← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 978

أثر أعمال القلوب على الداعية والدعوة

إبراهيم بن حسن الحضريتي

Полный текст (777 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ، وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» (١). نقل النووي كلام العلماء في معنى قوله ﷺ : «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» فقال ﵀: "قال العلماء: معناه: هذه البشرى المعجلة له بالخير وهي دليل على رضاء الله تعالى عنه ومحبته له، فيحببه إلى الخلق كما سبق في الحديث (٢)، ثم يوضع له القبول في الأرض، هذا كله إذا حمده الناس من غير تعرض منه لحمدهم، وإلا فالتعرض مذموم" (٣). قال السيوطي (٤) ﵀: "قال: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» أي: هذه البشرى المعجلة دليل للبشرى المؤخرة إلى الآخرة" (٥).

стр. 667

سابعًا: خطر السمعة على الداعية: يقال هنا ما قيل في خطر الرياء (١) لتقارب الآفتين، ويضاف ما ورد في الحديث: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَة» الحديث. يَقُولُ ﷺ : «مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ سَمَّعَ اللهُ بِهِ سَامِعَ خَلْقِهِ، وَصَغَّرَهُ وَحَقَّرَهُ»، قَالَ الراوي: فَذَرَفَتْ عَيْنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ. ففي هذين الحديثين بيان عقوبة من يقع في السمعة في الدنيا والآخرة. وذكر أهل العلم (٢) في شرح هذا الحديث عدة معان تدل على خطورة السمعة، ودونك أهمها: ١ - أنه إذا عمل يريد سماع ثناء الناس ليكرموه ويعظموه ويعتقدوا خيره سمع الله به يوم القيامة الناس وفضحه. ٢ - يفضحه الله في الدنيا ويظهر ما كان يبطنه ويخفيه عن الناس. ٣ - وقيل: إذا أراد بالسمعة الجاه والمنزلة عند الناس ولم يرد به وجه الله فإن الله يجعله حديثًا عند الناس الذين أراد نيل المنزلة عندهم، ولا ثواب له في الآخرة. ٤ - وقيل: المعنى: من سمع بعيوب الناس وأذاعها أظهر الله عيوبه وسمعه المكروه. ٥ - وقيل: المعنى: من نسب إلى نفسه عملًا صالحًا لم يفعله وادعى خيرًا لم يصنعه، فإن الله يفضحه ويظهر كذبه. المطلب الثالث: الكبر: أولًا: تعريفه: الكبر: العظمة، وكذلك الكبرياء. ويقال: ورثوا المجد كابرًا عن كابر، أي: كبيرًا عن كبير في الشرف والعز، والاستكبار الامتناع عن قبول الحق، وأعظم التّكبّر التّكبّر

стр. 668

على الله بالامتناع من قبول الحقّ والإذعان له بالعبادة (١). الكبر في الشرع: يكفي في تعريفه ما ذكره النبي ﷺ عنه فقال: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ». ومعنى الحديث: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ» بمعنى رد الحق ودفعه وإنكاره ترفعًا وتجبرًا، «وَغَمْطُ النَّاسِ» أي: احتقارهم (٢). ثانيًا: حكم الكبر: جاءت النصوص بالتحذير والتنفير منه، فقال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦]. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٠]. وقال تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢].

стр. 669

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥]. وكل هذه الآيات تبين خطورة هذا الذنب العظيم، وقبحه وعظيم حرمته عند الله، وأثره على من يقع فيه. قال القرطبي ﵀: " ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ أي: يختم ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ حتى لا يعقل الرشاد ولا يقبل الحق" (١). وقال تعالى عن قول قوم صالح لمن آمن منهم: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦]. وقال السعدي ﵀: "حملهم الكبر أن لا ينقادوا للحق الذي انقاد له الضعفاء" (٢). وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً! قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ». وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْعِزُّ إِزَارُهُ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ» (٣). قال النووي ﵀ في شرح الحديث: "فالضمير في «إزاره ورداؤه» يعود إلى الله

стр. 670

تعالى للعلم به، وفيه محذوف تقديره: قال الله تعالى: «ومن ينازعني ذلك أعذبه» ومعنى «ينازعني»: يتخلق بذلك، فيصير في معنى المشارك، وهذا وعيد شديد في الكبر مصرح بتحريمه" (١). وعن حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ ﷺ : «كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ»، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ» (٢). وقال النووي ﵀: "أما العُتُل .. فهو الجافي الشديد الخصومة بالباطل، وقيل: الجافي الفظ الغليظ، وأما الجَوَّاظ .. فهو الجموع المنوع، وقيل: كثير اللحم المختال في مشيته، وقيل: القصير البطين .. وأما المتكبر والمستكبر فهو صاحب الكبر، وهو بطر الحق وغمط الناس" (٣). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ مفصلًا القول في حكم الكبر: "فالذي في قلبه كبر، إما أن يكون كبرًا عن الحق وكراهة له، فهذا كافر مخلد في النار ولا يدخل الجنة؛ لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩]، ولا يحبط العمل إلا بالكفر كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وأما إذا كان كبرًا على الخلق وتعاظمًا على الخلق، لكنه لم يستكبر عن عبادة الله، فهذا لا يدخل الجنة دخولًا كاملًا مطلقًا لم يسبق بعذاب؛ بل لا بد من عذاب على

стр. 671

ما حصل من كبره وعلوائه على الخلق، ثم إذا طهر دخل الجنة" (١). وبهذا يتضح أن منه ما هو كفر أكبر يخلد في النار، ومنه ما هو كبيرة من الكبائر وصاحبه على خطر عظيم. ثالثًا: صور من الكبر عند من ابتلي به: ١ - رد الحق وعدم قبوله بحجج واهية ظاهرها شيء قد يقبل عند الناس، وباطنها الكبر، منها بحجة أنهم أقل علمًا، أو أصغر سنًّا، أو لا يملكون خبرة كافية ونحو ذلك من الحجج، التي يبرر بها رده للحق. ٢ - احتقار الناس وازدراؤهم، والتعالي عليهم بنسبه أو بمنصبه أو بشهادته العلمية أو بماله ونحو ذلك. ٣ - النفور من مجالسة الفقراء والمساكين وعامة الناس بحجة أن ذلك يسقط هيبته ومكانته العلمية. رابعًا: خطر الكبر على الداعية: ١ - انفضاض الناس من حوله، ونفورهم من دعوته. ٢ - الذل والهوان والخذلان وقلة التوفيق وتسلط الشياطين في الدنيا. ٣ - الذل والهوان في الآخرة ودخول أشد العذاب في النار، كما في الحديث عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ النَّاسِ، يَعْلُوهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الصَّغَارِ، حَتَّى يَدْخُلُوا سِجْنًا فِي

стр. 672

جَهَنَّمَ، يُقَالُ لَهُ: بُولَسُ، فَتَعْلُوَهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ، عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ» (١). المطلب الرابع: كيفية التخلص من هذه الآفات: ولتقارب هذه الآفات العجب والرياء والكبر، فإني أجمل أهم أسباب التخلص منها في النقاط الآتية: أولًا: مطالعة القلب لأسماء الله وصفاته، وبالأخص أسماء الله السميع البصير العليم الخبير؛ فإن لها أثرًا عظيمًا في بعد القلب عن مزالق هذه الآفات؛ لأنه يستحي من الله أن يطلع على قلبه وفيه شيء من الآفات، فيمقته: ودونك هذه الأدلة من كتاب الله تذكر القلوب باطلاع الله عليها وعلمه بها وسمعه وبصره المحيط بكل شيء، وإن المتدبر لهذه الآيات بقلبه، وهو يستحضر معناها وأثرها على قلبه، سيكون لذلك أعظم الأثر في محاسبة نفسه على التخلص من هذه الآفات. قال تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧]. وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [التوبة: ٧٨].

стр. 673

وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٩٩]. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣]. وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥]. وقال تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الحديد: ٤ - ٦]. وقال تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٣، ١٤]. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤]. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٦]. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]. وقال: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١٣].

стр. 674

وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٦١]. وقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١]. والآيات في هذا المعنى كثيرة، والناظر في هذه الآيات بقلب حاضر يتدبر كلام الله ويؤمن بيقين أن الله مطلع عليه عالم بسره ونجواه يسمعه ويراه، فلا بد أن يحدث في قلبه خوفًا وحياء من الله، وحذرًا من الوقوع في هذه الآفات. ثانيًا: من أعظم أسباب علاج هذه الآفات الاطلاع على آثارها في الدنيا والآخرة: وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في خطر هذه الآفات (١). ثالثًا: من أسباب علاج هذه الآفات الدعاء بأن يذهبها الله من قلب العبد. رابعًا: الاستعاذة بالله من هذه الآفات، كما في الحديث عن معقل بن يسار قال: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلِ الشِّرْكُ إِلَّا مَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ؟! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟» قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ» (٢). خامسًا: محاسبة النفس، ومجاهدتها على التخلص من هذه الآفات.

стр. 675

المبحث التاسع: الاستعجال وهي آفة تصيب بعض الدعاة بسبب قلة صبرهم وضعف البصيرة والحكمة، وقد سبقت الإشارة إلى هذا الداء (١)، وسأضيف إلى ما سبق الآتي: أولًا: معناه: لغة: الاستعجال من العَجَلَةِ وهي: الإسراع بخلاف البطء. يقال: أعجله وعجله تعجيلًا، أي: استحثه (٢). والاستعجال في الاصطلاح: هو العجلة، وقد عرفها الراغب ﵀ بقوله: "العَجَلَةُ: طلب الشيء وتحرّيه قبل أوانه، وهو من مقتضى الشّهوة" (٣). ثانيًا: حكمه: قسم العلماء الاستعجال إلى ممدوح ومذموم، ولكل منهما صور، والذي يهمني في هذا المبحث الاستعجال المذموم وهو الغالب عليه، وعده ابن حجر الهيتمي (٤)

стр. 676

رحمه الله من كبائر الذنوب (١)، وجاءت النصوص بذمه، ومنها: قول الله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١]. قال ابن كثير ﵀: "يخبر تعالى عن عجلة الإنسان، ودعائه في بعض الأحيان على نفسه أو ولده أو ماله ﴿بِالشَّرِّ﴾ أي: بالموت أو الهلاك والدمار واللعنة ونحو ذلك، فلو استجاب له ربه لهلك بدعائه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١]، وكذا فسره ابن عباس ومجاهد وقتادة … وفي الحديث: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ؛ لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ» (٢)، وإنما يحمل ابن آدم على ذلك عجلته وقلقه؛ ولهذا قال تعالى ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ " (٣). وقال تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: ٣٧]. قال القرطبي ﵀ في تفسيره: "أي: طَبْعُ الإنسان العجلة، فيستعجل كثيرًا من الأشياء وإن كانت مضرة" (٤). وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ

стр. 677

وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٣، ٥٤] وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «التَّأَنِّي مِنَ اللَّهِ، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَان»، وسبق الكلام على الحديث (١). وعَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟! أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟! قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ، فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ». قال أبو إسحاق القيرواني (٢) ﵀: "قال بعض الحكماء: إياك والعجلة؛ فإنّ العرب كانت تكنيها أمّ الندامة؛ لأنّ صاحبها يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويعزم قبل أن يفكّر، ويقطع قبل أن يقدّر، ويحمد قبل أن يجرّب، ويذمّ قبل أن يخبر، ولن يصحب هذه الصفة أحد إلّا صحب الندامة، واعتزل السلامة" (٣). ثالثًا: خطر الاستعجال: إن الداعية إلى الله تعالى بحاجة ماسة إلى ضبط النفس والتأني، والبصيرة

стр. 678

والحكمة، والبعد عن الاستعجال، وأن يسير في دعوته وفق منهج الأنبياء مع التدرج وعدم طوي المراحل بعجلة؛ لأن الدعوة توجه إلى أقوام بعضهم ألفت نفسه المنكر، بل يصل الأمر ببعضهم لجهله أن يرى أن الدعاة يقفون في طريق رزقه، ويواجهها كذلك أعداء شرسون في عدائهم، يستميتون في الدفاع عن باطلهم، متمرسون في البحث عن الثغرات، ليصدوا الناس عن الخير ببعض ما يصدر من الدعاة من خلل في فقه الموازنات، فإذا استعجل الداعية في دعوته وتحمس حماسًا غير منضبط بضوابط الفقه في الدعوة، فإنه يخسر أكثر مما يكسب، إن الناس إذا ألفوا المنكر وأراد الداعية أن يبعدهم عنه بدون مقدمات توقظ في القلب مخافة الله وخشيته، وذلك عن طريق الترغيب والترهيب أولًا قبل الكلام في إنكار المنكر الذي إلفه الناس، فإنه قد ينفر الناس من دعوته، كما تقول عائشة ﵂: "إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ، فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الإِسْلَامِ نَزَلَ الحَلَالُ وَالحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لَا تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ: لَا تَزْنُوا، لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا .. " (١). وربما يؤدي استعجال الداعية إلى تعثر الدعوة أو إيقاف مناشطها، كما يقول عمر بن عبد العزيز ﵀ لابنه عبد الملك (٢) الذي كان يرى سرعة التغيير والعجلة فيه. قال ابن عبد الحكم المصري (٣) ﵀: "لما ولي عمر بن عبد العزيز قال له ابنه

стр. 679

عبد الملك: إني لأراك -يا أبتاه- قد أخرت أمورًا كثيرة، كنت أحسبك لو وليت ساعة من النهار عجلتها، ولوددت أنك قد فعلتَ ذلك ولو فارت بي وبك القدور. قال له عمر: أي بني، إنك على حسن قسم الله لك، وفيك بعض رأي أهل الحداثة، والله ما أستطيع أن أخرج لهم شيئًا من الدين إلا ومعه طرف من الدنيا أستلين به قلوبهم؛ خوفًا أن ينخرق علي منهم ما لا طاقة لي به" (١). وقريبًا من هذا ذكر الشاطبي (٢) فقال ﵀: "وفيما يحكى عن عمر بن عبد العزيز أن ابنه عبد الملك قال له: ما لك لا تنفذ الأمور؟! فوالله، ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق. قال له عمر: لا تعجل يا بني؛ فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة، فيدفعوه جملة، ويكون من ذا فتنة" (٣). رابعًا: من صور الاستعجال ومظاهره عند من ابتلي به من الدعاة: ١ - التصادم مع الناس، لأجل تغيير المنكرات بدون فقه الأمر والنهي.

стр. 680

٢ - التصادم مع الحكومات لأجل المسارعة بتطبيق شرع الله، وتغيير المنكرات الظاهرة باليد دون أن يملك سلطة، ودون مراعاة فقه الموازنات بين المصالح والمفاسد، وعدم مراعاة أوضاع المجتمعات وأحوال الناس، وتسلط الأعداء، وسنن الله في الكون. ٣ - إبراز قدوات للناس ليسوا بأهل لذلك؛ بسبب قلة العلم وضعف التربية، فيؤدي إلى تشويه سمعة الدعاة ونفور الناس من الدعوة.

стр. 681

المبحث العاشر: الضيق والتبرم (١) من النصيحة، وعدم حب الناصحين (٢) الضيق من النصيحة الحقة، وعدم حب الناصحين دليل على مرض في القلب وفساد فيه، وهو من أحوال الضالين أعداء الرسل. ذكره الله في كتابه على لسان نبيه صالح ﵇، وهو يخاطب قومه، فقال تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٩]. قال السعدي ﵀: " ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ صالح ﵇ حين أحل الله بهم العذاب، ﴿وَقَالَ﴾ مخاطبًا لهم توبيخًا وعتابًا بعدما أهلكهم الله: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ أي: جميع ما أرسلني الله به إليكم، قد أبلغتكم به وحرصت على هدايتكم، واجتهدت في سلوككم الصراط المستقيم والدين القويم، ﴿وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾، بل رددتم قول النصحاء، وأطعتم كل شيطان رجيم" (٣). ورد النصيحة الحقة وعدم قبولها دليل على الكبر في القلب؛ لأن النبي ﷺ يقول عن الكبر: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ».

стр. 682

وبطر الحق رده، والنصيحة من الحق، خاصة إذا كانت بما أمر الله به أو نهى الله عنه، فردها والضيق منها أمر محرم، يكون من باب المكابرة والإعراض، وينطبق عليه قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]. ويجب قبول النصيحة ممن بذلها وعدم ردها إذا كانت حقًّا؛ لأنها داخلة في الاستجابة لله والرسول، وقد أمر الله بذلك، والأمر يقتضي الوجوب، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. والنصيحة التي يجب قبولها لا بد أن تشتمل على الدليل الشرعي، ولأن الناصح إذا أمر بحق عليه من الله برهان من كتاب أو سنة صحيحة، فما على المنصوح إلا أن يرضى ويسلم، ويقول: سمعنا وأطعنا، كما قال الله عن المؤمنين: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]، ولا يرد النصيحة، فيكون من الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، ورد النصيحة الحقة يدخل في كره الحق الذي كان سببًا لدخول النار والمكوث فيها، كما الله تعالى عن أهل النار: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤ - ٧٨]. وإذا كان الداعية مصابًا بهذا الداء، ينفر من نصيحة الناصحين الصادقين، ويضيق بها، ويظهر عليه التبرم منها، فليسارع في علاج قلبه، ويسأل الله أن يطهر قلبه

стр. 683

من الأمراض التي فيه، ويجاهد نفسه على ذلك؛ حتى يجد نفسه تقبل على قبول نصح الناصحين، والانتفاع بتذكير المذكرين؛ لأن المسلم مرآة أخيه، إذا رأى فيه عيبًا نصحه وسدده، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ، وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ» الحديث (١)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ موقوفًا قَالَ ﵁: "الْمُؤْمِنُ مرآة أخيه، إذا رأى فيه عيبًا أصلحه" (٢). بل يعتبر الداعية الموفق أن من ينصحه يسدي له خدمة عظيمة ينبغي أن يدعو له، كما دل على ذلك قول عمر ﵁: "رَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَهْدَى إِلَيَّ عُيُوبِي" (٣). وفي المقابل على الداعية الناصح أن يلتزم بالشروط والضوابط الشرعية في نصحه، حتى لا يكون سببًا في نفور الناس من النصيحة، ودونك بعض شروط وضوابط النصيحة الحقة (٤): ١ - الإخلاص لله تعالى: أن يكون مقصد الناصح وجه الله تعالى، لا يريد جزاء ولا شكورًا من المنصوح، وإنما يريد بنصحه دلالته على الخير، أو تحذيره من الشر.

стр. 684

٢ - أن يكون المنصوح به صوابًا دل عليه الشرع: كما سبق أن يدل على المنصوح به الكتاب والسنة الصحيحة. ٣ - العلم الشرعي المؤهل للناصح: لأن الناصح بلا علم ما يفسده أكثر مما يصلحه، فقد ينفر المنصوح بأسلوبه، وقد تكون موعظته ليست حسنة كما أمر الشرع بذلك. ٤ - العلم بحدود ما ينصح به، وذلك وفق الأمور الآتية: أ - أن يكون معروفًا دل الدليل عليه، أو منكرًا دل الدليل على النهي عنه. ب - إذا كان المنهي عنه منكرًا، فيكون ظاهرًا من غير تجسس. ت - أن لا يكون الْمُنْكَرُ من المسائل الخلافية الاجتهادية، وذلك بأن يكون في المسائل التي فيها مجال للنظر والاختلاف لعدم وجود الدليل، قال ابن القيم ﵀: "وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم تنكر على من عمل بها مجتهِدًا أو مقلِّدًا" (١). أما إذا كانت المسألة خلافية، لكن ثبت فيها نص أو نصوص صريحة تدل على صحة أحد الأقوال فيها، فهذه تكون فيها النصيحة؛ لأن المخالف خالف نصًّا أو نصوصًا صريحة تدل على صحة أحد الأقوال في المسألة المختلف فيها. ٥ - أن تكون النصيحة سرًّا: وذلك أدعى لقبولها، ويتأكد ذلك إذا كان المنصوح له سلطة على الناصح؛ كالوالدين، وولاة الأمر، وأهل العلم. ٦ - أن تكون النصيحة بشفقة ورحمة ورفق لا ازدراء فيها ولا تعيير: قال ابن رجب ﵀ في كتابه المهم في هذا الشأن (الفرق بين النصيحة

стр. 685

والتعيير): "فشتان بين من قصده النصيحة وبين من قصده الفضيحة، ولا تلتبس إحداهما بالأخرى إلا على من ليس من ذوي العقول الصحيحة" (١). ٧ - أن يسلك طريق الحكمة في النصيحة. ٨ - اختيار الوقت المناسب للنصيحة: وقد مر الكلام على هذه الأمور في مسألة الحكمة (٢). ٩ - الصبر على الأذى: صبر الناصح على الأذى من المنصوح أدب مهم لنجاح الداعية في نصحه، قال لقمان لابنه كما ذكر الله تعالى في وصيته الثمينة: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧]. ١٠ - أن يكون الناصح قدوة حسنة: وهذا أدعى لقبول النصح، وبما أن النصح داخل في الأمر والنهي، فإنه يقتضي التنبيه على مسألة مهمة، وهي عدم الاحتجاج بحديث: «يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ، مَا شَأْنُكَ؟! أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ المُنْكَرِ؟! قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَآتِيهِ» (٣) أي: لا يحتج به على ترك الأمر والنهي والنصح، خوفًا من الوقوع في هذه العقوبة، ولا شك

стр. 686

أنه ينبغي على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون قدوة حسنة ليكون لأمره ونهيه أثر، لكن لا يسقط الأمر والنهي لأجل قصور الآمر والناهي وتفريطه، بل يجب الأمر والنهي بحسب وسعه، ولا يسقط عنه حتى لو كان يقع فيما ينهى عنه أو يترك ما يأمر به، وقال القرطبي ﵀: "وليس من شرط الناهي أن يكون عدلًا عند أهل السنة، خلافًا للمبتدعة حيث تقول: لا يغيره إلا عدل، وهذا ساقط، فإن العدالة محصورة في القليل من الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام في جميع الناس" (١). وقال ابن عطية ﵀ (٢) عند تفسير قوله تعالى: ﴿(٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ﴾ [المائدة: ٧٩]: "والإجماع على أن النهي عن المنكر واجب لمن أطاقه ونهى بمعروف وأمن الضرر عليه وعلى المسلمين، فإن تعذر على أحد النهي لشيء من هذه الوجوه ففرض عليه الإنكار بقلبه وأن لا يخالط ذا المنكر، وقال حذاق أهل العلم: ليس من شروط الناهي أن يكون سليمًا من المعصية، بل ينهى العصاة بعضهم بعضًا، وقال بعض الأصوليين فرض على الذين يتعاطون الكؤوس أن ينهى بعضهم بعضًا، واستدل قائل هذه المقالة بهذه الآية؛ لأن قوله: ﴿لَا﴾ و ﴿مُنْكَرٍ﴾ يقتضي اشتراكهم في الفعل وذمهم على ترك التناهي" (٣).

стр. 687

وقال النووي ﵀: "قال العلماء: ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال، ممتثلًا ما يأمر به مجتنبًا ما ينهى عنه، بل عليه الأمر وإن كان مخلًّا بما يأمر به، والنهي وإن كان متلبسًا بما ينهى عنه؛ فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه وينهاها، ويأمر غيره وينهاه، فإذا أخلَّ بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخر؟! " (١). وفي تفسير القرطبي ﵀: "قال الحسن لمطرف بن عبد الله (٢): عظ أصحابك، فقال: إني أخاف أن أقول ما لا أفعل، قال: يرحمك الله، وأيُّنا يفعل ما يقول؟! ويود الشيطان أنه قد ظفر بهذا، فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر. وقال مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن (٣): سمعت سعيد بن جبير يقول: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر. قال مالك: وصدق؛ من ذا الذي ليس فيه شيء؟! " (٤). ١١ - أن يكون المنصوح به مقدورًا على فعله: ألا يشتط الناصح فيقع في إيقاع الناس في العنت والمشقة ونصحهم بما لا يقدرون على فعله، فيكون سببًا لنفورهم من الحق، والدين مبني على اليسر ودفع المشقة والعنت عن الناس، وهذا يستدعي من الناصح أن يكون على علم بحال المدعوين وقدراتهم الجسمية والعقلية، وأن يلم بفقه الموازنات وفقه التيسير.

стр. 688

المبحث الحادي عشر: تتبع العثرات، وتصيد الهفوات، والفرح بزلات الآخرين (١) إن من علامات مرض القلب: تتبع الداعية لعورات إخوانه من الدعاة، والبحث عن عيوبهم، والفرح بزلاتهم، ونسيانه لعيوب نفسه؛ ولذا أخبر النبي ﷺ عن عظيم العقوبة لمن كان هذا حاله، فعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنِ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعُ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» (٢). وتتبع العورات والكلام في ظهور إخوانه من الدعاة، وتلبيس ذلك بلبوس النصح، وهي إلى التعيير والفضيحة أقرب، هي في الحقيقة من الغيبة التي قال الله عنها في صورة تَنْفُرُ منها النفوس وتكرهها؛ لعظيم قبحها، فقال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢].

стр. 689

وعرفها النبي ﷺ حتى لا يلتبس أمرها على أحد، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ»، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ» (١). وإذا كان الداعية يذكر إخوانه في مجالسه بما هو فيهم من العيب والخلل، ولم يقم بدوره في نصحهم نصيحة المشفق عليهم المحب لهم الخير، فهو في الحقيقة ممن يأكلون لحوم الموتى، وهو يشعر أو لا يشعر، ومهما زين له الشيطان عمله ذلك فأخرجه في قالب التحذير من المنكرات، والحرص على سلامة الأمة منها، والتحذير من دعاة السوء، ونحو ذلك من لبس الحق بالباطل ليروج على الأتباع، وهو في الحقيقة ممن وقع في الغيبة وأكل لحوم إخوانه، وجر على نفسه وأتباعه شرًّا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ الآية [فاطر: ٨]. وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا، -قَالَ غَيْرُ مُسَدَّدٍ: تَعْنِي قَصِيرَةً-، فَقَالَ: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ» الحديث (٢). قال النووي ﵀: "أي: خالطته مخالطة يتغيرُ بها طعمُه أو ريحُه لشدّة نتنها وقبحها. وهذا الحديث من أعظم الزواجر عن الغيبة أو أعظمها، وما أعلم شيئًا من الأحاديث يبلغُ في الذمّ لها هذا المبلغ" (٣).

стр. 690

وفي عون المعبود: "أي: لو خلط (بها) أي: على فرض تجسيدها وتقدير كونها مائعًا (البحر) أي: ماؤه (لمزجته) أي: غلبته وغيرته وأفسدته" (١). وهذا يدل على عظم خطر الغيبة، وإذا كان مجرد الإشارة عن صفية بقصرها عدّها النبي ﷺ كلمة عظيمة، لو قدر مزج ماء البحر بها لغيرته على عظم البحر واتساعه، وصعوبة تغيره لشدة ملوحته، فكيف بما هو أشد من الإشارة؟! وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ» (٢). وكفى بهذه العقوبة رادعًا وزاجرًا عن هذا الذنب العظيم، لو تخيل المغتاب هذه العقوبة لفر هاربًا هائمًا على وجهه من هذه الخطيئة، أي ألم حسي ونفسي يشعر به هؤلاء المغتابون وهم يجرحون بأظفار من نحاس قوية شديدة الأثر تنغرس في أشرف ما فيهم وجوههم، وإذا الدماء والصراخ والعويل، ثم ينزلون بأظفارهم إلى صدورهم، فيخمشونها ويجرحونها، ثم تستمر العقوبة لا تتوقف عنهم، ومعها الآلام والحسرات، في مشهد تنخلع منه القلوب؟! أقوال السلف في التحذير من تتبع العثرات، وتصيد الهفوات، والفرح بزلات الآخرين: قال عمر بن الخطاب ﵁: "عليكم بذكر الله فإنه شفاء، وإياكم وذكر الناس فإنه داء" (٣).

стр. 691

وقال ابن حبان (١) ﵀: "الواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس، مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه، فإن من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنه ولم يتعب قلبه، فكلما اطلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من أخيه، وإن من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمي قلبه، وتعب بدنه، وتعذر عليه ترك عيوب نفسه" (٢). وقال عون بن عبد الله (٣) ﵀: "ما أحسب أحدًا تفرغ لعيوب الناس إلا من غفلة غفلها عن نفسه" (٤). ويقول الحسن البصري ﵀: "ابن آدم، إنك لن تصيب حقيقة الإيمان حتى لا تعيب الناس بعيب هو فيك، وحتى تبدأ بصلاح ذلك العيب فتصلحه من نفسك، فإذا فعلت ذلك كان شغلك في خاصة نفسك، وأحب العباد إلى الله من كان هكذا" (٥). مما أثر عن السلف قولهم: "أدركنا السلف وهم لا يرون العبادة في الصوم، ولا في

стр. 692

الصلاة، ولكن في الكف عن أعراض الناس" (١). ويقول الفضيل ﵀: "يكون شغلك في نفسك، ولا يكون شغلك في غيرك، فمن كان شغله في غيره فقد مُكِرَ بهِ" (٢). وقال السري السقطي (٣) ﵀: "ومن علامة الاستدراج العمى عن عيوب النفس" (٤). وقال بكر بن عبد الله المزني (٥): "إذا رأيتم الرجل موكلًا بعيوب الناس ناسيًا لعيبه، فاعلموا أنه قد مُكِرَ به" (٦). وعن محمد بن سيرين ﵀ قال: "التقي عن الخطائين مشغول، وإن أكثر الناس خطايا أكثرهم ذكرًا لخطايا الناس" (٧). ويقول الحسن ﵀: "والله للغيبة أسرع في دين المؤمن من الآكلة (٨) في

стр. 693

جسده" (١). ويقول ابن القيم ﵀: "فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وويل لمن نسي عيبه وتفرغ لعيوب الناس، هذا من علامة الشقاوة" (٢).

стр. 694

المبحث الثاني عشر: البخل والشح والعجز والكسل والجبن والهم والحزن هذه عقوبات يسلطها الله على من يشاء، ممن أعرضوا عن ذكره، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]. ولهذا كان ﷺ يستعيذ بالله كثيرًا من هذه الآفات، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَبِي طَلْحَةَ: «التَمِسْ غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى خَيْبَرَ»، فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ مُرْدِفِي وَأَنَا غُلَامٌ رَاهَقْتُ الحُلُمَ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالبُخْلِ وَالجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» (١). ولخص ابن حجر ﵀ معنى الأربع الآفات الأولى فقال: "إن الهم لما يتصوره العقل من المكروه في الحال، والحزن لما وقع في الماضي، والعجز ضد الاقتدار، والكسل ضد النشاط، والبخل ضد الكرم، والجبن ضد الشجاعة" (٢). ثم ذكر ﵀ معنى بقية الآفات، فقال: "قوله: «وَضَلَعِ الدَّيْنِ» أصل الضَّلَع وهو بفتح المعجمة واللام الاعوجاج يقال: ضلع بفتح اللام يضلع أي: مال، والمراد به هنا: ثقل الدَّين وشدته، وذلك حيث لا يجد من عليه الدين وفاء، ولا سيما مع المطالبة، وقال بعض السلف: ما دخل هم الدين قلبًا إلا أذهب من العقل ما لا يعود إليه (٣).

стр. 695

قوله: «وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» أي: شدة تسلطهم كاستيلاء الرِّعَاعِ (١) هَرْجًا وَمَرْجًا (٢)، قال الكرماني: هذا الدعاء من جوامع الكلم" (٣). وعلى الداعية أن يكثر من هذا الدعاء كما كان يفعل ﷺ ؛ لأن هذه الآفات إذا أصيب بها الداعية أو ببعضها أقعدته عن دعوته، وفتن بها. ومن الأمراض التي تصيب الدعاة بسبب هذه الآفات: ١ - الفتور. ٢ - ضعف الإرادة ونزول الهمة. ٣ - التسويف وضعف القدرة على التغيير. ٤ - الشح وعدم البذل في مجالات الخير. ٥ - كثرة الأوهام والوساوس المقعدة عن الانطلاق في مجالات الدعوة. ٦ - هم الدَّيْنِ والتفكير فيه، يشغل الداعية ويعوقه عن دعوته.

стр. 696

المبحث الثالث عشر: الخذلان وقلة التوفيق ومن آثار تعلق القلب بغير الله تعالى، وضعف تحقيق عمله في توكله على الله والاستعانة به، والخلل في المقاصد والنيات، فإنه بقدر ذلك يحصل الخذلان من الله وقلة التوفيق. ومعنى الخذلان في اللغة: يطلق على ترك نصرة المسلم، وعدم عونه، وخذلان الله للعبد أن لا يعصمه من السيئات والشبه، فيقع فيها (١). والمقصود بالخذلان هنا ضد التوفيق، وهو أن لا يعينه الله، ولا ينصره، ولا يعصمه، بل يكله إلى نفسه، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠]. يقول ابن القيم ﵀: "فإن العارفين كلهم مجمعون على أن التوفيق أن لا يكلك الله تعالى إلى نفسك، والخذلان أن يكلك الله تعالى إلى نفسك" (٢)، وقال ﵀ في موضع آخر: "وإذا قام العبد في الحق لله؛ ولكن قام بنفسه وقوته، ولم يقم بالله مستعينًا به متوكلًا عليه مفوضًا إليه بريًّا من الحول والقوة إلا به، فله من الخذلان وضعف النصرة بحسب ما قام به من ذلك" (٣). وعلى هذا فلا بد للداعية من الاستعانة بالله تعالى، والتضرع بقلب مقبل على الله مع التوكل عليه، والبراءة من الحول والقوة، ليسلم من الخذلان، ويجد توفيق الله تعالى يحف به.

стр. 697

ومن أعظم علامة الخذلان أن لا يثبته الله عند الموت، بسبب ذنوب خفية في القلب وسريرة أسرها بينه وبين الله من خطايا القلوب التي لا يعلمها إلا الله، فيختم له بسوء الخاتمة، ويكله الله في هذه اللحظات العظيمة إلى نفسه وشيطانه، فلا يوفق لقول: لا إله إلا الله؛ ولذا ينبغي على الداعية أن يتفقد قلبه ويتوب إلى الله من ذنوب السرائر التي متى ما أصر عليها العبد ولم يتب منها، فإنها تكون سببًا لهلاكه وسوء خاتمته عند الموت، وسيأتي في نهاية هذا المبحث عند ذكر أسباب الخذلان ذكر الأحاديث في خطر الذنوب، يقول الربيع بن خثيم ﵀ في التحذير من ذنوب السرائر: "السرائرَ السرائرَ اللاتي يخفين من الناس وهن لله بوادٍ، التمسوا دواءهن، وما دواؤهن إلا أن يتوب، ثم لا يعود" (١). وللخذلان وقلة التوفيق أسباب، منها: ١ - تعلق القلب بغير الله، فإن القلب إذا تعلق بغير الله وكله الله إلى نفسه، وخذل أعظم الخذلان، يقول ابن القيم ﵀: "فأعظم الناس خذلانًا من تعلق بغير الله، فإن ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به، وهو معرض للزوال والفوات، ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت" (٢). ٢ - الخلل في النية، يقول ابن القيم ﵀: "فأما النية فهي رأس الأمر وعموده وأساسه وأصله الذي عليه يبنى؛ فإنها روح العمل وقائده وسائقه، والعمل تابع لها يبنى عليها، يصح بصحتها ويفسد بفسادها، وبها يستجلب التوفيق، وبعدمها يحصل الخذلان" (٣).

стр. 698

٣ - الضعف في التوكل على الله والاستعانة به؛ لأن التوكل على الله والاستعانة به ودعاءَه مما يقوي الداعية وييسر له الأمور. ومما أثر عن بعض السلف قوله: "من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله" (١). قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. وللداعية نصيب من التوفيق والتأثير بحسب استعانته بالله وتوكله عليه، وكذلك له نصيب من الخذلان والضعف والمهانة والعجز بحسب قلة توكله واستعانته بربه (٢). ٤ - اتباع الهوى، قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]. يقول ابن القيم ﵀: "إن اتباع الهوى يغلق عن العبد أبواب التوفيق، ويفتح عليه أبواب الخذلان، فتراه يلهج بأن الله لو وفق لكان كذا وكذا، وقد سد على نفسه طرق التوفيق باتباعه هواه. قال الفضيل بن عياض: من استحوذ عليه الهوى واتباع الشهوات انقطعت عنه موارد التوفيق" (٣). ٥ - العجب بالنفس أو بالعمل أو بكثرة الأتباع سبب لخذلان الله للعبد، وأن يكله إلى نفسه فلا ينصره، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]. ٦ - التساهل في الذنوب وبالأخص صغائر الذنوب، وعدم التوبة، عن سهل بن سعد ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ؛ فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ

стр. 699

الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ» (١). وفي الرواية الأخرى: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ؛ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ»، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلَاةٍ، فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ، فَيَجِيءُ بِالْعُودِ، وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ، حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا، فَأَجَّجُوا نَارًا، وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا (٢). وقَالَ ﷺ : «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، فَإِنْ زَادَ زَادَتْ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]». وذكر ابن جرير ﵀ في تفسيره عن الحسن البصري ﵀ قوله في بيان خطر تتابع الذنب على القلب مع عدم التوبة عند قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] قال: "الذنب على الذنب حتى يعمى القلب،

стр. 700

فيموت" (١). وتأمل معي هذا الحديث الذي يظهر خطر ذنوب السرائر حين يخلو الإنسان بربه، ولا يراه أحد من البشر ممن كان لا يفعل تلك الأمور أمامهم حياء منهم أو خوفًا من عقوبتهم، أو رغبة في البقاء معهم من أجل الاستفادة من الميزات التي يحصل عليها ببقائه معهم، فعن ثوبان ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ هَبَاءً مَنْثُورًا»، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا؛ أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا». وفي هذا الحديث بيان أن من أعظم أسباب سوء الخاتمة والخذلان وخسارة الحسنات في الآخرة الاعتداء على محارم الله في حال خلوة الإنسان عن الناس، وبعده عن نظرهم، وربما كان يظهر أعمالًا صالحة من قيام ليل ونحوه، ويجلس مع الصالحين، لكنها لا تنفعه، لتجرئه على محارم في حال خلوته. ٧ - الافتراق والتنازع في الدين، وهو من الأسباب العظيمة للخذلان، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦].

стр. 701

المبحث الرابع عشر: الغفلة عن الآخرة والغفلة: تطلق على معان منها: ترك الشيء إما تعمدًا أو سهوًا (١). والغفلة: غيبة الشيء عن بال الإنسان، وعدم تذكُّره له (٢). وعلى هذا فيكون معنى الغفلة عن الآخرة: غيبة الآخرة عن القلب، وعدم تذكره لها؛ لأن القلب عمي عنها، وتعلق بالدنيا، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. والقلوب تعمى عن الآخرة، وهذا هو العمى المهلك؛ لأن عمى القلب يضر في الدين، فيعمى القلب عن الآخرة ويغفل عنها، قال البغوي ﵀ في معنى الآية: "معناه أن العمى الضار هو عمى القلب، فأما عمى البصر فليس بضار في أمر الدين، قال قتادة: البصر الظاهر: بلغة ومتعة، وبصر القلب: هو البصر النافع" (٣). وبقدر تعلق القلب بالدنيا وافتتانه بها وبتقصيره في تطهير قلبه من دواخل السوء، تحصل له الغفلة عن الآخرة، حيث يقول الله تعالى عن حال الغافلين عن الآخرة: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]. قال البغوي ﵀ في معنى قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: "يعني: أمر معاشهم، كيف يكتسبون ويتجرون، ومتى يغرسون ويزرعون ويحصدون، وكيف يبنون ويعيشون، قال الحسن: إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه

стр. 702

ولا يخطئ، وهو لا يحسن يصلي، ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ ساهون عنها جاهلون بها، لا يتفكرون فيها ولا يعملون لها" (١). وذكر السعدي في معنى هذه الآية كلامًا نفيسًا، فقال ﵀: "وهؤلاء الذين لا يعلمون أي: لا يعلمون بواطن الأشياء وعواقبها، وإنما ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فينظرون إلى الأسباب، ويجزمون بوقوع الأمر الذي في رأيهم انعقدت أسباب وجوده، ويتيقنون عدم الأمر الذي لم يشاهدوا له من الأسباب المقتضية لوجوده شيئًا، فهم واقفون مع الأسباب غير ناظرين إلى مسببها المتصرف فيها. ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ قد توجهت قلوبهم وأهواؤهم وإراداتهم إلى الدنيا وشهواتها وحطامها، فعملت لها وسعت، وأقبلت بها وأدبرت، وغفلت عن الآخرة، فلا الجنة تشتاق إليها، ولا النار تخافها وتخشاها، ولا المقام بين يدي الله ولقائه يروعها ويزعجها، وهذا علامة الشقاء وعنوان الغفلة عن الآخرة. ومن العجب أن هذا القسم من الناس قد بلغت بكثير منهم الفطنة والذكاء في ظاهر الدنيا إلى أمر يحير العقول ويدهش الألباب. وأظهروا من العجائب الذرية والكهربائية والمراكب البرية والبحرية والهوائية ما فاقوا به وبرزوا، وأعجبوا بعقولهم، ورأوا غيرهم عاجزًا عما أقدرهم الله عليه، فنظروا إليهم بعين الاحتقار والازدراء، وهم مع ذلك أبلد الناس في أمر دينهم، وأشدهم غفلة عن آخرتهم، وأقلهم معرفة بالعواقب، قد رآهم أهل البصائر النافذة في جهلهم يتخبطون، وفي ضلالهم يعمهون، وفي باطلهم يتردَّدون، نسوا الله فأنساهم أنفسهم، أولئك هم الفاسقون. ثم نظروا إلى ما أعطاهم الله وأقدرهم عليه من الأفكار الدقيقة في الدنيا وظاهرها

стр. 703

وما حرموا من العقل العالي، فعرفوا أن الأمر لله، والحكم له في عباده، وإن هو إلا توفيقه وخذلانه، فخافوا ربهم، وسألوه أن يتم لهم ما وهبهم من نور العقول والإيمان حتى يصلوا إليه، ويحلوا بساحته، وهذه الأمور لو قارنها الإيمان وبنيت عليه؛ لأثمرت الرقي العالي والحياة الطيبة، ولكنها لما بني كثير منها على الإلحاد لم تثمر إلا هبوط الأخلاق وأسباب الفناء والتدمير" (١). أسباب الغفلة عن الآخرة: وأسباب الغفلة عن الآخرة لا تخرج عن سببين عظمين، ذكرهما الله في كتابه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٥، ٦]. وبيّن الله في هذه الآيات أن ما يغر الناس ويخدعهم ويجعلهم في غفلة عن الآخرة لا يخرج عن سببين عظمين، وبقية الأسباب تندرج تحتهما، وهما: السبب الأول: الاغترار بزينة الحياة الدنيا ولذاتها وشهواتها المزينة، ومتعها التي تغر النفوس التي ضعف إيمانها بالغيب، وتعلقت بالمتاع المادي المحسوس، قال تعالى في التحذير من ذلك: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [فاطر: ٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢].

стр. 704

وقال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. يقول الطبري ﵀: "يقول تعالى ذكره: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ التي يتمتع منها هؤلاء المشركون ﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ يقول: إلا تعليل النفوس بما تلتذ به، ثم هو منقض عن قريب، لا بقاء له ولا دوام، ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ يقول: وإن الدار الآخرة لفيها الحياة الدائمة التي لا زوال لها، ولا انقطاع، ولا موت معها" (١). والآيات في هذا المعنى كثيرة في كتاب الله تعالى، وقد سبق الكلام في ذلك (٢). ومن السنة قوله ﷺ : «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ» (٣). قال النووي ﵀: "ومعنى «الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ» يحتمل أن المراد به شيئان: أحدهما: حسنها للنفوس ونضارتها ولذتها، كالفاكهة الخضراء الحلوة، فإن النفوس تطلبها طلبًا حثيثًا، فكذا الدنيا. والثاني: سرعة فنائها كالشيء الأخضر في هذين الوصفين. ومعنى «مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا»: جاعلكم خلفاء من القرون الذين قبلكم، فينظر هل تعملون بطاعته، أم بمعصيته وشهواتكم" (٤).

стр. 705

والسبب الثاني: أن يغره الشيطان ويخدعه بالأماني الكاذبة، قال تعالى: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٥، ٦]. وقال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠]، يعدهم ويمنيهم ويخدعهم بالوساوس بأنهم أهل الفوز والنجاح في الدنيا والآخرة، وقد كذب عليهم وغرهم، كما قال تعالى عنه في يوم القيامة: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢] (١)، وقد سبق الكلام عن الشيطان وعداوته لبني الإنسان (٢). ولا شك أن للغفلة عن الآخرة أسبابًا أخرى، لكنها -في نظري- لا تخرج في مجملها عن هذين السببين، والله أعلم.
следующие страницы →