الآخرة عالم لم ينفعه الله بعلمه، وهو أشد الناس حسرة يوم القيامة، حيث كان معه آلة يتوصل بها إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات، فلم يستعملها إلا في التوصل إلى أخس الأمور وأدناها وأحقرها، فهو كمن كان معه جواهر نفيسة لها قيمة، فباعها ببعر أو شيء مستقذر لا ينتفع به، بل حال من

стр. 629

يطلب الدنيا بعلمه أقبح وأقبح، وكذلك من يطلبها بإظهار الزهد فيها، فإن ذلك خداع قبيح جدًّا" (١). ٢ - حرمانه من الحياة الطيبة في الدنيا، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في حديث أبي هريرة وكلام ابن رجب عليه الذي تقدم قريبًا. وهذه الحياة الطيبة حرمها من تطلع إلى الشرف في الدنيا، كما أثر عن إبراهيم بن أدهم ﵀ قوله: "لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف" (٢). ومن رزقه الله ذلك اشتغل به عن طلب الشرف الزائل والرياسة الفانية. ٣ - طلب الشرف في الدنيا يمنع الشرف في الآخرة، ولا يجتمع معه، والسعيد من آثر الباقي على الفاني؛ لحديث أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ، فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى» (٣). ٤ - بروز ظاهرة التنازع والافتراق والاختلاف المذموم بين الدعاة بسبب تعلق القلب بحب الرياسات، ومن علامة ذلك أنه إذا لم يعط مكانة ومركزًا يجعل الناس

стр. 630

يقبلون عليه، فإنه يفتعل النزاع والخصومات، وربما يسعى بالتحريش ليفرق الصف، أو ليلتفت إليه بأنه شخص مهم لا يمكن تجاوزه. ٥ - فشل بعض المشاريع الدعوية القائمة بسبب وجود هذه الآفة في قلوب من يقومون عليها، أو فشلها قبل قيامها؛ لأنه أوكل القيام بها لمن ابتلوا بحب الشرف، فنزع الله منهم البركة ولم يوفقهم لنفع الناس. ٦ - استخدام الدعوة جسرًا للحصول على المكاسب المادية أو المعنوية من جاه ونحوه.

стр. 631

المبحث الخامس: الركون إلى الكفار والظلمة ومن مظاهر ضعف أعمال القلوب: ميل القلب إلى الكفار والظلمة والركون إليهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣]. الركون لغة: الميل إلى الشيء، والسكون إليه (١). وفي الاصطلاح: قال البغوي ﵀: "هو المحبة والميل بالقلب" (٢). وقال القرطبي ﵀ في تعريفه: "الركون: حقيقة الاستناد والاعتماد، والسكون إلى الشيء والرضا به" (٣). وعرفه السعدي ﵀ بقوله: "والمراد بالركون الميل والانضمام إليه بظلمه وموافقته على ذلك، والرضا بما هو عليه من الظلم" (٤). وقال ابن جرير ﵀ في معنى الآية: "يقول تعالى ذكره: ولا تميلوا -أيها الناس- إلى قول هؤلاء الذين كفروا بالله، فتقبلوا منهم وترضوا أعمالهم، ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ بفعلكم ذلك، ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من ناصر ينصركم وولي يليكم، ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ يقول: فإنكم إن فعلتم ذلك لم ينصركم الله، بل يخليكم

стр. 632

من نصرته، ويسلط عليكم عدوكم" (١). وعلى هذا فإن ميل الداعية إلى الظلمة وركونه إلى أعداء الله يكون سببًا لتسلط الأعداء عليه في الدنيا، ثم لا يجد نصر الله حليفه، بل يخذله ويتركه لعدوه يتسلط عليه، فيصرفه عن دعوته، وتصيبه الفتنة والعذاب الأليم في الآخرة، فتمسه النار. وقال تعالى محذرًا لنبيه ﷺ أشد التحذير من الميل اليسير إلى الكفار، في وعيد تنخلع منه القلوب، وإذا كان هذا الوعيد العظيم مع نبيه ﷺ وحاشاه أن يقع في ذلك- فكيف بمن عداه؟! ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٥]. قال السعدي ﵀ في معنى الآيات: "يذكر تعالى منته على رسوله محمد ﷺ ، وحفظه له من أعدائه الحريصين على فتنته بكل طريق، فقال: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ أي: قد كادوا لك أمرًا لم يدركوه، وتحيلوا لك، على أن تفتري على الله غير الذي أنزلنا إليك، فتجيء بما يوافق أهواءهم، وتدع ما أنزل الله إليك. ﴿وَإِذًا﴾ لو فعلت ما يهوون ﴿لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ أي: حبيبًا صفيًّا، أعز عليهم من أحبابهم؛ لما جبلك الله عليه من مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، المحببة للقريب والبعيد، والصديق والعدو.

стр. 633

ولكن لتعلم أنهم لم يعادوك وينابذوك العداوة إلا للحق الذي جئت به، لا لذاتك، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، ﴿وَ﴾ مع هذا فـ ﴿لَوْلَآ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ على الحق، وامتننا عليك بعدم الإجابة لداعيهم، ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ من كثرة المعالجة، ومحبتك لهدايتهم. ﴿إِذًا﴾ لو ركنت إليهم بما يهوون ﴿لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ أي: لأصبناك بعذاب مضاعف، في الحياة الدنيا والآخرة؛ وذلك لكمال نعمة الله عليك، وكمال معرفتك. ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ ينقذك مما يحل بك من العذاب، ولكن الله تعالى عصمك من أسباب الشر، ومن البشر، فثبتك وهداك الصراط المستقيم، ولم تركن إليهم بوجه من الوجوه، فله عليك أتم نعمة وأبلغ منحة … وفي هذه الآيات دليل على شدة افتقار العبد إلى تثبيت الله إياه، وأنه ينبغي له أن لا يزال متملقًا لربه أن يثبته على الإيمان، ساعيًا في كل سبب موصل إلى ذلك؛ لأن النبي ﷺ وهو أكمل الخلق- قال الله له: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾، فكيف بغيره؟! وفيها: تذكير الله لرسوله منته عليه، وعصمته من الشر، فدل ذلك على أن الله يحب من عباده أن يتفطنوا لإنعامه عليهم -عند وجود أسباب الشر- بالعصمة منه، والثبات على الإيمان. وفيها: أنه بحسب علو مرتبة العبد وتواتر النعم عليه من الله يعظم إثمه، ويتضاعف جرمه، إذا فعل ما يلام عليه؛ لأن الله ذكر رسوله لو فعل -وحاشاه من ذلك- بقوله: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا

стр. 634

نَصِيرًا﴾ " (١). ومن أبرز مظاهر الميل إلى الكفار والظلمة عند الداعية ظاهرة الهزيمة النفسية، وهذا ما سيكون الحديث عنه في المبحث الآتي.

стр. 635

المبحث السادس: الهزيمة النفسية (١) من آثار الخلل في الإيمان وأعمال القلب: ضعف العزة بالإسلام والوقوع في الهزيمة النفسية، وهي: شعور المسلم بالضعف والهوان والضعة أمام أعدائه، وشعوره بالعجز عن مجاراتهم، أما التفوق عليهم فلا يخطر له ببال، ويؤدي هذا الشعور إلى ذوبان الشخصية الإسلامية، والتبعية للغرب والتقليد الأعمى؛ مما يجعل المسلم يفقد كل معاني العزة بدينه، فيتفلت من تبعات دينه (٢)، ويقذف في قلبه الوهن الذي ذكره النبي ﷺ في حديث ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا»، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ»، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ». وإذا أصاب هذا الداء العضال الداعية الذي ينبغي أن يسعى في إنقاذ الأمة من هذه الهزيمة النفسية، فإذا حل بقلبه هذا الأمر، يصبح معول هدم في يدي أعداء الإسلام، يضربون به الأمة في مقاتلها، ويصير فتنة لكل مفتون، وينبت في قلبه مرض النفاق وهو لا يشعر، وكم جر هؤلاء على الأمة من بلايا ورزايا، تتجرع الأمة مرارتها في كل زمن يظهرون فيه، وهم الذين خافهم النبي ﷺ على أمته وحذرها منهم، كما في حديث عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ».
следующие страницы →