← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 978

أثر أعمال القلوب على الداعية والدعوة

إبراهيم بن حسن الحضريتي

Полный текст (777 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

المبحث الخامس: الركون إلى الكفار والظلمة ومن مظاهر ضعف أعمال القلوب: ميل القلب إلى الكفار والظلمة والركون إليهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣]. الركون لغة: الميل إلى الشيء، والسكون إليه (١). وفي الاصطلاح: قال البغوي ﵀: "هو المحبة والميل بالقلب" (٢). وقال القرطبي ﵀ في تعريفه: "الركون: حقيقة الاستناد والاعتماد، والسكون إلى الشيء والرضا به" (٣). وعرفه السعدي ﵀ بقوله: "والمراد بالركون الميل والانضمام إليه بظلمه وموافقته على ذلك، والرضا بما هو عليه من الظلم" (٤). وقال ابن جرير ﵀ في معنى الآية: "يقول تعالى ذكره: ولا تميلوا -أيها الناس- إلى قول هؤلاء الذين كفروا بالله، فتقبلوا منهم وترضوا أعمالهم، ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ بفعلكم ذلك، ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من ناصر ينصركم وولي يليكم، ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ يقول: فإنكم إن فعلتم ذلك لم ينصركم الله، بل يخليكم

стр. 632

من نصرته، ويسلط عليكم عدوكم" (١). وعلى هذا فإن ميل الداعية إلى الظلمة وركونه إلى أعداء الله يكون سببًا لتسلط الأعداء عليه في الدنيا، ثم لا يجد نصر الله حليفه، بل يخذله ويتركه لعدوه يتسلط عليه، فيصرفه عن دعوته، وتصيبه الفتنة والعذاب الأليم في الآخرة، فتمسه النار. وقال تعالى محذرًا لنبيه ﷺ أشد التحذير من الميل اليسير إلى الكفار، في وعيد تنخلع منه القلوب، وإذا كان هذا الوعيد العظيم مع نبيه ﷺ وحاشاه أن يقع في ذلك- فكيف بمن عداه؟! ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٥]. قال السعدي ﵀ في معنى الآيات: "يذكر تعالى منته على رسوله محمد ﷺ ، وحفظه له من أعدائه الحريصين على فتنته بكل طريق، فقال: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ أي: قد كادوا لك أمرًا لم يدركوه، وتحيلوا لك، على أن تفتري على الله غير الذي أنزلنا إليك، فتجيء بما يوافق أهواءهم، وتدع ما أنزل الله إليك. ﴿وَإِذًا﴾ لو فعلت ما يهوون ﴿لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ أي: حبيبًا صفيًّا، أعز عليهم من أحبابهم؛ لما جبلك الله عليه من مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، المحببة للقريب والبعيد، والصديق والعدو.

стр. 633

ولكن لتعلم أنهم لم يعادوك وينابذوك العداوة إلا للحق الذي جئت به، لا لذاتك، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، ﴿وَ﴾ مع هذا فـ ﴿لَوْلَآ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ على الحق، وامتننا عليك بعدم الإجابة لداعيهم، ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ من كثرة المعالجة، ومحبتك لهدايتهم. ﴿إِذًا﴾ لو ركنت إليهم بما يهوون ﴿لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ أي: لأصبناك بعذاب مضاعف، في الحياة الدنيا والآخرة؛ وذلك لكمال نعمة الله عليك، وكمال معرفتك. ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ ينقذك مما يحل بك من العذاب، ولكن الله تعالى عصمك من أسباب الشر، ومن البشر، فثبتك وهداك الصراط المستقيم، ولم تركن إليهم بوجه من الوجوه، فله عليك أتم نعمة وأبلغ منحة … وفي هذه الآيات دليل على شدة افتقار العبد إلى تثبيت الله إياه، وأنه ينبغي له أن لا يزال متملقًا لربه أن يثبته على الإيمان، ساعيًا في كل سبب موصل إلى ذلك؛ لأن النبي ﷺ وهو أكمل الخلق- قال الله له: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾، فكيف بغيره؟! وفيها: تذكير الله لرسوله منته عليه، وعصمته من الشر، فدل ذلك على أن الله يحب من عباده أن يتفطنوا لإنعامه عليهم -عند وجود أسباب الشر- بالعصمة منه، والثبات على الإيمان. وفيها: أنه بحسب علو مرتبة العبد وتواتر النعم عليه من الله يعظم إثمه، ويتضاعف جرمه، إذا فعل ما يلام عليه؛ لأن الله ذكر رسوله لو فعل -وحاشاه من ذلك- بقوله: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا

стр. 634

نَصِيرًا﴾ " (١). ومن أبرز مظاهر الميل إلى الكفار والظلمة عند الداعية ظاهرة الهزيمة النفسية، وهذا ما سيكون الحديث عنه في المبحث الآتي.

стр. 635

المبحث السادس: الهزيمة النفسية (١) من آثار الخلل في الإيمان وأعمال القلب: ضعف العزة بالإسلام والوقوع في الهزيمة النفسية، وهي: شعور المسلم بالضعف والهوان والضعة أمام أعدائه، وشعوره بالعجز عن مجاراتهم، أما التفوق عليهم فلا يخطر له ببال، ويؤدي هذا الشعور إلى ذوبان الشخصية الإسلامية، والتبعية للغرب والتقليد الأعمى؛ مما يجعل المسلم يفقد كل معاني العزة بدينه، فيتفلت من تبعات دينه (٢)، ويقذف في قلبه الوهن الذي ذكره النبي ﷺ في حديث ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا»، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ»، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ». وإذا أصاب هذا الداء العضال الداعية الذي ينبغي أن يسعى في إنقاذ الأمة من هذه الهزيمة النفسية، فإذا حل بقلبه هذا الأمر، يصبح معول هدم في يدي أعداء الإسلام، يضربون به الأمة في مقاتلها، ويصير فتنة لكل مفتون، وينبت في قلبه مرض النفاق وهو لا يشعر، وكم جر هؤلاء على الأمة من بلايا ورزايا، تتجرع الأمة مرارتها في كل زمن يظهرون فيه، وهم الذين خافهم النبي ﷺ على أمته وحذرها منهم، كما في حديث عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ».

стр. 636

وللهزيمة النفسية مظاهر عند من يصابون بها ممن يَّدعون أنهم دعاة، منها: ١ - إفساد عقائد المسلمين؛ ولذلك عدة أمثلة، منها: أ - إهمال توحيد الألوهية وعدم الدعوة إليه بحجة أنه يفرق المسلمين. ب - هدم عقيدة السلف في توحيد الأسماء والصفات بحجة تقديم العقل على النقل، أو تشويهها بتحريفها بالتأويل الباطل تارة، أو تعطيلها، أو تفويضها تارات أخرى. ت - هدم عقيدة الولاء والبراء بحجة التقارب بين الأديان والتسامح. ث - إنكار بعض المسلمات العقدية كبعض قضايا الغيب، وأشراط الساعة، بحجة أنها لا يقبلها العقل، أو أن أحاديثها آحاد. ٢ - التساهل في الفتوى، ولي أعناق النصوص بحجة التيسير، وتغير الفتوى بتغير الزمان. ٣ - الدعوة إلى العلمانية، والديمقراطية، والليبرالية، بحجة أنا إذا أردنا أن نتقدم فلنأخذ بما عند الغرب. ٤ - التقليد الأعمى لمظاهر الحضارة الغربية في السلوك، والدعوة إلى ذلك، وله أمثلة، منها: أ - الدعوة إلى التبرج والسفور. ب - التساهل في خلوة الرجل بالمرأة. ت - الدعوة إلى اختلاط الرجال بالنساء. ث - الدعوة إلى تحديد النسل. ٥ - ومن المظاهر الدالة على الهزيمة النفسية والرضوخ لضغطها ما يقع فيه بعض الدعاة من لبس الحق بالباطل وكتمانه، وسيأتي تفصيله في المبحث الآتي.

стр. 637

المبحث السابع: لبس الحق بالباطل وكتمانه من آثار الخلل في أعمال القلب لبس الباطل بالحق؛ لأجل أن يجد قبولًا عند الناس، أو أنه يكتم الحق؛ لأجل الحصول على مكاسب دنيوية، أو لأجل أن يتزلف إلى من يريد الحظوة عندهم، أو يستسلم لضغط الواقع تحت سياط هزيمة النفس من الأعداء، وهذا الأمر من لبس الحق بالباطل وكتمانه من أخطر الصفات على الداعية التي ينبغي عليه الحذر منها أشد الحذر، وأن يحاسب نفسه عليها محاسبة دقيقة؛ لأنها من أخبث صفات المغضوب عليهم، ولهذا قال بعض السلف: "من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود" (١)، وقد قال في ذكر صفتهم: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢]. قال السعدي ﵀: "ثم قال: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا﴾ أي: تخلطوا ﴿الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ فنهاهم عن شيئين: عن خلط الحق بالباطل، وكتمان الحق؛ لأن المقصود من أهل الكتب والعلم تمييز الحق، وإظهار الحق؛ ليهتدي بذلك المهتدون، ويرجع الضالون، وتقوم الحجة على المعاندين؛ لأن الله فصل آياته وأوضح بيناته؛ ليميز الحق من الباطل، ولتستبين سبيل المهتدين من سبيل المجرمين، فمن عمل بهذا من أهل العلم، فهو من خلفاء الرسل وهداة الأمم. ومن لبس الحق بالباطل، فلم يميز هذا من هذا، مع علمه بذلك، وكتم الحق الذي يعلمه وأمر بإظهاره، فهو من دعاة جهنم؛ لأن الناس لا يقتدون في أمر دينهم

стр. 638

بغير علمائهم، فاختاروا لأنفسكم إحدى الحالتين" (١). ووجه الله الخطاب لأهل الكتاب موبخًا لهم في إضلالهم الناس بخلط الحق بالباطل، وكتمان الحق وهم يعلمون، وفي ذلك تحذير لمن يدعون الناس ويعلمونهم أن يسلكوا مسلكهم، فقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١]، وقال السعدي ﵀ في معنى الآية: "فوبخهم على لبس الحق بالباطل وعلى كتمان الحق؛ لأنهم بهذين الأمرين يضلون من انتسب إليهم، فإن العلماء إذا لبسوا الحق بالباطل فلم يميزوا بينهما، بل أبقوا الأمر مبهمًا وكتموا الحق الذي يجب عليهم إظهاره، ترتب على ذلك من خفاء الحق وظهور الباطل ما ترتب، ولم يهتد العوام الذين يريدون الحق لمعرفته حتى يؤثروه، والمقصود من أهل العلم أن يظهروا للناس الحق ويعلنوا به، ويميزوا الحق من الباطل، ويظهروا الخبيث من الطيب، والحلال والحرام، والعقائد الصحيحة من العقائد الفاسدة، ليهتدي المهتدون، ويرجع الضالون، وتقوم الحجة على المعاندين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] " (٢). من صور لبس الحق بالباطل أو كتمان الحق عند بعض الدعاة: ولعل من أبرز صوره في هذا الزمن البحث عن الآراء الشاذة، وتتبع زلل العلماء وإبرازه للناس على أنه خلاف معتبر، ولي أعناق النصوص أو ردها بحجج واهية؛ لأجل اللبس على الناس لقبول هذا الرأي الشاذ، وفي المقابل كتمان القول الحق في المسألة أو رده؛ لأنه لا يوافق هواه أو هوى من يفتي لهم، وهذا من الرأي الذي جاء

стр. 639

تحذير السلف من القول به، فقال مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﵁ يَوْمًا: "إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ فِتَنًا يَكْثُرُ فِيهَا الْمَالُ، وَيُفْتَحُ فِيهَا الْقُرْآنُ حَتَّى يَأْخُذَهُ الْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ، وَالرَّجُلُ، وَالْمَرْأَةُ، وَالصَّغِيرُ، وَالْكَبِيرُ، وَالْعَبْدُ، وَالْحُرُّ، فَيُوشِكُ قَائِلٌ أَنْ يَقُولَ: مَا لِلنَّاسِ لَا يَتَّبِعُونِي وَقَدْ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ؟! مَا هُمْ بِمُتَّبِعِيَّ حَتَّى أَبْتَدِعَ لَهُمْ غَيْرَهُ، فَإِيَّاكُمْ وَمَا ابْتُدِعَ، فَإِنَّ مَا ابْتُدِعَ ضَلَالَةٌ، وَأُحَذِّرُكُمْ زَيْغَةَ الْحَكِيمِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ عَلَى لِسَانِ الْحَكِيمِ، وَقَدْ يَقُولُ الْمُنَافِقُ كَلِمَةَ الْحَقِّ"، فقيل لِمُعَاذٍ: مَا يُدْرِينِي -رَحِمَكَ اللَّهُ- أَنَّ الْحَكِيمَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ وَأَنَّ الْمُنَافِقَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الْحَقِّ؟! قَالَ: "بَلَى، اجْتَنِبْ مِنْ كَلَامِ الْحَكِيمِ الْمُشْتَهِرَاتِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: مَا هَذِهِ؟ وَلَا يُثْنِيَنَّكَ ذَلِكَ عَنْهُ، فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ أَنْ يُرَاجِعَ، وَتَلَقَّ الْحَقَّ إِذَا سَمِعْتَهُ فَإِنَّ عَلَى الْحَقِّ نُورًا" (١). يقول الأوزاعي ﵀: "عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآثار الرجال وإن زخرفوا لك القول" (٢). ويقول ابن القيم ﵀: "والمقصود أن السلف جميعهم على ذم الرأي والقياس المخالف للكتاب والسنة، وأنه لا يحل العمل به لا فتيًا ولا قضاء، وأن الرأي الذي لا يعلم مخالفته للكتاب والسنة ولا موافقته، فغايته أن يسوغ العمل به عند الحاجة إليه، من غير إلزام ولا إنكار على من خالفه" (٣). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ

стр. 640

بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٤]. والآيات وإن كانت نازلة في أهل الكتاب، حينما كتموا نبوة النبي ﷺ وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، والصحيح أنها عامة في كل من يشابههم في كتم الحق (١)، ويؤيد كونها عامة قول أبي هريرة ﵁: يَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ! وَاللَّهُ المَوْعِدُ، وَيَقُولُونَ: مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ؟! وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا، أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَحْضُرُ حِينَ يَغِيبُونَ، وَأَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا: «لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ، ثُمَّ يَجْمَعَهُ إِلَى صَدْرِهِ، فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئًا أَبَدًا»، فَبَسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرُهَا، حَتَّى قَضَى النَّبِيُّ ﷺ مَقَالَتَهُ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ، مَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَاللَّهِ لَوْلَا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا أَبَدًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٠] (٢). وقال ابن جرير ﵀ في بيان أن هذه الآية عامة في كل من كتم علمًا: "وهذه الآية وإن كانت نزلت في خاص من الناس، فإنها معنيٌ بها كلُّ كاتمٍ علمًا فرض الله تعالى بيانه للناس" (٣).

стр. 641

وفي الآيات تحذير من كتمان الحق، وبيان خطورة ذلك، وما يترتب عليه من عقوبات، منها: ١ - يلعنهم الله: أصل اللعن: الطرد والإبعاد، بمعنى: يطردهم من القرب منه، ويبعدهم عن رحمته (١). ٢ - يلعنهم اللاعنون: اختلف المفسرون في المراد باللاعنين على أقوال كثيرة، والذي رجحه ابن جرير ﵀ بعد أن استعرض أقوال المفسرين في ذلك ما ذكره في قوله ﵀: "وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قول من قال: اللاعنون: الملائكة والمؤمنون؛ لأن الله تعالى ذكره قد وصف الكفار بأن اللعنة التي تحل بهم إنما هي من الله والملائكة والناس أجمعين، فقال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١]، فكذلك اللعنة التي أخبر الله -تعالى ذكره- أنها حالة بالفريق الآخر الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس، هي لعنة الله التي أخبر أن لعنتهم حالة بالذين كفروا وماتوا وهم كفار، وهم اللاعنون؛ لأن الفريقين جميعًا أهل كفر" (٢). وأيد الإمام ابن جرير الطبري ﵀ ترجيحه بأنه لم يرد نص على بقية المخلوقات (٣). وذكر القرطبي ﵀ أنه قد جاء نص عن النبي ﷺ من حديث البراء بن عازب ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:

стр. 642

١٥٩]، قَالَ: «دَوَابُّ الْأَرْضِ»، وقال: "أخرجه ابن ماجه (١) وسنده حسن" (٢). وكذلك فسر السعدي عليه رحمة الله بأن اللاعنين جميع الخلق، فقال: " ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ وهم جميع الخليقة، فتقع عليهم اللعنة من جميع الخليقة، لسعيهم في غش الخلق وفساد أديانهم، وإبعادهم من رحمة الله، فجوزوا من جنس عملهم، كما أن معلم الناس الخير يصلي الله عليه وملائكته، حتى الحوت في جوف الماء، لسعيه في مصلحة الخلق، وإصلاح أديانهم، وقربهم من رحمة الله، فجوزي من جنس عمله، فالكاتم لما أنزل الله مضاد لأمر الله، مشاق لله، يبين الله الآيات للناس ويوضحها، وهذا يطمسها، فهذا عليه هذا الوعيد الشديد" (٣). وهذا الذي أراه هو الأولى؛ أن اللاعنين جميع الخلق، لورود الدليل بذلك وإن كان فيه مقال، إلا أنه يشهد له حديث: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ»، ووجه ذلك أنه إذا كان يحصل هذا لمعلم الخير، فكذلك في المقابل تلعن جميع المخلوقات من يكتم العلم عن الناس، والله أعلم. ٣ - يأكلون في بطونهم النار: أي: ما يأكلونه في مقابل كتمان الحق سيكون نارًا تأجج في بطونهم يوم القيامة؛ لأن الثمن الذي حصل لهم على كتمان الحق إنما حصل لهم بأقبح المكاسب، وأعظم المحرمات، فكان جزاؤهم من جنس عملهم (٤).

стр. 643

٤ - لا يكلمهم الله يوم القيامة: لأنه غضبان عليهم، فكتموا الحق وهم يعلمون، فلا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يكلمهم بالرحمة وبما يسرهم، بل يوبخهم، ويسخط عليهم، ويعرض عنهم (١). ٥ - لا يزكيهم الله: قال السعدي ﵀: "أي: لا يطهرهم من الأخلاق الرذيلة، وليس لهم أعمال تصلح للمدح والرضا والجزاء عليها، وإنما لم يزكهم لأنهم فعلوا أسباب عدم التزكية التي أعظم أسبابها العمل بكتاب الله، والاهتداء به، والدعوة إليه، فهؤلاء نبذوا كتاب الله، وأعرضوا عنه، واختاروا الضلالة على الهدى، والعذاب على المغفرة" (٢). لهم عذاب أليم في الآخرة: لهم عذاب موجع في الآخرة في النار، لأنه ذكر عنهم في منتصف الآية ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾، وهذا كما قال تعالى عمن يأكلون أموال اليتامى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، وختم الآية بأن الذين يكتمون الحق لهم عذاب مؤلم في الآخرة، ثم قال عنهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]. ولا يسلم من تلك العقوبات إلا من استثناه الله وتوفرت فيه الصفات الآتية التي قال الله عنها: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٠]، وهي: التوبة، والإصلاح، والبيان، وقال السعدي ﵀ في ذكر معنى هذه الصفات: " ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ أي: رجعوا عما هم عليه من

стр. 644

الذنوب، ندمًا وإقلاعًا، وعزمًا على عدم المعاودة، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ ما فسد من أعمالهم، فلا يكفي ترك القبيح حتى يحصل فعل الحسن. ولا يكفي ذلك في الكاتم أيضًا، حتى يبين ما كتمه، ويبدي ضد ما أخفى، فهذا يتوب الله عليه؛ لأن توبة الله غير محجوب عنها، فمن أتى بسبب التوبة تاب الله عليه؛ لأنه ﴿التَّوَّابُ﴾ أي: الرجاع على عباده بالعفو والصفح بعد الذنب إذا تابوا، وبالإحسان والنعم بعد المنع إذا رجعوا، ﴿الرَّحِيمُ﴾ الذي اتصف بالرحمة العظيمة، التي وسعت كل شيء، ومن رحمته أن وفقهم للتوبة والإنابة فتابوا وأنابوا، ثم رحمهم بأن قبل ذلك منهم، لطفًا وكرمًا" (١). وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. قال السعدي ﵀: "الميثاق هو العهد الثقيل المؤكد، وهذا الميثاق أخذه الله تعالى على كل من أعطاه الله الكتب وعلمه العلم، أن يبين للناس ما يحتاجون إليه مما علمه الله، ولا يكتمهم ذلك، ويبخل عليهم به، خصوصًا إذا سألوه، أو وقع ما يوجب ذلك، فإن كل من عنده علم يجب عليه في تلك الحال أن يبينه، ويوضح الحق من الباطل. فأما الموفقون، فقاموا بهذا أتم القيام، وعلموا الناس مما علمهم الله؛ ابتغاء مرضاة ربهم، وشفقة على الخلق، وخوفًا من إثم الكتمان. وأما الذين أوتوا الكتاب، من اليهود والنصارى ومن شابههم، فنبذوا هذه العهود والمواثيق وراء ظهورهم، فلم يعبؤوا بها، فكتموا الحق، وأظهروا الباطل، تجرُّؤًا على محارم

стр. 645

الله، وتهاونًا بحقوق الله وحقوق الخلق، واشتروا بذلك الكتمان ثمنًا قليلًا وهو ما يحصل لهم إن حصل من بعض الرياسات والأموال الحقيرة، من سفلتهم المتبعين أهواءهم، المقدمين شهواتهم على الحق، ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾؛ لأنه أخس العوض، والذي رغبوا عنه -وهو بيان الحق الذي فيه السعادة الأبدية والمصالح الدينية والدنيوية- أعظم المطالب وأجلها، فلم يختاروا الدنيء الخسيس ويتركوا العالي النفيس إلا لسوء حظهم وهوانهم، وكونهم لا يصلحون لغير ما خلقوا له" (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢). وفي لفظ قَالَ ﷺ : «مَنْ كَتَمَ عِلْمًا يَعْلَمُهُ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَجَّمًا بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» (٣). قال الخطابي ﵀: "والمعنى: أن الملجم لسانه عن قول الحق والإخبار عن العلم والإظهار له يعاقب في الآخرة بلجام من نار. وخرج هذا على معنى مشاكلة العقوبة الذنب كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ".

стр. 646

قال: "وهذا في العلم الذي يلزمه تعليمه إياه ويتعين عليه فرضه؛ كمن رأى كافرًا يريد الإسلام يقول: علموني ما الإسلام؟ وما الدين؟ وكمن يرى رجلًا حديث العهد بالإسلام لا يحسن الصلاة وقد حضر وقتها، يقول: علموني كيف أصلي؟ وكمن جاء مستفتيًا في حلال أو حرام يقول: أفتوني وأرشدوني، فإنه يلزم في مثل هذه الأمور أن لا يمنعوا الجواب عما سألوا عنه من العلم، فمن فعل ذلك كان آثمًا مستحقًّا للوعيد والعقوبة. وليس كذلك الأمر في نوافل العلم التي لا ضرورة بالناس إلى معرفتها" (١).

стр. 647

المبحث الثامن: العُجْب، والرياء والسمعة، والكبر المطلب الأول: العُجْب. المطلب الثاني: الرياء والسمعة. المطلب الثالث: الكبر. المطلب الرابع: كيفية التخلص من هذه الآفات.

стр. 648

المبحث الثامن: العُجْب، والرياء والسمعة، والكبر توطئة: مطلوب من الداعية أن يتفقد قلبه، ويحاسب نفسه على آفات القلوب، ويحذر من تسللها إلى قلبه، ومن تلك الآفات العجب، والرياء والسمعة، ومن أشدها خطرًا الكبر والتعالي على الناس. وهذه الآفات أو بعضها إذا تسللت إلى قلب الداعية أفسدت عليه قلبه، فقسى وأظلم، وتسلطت عليه شياطين الإنس والجن، وكان فتنة لكل مفتون. ودونك تفصيل الكلام على هذه الآفات وفق المطالب الآتية: المطلب الأول: العُجْب. المطلب الثاني: الرياء والسمعة. المطلب الثالث: الكبر. المطلب الرابع: كيفية التخلص من هذه الآفات. وفيما يلي بيان ذلك: المطلب الأول: العُجْب: أولًا: تعريف العُجْب: العُجْبُ لغة: يطلق على الكبر بالنفس، يقال: معجب بنفسه، وذلك لمن يروقه نفسه، فهو مزهوٌّ بما يكون منه حسنًا أو قبيحًا، وقد يكون العجب بالشيء، فيقال: معجب برأيه وبنفسه (١).

стр. 649

العُجْبُ اصطلاحًا: قال عبد الله بن المبارك ﵀ عن العجب: "أن ترى أن عندك شيئًا ليس عند غيرك" (١). وقال الغزالي ﵀ عن العجب: "استعظام النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم" (٢). وقال أبو العباس القرطبي (٣): "إعجاب الرجل بنفسه هو ملاحظته لها بعين الكمال والاستحسان مع نسيان منة الله تعالى" (٤). وقال الجرجاني: "العجب: هو عبارة عن تصور استحقاق الشخص رتبة لا يكون مستحقًّا لها" (٥). ومن خلال ما سبق يتضح أن العجب مرتبط بالنفس، وهو أن يرى بأن عنده ما ليس عند غيره، وملاحظته لنفسه بعين الكمال والاستحسان، مع نسيان أن المنعم عليه هو الله تعالى.

стр. 650

ثانيًا: حكم العجب: دلت نصوص الكتاب والسنة على تحريم العجب، ومن ذلك: قال تعالى في وصية لقمان لابنه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]. قال السعدي ﵀ في تفسيره لهذه الآية: " ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي: لا تُمِلْهُ وتعبس بوجهك للناس؛ تكبُّرًا عليهم وتعاظمًا. ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ أي: بطرًا، فخرًا بالنعم، ناسيًا المنعم، معجبًا بنفسك. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ﴾ في نفسه وهيئته وتعاظمه، ﴿فَخُورٍ﴾ بقوله" (١). وعن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ : «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ، تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ، مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ، إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» (٢). وقال ﷺ من حديث أنس ﵁: «ثلاث مهلكات .. »، ثم قال ﷺ : «وأمّا المهلكاتُ: فَشُحٌّ مطاع، وهوًى متَّبع، إعجابُ المرءِ بنفِسِه" (٣). وعَن أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ لمْ تَكُونُوا تُذْنِبُونَ لَخَشِيتُ عَلَيْكُمْ مَا

стр. 651

هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ: الْعُجْبَ» (١). وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ -وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ- «إِنَّ فِيكُمْ قَوْمًا يَعْبُدُونَ وَيَدْأَبُونَ، حَتَّى يُعْجَبَ بِهِمُ النَّاسُ، وَتُعْجِبَهُمْ نُفُوسُهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ» (٢). ودلت هذه النصوص على أن العجب محرم ومن كبائر الذنوب، بل عده شيخ الإسلام ﵀ من الشرك، فقال: "وكثيرًا ما يقرن الناس بين الرياء والعجب، فالرياء من باب الإشراك بالخلق، والعجب من باب الإشراك بالنفس، وهذا حال المستكبر، فالمرائي لا يحقق قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، والمعجب لا يحقق قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فمن حقق قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ خرج عن الرياء، ومن حقق قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ خرج عن الإعجاب" (٣). مما يدل على خطر العجب على الأمة، وأثره العظيم في حصول الهزيمة، ما ذكره الله في تعقيبه على غزوة حنين وهو يربي الأمة على الحذر من هذه المسالك، حينما حصل هزيمة في أول المعركة بسبب العجب بالكثرة وتعلق القلب بها، فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ

стр. 652

كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]، وكان من أسباب الخلل والهزيمة العجب الذي أدى إلى ركون القلب إلى الكثرة والاعتداد بها بأنهم لن يهزموا، وغفلوا عن أن النصر من الله، وليس بالكثرة ولا بالقوة المادية، فأصابهم الخذلان، ولم تغن عنهم الكثرة شيئًا، فحصلت الهزيمة والفرار في أول المعركة من هؤلاء، وثبّت الله نبيه ﷺ والمؤمنين معه، ونصرهم في نهاية المعركة، حيث قال : ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٦]. ومن أقوال السلف في التحذير منه: - قال علي بن أبي طالب ﵁: "الإعجاب ضد الصواب، وآفة الألباب" (١). - وعن كعب ﵁ أنه قال لرجل رآه يتبع الأحاديث: "اتق الله، وارض بالدون من المجلس، ولا تؤذ أحدًا، فإنه لو ملأ علمك ما بين السماء والأرض مع العجب ما زادك الله به إلا سفالًا ونقصانًا" (٢). - وقال أبو الدرداء ﵁: "علامة الجهل ثلاث: العجب، وكثرة المنطق فيما لا يعنيه، وأن ينهى عن شيء ويأتيه" (٣). - وعن مسروق (٤) ﵀ قال: "كفى بالمرء علمًا أن يخشى الله، وكفى بالمرء

стр. 653

جهلًا أن يعجب بعمله" (١). - وقال أبو وهب المروزي (٢) ﵀: "سألت ابن المبارك: ما الكبر؟ قال: أن، تزدري الناس. فسألته عن العجب، قال: أن ترى أن عندك شيئا ليس عند غيرك، لا أعلم في المصلين شيئًا شرًّا من العجب" (٣). - وعن خالد بن يزيد بن معاوية (٤) ﵀ قال: "إذا رأيت الرجل لجوجًا مماريًا معجبًا بنفسه، فقد تمت خسارته" (٥). - وكان يحيى بن معاذ ﵀ يقول: "إياكم والعجب؛ فإن العجب مهلكة لأهله، وإن العجب ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" (٦). وقيل لعبد الله بن المبارك: ما الذنب الذي لا يغفر؟ قال: "العجب" (٧). ويقصد ابن المبارك ﵀ أن العجب من الكبائر التي لا تغفر إلا بالتوبة.

стр. 654

ثالثًا: صور من العجب عند الداعية المبتلى به (١): ١ - كثرة الحديث عن نفسه ومنجزاته وأعماله الدعوية إما تصريحًا أو تلميحًا. ٢ - حبه ونشاطه في الأعمال التي فيها ظهور أمام الجمهور، وفي المقابل البعد أو الكسل عن الأعمال التي لا يراه فيها الناس؛ لأن الظهور أمام الناس يلبي رغبة العجب التي في نفسه. ٣ - يحب من يقدمه ويثني عليه، وينفر من الذين لا يثنون عليه، ولا يحب النشاط الدعوي في هذه الأماكن التي لا يثنى عليه فيها. ٤ - الضيق والتبرم من النصيحة، والبعد عن الناصحين. ٥ - حبه للتصدر وحرصه عليه قبل أن يتأهل لذلك. ٦ - الفرح بذكر أو سماع عيوب إخوانه من الدعاة؛ مما يؤدي به إلى البحث والتنقيب عن عيوبهم، ونسيان عيوب نفسه، وهو يظن أنه بذلك يظهر قدرته العلمية. ٧ - عدم استشارة أهل العلم، معتدًّا برأيه، ويظن أنه ليس بحاجة إلى استشارة أحد لكمال عقله. رابعًا: خطر العجب على الداعية: العجب له خطر عظيم على الداعية في نفسه، وعلى دعوته، ومن ذلك: ١ - نفور الناس منه، ومن دعوته. ٢ - سبب للكبر والغرور والتعالي على الناس. ٣ - سبب للرياء والسمعة.

стр. 655

٤ - نسيان الذنوب والتمادي في التقصير، ولا يوفق للتوبة. ٥ - الإصرار على الأخطاء في دعوته، وعدم سماع العلماء الناصحين اعتدادًا برأيه. ٦ - وقد مر في فقرة سابقة في هذا المطلب تحذير السلف من العجب، وبيان خطره، ما يكفي للنفور منه والبعد عنه (١). ٧ - سبب للخذلان وقلة التوفيق. المطلب الثاني: الرياء والسمعة: وفيه فرعان: الفرع الأول: الرياء، والفرع الثاني: السمعة. الفرع الأول: الرياء: أولًا: تعريفه: الرياء في اللغة: مشتق من الرؤية، وقال ابن فارس ﵀: "وَرَاءَى فُلَانٌ يُرَائِي، وَفَعَلَ ذَلِكَ رِئَاءَ النَّاسِ، وَهُوَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا لِيَرَاهُ النَّاسُ" (٢). وتعريفه في الشرع: وردت له تعاريف كثيرة، ومن أجمعها تعريف ابن حجر ﵀: "إِظْهَارُ الْعِبَادَةِ لِقَصْدِ رُؤْيَةِ النَّاسِ لَهَا، فَيَحْمَدُوا صَاحِبَهَا" (٣). ثانيًا: حكم الرياء: الرياء من الشرك الأصغر، وهو أيضًا من الشرك الخفي؛ ولذا كان خطره عظيمًا، وشره مستطيرًا، فلا بد من الحذر منه، والانتباه له ولعظيم ضرره. ومن الأدلة على ذلك: قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ

стр. 656

رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨]. والآيات تدل على عظيم خطر الرياء وأن من تلبس به وأنه من الشرك، ومن صفات المنافقين، وصاحبه الشيطان قرين له فساء قريناً. قال سفيان الثوري ﵀ عند قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]: "ويل لأهل الرياء! ويل لأهل الرياء! هذه آيتهم وقصتهم" (١). وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ» (٢). وذكر الخطابي رحمة الله في معني الحديث: أن من عمل عملًا على غير إخلاص، وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه، جزاه الله على ذلك بأن يشهره ويفضحه، ويظهر ما كان يبطنه (٣). وأضاف ابن حجر إلى ما ذكره الخطابي، فقال: "وقيل: من قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس، ولم يرد به وجه الله، فإن الله يجعله حديثًا عند الناس الذين أراد نيل المنزلة عندهم، ولا ثواب له في الآخرة ومعنى «يرائي»: يطلعهم على أنه فعل ذلك لهم

стр. 657

لا لوجهه" (١). وعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ؛ إِنَّ اللهَ يَقُولُ يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟!» (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (٣). وذكر الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله في شرحه على التوحيد أن الرياء على درجتين: الأولى: رياء المنافقين؛ بأن يظهر الإسلام ويبطن الكفر؛ لأجل رؤية الخلق، وهذا مناف للتوحيد من أصله وكفر أكبر بالله، وقد وصف المنافقين بقوله: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]، فقوله تعالى: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ الرياء الأكبر الذي هو إظهار الإسلام وإبطان الكفر. الثانية: وهو أن يرائي المسلم بعمله أو ببعض عمله، فهذا شرك خفي ينافي كمال التوحيد (٤).

стр. 658

ثالثًا: صور من الرياء عند من ابتلي به من الدعاة (٥): ١ - الصور التي مرت في العجب تنطبق على الرياء لتقارب الآفتين. ٢ - ينشط في العبادة إذا رآه الناس، ويحسنها ويتقنها من أجل شعوره برؤية الناس له، كما في الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟» قَالَ: قُلْنَا: بَلَى، فَقَالَ: «الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي، فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ؛ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ» (٦). ٣ - يحافظ على البعد عن محارم الله إذا كان الناس يرونه، وإذا خلا بمحارم الله انتهكها؛ لأنه لا ينتهي عن المحارم إلا مخافة من الناس، ولهذا عقوبته عظيمة، كما في الحديث عَنْ ثَوْبَانَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ هَبَاءً مَنْثُورًا»، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا؛ أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا». وهذا يحصل من بعض من ينتسبون للدعوة، تجده ينتهك محارم الله إذا خلا بجواله أو جهاز حاسبه أو بالقناة الفضائية التي تعرض ما حرم الله. ٤ - يطلب العلم وهمه أن يرى تعظيم الناس له، وقضاء حاجاته، وتقديمه في المجالس.

стр. 659

٥ - الرّياء بالقول، وهو أن يقوم بهذه الأعمال من أجل الناس، ويكون مهتمًّا بالوعظ والتّذكير والنّطق بالحكمة، وحفظ الأخبار والآثار؛ لإظهار غزارة العلم، ومن ذلك تحريك الشّفتين بالذّكر في محضر النّاس، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر أمامهم. ٦ - المراءاة بالأصحاب والزّائرين، كأن يطلب المرائي من عالم أن يزوره ليقال: إنّ فلانًا قد زار فلانًا، ومن ذلك كثرة ذكره للشّيوخ الذين قابلهم وزارهم، ويحرص على إظهار ذلك للناس من خلال الوسائل المتاحة له، لا لأجل الاقتداء ونشر الخير، وإنما لأجل أن يشعر الناس بمكانته. رابعًا: خطر الرياء على الداعية (١): ١ - نفور الناس منه، ومن دعوته. ٢ - خذلان الله له وقلة توفيقه. ٣ - تسلط الأعداء عليه من شياطين الإنس والجن. ٤ - يحبط أعماله الدعوية وينزع الله منها البركة. ٥ - لا يسلم المرائي من أن يفضح الله أمره في الدّنيا، ويظهر عيوبه، فيسقط من أعين النّاس وتذهب هيبته، ناهيك عن حسرته يوم القيامة. ٦ - من يرائي بالأعمال الصالحة أول من تسعر به النار، كما في الحديث أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ حَدَّثَ أَنَّ شُفَيًّا الأَصْبَحِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ دَخَلَ المَدِينَةَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: أَبُو هُرَيْرَةَ، قال فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَلَمَّا سَكَتَ وَخَلَا قُلْتُ لَهُ: أَسْأَلُكَ بِحَقٍّ وَبِحَقٍّ لَمَا حَدَّثْتَنِي حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَقَلْتَهُ وَعَلِمْتَهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ:

стр. 660

أَفْعَلُ، لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَقَلْتُهُ وَعَلِمْتُهُ، ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً فَمَكَثْنَا قَلِيلًا ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا البَيْتِ مَا مَعَنَا أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهُ، ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ أَفَاقَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ فَقَالَ: أَفْعَلُ، لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا وَهُوَ فِي هَذَا البَيْتِ مَا مَعَنَا أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهُ، ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ مَالَ خَارًّا عَلَى وَجْهِهِ فَأَسْنَدْتُهُ عَلَيَّ طَوِيلًا، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنَّ اللَّهَ ﵎ إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ يَنْزِلُ إِلَى العِبَادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ، فَأَوَّلُ مَنْ يَدْعُو بِهِ رَجُلٌ جَمَعَ القُرْآنَ، وَرَجُلٌ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ كَثِيرُ المَالِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْقَارِئِ: أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عُلِّمْتَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ فُلَانًا قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ، وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ المَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ وَأَتَصَدَّقُ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ، وَيُؤْتَى بِالَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: فِي مَاذَا قُتِلْتَ؟ فَيَقُولُ: أُمِرْتُ بِالجِهَادِ فِي سَبِيلِكَ فَقَاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ»، ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رُكْبَتِي فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ». وَقَالَ الوَلِيدُ أَبُو عُثْمَانَ: فَأَخْبَرَنِي عُقْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ أَنَّ شُفَيًّا هُوَ الَّذِي دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرَهُ بِهَذَا. قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: وَحَدَّثَنِي العَلَاءُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، أَنَّهُ كَانَ سَيَّافًا لِمُعَاوِيَةَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَأَخْبَرَهُ بِهَذَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: قَدْ فُعِلَ بِهَؤُلَاءِ هَذَا، فَكَيْفَ بِمَنْ بَقِيَ مِنَ النَّاسِ؟! ثُمَّ بَكَى مُعَاوِيَةُ بُكَاءً شَدِيدًا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ هَالِكٌ،

стр. 661

وَقُلْنَا: قَدْ جَاءَنَا هَذَا الرَّجُلُ بِشَرٍّ، ثُمَّ أَفَاقَ مُعَاوِيَةُ وَمَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ، وَقَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦]. الفرع الثاني: السمعة: أولًا: تعريفها: في اللغة مأخوذة من الفعل سَمِعَ، وهي حب سماع الذكر الحسن عنه بالأذن فيقال: فَعَلَهُ سمعةً أي: ليسمع به الناس (١). وفي الاصطلاح: لا يختلف عن المعنى في اللغة أي يحب أن يسمع من الناس الذكر الحسن عنه، فيظهر العبادة لأجل سماع الناس، أو يتحدث بعمله ليُسْمِع الناس، ويقصد المدح والثناء (٢). ثانيًا: والفرق بينها وبين الرياء كما قال ابن حجر: أن السمعة تتعلق بحاسة السمع (٣)، والرياء يتعلق بحاسة البصر (٤). وكلاهما بمعنى متقارب في نتيجة الحكم عليهما كما سيأتي.

стр. 662

ثالثًا: حكم السمعة: السمعة حكمها كحكم الرياء، فكل ما ورد في الرياء من الأدلة يرد فيها، وقد جاء في السنة ما يبين عظيم خطرها، ومن ذلك: قول النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ». عن جندب ﵁: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَة» الحديث (١). وكان عبد الله بن عمرو ﵄ يُحَدِّثُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ سَمَّعَ اللهُ بِهِ سَامِعَ خَلْقِهِ، وَصَغَّرَهُ وَحَقَّرَهُ»، قَالَ: فَذَرَفَتْ عَيْنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ (٢). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ سَمَّعَ اللهُ بِهِ سَامِعَ خَلْقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَحَقَّرَهُ وَصَغَّرَهُ» (٣). وحكمها حكم الرياء، وبالذات حينما تقارن العمل. قال ابن حجر ﵀: "والسمعة .. مشتقة من سمع، والمراد بها نحو ما في الرياء، لكنها تتعلق بحاسة السمع، والرياء بحاسة البصر" (٤). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ بعد أن ذكر تعريف الرياء: "ويدخل في ذلك

стр. 663

من عمل العمل ليسْمَعَه الناس" (١). رابعًا: ما يستثنى من السمعة: ويستثنى من السمعة المحرمة ما يعمله الإنسان المقتدى به، فيظهر العمل ليقتدي به الناس، بشرط أن يحرص على سلامة نيته من مقصد السمعة المذمومة، وذلك بحبه لسماع ثناء الناس ومدحهم. وقال ابن حجر ﵀: "وفي الحديث (٢) استحباب إخفاء العمل الصالح، لكن قد يستحب إظهاره ممن يقتدى به على إرادته الاقتداء به، ويقدر ذلك بقدر الحاجة، قال ابن عبد السلام (٣): يستثنى من استحباب إخفاء العمل من يظهره ليقتدى به، أو لينتفع به ككتابة العلم (٤)، ومنه حديث سهل الماضي في الجمعة: «لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي» (٥) قال الطبري: كان ابن عمر وابن مسعود وجماعة من السلف يتهجدون في مساجدهم ويتظاهرون بمحاسن أعمالهم ليقتدى بهم، قال: فمن كان إمامًا يستن بعمله عالمًا بما لله عليه قاهرًا لشيطانه استوى ما ظهر من عمله وما خفي؛ لصحة

стр. 664

قصده، ومن كان بخلاف ذلك، فالإخفاء في حقه أفضل، وعلى ذلك جرى عمل السلف، فمن الأول حديث حماد بن سلمة (١) عن ثابت (٢) عن أنس قال: سمع النبي ﷺ رجلًا يقرأ ويرفع صوته بالذكر، فقال: "إِنَّهُ أَوَّابٌ" قال: فإذا هو المقداد بن الأسود أخرجه الطبري (٣). ومن الثاني حديث الزهري عن أبي سلمة (٤) عن أبي هريرة قال قام رجل يصلي، فجهر بالقراءة، فقال له النبي ﷺ : «لا تسمعني، وأسمع ربك» أخرجه أحمد (٥)، وابن أبي خيثمة (٦)، وسنده حسن" (٧).

стр. 665

خامسًا: من مظاهر السمعة عند من ابتلي بها (١): ١ - كثرة إطراء النفس والحديث عنها. ٢ - التمطيط بقراءة القرآن وإخراجها عن الحد المشروع في القراءة، حتى يخيل لك أنه لا يقرأ وإنما ينشد شعرًا، ويتفاعل مع جماهير السامعين ويردد الآية لا للتدبر، وإنما للتمطيط وزيادة التنغيم والدخول من مقام إلى مقام آخر، حتى يشبع رغبة في نفسه بحب ثناء الناس ومدحهم. ٣ - لا يحب الناصح، ويرى أنه ينزل من قدره. ٤ - إذا ألقى درسًا أو موعظة ولم يلق مدحًا ولا ثناء يغضب في داخل نفسه، وربما لا يواصل درسه أو مواعظه في نفس المكان. ٥ - كثير النقد والاعتراض على الآخرين. ٦ - يتصيد الأخطاء ويفرح بها، ويضخمها وهي صغيرة؛ ليشعر من يسمعه أنه عنده غيرة على الدين. سادسًا: تنبيه: أما ما يسمعه الإنسان عنه من ثناء حسن من غير قصد لذلك، وتطلع إليه، فلا يدخل في السمعة المذمومة؛ لأن هذا مما استثناه الحديث، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قِيلَ

стр. 666

لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ، وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» (١). نقل النووي كلام العلماء في معنى قوله ﷺ : «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» فقال ﵀: "قال العلماء: معناه: هذه البشرى المعجلة له بالخير وهي دليل على رضاء الله تعالى عنه ومحبته له، فيحببه إلى الخلق كما سبق في الحديث (٢)، ثم يوضع له القبول في الأرض، هذا كله إذا حمده الناس من غير تعرض منه لحمدهم، وإلا فالتعرض مذموم" (٣). قال السيوطي (٤) ﵀: "قال: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» أي: هذه البشرى المعجلة دليل للبشرى المؤخرة إلى الآخرة" (٥).

стр. 667

سابعًا: خطر السمعة على الداعية: يقال هنا ما قيل في خطر الرياء (١) لتقارب الآفتين، ويضاف ما ورد في الحديث: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَة» الحديث. يَقُولُ ﷺ : «مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ سَمَّعَ اللهُ بِهِ سَامِعَ خَلْقِهِ، وَصَغَّرَهُ وَحَقَّرَهُ»، قَالَ الراوي: فَذَرَفَتْ عَيْنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ. ففي هذين الحديثين بيان عقوبة من يقع في السمعة في الدنيا والآخرة. وذكر أهل العلم (٢) في شرح هذا الحديث عدة معان تدل على خطورة السمعة، ودونك أهمها: ١ - أنه إذا عمل يريد سماع ثناء الناس ليكرموه ويعظموه ويعتقدوا خيره سمع الله به يوم القيامة الناس وفضحه. ٢ - يفضحه الله في الدنيا ويظهر ما كان يبطنه ويخفيه عن الناس. ٣ - وقيل: إذا أراد بالسمعة الجاه والمنزلة عند الناس ولم يرد به وجه الله فإن الله يجعله حديثًا عند الناس الذين أراد نيل المنزلة عندهم، ولا ثواب له في الآخرة. ٤ - وقيل: المعنى: من سمع بعيوب الناس وأذاعها أظهر الله عيوبه وسمعه المكروه. ٥ - وقيل: المعنى: من نسب إلى نفسه عملًا صالحًا لم يفعله وادعى خيرًا لم يصنعه، فإن الله يفضحه ويظهر كذبه. المطلب الثالث: الكبر: أولًا: تعريفه: الكبر: العظمة، وكذلك الكبرياء. ويقال: ورثوا المجد كابرًا عن كابر، أي: كبيرًا عن كبير في الشرف والعز، والاستكبار الامتناع عن قبول الحق، وأعظم التّكبّر التّكبّر

стр. 668

على الله بالامتناع من قبول الحقّ والإذعان له بالعبادة (١). الكبر في الشرع: يكفي في تعريفه ما ذكره النبي ﷺ عنه فقال: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ». ومعنى الحديث: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ» بمعنى رد الحق ودفعه وإنكاره ترفعًا وتجبرًا، «وَغَمْطُ النَّاسِ» أي: احتقارهم (٢). ثانيًا: حكم الكبر: جاءت النصوص بالتحذير والتنفير منه، فقال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦]. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٠]. وقال تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢].

стр. 669

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥]. وكل هذه الآيات تبين خطورة هذا الذنب العظيم، وقبحه وعظيم حرمته عند الله، وأثره على من يقع فيه. قال القرطبي ﵀: " ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ أي: يختم ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ حتى لا يعقل الرشاد ولا يقبل الحق" (١). وقال تعالى عن قول قوم صالح لمن آمن منهم: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦]. وقال السعدي ﵀: "حملهم الكبر أن لا ينقادوا للحق الذي انقاد له الضعفاء" (٢). وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً! قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ». وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْعِزُّ إِزَارُهُ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ» (٣). قال النووي ﵀ في شرح الحديث: "فالضمير في «إزاره ورداؤه» يعود إلى الله

стр. 670

تعالى للعلم به، وفيه محذوف تقديره: قال الله تعالى: «ومن ينازعني ذلك أعذبه» ومعنى «ينازعني»: يتخلق بذلك، فيصير في معنى المشارك، وهذا وعيد شديد في الكبر مصرح بتحريمه" (١). وعن حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ ﷺ : «كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ»، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ» (٢). وقال النووي ﵀: "أما العُتُل .. فهو الجافي الشديد الخصومة بالباطل، وقيل: الجافي الفظ الغليظ، وأما الجَوَّاظ .. فهو الجموع المنوع، وقيل: كثير اللحم المختال في مشيته، وقيل: القصير البطين .. وأما المتكبر والمستكبر فهو صاحب الكبر، وهو بطر الحق وغمط الناس" (٣). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ مفصلًا القول في حكم الكبر: "فالذي في قلبه كبر، إما أن يكون كبرًا عن الحق وكراهة له، فهذا كافر مخلد في النار ولا يدخل الجنة؛ لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩]، ولا يحبط العمل إلا بالكفر كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وأما إذا كان كبرًا على الخلق وتعاظمًا على الخلق، لكنه لم يستكبر عن عبادة الله، فهذا لا يدخل الجنة دخولًا كاملًا مطلقًا لم يسبق بعذاب؛ بل لا بد من عذاب على
следующие страницы →