← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 978

أثر أعمال القلوب على الداعية والدعوة

إبراهيم بن حسن الحضريتي

Полный текст (777 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

المبحث الرابع عشر: الغفلة عن الآخرة والغفلة: تطلق على معان منها: ترك الشيء إما تعمدًا أو سهوًا (١). والغفلة: غيبة الشيء عن بال الإنسان، وعدم تذكُّره له (٢). وعلى هذا فيكون معنى الغفلة عن الآخرة: غيبة الآخرة عن القلب، وعدم تذكره لها؛ لأن القلب عمي عنها، وتعلق بالدنيا، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. والقلوب تعمى عن الآخرة، وهذا هو العمى المهلك؛ لأن عمى القلب يضر في الدين، فيعمى القلب عن الآخرة ويغفل عنها، قال البغوي ﵀ في معنى الآية: "معناه أن العمى الضار هو عمى القلب، فأما عمى البصر فليس بضار في أمر الدين، قال قتادة: البصر الظاهر: بلغة ومتعة، وبصر القلب: هو البصر النافع" (٣). وبقدر تعلق القلب بالدنيا وافتتانه بها وبتقصيره في تطهير قلبه من دواخل السوء، تحصل له الغفلة عن الآخرة، حيث يقول الله تعالى عن حال الغافلين عن الآخرة: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]. قال البغوي ﵀ في معنى قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: "يعني: أمر معاشهم، كيف يكتسبون ويتجرون، ومتى يغرسون ويزرعون ويحصدون، وكيف يبنون ويعيشون، قال الحسن: إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه

стр. 702

ولا يخطئ، وهو لا يحسن يصلي، ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ ساهون عنها جاهلون بها، لا يتفكرون فيها ولا يعملون لها" (١). وذكر السعدي في معنى هذه الآية كلامًا نفيسًا، فقال ﵀: "وهؤلاء الذين لا يعلمون أي: لا يعلمون بواطن الأشياء وعواقبها، وإنما ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فينظرون إلى الأسباب، ويجزمون بوقوع الأمر الذي في رأيهم انعقدت أسباب وجوده، ويتيقنون عدم الأمر الذي لم يشاهدوا له من الأسباب المقتضية لوجوده شيئًا، فهم واقفون مع الأسباب غير ناظرين إلى مسببها المتصرف فيها. ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ قد توجهت قلوبهم وأهواؤهم وإراداتهم إلى الدنيا وشهواتها وحطامها، فعملت لها وسعت، وأقبلت بها وأدبرت، وغفلت عن الآخرة، فلا الجنة تشتاق إليها، ولا النار تخافها وتخشاها، ولا المقام بين يدي الله ولقائه يروعها ويزعجها، وهذا علامة الشقاء وعنوان الغفلة عن الآخرة. ومن العجب أن هذا القسم من الناس قد بلغت بكثير منهم الفطنة والذكاء في ظاهر الدنيا إلى أمر يحير العقول ويدهش الألباب. وأظهروا من العجائب الذرية والكهربائية والمراكب البرية والبحرية والهوائية ما فاقوا به وبرزوا، وأعجبوا بعقولهم، ورأوا غيرهم عاجزًا عما أقدرهم الله عليه، فنظروا إليهم بعين الاحتقار والازدراء، وهم مع ذلك أبلد الناس في أمر دينهم، وأشدهم غفلة عن آخرتهم، وأقلهم معرفة بالعواقب، قد رآهم أهل البصائر النافذة في جهلهم يتخبطون، وفي ضلالهم يعمهون، وفي باطلهم يتردَّدون، نسوا الله فأنساهم أنفسهم، أولئك هم الفاسقون. ثم نظروا إلى ما أعطاهم الله وأقدرهم عليه من الأفكار الدقيقة في الدنيا وظاهرها

стр. 703

وما حرموا من العقل العالي، فعرفوا أن الأمر لله، والحكم له في عباده، وإن هو إلا توفيقه وخذلانه، فخافوا ربهم، وسألوه أن يتم لهم ما وهبهم من نور العقول والإيمان حتى يصلوا إليه، ويحلوا بساحته، وهذه الأمور لو قارنها الإيمان وبنيت عليه؛ لأثمرت الرقي العالي والحياة الطيبة، ولكنها لما بني كثير منها على الإلحاد لم تثمر إلا هبوط الأخلاق وأسباب الفناء والتدمير" (١). أسباب الغفلة عن الآخرة: وأسباب الغفلة عن الآخرة لا تخرج عن سببين عظمين، ذكرهما الله في كتابه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٥، ٦]. وبيّن الله في هذه الآيات أن ما يغر الناس ويخدعهم ويجعلهم في غفلة عن الآخرة لا يخرج عن سببين عظمين، وبقية الأسباب تندرج تحتهما، وهما: السبب الأول: الاغترار بزينة الحياة الدنيا ولذاتها وشهواتها المزينة، ومتعها التي تغر النفوس التي ضعف إيمانها بالغيب، وتعلقت بالمتاع المادي المحسوس، قال تعالى في التحذير من ذلك: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [فاطر: ٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢].

стр. 704

وقال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. يقول الطبري ﵀: "يقول تعالى ذكره: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ التي يتمتع منها هؤلاء المشركون ﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ يقول: إلا تعليل النفوس بما تلتذ به، ثم هو منقض عن قريب، لا بقاء له ولا دوام، ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ يقول: وإن الدار الآخرة لفيها الحياة الدائمة التي لا زوال لها، ولا انقطاع، ولا موت معها" (١). والآيات في هذا المعنى كثيرة في كتاب الله تعالى، وقد سبق الكلام في ذلك (٢). ومن السنة قوله ﷺ : «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ» (٣). قال النووي ﵀: "ومعنى «الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ» يحتمل أن المراد به شيئان: أحدهما: حسنها للنفوس ونضارتها ولذتها، كالفاكهة الخضراء الحلوة، فإن النفوس تطلبها طلبًا حثيثًا، فكذا الدنيا. والثاني: سرعة فنائها كالشيء الأخضر في هذين الوصفين. ومعنى «مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا»: جاعلكم خلفاء من القرون الذين قبلكم، فينظر هل تعملون بطاعته، أم بمعصيته وشهواتكم" (٤).

стр. 705

والسبب الثاني: أن يغره الشيطان ويخدعه بالأماني الكاذبة، قال تعالى: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٥، ٦]. وقال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠]، يعدهم ويمنيهم ويخدعهم بالوساوس بأنهم أهل الفوز والنجاح في الدنيا والآخرة، وقد كذب عليهم وغرهم، كما قال تعالى عنه في يوم القيامة: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢] (١)، وقد سبق الكلام عن الشيطان وعداوته لبني الإنسان (٢). ولا شك أن للغفلة عن الآخرة أسبابًا أخرى، لكنها -في نظري- لا تخرج في مجملها عن هذين السببين، والله أعلم.

стр. 706

المبحث الخامس عشر: الخسارة في الآخرة إن إهمال تحقيق أعمال القلوب، والتقصير في محاسبة النفس، ومجاهدتها في ذلك، والوقوع في داء الغفلة عن الآخرة، وتعلق القلب بالدنيا والافتتان بها، يعود بالخسارة العظيمة في الآخرة، وتكون الخسارة أعظم من شخص يدل الناس على الآخرة بقوله، ويفتنهم بفعله، بتشبثه بالدنيا ونسيان الآخرة، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤١، ٤٢]. وسياق الآيات وإن كان في اليهود الذين كتموا حكم الله في رجم الزاني، فكل من شابههم في صفتهم التي منها كتم الحق وأكل السحت يصيبه ما أصابهم في الدنيا والآخرة، ولهذا قال بعض السلف: "من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود" (١). وفي تفسير المنار: "ولذلك قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ أي: أولئك الذين بلغت منهم الفتنة هذا الحد هم الذين لم تتعلق إرادة الله تعالى بتطهير قلوبهم من الكفر والنفاق؛ لأن إرادته تعالى إنما تتعلق بما اقتضته حكمته البالغة وسننه العادلة، ومن سننه في قلوب البشر وأنفسهم أنها إذا جرت على الباطل والشر، ونشأت على الكيد والمكر، واعتادت اتخاذ دينها شبكة لشهواتها وأهوائها، ومردت على الكذب والنفاق، وألفت عصبية الخلاف والشقاق، وصار ذلك من ملكاتها الثابتة وأخلاقها الموروثة الثابتة، تحيط بها خطيئتها، وتطبق عليها ظلمتها، حتى لا يبقى لنور الحق منفذ ينفذ منه إليها" (٢).

стр. 707

فكل من شابههم من أصحاب القلوب المريضة في استغلال الدين لشهواته، ولي أعناق النصوص لأجل أن توافق أهواءه، أصابه الخزي في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة. وهذه أهم مراحل خسارة أصحاب القلوب المريضة في الآخرة: عند الموت يخذلون فلا يثبتهم الله لقول: لا إله إلا الله، ولا يوفقهم لحسن الخاتمة، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. وفي الاعتصام: "إن سوء الخاتمة لا يكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، ما سمع بهذا قط، ولا علم به والحمد لله، وإنما يكون لمن كان له فساد في العقل، أو إصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم، أو لمن كان مستقيمًا ثم تغيرت حاله، وخرج عن سننه، وأخذ في غير طريقه، فيكون عمله ذلك سببًا لسوء خاتمته، وسوء عاقبته والعياذ بالله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] " (١). وأخبر عن حالهم بأن الملائكة تضرب وجوههم وأدبارهم عند الموت بسبب فساد قلوبهم وأمراضها، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ

стр. 708

بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥ - ٢٩]. وفي يوم القيامة يذهب الله أعمالهم من بين أيديهم ويجعلها هباءً منثورًا، فعَنْ ثَوْبَانَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ هَبَاءً مَنْثُورًا»، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا؛ أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا». فغفلتهم عن علم الله واطلاعه عليهم في الدنيا جعلهم ينتهكون محارم الله إذا خلوا وأبعدوا عن أعين الناس، يقول تعالى: ﴿كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [فصلت: ٢٢، ٢٣]. قال السعدي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ﴾ "أي: وما كنتم تختفون عن شهادة أعضائكم عليكم، ولا تحاذرون من ذلك، ﴿ظَنَنْتُمْ أَنَّ﴾ بإقدامكم على المعاصي ﴿اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢)﴾ فلذلك صدر منكم ما صدر، وهذا الظن، صار سبب هلاكهم وشقائهم؛ ولهذا قال: ﴿ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ الظن السيئ، حيث ظننتم به ما لا يليق بجلاله، ﴿فَأَصْبَحْتُمْ﴾ أي: أهلككم ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ لأنفسهم وأهليهم وأديانهم؛ بسبب الأعمال التي أوجبها

стр. 709

لكم ظنكم القبيح بربكم، فحقت عليكم كلمة العقاب والشقاء، ووجب عليكم الخلود الدائم في العذاب الذي لا يفتر عنهم ساعة" (١). وأما في النار فعقوبته كما في حديث أسامة بن زيد ﵄ يقول عن الرسول ﷺ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ، مَا شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ المُنْكَرِ؟! قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَآتِيهِ». قال ابن حجر ﵀: "والْأَقْتَابُ جَمْعُ قِتْبٍ .. هي الأمعاء واندلاقها خروجها بسرعة" (٢). وفي رواية يَقُولُ ﷺ : «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يُطَاعُ فِي مَعَاصِي اللهِ تَعَالَى، فَيُقْذَفُ فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ بِهِ أَقْتَابُهُ، فَيَسْتَدِيرُ فِيهَا كَمَا يَسْتَدِيرُ الْحِمَارُ فِي الرَّحَا، فَيَأْتِي عَلَيْهِ أَهْلُ طَاعَتِهِ مِنَ النَّاسِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُل، أَيْنَ مَا كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِهِ؟! فَيَقُولُ: إِنِّي كُنْتُ آمُرُكُمْ بِأَمْرٍ، وَأُخَالِفُكُمْ إِلَى غَيْرِهِ» (٣).

стр. 710

الفصل الثاني: من آثار إهمال الداعية لأعمال القلوب على دعوته المبحث الأول: التفرق والاختلاف والتنازع وذهاب الريح. المبحث الثاني: تسلط الأعداء على الأمة. المبحث الثالث: تسلط أعداء الأمة على الدعاة، وتنفير الناس من دعوتهم. المبحث الرابع: نفور الناس من الدعاة، وتفرقهم عنهم. المبحث الخامس: تأخر النصر.

стр. 711

الفصل الثاني: من آثار إهمال الداعية لأعمال القلوب على دعوته إن الداعية إذا أهمل تحقيق أعمال القلب في نفسه، وفرط في محاسبتها على ذلك، فتمكنت أمراض القلوب منه، انعكس أثر ذلك على دعوته، فحدث التفرق والاختلاف، وهبت ريح التنازع، ودب داء الفرقة بين الأمة ودعاتها، وذهبت هيبتها من قلوب أعدائها، فتسلط الأعداء عليها، ومن ثَمّ تسلطوا على دعاتها، وتمكنوا من إحداث شرخ بين الأمة ودعاتها، وشوهوا سمعة الدين وأهله، وصدوا الناس عن الصراط المستقيم، وزينوا لهم سبل الجحيم، ونفر الناس من الدعاة، وتفرقوا عنهم، وذلك لأن هؤلاء الدعاة أسهموا في تمكين العدو من ذلك، بسبب بتفرطيهم وأهمالهم في تحقيق أعمال القلوب ومحاسبة النفس عليها، فحين تعلقت قلوبهم بالدنيا وغفلوا عن الآخرة، فصاروا قدوة سيئة لاتباعهم في تكالبهم على الدنيا، وغفلتهم عن الآخرة، إن هؤلاء بفعلهم هذا أسهموا في تأخر النصر عن الأمة، وأطالت أمد المعركة مع أعداء الدين، فانتشر الفساد في الأرض، وفتن الناس في دينهم، وضعف الدعاة في صد هجمة الباطل، وتقهقروا عن القيام بدورهم في إنقاذ الأمة، لأنهم ما صدقوا مع الله وتعلقت قلوبهم بغيره، فتمكن الشيطان وأعوانه من نشر باطلهم بدون مقاومة تذكر من هؤلاء الدعاة، بل ربما تمكن الشيطان وأعوانه من استخدام هؤلاء الدعاة في نشر الباطل، وتلبيس الحق بالباطل وكتمان الحق. ودونك تفصيل هذه الآثار في المباحث الآتية:

стр. 712

المبحث الأول: التفرق والاختلاف والتنازع وذهاب الريح (١) وقد سبق الكلام على هذه الآفات (٢) التي يقع فيها من ابتلي بفساد النيات والمقاصد، والحسد، والبغض لإخوانه. وهذه الآفات طالما جرت إلى فساد ذات البين التي قال عنها النبي ﷺ وهو يحذر أمته بأنها الحالقة، فيقول: «وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ (٣) هِيَ الْحَالِقَةُ» الحديث (٤)، وفسرها في الحديث الآخر بأنها تحلق الدين (٥). وهذه الآفات كم جرت على الأمة من رزايا وبلاء، ترتب عليه انصراف الناس عن دعوة هؤلاء الدعاة؛ لما يرون بينهم من التنازع والتهارش (٦) وهم يزعمون أنهم

стр. 713

يسعون في إنقاذ الأمة ويريدون السير بها إلى بر الأمان، فلما رأى الناس اختلاف الدعاة، وتفرق كلمتهم، وطعن بعضهم في بعض، وربما يصل الأمر مع بعضهم البعض إلى أشد من ذلك من التكفير والقتل، أو على الأقل الأذية باليد واللسان، فأدى ذلك إلى نفور الناس من هؤلاء الدعاة، وانفضوا من حولهم. الأضرار المترتبة على التفرق والاختلاف والتنازع وأثرها على الدعوة: ١ - فشل الدعاة في إيصال الخير للناس، ونقلهم من حالة السوء والتقصير إلى حالة الاستقامة والتمسك؛ لخذلان الله لهم بسبب تنازعهم، ولذا كم فشلت مشاريع دعوية كانت تقوم بدور كبير في تعليم الناس الخير، فلما هبت عليها ريح الاختلاف والتنازع توقفت، وحرم الناس من خيرها، كل جماعة تريد أن تستخدمها لمصالحها الحزبية الضيقة. ٢ - ذهاب الريح والهيبة من القلوب وقلة الاحترام والتقدير، وضعف أثر التربية، وبالتالي ضَعُفَ أثر الدعاة على الناس. قال ﵎ آمرًا بطاعة الله ورسوله، ومحذرًا الأمة من التنازع ومبينًا أثر ذلك: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]. ٣ - ضَعُفَ الاعتصامُ بالكتاب والسنة، وهبت ريح الأهواء والبدع، ووقع الضلال والانحراف عن الصراط المستقيم، ولما خالفوا قول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وخالفوا قول الرسول ﷺ : «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللهُمَّ اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ»

стр. 714

ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .. الحديث، ولم يمتثلوا قوله ﷺ : «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ». ولما حصل ذلك منهم سلط الله عليهم الاختلاف والتفرق، وذهاب الهيبة منهم من قلوب الأعداء، فتسلط عليهم عدوهم، وسعى في إبعادهم عن الدعوة بكل ما يستطيع، وسيأتي مزيد تفصيل لهذا الموضوع (١). ٤ - وقوع الهلاك الذي حذر منه النبي أمته، فقَالَ ﷺ : «لَا تَخْتَلِفُوا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا»، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ». ٥ - أدى الاختلاف والتنازع إلى انصراف طلاب العلم عنه، وانشغالهم بالرد على بعضهم، فحصل الجهل، وفهم الدين على حسب الأهواء، وليس على منهج الأنبياء، ومنهم من أقبل على العبادة بجهل، وترك طلب العلم ومجالسة العلماء، فدب إليهم داء الافتراق والتنازع، فهلكوا ووصل الأمر في بعض الأحيان إلى سفك الدماء، كما قال ابن سيرين ﵀: "إن قومًا تركوا طلب العلم ومجالسة العلماء، وأخذوا في الصلاة والصيام حتى يبس جلد أحدهم على عظمه، ثم خالفوا السنة، فهلكوا وسفكوا دماء المسلمين، فوالذي لا إله غيره، ما عمل أحد عملًا على جهل إلا كان يفسد أكثر مما يصلح" (٢).

стр. 715

المبحث الثاني: تسلط الأعداء على الأمة لما دب إلى القلوب داء الأمم قبلنا الحسد والبغضاء، وتمكن حب الدنيا من القلوب، وكره الدعاة وأتباعهم الموت في سبيل الله، وظهر التفرق، والتحزب، والتنازع، تداعت الأعداء على هذه الأمة كما يتداعى الأكلة على موائد الطعام، مع كثرة الأمة إلا أنهم لا وزنهم لهم ولا قيمة؛ لأنهم مشغولون بأنفسهم عن أعدائهم، وقد أخبر النبي ﷺ بهذه الحالة، فقال: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا»، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ»، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ». وحب الدنيا باب الشيطان الكبير الذي يدخل منه إلى القلوب، ويسعى في التفريق والتحريش به بين المؤمنين، ويُمكّن من خلاله لتسلط الأعداء؛ ولهذا -والله أعلم- نجد أن الله تعالى يقدم التحذير من الاغترار بالدنيا على التحذير من الاغترار بالشيطان، فقال تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥]؛؛ لأن القلوب إذا تعلقت بالدنيا أحبتها وزهدت في الآخرة، وكرهت لأجلها الموت في سبيل الله، ورضيت بأن تعيش لشهواتها، وأخلدت إلى الأرض، فتسلطت عليها شياطين الجن والإنس، وأشغلتها بالتنازع والافتراق، وضربت قلوب بعضها ببعض، ومن ثَمَّ تُرِكت الدعوة أو ضعف الاهتمام بها، وأقبلت النفوس على الدنيا تسابق إليها وتنافس فيها،

стр. 716

ودب إلى القلوب داء الأمم الحسد والبغضاء كما قال ﷺ : «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ، هِيَ الحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ: تَحْلِقُ الشَّعَرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَلِكَ لَكُمْ؟! أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» (١). واستغلَّ الشيطان هذه الأجواء ليستفيد من إذكاء نار الفتنة وزيادة الفرقة والتنازع بتحريشه بينهم، كما في حديث جَابرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» (٢).

стр. 717

المبحث الثالث: تسلط أعداء الأمة على الدعاة، وتنفير الناس من دعوتهم وإذا سعى الشيطان ليفرق بين المسلمين، فحدث التنازع والاختلاف بينهم، عند ذلك تسلط أعداء الأمة عليها، وسعوا في صرفها عن دينها، وفي إبعادها عن دعاتها، بتشويه سمعتهم، وصرف الناس عنهم، فإذا كان الدعاة لديهم خلل في علاقتهم بربهم، بسبب القصور في تحقيق أعمال قلوبهم الذي أحدث خللًا في سلوكهم، فصاروا قدوات سيئة؛ لأن القلب إذا فسد فسدت سائر الجوارح، وظهر الخلل في سلوك صاحب القلب المريض، كما أخبر بذلك النبي ﷺ (١)، فإذا حصل الخلل في سلوك من ينتسب إلى الدعوة صرف الله القلوب عن حبهم، كما قال ﷺ ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ، قَالَ فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ». وهنا يتمكن أعداء الدعوة من مرادهم، فيحدث الإرجاف والتخويف من قبل الشيطان وحزبه، وتقوى دعاية أهل الباطل، فتجد آذانًا صاغية من أتباع الدعاة -بسبب الدعاة أنفسهم- لأنهم رسموا صورة قبيحة في أذهان أتباعهم بتكالبهم على الدنيا، والتساهل في ارتكاب الحرام بأدنى الحيل، وتنازعهم وتفرقهم واختلاف كلمتهم، وطعن بعضهم في بعض، فلم يكونوا قدوة صالحة، فضعف تأثيرهم، وصدّق أتباعهم

стр. 718

ما يقال عنهم، أو على الأقل اهتزت صورتهم في أعين المدعوين؛ لأنهم رأوا بأعينهم من مظاهر الخلل الواضحة عند هؤلاء الدعاة في أقوالهم وأفعالهم، وهذا ما مكّن لأعدائهم ما يسعون له من التشويه وتنفير الناس عنهم. ومن ثَمَّ تسلطت عليهم شياطين الإنس والجن، فبثوا الرعب في قلوبهم وقلوب أتباعهم، حتى انصرفوا عن الدعوة بسبب تخويف الشيطان لهم بأوليائه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]. قال ابن كثير ﵀: "أي: يخوفكم أولياءه، ويوهمكم أنهم ذوو بأس وذوو شدة" (١). وإنما يؤتى الدعاة من قبل أنفسهم بسبب الخلل الذي في قلوبهم الذي يعلمه الله من ضعف الإيمان والتعلق بالحياة الدنيا، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥]. وقال تعالى عما حصل من خلل في غزوة أحد بسبب تعلق القلوب بالدنيا: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]. وفي غزوة حنين حينما اغترت بعض القلوب بالكثرة، وحصل العجب في القلوب، وضعف تعلق القلب بالله في النصر، حصلت الهزيمة في أول المعركة؛ ليربي الأمة ويعطيها درسًا تنتفع به في كل زمان، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ

стр. 719

كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]. فعدم الإيمان أو ضعفه أو تعلق القلب بالدنيا، أو حصول الأمراض في القلب من عجب أو رياء أو تعلق بغير الله وغيرها من أسباب الخلل مما يؤدي إلى تسلط العدو على الدعاة وبث الدعاية ضدهم، لكن إذا قوي إيمان الداعية وتعلق قلبه بالله وتدرع بالصبر والتقوى، حينها يقوى خوفه من الله، ويخرج الله من قلبه الخوف من أولياء الشيطان، ولم يتمكنوا من صده عن الدعوة، ولا يمكنّهم الله من تشويه سمعته بما قذف في قلوب عباده من حبه، بل يفشل الله خططهم، ويجعل مكرهم يحيق بهم، كما نصت على ذلك الآيات حيث بين أن التقوى والصبر يدفعان كيد العدو، فلا يضر الداعية ولا يسري مفعوله في قلبه، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠]. قال السعدي ﵀ في تعليقه على الآية: "فإذا أتيتم بالأسباب التي وعد الله عليها النصر -وهي الصبر والتقوى- لم يضركم مكرهم، بل يجعل الله مكرهم في نحورهم؛ لأنه محيط بهم علمه وقدرته، فلا منفذ لهم عن ذلك، ولا يخفى [عليهم] (١) منهم شيء" (٢). وقد أخبر تعالى عن حال من يفسدون في الأرض ولا يصلحون، إذا واجهوا أهل الحق الأقوياء بإيمانهم وتمسكهم بالحق الذي معهم، كيف أن الله يدافع عن أهل الحق ويحطم مكر عدوهم ويدمره، فقال تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ

стр. 720

ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [النمل: ٤٨ - ٥٣]. وأخبر أن المكر السيّئ لا يحيق إلا بصاحبه، فيهلكه الله به، وقد جرت سنة الله بذلك، وسنته لا تتبدل ولا تتحول، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٢، ٤٣]. وقد أخبر أنه يدافع عن عباده المؤمنين، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨]، وقد تكفل بنصرهم بكل أنواع النصر إذا هم صدقوا في إيمانهم، وجاهدوا أنفسهم في إصلاح خلل قلوبهم، واجتهدوا في العمل الصالح، فقد وعد فقال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤].

стр. 721

وذكر النبي ﷺ أن الله سيتولى محاربة من يحارب أولياءه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ» الحديث. ولكن قد يتأخر النصر، ويُمَكَّنُ للعدو إلى حين ابتلاءً وتمحيصًا، ولله في ذلك حكمة، ليظهر في الواقع معلوم الله، فيعرف الصادق من الكاذب، ويميز بين المؤمن وغيره، ويتخذ من المؤمنين شهداء، ثم تحدث سنة الله في محق أعداء الدين، قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩ - ١٤١]. وفي الآيات السابقة التي أنزلها الله ضمن آيات عقّب بها الله على غزوة أحد؛ لتكون درسًا للمؤمنين إلى قيام الساعة ينتفعون بها، ويأخذون منها العبر والعظات في حياتهم، يقول السعدي ﵀: "وذكر تعالى أنه لا ينبغي ولا يليق بهم الوهن والحزن، وهم الأعلون في الإيمان، ورجاء نصر الله وثوابه، فالمؤمن المتيقن ما وعده الله من الثواب الدنيوي والأخروي لا ينبغي منه ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ثم سلاهم بما حصل لهم من الهزيمة، وبيَّن الحِكَم العظيمة المترتبة على ذلك، فقال: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾، فأنتم وإياهم قد تساويتم في القرح، ولكنكم ترجون من الله ما لا يرجون، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤].

стр. 722

ومن الحكم في ذلك أن هذه الدار يعطي الله منها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، فيداول الله الأيام بين الناس، يوم لهذه الطائفة، ويوم للطائفة الأخرى؛ لأن هذه الدار الدنيا منقضية فانية، وهذا بخلاف الدار الآخرة، فإنها خالصة للذين آمنوا. ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذا أيضا من الحكم أنه يبتلي الله عباده بالهزيمة والابتلاء؛ ليتبين المؤمن من المنافق؛ لأنه لو استمر النصر للمؤمنين في جميع الوقائع لدخل في الإسلام من لا يريده، فإذا حصل في بعض الوقائع بعض أنواع الابتلاء، تبين المؤمن حقيقة الذي يرغب في الإسلام، في الضراء والسراء، واليسر والعسر، ممن ليس كذلك. ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ وهذا أيضًا من بعض الحكم؛ لأن الشهادة عند الله من أرفع المنازل، ولا سبيل لنيلها إلا بما يحصل من وجود أسبابها، فهذا من رحمته بعباده المؤمنين أن قيَّض لهم من الأسباب ما تكرهه النفوس؛ لينيلهم ما يحبون من المنازل العالية والنعيم المقيم، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ الذين ظلموا أنفسهم، وتقاعدوا عن القتال في سبيله، وكأن في هذا تعريضًا بذم المنافقين، وأنهم مبغضون لله، ولهذا ثبطهم عن القتال في سبيله. ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦]. ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهذا أيضًا من الحكم أن الله يمحص بذلك المؤمنين من ذنوبهم وعيوبهم، يدل ذلك على أن الشهادة والقتال في سبيل الله يكفر الذنوب، ويزيل العيوب، وليمحص الله أيضًا المؤمنين من غيرهم من المنافقين، فيتخلصون منهم، ويعرفون المؤمن من المنافق. ومن الحكم أيضًا أنه يقدر ذلك، ليمحق الكافرين، أي: ليكون سببًا لمحقهم واستئصالهم بالعقوبة، فإنهم إذا انتصروا، بغوا، وازدادوا طغيانًا إلى طغيانهم، يستحقون

стр. 723

به المعاجلة بالعقوبة رحمة بعباده المؤمنين" (١). وسيأتي مزيد بيان حول أسباب تأخر النصر في مبحث قادم (٢). وفي المقابل ذكر الله حال أصحاب القلوب المريضة، عندما يحصل لهم فتنة من أعداء الدعوة يجعلونها كفتنة الله، وينكصون على أعقابهم، ويظهر علم الله فيهم في الواقع، فيُعْلَمُ المؤمن الصادق من المنافق، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت: ١٠، ١١]. قال البغوي ﵀: "قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ أصابه بلاء من الناس افتتن، ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ أي: جعل أذى الناس وعذابهم كعذاب الله في الآخرة، أي: جزع من عذاب الناس ولم يصبر عليه، فأطاع الناس كما يطيع الله من يخاف عذابه، هذا قول السدي وابن زيد، قالا: هو المنافق إذا أوذي في الله رجع عن الدين وكفر" (٣). ويقول السعدي ﵀: "لما ذكر تعالى أنه لا بد أن يمتحن من ادَّعى الإيمان، ليظهر الصادق من الكاذب (٤)، بيَّن تعالى أن من الناس فريقًا لا صبر لهم على المحن، ولا ثبات لهم على بعض الزلازل فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ

стр. 724

فِي اللَّهِ﴾ بضرب، أو أخذ مال، أو تعيير؛ ليرتد عن دينه، وليراجع الباطل، ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ أي: يجعلها صادَّة له عن الإيمان والثبات عليه، كما أن العذاب صادٌّ عما هو سببه. ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ لأنه موافق للهوى، فهذا الصنف من الناس من الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١]. ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ حيث أخبركم بهذا الفريق الذي حاله كما وصف لكم، فتعرفون بذلك كمال علمه وسعة حكمته. ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ أي: فلذلك قَدَّرَ مِحَنًا وابتلاء؛ ليظهر علمه فيهم، فيجازيهم بما ظهر منهم، لا بما يعلمه بمجرده؛ لأنهم قد يحتجون على الله، أنهم لو ابتُلُوا لَثَبَتُوا" (١).

стр. 725

المبحث الرابع: نفور الناس من الدعاة، وتفرقهم عنهم توطئة: وقد ذكرت في المبحث السابق كيف أن الأعداء يشوهون سمعة الدعاة بما يظهر عليهم من خلل وقصور في سلوكهم وسوء خلق في تعاملهم، فأضيف هنا أنه إذا فرط الداعية في أعمال القلوب، وفي تحقيقها ومحاسبة نفسه ومجاهدتها على ذلك، انعكس أثر ذلك على سلوكه فظاظة في القلب، وقلة رحمة بالمدعوين، وانعدامًا للرفق، وغير ذلك من الآثار، وهذه الأخلاق الذميمة ستؤدي إلى نفور المدعوين منه ومن دعوته، وانفضاضهم من حوله، ودونك شيئًا من أسباب نفور الناس من بعض الدعاة، بسبب صفات السوء التي وقعوا فيها، ومنها: ١ - سوء أخلاق الداعية: سوء الخلق عند الداعية من الأسباب العظيمة التي تجعل الناس ينفرون من دعوته، وينفضون من حوله، ودونك صورًا من سوء الخلق التي يتصف بها بعض الدعاة، فتكون سببًا لنفور الناس منهم ومن دعوتهم، ومن تلك الأخلاق السيئة: أ - غلظ القلب وقلة الرحمة فيه، قال الله تعالى عن أثر هذا الخلق السيّئ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. ب - أن يحرم الداعية من الرفق: عَنْ جَرِيرٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ»، وفي رواية عَنْ جَرِيرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ كُلَّهُ»، وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ».

стр. 726

وقد مر الكلام على الرفق في أكثر من موطن في هذه الدراسة (١). ت - اتصاف الداعية بالشح والبخل (٢): إذا اتصف الداعية بالشح والبخل نفر الناس منه؛ لأن الداعية لا بد أن يكون قدوة حسنة في البذل والإنفاق والكرم كما كان القدوة لجميع الدعاة إلى الله، يقول الواصف له ﷺ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ» (٣). وعن جُبَيْرِ بْنُ مُطْعِمٍ ﵁ أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ النَّاسُ، مُقْبِلًا مِنْ حُنَيْنٍ، عَلِقَتْ (٤) رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ، فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَعْطُونِي رِدَائِي، فَلَوْ كَانَ عَدَدُ هَذِهِ العِضَاهِ (٥) نَعَمًا، لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا، وَلَا كَذُوبًا، وَلَا جَبَانًا» (٦).

стр. 727

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالخَيْرِ، وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، حَتَّى يَنْسَلِخَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ القُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ» (١). وقال ﷺ عن هذه الأخلاق السيئة: «وَاتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» الحديث (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَلَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا» الحديث (٣). ويقول ﷺ : «وَإِيَّاكُمْ والشُّحَّ؛ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا» الحديث (٤). وكان ﷺ يتعوذ كثيرًا من مجموعة من الأخلاق السيئة منها البخل، كما ذكر عنه

стр. 728

أنس ﵁ (١). ث - استخدام أساليب الشتم والتجريح مع المدعوين: إن من سمات منهج الأنبياء في دعوتهم اللين في القول، والبعد عن الفظاظة وسيّئ القول، كما وجه الله موسى وهارون ﵉ في دعوتهم للطاغية فرعون بالقول اللين معه؛ لعله يتذكر أو يخشى، فقال : ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣، ٤٤]. وفي هذا دليل على أن منهج الداعية في الدعوة إلى الله تعالى يكون بالرفق واللين ولطيف الكلام، مع حسن الأدب، من دون غلظة في القول أو فظاظة في الفعل، حتى لا ينفر الناس من الداعية؛ وليكون كلامه أوقع في النفوس وأبلغ (٢). وقد حث الله عباده على القول الحسن مع الناس في أكثر من آية؛ ليكون منهجًا يسير عليه المؤمن، والدعاة إلى الله تعالى من باب أولى، فقال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]. وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣]. وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥].

стр. 729

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٣ - ٣٦]. ووقوع من يدعو إلى الله في القول السيّئ والسب والفحش في القول ليس من منهج الأنبياء، ولهذا جاء في السنة في بيان خلق رسول الله ﷺ نفي هذه الصفات عنه، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا» (١). وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاحِشًا، وَلَا لَعَّانًا، وَلَا سَبَّابًا، كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْمَعْتَبَةِ (٢): «مَا لَهُ؟! تَرِبَ جَبِينُهُ» (٣). ومما يدل على قبح هذه الصفات أن الله لا يحبها، ولا يحب لعبده أن يتصف بها، فقَالَ ﷺ : «فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّش» (٤). والفحش هو القبيح من القول والفعل (٥).

стр. 730

ومن كانت لديه هذه الأخلاق السيئة نفر الناس من دعوته، ولو كان يملك قدرة علمية كبيرة. ج - العجب والغرور والكبر: وسبق الكلام على هذه الأخلاق السيئة (١). ٢ - القدوة السيئة من قبل بعض الدعاة: الداعية إلى الله لا بد أن يكون قدوة حسنة في قوله وفعله، وخصوصًا أمام أهل بيته، ومن يقوم بدعوتهم؛ لأنهم يأخذون قوله وفعله على سبيل الاقتداء، فحينئذ كان لزامًا عليه أن يستشعر خطر القدوة السيئة؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يتحمل أوزار من اقتدى به، ويؤدي أيضًا إلى نفور الناس من دعوته، ولهذا قال تعالى محذرًا من ذلك ومبينًا خطره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣]. وقال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]. وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (٢). ومن منهج الأنبياء ﵈ في دعوتهم أنه لا يخالف قولهم فعلهم، كما قال

стр. 731

تعالى عن خطيب الأنبياء شعيب ﵇: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. وفي الحديث يقُولُ ﷺ : «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ، فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى، فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ، فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ، مَا لَكَ؟! أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟! فَيَقُولُ: بَلَى، قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ». وهناك صور تمثل القدوة السيئة من قبل بعض الدعاة، مثل: - وقوعه في بعض مظاهر الشرك والخلل في مقام توحيد الألوهية، كحضور الموالد، وعدم إنكاره على ما يحصل من مظاهر شركية عند القبور. - التفريط في الصلوات. - التساهل في صلاة الجماعة. - التساهل في أكل المال الحرام. - البذاءة في اللفظ. - إخلاف الموعد. - الركون إلى الدنيا وتعلق القلب بها، ويظهر هذا في كثرة حديثه عن الدنيا. - ضياع الأوقات. - السلبية وعدم تحمل المسؤولية. - كثرة الهزل والضحك والمزاح. - عدم الجدية في طلب العلم.

стр. 732

- التساهل في النظر إلى الحرام أو سماعه. - وقوعه في الغيبة. وقوع بعض الدعاة في مثل هذه الأخطاء يجعلهم قدوة سيئة، مما يلقي بظلاله على تربيتهم لأتباعهم، فيقتدون بهم في هذه الصفات القبيحة، وقد ينفر منهم بعض المدعوين فلا ينتفعون بهم. وقد يكشف الله حالهم بالابتلاءات فيعرفون على حقيقتهم كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ الآية [آل عمران: ١٧٩]. قال السعدي ﵀ في تفسيره لهذه الآية: "أي: ما كان في حكمة الله أن يترك المؤمنين على ما أنتم عليه من الاختلاط وعدم التميز حتى يميز الخبيث من الطيب، والمؤمن من المنافق، والصادق من الكاذب. ولم يكن في حكمته أيضًا أن يطلع عباده على الغيب الذي يعلمه من عباده، فاقتضت حكمته الباهرة أن يبتلي عباده، ويفتنهم بما به يتميز الخبيث من الطيب، من أنواع الابتلاء والامتحان، فأرسل الله رسله، وأمر بطاعتهم، والانقياد لهم، والإيمان بهم، ووعدهم على الإيمان والتقوى الأجر العظيم. فانقسم الناس بحسب اتباعهم للرسل قسمين: مطيعين وعاصين، ومؤمنين ومنافقين، ومسلمين وكافرين، ليرتب على ذلك الثواب والعقاب، وليظهر عدله وفضله، وحكمته لخلقه" (١). ٣ - ضعف الصلة بالله، ويكون بتقصير الداعية في الفرائض وفي نوافل العبادات مما يجعل القلوب تنصرف عنه (٢).

стр. 733

٤ - مخالفة الداعية لوصية النبي ﷺ لمعاذ وأبي موسى ﵄ حين بعثهما إلى اليمن في مهمة دعوية: فقال ﷺ : «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا» (١). وقال ابن حجر ﵀ في فوائد الحديث: "وفي الحديث الأمر بالتيسير في الأمور، والرفق بالرعية وتحبيب الإيمان إليهم، وترك الشدة لئلا تنفر قلوبهم، ولا سيما فيمن كان قريب العهد بالإسلام أو قارب حد التكليف من الأطفال، ليتمكن الإيمان من قلبه ويتمرن عليه" (٢). ٥ - وقوع الداعية في أعمال تنفر المدعوين، ويكون بتكليفهم بما يشق عليهم، ويعجزون عن القيام به، وذلك بعدم مراعاة أحوالهم: مثال على ذلك: إطالة الصلاة بهم إطالة تخالف منهج التيسير، وقد ورد في النصوص ما يبين المنهج الشرعي في العبادة المبني على التيسير، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الفَجْرِ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فُلَانٌ فِيهَا، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مَا رَأَيْتُهُ غَضِبَ فِي مَوْضِعٍ كَانَ

стр. 734

أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ وَالكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ» (١). وعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الجميع- كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمُ الصَّلَاةَ، فَقَرَأَ بِهِمُ البَقَرَةَ، قَالَ: فَتَجَوَّزَ رَجُلٌ فَصَلَّى صَلَاةً خَفِيفَةً، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاذًا، فَقَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا قَوْمٌ نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا، وَنَسْقِي بِنَوَاضِحِنَا، وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى بِنَا البَارِحَةَ، فَقَرَأَ البَقَرَةَ، فَتَجَوَّزْتُ، فَزَعَمَ أَنِّي مُنَافِقٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟! -ثَلَاثًا- اقْرَأْ: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وَنَحْوَهَا» (٢). وعن أبي قتادة الأنصاري ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنِّي لَأَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» (٣).

стр. 735

المبحث الخامس: تأخر النصر الذي أعنيه هنا بتأخر النصر ما يكون بسبب الذنوب التي انطوت عليها القلوب، وقد سبق الحديث عن آثارها في الفصل السابق، ولا أقصد في هذا المبحث تأخر النصر ابتلاءً واختبارًا وتمحيصًا ولرفعة الدرجات، وقد حصل ذلك للأنبياء ﵈ ولأتباعهم، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. قال السعدي ﵀: "يخبر ﵎ أنه لا بد أن يمتحن عباده بالسراء والضراء والمشقة كما فعل بمن قبلهم، فهي سنته الجارية التي لا تتغير ولا تتبدل، أن من قام بدينه وشرعه لا بد أن يبتليه، فإن صبر على أمر الله، ولم يبال بالمكاره الواقفة في سبيله، فهو الصادق الذي قد نال من السعادة كمالها، ومن السيادة آلتها. ومن جعل فتنة الناس كعذاب الله، بأن صدته المكاره عما هو بصدده، وثنته المحن عن مقصده، فهو الكاذب في دعوى الإيمان، فإنه ليس الإيمان بالتحلي والتمني، ومجرد الدعاوى، حتى تصدقه الأعمال أو تكذبه. فقد جرى على الأمم الأقدمين ما ذكر الله عنهم: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ﴾ أي: الفقر، ﴿وَالضَّرَّاءُ﴾ أي: الأمراض في أبدانهم، ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ بأنواع المخاوف من التهديد بالقتل والنفي وأخذ الأموال وقتل الأحبة، وأنواع المضار حتى وصلت بهم الحال وآل بهم الزلزال إلى أن استبطؤوا نصر الله مع يقينهم به. ولكن لشدة الأمر وضيقه قال ﴿الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ

стр. 736

اللَّهِ﴾، فلما كان الفرج عند الشدة، وكلما ضاق الأمر اتسع، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، فهكذا كل من قام بالحق فإنه يمتحن. فكلما اشتدت عليه وصعبت، إذا صابر وثابر على ما هو عليه انقلبت المحنة في حقه منحة، والمشقات راحات، وأعقبه ذلك الانتصار على الأعداء وشفاء ما في قلبه من الداء، وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]. وقوله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣]، فعند الامتحان يكرم المرء أو يهان" (١). وقال ﵎: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: ١١٠]. والظن في هذه الآية ليس من باب الشك؛ لأن الأنبياء منزهون عن ذلك، وإنما المراد به كما ذكر ابن عباس ﵄: ما يخطر بالبال وتحدث به النفس من استبطاء النصر على ما تقتضيه الطبيعة البشرية من الضعف، وظن الأنبياء أنهم أُخْلِفوا، كما قال الله: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ (٢)، وهذا ما مال له شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وذكر أن ظاهر الآية معه (٣).

стр. 737

وكذلك فسر السعدي ﵀ هذه الآية، ومال في تفسيرها إلى قول ابن عباس ﵄، حيث قال: "يخبر تعالى أنه يرسل الرسل الكرام، فيكذبهم القوم المجرمون اللئام، وأن الله تعالى يمهلهم ليرجعوا إلى الحق، ولا يزال الله يمهلهم حتى إنه تصل الحال إلى غاية الشدة منهم على الرسل. حتى إن الرسل -على كمال يقينهم، وشدة تصديقهم بوعد الله ووعيده- ربما أنه يخطر بقلوبهم نوع من الإياس، ونوع من ضعف العلم والتصديق، فإذا بلغ الأمر هذه الحال ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ وهم الرسل وأتباعهم، ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: ولا يرد عذابنا، عمن اجترم، وتجرأ على الله، فما له من قوة ولا ناصر" (١). أمثلة على أسباب تأخر النصر، نذكرها على سبيل الإجمال؛ لأنه مر الكلام عليها فيما سبق: أولًا: الخلل في الإيمان بالله تعالى ويشمل: أ - ضعف عقيدة التوحيد. ب - ضعف الإيمان باليوم الآخر وتعلق القلب بالدنيا. ت - وجود أمراض القلب ولذلك عدة صور، منها: ١ - ضعف التوكل على الله. ٢ - ضعف الإخلاص والخلل في المقاصد. ٣ - العجب والكبر والرياء وحب السمعة. ٤ - الخلل في الصبر والتقوى.

стр. 738

ثانيًا: الفرقة والاختلاف والتنازع. ثالثًا: الغفلة عن ذكر الله. رابعًا: التقصير في الفرائض والواجبات وارتكاب المنهيات، وله عدة صور منها: ١ - التهاون بالصلاة. ٢ - قطيعة الرحم. ٣ - أذية الجار. ٤ - التساهل في أكل المال الحرام، وارتكاب الحيل من أجل ذلك. ٥ - الوقوع في آفات اللسان. ٦ - السماع والنظر إلى الحرام. خامسًا: التقصير في الإعداد المادي: أما الإعداد المادي فقد أمر الله به، وأن يكون بحسب الوسع، فقال : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وقال ابن كثير ﵀: "ثم أمر تعالى بإعداد آلات الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة، فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ أي: مهما أمكنكم، ﴿مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ " (١). وقال السعدي ﵀: "أي: ﴿وَأَعِدُّوا﴾ لأعدائكم الكفار الساعين في هلاككم وإبطال دينكم ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ أي: كل ما تقدرون عليه من القوة

стр. 739

العقلية والبدنية وأنواع الأسلحة ونحو ذلك مما يعين على قتالهم، فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات من المدافع والرشاشات والبنادق، والطيارات الجوية، والمراكب البرية والبحرية، والحصون والقلاع والخنادق، وآلات الدفاع، والرأْي والسياسة التي بها يتقدم المسلمون ويندفع عنهم به شر أعدائهم، وتَعَلُّم الرَّمْيِ، والشجاعة والتدبير؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» (١). ومن ذلك: الاستعداد بالمراكب المحتاج إليها عند القتال؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، وهذه العلة موجودة فيها في ذلك الزمان، وهي إرهاب الأعداء، والحكم يدور مع علته. فإذا كان شيء موجود أكثر إرهابًا منها، كالسيارات البرية والهوائية المعدة للقتال التي تكون النكاية فيها أشد، كانت مأمورًا بالاستعداد بها، والسعي لتحصيلها، حتى إنها إذا لم توجد إلا بتعلُّم الصناعة وجب ذلك؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" (٢). وغير ذلك من الأسباب التي يتأخر النصر بسببها، والأسباب المعنوية أكثر أثرًا وخطرًا من الأسباب المادية.

стр. 740

الخاتمة أهم النتائج. أهم التوصيات والمقترحات.
следующие страницы →