سنة، ليفقههم في الدين ويعلمهم القرآن ويأخذ صدقاتهم، وذلك سنة عشر بعد أن بعث إليهم خالد بن الوليد فأسلموا.
فائدة:
في «ديوان العرب» (٣: ٣٨٣) في باب فعلان- بفتح الفاء وتسكين العين- لوذان من أسماء الرجال. انتهى. وقال ابن سيّد: لوذان: فعلان من لاذ يلوذ.
انتهى.
الفصل الرابع في ذكر أنسابهم وأخبارهم
رضي الله تعالى عنهم
١- مصعب بن عمير
: في «الجماهر» (١٢٦) لابن حزم: مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصيّ، حسبما نسبه ابن إسحاق في الفصل قبل هذا.
وفي «الاستيعاب» (١٤٧٣) : يكنى أبا عبد الله، كان من جلة الصحابة وفضلائهم.
بلغه «١» أن رسول الله ﷺ يدعو إلى الإسلام في دار الأرقم، فدخل وأسلم وكتم إسلامه خوفا من أمه وقومه، وكان يختلف إلى رسول الله ﷺ سرّا فبصر به عثمان بن طلحة يصلي فأخبر به قومه، فأخذوه فحبسوه، فلم يزل محبوسا إلى أن خرج إلى أرض الحبشة في أول من هاجر إليها، وشهد بدرا، ولم يختلف أهل السير أن راية رسول الله ﷺ يوم بدر ويوم أحد كانت بيده، فلما قتل يوم أحد أخذها علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
وكان رسول الله ﷺ قد بعثه إلى المدينة قبل الهجرة بعد
стр. 72
العقبة يقرئهم القرآن، ويفقههم في الدين، وكان يدعى القارىء والمقرىء، ويقال:
إنه أول من جمّع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة.
وقال الواقدي (١٤٧٤) : كان مصعب بن عمير فتى مكة شبابا وجمالا وكان أبواه يحبانه، وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب، وكان أعطر أهل مكة، يلبس الحضرميّ من النعال، وكان رسول الله ﷺ يذكره فيقول:
ما رأيت بمكة أحسن لمّة، ولا أرقّ حلّة، ولا أنعم نعمة، من مصعب بن عمير، وقتل يوم أحد شهيدا، وهو يومئذ ابن أربعين سنة.
وعن خبّاب رضي الله تعالى عنه قال: قتل مصعب بن عمير يوم أحد، ولم يكن له إلا نمرة، فإذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا بها رجليه خرج رأسه، فقال رسول الله ﷺ : «غطّوا بها رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر» .
٢- معاذ بن جبل
رضي الله تعالى عنه: يأتي نسبه وأخباره في باب القاضي.
٣- عمرو بن حزم
رضي الله تعالى عنه: يأتي نسبه وأخباره في باب المفقّه.
فائدة لغوية:
الهروي: كل شملة مخطّطة من مآزر الأعراب فهي نمرة، وجمعها نمار، وفي «المشارق» (٢: ١٣) : النّمار بكسر النون جمع نمرة، وهي شملة مخطّطة من صوف «١» .
стр. 73
الباب الثاني في معلم الكتابة
وفيه فصلان
الفصل الأول في ذكر من كان يعلّم ذلك في زمن رسول الله ﷺ
١- ذكر المعلم من الرجال
: المعلم المسلم
: ذكر أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في «الاستيعاب» (٩٢٠) عبد الله بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وقال: كان اسمه في الجاهلية الحكم، فسماه رسول الله ﷺ عبد الله، وأمره أن يعلم الكتاب بالمدينة، وكان محسنا، قتل يوم بدر شهيدا، وقيل بل قتل يوم مؤتة شهيدا، وقال أبو معشر: استشهد يوم اليمامة رحمه الله تعالى.
وخرج أبو داود (٢: ٢٣٧) رحمه الله تعالى عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: علّمت ناسا من أهل الصفة الكتاب والقرآن، فأهدى إليّ رجل منهم قوسا، فقلت: ليست بمال وأرمي عليها في سبيل الله، فقلت: لآتينّ رسول الله ﷺ فلأسألنّه، فأتيته فقلت: يا رسول الله، رجل أهدى إليّ قوسا ممن كنت أعلّمه الكتاب والقرآن، وليست بمال، وأرمي عليها في سبيل الله؟ قال:
إن كنت تحبّ أن تطوّق طوقا من نار فاقبلها. انتهى.
المعلم الكافر: في «الروض الأنف» (٥: ٢٤٥) للسهيلي في الكلام على غزوة بدر قال: وكان في الأسرى يوم بدر من يكتب، ولم يكن في الأنصار أحد يحسن
стр. 74
الكتابة، فكان منهم من لا مال له، فيقبل منه أن يعلّم عشرة من الغلمان الكتابة ويخلّى سبيله، فيومئذ تعلّم الكتابة زيد بن ثابت في جماعة من غلمان الأنصار.
٢- ذكر المعلمة من النساء
: قال أبو عمر في «الاستيعاب» (١٨٦٨) : الشفاء أم سليمان بن أبي حثمة، قال لها رسول الله ﷺ : علّمي حفصة رقية النملة كما علّمتها الكتاب.
وخرج أبو داود (٢: ٣٣٧) ﵀ عن الشفاء بنت عبد الله قالت: دخل عليّ النبي ﷺ وأنا عند حفصة فقال: ألا تعلّمين هذه رقية النملة كما علمتها الكتابة؟. انتهى.
فائدة فقهية:
قال أبو سليمان الخطابي في «معالم السنن» : في هذا الحديث دليل على أن تعلّم النساء الكتابة غير مكروه.
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: قول عبادة رضي الله تعالى عنه: ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن، وقول رسول الله ﷺ للشفاء: كما علّمتها الكتاب:
هو بمعنى الكتابة، ويبينه رواية أبي داود: كما علمتها الكتابة.
وفي كتاب «الزينة» لأبي حاتم أحمد بن حمدان الرازي رحمه الله تعالى:
وفي الحديث: علمت رجلا من أهل الصّفّة القرآن والكتاب، يعني به: الخط والهجاء.
وفي «المحكم» (٦: ٤٨٢- ٤٨٣) لابن سيده: كتب الشيء يكتبه كتبا وكتابا، وكتّبه: خطّه؛ قال أبو النجم «١» [من الرجز]
أقبلت من عند زياد كالخرف ... تخطّ رجلاي بخطّ مختلف
تكتّبان في الطريق لام الف
стр. 75
وكتّب الرجل وأكتبه: علمه الكتاب، والمكتب: المعلّم. وقال اللّحياني:
هو المكتّب.
قال الحسن: كان الحجاج مكتبا بالطائف، يعني معلّما «١» ، ومنه قيل: عبيد المكتب: لأنه كان معلما، والمكتب موضع الكتاب، والمكتب والكتّاب موضع تعليم الكتاب، ورجل كاتب، والجمع: كتّاب وكتبة، وحرفته الكتابة، والكتبة:
الحالة، واستكتبه: أمره أن يكتب له، والكتاب ما كتب فيه، والجمع كتب.
المسألة الثانية: قول عبادة بن الصامت أيضا: وأرمي عليها في سبيل الله، يعني القوس. قال ابن قتيبة: في «أدب «٢» الكتاب» (٥٣٧) : رميت على القوس أي عنها. قال ابن السيد في «الاقتضاب» (٢: ٢٧٠) إنما جاز استعمال على ها هنا بمعنى عن لأنه إذا رمى عنها وضع السهم عليها للرمي. وقال ابن قتيبة: (٥٣٩) ورميت عن القوس بمعنى بالقوس، أعملوا عن بمعنى الباء. قال ابن السيد في «الاقتضاب» (٢: ٢٧٢) هذا غير صحيح، لأن عن في قولهم: رميت عن القوس ليست ببدل عن شيء لأن معنى عن التجاوز كقولك: خرجت عن البلد، وهذا موجود في الرمي لأن السهم يتجاوز القوس، ويسير عنها. وأنكر بعض النحويين استعمال الباء ها هنا وقال:
لا يقال: رميت بالقوس إلا إذا ألقيتها من يدك؛ قال ابن السيد: إنما أنكر هذا المنكر ذلك لأنه توهم أن قوله: رميت بالقوس بمنزلة قولهم: رميت بالشيء إذا ألقيته من يدك، قال: وليس المعنى على ما ظنّ، وإنما المعنى رميت السهم بالقوس.
المسألة الثالثة: أبو حثمة: والد سليمان بن الشفاء- بفتح الحاء المهملة وسكون الثاء المثلثة- كذلك ضبطه الحافظ أبو علي الغساني بخطه في «الاستيعاب» . وفي «المحكم» (٣: ٢٢٤) الحثمة: أكيمة صغيرة سوداء من حجارة،
стр. 76
والحثمة: أرنبة الأنف، والحثمة: المهر «١» الصغير، والجمع من كل ذلك حثام، وأبو حثمة: رجل من جلساء عمر، كني بذلك. انتهى.
الفصل الثاني في ذكر أنسابهم وأخبارهم
١- عبادة بن الصامت
: تقدم ذكر نسبه وأخباره في الباب الذي قبل هذا.
٢- الشفاء أم سليمان بن أبي حثمة
: في «الاستيعاب» (١٨٦٨) : هي الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس بن خلف «٢» بن صدّاد، ويقال: ضرار بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب القرشية العدوية، من المبايعات. قال أحمد بن صالح المصري «٣» : اسمها ليلى، وغلب عليها الشفاء، أسلمت قبل الهجرة، وهي من المهاجرات الأول، وبايعت النبي ﵇، وكانت من عقلاء النساء وفضلائهن، وكان رسول الله ﷺ يزورها «٤» ويقيل عندها في بيتها، وكانت قد اتخذت له فراشا وإزارا ينام فيه، فلم يزل ذلك عند ولدها حتى أخذه منها مروان. وقال لها رسول الله ﷺ : علمي حفصة رقية النملة كما علمتها الكتاب. وأقطع لها رسول الله ﷺ دارها عند الحكاكين، فنزلتها مع ابنها سليمان، وكان عمر يقدمها في الرأي ويفضلها، وربّما ولّاها شيئا من أمور «٥» السوق.
стр. 77
الباب الثالث في ذكر المفقه في الدين
وفيه ثلاثه فصول
الفصل الأول في الحض على التفقه في الدين
فمن ذلك قول رسول الله ﷺ : من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدين، وإنما أنا قاسم ويعطي الله. رواه مسلم (١: ٢٨٣) رحمه الله تعالى عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ...
ورواه النسائي رحمه الله تعالى عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : ...
ومن ذلك أيضا قوله ﷺ : نضر الله امرءا سمع منّا حديثا فحفظه حتى يبلّغه غيره، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربّ حامل فقه ليس بفقيه. رواه الترمذي (٤: ١٤١) عن زيد بن ثابت، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ...
فائدتان لغويتان:
الأولى: في «التنقيح» «١» الفقه لغة: هو الفهم والعلم، وفي الاصطلاح
стр. 78
هو العلم بالأحكام الشرعية العملية بالاستدلال، ويقال فقه بكسر القاف، إذا فهم، وبفتحها إذا سبق غيره إلى الفقه، وبضمّها إذا صار الفقه له سجية.
الثانية: في «الغريبين» في الحديث: نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها. رواه الأصمعي بالتشديد، وأنشد:
نضّر الله أعظما دفنوها ... بسجستان طلحة الطّلحات
«١» ورواه أبو عبيد بالتخفيف، وقال ابن شميل: نضّره الله، ونضره الله، وأنضره الله، وقال ابن طريف: فنضر هو ونضر ونضر نضارة ونضرة.
الفصل الثاني كيف كان الناس يسألون رسول الله ﷺ في أمور الدين، وقد جاءت بذلك آيات وأحاديث
فمن الآيات
قول الله : يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ (المائدة: ٤) وقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ (البقرة: ٢١٩) وقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ (البقرة: ٢٢٢) وقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ (البقرة: ١٨٩) إلى غير ذلك من الآي الشّريفة.
١- ومن أحاديث سؤال الرجال
: حديث أبي رفاعة العدوي، رواه مسلم «٢» والنسائي رحمهما الله تعالى، والنصّ للنسائي عن حميد بن هلال قال، قال أبو رفاعة: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يخطب، فقلت:
стр. 79
يا رسول الله، رجل غريب جاء يسألك عن دينه، لا يدري ما دينه، فأقبل رسول الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إليّ، فأتى بكرسيّ خلت قوائمه حديدا «١» ، فقعد رسول الله ﷺ فجعل يعلّمني مما علّمه الله، ثم أتى خطبته فأتمّها» .
وحديث مسلم (١: ٩٧) عن علي رضي الله تعالى عنه قال: كنت رجلا مذّاء، فكنت أستحيي أن أسأل رسول الله ﷺ لمكان ابنته فأمرت المقداد بن الأسود، فسأله فقال: يغسل ذكره ويتوضأ.
٢- سؤال النساء:
حديث مسلم (١: ٩٨) أيضا عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: جاءت أمّ سليم إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتملت؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم إذا رأت الماء. فقالت له أم سلمة: يا رسول الله أو تحتلم المرأة؟ فقال: تربت يداك ففيم يشبهها ولدها؟ انتهى.
وحديث مسلم (١: ١٠٢) عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض قال: فقال: تأخذ إحداكنّ ماءها وسدرتها فتتطهر بها فتحسن الطهور، ثم تصبّ على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصبّ عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسّكة فتطهر بها.
فقالت أسماء: وكيف أتطهر بها؟ فقال: سبحان الله تطهّرين بها؛ فقالت عائشة:
كأنها تخفي ذلك، تتبعين أثر الدم. وسألته عن غسل الجنابة فقال: تأخذ ماء فتطهر فتحسن الطهور أو تبلغ الطهور، ثم تصبّ على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها ثم تفيض عليها الماء. فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقّهن في الدين.
стр. 80
فائدة لغوية:
في «المشارق» (١: ١٢٠) قوله: تربت يداك: أصله من قولهم: ترب الرجل- بفتح التاء وكسر الراء- إذا افتقر، واختلف في معناه وتفسيره ... والأصح في هذا ومثله من الأدعية الموجودة في كلام العرب المستعملة كثيرا لدعم الكلام ووصله وتهويل الخبر مثل: لا أبالك وثكلتك أمك، وشبهه، أنه لا يقصد به الدعاء، وإن كان أصله الدعاء، ثم جرى على ألسنتهم وكثر من «١» استعمالهم في غير مواطن الدعاء والذم فأتوا به عند التعجب والاستحسان والتعظيم. نقلته مختصرا.
الفصل الثالث في ذكر من بعثه رسول الله ﷺ مفقها في الدين وذكر أنسابهم وأخبارهم
١- فمنهم مصعب بن عمير
: في «السير» (١: ٤٣٤) لابن إسحاق رحمه الله تعالى أن رسول الله ﷺ بعثه مع القوم الذين بايعوه في العقبة الأولى وهم اثنا عشر، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين، وكان يسمى المقرىء بالمدينة، وقد تقدم التعريف به في باب مقرىء القرآن.
٢- ومنهم معاذ بن جبل
: في «الاكتفاء» (٢: ٣٢٥) «٢» استخلف رسول الله ﷺ عتّاب بن أسيد على مكة، وخلّف معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن. انتهى.
وفي «الاستيعاب» (١٤٠٣) : وبعثه رسول الله ﷺ قاضيا إلى الجند من اليمن، يعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام، ويقضي بينهم، وجعل إليه قبض الصدقات من العمّال الذين باليمن عام فتح مكة.
стр. 81
تنبيه:
قد تقدم الوعد بمجيء ذكر نسب معاذ وأخباره رضي الله تعالى عنه عند ذكره في باب القاضي إن شاء الله تعالى.
٣- ومنهم عمرو بن حزم
: في «الاستيعاب» (١١٧٢) استعمل رسول الله ﷺ عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان الخزرجي النجّاري من بني مالك على نجران وهم بلحارث بن كعب، وهو ابن سبع عشرة سنة، ليفقههم في الدين ويعلمهم القرآن ويأخذ صدقاتهم، وذلك سنة عشر بعد أن بعث إليهم خالد بن الوليد، وكتب له كتابا فيه الفرائض والسنن والصدقات والديات. لم يشهد بدرا فيما يقولون، وأول مشاهده الخندق، ومات بالمدينة سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة ثلاث وخمسين، وقيل سنة أربع وخمسين، وقيل إنه توفي في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بالمدينة.
стр. 82
الباب الرابع في اتخاذ الدار ينزلها القراء ويتخرج منه اتخاذ المدارس
ذكر أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في باب العبادلة من «الاستيعاب» (٩٩٧، ١١٩٨) عبد الله بن أم مكتوم الأعمى القرشي العامري وقال: كان قديم الإسلام بمكة، وهاجر إلى المدينة، واختلف في وقت هجرته إليها، فقيل كان ممن قدم المدينة مع مصعب بن عمير قبل رسول الله ﷺ ، وقال الواقدي: قدمها بعد بدر بيسير فنزل دار القرّاء «١» .
فائدة لغوية:
ابن طريف: درس الكتاب درسا ودراسة: تردد على قراءته ليحفظه.
الجوهري (٢: ٩٢٥، ٩٢٤) دارست الكتب وتدارستها وادّراستها أي درستها.
ويقال سمي إدريس ﵇ لكثرة دراسته كتاب الله ، واسمه أخنوخ.
قلت: والمدرسة: اسم المكان من درس الكتاب يدرسه، كالمرقب من رقب يرقب.
стр. 83
الباب الخامس في المفتي
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول في أن الناس كانوا يستفتون أهل العلم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في نوازلهم في عهد النبي ﷺ فيفتونهم
روى مالك رحمه الله تعالى في «الموطأ» (٥٩١) «١» عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله تعالى عنهما أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله، وقال الآخر، وهو أفقههما، أجل يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله وايذن لي في أن أتكلم فقال: تكلم، قال: إن ابني كان عسيفا «٢» على هذا فزنا بامرأته، فأخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة وجارية ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أنّ ما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأخبروني أنما الرجم على امرأته. فقال رسول الله ﷺ : أما والذي نفسي بيده لأقضينّ بينكما بكتاب الله: أمّا غنمك وجاريتك فردّ عليك؛ وجلد ابنه مائة وغرّبه عاما، وأمر أنيسا الأسلميّ أن يأتي امرأة الآخر، فإن اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها.
стр. 84
الفصل الثاني في تسمية من كان يفتي في عهد رسول الله ﷺ «١»
ترجم أبو الفرج الجوزي رحمه الله تعالى في «المدهش» (٤٣) فقال: تسمية من كان يفتي على عهد رسول الله ﷺ : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الرّحمن بن عوف وابن مسعود وأبيّ ومعاذ وعمار وحذيفة وزيد بن ثابت وأبو الدرداء وأبو موسى وسلمان رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
فائدة لغوية:
ابن طريف: أفتى العالم: أجاب، والاسم: الفتيا والفتوى. الفارابي: (٤:
٦٣- ٦٤) بضم الفاء مع الياء وفتحها مع الواو، وزاد ابن سيده: الفتوى بالضم مع الواو، قال: والفتح لأهل المدينة. وفي «الصحاح» (٦: ٤٥٢) واستفتيت الفقيه في مسألة فأفتاني وتفاتوا إلى الفقيه: إذا ارتفعوا إليه في الفتيا.
الفصل الثالث ذكر أنسابهم ونبذ من أخبارهم رضوان الله تعالى عنهم وتحيته
١- أبو بكر الصديق
رضي الله تعالى عنه: تقدم ذكره في باب الخلافة.
٢- عمر بن الخطاب
رضي الله تعالى عنه: تقدم ذكره في باب الوزير.
٣- عثمان بن عفان
رضي الله تعالى عنه: يأتي ذكره في باب الرسول.
٤- علي بن أبي طالب
رضي الله تعالى عنه: يأتي ذكره في باب القاضي.
٥- عبد الرّحمن بن عوف
رضي الله تعالى عنه: يأتي ذكره في باب الأمين على الحرم.
стр. 85
٦- عبد الله بن مسعود
رضي الله تعالى عنه: يأتي ذكره في باب الطهور.
٧- أبي بن كعب
رضي الله تعالى عنه: يأتي ذكره في باب الإمامة في قيام رمضان.
٨- معاذ بن جبل
رضي الله تعالى عنه: يأتي ذكره في باب القاضي.
٩- عمار بن ياسر
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (١١٣٥) : عمار ابن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن حصين «١» العنسي ثم المذحجي، يكنى أبا اليقظان، حليف لبني المخزوم، وكان عمار وأمه سميّة ممن عذّب في الله، ثم أعطاهم عمار ما أرادوا بلسانه، واطمأن بالإيمان قلبه، فنزلت فيه إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ (النحل: ١٠٦) وهذا مما أجمع أهل التفسير عليه.
وهاجر إلى أرض الحبشة، وصلّى للقبلتين، وهو من المهاجرين الأولين، ثم شهد بدرا والمشاهد كلها. وقال رسول الله ﷺ : إن عمّارا ملىء إيمانا إلى مشاشه «٢» ويروى: إلى أخمص قدميه. (١١٣٨) ومن حديث خالد بن الوليد أن رسول الله ﷺ قال: من أبغض عمارا أبغضه الله، قال خالد: فما زلت أحبّه من يومئذ. ومن حديث عليّ بن أبي طالب قال: جاء عمار يستأذن على النبي ﷺ يوما، فعرف صوته فقال: مرحبا بالطّيّب المطيّب، إيذنوا له «٣» وفضائله المروية كثيرة يطول ذكرها. (١١٣٩) وعن عبد الله بن سلمة قال:
لكأني أنظر إلى عمار يوم صفّين، واستسقى فأتي بشربة من لبن فشرب فقال: اليوم ألقى الأحبة، إن رسول الله ﷺ عهد إليّ أن آخر شربة أشربها من الدنيا شربة من لبن، ثم استسقى فأتته امرأة طويلة اليدين بإناء فيه ضياح «٤» من لبن، فقال عمار حين شربه: الحمد لله، الجنة تحت الأسنة، ثم قال: والله لو
стр. 86
ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أن مصلحتنا على الحق وأنهم على الباطل، ثم قاتل حتى قتل، رحمه الله تعالى.
قال أبو عمر (١١٤٠) رحمه الله تعالى: وتواترت الآثار عن النبي ﷺ أنه قال: تقتل عمارا الفئة الباغية، وهو من إخباره بالغيب، وأعلام نبوته- ﷺ وهو من أصحّ الحاديث. وكانت صفين في ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين، ودفن في ثيابه ولم يغسل، وكان سنّ عمار يوم قتل نيّفا على تسعين سنة، فقيل إحدى وتسعين سنة، وقيل اثنتين وتسعين، وقيل ثلاثا وتسعين. انتهى.
فائدة لغوية:
قوله: لعلمنا أن مصلحتنا على الحق، وأنهم على الباطل، هكذا وجدته بالصاد في جميع ما طالعته من نسخ «الاستيعاب» ولا علمت له وجها. وذكر ابن الأثير القصة في تاريخه (٣: ٣٠٨) فقال: لعلمنا أنا على الحق، وأنهم على الباطل، ولم يقل:
مصلحتنا «١» ، ولولا ثبوته بالصاد في جميع ما طالعته من النسخ لقلت إنه مصحف من المسلحة بالسين: وهم القوم يحرسون الثغر المصاقب للعدوّ. وفي «المحكم» (٣: ١٤١) المسلحة: قوم في عدّة بموضع مرصد وكلوا به بإزاء ثغر، واحدهم مسلحيّ، وهو أيضا الموكل بهم والمؤمّر، والمسالح: مواضع المخافة.
١٠- حذيفة بن اليمان
رضي الله تعالى عنه: يأتي ذكره في باب كاتب الجيش.
١١- زيد بن ثابت
[رضي الله تعالى عنه] : يأتي ذكره في باب كاتب الرسائل.
١٢- أبو الدرداء
رضي الله تعالى عنه: قال أبو عمر في «الاستيعاب» (١٢٢٧) هو مشهور بكنيته (وذكر في اسمه وفي نسبه خلافا كثيرا أضربت عنه) .
ونقلت نسبه من كتاب «التاريخ» للبخاري (٧: ٧٦) رحمه الله تعالى من باب عويمر.
стр. 87
وعويمر بن زيد بن قيس بن أمية بن عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج من بلحارث بن الخزرج «١» ؛ نسبه إبراهيم بن المنذر «٢» .
وقال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (١٢٢٧)(١٦٤٦) : شهد أحدا وما بعدها من المشاهد، وقيل إنه لم يشهد أحدا لأنه تأخر إسلامه قليلا، كان آخر أهل داره إسلاما وحسن إسلامه، وكان فقيها عاقلا حكيما.
وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: حكيم أمتي أبو الدرداء عويمر. وعن عبد الرّحمن الحجري «٣» قال، قال أبوذر لأبي الدرداء: ما حملت ورقاء ولا أظلّت خضراء أعلم منك يا أبا الدرداء. وروى أبو إدريس الخولاني عن يزيد بن عميرة «٤» قال: لما حضرت الوفاة معاذ بن جبل، قيل له يا أبا عبد الرّحمن «٥» أوصنا فقال: التمسوا العلم عند عويمر أبي الدرداء فإنه من الذين أوتوا العلم.
وقيل لأبي الدرداء: مالك لا تقول الشعر وكلّ لبيب من الأنصار قال الشعر؟
فقال: وأنا قد قلت شعرا، فقيل: وما هو؟ فقال: [من الوافر]
يريد المرء أن يؤتى مناه ... ويأبى الله إلا ما أرادا
يقول المرء فائدتي ومالي ... وتقوى الله أفضل ما استفادا
وقال أبو عمر ابن عبد البر (١٢٢٩) : وله حكم مأثورة مشهورة، منها قوله ووصف الدنيا فأحسن، الدنيا دار كدر، ولن ينجو منها إلا أهل الحذر، ولله فيها علامات يسمعها الجاهلون، ويعتبر بها العالمون، ومن علاماته فيها أن حفّها
стр. 88
بالشبهات، فارتطم فيها أهل الشهوات، ثم أعقبها بالآفات، فانتفع بذلك أهل العظات، ومزج حلالها بالمؤونات، وحرامها بالتبعات، فالمثري فيها تعب، والمقلّ فيها نصب.
قال أبو عمر (١٢٣٠) : ولّاه عمر قضاء دمشق وقيل ولاه معاوية قضاء دمشق وقيل بل ولاه عثمان والأمير معاوية. قال: وقد توفي بدمشق سنة إحدى وثلاثين، وقيل سنة اثنتين وثلاثين، وقيل سنة ثلاث وثلاثين، وقيل سنة أربع وثلاثين. انتهى.
فائدتان لغويتان:
الأولى: قوله: ما حملت ورقاء ولا أظلت خضراء، قلت: أراد بالورقاء هنا:
الأرض، وبالخضراء: السماء؛ كما قالوا: ما أقلّت الغبراء، ولا أظلّت الخضراء.
وفي «المشارق» (٢: ٢٨٣) الورقة من الألوان في الإبل التي تضرب إلى الخضرة كلون الرماد، وقيل غبرة تضرب إلى السواد.
الثانية: قوله «فارتطم فيها» في «الصحاح» (٥: ١٩٣٤) : رطمته في الوحل رطما فارتطم هو أي: ارتبك فيه، وارتطم عليه أمر إذا لم يقدر على الخروج منه.
١٣- أبو موسى الأشعري
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (٩٧٩) عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر الأشعري: أبو موسى: ذكر الواقدي: أن أبا موسى قدم مكة فحالف سعيد بن العاص بن أمية أبا أحيحة، وكان قدومه مع إخوته في جماعة في الأشعريين، ثم أسلم وهاجر إلى أرض الحبشة.
وقال ابن إسحاق: هو حليف آل عتبة بن ربيعة، ذكره فيمن هاجر من حلفاء بني عبد شمس إلى أرض الحبشة. وقالت طائفة من أهل العلم بالنسب والسير: إن أبا موسى لما قدم مكة مع سعيد بن العاص انصرف إلى بلاد قومه، ولم يهاجر إلى أرض الحبشة، ثم قدم مع إخوته فصادف قدومه قدوم السّفينتين من الحبشة.
قال أبو عمر ابن عبد البر (٩٨٠) : الصحيح أن أبا موسى رجع بعد قدومه مكة، ومحالفته من حالف من بني عبد شمس إلى أرض قومه، فأقام بها حتى قدم مع
стр. 89
الأشعريين في نحو خمسين رجلا في سفينة، فألقتهم الريح إلى النجاشي بأرض الحبشة، فوافقوا خروج جعفر وأصحابه منها فأتوا معهم. وقدمت السفينتان معا:
سفينة الأشعريين، وسفينة جعفر وأصحابه على النبي ﷺ في حين فتح خيبر.
وقد قيل إن الأشعريين إذ رمتهم الريح إلى النجاشيّ أقاموا بها مدة، ثم خرجوا في حين خروج جعفر، فلهذا ذكره ابن إسحاق فيمن هاجر إلى أرض الحبشة، والله تعالى أعلم. وكان من أحسن الناس صوتا بالقرآن، قال فيه رسول الله ﷺ : لقد أوتي أبوموسى مزمارا من مزامير آل داود.
ولما دفع أهل الكوفة سعيد بن العاص ولّوا أبا موسى، وكتبوا إلى عثمان يسألونه أن يولّيه فأقرّه عثمان على الكوفة وعزله عليّ عنها، فلم يزل واجدا منها على عليّ حتى جاء منه ما قال حذيفة فيه؛ فقد روي فيه لحذيفة كلام كرهت ذكره، والله يغفر له. ثم كان من أمره يوم الحكمين ما كان، ومات بالكوفة في داره بها، وقيل إنه مات بمكة سنة أربع وأربعين، وقيل سنة خمسين، وقيل سنة اثنتين وخمسين، وهو ابن ثلاث وستين سنة. انتهى ما نقل من الاستيعاب.
تنبيه:
قال أبو علي الغساني: حضّار في نسب أبي موسى- مشدد الضاد مفتوح الحاء أكثر من حضار بالتخفيف والكسر- نقلته من طرة بخطه في «الاستيعاب» الذي بخطه أيضا.
١٤- سلمان الفارسي
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (٢٣٤) سلمان الفارسي أبو عبد الله، يقال إنه مولى رسول الله ﷺ ، ويعرف بسلمان الخير، أصله من فارس من رام هرمز من قرية يقال لها جيّ، وقيل كان من أصبهان، وكان إذا قيل له: من أنت؟ قال: أنا سلمان ابن الإسلام من بني آدم، وكان سلمان يطلب دين الله، ويتبع من يرجو ذلك عنده، فدان بالنصرانية وغيرها، وقرأ الكتب، وصبر في ذلك على مشقات نالته. وذكر أبو عثمان النهدي عن
стр. 90
سلمان: أنه تداوله في ذلك اثنا عشر ربا من رب إلى رب حتى أفضى إلى رسول الله ﷺ ومنّ الله عليه بالإسلام. انتهى.
روى البخاري رحمه الله تعالى في «صحيحه» (٥: ٩٠) عن أبي عثمان عن سلمان الفارسي: أنه تداوله بضعة عشر من ربّ إلى ربّ. انتهى.
وفي «تاريخ بغداد» (١: ١٦٣) للخطيب: أسلم سلمان ﵁ في السنة الأولى من الهجرة، وأول مشهد شهده مع رسول الله ﷺ يوم الخندق، وإنما منعه من حضور ما قبل ذلك أنه كان مسترقّا لقوم من اليهود فكاتبهم، وأدّى رسول الله ﷺ كتابته وعتق. انتهى.
وقال أبو عمر ابن عبد البر (٦٣٦) رحمه الله تعالى: روي عن رسول الله ﷺ : لو كان الدين في الثريا لناله سلمان. وقال ﷺ :
أمرني ربي بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم: علي وأبو ذر والمقداد وسلمان.
وعن عائذ بن عمرو «١» أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عنق عدوّ الله مأخذها، فقال أبو بكر: تقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ وأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: يا أبا بكر لعلك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك، فأتاهم أبو بكر فقال:
يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا يا أبا بكر، يغفر الله لك.
وذكر ابن إسحاق في «السير» (٢: ٢٢٤) أن سلمان رضي الله تعالى عنه أشار على رسول الله ﷺ بعمل الخندق على المدينة حين حاصره الأحزاب، وأن المهاجرين قالوا: سلمان منا، وقالت الأنصار: سلمان منا، فقال رسول الله ﷺ : سلمان منا أهل البيت.
وعن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: سلمان الفارسي مثل لقمان الحكيم.
стр. 91
وعنه رضي الله تعالى عنه أنه سئل عن سلمان قال: علم العلم الأول والآخر، بحر لا ينزف، هو منّا أهل البيت.
(٦٣٦) وقال أبو هريرة: سلمان صاحب الكتابين، قال قتادة: يعني: الإنجيل والفرقان.
(٦٣٧) وقال كعب الأحبار: سلمان حشي علما وحكمة.
(٦٣٥) قال أبو عمر: كان خيرا فاضلا، حبرا عالما، زاهدا متقشفا.
وعن الحسن «١» : كان عطاء سلمان خمسة آلاف، وكان إذا خرج عطاؤه تصدق به، ويأكل من عمل يده، وكانت له عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها.
وعن معمر عن رجل من الصحابة قال: دخل قوم على سلمان رضي الله تعالى عنه وهو أمير على المدائن، وهو يعمل هذا الخوص، فقيل له: لم تعمل هذا وأنت أمير يجري عليك رزق؟ فقال: إني أحبّ أن آكل من عمل يدي. انتهى.
وقال الخطيب في «تاريخ بغداد» (١: ١٦٣) : ولم يزل سلمان بالمدينة حتى غزا المسلمون العراق فخرج معهم وحضر فتح المدائن ونزلها حتى مات بها. وقبره الآن معروف ظاهر بقرب إيوان كسرى، وعليه بناء، وهناك خادم مقيم يحفظ الموضع وعمارته والنظر في أمر مصالحه، وقد رأيت الموضع وزرته غير مرة. انتهى.
قال أبو عمر (٦٣٨) : توفي سلمان رضي الله تعالى عنه آخر خلافة عثمان سنة خمس وثلاثين، وقيل بل توفي سنة ست وثلاثين في أولها، وقيل توفي في خلافة عمر، والأول أكثر، والله أعلم.
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
الأولى: جيّ اسم القرية التي كان منها سلمان رضي الله تعالى عنه، ذكرها
стр. 92
البكريّ في باب الجيم والياء أخت الواو من كتاب «معجم ما استعجم» (٤١٢) فقال:
جيّ- بفتح أوله وتشديد ثانيه- مدينة أصبهان؛ قال ذو الرمة «١» :
نظرت ورائي نظرة الشوق بعد ما ... بدا الجوّ من جيّ لنا والدساكر
الثانية: قوله: وهو يعمل الخوص، الجوهري (٣: ١٠٣٨) : الخوص ورق النخيل، الواحدة خوصة، وقد أخوصت النخلة.
الثالثة: ابن طريف: عتق العبد عتقا وعتاقة وعتاقا، قال الفارابي: بفتح التاء في الماضي وكسرها في المستقبل.
стр. 93
الباب السادس في العابر للرؤيا «١»
وإنما جعلت هذا الباب تلو باب المفتي لأنها من قبيل الفتيا، وكذلك سماها الله في قصة ملك مصر، فقال تعالى: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (يوسف: ٤٣) .
ذكر من كان يعبر الرؤيا في زمن رسول الله ﷺ :
ذكر علي بن سعيد الخولاني القيرواني في كتابه «في العبارة» : أن رسول الله ﷺ قال في بعض ما جاء عنه: أعبر أمتي للرؤيا أبو بكر الصديق، وأسماء بنت عميس.
١- ذكر تعبير أبي بكر الصديق
رضي الله تعالى عنه: روى مسلم (٢: ٢٠٢) رحمه الله تعالى أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان يحدّث أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: إنّي رأيت الليلة في المنام ظلّة تنطف السمن والعسل فأرى الناس يتكفّفون [منها] بأيديهم فالمستكثر والمستقلّ، وأرى سببا واصلا من السماء إلى الأرض، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل من بعدك فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع به، ثم وصل له فعلا. قال أبو بكر: يا رسول الله بأبي أنت، لتدعني «٢» فلأعبرنّها، قال رسول الله ﷺ : اعبرها، قال أبو بكر: أما الظلّة فظلّة الإسلام، وأما الذي
стр. 94
ينطف من السمن والعسل فالقرآن: حلاوته ولينه، وأما ما يتكفف الناس من ذلك فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض:
فالحقّ الذي أنت عليه تأخذ به فيعليك الله به، ثم يأخذ به رجل من بعدك فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع به ثم يوصل له فيعلو به. فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت وأمي أصبت أم أخطأت؟ قال رسول الله ﷺ : أصبت بعضا، وأخطأت بعضا. قال: فوا الله يا رسول الله لتحدّثني ما الذي أخطأت، قال: لا تقسم.
وذكر علي بن سعيد الخولاني في كتابه «في العبارة» : أن عائشة رضي الله تعالى عنها رأت ثلاثة أقمار سقطت في حجرتها، فقصت رؤياها على أبيها رضي الله تعالى عنه فقال: خيرا يا عائشة؛ فلما توفي رسول الله ﷺ وقبر في حجرتها، قال لها: هذا أحد أقمارك وهو خيرها، ثم صارت ثلاثة: قبر رسول الله ﷺ وقبر أبي بكر وقبر عمر رضي الله تعالى عنهما.
٢- ذكر تعبير أسماء
رضي الله تعالى عنه: ذكر علي بن سعيد الخولاني في كتابه «في العبارة» أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال لها: رأيت ديكا أحمر نقر فيّ ثلاث نقرات؟ فقالت مبادرة: رجل من العجم يطعنك ثلاث طعنات. انتهى.
وقد أجمع المؤرخون ونقلة الأخبار أن أبا لؤلؤة لعنه الله تعالى، وكان غلاما للمغيرة ابن شعبة، طعنه طعنات توفّي منها، واختلف في عددها، فقال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» : (١١٥٤) كانت ستّ طعنات، وذكر الخولاني أنها كانت ثلاث طعنات.
تنبيه:
قد تقدم في التعريف بأبي بكر رضي الله تعالى عنه في باب الخلافة ما أغنى عن إعادته هنا.
وأما أسماء بنت عميس: فقال ابن حزم في «الجماهر» (٣٩٠) : هي أسماء بنت عميس بن معد بن الحارث بن تيم بن كعب بن مالك بن قحافة.
стр. 95
قال أبو عمر ابن عبد البر (١٧٨٤) رحمه الله تعالى: كانت أسماء بنت عميس من المهاجرات إلى أرض الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنهما- فولدت له هنالك محمدا وعبد الله وعونا. ثم هاجرت إلى المدينة، فلما قتل جعفر بن أبي طالب تزوجها أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم، وولدت له محمد بن أبي بكر، ثم مات عنها فتزوجها علي بن أبي طالب فولدت له يحيى بن علي بن أبي طالب، لا خلاف في ذلك، وفي «الاستيعاب» مثل ذلك.
وقال ابن حزم في «جماهره» : وبنو قحافة هؤلاء أهل بيت خثعم.
فوائد لغوية في سبع مسائل:
الأولى: في «الديوان» (٤: ٣٠٧) للفارابي: رأى في الفقه رأيا، ورأى بعينه الشيء رؤية، ورآه عالما كذلك، ورأى في منامه رؤيا: يرى في المستقبل في جميع ذلك.
الثانية: ابن طريف: عبر الرؤيا- بفتح الراء- عبرا وعبارة: فسّرها، مكسورة العين. وفي «المحكم» (٢: ٩٣) ابن سيده: عبر الرؤيا: فسرها وأخبر بآخر ما يؤول إليه أمرها.
الثالثة: في «المشارق» (١: ٣٢٨) وقوله: «رأيت ظلّة تنطف السمن والعسل» أي سحابة، وتنطف- بكسر الطاء وضمها- أي تقطر.
الرابعة: في «المشارق» (١: ٣٤٦) يتكففون منها أي يأخذون منها بأكفهم.
الخامسة: في «المشارق» (٢: ٢٠٢) قوله: سببا أي حبلا، قاله الخشني السادسة: في «الاشتقاق» لمحمد بن أبان بن سيّد: عميس أبو أسماء: فعيل من قولهم: تعامس عن الشيء: إذا تغافل عنه، ويوم عماس: شديد في الشر.
السابعة: معد: في نسخة أبي علي الغساني التي بخطه من «الاستيعاب» مضبوط بفتح الميم وسكون العين، وكتب عليه في الطرة أيضا: قال ابن حبيب:
معد: ساكن العين، وهو في سائر نسخ «الاستيعاب» : معدّ بفتحهما وتشديد الدال.
стр. 96
الباب السابع في الإمام في صلاة الفريضة
وفيه خمسة فصول
الفصل الأول في أن السلطان أحقّ بالإمامة في الصلاة إلا أن يأذن لغيره في ذلك
روى مسلم (٢: ١٨٦) رحمه الله تعالى عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: ولا يؤمّ الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه.
وروى النسائي عن أبي مسعود قال، قال رسول الله ﷺ :
لا يؤمّ الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه. قال شعبة: فقلت لإسماعيل: ما تكرمته؟ قال: فراشه. في «الإكمال» للقاضي عياض: في هذا الحديث حجة على أن الإمام من السلطان أو من جعل له الصلاة أحقّ بالتقديم حيث كان من غيره.
وقال الخطابي: هذا في الجمعات والأعياد لتعلّقها بالسلاطين، فأما في الصلوات المكتوبات فأعلمهم أولاهم.
قال القاضي أبو الفضل عياض: هذا ما لا يوافق عليه، والصلاة لصاحب السلطة حقّ من حقه، وإن حضر أفضل منه وأفقه. وقد تقدم الأمراء من عهد النبي- ﷺ فمن بعدهم على من تحت أيديهم وفيهم الأفضل، وقد ذكر شيوخنا أن الإمام على الجملة أولى بالصلاة دون تفصيل في وجه: انتهى.
стр. 97
وقال القاضي أبو بكر ابن العربي في «أحكام القرآن» (٤: ١٦٣٢) : ولاية الصلاة أصل في نفسها وفرع للإمارة، فإن النبي ﷺ كان إذا بعث أميرا كانت الصلاة إليه، ولكن لما فسدت الولاة ولم يكن فيهم من ترضى حاله للإمامة بقيت الولاية في يده بحكم الغلبة، وقدّم للصلاة من ترضى حاله، سياسة منهم للناس وإبقاء على أنفسهم، فقد كان بنو أمية حين كانوا يصلّون بأنفسهم يتحرّج أهل الفضل من الصلاة خلفهم، ويخرجون على الأبواب فتأخذهم سياط الحرس، فيصبرون عليها حتى يفرّوا عن المسجد.
قال القاضي أبو بكر (٤: ١٦٣٢) : وهذا لا يلزم بل يصلّى معهم، وفي إعادة الصلاة اختلاف بين العلماء، بيانه في كتب الفقه.
فوائد لغوية في أربع مسائل:
الأولى: الجوهري (٥: ١٨٦٥) : أممت القوم في الصلاة إمامة، وأتمّ به:
اقتدى به، والإمام: الذي يقتدى به، والجمع: أئمة. ابن القوطية (١: ٤٩) أمّ القوم إمامة: تقدّمهم، والشيء أمّا: قصده. الهروي: سمّي الإمام: لأن الناس يؤمون أفعاله أي يقصدونها ويتبعونها.
الثانية: قال الجوهري (٣: ١١٣٣) السّلطان: الوالي، وهو فعلان، والجمع سلاطين، والسلطان أيضا: الحجة والبرهان، ولا يجمع لأن مجراه مجرى المصدر.
وفي «المحكم» : السلطان: قدرة الملك، يذكر ويؤنث.
الثالثة: الصلاة من الله الرحمة. وفي «الوجيز» (٢: ٢٣) لابن عطية:
صلاة الله على العبد هي رحمته وبركته. وفي «الغريبين» : وقوله :
أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ (البقرة: ١٥٧) المراد بالصلوات الترحم، ونسق الرحمة على الصلوات لاختلاف اللفظين، والصلاة من غير الله الدعاء. وفي «المشارق» : كصلاة الملائكة على ابن آدم كقوله: ما زالت الملائكة تصلّي عليه، وفي «غريب العزيزي» : وكقوله : إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ (التوبة: ١٠٣) أي دعاؤك. وفي «المشارق» أيضا: منه الصلاة على الميت.
стр. 98
وفي «الصحاح» (٦: ٢٤٠٣) : الصلاة: الدعاء. وفي «المحكم» وصلّى: دعا، وأنشد البيت الثاني للأعشى ميمون بن جندل، وألحقت به الأول من ديوان شعره «١» ، وذلك أوضح لمعناه: [من البسيط]
تقول بنتي وقد قرّبت مرتحلا ... يا ربّ جنّب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صلّيت فاغتمضي ... نوما فإن لجنب المرء مضطجعا
الرابعة: في «الصحاح (٦: ٢٤٠٢) : الصلاة واحدة الصلوات المفروضة، وهو اسم وضع موضع المصدر، تقول: صلّيت صلاة ولا يقال: تصلية. وفي «المشارق» (٢: ٤٥) واختلف من أيّ شيء اشتقت الصلاة الشرعية: فقيل من الدعاء. وفي «التنبيهات» : وهو قول أكثر أهل العربية والفقه لما فيها من الدعاء، ثم إن الشرع أضاف إلى ما فيها من الدعاء ما شاء الله من ركوع وسجود وأفعال وأقوال (وكمل في اشتقاقها في «المشارق» ثمانية أقوال تركتها اختصارا) وفي «المقدمات» :
والمشهور أن الصلاة مأخوذة من الدعاء.
الفصل الثاني في استخلاف رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وكم صلاة صلّاها أبو بكر
روى مسلم (١: ١٢٤) رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: أمر رسول الله ﷺ أبا بكر أن يصلّي بالناس في مرضه، فكان يصلّي بهم.
وروى عن أنس بن مالك (١: ١٢٤) : أن أبا بكر كان يصلّي بهم في وجع رسول الله ﷺ الذي توفّي فيه، حتى إذا كان يوم الإثنين، وهم
стр. 99
صفوف في الصّلاة، كشف رسول الله ﷺ ستر الحجرة، فنظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسّم رسول الله ﷺ ضاحكا، قال: فبهتنا ونحن في الصلاة من فرح بخروج النبي ﷺ ، ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصّفّ، وظنّ أن رسول الله ﷺ خارج للصلاة، فأشار إليهم رسول الله ﷺ بيده: أن أتمّوا صلاتكم، قال: ثم دخل رسول الله ﷺ فأرخى السّتر، قال:
فتوفي رسول الله ﷺ من يومه ذلك.
وفي «الدر المنظوم» لأحمد بن محمد بن أحمد اللخمي ثم العزفي «١» رحمه الله تعالى: قال ابن حبيب الهاشمي: صلى أبو بكر رضي الله تعالى عنه بالناس في مرض رسول الله ﷺ سبع عشرة صلاة، قال: وكذا روى الدولابيّ.
تنبيه:
قد تقدم ذكر أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في باب الخليفة.
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: قوله: رفع ستر الحجرة: في «الغريبين» كل ما منعت منه فقد حجرت عليه، ومنه الحجرة التي يحاط عليها في الدار.
وفي «الروض الأنف» (٤: ٢٦٧) : كانت بيوت النبي ﷺ تسعة بعضها من جريد مطيّن بالطين وسقفها جريد، وبعضها من حجارة موضوعة بعضها على بعض مسقفة بالجريد أيضا، وكان لكلّ بيت حجرة، وكانت حجرته ﵇ أكسية من شعر مربوطة في خشب عرعر. انتهى.
الثانية: قوله «فبهتنا ونحن في الصلاة» : في «الأفعال» (٤/ ١: ١١٧)
стр. 100
للسّرقسطي: بهت بهتا: دهش، وهي لغة القرآن الفصيحة، قال الله :
فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ (البقرة: ٢٥٨) وفي «ديوان الأدب» (٢: ٢٢٥) : بهت- بفتح الباء وكسر الهاء- أي دهش.
الثالثة: قوله: «ونكص أبو بكر» في «المشارق» (٢: ١٣) أي رجع إلى ورائه.
الفصل الثالث في ذكر الاختلاف في من كان الإمام حين خرج رسول الله ﷺ للصلاة وهو مريض
١- ذكر ما روي في ذلك من الأحاديث
: روى البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى، والنص للبخاري، (١: ١٧٤) «١» عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أمر رسول الله ﷺ أبا بكر أن يصلي بالناس في مرضه، فكان يصلّي بهم، قال عروة: فوجد رسول الله ﷺ في نفسه خفّة، فخرج فإذا أبو بكر يؤمّ الناس، فلما رآه أبو بكر استأخر، فأشار إليه: أن كما أنت، فجلس رسول الله ﷺ حذاء أبي بكر إلى جنبه، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر.
انتهى.
قال أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي رحمه الله تعالى في «أعلام الحديث» له، ورواه أبو معاوية عن الأعمش عن الأسود عن عائشة أنها قالت:
لما ثقل رسول الله ﷺ ، الحديث.. قالت: فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر، وكان رسول الله ﷺ يصلّي بالناس جالسا، وأبو بكر قائما يقتدي به، والناس يقتدون بأبي بكر.
قال أبو سليمان: ووافق أبا معاوية حفص بن غياث وعبد الله بن داود،
стр. 101
ومحاضر بن المورع فرووه عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود، قال أبو سليمان:
وخالفه شعبة فروى عن الأعمش عن إبراهيم عن عائشة: أن النبي ﷺ صلّى خلف أبي بكر، قال: وروى شعبة أيضا عن نعيم أبي هند عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة أن النبيّ ﷺ صلّى خلف أبي بكر جالسا في مرضه الذي توفي فيه. انتهى.
وروى النسائي (٢: ٧٩) رحمه الله تعالى عن مسروق عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن أبا بكر صلّى بالناس، ورسول الله ﷺ بالصف.
انتهى.
وذكر القاضي أبو الوليد ابن رشد في «البيان والتحصيل» (١: ٢٩٨) قول النبيّ ﷺ : ما مات نبيّ حتى يصلّي وراء رجل من قومه؛ وقال: قد روى مالك هذا الحديث عن ربيعة. فصحّ به أن النبيّ ﷺ إذ خرج في مرضه الذي توفي فيه، وأبو بكر يصلي بالناس، صلّى خلفه جالسا، ولم يخرج أبو بكر من الإمامة. انتهى.
وروى الترمذي (١: ٢٢٦) رحمه الله تعالى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
صلى رسول الله ﷺ في مرضه خلف أبي بكر قاعدا في ثوبه متوشحا. انتهى.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وروى النسائي (٢: ٧٩) رحمه الله تعالى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
آخر صلاة صلّاها رسول الله ﷺ مع القوم، صلّى في ثوب واحد متوشحا خلف أبي بكر. انتهى.
٢- ذكر ما نقل في ذلك عن العلماء
: ذهب الخطابي رحمه الله تعالى في «الأعلام» إلى ترجيح حديث عروة بن الزبير: أن الإمام في تلك الصلاة رسول الله ﷺ ، فإن عروة بن الزبير يسمع ما يسمع من عائشة بلا حجاب
стр. 102
لأنها خالته، فأما الأسود ومسروق وغيرهما فيسمعان من وراء حجاب، وباتفاق أبي معاوية وحفص بن غياث وعبد الله بن داود، ومحاضر بن المورع على رواية حديث الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة: أن الإمام في تلك الصلاة رسول الله ﷺ ، ومخالفتهم شعبة في روايته عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة: أن الإمام في تلك الصلاة أبو بكر. انتهى.
وقال القاضي عز الدين ابن جماعة في «مختصر السير» له: وصلّى النبي ﷺ وراء أبي بكر في الصفّ صلاة تامة؛ قال «١» ابن حزم «٢» .
وصلّى أبو بكر بالناس تلك الأيام بعهد رسول الله ﷺ إليه في ذلك، وخرج ﷺ في بعض تلك الأيام وهو متكىء «٣» على عليّ والعباس، وقد أخذ أبو بكر في الصلاة بالناس، فقعد- ﷺ عن يسار أبي بكر، وأبو بكر في موضع الإمام، وصار أبو بكر واقفا عن يمينه- ﷺ في موضع المأموم، يسمع الناس تكبير رسول الله ﷺ فصلّى النبيّ ﷺ بالناس يؤمهم قاعدا وهم خلفه قيام «٤» ، وهي آخر صلاة صلّاها رسول الله ﷺ بالناس. انتهى.
وقال القاضي أبو الوليد ابن رشد رحمه الله تعالى في «البيان والتحصيل» : (١: ٢٩٩) قد تعارضت الآثار في ذلك، فجاء في بعضها ما دلّ على أن النبيّ ﷺ لما خرج في مرضه، وأبو بكر يصلّي بالناس، تأخّر أبو بكر عن الإمامة وتقدّم رسول الله ﷺ فصلّى بالناس بقية صلاتهم وهو جالس والقوم خلفه قياما، وجاء في بعضها ما دلّ على أن أبا بكر لم يتأخّر عن الإمامة، وأن رسول الله
стр. 103
صلى الله عليه وسلم إنما صلّى مؤتمّا بأبي بكر، فمن الناس من صحّح ما دلّ منها على أن النبي ﷺ كان الإمام، [ورأى ذلك شرعا لأمته ثم لم ينسخه عنهم ولا اختص به دونهم] فأجاز إمامة المريض جالسا بالأصحّاء قياما، وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك، ومنهم من صحّحها، ولم يجز لأحد بعده إذا كان مريضا أن يؤمّ الأصحّاء قياما، وهو المشهور من قول مالك وأصحابه، ومنهم من ذهب إلى أن ذلك كان منه- ﷺ في صلاتين: فكان في الصلاة الأولى هو الإمام، وأتمّ في الثانية بأبي بكر، فكان فعله في الصلاة الثانية ناسخا لفعله في الصلاة الأولى، والتأويلان قائمان لمالك من رواية ابن القاسم عنه، وعلى هذا التأويل تتخلّص الآثار من التعارض، وهو أولى بالصواب، وبالله التوفيق.
الفصل الرابع في ذكر أول من اتخذ المنبر
روى البخاري (٣: ٨٠) عن جابر بن عبد الله أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه فإن لي غلاما نجارا؟ قال: إن شئت، قالت «١» : فعملت له المنبر، فلما كان يوم الجمعة قعد النبي ﷺ على المنبر الذي صنع، فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشقّ فنزل النبيّ ﷺ حتى أخذها فضمّها إليه، فجعلت تئنّ أنين الصبيّ الذي يسكّت حتى استقرّت، قال: بكت على ما كانت تسمع من الذكر.
قال ابن بشكوال في كتاب «تفسير ما استعجم من غوامض الأسماء» «٢» : اسم هذا الغلام النجار مينا. قال: ويقال إن الذي صنع المنبر للنبي صلّى الله عليه
стр. 104
وسلم باقوم «١» مولى العاص بن أمية، صنعه من طرفاء ثلاث درجات، فلما قدم معاوية المدينة زاد فيه، فكسفت الشمس يومئذ. قال: وقيل صنعه ميمون النجار.
قال: وقيل صنعه صباح غلام العباس بن عبد المطلب.
وذكر ابن فتحون قبيصة المخزوميّ في كتابه وقال: هو الذي عمل غلامه منبر رسول الله ﷺ .
وفي «المقدمات» لابن رشد: وفي سنة سبع اتخذ النبي ﷺ المنبر، ويقال في سنة ثمان؛ عمله له غلام لسعد بن عبادة، وقيل غلام لامرأة من الأنصار، وقيل غلام للعباس بن عبد المطلب. قال ابن رشد: فلعلهم اجتمعوا كلهم على عمله. انتهى.
وقال ابن جماعة في «مختصر السير» : عمل المنبر في سنة ثمان، وكان درجتين ومجلسا. انتهى.
فائدة لغوية:
من «مختصر الزاهر» »
قال ثعلب: سمّي المنبر لعلوه وارتفاعه، أخذ من النبر، وهو ارتفاع الصوت، يقال: نبر الرجل نبرة: إذا تكلم كلمة فيها علو. انتهى.
الفصل الخامس في ذكر أول من اتخذ المقصورة
أول من اتخذ المقصورة: معاوية بن أبي سفيان، قال ابن قتيبة في «المعارف» (٥٥٣) : لأنه أبصر على منبره كلبا.
وقال المبرد في «الكامل» (٣: ١٩٦، ٢٠١- ٢٠٢) : نظرت الخوارج في أمرها فقالوا: إن عليّا ومعاوية قد أفسدا أمر هذه الأمة، فلو قتلناهما لعاد الأمر إلى حقّه،
стр. 105
فقال رجل من أشجع: والله ما عمرو دونهما وإنه لأصل هذا الفساد. فقال عبد الرّحمن بن ملجم: أنا أقتل عليا، وقال الحجاج بن عبد الله الصريمي، وهو البرك: أنا أقتل معاوية، وقال زاذويه مولى بني العنبر بن تميم: أنا أقتل عمرا.
فأجمع رأيهم على أن يكون قتلهم في ليلة واحدة، فجعلوا ذلك ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان، فخرج كلّ واحد منهم إلى ناحيته، فأما ابن ملجم فقتل عليا بالمسجد وهو خارج لصلاة الصبح، وأما الحجاج بن عبد الله الصريمي فإنه ضرب معاوية مصلّيا فأصاب مأكمتيه، وكان معاوية عظيم الأوراك، فقطع منه عرقا يقال له عرق النكاح، فلم يولد لمعاوية بعد ذلك، فلما أخذ قال: الأمان والبشارة قتل عليّ في هذه الصبيحة، فاستؤني به حتى جاء الخبر، فقطع معاوية يده ورجله، فأقام بالبصرة، ثم بلغ زيادا أنه قد ولد له فقال: أيولد له وأمير المؤمنين لا يولد له؟
فقتله. ويروى أن معاوية قطع يديه ورجليه وأمر باتخاذ المقصورة، فقيل لابن عباس بعد ذلك: ما تأويل المقصورة؟ فقال: يخافون أن يبهضهم الناس. وأما زاذويه فإنه أرصد لعمرو، واشتكى عمرو بطنه فلم يخرج للصلاة، فخرج خارجة وهو رجل من بني سهم بن عمرو بن هصيص، رهط عمرو بن العاص، فضربه زاذويه فقتله، فلما دخل به على عمرو فرآهم يخاطبونه بالإمرة قال: أنا قتلت عمرا، قيل إنما قتلت خارجة، قال: أردت عمرا وأراد الله خارجة. (وهذا السبب في اتخاذ معاوية المقصورة أصحّ مما قاله ابن قتيبة وأنسب، ونقلته مختصرا) .
فائدة لغوية:
في «الصحاح: (٥: ١٨٦٣) المأكمة: العجيزة والجمع: الماكم، وفي «الديوان» : بفتح الميم والكاف.
تنبيه:
ليس خارجة من بني سهم بن عمرو بن هصيص «١» كما ذكر المبرد، وإنما
стр. 106
هو من بني عديّ بن كعب، رهط عمر بن الخطاب، وفيهم ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام في «جماهر «١» الأنساب» (٩) له فقال: خارجة بن حذافة بن غانم «٢» قاضي عمرو بن العاص بمصر الذي قتله الخارجي وهو يظن أنه عمرو بن العاص، وقال ابن حزم في «جماهر «٣» الأنساب» (١٥٦) له أيضا: هو خارجة بن حذافة بن غانم «٤» بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب الذي قتله الحروريّ بمصر وهو يظنه عمرو بن العاص، فلما عرف من قتل قال: أردت عمرا وأراد الله خارجة، فأرسلها مثلا. انتهى.
стр. 107
الباب الثامن في الإمام في صلاة القيام في رمضان
وفيه ثلاثه فصول
الفصل الأول كيف كان الناس يصلونها في عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر
رضي الله تعالى عنه في «الموطأ» (٨٤) عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ صلّى في المسجد ذات ليلة، فصلّى بصلاته ناس، ثم صلّى في القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا في الليلة الثالثة والرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم. وذلك في رمضان. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان يرغّب في قيام رمضان من غير أن يأمر بعزيمة فيقول: من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه. قال ابن شهاب: فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدر من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما.
стр. 108
الفصل الثاني في جمع عمر رضي الله تعالى عنه الناس في قيام رمضان «١» على إمام
في «الموطأ» (٨٥) عن عبد الرّحمن بن عبد القاري «٢» أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في رمضان «٥» إلى المسجد، فإذا النّاس أوزاع متفرّقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلّي الرجل ويصلي «٣» بصلاته الرّهط.
فقال عمر: والله إني لأراني لو جمعت هؤلاء على قارىء واحد لكان أمثل، فجمعهم على أبيّ بن كعب رضي الله تعالى عنه. قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلّون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يعني آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله.
فائدة لغوية:
في «المشارق» (١: ٨١) قوله: نعمت البدعة هذه: كلّ ما أحدث بعد النبي ﷺ فهو بدعة، والبدعة: فعل ما لم يسبق إليه، فما وافق أصلا من السنة يقاس عليه فهو محمود، وما خالف أصول السنن فهو ضلالة.
الفصل الثالث في ذكر أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه
في «الاستيعاب» (٦٥) أبي بن كعب بن قيس بن عبيد [بن زيد] «٤» بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجّار الأنصاري المعاوي، يكنى أبا الطفيل
стр. 109
وأبا المنذر. وعن أبي موسى قال: جاء أبي بن كعب إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما فقال له: يا ابن الخطاب، فقال له عمر: يا أبا الطّفيل، في حديث ذكره. وعن أبي قال، قال لي رسول الله ﷺ : أي آية معك في كتاب الله أعظم؟ فقلت: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (البقرة: ٢٥٥) قال:
فضرب صدري، وقال: ليهنك العلم يا أبا المنذر.
قال أبو عمر: شهد أبي بن كعب العقبة الثانية، وبايع رسول الله ﷺ فيها، ثم شهد بدرا، وكان أحد فقهاء الصحابة وأقرأهم لكتاب الله.
وروي عن رسول الله ﷺ أنّه قال: أقرأ أمّتي أبيّ. وعن أنس أن النبيّ ﷺ دعا أبيّا فقال: إن الله أمرني أن أقرأ عليك؟ قال:
الله سماني لك؟ قال: نعم، فجعل أبي يبكي.
قال أبو عمر: وكان أبي بن كعب ممن كتب لرسول الله ﷺ الوحي قبل زيد بن ثابت ومعه أيضا. وعن الواقدي قال: أول من كتب لرسول الله ﷺ مقدمه المدينة أبي بن كعب، وهو أول من كتب في آخر الكتاب: «وكتب فلان» .
ومات رضي الله تعالى عنه في خلافة عمر بن الخطاب، فقيل سنة تسع عشرة، وقيل سنة عشرين، وقيل سنة اثنتين وعشرين، وقيل إنه مات في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين، والأكثر أنه مات في خلافة عمر.
فائدة لغوية:
في «المحكم» الهنيء (٤: ٢٦) : ما أتاك بلا مشقّة، وقد هنىء وهنؤ هناءة، وهنأني الطعام وهنأ لي يهنئني ويهنؤني وهنأتنيه العافية.
فأما ما أنشده سيبويه:
فارعي فزارة لا هناك المرتع «١»
стр. 110
فعلى البدل للضرورة، وليس على التخفيف. وفي «المشارق (٢: ٢٧١) :
قوله: فهناني، وجاءني الناس يهنوني، ولتهنك توبة الله: يهمز ويسهل قلت: وعليه جاء: ليهنك العلم، مسهّلا. وقوله: في قصة أم معبد:
ليهن بني كعب مقام فتاتهم «١» مسهّلا ولا ضرورة فيه، كذلك ضبطها أبو علي الغساني بخطه في «الاستيعاب» .