هو من بني عديّ بن كعب، رهط عمر بن الخطاب، وفيهم ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام في «جماهر «١» الأنساب» (٩) له فقال: خارجة بن حذافة بن غانم «٢» قاضي عمرو بن العاص بمصر الذي قتله الخارجي وهو يظن أنه عمرو بن العاص، وقال ابن حزم في «جماهر «٣» الأنساب» (١٥٦) له أيضا: هو خارجة بن حذافة بن غانم «٤» بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب الذي قتله الحروريّ بمصر وهو يظنه عمرو بن العاص، فلما عرف من قتل قال: أردت عمرا وأراد الله خارجة، فأرسلها مثلا. انتهى.
стр. 107
الباب الثامن في الإمام في صلاة القيام في رمضان
وفيه ثلاثه فصول
الفصل الأول كيف كان الناس يصلونها في عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر
رضي الله تعالى عنه في «الموطأ» (٨٤) عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ صلّى في المسجد ذات ليلة، فصلّى بصلاته ناس، ثم صلّى في القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا في الليلة الثالثة والرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم. وذلك في رمضان. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان يرغّب في قيام رمضان من غير أن يأمر بعزيمة فيقول: من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه. قال ابن شهاب: فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدر من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما.
стр. 108
الفصل الثاني في جمع عمر رضي الله تعالى عنه الناس في قيام رمضان «١» على إمام
في «الموطأ» (٨٥) عن عبد الرّحمن بن عبد القاري «٢» أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في رمضان «٥» إلى المسجد، فإذا النّاس أوزاع متفرّقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلّي الرجل ويصلي «٣» بصلاته الرّهط.
فقال عمر: والله إني لأراني لو جمعت هؤلاء على قارىء واحد لكان أمثل، فجمعهم على أبيّ بن كعب رضي الله تعالى عنه. قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلّون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يعني آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله.
فائدة لغوية:
في «المشارق» (١: ٨١) قوله: نعمت البدعة هذه: كلّ ما أحدث بعد النبي ﷺ فهو بدعة، والبدعة: فعل ما لم يسبق إليه، فما وافق أصلا من السنة يقاس عليه فهو محمود، وما خالف أصول السنن فهو ضلالة.
الفصل الثالث في ذكر أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه
في «الاستيعاب» (٦٥) أبي بن كعب بن قيس بن عبيد [بن زيد] «٤» بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجّار الأنصاري المعاوي، يكنى أبا الطفيل
стр. 109
وأبا المنذر. وعن أبي موسى قال: جاء أبي بن كعب إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما فقال له: يا ابن الخطاب، فقال له عمر: يا أبا الطّفيل، في حديث ذكره. وعن أبي قال، قال لي رسول الله ﷺ : أي آية معك في كتاب الله أعظم؟ فقلت: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (البقرة: ٢٥٥) قال:
فضرب صدري، وقال: ليهنك العلم يا أبا المنذر.
قال أبو عمر: شهد أبي بن كعب العقبة الثانية، وبايع رسول الله ﷺ فيها، ثم شهد بدرا، وكان أحد فقهاء الصحابة وأقرأهم لكتاب الله.
وروي عن رسول الله ﷺ أنّه قال: أقرأ أمّتي أبيّ. وعن أنس أن النبيّ ﷺ دعا أبيّا فقال: إن الله أمرني أن أقرأ عليك؟ قال:
الله سماني لك؟ قال: نعم، فجعل أبي يبكي.
قال أبو عمر: وكان أبي بن كعب ممن كتب لرسول الله ﷺ الوحي قبل زيد بن ثابت ومعه أيضا. وعن الواقدي قال: أول من كتب لرسول الله ﷺ مقدمه المدينة أبي بن كعب، وهو أول من كتب في آخر الكتاب: «وكتب فلان» .
ومات رضي الله تعالى عنه في خلافة عمر بن الخطاب، فقيل سنة تسع عشرة، وقيل سنة عشرين، وقيل سنة اثنتين وعشرين، وقيل إنه مات في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين، والأكثر أنه مات في خلافة عمر.
فائدة لغوية:
في «المحكم» الهنيء (٤: ٢٦) : ما أتاك بلا مشقّة، وقد هنىء وهنؤ هناءة، وهنأني الطعام وهنأ لي يهنئني ويهنؤني وهنأتنيه العافية.
فأما ما أنشده سيبويه:
فارعي فزارة لا هناك المرتع «١»
стр. 110
فعلى البدل للضرورة، وليس على التخفيف. وفي «المشارق (٢: ٢٧١) :
قوله: فهناني، وجاءني الناس يهنوني، ولتهنك توبة الله: يهمز ويسهل قلت: وعليه جاء: ليهنك العلم، مسهّلا. وقوله: في قصة أم معبد:
ليهن بني كعب مقام فتاتهم «١» مسهّلا ولا ضرورة فيه، كذلك ضبطها أبو علي الغساني بخطه في «الاستيعاب» .
стр. 111
الباب التاسع في المؤذن
وفيه خمسة فصول
الفصل الأول في عدد مؤذني النبي ﷺ
روى مسلم (١: ١١٢) رحمه الله تعالى عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كان لرسول الله ﷺ مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى في «الإكمال» : قوله: كان لرسول الله ﷺ مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم، يعني في وقت واحد، وإلا فقد كان له ﵊ غيرهما، أذّن له أبو محذورة بمكة، ورتّبه لأذانها- ﷺ وسعد القرظ أذّن للنبي ﷺ بقباء ثلاث مرات، وقال له: إذا لم تر بلالا فأذّن. ولكن هذان لزما الأذان له بالمدينة.
فائدة لغوية:
في «التنبيهات» للقاضي عياض: الأذان: الإعلام، قال تعالى: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (التوبة: ٣) قال ابن قتيبة: وأصله من الأذن كأنه أودع ما علمه أذنه، فالأذان: إعلام بدخول الوقت، والاجتماع للصلاة، وأن الدار دار إيمان، وكان النبي ﷺ إذا غزا قوما فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار. ففي معنى الأذان إعلام بهذه المعاني الثلاثة من شعار الإسلام.
وفي «المحكم» : الأذان والأذين: النداء إلى الصلاة. قال سيبويه: وقالوا:
أذّنت وآذنت فمن العرب من يجعلها بمعنى، ومنهم من يقول: أذّنت للتصويت
стр. 112
بإعلان، وآذنت: أعلمت، والأذين: المؤذّن، والمئذنة: موضع الأذان وقال اللحياني: هي المنارة، يعني: الصومعة.
الفصل الثاني في ذكر بلال
رضي الله تعالى عنه في «الاستيعاب» (١٧٨، ١٨٢) : بلال بن رباح: المؤذن، من مولّدي مكة، وقيل من مولّدي السراة، واسم أمه حمامة؛ مولى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما، اشتراه ثم أعتقه وكان من أول من أظهر الإسلام، وكان صادق الإسلام طاهر القلب، وكان يعذّب، فهانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد! أحد! وأخذه أبو جهل فبطحه على وجهه وسلقه في الشمس فجعل يقول، وقد عمد إلى رحى فوضعها على بطنه: أحد أحد. وروي عن قيس قال: اشترى أبو بكر بلالا وهو مدفون بالحجارة.
شهد رضي الله تعالى عنه بدرا وأحدا وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ .
وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال لبلال: يا بلال إني دخلت الجنة فسمعت فيها خشفا، والخشف:
الوطء والحسّ، فقلت: من هذا؟ قيل: بلال. قال: فكان بلال إذا ذكر ذلك بكى.
وذكر ابن أبي شيبة أن بلالا أذّن حياة رسول الله ﷺ ، ثم أذّن لأبي بكر حياته، ولم يؤذّن في زمن عمر، فقال له عمر: ما منعك أن تؤذّن؟
قال: إني أذنت لرسول الله ﷺ حتى قبض، وأذنت لأبي بكر حتى قبض، لأنه كان وليّ نعمتي، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول:
يا بلال ليس عمل أفضل من الجهاد. فخرج مجاهدا. ويقال إنه أذن لعمر ﵀ إذ دخل الشام مرة، فبكى عمر وغيره من المسلمين.
стр. 113
وذكر ابن المسيب أنه كان يؤذّن لرسول الله ﷺ فلما مات النبي ﷺ أراد أن يخرج إلى الشام، فقال له أبو بكر: بل تكون عندنا، فقال: إن كنت أعتقتني لنفسك فاحبسني، وإن كنت أعتقتني لله فذرني أذهب إلى الله ، فقال: اذهب إلى الشام فكان بها حتى مات.
قال أبو عمر (١٧٩) : مات بدمشق ودفن عند الباب الصغير بمقبرتها سنة عشرين، وقيل سنة إحدى وعشرين، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقيل ابن سبعين سنة. انتهى.
فائدة لغوية:
سلقه: ألقاه على ظهره. قال الجوهري (٤: ١٤٩٧) : طعنته فسلقته: إذا ألقيته على ظهره.
الفصل الثالث في ذكر ابن أمّ مكتوم
رضي الله تعالى عنه في «الجماهر» (١٧١) لابن حزم: ابن أم مكتوم مؤذّن رسول الله ﷺ : هو عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصمّ، واسم الأصمّ جندب من بني معيص بن عامر بن لؤي، ونسب إلى أمه أم مكتوم، وهي عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بن عامر «١» بن مخزوم، قال: وابن أم مكتوم ابن خال خديجة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
قلت: واختلف في قول أبي عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (١١٩٨) :
فذكره في باب عمرو، ونسبه كما نسبه ابن حزم، وذكر قرابته أيضا من أم المؤمنين خديجة رضي الله تعالى عنها، وذكره في باب عبد الله، وذكر في نسبه خلافا في الأسماء، إلا أنه لم يخالف في أنه من بني معيص حسبما ذكر في باب عمرو.
стр. 114
قال أبو عمر (٩٩٧) : وكان قديم الإسلام بمكة، واختلف في وقت هجرته:
فقيل: كان ممن قدم المدينة مع مصعب بن عمير قبل رسول الله ﷺ . وقال الواقدي: قدمها بعد بدر بيسير فنزل دار القرّاء، واستخلفه رسول الله ﷺ على المدينة ثلاث عشرة مرة في غزواته، وأما رواية قتادة عن أنس أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مرتين، فلم يبلغه ما بلغ غيره. انتهى.
وفي «الموطأ» (٦٠) عن سالم بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: إن بلالا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أمّ مكتوم. قال: وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت [أصبحت] . انتهى.
قال أبو عمر ابن عبد البر (١١٩٩) : وشهد القادسية، وكان معه اللواء يومئذ، وقتل شهيدا بالقادسية. وقال الواقدي: رجع ابن أمّ مكتوم من القادسية إلى المدينة فمات، ولم يسمع له بذكر بعد عمر بن الخطاب. انتهى.
فائدة لغوية:
في كتاب «الاشتقاق» لمحمد بن أبان بن سيّد: بنو عنكثة في بني مخزوم من العكث والنون زائدة، والعكث خلط الشيء بالشيء. وفي «ديوان الأدب» (٢: ٢٣) :
العنكث بفتح العين والكاف وبينهما نون ساكنة، وبعد الكاف ثاء مثلثة: نبت، قال:
[من الرجز]
وعنكثا ملتبدا «١»
الفصل الرابع في ذكر أبي محذورة
رضي الله تعالى عنه في «الاستيعاب» (١٧٥١، ١٧٥٢) أبو محذورة المؤذّن القرشي الجمحي، اختلف في اسمه: فقيل سمرة، وقيل معير، وقيل سلمة، وقيل أوس، واتفق الزبير
стр. 115
وعمه مصعب ومحمد بن إسحاق على أن اسمه أوس، وهؤلاء أعلم بطريق أنساب قريش، قال الزبير: هو أوس بن معير بن لوذان بن سعد بن جمح. وفي «الجماهر» (١٥٣) لابن حزم: أبو محذورة: أوس بن معير بن لوذان بن سعد بن جمح.
ولاه رسول الله ﷺ الأذان بمكة، فتوارثه بعد ولده إلى انقراض آخرهم في أيام الرشيد، وانقرض جميع عقب لوذان بن سعد بن جمح، فورث الأذان بمكة عنهم بنو سلامان بن ربيعة بن سعد بن جمح فهو فيهم إلى الآن.
وفي «الاستيعاب» (١٧٥٢) : كان أبو محذورة مؤذن رسول الله ﷺ بمكة، أمره بالأذان بها منصرفه من حنين، وكان سمعه يحكي الأذان، فأعجبه صوته، فأمر أن يؤتى به فأسلم يومئذ وأمره بالأذان فأذّن بين يديه، ثم أمره فانصرف إلى مكة، وأقرّه على الأذان بها، فلم يزل يؤذّن بها هو وولده، ثم عبد الله بن محيريز ابن عمه فلما انقطع ولد محيريز صار الأذان بها إلى ولد ربيعة بن سعد بن جمح.
وأبو محذورة وابن محيريز من ولد لوذان بن سعد بن جمح. قال الزبير: كان أبو محذورة أحسن الناس أذانا وأنداهم صوتا. قال: وأنشدني عمي مصعب لبعض شعراء قريش في أذان أبي محذورة «١» : [من الرجز]
أما وربّ الكعبة المستوره ... وما تلا محمد من سوره
والنغمات من أبي محذوره ... لأفعلنّ فعلة مشهوره
قال الطبري: توفي أبو محذورة بمكة سنة تسع وخمسين، وقيل سنة تسع وسبعين، ولم يهاجر ولم يزل مقيما بمكة حتى مات.
فائدة لغوية:
في «الاشتقاق» لابن سيّد: لوذان جد أبي محذورة: فعلان من لاذ يلوذ.
стр. 116
الفصل الخامس في ذكر سعد القرظ
رضي الله تعالى عنه في «الاستيعاب» (٥٩٣) : سعد بن عائذ المؤذن: مولى عمار بن ياسر، المعروف بسعد القرظ، له صحبة، وإنما قيل له: سعد القرظ لأنه كان كلّما تجر في شيء وضع فيه، فتجر في القرظ فربح فيه، فلزم التجارة فيه. جعله رسول الله ﷺ مؤذنا بقباء.
وفي «الاشراف» عن سعد القرظ قال: كان إذا جاءنا رسول الله ﷺ إلى قباء يؤذّن له بلال، فجاء يوما ليس معه بلال، قال سعد: فرقيت على عذق فأذنت، فاجتمع الناس، فقال رسول الله ﷺ : يا سعد إذا لم تر بلالا فأذّن. فمسح رسول الله ﷺ رأسه وقال: بارك الله فيك يا سعد. فأذن سعد لرسول الله ﷺ بقباء ثلاث مرات.
في «الاستيعاب» (٥٩٤) أنه كان يؤذن على عهد رسول الله ﷺ لأهل قباء حتى نقله عمر بن الخطاب في خلافته إلى المدينة حين خرج بلال إلى الشام، فأذن له في المدينة في مسجد النبي ﷺ ، قال: ويقال إنه لما مات رسول الله ﷺ وترك بلال الأذان نقله أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى مسجد رسول الله ﷺ ، فلم يزل يؤذّن فيه إلى أن مات، وتوارث عنه بنوه الأذان فيه إلى زمن مالك وبعده أيضا. انتهى.
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
الأولى: في «المحكم» (٦: ٢١٠) القرظ: شجر يدبغ به، وقيل هو ورق السّلم. وفي «المشارق» : بفتح القاف والراء، وهو صمغ السّمر، وقيل القشر الذي يدبغ به، وبه سمي سعد القرظ لأنه كان يتجر فيه.
الثانية: الفارابي (١: ١٢٢، ١٩١) : العذق بفتح العين وسكون الذال: النخلة،
стр. 117
وبكسرها وسكون الذال: الكباسة. انتهى. وفي «الصحاح» (٢: ٩٦٦) الكباسة بالكسر: العذق، وهو من التمر بمنزلة العنقود من العنب.
الثالثة: في «الصحاح» (٣: ١٣٠٠) وضع الرجل في تجارته، وأوضع على ما لم يسم فاعله فيها: أي خسر، ويقال وضعت في تجارتك وأنت موضوع. انتهى.
وفي «المشارق» (٢: ٢٩٠) دخلت المال وضيعة: أي نقص.
стр. 118
الباب العاشر في المؤقت
وفيه فصلان
الفصل الأول في أمر النبي ﷺ بلالا رضي الله تعالى عنه بحفظ الوقت
في «الموطأ» (١٩) : مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيّب أن رسول الله ﷺ حين قفل من خيبر أسرى، حتى إذا كان من آخر الليل عرّس، وقال لبلال: اكلأ لنا الصّبح. ونام رسول الله ﷺ وأصحابه، وكلأ بلال ما قدّر له، ثم استند إلى راحلته وهو مقابل الفجر فغلبته عيناه، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ولا بلال ولا أحد من الركب، حتى ضربتهم الشّمس، ففزع رسول الله ﷺ ، فقال بلال: يا رسول الله أخذ بنفسي الّذي أخذ بنفسك، فقال رسول الله ﷺ : اقتادوا، فبعثوا رواحلهم واقتادوا شيئا، ثم أمر رسول الله ﷺ بلالا فأقام الصلاة، فصلّى بهم رسول الله ﷺ الصبح، ثم قال حين قضى الصلاة: من نسي صلاة فليصلّها إذا ذكرها فإن الله ﵎ يقول في كتابه الكريم: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (طه: ١٤) .
وخرج «مسلم» (١: ١٨٩) عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة نحوه إلا أنه قال: اكلأ لنا الليل.
стр. 119
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
الأولى: في «الصحاح» (٢: ٩٤٥) التعريس: نزول القوم في السفر من آخر الليل، يقفون فيه وقفة للاستراحة ثم يرحلون، وأعرسوا: لغة فيه قليلة، والموضع:
معرّس ومعرس.
الثانية: ابن طريف: كلأت الشيء: حرسته، وكلأه الله كلاءة وكلاء:
حفظه. قال الشاعر «١» : [من المنسرح]
إنّ سليمى والله يكلؤها ... ضنّت بشيء ما كان يرزؤها
الثالثة: في «التنبيهات» : الوقت: المقدار من الزمان، وقال ابن طريف: وقت الشيء وقتا: قدّره لوقت، وفي «الصحاح» (١: ٢٧٠) وقته فهو موقوت إذا بيّن للفعل وقتا يفعل فيه. وفي «ديوان الأدب» (٣: ٢٤٩، ٢٧٢) وقت يقت، ووقّت بتشديد القاف يوقّت توقيتا: بمعنى، كقصر من الصلاة وقصّر. وفي «الصحاح» (١: ٢٦٩) الميقات:
الوقت المضروب من الزمان للفعل والموضع، يقال: هذا ميقات أهل الشام الذي يحرمون فيه.
تنبيه:
قد تقدم ذكر بلال رضي الله تعالى عنه في باب الأذان قبل هذا فأغنى ذلك عن إعادته الآن.
الفصل الثاني في اقتداء المساجد في صلاتهم بمؤذن المسجد الجامع
في «الروض الأنف» كانت مساجد المدينة تسعة سوى مسجد رسول الله ﷺ ، كلّهم يصلّون بأذان بلال؛ كذلك قال بكير بن عبد الله بن
стр. 120
الأشجّ «١» فيما روى عنه أبو داود في مراسيله، والدارقطني في سننه (٢: ٨٥) فمنها مسجد راتج، ومسجد بني عبد الأشهل، ومسجد بني عمرو بن مبذول، ومسجد جهينة وأسلم، وأحسبه قال: مسجد بني سلمة. وسائرها مذكور في السنن.
وفي «شرح الرسالة» «٢» للزناتي: مساجد المدينة عشرة مساجد: مسجد بني النجار وهو مسجد النبي ﷺ ، وهو المؤسس على التقوى وهو الذي أقام جبريل قبلته، وغيره أقام النبي ﷺ قبلته وهي: مسجد بني عمرو.
ومسجد بني ساعدة، ومسجد بني عبد الأشهل، ومسجد بني سلمة، ومسجد راتج، ومسجد بني زريق، ومسجد غفار، ومسجد أسلم، ومسجد جهينة.
стр. 121
الباب الحادى عشر في ذكر صاحب الخمزه
روى البخاري (١: ١٠٧) رحمه الله تعالى عن ميمونة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النبي ﷺ يصلي على الخمرة؛ انتهى.
وروى مسلم (١: ٩٦) رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت، قال لي رسول الله ﷺ : «ناوليني الخمرة من المسجد، قالت:
فقلت: إني حائض، فقال: إن حيضتك ليست في يدك. انتهى.
وروى النسائي (١: ١٩٢) عن ميمونة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يضع رأسه في حجر إحدانا، فيتلو القرآن وهي حائض، وتقوم إحدانا بخمرته إلى المسجد فتبسطها وهي حائض. انتهى.
فائدة لغوية:
في «المشارق» (١: ٢٤٠) : الخمرة- بضم الخاء وسكون الميم- هي كالحصير الصغير من سعف النخل، يضفر بالسيور ونحوها بقدر الوجه والكفين، وهي أصغر من المصلّى، يصلّى عليها، سمّيت بذلك لأنها تستر الوجه والكفين من برد الأرض وحرّها، فإن كبرت عن ذلك فهي حصير؛ قاله أبو عبيد. انتهى. وفي «المعالم» للخطابي (١٧١) : الخمرة: السّجادة التي يسجد عليها المصلي.
стр. 122
الباب الثاني عشر في الذي يحمل العنزة
روى البخاري (٢: ٢٥) «١» عن نافع عن ابن عمر قال: كان النبي ﷺ يغدو إلى المصلّى والعنزة بين يديه تحمل، وتنصب بالمصلّى بين يديه يصلي إليها.
فائدة لغوية:
في «المشارق» (٢: ٩٢) العنزة: بفتح العين والنون. قال الخليل: هي عصا في طرفها زجّ. قال أبو عبيد: قدر نصف الرمح أو أكثر شيئا فيها سنان مثل سنان الرمح. وقال الأصمعي: العنزة ما دوّر نصله، والألّة والحربة: العريضة النصل، وقيل في الحربة: إنها ليست عريضة النصل.
стр. 123
الباب الثالث عشر في المسرج وهو الموقد
في «الاستيعاب» (٦٨٣) سراج مولى تميم الداري، قدم على النبي ﷺ في خمسة غلمان لتميم، روى عنه في تحريم الخمر، وأنه أسرج في مسجد النبي ﷺ بالقنديل والزيت، وكانوا لا يسرجون قبل ذلك إلا بسعف النخل، فقال رسول الله ﷺ : من أسرج مسجدنا؟ فقال تميم: غلامي هذا، فقال: ما اسمه؟ قال: فتح، فقال النبي ﷺ :
بل اسمه سراج. قال: فسماني رسول الله ﷺ سراجا «١» .
فائدتان لغويتان:
الأولى: في «ديوان الأدب» (١: ٤٤٥، ٢: ٢٠٢) السراج: الذي يزهر بالليل، وزهر السراج يزهر بفتح الهاء فيهما أي أضاء. وفي «المحكم» السراج: المصباح، والجمع سرج، والمسرجة التي فيها الفتيل، والمسرجة التي تجعل فيها المسرجة، وأسرج السراج: أوقد.
الثانية: هو القنديل- بكسر القاف- كذلك قيّده الفارابي في الديوان (٢: ٧٦) في الرباعي على وزن فعليل.
стр. 124
الباب الرابع عشر في المجمر
وفيه فصلان
الفصل الأول في تطييب المسجد
روى أبو داود (١: ١٠٨) رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور وأن تطيّب وتنظّف.
وروى مسلم (٢: ٣٩٥) رحمه الله تعالى عن جابر رضي الله تعالى عنه: أتانا رسول الله ﷺ في مسجدنا هذا وفي يده عرجون ابن طاب فرأى في قبلة المسجد نخامة فحكّها بالعرجون، ثم أقبل علينا فقال: أيّكم يحبّ أن يعرض الله عنه؟ قال: فخشعنا، ثم قال: أيّكم يحبّ أن يعرض الله عنه؟ قلنا:
لا يا رسول الله، قال: فإن أحدكم إذا قام يصلّي فإنّ الله ﵎ قبل وجهه، فلا يبصقنّ قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصقن عن يساره تحت رجله اليسرى، فإن عجلت به بادرة فليقل بثوبه هكذا، ثم طوى ثوبه بعضه على بعض وقال: أروني عبيرا، فثار فتى من الحيّ يشتدّ إلى أهله، فجاء بخلوق في راحته، فأخذه ﷺ فجعله على [رأس] العرجون، ثم لطخ به على أثر النخامة؛ فقال جابر:
فمن هناك جعلتم الخلوق في مساجدكم. انتهى.
وخرجه أبو داود (١: ١١٢) أيضا رحمه الله تعالى بمعناه.
فائدتان لغويتان:
الأولى: في «الصحاح» (٢: ٧٣٤) العبير: قال الأصمعي: هي أخلاط تجمع
стр. 125
بالزعفران. وقال أبو عبيدة: العبير عند العرب: الزعفران وحده، وفي الحديث:
«أتعجز إحداكنّ أن تتّخذ تومتين ثم تلطّخهما بعبير أو زعفران» وفي هذا الحديث بيان أن العبير غير الزعفران.
الثانية: الخلوق: ضرب من الطيب، وقد خلّقته أي طيبته بالخلوق فتخلّق
الفصل الثاني في المجمر
قال القاضي أبو الوليد ابن رشد رحمه الله تعالى في كتاب الجامع من «البيان والتحصيل» . روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: جمّروا مساجدكم «١» .
وفي «التمهيد» : عبد الله بن المجمر مولى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: كان يجمّر المسجد إذا قعد عمر على المنبر، وقد قيل إنه كان من الذين يجمرون الكعبة، والأول أصح، وهو والد نعيم بن عبد الله المجمر «٢» شيخ مالك بن أنس رحمهما الله تعالى.
فائدة لغوية:
ابن طريف: أجمرت الشيء بالمجمرة: بخّرته بها. وفي «الصحاح» (٢: ٦١٦) المجمرة واحدة المجامر، وكذلك المجمر والمجمر، فبالكسر اسم الشيء الذي يجعل فيه الجمر، وبالضم: الذي هيء له الجمر، يقال: أجمرت النار مجمرا. انتهى.
стр. 126
الباب الخامس عشر في الذي يقمّ المسجد ويلتقط الخرق والقذى والعيدان منه
روى أبو داود (١: ١٠٩) رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال: رسول الله ﷺ : عرضت عليّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد.
وروى مسلم (١: ٢٦٢) رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن امرأة سوداء كانت تقمّ المسجد أو شابا، فقدها رسول الله ﷺ فسأل عنها أو عنه، فقالوا: مات، قال: أفلا كنتم آذنتموني؟ قال: فكأنهم صغروا أمرها أو أمره، فقال: دلوني على قبره، فدلوه فصلّى عليه، ثم قال: إنّ هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينوّرها لهم بصلاتي عليهم.
فائدة لغوية:
في «المشارق» (٢: ١٨٥) قوله: يقمّ المسجد: أي يكنسه ويزيل قمامته، وهي الزبل وما يجتمع فيه، والمقمّة: المكنسة.
стр. 127
الباب السادس عشر في الرجل يأخذ الناس بالصلاة في الجماعة ويشتد عليهم في تركها
روى أبو داود (١: ١٢٩) رحمه الله تعالى عن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا حزما من حطب، ثم آتي قوما يصلّون في بيوتهم ليست بهم علّة فأحرقها عليهم. انتهى.
وروى مسلم (١: ١٨١) رحمه الله تعالى عن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا؛ ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلّي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار. انتهى.
وروى البخاري (١: ١٦٧) رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال، قال النبي ﷺ : ليس صلاة أثقل على المنافقين من صلاة الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر المؤذّن فيقيم، ثم آمر رجلا يؤمّ الناس، ثم آخذ شعلا من النار فأحرّق على من لا يخرج إلى الصلاة بعد. انتهى.
وذكر الزمخشري في كتاب «الكشاف» (٢: ٤٦٣) أن رسول الله ﷺ استعمل عتّاب بن أسيد على أهل مكة وقال: انطلق فقد استعملتك على أهل الله. فكان شديدا على المريب، هيّنا على المؤمن، وقال: والله لا أعلم متخلّفا يتخلف عن الصلاة في جماعة إلا ضربت عنقه، فإنه لا يتخلّف عن الصلاة إلا
стр. 128
منافق، فقال أهل مكة: يا رسول الله لقد استعملت على أهل الله عتّاب بن أسيد أعرابيا جافيا، فقال ﷺ : إني رأيت فيما يرى النائم كأن عتّاب بن أسيد أتى باب الجنة فأخذ بحلقة الباب فقلقله قلقالا شديدا حتى فتح له فدخلها. انتهى.
فائدة لغوية:
قلقل الباب: في «الصحاح» (٥: ١٨٠٥) قلقل أي صوّت، وقلقله قلقلة وقلقالا فتقلقل، أي حرّكه فتحرّك واضطرب، فإذا كسرته فهو مصدر، وإذا فتحته فهو اسم مثل الزّلزال والزّلزال. انتهى.
стр. 129
الباب السابع عشر في الرجل يمنع الناس من المنازعة واللغط في المسجد
روى الترمذي (١: ٢٠٢) رحمه الله تعالى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن تناشد الأشعار في المسجد، وعن البيع والشراء فيه، وأن يتحلّق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة. انتهى.
وروى «١» مسلم (١: ١٥٧) رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله ﷺ : من سمع رجلا ينشد ضالّة في المسجد فليقل: لا ردّها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا.
وروى النسائي «٢» رحمه الله تعالى عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إذا رأيتم من يبتاع أو يشتري في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالّة في المسجد فقولوا: لا ردّها الله عليك. انتهى.
وروى البخاري (١: ١٢٧) رحمه الله تعالى عن السائب بن يزيد قال: كنت نائما «٣» في المسجد فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئت بهما، قال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟
قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ؟!
стр. 130
وفي «الموطأ» (١٢١) لمالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بنى رحبة في ناحية المسجد تسمى: البطيحاء وقال: من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوته فليخرج إلى هذه الرحبة.
وفي «الاستيعاب» (٨١١) : كان العباس عم النبي ﷺ في الجاهلية رئيسا في قريش، وإليه كانت عمارة المسجد الحرام، والسقاية في الجاهلية، فالسقاية معروفة، وأما العمارة فإنه كان لا يدع أحدا يستب في المسجد الحرام، ولا يقول فيه هجرا فحملهم على عمارته في الخير، لا يستطيعون لذلك امتناعا، لأنه كان ملأ قريش قد اجتمعوا وتعاهدوا على ذلك، فكانوا أعوانا له، وسلّموا ذلك إليه. انتهى.
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: في «المحكم» أنشد الشعر، وهم يتناشدون: ينشد بعضهم بعضا، والنشيد: الشعر، فعيل بمعنى مفعل، والنشيد من الأشعار: ما يتناشد، وأنشد بهم: هجاهم.
المسألة الثانية: في «المشارق» (٢: ٢٨) إنشاد الضالة هو تعريفها، يقال:
أنشدتها: إذا عرّفتها، فإذا طلبتها يقال: نشدتها أنشدها بضمّ الشين في المستقبل، هذا قول أكثرهم، وحكى الحربي اختلاف أهل اللغة في الناشد والمنشد، ومن قال: إنه بعكس ما قيّدناه من أن الناشد: المعرّف، والمنشد: الطالب، وحجة كلّ فريق في ذلك من الحديث وشعر العرب.
المسألة الثالثة: قوله: فحصبني: في «الصحاح» (١: ١١٢) حصبت الرجل أحصبه بالكسر، أي رميته بالحصباء، والحصباء: الحصى.
стр. 131
الباب الثامن عشر في صاحب الطهور
وفيه فصلان
الفصل الأول في ذكر من كان يتولى ذلك لرسول الله ﷺ
روى الترمذي (٥: ٣٣٨) رحمه الله تعالى عن خيثمة بن أبي سبرة رحمه الله تعالى قال: أتيت المدينة فسألت الله أن ييسّر لي جليسا صالحا، فيسّر لي أبا هريرة رضي الله تعالى عنه، فجلست إليه فقلت له: إني سألت الله أن ييسّر لي جليسا صالحا فوفّقت لي، فقال لي: ممن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة جئت ألتمس الخير وأطلبه قال: أليس فيكم سعد بن مالك مجاب الدعوة، وابن مسعود صاحب طهور رسول الله ﷺ ونعليه، وحذيفة صاحب سرّ رسول الله ﷺ ، وعمّار الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه، وسلمان صاحب الكتابين؟.
قال قتادة: والكتابان «١» : الإنجيل والقرآن.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. انتهى.
وروى مسلم (١: ٨٩) رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يتبرز لحاجته فآتيه بالماء فيغتسل «٢» به. انتهى.
стр. 132
وروى البخاري (١: ٥٠) رحمه الله تعالى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
كان النبي ﷺ إذا خرج لحاجته أجيء أنا وغلام ومعنا إداوة من ماء، يعني يستنجي به. انتهى.
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: قوله: صاحب طهور رسول الله ﷺ : في «الصحاح» (٢: ٣٢٧) طهر الشيء وطهر أيضا بالضمّ طهارة فيهما، والاسم: الطّهر، وطهّرته أنا تطهيرا، وتطهّرت بالماء، وهم قوم يتطهّرون أي يتنزّهون من الأدناس، والطّهور: ما يتطهّر به كالفطور، والسّحور، والوقود. قال الله تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (الفرقان: ٤٨) والمطهرة والمطهرة: الإداوة، والفتح أعلى، والجمع: المطاهر.
المسألة الثانية: قوله: يتبرز لحاجته، الفارابي (٢: ٤٤٧) : تبرّز أي خرج إلى البراز أي لحاجة على وزن فعال زيد في أوله تاء مع تكرير العين. وفي «المشارق» (١: ٨٤) : البراز بفتح الباء وآخره زاي، وهو كناية عن قضاء حاجة الإنسان من الغائط، وأصله من البراز: وهو المتسع من الأرض، فسمّي به الحدث لأنهم كانوا يخرجون لقضاء حاجتهم إليه لخلائه من الناس، كما قالوا: الغائط باسم ما اطمأن من الأرض لقصدهم إياه لذلك.
المسألة الثالثة: الإداوة بكسر الهمزة هي آنية للماء كالمطهرة، وبكسر الهمزة قيّدها الفارابي (٤: ١٩٥) وفي «الصحاح» (٦: ٢٢٦٦) الإداوة: المطهرة، والجمع:
الأداوى مثل المطايا. وقال أبو الفرج الجوزي في «كشف المشكل» : الإداوة: إناء من جلود كالرّكوة.
الفصل الثاني في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم
١- عبد الله بن مسعود
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (٩٨٧) و «الجماهر» (١٩٧) لابن حزم: عبد الله بن مسعود بن غافل، قال أبو عمر: بالغين
стр. 133
المنقوطة والفاء، بن حبيب بن شمخ بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل.
وفي «الاستيعاب» (٩٨٧) في باب: عبد الله بن مسعود: وأم عبد الله بن مسعود أم عبد بنت عبد ودّ بن سواء بن فريم- بالراء- بن صاهلة بن كاهل بن هذيل أيضا.
وقال في باب النساء منه في باب الكنى (١٩٤٦) : أم عبد بنت سود بن فريم بن صاهلة الهذلية أم عبد الله بن مسعود؛ كذلك ضبطه أبو علي الغساني: فريم بالراء في الموضعين بخطه.
قال أبو عمر (٩٨٧، ٩٨٨) : كان إسلامه قديما في أول الإسلام، وهاجر الهجرتين جميعا: الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة، والهجرة الثانية من مكة إلى المدينة، وضمّه رسول الله ﷺ إليه فكان يلج عليه ويلبسه نعليه، ويمشي معه وأمامه ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، وشهد بدرا والحديبية، وشهد له رسول الله ﷺ بالجنّة. (٩٨٤) وعن عبد الله بن عمرو قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: خذوا القرآن من أربعة: من ابن أمّ عبد- فبدأ به- ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وسالم مولى أبي حذيفة. ومناقبه، رضي الله تعالى عنه، كثيرة. (٩٩٣) ومات بالمدينة سنة ثنتين وثلاثين، ودفن بالبقيع، وكان يوم توفي ابن بضع وستين سنة.
٢- أنس بن مالك
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (١٠٩) : أنس بن مالك بن النّضر بن ضمضم بن زيد الأنصاري النجّاريّ خادم رسول الله ﷺ ، يكنى أبا حمزة، أمه أمّ سليم بنت ملحان الأنصارية. قال رضي الله تعالى عنه: قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنا ابن عشر سنين، وتوفي وأنا ابن عشرين سنة. وقال له مولى له: أشهدت بدرا؟ قال: لا أمّ لك، وأين غبت عن بدر؟ قال محمد بن عبد الله الأنصاري: خرج أنس بن مالك مع رسول الله صلّى
стр. 134
الله عليه وسلم حين توجّه إلى بدر وهو غلام يخدمه. (١١١) ويقال إنه قدّم من صلبه ومن ولد ولده نحوا من مائة قبل موته، وذلك أن رسول الله ﷺ دعا له فقال: اللهم ارزقه مالا وولدا وبارك له. قال أنس: فإني لمن أكثر الأنصار مالا وولدا؛ ويقال إنه ولد له ثمانون ولدا، منهم ثمانية وسبعون ذكرا وابنتان: الواحدة تسمى حفصة، والثانية تكنى أم عمرو. (١١٠) ومات سنة ثلاث وتسعين وهو ابن مائة وثلاث سنين، وقيل مات ابن مائة وسبع، وقيل ابن مائة وعشر، قال أبو عمر:
وأصحّ ما فيه أنه عمّر مائة سنة إلا سنة، ومات بقصره بالطفّ على فرسخين من البصرة، ودفن هنالك.
تنبيه:
قول أبي عمر في أنس: أنه قدّم من صلبه ومن ولد ولده نحوا من مائة قبل موته، يفهم منه أنهم ماتوا قبله. وقال ابن حزم في «الجماهر» (٣٥١- ٣٥٢) لم يمت أنس حتى مشى أمامه مائة رجل من ولده، يرجعون بنسبهم إليه من ذكور ولده وولد ولده خاصة. قال: وله عقب بالبصرة كثير جدا.
стр. 135
الباب التاسع عشر في صاحب السواك
روى البخاري (٥: ٣١) رحمه الله تعالى في باب من ألقى له وسادة عن إبراهيم قال: ذهب علقمة إلى الشام فأتى المسجد فصلّى ركعتين فقال: اللهم ارزقني جليسا، فقعد إلى أبي الدرداء فقال: ممن أنت؟ فقال: من أهل الكوفة، فقال: أليس فيكم صاحب السرّ الذي كان لا يعلمه غيره؟ يعني حذيفة، أليس فيكم أو كان فيكم «١» الذي أجاره الله على لسان رسوله من الشيطان؟ يعني عمارا، أليس فيكم صاحب السواك؟ يعني ابن مسعود، كيف كان يقرأ عبد الله وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى قال والذكر والأنثى فقال: ما زال هؤلاء حتى كادوا يشككوني وقد سمعتها «٢» من رسول الله ﷺ . انتهى.
تنبيه:
قد تقدم ذكر عبد الله بن مسعود في الباب الذي قبل هذا.
فائدة لغوية:
في «المحكم» ساك الشيء سوكا دلكه، وساك فمه بالعود واستاك مشتق من ساك، واسم العود المسواك، يؤنّث ويذكّر، والسّواك كالمسواك، والجمع سوك،
стр. 136
قال أبو حنيفة: وربما همز فقيل: سؤك. قال: وأنشد الخليل لعبد الرّحمن بن حسان «١» : [من المتقارب]
أغرّ الثنايا أحمّ اللّثا ... ت تمنحه سؤك الإسحل
بالهمز، وهذا لا يلزم همزه. انتهى. وقال الجوهري (٤: ١٥٩٣) : سوّك فاه تسويكا، وإذا قلت: استأك بالهمز أو تسوّك لم تذكر الفم. انتهى.
стр. 137
الباب الموفي عشرين في صاحب الكرسيى
وفيه اربعة فصول
الفصل الأول في اتخاذ رسول الله ﷺ الكرسي
ذكر الدارقطني رحمه الله تعالى في «كتاب العلل» في حديث علي رضي الله تعالى عنه قال: كنت آتي رسول الله ﷺ كلّ غداة، فإذا تنحنح دخلت، وإذا سكت لم أدخل، قال: فخرج إليّ فقال: حدث البارحة أمر: سمعت خشخشة في الدار فإذا أنا بجبريل ﵇، فقلت: ما منعك من دخولك.
قال: إن في البيت كلبا، قال: فدخلت فإذا بجرو للحسن تحت كرسيّ لنا. انتهى.
فائدتان لغويتان:
الأولى: قوله ﷺ : سمعت خشخشة، في «المشارق» (١: ٢٤٧) سمعت خشخشة أمامي، أي صوت شيء، وأصله صوت الشيء اليابس.
وأنشد الأعلم لعلقمة: [من الطويل]
كما خشخشت يبس الحصاد جنوب «١»
الثانية: الكرسي: في «المشرع الرويّ» هو الذي يجلس عليه، وقيل:
لا يفضل عن مقعد القاعد. وفي «ديوان الأدب» (١: ١٧٦، ٢٠٢) كرسي بضم الكاف، وكرسي بكسرها، والراء ساكنة في اللغتين.
стр. 138
الفصل الثاني في ذكر جلوس النبي ﷺ على الكرسيّ
روى مسلم والنسائي رحمهما الله تعالى، والنص لمسلم (١: ٢٣٩) عن حميد بن هلال قال قال، أبو رفاعة العدوي: انتهيت إلى النبيّ ﷺ وهو يخطب: قال، فقلت: يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه، قال: فأقبل عليّ رسول الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إليّ، فأتي بكرسي حسبت قوائمه حديدا، قال: فقعد عليه رسول الله ﷺ وجعل يعلّمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتمّ آخرها.
الفصل الثالث في اتخاذ عمر رضي الله تعالى عنه الكرسي
ذكر المبرد في الكتاب «الكامل» (٢: ١٩٣- ١٩٤) في قصة الحطيئة، حين حبسه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لاستعداء الزبرقان عليه في هجوه وهجو رهطه وتفضيله بني عمهم عليهم: أن عمر رضي الله تعالى عنه دعا بكرسيّ فجلس عليه، ودعا بالحطيئة فأجلسه بين يديه، ودعا بإشفا»
وشفرة يوهمه أنه عامل على قطع لسانه حتى ضجّ من ذلك. فكان فيما قال له الحطيئة: يا أمير المؤمنين والله لقد هجوت أبي وأمي وهجوت نفسي، فتبسم عمر ثم قال: فما الذي قلت؟ قال:
قلت لأبي وأمي والمخاطبة للأم: [من الكامل]
ولقد رأيتك في النساء فسؤتني ... وأبا بنيك فساءني في المجلس
وقلت لها: [من الوافر]
تنحّي فاقعدي مني بعيدا ... أراح الله منك العالمينا
أغربالا إذا استودعت سرا ... وكانونا على المتحدثينا
وقلت لامرأتي: [من الوافر]
أطوّف ما أطوّف ثم آوي ... إلى بيت قعيدته لكاع
стр. 139
فقال له عمر: فكيف هجوت نفسك؟ فقال: اطّلعت في بئر فرأيت وجهي، فاستقبحته فقلت: [من الطويل]
أبت شفتاي اليوم إلا ترنما ... بشرّ فما أدري لمن أنا قائله
أرى لي وجها قبّح الله خلقه ... فقبّح من وجه وقبّح حامله
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
الأولى: قوله: وكانونا على المتحدثينا. في «ديوان الأدب» (٣: ٦١) رجل كانون: يستثقله أصحابه عند الحديث، وأنشد الحطيئة يهجو أمه هذا البيت.
الثانية: قوله قعيدته لكاع. في «المحكم» (١: ٩٦) قعيدة الرجل، وقعيدة بيته:
امرأته. وقال الجوهري (٣: ١٢٨٠) : رجل لكع أي لئيم، وقيل: هو العبد الذليل النفس، امرأة لكاع مثل قطام، وأنشد للحطيئة هذا البيت، قال: ولا يصرف لكع في المعرفة لأنه معدول عن ألكع، وقد لكع لكاعة فهو ألكع، والمرأة لكعاء.
الثالثة: قوله: إلّا ترنما. في «الصحاح» (٥: ١٩٣٨) : الرّنم بالتحريك:
الصوت، وقد رنم بالكسر، وترنّم الطائر في تغريده.
الفصل الرابع في اتخاذ علي رضي الله تعالى عنه الكرسي
روى النسائي (١: ٦٩) عن عبد خير رحمهما الله تعالى قال: شهدت علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه دعا بكرسيّ فقعد عليه، ثم دعا بماء في تور فغسل يديه اليمنى ثلاثا، ثم مضمض واستنشق بكفّ واحدة ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، وغسل يده اليمنى ثلاثا، ويده اليسرى ثلاثا، ومسح برأسه، ثم غسل رجليه بالماء ثلاثا، ثم قال: من سرّه أن ينظر إلى وضوء رسول الله ﷺ فهذا وضوء رسول الله ﷺ .
فائدة لغوية:
في «الصحاح» (٢: ٦٠٢) التّور: إناء يشرب فيه؛ ذكره في باب التاء المثناة من فوق.
стр. 140
الباب الحادي والعشرون في السقاء
وفيه أربعة فصول
الفصل الأول في أنه كان ﷺ يستعذب له الماء «١»
في كتاب «أخلاق النبي ﷺ » (٢٢٧) للأصبهاني رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ يستعذب له الماء من بئر السّقيا، والسّقيا من أطراف الحرّة، وفي لفظ آخر: من طرف الحرة. انتهى.
وروى أبو داود (٢: ٣٠٥) رحمه الله تعالى عن عائشة أيضا رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ كان يستعذب له الماء من بيوت السقيا، قال قتيبة: هي عين بينها وبين المدينة يومان «٢» .
فائدتان لغويتان:
الأولى: ابن طريف: سقيتك شرابا وأسقيتك. وفي «المحكم» (٦: ٣٠٢) رجل ساق وسقّاء على التكثير من قوم سقّائين، والأنثى: سقّاءة وسقاية.
الثانية: «في معجم ما استعجم» (٧٤٢) : السّقيا بضم السين وإسكان القاف
стр. 141
بعده الياء أخت الواو: قرية جامعة وهي في طريق مكة إلى المدينة، وإنّما سمّيت السقيا لما سقت «١» من الماء العذب، وهي كثيرة الآبار والعيون والبرك. انتهى.
الفصل الثاني في ما جاء من أنه ﷺ كان يبرّد له الماء
روى مسلم (٢: ٣٩٦) عن جابر في حديثه الطويل في سيرة النبي ﷺ يقول فيه، قال: يعني جابرا- فأتينا العسكر، فقال رسول الله ﷺ : يا جابر ناد بوضوء، فقلت: ألا وضوء؟ ألا وضوء ألا وضوء؟ قال، قلت: يا رسول الله ما وجدت في الركب من قطرة، وكان رجل من الأنصار يبرّد لرسول الله ﷺ الماء في أشجاب له على حمارة من جريد، فقال لي: انطلق إلى فلان الأنصاريّ، فانظر هل في أشجابه من شيء؟ قال: فانطلقت إليه فنظرت فيها، فلم أجد فيها إلّا قطرة في عزلاء شجب منها لو أنّي أفرغه لشربه يابسه، قال: اذهب فأتني به، فأتيته به فأخذه بيده، ثم جعل يتكلم بشيء ما أدري ما هو ويغمزه بيده، ثم أعطانيه فقال: يا جابر ناد بجفنة فقلت: يا جفنة الركب فأتيت بها تحمل فوضعتها بين يديه، فقال رسول الله ﷺ بيده في الجفنة هكذا- فبسطها وفرّق بين أصابعه- ثم وضعها في قعر الجفنة وقال: خذ يا جابر فصبّ عليّ وقل: بسم الله، فصببت عليه وقلت: بسم الله، فرأيت الماء يفور «٢» من بين أصابع يد رسول الله ﷺ ثم فارت الجفنة ودارت حتى امتلأت، فقال: يا جابر ناد من كان له حاجة بماء؟ قال: فأتى الناس فاستقوا حتى رووا، قال: فقال «٣» هل بقي أحد له حاجة؟ فرفع رسول الله ﷺ يده من الجفنة وهي ملأى. انتهى.
стр. 142
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: قوله: في أشجاب له على حمارة من جريد: في «المشارق» (٢: ٢٤٤، ١: ١٤٤) جمع شجب- بسكون الجيم وفتح الشين- وهو ما قدم من القرب، والحمارة وتسمى الحمار أيضا: هي الأعواد التي تعلّق عليها هذه القربة. والجريد: سعف النخل وأغصانها التي يخرج فيها خوصها.
المسألة الثانية: قوله في عزلاء شجب: في «المشارق» (٢: ٨٠) عزلاء المزادة: فمها الأسفل، ممدود، وجمعه: عزالي.
المسألة الثالثة: في «المشارق» (١: ١٥٩) الجفنة أعظم القصاع، وهي جفنة الطعام- مفتوحة الجيم- ومعنى قوله: يا جفنة الركب، يريد يا هؤلاء الركب احضروا جفنتكم، والركب جمع راكب.
الفصل الثالث في ساقي النبي ﷺ
روى مسلم (٢: ١٣٢) «١» رحمه الله تعالى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: لقد سقيت رسول الله ﷺ بقدحي هذا الشراب كلّه: العسل والنبيذ والماء واللبن.
الفصل الرابع في سقي الماء في الغزو
روى البخاري (٤: ٤٠) عن ثعلبة بن أبي مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قسم مروطا بين نساء من نساء المدينة، فبقى مرط جيد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين أعط هذا بنت رسول الله ﷺ التي عندك، يريدون أم كلثوم بنت علي، فقال عمر: أم سليط أحقّ، وأم سليط من نساء
стр. 143
الأنصار ممن بايع رسول الله ﷺ ، قال عمر: فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد. انتهى.
وفي «الاستيعاب» (١٩٤٠) أم سليط: امرأة من المبايعات حضرت مع رسول الله ﷺ يوم أحد، قال عمر بن الخطاب: كانت تزفر لنا القرب يوم أحد. انتهى.
فائدة لغوية:
«تزفر لنا القرب» : في «المشارق» (١: ٣١٢) أي تحملها ملأى على ظهرها تسقي الناس منها، والزّفر: الحمل على الظهر، والزّفر: القربة أيضا كلاهما بفتح الزاي وسكون الفاء يقال منه: زفر وأزفر. وفي «الديوان» (٢: ١٥٥) : بكسر الفاء في المستقبل وفتحها في الماضي.
تنبيه:
يأتي شرح المرط في باب الألوية من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
стр. 144
الباب الثاني والعشرون في الإمارة على الحج
وفيه فصلان
الفصل الأول في ذكر من ولي ذلك في عهد النبي ﷺ
قال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى في «الإكمال» : أول من أقام للمسلمين الحجّ عتّاب بن أسيد سنة ثمان، ثم أبو بكر رضي الله تعالى عنه سنة تسع، وحجّ رسول الله ﷺ في سنة عشر. انتهى.
فائدة لغوية:
في «جامع اللغات» يقال: حجّ الرجل يحجّ حجا: إذا قصد الشيء، فسمّي الحجّ حجا لأنه قصد البيت، ويقال له: الحجّ والحج: لغتان فصيحتان، وقيل:
الحج مأخوذ من قولهم: حججت فلانا أي جئته مرة بعد مرة، فقيل: حجّ البيت، لأن الناس يأتونه في كلّ سنة، وقيل: الحجّ: الزيارة، فقيل: حجّ البيت لأن الناس يزورونه، والحجة ما يلزم الإنسان من المناسك، وأنكر بعضهم حجة، وقال الفراء:
حجّة بالكسر ولم أسمع حجّة، ولو قالوا: حجّة مثل مددته مدّة كان صوابا.
وفي «المثلث» لابن السيد: الحجّة بالفتح قضاء نسك سنة، وبعضهم يكسر الحاء، وفي «المشارق» (١: ١٨١) اسم الحجّ حجّة بالفتح، والمرة الواحدة منه حجّة بالكسر، ولم تأت فعلة بالكسر في المرة الواحدة إلا في هذا الباب، والباب كلّه فعلة بالفتح. وفي «المحكم» (٢: ٣٣٧) رجل حاجّ، وقوم حجّاج وحجيج مثل غاز
стр. 145
وغزيّ، قال: ويجمع على حجّ مثل بازل وبزل. وفي «المشارق» (١: ١٨١) و «المحكم» (٢: ٣٣٧) و «الجامع» : الحجّ بالكسر: الحجّاج وأنشدوا في الأخيرين:
[من الكامل]
وكأن عافية النسور عليهم ... حجّ بأسفل ذي المجاز نزول
«١» تنبيه:
قد تقدم ذكر أبي بكر رضي الله تعالى عنه في أول الكتاب في كتاب الخلافة، ويذكر عتاب بن أسيد في باب الإمارة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
الفصل الثاني في حجة رسول الله ﷺ وهي حجة الوداع
قد تقدم في الفصل قبل هذا قول القاضي عياض رحمه الله تعالى إن رسول الله ﷺ حجّ سنة عشر.
وقال ابن جماعة في «مختصر السير» : إنه- ﷺ حجّ سنة عشر، قال: ووقف معه مائة ألف وعشرون ألفا، قال: وسميت حجة الوداع لأن النبي ﷺ خطب الناس فيها وأوصاهم، وقال: لعلكم لا تروني بعد عامي هذا. وودّعهم، ولم يحجّ- ﷺ بعد الهجرة غيرها.
انتهى.
فائدة لغوية:
في «الصحاح» (٣: ١٢٩٥) : التوديع: عند الرحيل، والاسم: الوداع بالفتح.