← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9790

تخريج الدلالات السمعية

علي بن محمد الخزاعي

Полный текст (893 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بعده الياء أخت الواو: قرية جامعة وهي في طريق مكة إلى المدينة، وإنّما سمّيت السقيا لما سقت «١» من الماء العذب، وهي كثيرة الآبار والعيون والبرك. انتهى. الفصل الثاني في ما جاء من أنه ﷺ كان يبرّد له الماء روى مسلم (٢: ٣٩٦) عن جابر في حديثه الطويل في سيرة النبي ﷺ يقول فيه، قال: يعني جابرا- فأتينا العسكر، فقال رسول الله ﷺ : يا جابر ناد بوضوء، فقلت: ألا وضوء؟ ألا وضوء ألا وضوء؟ قال، قلت: يا رسول الله ما وجدت في الركب من قطرة، وكان رجل من الأنصار يبرّد لرسول الله ﷺ الماء في أشجاب له على حمارة من جريد، فقال لي: انطلق إلى فلان الأنصاريّ، فانظر هل في أشجابه من شيء؟ قال: فانطلقت إليه فنظرت فيها، فلم أجد فيها إلّا قطرة في عزلاء شجب منها لو أنّي أفرغه لشربه يابسه، قال: اذهب فأتني به، فأتيته به فأخذه بيده، ثم جعل يتكلم بشيء ما أدري ما هو ويغمزه بيده، ثم أعطانيه فقال: يا جابر ناد بجفنة فقلت: يا جفنة الركب فأتيت بها تحمل فوضعتها بين يديه، فقال رسول الله ﷺ بيده في الجفنة هكذا- فبسطها وفرّق بين أصابعه- ثم وضعها في قعر الجفنة وقال: خذ يا جابر فصبّ عليّ وقل: بسم الله، فصببت عليه وقلت: بسم الله، فرأيت الماء يفور «٢» من بين أصابع يد رسول الله ﷺ ثم فارت الجفنة ودارت حتى امتلأت، فقال: يا جابر ناد من كان له حاجة بماء؟ قال: فأتى الناس فاستقوا حتى رووا، قال: فقال «٣» هل بقي أحد له حاجة؟ فرفع رسول الله ﷺ يده من الجفنة وهي ملأى. انتهى.

стр. 142

فوائد لغوية في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: قوله: في أشجاب له على حمارة من جريد: في «المشارق» (٢: ٢٤٤، ١: ١٤٤) جمع شجب- بسكون الجيم وفتح الشين- وهو ما قدم من القرب، والحمارة وتسمى الحمار أيضا: هي الأعواد التي تعلّق عليها هذه القربة. والجريد: سعف النخل وأغصانها التي يخرج فيها خوصها. المسألة الثانية: قوله في عزلاء شجب: في «المشارق» (٢: ٨٠) عزلاء المزادة: فمها الأسفل، ممدود، وجمعه: عزالي. المسألة الثالثة: في «المشارق» (١: ١٥٩) الجفنة أعظم القصاع، وهي جفنة الطعام- مفتوحة الجيم- ومعنى قوله: يا جفنة الركب، يريد يا هؤلاء الركب احضروا جفنتكم، والركب جمع راكب. الفصل الثالث في ساقي النبي ﷺ روى مسلم (٢: ١٣٢) «١» رحمه الله تعالى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: لقد سقيت رسول الله ﷺ بقدحي هذا الشراب كلّه: العسل والنبيذ والماء واللبن. الفصل الرابع في سقي الماء في الغزو روى البخاري (٤: ٤٠) عن ثعلبة بن أبي مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قسم مروطا بين نساء من نساء المدينة، فبقى مرط جيد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين أعط هذا بنت رسول الله ﷺ التي عندك، يريدون أم كلثوم بنت علي، فقال عمر: أم سليط أحقّ، وأم سليط من نساء

стр. 143

الأنصار ممن بايع رسول الله ﷺ ، قال عمر: فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد. انتهى. وفي «الاستيعاب» (١٩٤٠) أم سليط: امرأة من المبايعات حضرت مع رسول الله ﷺ يوم أحد، قال عمر بن الخطاب: كانت تزفر لنا القرب يوم أحد. انتهى. فائدة لغوية: «تزفر لنا القرب» : في «المشارق» (١: ٣١٢) أي تحملها ملأى على ظهرها تسقي الناس منها، والزّفر: الحمل على الظهر، والزّفر: القربة أيضا كلاهما بفتح الزاي وسكون الفاء يقال منه: زفر وأزفر. وفي «الديوان» (٢: ١٥٥) : بكسر الفاء في المستقبل وفتحها في الماضي. تنبيه: يأتي شرح المرط في باب الألوية من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

стр. 144

الباب الثاني والعشرون في الإمارة على الحج وفيه فصلان الفصل الأول في ذكر من ولي ذلك في عهد النبي ﷺ قال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى في «الإكمال» : أول من أقام للمسلمين الحجّ عتّاب بن أسيد سنة ثمان، ثم أبو بكر رضي الله تعالى عنه سنة تسع، وحجّ رسول الله ﷺ في سنة عشر. انتهى. فائدة لغوية: في «جامع اللغات» يقال: حجّ الرجل يحجّ حجا: إذا قصد الشيء، فسمّي الحجّ حجا لأنه قصد البيت، ويقال له: الحجّ والحج: لغتان فصيحتان، وقيل: الحج مأخوذ من قولهم: حججت فلانا أي جئته مرة بعد مرة، فقيل: حجّ البيت، لأن الناس يأتونه في كلّ سنة، وقيل: الحجّ: الزيارة، فقيل: حجّ البيت لأن الناس يزورونه، والحجة ما يلزم الإنسان من المناسك، وأنكر بعضهم حجة، وقال الفراء: حجّة بالكسر ولم أسمع حجّة، ولو قالوا: حجّة مثل مددته مدّة كان صوابا. وفي «المثلث» لابن السيد: الحجّة بالفتح قضاء نسك سنة، وبعضهم يكسر الحاء، وفي «المشارق» (١: ١٨١) اسم الحجّ حجّة بالفتح، والمرة الواحدة منه حجّة بالكسر، ولم تأت فعلة بالكسر في المرة الواحدة إلا في هذا الباب، والباب كلّه فعلة بالفتح. وفي «المحكم» (٢: ٣٣٧) رجل حاجّ، وقوم حجّاج وحجيج مثل غاز

стр. 145

وغزيّ، قال: ويجمع على حجّ مثل بازل وبزل. وفي «المشارق» (١: ١٨١) و «المحكم» (٢: ٣٣٧) و «الجامع» : الحجّ بالكسر: الحجّاج وأنشدوا في الأخيرين: [من الكامل] وكأن عافية النسور عليهم ... حجّ بأسفل ذي المجاز نزول «١» تنبيه: قد تقدم ذكر أبي بكر رضي الله تعالى عنه في أول الكتاب في كتاب الخلافة، ويذكر عتاب بن أسيد في باب الإمارة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. الفصل الثاني في حجة رسول الله ﷺ وهي حجة الوداع قد تقدم في الفصل قبل هذا قول القاضي عياض رحمه الله تعالى إن رسول الله ﷺ حجّ سنة عشر. وقال ابن جماعة في «مختصر السير» : إنه- ﷺ حجّ سنة عشر، قال: ووقف معه مائة ألف وعشرون ألفا، قال: وسميت حجة الوداع لأن النبي ﷺ خطب الناس فيها وأوصاهم، وقال: لعلكم لا تروني بعد عامي هذا. وودّعهم، ولم يحجّ- ﷺ بعد الهجرة غيرها. انتهى. فائدة لغوية: في «الصحاح» (٣: ١٢٩٥) : التوديع: عند الرحيل، والاسم: الوداع بالفتح.

стр. 146

الباب الثالث والعشرون في صاحب البدن روى مالك رحمه الله تعالى في «الموطأ» (٢٦٢) عن هشام بن عروة عن أبيه: أن صاحب هدي رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من الهدي؟ فقال له رسول الله ﷺ : كلّ بدنة عطبت من الهدي فانحرها، ثم ألق قلائدها في دمها، ثم خلّ بينها وبين الناس يأكلونها. انتهى. وروى النسائي «١» رحمه الله تعالى عن هشام عن أبيه عن ناجية الخزاعى قال قلت: يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من البدن؟ قال: انحرها ثم اغمس نعلها «٢» في دمها، وخلّ بينها وبين الناس يأكلونها. انتهى. تنبيه: يأتي ذكر ناجية بن جندب رضي الله تعالى عنه في باب الدليل، إن شاء الله تعالى، في هذا الكتاب. فائدة لغوية: البدن قال الهروي: واحدتها بدنة، كما يقال: ثمرة وثمر، وسميت بدنة لأنها تبدن، والبدانة: السّمن. وقال القاضي في «المشارق» (١: ٨٠) : وهي مختصة

стр. 147

بالإبل. وقال الجوهري: (٥: ٢٠٧٧) البدنة: ناقة أو بقرة تنحر بمكة والجمع بدن- بالضم- وقال ابن سيده: البدنة من الإبل والبقر كالأضحية من الغنم تهدى إلى مكة، الذكر والأنثى في ذلك سواء: والجمع: بدن وبدن، ولا يقال في الجمع: بدن، وإن كانوا قد قالوا: خشب وأجم ورخم وأكم؛ استثناه اللحياني. وفي «ديوان الأدب» (١: ٢٤٣) : البدنة: بفتح الباء والدال: الناقة والبقرة تنحر بمكة.

стр. 148

الباب الرابع والعشرون في حجابة البيت وهي العمارة والسدانة أيضا وفيه فصلان الفصل الأول في ذكر من وليها في زمن رسول الله ﷺ قال أبو محمد عبد الحق بن عطية في «التفسير» (٨: ١٤٩) عمارة البيت، وهي السدانة، وكان يتولاها عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزّى بن عبد الدار، وشيبة بن عثمان بن أبي طلحة- المذكور- وهذان هما اللذان دفع إليهما رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة في ثاني يوم الفتح بعد أن طلبه العباس وعليّ، وقال لعثمان وشيبة: يوم وفاء وبرّ، خذوها خالدة تالدة لا ينازعكموها إلا ظالم. يعني السدانة. انتهى. فائدتان لغويتان: الأولى: الجوهري: (٥: ٢١٣٥) السادن: خادم الكعبة، والجمع السّدنة، وقد سدن يسدن بالضم سدنا وسدانة. ابن سيده: السّدن والسدانة: الحجابة، والسّدنة: حجّاب البيت. الثانية: التالدة: قال ابن طريف «١» : تلد الشيء في يد فلان: أقام، وفي «الصحاح» تلد فلان في بني فلان: أقام فيها.

стр. 149

الفصل الثاني في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم ١- عثمان بن طلحة بن أبي طلحة : نسبه أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (١٠٣٤) فقال: عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، واسم أبي طلحة: عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري ويقال «١» عثمان بن عبد العزى بن عبد الدار، ولم يذكره ابن عطية. وكما نسبه ابن عبد البر نسبه أبو عبيد القاسم بن سلّام (٤) ، وابن حزم (١٢٧) في «جماهرهما» بإثبات عثمان بن عبد العزى وعبد الدار. قال أبو عمر: (١٠٣٤) هاجر عثمان بن طلحة بن أبي طلحة إلى رسول الله ﷺ ، وكانت هجرته في هدنة الحديبية مع خالد بن الوليد، فلقيا عمرو بن العاص مقبلا من عند النجاشيّ يريد الهجرة، فاصطحبوا جميعا حتى قدموا على رسول الله ﷺ بالمدينة، فقال رسول الله ﷺ حين رآهم: رمتكم مكة بأفلاذ كبدها- يقول: إنهم وجوه مكة- فأسلموا، ثم شهد عثمان بن طلحة فتح مكة، فدفع رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة إليه، وإلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وقال: خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا ينازعكم فيها إلا ظالم. ثم نزل عثمان بن طلحة المدينة فأقام بها إلى وفاة رسول الله ﷺ ، ثم انتقل إلى مكة فسكنها حتى مات بها في أول خلافة معاوية سنة اثنتين وأربعين، وقيل إنه قتل يوم أجنادين. انتهى. ٢- شيبة بن عثمان بن أبي طلحة: قد تقدم إيصال نسبه بقصيّ في نسب ابن عمه عثمان بن طلحة بن أبي طلحة . وقال أبو عمر في «الاستيعاب» (٧١٢) : القرشي العبدري الحجبي المكي. يكنى: أبا عثمان وقيل: أبا صفية، ويعرف أبوه عثمان بن أبي طلحة بالأوقص.

стр. 150

أسلم شيبة يوم فتح مكة، وشهد حنينا، وقيل: بل أسلم بحنين. وقال الزبير: كان شيبة قد خرج مع رسول الله ﷺ يوم حنين، يريد أن يغتال رسول الله ﷺ فرأى من رسول الله ﷺ غرّة، فأقبل يريده، فرآه رسول الله ﷺ فقال: يا شيبة، هلمّ لا أمّ لك. فقذف الله في قلبه الرعب، ودنا من رسول الله ﷺ فوضع يده على صدره ثم قال: اخسأ عنك الشيطان. فأخذه أفكل وقذف الله في قلبه الإيمان فأسلم، وقاتل مع رسول الله ﷺ ، وكان ممن صبر معه يومئذ، وكان من خيار المسلمين، ودفع رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة بن أبي طلحة وإلى ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وقال: خذوها خالدة تالدة إلى يوم القيامة يا بني طلحة لا يأخذها منكم إلا ظالم. قال: فبنو أبي طلحة هم الذين يلون سدانة الكعبة دون بني عبد الدار. قال أبو عمر: (٧١٣) : شيبة هذا هو جد بني شيبة حجبة الكعبة إلى اليوم، وذكره بعضهم في المؤلفة قلوبهم، وهو من فضلائهم، وتوفي في آخر خلافة معاوية سنة تسع وخمسين، وقيل بل توفي في أيام يزيد بن معاوية «١» . انتهى.

стр. 151

الباب الخامس والعشرون في السقاية وفيه ثلاثه فصول الفصل الأول في السقاية كانت قبل الإسلام لبني عبد المطلب فأقرّها رسول الله ﷺ لهم في الإسلام. روى مسلم (١: ٣٤٨) رحمه الله تعالى عن جابر رضي الله تعالى عنه حديثه الطويل في باب حجة النبي ﷺ وفيه: ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت، فصلّى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوا فشرب. انتهى. الفصل الثاني في ذكر من وليها في زمن رسول الله ﷺ قال أبو محمد ابن عطية في «التفسير» (٨: ١٥٠) قال محمد بن كعب: إن العباس وعليا وعثمان بن طلحة تفاخروا، فقال العباس: أنا ساقي الحاج، وقال عثمان: أنا عامر البيت، ولو شئت بتّ فيه، وقال علي: أنا صاحب جهاد الكفار مع النبي ﷺ والذي آمنت وهاجرت قديما، فنزلت الآية: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (التوبة: ١٩) .

стр. 152

الفصل الثالث في ذكر العباس عم النبي ﷺ في «الاستيعاب» (٨١٠) العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف عم رسول الله ﷺ ، يكنى أبا الفضل. بابنه الفضل. وكان العباس أسنّ من رسول الله ﷺ بسنتين، وقيل بل بثلاث سنين، وأمه امرأة من النمر بن قاسط، وهي نثلة ويقال نثلة ابنة جناب بن كليب «١» بن مالك بن عمرو بن عامر الضّيحان. وقال أبو عبيدة: هي نثيلة بنت جناب بن حبيب بن مالك بن عمرو بن عامر [بن زيد مناة بن عامر] «٢» وهو الضّحيان، ولدت لعبد المطلب العباس فأنجبت به، وهي أول عربية كست البيت الحرام الحرير والديباج وأصناف الكسوة، وذلك أن العباس ضلّ وهو صبيّ، فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت الحرام، فوجدته ففعلت. وكان العباس في الجاهلية رئيسا في قريش، وإليه كانت عمارة المسجد الحرام والسقاية في الجاهلية، والسقاية معروفة، وليها بعد أبي طالب فقام بها، وأما العمارة فإنه كان لا يدع أحدا يستبّ في المسجد الحرام، ولا يقول فيه هجرا، يحملهم على عمارته في الخير لا يستطيعون لذلك امتناعا لأنه كان ملأ قريش قد اجتمعوا وتعاقدوا على ذلك، وكانوا أعوانا عليه، وسلّموا ذلك إليه. وكان ممن خرج مع المشركين يوم بدر، وأخرج إليها مكرها فيما يزعم قوم، فأسر فيمن أسر منهم، وكانوا قد شدّوا وثاقهم، فسهر النبي- ﷺ تلك الليلة ولم ينم، فقال له بعض أصحابه: ما يسهرك يا نبيّ الله؟ قال: أسهر لأنين العباس، فقام رجل من القوم فأرخى من وثاقه، فقال رسول الله ﷺ مالي لا أسمع أنين العباس؟ فقال الرجل: أنا أرخيت من وثاقه، فقال رسول الله ﷺ : فافعل ذلك بالأسرى كلّهم.

стр. 153

قال أبو عمر (٨١٢) : أسلم العباس قبل فتح خيبر، وكان يكتم إسلامه، وذلك بيّن في حديث الحجاج بن علاط، أنه كان مسلما يسرّه ما يسر ويفتح الله على المسلمين. ثم أظهر إسلامه يوم فتح مكة، وشهد حنينا والطائف وتبوك، ويقال إن إسلامه قبل بدر، وكان يكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله ﷺ ، وكان المسلمون بمكة يتقوون به، وكان يحبّ أن يقدم على رسول الله ﷺ ، فكتب إليه رسول الله ﷺ : إن مقامك بمكة خير، فلذلك قال رسول الله ﷺ يوم بدر: من لقي منكم العباس فلا يقتله فإنما أخرج كرها. وكان العباس أنصر الناس لرسول الله ﷺ ، وحضر مع النبي ﷺ يشترط له على الأنصار، وكان على دين قومه يومئذ، وانهزم الناس عن رسول الله ﷺ يوم حنين غيره وغير عمر وعليّ وأبي سفيان بن الحارث، وقد قيل غير سبعة من أهل بيته، وذلك مذكور في شعر العباس الذي يقول فيه «١» : [من الطويل] ألا هل أتى عرسي مكرّي ومقدمي ... بوادي حنين والأسنّة شرّع نصرنا رسول الله في الحرب سبعة ... وقد فرّ من قد فرّ عنه وأقشعوا «٢» وكان النبي ﷺ يكرم العباس بعد إسلامه، ويعطيه ويجلّه، ويقول: هذا عمي وصنو أبي. وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : هذا العباس بن عبد المطلب أجود قريش كفّا وأوصلها «٣» .

стр. 154

(٨١٦) وقال ابن شهاب: كان أصحاب رسول الله ﷺ يعرفون للعباس فضله، ويقدمونه ويشاورونه ويأخذون برأيه. (٨١٤) وعن أبي الزناد عن الثقة أن العباس بن عبد المطلب لم يمرّ بعمر ولا بعثمان وهما راكبان إلا نزلا حتى يجوز العباس إجلالا له، ويقولان: عم النبي ﷺ . وروى ابن عباس وأنس بن مالك أن عمر بن الخطاب كان إذا قحط أهل المدينة استسقى بالعباس. (٨١٦) وقال ابن شهاب: استسقى به عمر فسقي. قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى (٨١٤) وكان سبب ذلك أن الأرض أجدبت إجدابا شديدا على عهد عمر عام الرمادة، وذلك سنة تسع عشرة، فقال كعب: يا أمير المؤمنين إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم مثل هذا استسقوا بعصبة الأنبياء، فقال عمر: هذا عمّ النبيّ ﷺ وسيد بني هاشم. (٨١٥) وروينا من وجوه عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه خرج يستسقي وخرج معه العباس، فقال «١» : اللهم إنا نتقرب إليك بعمّ نبيك؛ ونستشفع به، فاحفظنا بعمّ نبينا كما حفظت الغلامين بصلاح أبيهما، وأتيناك مستغفرين ومستشفعين، ثم أقبل على الناس فقال: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً، يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً (نوح: ١٠- ١٢) ثم قام العباس وعيناه تنضحان، فطالع عمر ثم قال: اللهم أنت الراعي لا تهمل الضالة، ولا تدع الكسير بدار مضيعة، فقد ضرع الصغير، ورقّ الكبير، وارتفعت الشكوى، وأنت تعلم السرّ وأخفى، اللهم أغثهم بغياثك من قبل أن يقنطوا [فيهلكوا] فإنه لا ييأس من روحك إلا القوم الكافرون. فنشأت طريرة من سحاب، فقال الناس: ترون؟ ترون؟ ثم تلاءمت واستتمت ومشت فيها ريح ثم هرّت ودرّت،

стр. 155

فو الله ما برحوا حتى اعتلقوا الحذاء وقلصوا المآزر، وطاف الناس بالعباس يمسحون أردانه ويقولون: هنيئا لك ساقي الحرمين. (٨١٦) وتوفي العباس بالمدينة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب، وقيل: بل من رمضان سنة اثنتين وثلاثين قبل قتل عثمان بسنتين، وصلّى عليه عثمان، ودفن بالبقيع وهو ابن ثمان وثمانين سنة، أدرك في الإسلام اثنتين وثلاثين سنة، وفي الجاهلية ستا وخمسين. وقال خليفة بن خياط (١٧٩) : كانت وفاة العباس سنة ثلاث وثلاثين. انتهى. فوائد لغوية في ثماني مسائل: المسألة الأولى: في «الغريبين» العباس صنو أبي: أراد أن أصله وأصل أبي واحد. وفي «الصحاح» (٦: ٢٤٠٤) إذا خرج نخلتان وثلاث من أصل واحد، فكل واحدة منهن صنو، والاثنان صنوان، والجمع صنوان برفع النون. وفي «المحكم» في الحديث: عمّ الرجل صنو أبيه. المسألة الثانية: في «الصحاح» (٣: ١١٥١) القحط: الجدب، وقحط المطر يقحط قحوطا إذا احتبس، وحكى الفراء: قحط المطر بالكسر يقحط، وأقحط القوم إذا أصابهم القحط، وقحطوا أيضا على ما لم يسمّ فاعله قحطا. المسألة الثالثة: في «الغريبين» عام الرمادة أي عام الهلكة، يقال: رمدت الغنم: إذا هلكت وموتت من برد أو صقيع، وأرمد القوم: إذا هلكت مواشيهم، ورمد عيشهم: إذا هلكوا وهو الرمد. وقال أبو عبيد: بل سمي عام الرمادة لأن الزرع والشجر وكلّ شيء من النبت احترق مما أصابه من السنة. فشبّه سوادها بالرماد. قال الهروي: هذا تفسير الفقهاء، والأول كلام العرب، ولكلّ وجه. المسألة الرابعة: في «المحكم» (٣: ٩٤) نضحت العين تنضح نضحا، وانتضحت: فارت بالدمع. المسألة الخامسة: في «الصحاح» (٢: ٨٥٤، ٦٥٦) الهرهور: الماء الكثير وهو

стр. 156

الذي إذا جرى سمعت له هرهرة «١» وهي حكاية جريه، ويقال: ماء هرهر، وهراهر، وللسحاب درّة أي صبّ، والجمع درر. وقال النّمر بن تولب «٢» : [من المتقارب] سلام الإله وريحانه ... ورحمته وسماء درر غمام ينزّل رزق العباد ... فأحيا البلاد وطاب الشجر المسألة السادسة: اعتلقوا الحذاء: أي نزعوها من أرجلهم، وعلقوها بأيديهم لئلا يفسدها الماء من كثرة سيحه. وفي «الصحاح» (٦: ٢٣١٠) : الحذاء: النعل، واحتذى: انتعل. وقال الراجز: كلّ الحذاء يحتذى الحافي الوقع «٣» المسألة السابعة: قلّصوا المآزر: أي رفعوها فتقلصت كي لا يصيبها الماء. وفي «الصحاح» (٣: ١٠٥٣) قلص الشيء يقلص قلوصا: ارتفع، والمآزر جمع مئزر. وفي «الغريبين» : ويقال: إزار ومئزر ولحاف وملحف، وحلاب ومحلب. وفي «المشارق» (١: ٢٩) المئزر والإزار ما ائتزر به الرجل من أسفله. وفي حديث أنس: أزرتني بنصف خمارها وردّتني بنصفه، أي جعلت من بعضه إزارا لأسفلي، ومن بعضه رداء لأعلى بدني وهو موضع الرداء. المسألة الثامنة: في «الصحاح» (٥: ٢١٢١) الرّدن بالضم أصل الكمّ، يقال: قميص واسع الرّدن: وأردنت القميص، وردّنته تردينا: جعلت له ردنا، والجمع أردان. وقال «٤» : [من المتقارب] وعمرة من سروات النساء ... تنفح بالمسك أردانها

стр. 157

الجزء الثالث في العمالات الكتابية وما يشبهها وما ينضاف إليها وفيه ثلاثة عشر بابا

стр. 158

الباب الاول في كتاب الوحي «١» وفيه فصلان الفصل الأول في ذكر أسمائهم قال القاضي محمد بن سلامة «٢» القضاعي رحمه الله تعالى في كتابه «في أنباء الأنبياء ﵈ وتواريخ الخلفاء وولايات الملوك والأمراء» : كان عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما يكتبان الوحي، فإن غابا كتب أبيّ بن كعب وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهما. انتهى. وقال «٣» أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في «الاستيعاب» (٦٨) كان أبي بن كعب ممن كتب لرسول الله ﷺ الوحي قبل زيد بن ثابت ومعه أيضا، وكان زيد ألزم الصحابة لكتاب الوحي، وكان أبي وزيد يكتبان الوحي بين يدي رسول الله ﷺ . وقال القاضي محمد بن سلامة: فإن لم يحضر أحد من هؤلاء الأربعة كتب من حضر من الكتاب وهم: معاوية بن أبي سفيان، وخالد بن سعيد بن العاص، وأبان بن سعيد، والعلاء بن الحضرميّ، وحنظلة بن الربيع.

стр. 159

وكان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب الوحي أيضا فارتدّ عن الإسلام ولحق بالمشركين، فلما فتحت مكة استأمن له عثمان بن عفان- وكان أخاه من الرضاعة- فأمّنه رسول الله ﷺ وحسن إسلامه. ولاه عمر مصر ثم أقرّه عثمان عليها، وخرج عنها حين تأمّر عليها محمد بن أبي حذيفة، ومات بعسقلان؛ فهؤلاء كتاب الوحي. انتهى ما قاله القضاعيّ. الفصل الثاني في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم ١- عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه: يأتي ذكره في باب الرسول. ٢- علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: يأتي ذكره في باب القاضي. ٣- أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه: تقدم ذكره في باب الإمامة في قيام رمضان. ٤- زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه: يأتي ذكره في باب كتّاب الرسائل. ٥- معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (١٤١٦) معاوية بن أبي سفيان، واسم أبي سفيان: صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. أمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، يكنى: أبا عبد الرّحمن، كان هو وأبوه وأخوه من مسلمة الفتح. قال أبو عمر: معاوية وأبوه من المؤلّفة قلوبهم. (١٤٢٠) وله فضيلة جليلة رويت من طريق الشاميين عن عرباض بن سارية، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اللهم علّم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب» . وهو أحد الذين كتبوا لرسول الله ﷺ وولّاه عمر رضي الله تعالى عنه الشام بعد موت أخيه يزيد. (١٤١٧) وورد البريد على عمر بموت يزيد، وأبو سفيان عنده، فلما قرأ الكتاب بموت يزيد قال لأبي سفيان: أحسن الله عزاءك

стр. 160

في يزيد ورحمه. ثم قال له أبو سفيان: من ولّيت مكانه يا أمير المؤمنين؟ قال: أخاه معاوية، قال: وصلتك رحم يا أمير المؤمنين. وفي «المعارف» (٣٤٥) : كان يقال ليزيد بن أبي سفيان: يزيد الخير، واستعمله أبو بكر على الشام، ثم أقره عمر بعده، حتى مات في خلافة عمر سنة ثماني عشرة. قال أبو عمر (١٤١٧) : وأقام معاوية على الشام أربع سنين، ومات عمر فأقرّه عثمان عليها اثنتي عشرة سنة إلى أن مات، ثم كانت الفتنة فحارب معاوية عليا أربع سنين. قال ابن إسحاق: وكان معاوية أميرا عشرين سنة، وخليفة عشرين سنة. (١٤١٨) وذمّ معاوية عند عمر يوما فقال: دعونا من ذمّ فتى قريش، من يضحك في الغضب، ولا ينال ما عنده إلا على الرضى، ولا يؤخذ ما فوق رأسه إلا من تحت قدميه. (١٤٢١) وروى ابن شهاب بسنده عن المسور بن مخرمة «١» أنه وفد على معاوية، قال: فلما دخلت عليه سلّمت، قال: فقال: ما فعل طعنك على الأئمة يا مسور؟ قال: قلت: ارفضنا من هذا وأحسن فيما قدمنا له، قال: والله لتكلّمنّ بذات نفسك، قال: فلم أدع شيئا أعيبه إلا بيّنته له، قال: فقال: لا أبرأ من الذنوب، فما لك ذنوب تخاف أن تهلكك إن لم يغفرها الله لك؟ قال: فقلت: بلى، قال: فما جعلك أحقّ أن ترجو المغفرة مني؟ فو الله لما ألي من الإصلاح بين الناس، وإقامة الحدود والجهاد في سبيل الله، والأمور العظام التي لست أحصيها ولا تحصيها أكثر مما تلي وإني لعلى دين يقبل الله فيه الحسنات، ويعفو عن السيئات، والله لعلى ذلك ما كنت لأخيّر بين الله تعالى وبين ما سواه إلا اخترت الله

стр. 161

تعالى على ما سواه، قال مسور: ففكرت حين قال ما قال فعرفت أنه خصمني، قال: فكان إذا ذكره بعد دعا له بخير. (١٤١٨) واختلف في تاريخ وفاته: فقيل توفي يوم الخميس لثمان بقين من رجب سنة تسع وخمسين، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، وقيل في رجب سنة ستين، قيل في النصف منه بدمشق، ودفن بها وهو ابن ثمان وسبعين سنة، وقيل ابن ستّ وثمانين سنة، وقيل لأربع ليال بقين منه. واختلف في مدة خلافته: فقيل كانت مدّته عشرين سنة، وقيل تسع عشرة سنة وتسعة أشهر وثمانية وعشرين يوما، وقيل تسع عشرة ونصفا، وقيل تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وعشرين يوما. انتهى مختصرا. ٦- خالد بن سعيد بن العاص: يأتي ذكره في باب العامل على الصدقة. ٧- أبان بن سعيد بن العاص: في «الاستيعاب» (٦٢) في باب أبان: [أبان] بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي: قال الزبير بن بكار: تأخّر إسلامه بعد إسلام أخويه خالد وعمرو فقال فيهما «١» : [من الطويل] ألا ليت ميتا بالظّريبة «٢» شاهدا ... لما يفتري في الدين عمرو وخالد أطاعا بنا أمر النساء فأصبحا ... يعينان من أعدائنا من يكايد وهو الذي أجار عثمان بن عفان حين بعثه رسول الله ﷺ إلى قريش يوم الحديبية، وحمله على فرس حتى دخل مكة، وقال له «٣» : [من المنسرح] أقبل وأدبر ولا تخف أحدا ... بنو سعيد أعزة الحرم ثم أسلم أبان وحسن إسلامه، وكان إسلامه بين الحديبية وخيبر، وأمّره رسول

стр. 162

الله ﷺ على بعض سراياه، منها سريّة إلى نجد، واستعمل رسول الله ﷺ أبان بن سعيد بن العاص على البحرين برّها وبحرها إذ عزل العلاء بن الحضرميّ عنها، فلم يزل عليها أبان إلى أن توفّي رسول الله ﷺ . واختلف في وفاته: فقيل يوم أجنادين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة في خلافة أبي بكر، وقيل يوم مرج الصّفّر سنة أربع عشرة في صدر خلافة عمر، وقيل يوم اليرموك؛ وهو قول ابن إسحاق ولم يتابع عليه، وكانت اليرموك في رجب سنة خمس عشرة في خلافة عمر. تنبيه: قال أبو عمر في «الاستيعاب» (١٠٨٦) في باب العلاء: ولّى النبيّ ﷺ العلاء بن الحضرمي البحرين، وتوفي رسول الله ﷺ وهو عليها، وهذا خلاف ما ذكره هنا. انتهى. فوائد لغوية في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: في «المشارق» (١: ٢٢٠- ٢٢١) الحديبية بضم الحاء وتخفيف الياءين، الأولى ساكنة والثانية مفتوحة وبينهما باء بواحدة مكسورة، كذا ضبطنا عن المتقنين، وعامة المحدّثين يقولونها بتشديد الياء الأخيرة، وهي قرية ليست بالكبيرة، أسفل مكة، منها إلى مكة مرحلة، قال مالك: وهي من الحرم، وحكى ابن القصّار: أن بعضها حلّ. والحديبية التي سميت بها هي البئر التي هناك عند مسجد الشجرة. المسألة الثانية: في «معجم البكري» (١١٤) : أجنادين- بفتح الهمزة وبالنون والدال المهملة بعدها ياء ونون على لفظة التثنية كأنه تثنية أجناد- موضع من بلاد الأردن بالشام. المسألة الثالثة: في «معجم البكري» (٨٣٧) : مرج الصّفّر- بضم الصاد

стр. 163

المهملة بعدها الفاء أخت القاف مفتوحة مشددة بعدها راء مهملة، موضع معروف. انتهى. ٨- العلاء بن الحضرمي رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (١٠٨٥) يقال: اسم الحضرمي: عبد الله بن عماد، ويقال عمار، ويقال: ابن ضمار. ونسبه بعضهم فقال: هو العلاء بن عبد الله بن عماد بن أكبر بن عويف بن مالك بن الخزرج بن أبيّ بن الصّدف، وقيل: الحضرمي والد العلاء: هو عبد الله بن عمّار بن سليمان بن أكبر، وقيل: عماد بن مالك بن أكبر. قال الدارقطني: وزعم الأملوكيّ «١» أنه عبد الله بن عباد «٢» : فصحّف» ، ولا يختلفون أنه من حضرموت، حليف بني أمية. وكان رسول الله ﷺ قد بعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين، ثم ولّاه على البحرين إذ فتحها الله عليه، وتوفي رسول الله ﷺ وهو عليها، فأقرّه أبو بكر خلافته كلّها، ثم أقرّه عمر رضي الله تعالى عنه. وتوفي في خلافة عمر، قيل: سنة أربع عشرة، وقيل: سنة إحدى وعشرين. واستعمل عمر مكانه أبا هريرة. قال أبو عمر (١٠٨٦) : ويروى عن موسى بن أنس أن أبا بكر ولّى أنس بن مالك على البحرين وهذا لا يعرفه أهل السير. قال ويقال: إن عمر ولّى العلاء البصرة فمات قبل أن يصل إليها بماء من مياه بني تميم سنة أربع عشرة. ويقال: إنه كان مجاب الدعوة، وإنه خاض البحر بكلمات قالها ودعا بها وذلك مشهور عنه. انتهى. وفي «مختصر حلية أبي نعيم الأصبهاني» (١: ٢٩٠) لأبي الفرج الجوزي

стр. 164

رحمهما الله تعالى: العلاء بن الحضرمي، واسم الحضرمي: عبد الله بن عماد بن سليمان من حضرموت، أسلم قديما وبعثه رسول الله ﷺ إلى المنذر بن ساوى العبدي بالبحرين بكتاب يدعوه فيه إلى الإسلام. وولّاه رسول الله ﷺ البحرين ثم عزله عنها، وولّاها أبان بن سعيد، ثم أعاد أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه العلاء إلى البحرين؛ وكتب إليه عمر: أن سر إلى عتبة بن غزوان فقد ولّيتك عمله، يعني البصرة، فسار إليها فمات في الطريق سنة إحدى وعشرين، وقيل أربع عشرة، وقيل خمس عشرة. وعن قدامة بن حماطة قال: سمعت سهم بن منجاب قال: غزونا مع العلاء بن الحضرمي دارين فدعا بثلاث دعوات، فاستجيب له فيهنّ: نزلنا منزلا فطلب الماء يتوضأ فلم يجده فقام فصلّى ركعتين وقال: اللهم إنا عبيدك، وفي سبيلك نقاتل عدوك، اللهم اسقنا غيثك لنتوضأ منه ونشرب، فإذا توضأنا لم يكن لأحد نصيب غيرنا، فسرنا قليلا فإذا نحن بماء حين أقلعت عنه السماء فتوضأنا منه وتزوّدنا وملأت إداوتي وتركتها مكانها حتى أنظر هل استجيب له أم لا، فسرنا قليلا ثم قلت لأصحابي: نسيت إداوتي، فجئت إلى ذلك المكان وكأنه لم يصبه ماء قط، ثم سرنا حتى أتينا دارين والبحر بيننا وبينهم فقال: يا عليم يا حكيم، يا عليّ يا عظيم، إنا عبيدك وفي سبيلك نقاتل عدوك، اللهم فاجعل لنا إليهم سبيلا، فتقحم البحر فخضناه ما يبلغ لبودنا، فخرجنا إليهم، فلما رجع أخذه وجع البطن فمات، فطلبنا ماء نغسله به فلم نجده، فلففناه في ثيابه ودفناه. فسرنا غير بعيد فإذا نحن بماء كثير فقال بعضنا لبعض: لو رجعنا فاستخرجناه فغسلناه، فرجعنا فطلبناه فلم نجده، فقال رجل من القوم: إنه سمعته يقول: يا علي يا عظيم، يا عليم يا حكيم، أخف عليهم موتي، أو كلمة نحوها، ولا تطلع على عورتي أحدا، فرجعنا وتركناه. وعن عمرو بن ثابت قال: دخلت في أذن رجل من البصرة حصاة فعالجها الأطباء فلم يقدروا عليها حتى وصلت إلى صماخه، فأسهرت ليله، ونغّصت عيش

стр. 165

نهاره، فأتى رجلا من أصحاب الحسن فشكا إليه ذلك فقال: ويلك إن كان شيء ينفعك الله به فدعوة العلاء بن الحضرمي التي دعا بها في البحر وفي المفازة، قال: وما هي يرحمك الله؟ قال: يا علي يا عظيم يا حكيم يا عليم، فدعا بها فوالله ما برحنا حتى خرجت من أذنه ولها طنين حتى صكّت الحائط. انتهى. تنبيه: قال أبو عمر في باب أبان من «الاستيعاب» (٦٢) استعمل رسول الله ﷺ أبان بن سعيد بن العاص على البحرين برّها وبحرها إذ عزل العلاء بن الحضرمي عنها، فلم يزل عليها أبان إلى أن توفي رسول الله ﷺ ، وهذا خلاف ما ذكره هنا من بقائه على ولاية البحرين حتى توفي رسول الله ﷺ . وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك عند ذكرنا أبان. ٩- حنظلة بن الربيع : في «الاستيعاب» (٣٧٩) حنظلة بن الربيع، ويقال ابن ربيعة، والأكثر: ابن الربيع بن صيفي الكاتب الأسيّديّ التميميّ يكنى أبا ربعيّ من بني أسيّد بن عمرو بن تميم، من بطن يقال لهم بنو شريف، وهو أسيّد بكسر الياء وتشديدها. قال نافع بن الأسود التميمي يفخر بقومه: قومي أسيّد إن سألت ومنصبي ... ولقد علمت معادن الأحساب وبنو أسيّد بن عمرو بن تميم من أشراف بني تميم. وحنظلة ابن أخي أكثم بن صيفي حكيم العرب. وحنظلة أحد الذين كتبوا لرسول الله ﷺ ، ويعرف بالكاتب، شهد القادسية، وهو ممن تخلف عن عليّ في قتال أهل البصرة يوم الجمل، ولما توفي رحمه الله تعالى ورضي عنه جزعت عليه امرأته، فنهينها جاراتها، وقلن: إن هذا يحبط أجرك، فقالت «١» : [من السريع] تعجّبت دعد لمحزونة ... تبكي على ذي شيبة شاحب

стр. 166

إن تسأليني اليوم ما شفّني ... أخبرك قولا ليس بالكاذب إنّ سواد العين أودى به ... حزن على حنظلة الكاتب مات حنظلة الكاتب في إمارة معاوية بن أبي سفيان، رضي الله تعالى عنهما. انتهى. فائدة لغوية: أكثم بن صيفي- بثاء مثلثة- قال محمد بن أبان بن سيّد في كتاب «الاشتقاق» : هو مشتقّ من الكثمة وهو عظم البطن. انتهى. ١٠- عبد الله بن سعد بن أبي سرح : في «الاستيعاب» (٩١٨) عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث بن حبيب بن جذيمة بن نصر بن مالك بن حسل بن عامل بن لؤي القرشي ثم العامري، يكنى أبا يحيى، وحبيب بالتخفيف، قاله ابن الكلبي. وقال ابن حبيب وأبو عبيدة: حبيّب بالتشديد. أسلم قبل الفتح وهاجر، وكان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ ثم ارتدّ مشركا، وصار إلى قريش بمكة، فقال لهم: إني كنت أصرّف محمدا كيف أريد، كان يملي علي «عزيز حكيم» فأقول: أو «عليم حكيم» ؟ فيقول: نعم كلّ صواب. فلما كان يوم الفتح أمر رسول الله ﷺ بقتله، وقتل عبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، ولو وجدوا تحت أستار الكعبة، وفرّ عبد الله بن أبي سرح إلى عثمان، وكان أخاه من الرضاعة، أرضعت أمه عثمان، فغيّبه عثمان حتى أتى به إلى رسول الله ﷺ بعد ما اطمأنّ أهل مكة، فاستأمنه له، فصمت رسول الله ﷺ طويلا ثم قال: نعم. فلما انصرف عثمان، قال رسول الله ﷺ لمن حوله: ما صمتّ إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه، فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إليّ يا رسول الله؟ فقال: إن النبيّ لا ينبغي أن تكون له خائنة أعين. وأسلم عبد الله بن أبي سرح أيام الفتح فحسن إسلامه، ولم يظهر عليه شيء

стр. 167

ينكر عليه بعد ذلك. وهو أحد النجباء العقلاء الكرماء في قريش، وكان فارس بني عامر بن لؤي المعدود فيهم، وكان صاحب ميمنة عمرو بن العاص في افتتاحه مصر وفي حروبه هناك كلّها. (٩١٩) وانتقضت الإسكندرية سنة خمس وعشرين فافتتحها عمرو بن العاص فقتل المقاتلة وسبى الذرية، فأمر عثمان أن يردّ السّبي الذين سبوا من القرى إلى مواضعهم للعهد الذي كان لهم، ولم يصحّ عنده نقضهم، وعزل عمرو بن العاص وولّى عبد الله بن أبي سرح، وكان ذلك بدء الشرّ بين عثمان وعمرو بن العاص. وافتتح عبد الله بن أبي سرح إفريقية من مصر سنة سبع وعشرين، وغزا منها الأساود من أرض النوبة سنة إحدى وثلاثين، وغزا الصواري من أرض الروم سنة أربع وثلاثين، ثم قدم على عثمان، واستخلف على مصر السائب بن هشام بن عمرو «١» العامري، فانتزى «٢» محمد بن أبي حذيفة بن عتبة فخلع «٣» السائب وتأمر على مصر، ورجع عبد الله بن سعد من وفادته فمنعه ابن أبي حذيفة من دخول الفسطاط، فمضى إلى عسقلان فأقام بها حتى قتل عثمان، وقيل بل أقام بالرملة حتى مات فارّا من الفتنة، ولم يبايع لعليّ ولا لمعاوية، وكانت وفاته قبل اجتماع الناس على معاوية. (٩٢٠) وذكر يزيد بن أبي حبيب وغيره أنه دعا ربّه فقال: اللهم اجعل خاتمة عملي صلاة الصبح، فتوضأ ثم صلّى فقرأ في الركعة الأولى: بأم القرآن والعاديات، وفي الثانية: بأم القرآن وسورة، ثم سلّم عن يمينه، وذهب يسلّم عن يساره فقبض الله روحه. وقيل إنه توفي بإفريقية، والصحيح أنه توفي بعسقلان سنة سبع وثلاثين، وقيل سنة ست وثلاثين.

стр. 168

الباب الثاني في ذكر كتاب الرسائل والإقطاع وفيه فصلان الفصل الأول في ذكر من كان يكتبها في «الاستيعاب» (٦٨) عن الواقدي عن أشياخه قال: أول من كتب لرسول الله ﷺ مقدمه المدينة، أبي بن كعب، وهو أول من كتب في آخر الكتاب: «وكتب فلان» . وكان أبيّ إذا لم يحضر دعا رسول الله ﷺ زيد بن ثابت فكتب، وكان أبيّ وزيد بن ثابت يكتبان الوحي بين يديه ﷺ ويكتبان كتبه إلى الناس، وما يقطع، وغير ذلك. قال أبو عمر (٦٩) : وكان من المواظبين على كتاب الرسائل: عبد الله بن الأرقم الزهري. وذكر عن ابن إسحاق أنه قال (الاستيعاب: ٨٦٥) : كان زيد بن ثابت يكتب الوحي، ويكتب إلى الملوك أيضا، وكان إذا غاب عبد الله بن الأرقم وزيد بن ثابت واحتاج أن يكتب إلى بعض أمراء الأجناد والملوك أو إلى إنسان بقطيعة، أمر من حضر أن يكتب له. فائدتان لغويتان: الأولى: في «المشارق» (٢: ١٨٣) الإقطاع: تسويغ الإمام من مال الله لمن «١»

стр. 169

يراه أهلا لذلك. يقال منه: أقطع بالألف، فأصله من القطع كأنّه قطع «١» له من جملة المال. وقد جاء في حديث بلال بن الحارث: قطع له معادن القبليّة. الثانية: في «المشارق» (٢: ٢٨٥) وذكر المواظبة على الصلاة: هي الملازمة. الفصل الثاني في ذكر أنسابهم وجمل من أخبارهم، رضي الله تعالى عنهم ١- أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه: تقدم ذكره في باب الإمامة في قيام رمضان. ٢- زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (٥٣٧) : زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجّار الأنصاري النجّاري، يكنى أبا سعيد، وقيل: أبا عبد الرّحمن، وقيل: أبا خارجة بابنه خارجة؛ يقال: إنه كان في حين قدوم رسول الله ﷺ المدينة ابن إحدى عشرة سنة. ومن تاريخ البخاري (٣: ٣٨٠) : زيد بن ثابت أبو سعيد، ويقال أبو خارجة الخزرجي النجّاري: قال: أتي بي النبيّ ﷺ مقدمه المدينة، فعجّب بي، فقيل له: هذا غلام من بني النجار قد قرأ مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة، فاستقرأني فقرأت. ومن «الاستيعاب» (٥٣٧) قال الواقدي: استصغر رسول الله ﷺ يوم بدر جماعة فردّهم، منهم زيد بن ثابت، فلم يشهد بدرا. قال أبو عمر (٥٣٧) : ثم شهد أحدا وما بعدها من المشاهد، وقيل: إن أول مشاهده الخندق، قيل: وكان ينقل التراب يومئذ مع المسلمين، فقال رسول الله ﷺ : أما إنه نعم الغلام. (٥٣٩) وكان أحد فقهاء الصحابة الجلّة الفرّاض. قال رسول الله ﷺ : أفرض أمتي زيد بن ثابت. (٥٣٨) وحديث أنس: أن زيد بن ثابت أحد

стр. 170

الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ صحيح. انتهى. ومن الجامع الصحيح» (٢: ٢٥٢) لمسلم رحمه الله تعالى عن قتادة قال: سمعت أنسا يقول: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة كلّهم من الأنصار: معاذ بن جبل، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. قال قتادة: قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي. وفي «الاستيعاب» «١» : وكتب زيد بعد رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر، وكان على بيت المال في خلافة عثمان، وكان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قد أمره بجمع القرآن في المصحف، فكتبه بيده. وذكره أبو الفرج الجوزي في «مختصر الحلية» (١: ٢٩٥) لأبي نعيم، وخرّجه البخاريّ (٦: ٨٩) «٢» . قال أبو عمر (٥٣٩) ﵀: ولما اختلف الناس في القرآن زمن عثمان، واتفق رأيه ورأي الصحابة أن يردّ القرآن إلى حرف واحد وقع اختياره على حرف زيد، فأمره أن يملّ المصحف على قوم من قريش جمعهم إليه، فكتبوه على ما هو عليه اليوم بأيدي الناس. وروى الأعمش عن ثابت بن عبيد قال: كان زيد بن ثابت من أفكه الناس إذا خلا مع أهله، وأزمته إذا جلس مع القوم. قال أبو الفرج الجوزي في «مختصر الحلية» (١: ٢٩٦) : مات زيد بن ثابت سنة خمس وأربعين وهو ابن خمس وستين سنة. قال أبو عمر (٥٤٠) وقيل سنة اثنتين، وقيل سنة ثلاث وأربعين وهو ابن ست وخمسين سنة، وقيل ابن أربع وخمسين سنة، وقيل بل توفي سنة إحدى أو اثنتين وخمسين، وقيل سنة خمسين، وقيل: سنة خمس وخمسين. قال أبو عمر: وصلّى عليه مروان.

стр. 171

فائدتان لغويتان: الأولى: الجوهري (٥: ١٩٩١) : العمّ: أخو الأب، والجمع أعمام، وعمومة مثل البعولة، وبيني وبين فلان عمومة، كما يقال: أبوّة وخؤولة. الثانية: الجوهري (٦: ٢٢٤٣، ١: ٢٥٠) : فكه الرجل بالكسر فكاهة بالفتح فهو فكه: إذا كان طيّب النفس مزّاحا، والفكاهة بالضم: المزاح. والزّمّيت: الوقور، وفلان أزمت الناس: أي أوقرهم. ٣- عبد الله بن الأرقم : في «الاستيعاب» (٨٦٥) : عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، أسلم عام الفتح، وكتب للنبيّ ﷺ ثم لأبي بكر، واستكتبه أيضا عمر، واستعمله على بيت المال، وعثمان بعده، حتى استعفى عثمان من ذلك فأعفاه. وروى ابن القاسم عن مالك قال: بلغني أنه ورد على رسول الله ﷺ كتاب فقال: من يجيب عني؟ فقال عبد الله بن الأرقم: أنا، فأجاب عنه، وأتى به إليه فأعجبه وأنفذه. وذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير: أن رسول الله ﷺ استكتب عبد الله بن الأرقم فكان يجيب عنه، وبلغ من أمانته عنده أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك، فيكتب، ويأمره أن يطينه ويختمه وما يقرأه لأمانته عنده. (٨٦٦) وروى ابن وهب عن مالك قال: بلغني أن عثمان أجاز عبد الله بن الأرقم، وكان له على بيت المال، بثلاثين ألفا فأبى أن يقبلها، قال أبو عمر: هكذا قال مالك. وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار أن عثمان استعمل عبد الله بن الأرقم على بيت المال، فأعطاه عثمان ثلاثمائة درهم فأبى أن يأخذها، وقال: إنما عملت لله، وإنما أجري على الله. وروى أشهب عن مالك عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول: ما رأيت أحدا أخشى لله من عبد الله بن الأرقم. وقال له عمر: لو كان لك مثل سابقة القوم ما قدّمت عليك أحدا.

стр. 172

الباب الثالث في كتاب العهود والصلح وفيه فصلان الفصل الأول في ذكر من كان يكتبها قال أبو عمر بن عبد البر في «الاستيعاب» : كان الكاتب لعهوده ﷺ إذا عهد، وصلحه إذا صالح، عليّ بن أبي طالب. وخرّج البخاري (٥: ١٧٩- ١٨٠) عن البراء: أن النبيّ ﷺ لما أراد أن يعتمر أرسل إلى أهل مكة يستأذنهم ليدخل مكة، فاشترطوا عليه ألا يقيم بها إلا ثلاث ليال، ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح، ولا يدعو منهم أحدا، فأخذ يكتب الشرط بينهم عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقالوا: لو علمنا أنك رسول الله لم نمنعك ولبايعناك، ولكن اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، قال: أنا والله محمّد بن عبد الله، وأنا والله رسول الله، قال: وكان لا يكتب، فقال لعلي: امح رسول الله، فقال عليّ: والله لا أمحاه «١» أبدا، قال فأرنيه؟ قال: فأراه، فمحاه النبي ﷺ بيده. وخرّج البخاري (٥: ٧٦) أيضا حديث هجرة النبيّ ﷺ واتباع سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي النبيّ ﷺ وأبا بكر، ومولاه عامر بن فهيرة، ودليلهم الديلميّ، ليردّهم على قريش للجعل الذي جعلوا فيهم،

стр. 173

وفيه أن سراقة قال: ركبت فرسي فرفعتها تقرّب بي حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي فخررت عنها، فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي، واستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها: أضرّهم أم لا؟ فخرج الذي أكره: فركبت فرسي- وعصيت الأزلام- تقرّب بي، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ ، فقلت له: إنّ قومك قد جعلوا فيك الدّية، وأخبرتهم «١» أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت «٢» الزاد والمتاع فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أن قالا: اخف عنا، فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم، ثم مضى رسول الله ﷺ . انتهى. وقال محمد بن إسحاق في «السير» (١: ٤٨٩- ٤٩٠) : حدثني الزهريّ أن عبد الرّحمن بن مالك بن جعشم حدثه عن أبيه عن عمّه سراقة حديثه حين اتبع رسول الله ﷺ ، فقال فيه: فعرفت حين رأيت ذلك- يعني ما ظهر له في فرسه- أنه قد منع مني، وأنه ظاهر، قال: فناديت القوم: أنا سراقة بن جعشم انظروني أكلمكم، فو الله لا أريبكم، ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه. قال: فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: قل له ما تبتغي منا؟ فقال لي ذلك أبو بكر، فقلت: اكتب لي كتابا يكون بيني وبينك آية، قال: اكتب له يا أبا بكر، قال: فكتب لي كتابا في عظم، أو في رقعة أو في خزفة، ثم ألقاه إليّ فأخذته، فجعلته في كنانتي ثم رجعت، وهذا خلاف ما رواه البخاري عن الزهري أيضا من أن عامر بن فهيرة هو الذي كتب الكتاب، فالله أعلم أي ذلك كان.

стр. 174

فوائد لغوية في سبع مسائل: المسألة الأولى: في «المحكم» (١: ٦٢) العهد: التقدم إلى المرء في الشيء، والعهد الذي يكتب للولاة، وهو مشتق منه، والجمع عهود، وقد عهد إليه عهدا، والعهد: الموثق واليمين، والجمع كالجمع، وقد عاهده. وفي «الصحاح» (١: ٥١٢) العهد: الوصية، وقد عهدت إليه أي أوصيته، ومنه اشتق العهد الذي يكتب للولاة. وفي «الديوان» (٢: ٢٣٠) عهد إليه يعهد، بكسر الهاء في الماضي وفتحها في المستقبل. المسألة الثانية: في «المشارق» (١: ١٥٠) جلبّان، بضم الجيم واللام وتشديد الباء؛ كذا في أكثر الأحاديث؛ وكذا ضبطناه، وكذا صوّبه «١» ابن قتيبة، ورواه بعض الناس: جلبان بسكون اللام، وكذا ذكره الهروي، وهو الذي صوّبه «٣» ، وكذا قيدناه فيه، وفي كتاب ثابت، ولم يذكر ثابت سواه، وفسر الجلبان في الحديث: القراب وما فيه. قال الحربي: يريد جفون السيوف، وقال غيره: هو شبه الجراب من الأدم، يوضع فيه السيف مغمودا، ويطرح فيه الراكب سوطه ويعلّقه من آخرة الرحل، وهذا هو القراب. المسألة الثالثة: في «المشارق» (٢: ١٩٠) قاضاهم رسول الله ﷺ ، يريد فاصلهم به من المصالحة. وفي «كتاب العين» قاضاهم: عاوضهم، سميت بذلك لمعاوضة هذه العمرة بالتي في السنة المقبلة، وقال الداودي: أقاضيك: أعاهدك وأعاقدك، والأول أصحّ وأعرف. المسألة الرابعة: في «الصحاح» (٦: ٢٤٨٩) محا لوحه يمحوه محوا، ويمحيه محيا [ويمحاه أيضا] فهو ممحوّ وممحيّ، وانمحى انفعل، وامتحى لغة فيه ضعيفة. وفي «المحكم» (٣: ٣٤٩) «٢» محى الشيء يمحاه محيا، ومحاه يمحوه محوا: أذهب أثره لأن هذه الكلمة واوية ويائية. وجاء في «الديوان» (٤: ٧٣، ٩١) في باب فعل يفعل

стр. 175

بفتح العين في الماضي والمستقبل معا، وفي باب فعل يفعل بفتحها في الماضي وضمّها في المستقبل. انتهى. المسألة الخامسة: في «الصحاح» (١: ١٩٩) التقريب: ضرب من العدو، ويقال: قرّب الفرس إذا رفع يديه معا ووضعهما معا في العدو، وهو دون الحضر. المسألة السادسة: في «المشارق» (١: ٢٨٨) قوله في حديث الهجرة: فلم يرزآني معناه النقص، ورزأته ورزئته: إذا نقصته. انتهى. وأنشد غيره «١» : [من المنسرح] إن سليمى والله يكلؤها ... ضنّت بشيء ما كان يرزؤها المسألة السابعة: في «المشارق» (١: ١٧١) جعشم بضم الجيم والشين المعجمة، المدلجيّ (١: ٤٠٤) بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر اللام. وفي «الصحاح» (٥: ١٨٨٩) قال الفرّاء: فتح الجيم والشين في جعشم أفصح. الفصل الثاني في ذكر نسبهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم ١- أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: يأتي الكلام في ذلك مستوفى في باب القاضي، وأذكر هنا من أخباره ما يختص بحين كتابته لهذا العهد، وهو من معجزات النبيّ ﷺ وهو من باب إخباره بالغيوب: روى «النسائي» رحمه الله تعالى عن عليّ رضي الله تعالى عنه قال: إني كنت كاتب رسول الله ﷺ يوم الحديبية، وكتبت: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ﷺ سهيل بن عمرو فقال سهيل بن عمرو: لو علمنا أنه رسول الله ما قاتلناه، امحها، فقلت: هو والله رسول الله ﷺ وإن رغم أنفك، لا والله لا أمحوها، فقال رسول الله ﷺ : أرني مكانها، فأريته فمحاها وقال: أما إنّ لك مثلها ستأتيها وأنت مضطهد.

стр. 176

وفي «الكامل في التاريخ» (٣: ٣١٩- ٣٢٠) لابن الأثير في أخبار الحكمين: لما حضر عمرو بن العاص عند عليّ رضي الله تعالى عنه لتكتب القضية بحضوره فكتبوا: بسم الله الرّحمن الرّحيم هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين، فقال عمرو: هو أميركم وأما أميرنا فلا، فقال له الأحنف: لا تمح اسم أمير المؤمنين، فإني أتخوّف إن محوتها ألا ترجع إليك أبدا، لا تمحها وإن قتل الناس بعضهم بعضا، فأبى ذلك عليّ ﵁ مليّا من النهار، ثم إن الأشعث بن قيس قال: امح هذا الاسم فمحي، فقال علي رضي الله تعالى عنه: الله أكبر سنّة بسنّة، والله إني لكاتب رسول الله ﷺ يوم الحديبية وكتبت: محمد رسول الله فقالوا: لست برسول الله، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فأمرني رسول الله ﷺ بمحوه، فقلت: لا أستطيع، فقال: أرنيه فأريته فمحاه بيده، وقال: إنك ستدعى إلى مثلها فتجيب. فائدة لغوية: مضطهد: في «الصحاح» (١: ٤٩٨) ضهدته فهو مضهود، ومضطهد أي مقهور مضطر. ٢- عامر بن فهيرة : في «الاستيعاب» (٧٩٦) : عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه كان من مولّدي الأزد أسود اللون، مملوكا للطفيل بن عبد الله بن سخبرة، فأسلم وهو مملوك، فاشتراه أبو بكر من الطفيل فأعتقه، وأسلم قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم، وكان حسن الإسلام، وكان يرعى الغنم في ثور، ثم يروح بها على رسول الله ﷺ وعلى أبي بكر في الغار. وكان رفيق أبي بكر ورسول الله ﷺ في هجرتهما إلى المدينة، وشهد بدرا وأحدا، وقتل يوم بئر معونة، وهو ابن أربعين سنة؛ قتله عامر بن الطفيل. (٧٩٧) وذكر ابن إسحاق (٢: ١٨٦) عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما قدم عامر بن الطفيل على رسول الله ﷺ قال له: من الرجل الذي لما

стр. 177

قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء دونه، ثم وضع؟ فقال له: هو عامر بن فهيرة. وذكر الزهري عن عروة قال: طلب عامر بن فهيرة يومئذ في القتلى فلم يوجد، قال عروة بن الزبير: فيرون أن الملائكة دفنته أو رفعته. وكان بئر معونة سنة أربع من الهجرة. فائدة: في «الاشتقاق» لابن سيّد: السّخبر: نبت، وسخبرة بن جرثومة أحد آباء الطفيل بن عبد الله.

стр. 178

الباب الرابع في ذكر صاحب الخاتم وفيه فصلان الفصل الأول في اتخاذ رسول الله ﷺ الخاتم ومن أي شيء كان، وما كان نقشه: خرج البخاري (٧: ٢٠٣) «١» رحمه الله تعالى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: لما أراد رسول الله ﷺ أن يكتب إلى الروم، فقيل له: إنهم لن يقدروا كتابك إذا لم يكن مختوما، فاتخذ خاتما من فضة، ونقشه: محمد رسول الله، فكأنما أنظر إلى بياضه في يده ﷺ . وخرج الترمذي في «الشمائل» (٤٦) أيضا قال: كان نقش خاتم النبي ﷺ : محمد: سطر، ورسول: سطر، والله: سطر. قال ابن بطّال «٢» ، قال المهلب: كان ﵇ لا يستغني عن الختم به على الكتب إلى البلدان، وأجوبة العمال، وقواد السرايا. فائدتان لغويتان: الأولى: في الخاتم أربع لغات: خاتم بفتح التاء، وخاتام بألف بعدها، وخيتام بياء عوض الألف، وخاتم بكسر التاء؛ قاله الهروي وابن النحاس والجوهري:

стр. 179

قال ابن النحاس: إلا أن الرابعة رديئة لأنها تشكل بقولهم: ختمت الكتاب فأنا خاتم. قال الهروي: ومعنى الختم: التغطية على الشيء، والاستيثاق منه حتى لا يدخله شيء، ومنه سمي خاتم الكتاب: لصيانة الكتاب، ومنع الناظرين من معرفة ما فيه. وقال ابن النحاس: وجمع خاتم وخاتم: خواتم، وجمع خاتام: خواتيم، وجمع خيتام: خياتيم، ويقال: استختم الكتاب: بلغ أن يختم، وحكي: أختم الكتاب بهذا المعنى، قلت: من قبيل قولهم: أركب المهر: إذا حان أن يركب. انتهى. قال ابن النحاس: ويقال: أختمت الكتب أي وجدتها مختومة، مثل أحمدت فلانا أي وجدته محمودا. ويقال: الكتب في الختم والختام، ولا يقال: في الخاتم، ويقال: أول من ختم الكتاب سليمان بن داود ﵉. الثانية: تقدّم في أخبار عبد الله بن الأرقم رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب، ويأمره أن يطينه ويختمه، وما يقرأه لأمانته عنده. وفي «المحكم» طان الكتاب طينا وطينه: ختمه بالطين، هذا هو المعروف. وقال يعقوب: سمعت من يقول: أطن الكتاب أي اختمه، وطينته: خاتمه الذي يطيّن به. تنبيه: قد يقال لما يطبع به الكتاب: طابع كما يقال له الآن. قال ابن سيده في «المحكم» (١: ٣٤٩) : طبع الشيء وعليه يطبع طبعا: ختم، والطابع: الخاتم الذي يختم به. وأنشد لعديّ بن الرقاع «١» : كأن قرادي صدره «٢» طبعتهما ... بطين من الجولان كتّاب أعجم قال: وقرادي الثديين حلمتاهما؛ قلت: وهذا من مليح التشبيه.

стр. 180

الفصل الثاني في ذكر من كان صاحب خاتمه ﷺ البخاري في «التاريخ» «١» (٨: ٥٢) معيقيب، ويقال: معيقب بن أبي فاطمة الدوسيّ، له صحبة. قال محمد بن بشار: حدثنا سهل بن حماد، حدثنا أبو مكين نوح بن ربيعة «٢» ، حدثنا إياس بن الحارث بن معيقيب عن جدّه معيقيب قال: كان خاتم النبي ﷺ من حديد ملويّ عليه فضة، فربما كان في يدي. وكان المعيقيب على خاتم النبي ﷺ . انتهى. أبو عمر ابن عبد البر (١٤٧٨) : معيقيب بن أبي فاطمة مولى سعيد بن العاصي؛ هكذا ذكره موسى بن عقبة عن ابن شهاب، قال: ويزعمون أنه من دوس، وقال غيره: هو دوسيّ حليف لآل سعيد بن العاصي. أسلم معيقيب قديما بمكة، وهاجر منها إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، وأقام بها حتى قدم على النبي ﷺ بالمدينة، قيل: إنه قدم عليه في السفينتين وهو بخيبر، وقيل قدم عليه قبل ذلك، وكان على خاتم رسول الله ﷺ واستعمله أبو بكر وعمر على بيت المال، وكان قد نزل به داء الجذام فعولج منه بأمر عمر بن الخطاب بالحنظل فتوقف أمره، وتوفي في آخر خلافة عثمان، وقيل: بل توفي سنة أربعين في خلافة علي رضي الله تعالى عنهم.
следующие страницы →