← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9790

تخريج الدلالات السمعية

علي بن محمد الخزاعي

Полный текст (893 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقال الله: قد يسّرت جندا ... هم الأنصار عرضتها اللقاء لنا في كلّ يوم من معدّ ... سباب أو قتال أو هجاء أمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء قلت: هكذا ثبت في «صحيح مسلم» رحمه الله تعالى: ثكلت بنيتي، وغايتها كداء، ويبارين الأعنّة مصعدات. ورواه ابن إسحاق في «السير» «١» : عدمنا خيلنا، وموعدها كداء، وينازعن الأعنّة مصعدات، وهو أشعر. وزاد ابن إسحاق في هذه القصيدة في «السير» : أتهجوه ولست له بكفء ... فشرّكما لخيركما الفداء وقال الحاتمي في «حلية المحاضرة» (١: ٣٣٠) : أنشد حسان النبيّ ﷺ : عفت ذات الأصابع فالجواء فلما انتهى إلى قوله: هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء قال له النبي ﷺ : جزاؤك على الله جل اسمه الجنة يا حسان؛ فلما انتهى إلى قوله: فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء قال له النبي ﷺ : وقاك الله حر النار. فلما انتهى إلى قوله: أتهجوه ولست له بكفء ... فشرّكما لخيركما الفداء قال من حضر: هذا أنصف بيت قالته العرب.

стр. 212

فائدتان لغويتان: الأولى: في «الديوان» (٤: ١٥١، ٣: ٣٠) الكفء بضم الفاء وسكونها، والنّد بكسر النون لا غير، وكلها بمعنى المثل، يقال: لا ندّ له أي لا مثل له. الثانية: الجوهري (٦: ٢٤٥٣) : الفداء إذا كسر أوله يمدّ ويقصر، وإذا فتح فهو مقصور، قال ابن القوطية: والمدّ أفصح إذا كسر. وروى البخاري (٨: ٤٥) عن البراء قال: قال النبي ﷺ لحسان: اهجهم، أو قال هاجهم وجبريل معك. فائدتان لغويتان: الأولى: في «الصحاح» (٢: ٦٩٩) شعرت بالشيء بالفتح أشعر شعرا أي فطنت له، ومنه قولهم: ليت شعري، أي ليتني علمت. والشعر واحد الأشعار، والشاعر جمعه الشعراء على غير قياس. وقال الأخفش: الشاعر مثل لابن وتامر أي صاحب شعر، وسمي شاعرا لفطنته وما كان شاعرا. ولقد شعر بالضم فهو يشعر، والمتشاعر: الذي يتعاطى الشعر، وشاعرته فشعرته أشعره بالفتح أي غلبته بالشعر. الثانية: في «معجم البكري» (١١١٧) : كداء- بفتح أوله ممدود لا يصرف لأنه مؤنث- جبل بمكة، وكذا هذا الجبل هو عرفة بعينها؛ قال حسان يوعد قريشا: عدمنا خيلنا إن لم تروها ... تثير النقع موعدها كداء الفصل الثاني في ذكر أنسابهم وأخبارهم ، رضي الله تعالى عنهم ١- حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه : في «الاستيعاب (٣٤١) : حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عديّ بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الشاعر. يكنى أبا الوليد، وقيل أبا عبد الرّحمن، وقيل أبا الحسام، وأمه الفريعة بنت خالد الأنصارية. كان يقال له شاعر رسول الله ﷺ . وروينا عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها وصفت رسول الله

стр. 213

صلى الله عليه وسلم: كان والله كما قال فيه شاعره حسان بن ثابت «١» : [من الطويل] متى يبد في الداجي البهيم جبينه ... يلح مثل مصباح الدجى المتوقد فمن كان أو من قد يكون كأحمد ... نظام لحقّ أو نكال لملحد قال أبو عمر (٣٤٢) رحمه الله تعالى: وقال حسان حين قال رسول الله ﷺ : ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله ﷺ بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم؟ فقال حسان: أنا لها، وأخذ بطرف لسانه وقال: والله ما يسرّني به مقول بين بصرى وصنعاء. قال رسول الله ﷺ : كيف تهجوهم وأنا منهم؟ وكيف تهجو أبا سفيان وهو ابن عمّي؟ فقال: والله لأسلنّك منهم كما تسلّ الشعرة من العجين، فقال: إيت أبا بكر فإنه أعلم بأنساب القوم منك، فكان يمضي إلى أبي بكر ليقفه على أنسابهم، فكان يقول له: كفّ عن فلان وفلانة واذكر فلانة وفلانة، فجعل حسان يهجوهم، فلما سمعت قريش شعر حسان قالوا: إن هذا الشعر ما غاب عنه ابن أبي قحافة، أو من شعر ابن أبي قحافة. فمن شعر حسان في أبي سفيان بن الحارث «٢» : [من الطويل] إن سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت مخزوم ووالدك العبد ومن ولدت أبناء زهرة منهم ... كرام ولم يقرب عجائزك المجد ولست كعباس ولا كابن أمه ... ولكن لئيم ليس يوري له زند وإن امرءا كانت سمية أمه ... وسمراء مغمور إذا بلغ الجهد وأنت هجين نيط في آل هاشم ... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد فلما بلغ هذا أبا سفيان قال: هذا كلام لم يغب عنه ابن أبي قحافة. وروى مسلم (٢: ٢٦٠) عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت، قال حسان: يا رسول الله إيذن لي في أبي سفيان، قال: كيف بقرابتي منه؟ قال: والذي أكرمك لأسلنّك منهم كما تسلّ الشعرة من العجين، فقال حسان:

стр. 214

وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت مخزوم ووالدك العبد قصيدته هذه. قال أبو عمر (٣٤٣) : يعني بقوله «بنت مخزوم» فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، فيما ذكر أهل النسب، وهي أمّ أبي طالب وعبد الله والزبير بني عبد المطلب وقوله «ومن ولدت أبناء زهرة منهم» يعني حمزة وصفيّة: أمهما هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة؛ والعباس وابن أمه شقيقه ضرار بن عبد المطلب، أمهما نثيلة امرأة من النمر بن قاسط. وسمية أم أبي سفيان، وسمراء أم أبيه. قال (٣٤٩) : ومن جيد شعر حسان ما ارتجله بين يدي النبيّ ﷺ في حين قدوم بني تميم إذ أتوه بخطيبهم وشاعرهم ونادوه من وراء الحجرات: أن اخرج إلينا يا محمد فأنزل الله فيهم: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (الحجرات: ٤- ٥) وكانت حجراته ﷺ تسعا كلها شعر معلقة من خشب العرعر. فخرج رسول الله ﷺ إليهم وخطب خطيبهم مفتخرا، فلما سكت أمر رسول الله ﷺ ثابت بن قيس بن شماس أن يخطب بمعنى ما خطب به خطيبهم، فخطب ثابت بن قيس فأحسن، ثم قام شاعرهم وهو الزبرقان بن بدر فقال «١» : [من البسيط] نحن الملوك فلا حيّ يقاربنا ... فينا العلاء وفينا تنصب البيع ونحن نطعم عند القحط مطعمنا ... من الشواء إذا لم يؤنس القزع وتنحر الكوم عبطا في أرومتها ... للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا تلك المكارم حزناها مقارعة ... إذا الكرام على أمثالها اقترعوا (٣٥٠) ثم جلس. فقال رسول الله ﷺ لحسان: قم، فقام وقال «٢» :

стр. 215

إنّ الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بيّنوا سنّة للناس تتبع يرضى بها كلّ من كانت سريرته ... تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا قوم إذا حاربوا ضرّوا عدوّهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك فيهم غير محدثة ... إن الخلائق- فاعلم- شرّها البدع إن كان في الناس سبّاقون بعدهم ... فكلّ سبق لأدنى سبقهم تبع لا يرقع الناس ما أوهت أكفّهم ... عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا ولا يضنّون عن جار بفضلهم ... ولا يمسهم في مطمع طبع أعفّة ذكرت في الوحي عفّتهم ... لا يبخلون ولا يرديهم طمع خذ منهم ما أتوا عفوا إذا غضبوا ... ولا يكن همّك الأمر الذي منعوا فإن في حربهم- فاترك عداوتهم- ... شرّا يخاض إليه الصّاب والسّلع أكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... إذا تفرقت الأهواء والشّيع فقال التميميون عند ذلك: وربكم إن خطيب القوم أخطب من خطيبنا، وإن شاعرهم أشعر من شاعرنا، وما أنصفنا وما قاربنا. قال ابن إسحاق في «السير» (٢: ٥٦٧) فلما فرغ القوم أسلموا وجوزهم رسول الله ﷺ فأحسن جوائزهم. قال أبو عمر (٣٥١) : وتوفي حسان بن ثابت رحمه الله تعالى قبل الأربعين في خلافة علي رضي الله تعالى عنه، وقيل بل مات سنة خمسين، وقيل بل سنة أربع وخمسين، ولم يختلفوا أنه عاش مائة وعشرين سنة، منها ستون في الجاهلية وستون في الإسلام. فائدتان لغويتان: الأولى: قوله: كما نيط خلف الراكب القدح الفرد: في «الغريبين» في الحديث لا تجعلوني كقدح الراكب أراد لا تؤخّروني في الذّكر، والراكب يعلّق قدحه في آخرة رحله عند فراغه ويجعله خلفه. قال حسان: كما نيط خلف الراكب القدح الفرد.

стр. 216

الثانية: في «الصحاح» (٣: ١٢٥٣) الطّبع بالتحريك: الدّنس، تقول فيه: طبع الرجل بالكسر. ٢- عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه: من «الاستيعاب» (٨٩٨) : عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرىء القيس بن عمرو بن امرىء القيس الأكبر بن مالك الأغرّ بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، أحد النقباء، شهد العقبة وبدرا وأحدا والحديبية وعمرة القضاء، والمشاهد كلّها إلا الفتح وما بعدها لأنه قتل يوم مؤته شهيدا، وهو أحد الأمراء في غزاة مؤتة، وأحد الشعراء المحسنين الذين كانوا يردّون الأذى عن رسول الله ﷺ . روى البخاري (٨: ٤٤) رحمه الله تعالى عن الهيثم بن أبي سنان أنه سمع أبا هريرة رضي الله تعالى عنه في قصصه يذكر النبيّ ﷺ يقول: إن أخاكم لا يقول الرّفث، يعني بذلك ابن رواحة؛ قال «١» : [من الطويل] وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشقّ معروف من الفجر ساطع أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أنّ ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالكافرين المضاجع قال أبو عمر (٩٠٠) : روى هشام بن عروة عن أبيه قال سمعت أبي يقول: ما سمعت أحدا أجرى ولا أسرع شعرا من عبد الله بن رواحة، سمعت رسول الله ﷺ يقول له يوما: قل شعرا تقتضيه الساعة فأنا أنظر إليك، فانبعث مكانه يقول «٢» : [من البسيط] إنني تفرّست فيك الخير أعرفه ... والله يعلم أن ما خانني البصر

стр. 217

أنت النبيّ ومن يحرم شفاعته ... يوم الحساب فقد أودى به القدر فثبّت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا فقال رسول الله ﷺ : وأنت فثبتك الله يا ابن رواحة. وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره في اليوم الحارّ الشديد الحرّ، حتى أن الرجل ليضع يده من شدّة الحرّ على رأسه، وما في القوم صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة. وفي «السير» (٢: ٣٥٤) قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر قال: كان رسول الله ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة إلى أهل خيبر خارصا بين المسلمين ويهود فيخرص عليهم، فإذا قالوا: تعدّيت علينا، قال: إن شئتم فلكم وإن شئتم فلنا، فتقول يهود: بهذا قامت السماوات والأرض. قال ابن إسحاق (٢: ٣٥٤) : وإنما خرص عليهم عبد الله بن رواحة عاما واحدا ثم أصيب بمؤتة يرحمه الله، فكان جبّار بن صخر بن أمية بن خنساء أخو بني سلمة هو الذي يخرص عليهم بعد عبد الله بن رواحة. قال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٩٠٠) : قصة عبد الله بن رواحة مع زوجته حين وقع على أمته مشهورة، رويناها من وجوه صحاح وذاك أنه مشى ليلا إلى أمة له فنالها وفطنت له امرأته فلامته فجحدها، وكانت قد رأت جماعه لها، فقالت له: إن كنت صادقا فاقرأ القرآن، فقال «١» : [من الوافر] شهدت بأن وعد الله حقّ ... وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش ربّ العالمينا فقالت امرأته: صدق الله وكذبت عيني، وكانت لا تحفظ القرآن ولا تقرأه.

стр. 218

فائدة لغوية: في «الصحاح» (١: ٢٠٣) : اقتضاب الكلام: ارتجاله، تقول هذا شعر مقتضب، وكتاب مقتضب. ٣- كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه: في «السير» (٢: ٥١٩) : كعب بن مالك بن أبي كعب بن القين أخو بني سلمة. وفي «الجماهر» (٣٦٠) لابن حزم: اسم أبي كعب عمرو بن القين بن سواد بن عديّ بن غنم بن كعب بن سلمة. وأنشد ابن إسحاق (٢: ١٣٢، ١٣٣، ١٣٦) في أشعار يوم أحد «١» : [من الطويل] ألا هل أتى غسّان عنا ودونهم ... من الأرض خرق سيره متتعتع مجالدنا عن ديننا كل فخمة ... مذرّبة فيها القوانس تلمع قال وكان كعب قال: «مجالدنا عن جذمنا كلّ فخمة» فقال رسول الله ﷺ : أيصلح أن تقول: مجالدنا عن ديننا؟ فقال كعب: نعم، فقال رسول الله ﷺ : فهو أحسن، فقال كعب: مجالدنا عن ديننا على ما قال النبي ﷺ . وقال ابن هشام (٢: ٢٦١) لما قال كعب بن مالك «٢» : [من الكامل] جاءت سخينة كي تغالب ربّها ... وليغلبنّ مغالب الغلّاب فقال رسول الله ﷺ : لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا. وفي «الاستيعاب» (١٣٢٣) يكنى أبا عبد الله، وقيل أبا عبد الرّحمن. كان قد غلب عليه في الجاهلية أمر الشعر وعرف به، ثم أسلم، وكان أحد شعراء النبيّ ﷺ الذين كانوا يردّون الأذى عنه. (١٣٢٥) وعن الزهري أن كعب بن مالك قال: يا رسول الله ماذا ترى في الشعر؟ فقال رسول الله ﷺ : إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه.

стр. 219

(١٣٢٤) شهد رضي الله تعالى عنه العقبة الثانية، ولم يشهد بدرا، وشهد أحدا والمشاهد كلّها حاشا تبوك فإنه تخلف عنها، وقد قيل إنه شهد بدرا، فالله تعالى أعلم. وهو أحد الثلاثة الأنصار الذين تخلّفوا عن غزوة تبوك، وهم: كعب بن مالك الشاعر هذا، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، فتاب الله تعالى عليهم وعذرهم وغفر لهم ونزل القرآن المتلوّ، قال الله : وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ (التوبة: ١١٨) . وكان كعب بن مالك يوم أحد لبس لأمة النبيّ ﷺ ، وكانت صفراء، ولبس النبيّ ﷺ لأمته فجرح كعب بن مالك أحد عشر جرحا. وعن ابن سيرين قال: بلغني أن دوسا إنما أسلمت فرقا من قول كعب بن مالك «١» : [من الوافر] قضينا من تهامة كلّ وتر ... وخيبر ثم أجمعنا السّيوفا نخبّرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهنّ دوسا أو ثقيفا فقالت دوس: انطلقوا فخذوا لأنفسكم لا ينزل بكم ما نزل بثقيف. وتوفي كعب بن مالك في خلافة معاوية سنة خمسين، وقيل سنة ثلاث وخمسين، وهو ابن سبع وسبعين سنة، يعد في المدنيين. انتهى. الفصل الثالث في استعمال خليفة رسول الله ﷺ أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حسان بن ثابت في مجاوبة من خاطبه بالشعر من «الذيل» لابن فتحون «٢» : صهبان بن شمر بن عمرو الحنفي سيّد أهل قرّان، كان ممن ثبت على إسلامه في الردة، وكان عينا للمسلمين فيهم، وغيظا

стр. 220

لمسيلمة، ولا يجدون إليه سبيلا لشرفه وطاعة قومه له. ولما ظهر من أمر الردة ما ظهر كتب إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: أما بعد فإنما أهل اليمامة خرجوا من ذمّة الله ورسوله، ومن يخرج منها يخذل، وإني لست فيهم بذي براءة فأعتذر ولا لي فيهم قوة فأنتصر، ولكني لا أزال أقوم فيهم مقاما يطول لي فيه اللسان، وتقصر عني فيه اليد، أفكّ به العاني وأردّ به المرتاب، والناس فينا ثلاثة أصناف: كافر مفتون، ومؤمن مقهور «١» ، وشاكّ مغتوم، ولم ينف البلاء عنهم إلا بلوغ الكتاب، ولكلّ أجل كتاب، وبعث معه شعرا: [من البسيط] أغوى حنيفة شرّ الناس كلّهم ... دخلا وأكذب من يحفى وينتعل [إني بريء إلى الصديق معتذر ... مما مسيلمة الكذاب ينتحل] إني إليكم بريء من جريمته ... تجري بذلك مني الكتب والرسل إني وناسا قليلا من عشيرته ... عمي العيون وفي أسماعنا ثقل عمّا يزخرفه لسنا نوادعه ... فيما يجيء به ما حنّت الإبل لا أقلع الدهر جهدي عن مساءتهم ... بالمخزيات وإن خفوا «٢» وإن جهلوا ففرح أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بكتابه والمسلمون ورووا شعره، وراجعه يشكر له ذلك، ويعده بالنصر، وأمر حسّانا فراجعه بشعر يتوعّد فيه أهل الردة، ويشكر له ثباته أوله: [من الوافر] أتانا ما يقول أخو سحيم ... فعزّت بالذي قال العيون وآخره: فنعم المرء صهبان بن شمر ... له في قومه حسب ودين» فوائد لغوية في ثلاث مسائل: الأولى: قوله: شاكّ مغتوم: في «الصحاح» (٥: ١٩٩٥) الغتمة: العجمة،

стр. 221

والأغتم الذي لا يفصح شيئا، والجمع غتم، ورجل غتميّ بالغين المعجمة والتاء المثناة. الثانية: صهبان- بالصاد المهملة المضمومة- في «الاشتقاق» لابن سيّد: صهبان جمع أصهب، والألف والنون زائدة، كما تقول: أحمر وحمران. الثالثة: في «الديوان» (١: ١٨٢) شمر بكسر الشين وسكون الميم من أسماء الرجال. وفي «الاشتقاق» لابن سيد: هو من التشمير في الأمر والجدّ فيه، أو من تشمير الثوب.

стр. 222

الباب التاسع في ذكر الخطيب في غير الصلوات وفيه فصلان الفصل الأول في ذكر من كان خطيب رسول الله ﷺ من «الجماهر» (٣٦٤) لابن حزم: ثابت بن قيس بن الشماس «١» خطيب رسول الله ﷺ ، وهو ممن شهد له بالجنة. ومن «الاستيعاب» (٢٠٠) : كان ثابت بن قيس خطيب الأنصار، ويقال له: خطيب رسول الله ﷺ ، كما يقال لحسان بن ثابت شاعر رسول الله ﷺ . فائدة لغوية: في «الصحاح» (١: ١٢١) خطبت على المنبر خطبة بالضم، وخطبت المرأة خطبة بالكسر، واختطبت أيضا فيهما، والخطيب: الخاطب، وخطب بالضم خطابة صار خطيبا. وفي «المحكم» : خطب الخاطب على المنبر يخطب خطابة، واسم الكلام: الخطبة، وخطب المرأة يخطبها خطبا وخطبة. وقال ثعلب: خطب على القوم فجعلها مصدرا، ولا أدري كيف ذلك إلا أن يكون وضع الاسم موضع المصدر.

стр. 223

وذهب أبو إسحاق: إلى أن الخطبة عند العرب: الكلام المنثور المسجّع ونحوه. الفصل الثاني في ذكر نسبه وأخباره قال أبو عمر في «الاستيعاب» (٢٠٠) : ثابت بن قيس بن شماس بن مالك بن امرىء القيس بن مالك الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج. وقال ابن حزم في «الجماهر» (٣٦٤) : ثابت بن قيس بن الشماس بن أبي زهير بن مالك بن ثعلبة القيسي فزاد أبا زهير. قال أبو عمر: يكنى أبا محمد وقيل أبا عبد الرّحمن، شهد أحدا وما بعدها من المشاهد، وقتل يوم اليمامة شهيدا في خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه. وروى النسائي «١» عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: لما نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (الحجرات: ٢) قال ثابت بن قيس: أنا الذي كنت أرفع صوتي عند رسول الله ﷺ ، وإني أخشى أن يكون الله غضب عليّ، فحزن واصفرّ، ففقده النبيّ ﷺ فسأل عنه، فقيل: يا نبيّ الله إنه يقول: إني أخشى أن أكون من أهل النار، وإني كنت أرفع صوتي عند النبي ﷺ . قال نبي الله ﷺ : هو من أهل الجنة، قال: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجلا «٢» من أهل الجنة. ومن «السير» (٢: ٥٥٩) لابن إسحاق: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة، وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كلّ وجه.

стр. 224

قال ابن هشام (٢: ٥٦٠) : حدثني أبو عبيدة: أن ذلك في سنة تسع، وأنها كانت تسمّى سنة الوفود. قال ابن إسحاق (٢: ٥٦٠، ٥٦١- ٥٦٢) : فقدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميميّ في أشراف من بني تميم، فيهم الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم وغيرهم، في وفد عظيم من بني تميم، فلما دخلوا المسجد نادوا رسول الله ﷺ من وراء حجراته: أن اخرج إلينا يا محمد، فآذى ذلك رسول الله ﷺ من صياحهم، فخرج إليهم، فقالوا: جئناك يا محمد لنفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا، قال: قد أذنت لخطيبكم فليقل. فقام عطارد بن حاجب فقال: الحمد لله الذي له علينا الفضل والمنّ وهو أهله الذي جعلنا ملوكا، ووهب لنا أموالا عظاما، نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعزّ أهل المشرق، وأكثره عددا، وأيسره عدّة، فمن مثلنا في الناس؟ ألسنا برؤوس الناس وأولي فضلهم؟ فمن فاخرنا فليعدّ مثل ما عددنا وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام، ولكنا نحيا من الإكثار فيما أعطانا وإنا نعرف بذلك. أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا، أو أمر أفضل من أمرنا، ثم جلس. فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس بن الشماس أخي بني الحارث بن الخزرج: قم فأجب الرجل في خطبته. فقام ثابت بن قيس فقال: الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه، قضى فيهنّ أمره، وسع كرسيّه علمه، ولم يك شيء قطّ إلا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا، واصطفى من خير خلقه رسولا، أكرمه نسبا، وأصدقه حديثا، وأفضله حسبا، فأنزل عليه كتابه وائتمنه على خلقه، فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان به، فآمن برسول الله ﷺ المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرم الناس أحسابا، وأحسن الناس وجوها، وخير الناس فعالا، ثم كان أوّل الخلق إجابة، واستجاب لله حين دعاه رسول الله ﷺ نحن، فنحن الأنصار أنصار الله ووزراء رسول الله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدا، وكان قتله علينا يسيرا. أقول هذا وأستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 225

وساق بقية الحديث من قيام الزبرقان بن بدر وإنشاده ومجاوبة حسان له بنحو ما تقدم في أخبار حسان في باب الشاعر. وقال أبو عمر رحمه الله تعالى في «الاستيعاب» (٢٠٢) : كان على ثابت بن قيس لما قتل يوم اليمامة شهيدا رحمه الله تعالى ورضي عنه، درع نفيسة، فمرّ به رجل من المسلمين فأخذها، فبينا رجل من المسلمين نائم إذا أتاه ثابت فقال له: إني أوصيك بوصية فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه، إني لما قتلت أمس مرّ بي رجل من المسلمين فأخذ درعي، ومنزله في أقصى الناس، وعند خبائه فرس يستنّ في طوله، وقد كفأ على الدرع برمة، وفوق البرمة رحل، فأت خالدا فمره أن يبعث إلى درعي فيأخذها وإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله ﷺ ، يعني أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فقل له: إنّ عليّ من الدّين كذا وكذا، وفلان من رقيقي عتيق وفلان. فأتى الرجل خالدا فأخبره، فبعث إلى الدرع فأتى بها، وحدّث أبا بكر برؤياه، فأجاز وصيّته وقال: ولا نعلم أحدا أجيزت وصيته بعد موته غير ثابت بن قيس، رحمه الله تعالى. انتهى. فوائد لغوية: الأولى: في «المحكم» (١: ٢٩١) عدس، وعدس ففي تميم بضمّ الدال، وفي سائر العرب: بفتحها. وفي «الصحاح» (٢: ٩٤٤) عدس مثل: قثم اسم رجل وهو زرارة بن عدس. الثانية: في «الصحاح» (٦: ٢٣٢٣) قال أبو زيد: حييت منه أحيا استحييت، ويقال: استحيت بياء واحدة وأصله استحييت، ويقال: استحياه واستحيا منه، بمعنى من الحياء. الثالثة: في «الصحاح» (١: ٦٨) كفأت الإناء: كببته، وأكفأته: أملته، والإكفاء في الشعر: أن يخالف بين قوافيه بعضها ميم وبعضها نون. وقال الفراء: هو أن يخالف بين حركات الرويّ وهو مثل الإقواء.

стр. 226

الباب العاشر في كاتب الجيش وفيه خمسة عشر فصلا الفصل الأول في أمر النبيّ ﵇ بكتب الناس وثبوت العمل بذلك في عصره ﷺ روى البخاري (٤: ٨٧) ﵀ بسنده عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه قال، قال النبي ﷺ : اكتبوا لي من يلفظ بالإسلام من الناس، فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل، فقلنا: نخاف ونحن ألف وخمسمائة؟ فلقد رأيتنا ابتلينا حتى إن الرجل ليصلّي وحده وهو خائف. وروى مسلم (١: ٣٨٠- ٣٨١) رحمه الله تعالى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت النبيّ ﷺ يخطب يقول: لا يخلونّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجّة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، قال: انطلق فحجّ مع امرأتك. ورواه البخاري (٤: ٧٢) «١» رحمه الله تعالى أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا وامرأتي حاجّة قال: ارجع فحجّ مع امرأتك.

стр. 227

وأنشد ابن إسحاق في «السير» (٢: ٤٧١) في أشعار يوم حنين لضمضم بن الحارث «١» السّلميّ: [من الكامل] إذ لا أزال على رحالة نهدة ... جرداء تلحق بالنّجاد إزاري يوما على أثر النّهاب وتارة ... كتبت مجاهدة مع الأنصار فائدة لغوية: في «المحكم» : الجيش: الجند، وقيل: جماعة الناس في الحرب، والجمع جيوش. وفي «الصحاح» (٣: ٩٩٩) يقال: جيّش فلان أي جمع الجيوش، واستجاشه أي طلب منه جيشا. وفي «الأفعال» لابن طريف: جاش الماء: ارتفع، وكذلك حركة القوم، ومنه الجيش. الفصل الثاني في ذكر من تولّى ذلك في عهده ﵇ قد ثبت في الحديث الذي تقدم عن البخاري رحمه الله تعالى أن ممن تولى ذلك حذيفة بن اليمان، رضي الله تعالى عنه. من «الاستيعاب» (٣٣٤) : حذيفة بن اليمان، يكنى أبا عبد الله، واسم اليمان حسيل بن جابر، واليمان لقب، وهو حذيفة بن حسل، ويقال: حسل، ويقال حسيل- قاله في اسم والده- ابن جابر بن عمرو بن ربيعة بن جروة بن الحارث بن مازن بن قطيعة بن عبس- العبسي القطعي من بني عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان، حليف لبني عبد الأشهل من الأنصار. وإنما قيل لأبيه حسيل: اليمان، لأنه من ولد اليمان: جروة بن الحارث، وكان جروة بن الحارث يقال له اليمان، وإنما سمي اليمان لأنه أصاب في قومه دما فهرب إلى المدينة فحالف بني عبد الأشهل فسماه قومه: اليمان، لأنه حالف اليمانية. شهد حذيفة وأبوه حسيل وأخوه صفوان

стр. 228

أحدا، وقتل أباه يومئذ بعض المسلمين وهو يحسبه من المشركين، فتصدّق ابنه حذيفة بديته على من أصابه من المسلمين. قلت: قاله في اسم والده، وذكره ابن إسحاق في «السير» أيضا. وقال أبو الفرج الجوزي رحمه الله تعالى في «الصفوة» (١: ٢٤٩) في سبب غيبته عن حضور بدر قال: خرج حذيفة وأبوه فأخذهما كفار قريش فقالوا: إنكما تريدان محمدا، فقالا: ما نريد إلا المدينة، فأخذوا منهما عهدا ألا يقاتلا مع النبي ﷺ وأن ينصرفا إلى المدينة، فأتيا رسول الله ﷺ فأخبراه وقالا: إن شئت قاتلنا معك فقال: بل تفيان ونستعين بالله عليهم، ففاتهما بدر وشهد حذيفة أحدا وما بعدها. قال أبو عمر: كان حذيفة من كبار أصحاب رسول الله ﷺ وهو الذي بعثه رسول الله ﷺ يوم الخندق ينظر إلى قريش، فجاءه بخبر رحيلهم، وهو معروف في الصحابة بصاحب سرّ رسول الله ﷺ . وكان عمر يسأله عن المنافقين، وينظر إليه عند موت من مات منهم، فإن لم يشهد جنازته حذيفة لم يشهدها عمر. مات حذيفة سنة ستّ وثلاثين «١» بعد قتل عثمان في أول خلافة عليّ، وقيل سنة خمس وثلاثين، والأول أصحّ، وكان موته بعد أن أتى نعي عثمان إلى الكوفة، ولم يدرك الجمل. وفي «تاريخ بغداد» (١: ١٦٢) للخطيب: ولّاه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵄ المدائن، فأقام بها إلى حين وفاته سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان بأربعين ليلة.

стр. 229

فائدتان لغويتان: الأولى: جروة: جدّ حذيفة بضم الجيم، كذلك ضبطه الحافظ أبو علي الغسّاني حيثما وقع في «الاستيعاب» بخطه. الثانية: في «الصحاح» (٦: ٢٢١٩) اليمن بلاد العرب، والنسبة إليهم يمني ويمان مخففة والألف عوض من ياء النسب ولا يجتمعان. وقال سيبويه: وبعضهم يقول: يمانيّ بالتشديد، وقوم يمانية ويمانون مثل ثمانية وثمانون، وامرأة يمانية أيضا، وأيمن الرجل ويمن ويامن: إذا أتى اليمن، وكذلك إذا أخذ في سيره يمينا، يقال: يامن يا فلان بأصحابك أي خذ بهم يمنة، ولا تقل: تيامن بهم، والعامة تقوله. الفصل الثالث في ثبوت العطاء في عهد رسول الله ﷺ روى أبو داود (٢: ١٢٣) رحمه الله تعالى عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان إذا أتاه الفيء قسمه في يومه، فأعطى الأهل حظّين، وأعطى الأعزب حظّا، فدعينا، وكنت أدعى قبل عمار، فدعيت فأعطاني حظين- وكان لي أهل- ثم دعا بعدي عمار بن ياسر فأعطاه حظا واحدا. وروى مالك في «الموطأ» (١٦٣) رحمه الله تعالى عن القاسم بن محمد أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه كان إذا أعطى الناس أعطياتهم يسأل الرجل: هل عندك من مال وجبت عليك فيه الزكاة؟ فإن قال: نعم، أخذ من عطائه زكاة ذلك المال، وإن قال: لا، أسلم إليه عطاؤه ولم يأخذ منه شيئا. فوائد لغوية في أربع مسائل: المسألة الأولى: في الفيء لغة: في «الصحاح» (١: ٦٣) : فاء يفيء فيئا: رجع، وأفاءه غيره: رجعه، وفلان سريع الفيء من غضبه. وفي «المحكم» فاء إلى الأمر وفاءه فيئا وفيوءا: رجع إليه، وأفاء واستفاء كفاء، وفاء من غضبه: رجع، وإنه

стр. 230

لسريع الفيء والفيئة أي الرجوع. والفيء ما كان شمسا فنسخه الظلّ، وفاء الفيء: تحوّل. المسألة الثانية: في الفيء في الشرع: قال ابن شأس في «الجواهر» «١» الفيء كلّ مال فاء للمسلمين من الكفار من خمس، وجزية أهل العنوة وأهل الصلح وخراج أرضهم، وما صولح عليه الحربيون من هدنة وما أخذ من تجّار الحربيين، وتجار أهل الذمة، وخمس الركاز وخمس المعادن. وقال أبو عبيد في كتاب «الأموال» (٢٤) : وهو الذي يعمّ المسلمين غنيّهم وفقيرهم فيكون في أعطية المقاتلة، وأرزاق الذرية وما ينوب الإمام من أمور [الناس] بحسن النظر للإسلام وأهله. المسألة الثالثة: «العطاء» : قال القاضي أبو الوليد الباجي رحمه الله تعالى في «المنتقى» : الأعطية في اللغة اسم لما يعطيه الإنسان غيره على أي وجه كان، إلا أنه في الشرع واقع على ما يعطيه الإمام الناس من بيت المال على سبيل الأرزاق. وفي «المحكم» (٢: ٢٢٣) العطاء والعطية: المعطى، والجمع: أعطية، وأعطيات جمع الجمع. وفي «الصحاح» (٦: ٢٤٣٠) أعطاه مالا، والاسم: العطاء، والعطيّة: الشيء المعطى، والجمع العطايا. المسألة الرابعة: «الاطماع» : في «الكتاب المظفّري» الطّمع: رزق الجند، أمر بأطماعهم أي بأرزاقهم. وفي «المحكم» (١: ٣٥٢) : وأطماع الجند: أرزاقهم، وقيل: أوقات قبضها، واحدها طمع. الفصل الرابع في وضع عمر رضي الله تعالى عنه الديوان والسبب لذلك من تاريخ ابن الأثير (٢: ٥٠٢) : وفي سنة خمس عشرة من الهجرة فرض عمر رضي الله تعالى عنه الفروض ودوّن الدواوين وأعطى العطايا.

стр. 231

ومن «الأحكام السلطانية» (١٩٩) للماوردي: اختلف الناس في السبب الذي حمل عمر رضي الله تعالى عنه على ذلك، فقال قوم: إنه بعث بعثا وعنده الهرمزان، فقال لعمر: هذا بعث قد أعطيت أهله الأموال فإن تخلّف منهم رجل أخلّ بمكانه، من أين يعلم به؟ فأثبت لهم ديوانا، فسأله عمر عن الديوان حتى فسّره له. وقال آخرون: سببه أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه قدم عليه بمال من البحرين، فقال عمر: ماذا جئت به؟ فقال: خمسمائة ألف درهم، فاستكثره عمر وقال: أتدري ما تقول؟ قال: نعم، مائة ألف خمس مرات، فصعد عمر المنبر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أيها الناس، قد جاءنا مال كثير، فإن شئتم كلناه لكم كيلا، وإن شئتم عددناه لكم عدّا، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين قد رأيت الأعاجم يدوّنون ديوانا لهم، فدوّن أنت ديوانا، فاستشار عمر رضي الله تعالى عنه المسلمين في تدوين الدواوين، فقال عليّ رضي الله تعالى عنه: تقسم كلّ سنة ما اجتمع إليك من المال ولا تمسك منه شيئا، وقال عثمان رضي الله تعالى عنه: أرى مالا كثيرا يسع الناس وإن لم يحصوا حتى يعلم من أخذ ممن لم يأخذ خشيت أن ينتشر الأمر. فقال خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه: قد كنت بالشام فرأيت ملوكا دونوا دواوين وجنّدوا أجنادا، فدوّن ديوانا وجنّد جنودا، فأخذ بقوله، ودعا عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم، وكانوا من شباب قريش فقال: اكتبوا الناس على منازلهم. فائدة لغوية: في «الصحاح» (٣: ١٠٩٧) الفرض: العطية المرسومة، يقال: ما أصبت منه فرضا ولا قرضا. وأفرضته: إذا أعطيته، وفرضت له في العطاء، وفرضت له في الديوان.

стр. 232

الفصل الخامس ذكر من تولّى كتابة الديوان في عصر عمر ، رضي الله تعالى عنه تولّى ذلك النفر الثلاثة الذين ذكرهم الماوردي، وهم: ١- عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي، يجتمع مع النبي ﷺ في عبد المطلب. قال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (١٠٧٨) : يكنى أبا يزيد، وقال له رسول الله ﷺ : يا أبا يزيد إني أحبك حبين: حبا لقرابتك مني، وحبا لما كنت أعلم من حبّ عمي إياك. أسلم رضي الله تعالى عنه قبل الحديبية، وشهد غزوة مؤتة، وكان أسنّ من أخيه جعفر رضي الله تعالى عنهما بعشر سنين، وكان جعفر أسنّ من عليّ رضي الله تعالى عنهما بعشر سنين، وكان عقيل أنسب قريش وأعلمهم بأيامها، وكانت له طنفسة تطرح في مسجد رسول الله ﷺ ويجتمع إليه في علم النسب وأيام العرب. وتوفي في خلافة معاوية رضي الله تعالى عنهما. ٢- ومخرمة بن نوفل القرشي : قال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (١٣٨٠) : كان من مسلمة الفتح، وكان له سنّ وعلم بأيام قريش، وكان يؤخذ عنه النسب، وكان أحد علماء قريش، يكنى أبا صفوان، وقيل أبا المسور بابنه المسور، وقيل أبا الأسود، وأبو صفوان أكثر، وكان شهما أبيّا، وهو أحد المؤلّفة قلوبهم، وممن حسن إسلامه منهم. مات بالمدينة في زمن معاوية سنة أربع وخمسين وقد بلغ مائة سنة وخمس عشرة، وكفّ بصره في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه. ٣- وجبير بن مطعم القرشي النوفلي : قال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٢٣٢) : يكنى أبا محمد، وقيل أبا عدي، وكان من أنسب قريش

стр. 233

لقريش والعرب قاطبة. أسلم عام الفتح، وقيل عام خيبر، وذكره بعضهم في المؤلفة قلوبهم، وفيمن حسن إسلامه منهم، ومات سنة سبع وخمسين وقيل سنة تسع وخمسين في خلافة معاوية. فائدة لغوية: «الطّنفسة» : في «المشارق» (١: ٣٤٠) يقال: بضمّ الطاء والفاء، وبكسرهما، وبكسر الطاء وفتح الفاء وهو الأفصح، وحكى أبو حاتم الكسر والفتح في الطاء، وأما الفاء فالكسر لا غير، وهي النمرقة، وهي بساط صغير. الفصل السادس في بيان قولهم في عمر رضي الله تعالى عنه إنه أول من دوّن الدواوين وفرض الأعطيات قلت: قد ثبت بما تقدّم من صحيح الحديث في صدر الباب أن النبيّ ﷺ أمر بكتابة الناس، وأنهم كتبوا في عصره ﷺ وأنه كان- ﷺ يقسم الفيء، وأن أبا بكر كان يعطي الناس الأعطيات. ثم اتفق أهل الأثر وأصحاب الأخبار والسير على أن عمر رضي الله تعالى عنه أول من وضع الديوان في الإسلام وفرض الأعطيات. وهذا غير مخالف لما تقدم، فإنهم يعنون أنه أول من دوّن الدواوين للعطاء ورتّب الناس فيها وقدّر الأعطيات، ولأن كتابة الناس في عصر النبي ﷺ إنما كانت في أوقات، نحو كتبهم حين أمر حذيفة رضي الله تعالى عنه بإحصاء الناس، ونحو كتب من تعيّن منهم في بعث من البعوث كما في خبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وكذلك العطاء في عصره- ﷺ لم يكن في وقت معيّن ولا مقدارا معينا. فلما كانت خلافة عمر رضي الله تعالى عنه وكثر الناس، وجبيت الأموال، وفرضت الأعطيات، وتأكدت الحاجة إلى ضبطهم، وضع الديوان بعد مشاورته للصحابة رضي الله تعالى عنهم. وهذا كما قالوا في عثمان رضي الله تعالى

стр. 234

عنه إنه أول من جمع مصحف القرآن، وقد كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه جمعه في صحف، وبقيت تلك الصحف عند حفصة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها إلى زمن عثمان رضي الله تعالى عنه، ذكر ذلك أبو محمد ابن عطية وغيره. وكان جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم قد جمعوه أيضا قبل ذلك، ومن أشهرهم: عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. قال أبو عمر ابن عبد البر (٩٩٢) : إن رجلا جاء إلى عمر وهو بعرفات فقال: جئتك من الكوفة، وتركت بها رجلا يملي المصاحف عن ظهر قلب، فغضب لذلك عمر غضبا شديدا، وقال: ويحك من هو؟ قال: عبد الله بن مسعود، فذهب عنه ذلك الغضب وسكن وعاد إلى حاله وقال: والله ما أعلم من الناس أحدا هو أحقّ بذلك منه. انتهى. وقالوا: إن عثمان رضي الله تعالى عنه حين أكمل كتب المصحف أمر بانتزاع ما عند الصحابة من المصاحف، فانتزعت إلا مصحف عبد الله بن مسعود. فهذا يدل على أنه قد كانت مصاحف جمعت قبل مصحف عثمان، وإنما نسبوا ذلك إليه لأنه المصحف الذي بعثت نسخة إلى الأمصار، وأتمّ المسلمون به في جميع الأقطار. فائدة لغوية: في «المحكم» (٤: ٢٠٧) ظهر القلب: حفظه عن غير كتاب، وقد قرأه ظاهرا واستظهره. الفصل السابع في معنى الديوان والزمام أما «الديوان» فقال ابن السيد في «الاقتضاب» (١: ١٩٢) الديوان: اسم أعجمي أصله: دوّان بواو مشدّدة، فقلبت الواو الأولى منهما ياء لانكسار ما قبلها بدليل قولهم في جمعه: دواوين، وفي تصغيره: دويوين، فرجعت الواو حين ذهبت

стр. 235

الكسرة، قال: ومن العرب من يقول في جمعه: دياوين بالياء، وأنشد «١» : [من الوافر] عداني أن أزورك أمّ عمرو ... دياوين تشقّق «٢» بالمداد وقال ابن قتيبة «في صناعة الكتابة» له: وإنما جمعوه بالياء على لفظه، قال: وداله بالكسر ولا تفتح. قال ابن السيد (١: ١٩٢- ١٩٣) : وفي ديوان شذوذ عما عليه جمهور الأسماء في الاعتلال، قال: والأصل في تسميتهم الديوان ديوانا: أن كسرى أمر كتّابه أن يجتمعوا في دار واحدة ويعملوا حساب السواد في ثلاثة أيام، وأعجلهم فيه، فأخذوا في ذلك، واطّلع عليهم لينظر ماذا يصنعون، فنظر إليهم يحسبون بأسرع ما يمكن وينسخون كذلك، فعجب من كثرة حركتهم فقال: أي ديوانه: ومعناه: هؤلاء مجانين، وقيل: معناه: شياطين، فسمّي موضعهم ديوانا، واستعملته العرب، وجعلوا كلّ محصّل من كلام أو شعر ديوانا. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إذا قرأتم شيئا من القرآن ولم تعرفوا ما غريبه، فاطلبوه في شعر العرب فإنه ديوانها «٣» . انتهى. وأما الزمام فقال علي بن خيرة الميورقي في كتابه «ترتيب الأعمال» : إنما قيل له زمام لأنه مشتقّ من زمام الناقة، الذي هو مانعها من إرادة هواها، وقاصرها على المكان الذي عقلت فيه. قال: وكذلك الزمام سمّي زماما لحصر الأمور فيه، وزمّها وعقلها عن التلف، وخشية النسيان لها، واتقاء الغفلة فيها. قال: وقيل للزمام ديوان لأنه جعل كالكتاب الذي تدوّن فيه المعاني والعلوم وتبيّن، لتعلم ولتحفظ في كلّ وقت، فهو مدون لتقييد الأشياء والمعاني التي يخشى عليها النسيان. قال ابن القوطية في أفعاله (٢: ٩٨) : زمّ البعير: أوثقه بالزمام، والشيء: شدّه.

стр. 236

قال الجوهري (٥: ١٩٤٤) : الزمام: الخيط الذي يشد في [البرة] أو في الخشاش ثم يشدّ في طرف المقود، وقد يسمى المقود زماما. أنشد الأعلم لامرىء القيس «١» : فقلت لها سيري وأرخي زمامه ... ولا تبعدينا من جناك المعلّل الفصل الثامن بمن يبدأ وقت كتب الديوان ذكر الماورديّ في «الأحكام السلطانية» (٢٠٠) أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حين أراد وضع الناس في الديوان قال: بمن أبدأ؟ فقال له عبد الرّحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه: ابدأ بنفسك، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: أذكر أني حضرت رسول الله ﷺ وأنه يبدأ ببني هاشم وبني المطلب، فبدأ عمر رضي الله تعالى عنه بهم، ثم بمن يليهم من بنيهم من قريش، بطنا بعد بطن، حتى استوفى قبائل قريش، ثم انتهى إلى الأنصار فقال عمر: ابدأوا برهط سعد بن معاذ بن الأوس ثم بالأقرب فالأقرب من سعد. واستقر ترتيب الناس في الديوان على تقدّم النّسب المتصل برسول الله ﷺ . قال الماوردي (٢٠٤) : الترتيب المعتبر في الديوان عامّ وخاصّ. فالترتيب العامّ ترتيب القبائل والأجناس حتى تتميز كلّ قبيلة عن غيرها وكلّ جنس ممّن خالفه، ولا يخلو حالهم من أن يكونوا عربا أو غيرهم، فإن كانوا عربا ترتبت قبائلهم بالقربى من رسول الله ﷺ كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه، فتقدم عدنان على قحطان لأن النبوة في عدنان، وعدنان يجمع ربيعة ومضر، فتقدم مضر على ربيعة لأن النبوة في مضر، ومضر تجمع قريشا وغيرهم، فتقدم قريش لأن النبوة فيهم وقريش تجمع بني هاشم وغيرهم، فتقدم بنو هاشم لأن النبوة فيهم، وإن

стр. 237

كانوا غير عرب فإن كانت لهم سابقة في الإسلام ترتّبوا عليها، وإن لم يكن سابقة ترتبوا بالقربى من وليّ الأمر، فإن تساووا فبالسبق إلى الطاعة. والترتيب الخاصّ في ترتيب الواحد بعد الواحد: فيترتب بالسابقة في الإسلام، فإن تكافؤوا في السابقة ترتبوا بالدين، فإن تقاربوا ترتبوا بالسن، فإن تقاربوا في السن ترتبوا بالشجاعة، فإن تقاربوا فيها فوليّ الأمر مخيّر، إن شاء رتّبهم بالقرعة أو رتبهم على رأيه واجتهاده. الفصل التاسع من كم يجيز الإمام من يرسم في الديوان روى الترمذي (٣: ١٢٧) رحمه الله تعالى عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: عرضت على رسول الله ﷺ في جيش وأنا ابن أربع عشرة فلم يقبلني، ثم عرضت عليه من قابل في جيش وأنا ابن خمس عشرة فقبلني. قال نافع: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه فقال: هذا حدّ ما بين الصغير والكبير، ثم كتب أن يفرض لمن بلغ الخمس عشرة. الفصل العاشر في عرض الناس في كلّ سنة ذكر أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٦٥٥) عند ذكر سمرة بن جندب أنّ رسول الله ﷺ كان يعرض غلمان الأنصار في كلّ عام، فمرّ به غلام فأجازه في البعث، وعرض عليه سمرّة بن جندب من بعده فردّه، فقال سمرة: يا رسول الله لقد أجزت غلاما ورددتني، ولو صارعته لصرعته، قال: فصارع، فصارعته فصرعته، فأجازني في البعث.

стр. 238

فائدة لغوية: لابن طريف في «أفعاله» : عرضت الجند: نظرت حالهم- بفتح الراء- عرضا. الجوهري في «الصحاح» (٣: ١٠٨٢) : عرضت الجند عرض العين: إذا أمررتهم عليك ونظرت ما حالهم، وقد عرض العارض الجند يعرضهم بالكسر، واعترضواهم، ويقال: اعترضت على الدابة: إذا كنت وقت العرض راكبا. الفصل الحادي عشر في العريش يبنى للرئيس يشرف منه على عسكره قال الهروي: الوشيع: عريش يبنى للرئيس في العسكر يشرف منه على عسكره. وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه مع رسول الله ﷺ في الوشيع، يعني العريش، يوم بدر. وفي «الروض الأنف» (٥: ١٨٢) العريش: كلّ ما علاك وأظلّك من فوقك، فإن علوته أنت فهو عرش لك لا عريش. الفصل الثاني عشر في الدعاء وقت العرض قد تقدّم في فصل ثبوت العطاء في عهد رسول الله ﷺ ، وهو الفصل الثالث من هذا الباب، ما رواه أبو داود (٢: ١٢٣) عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان إذا أتاه الفيء قسمه في يومه، فأعطى الآهل حظين، وأعطى الأعزب حظّا، فدعينا، وكنت أدعى قبل عمار، فدعيت فأعطاني حظين، وكان لي أهل، ثم دعا بعدي عمار بن ياسر، فأعطي حظا واحدا.

стр. 239

الفصل الثالث عشر في وقت العطاء ذكر الشيرازي في كتابه «طبقات الفقهاء» (٦٦) له: أن أبا الزناد عبد الله بن ذكوان مولى رملة بنت ربيبة وفد على هشام بن عبد الملك بن مروان بحساب ديوان المدينة، فسأل هشام ابن شهاب: أي شهر كان يخرج فيه العطاء لأهل المدينة؟ فقال: لا أدري. قال أبو الزناد: فسألني هشام، فقلت: المحرّم، فقال هشام لابن شهاب: يا أبا بكر هذا علم أخذته اليوم، فقال ابن شهاب: مجلس أمير المؤمنين أهل أن يفاد منه العلم. وأنشد أبو بكر محمد بن يحيى الصولي في كتاب «الورقة» الذي ألفه في أشعار الخلفاء للوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان حين استخلف «١» : ضمنت لكم إن سلّم الله مهجتي ... عطاء ورزقا كاملا في المحرّم فلا تسخطوني لا أبا لأبيكم ... فإني لكم كالوالد المترحم الفصل الرابع عشر في دفع العروض في العطاء روى البخاري (٧: ٢٠٠) «٢» رحمه الله تعالى عن المسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنه أن أباه مخرمة قال له: يا بنيّ بلغني أن النبي ﷺ قدمت عليه أقبية فهو يقسمها، فاذهب بنا إليه، فذهبنا فوجدنا النبيّ ﷺ في منزله، فقال لي: يا بني ادع لي النبيّ ﷺ ، فأعظمت ذلك، فقلت: أدعو لك رسول الله ﷺ ؟! فقال: يا بنيّ إنه ليس بجبار، فدعوته فخرج وعليه قباء من ديباج مزرّر بالذهب، فقال: يا مخرمة هذا خبأته لك، فأعطاه إياه.

стр. 240

وذكر ابن المنذر «١» رحمه الله تعالى في «الإشراف» عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه كان يأخذ الجزية من كلّ ذي صنع: من صاحب الإبر إبرا، ومن صاحب المسالّ مسالّ، ومن صاحب الحبال حبالا، ثم يدعو العرفاء فيعطيهم الذهب والفضة فيقسمونه، ثم يقول: خذوا هذا فاقتسموه، فيقولون: لا حاجة لنا فيه، فيقول: أخذتم خياره وتركتم عليّ شراره، لتحملنّه. فوائد لغوية في ثلاث مسائل: الأولى: في «الصحاح» (٣: ١٠٨٣) : العرض: المتاع، وكل شيء فهو عرض سوى الدراهم والدنانير فإنهما عين، وقال أبو عبيد: العروض: الأمتعة التي لا يدخلها كيل ولا وزن، ولا تكون حيوانا ولا عقارا. تقول: اشتريت المتاع بعرض أي بمتاع مثله. وفي «ديوان الأدب» (١: ١١٥) : العرض بفتح العين وسكون الراء: ما ليس بنقد. الثانية: الأقبية جمع قباء. وفي «الديوان» (٤: ٥٤) وهو القباء بفتح القاف ممدود. وفي «الأفعال» لابن طريف: قبوت الشيء قبوا: إذا جمعته بأصابعك، وبه سمّي القباء لاجتماع أطرافه. الثالثة: في «المشارق» (١: ٣١٠) مزررة بالذهب: أي لها أزرار منه، أو زيّنت به أزرارها. وفي «الصحاح» (٢: ٦٦٩) الزّرّ واحد أزرار القميص. وفي «المشرع الروي» : هو ما يدخل في العرى. وفي «المحكم» : الزّرّ: الذي يوضع في القميص، وفي المثل: ألزم من زرّ لعروة. وفي «الصحاح» (٢: ٦٦٩) زررته أزرّه بالضمّ زرّا: إذا شددت أزراره عليك، ويقال: ازرر عليك قميصك، وزرّه وزرّه وزرّه، وأزررت القميص: إذا جعلت له أزرارا فتزرّر.

стр. 241

الفصل الخامس عشر في الرجل يموت بعد أن يستوجب العطاء أو بعضه ذكر أبو عبيد في «كتاب الأموال» (٣٣٣) أن رجلا مات بعد ثمانية أشهر من السنة فأعطاه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ثلثي عطائه. وذكر أبو عبيد (٣٣٢) أيضا قال: قال الزبير لعثمان رضي الله تعالى عنهما بعدما مات عبد الله بن مسعود: أعطني عطاء عبد الله، فعيال عبد الله أحقّ به من بيت المال، فأعطاه خمسة عشر ألفا. قال أبو عبيد، قال يزيد: وكان الزبير وصيّ عبد الله بن مسعود. وذكر أبو عبيد (٣٣٢) أيضا عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا استوجب الرجل عطاءه ثم مات أعطاه ورثته. وفي «الاستيعاب» (١٨٢٧) ذكر الزبير بن بكار بسنده عن أبي وجزة عن أبيه قال «١» : حضرت الخنساء بنت عمرو بن الشريد السّلمية حرب القادسية ومعها بنوها أربعة رجال، فقالت لهم من أول الليل: يا بنيّ إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله غيره إنكم لبنو رجل واحد كما أنتم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هجّنت حسبكم، ولا غيّرت نسبكم، وقد تعلمون ما أعدّ الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، يقول الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (آل عمران: ٢٠٠) فإذا أصبحتم غدا إن شاء الله تعالى فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمّرت عن ساقها، واضطرمت لظى على سياقها، وجلّلت نارا على أرواقها، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها، عند احتدام خميسها، تظفروا

стр. 242

بالغنى والكرامة، في دار الخلود والمقامة. فخرج بنوها قابلين لنصحها، عازمين على قولها، فلما أضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم وأنشد أولهم يقول: [من الرجز] يا إخوتي إن العجوز الناصحه ... قد نصحتنا إذ دعتنا البارحه مقالة ذات بيان واضحه ... فباكروا الحرب الضروس الكالحه وإنما تلقون عند الصائحه ... من آل ساسان كلابا نابحه قد أيقنوا منكم بوقع الجائحه ... وأنتم بين حياة صالحه أو ميتة تورث غنما رابحه وتقدّم فقاتل حتى قتل رحمه الله تعالى. ثم حمل الثاني وهو يقول: [من الرجز] إن العجوز ذات حزم وجلد ... والنظر الأوفق والرأي السّدّد قد أمرتنا بالسداد والرشد ... نصيحة منها وبرّا بالولد فباكروا الحرب حماة في العدد ... إما لفوز بارد على الكبد أو ميتة تورثكم غنم الأبد ... في جنة الفردوس والعيش الرغد فقاتل حتى استشهد رحمه الله تعالى. ثم حمل الثالث وهو يقول: [من الرجز] والله لا نعصي العجوز حرفا ... قد أمرتنا حدبا وعطفا نصحا وبرا صادقا ولطفا ... فبادروا الحرب الضروس زحفا حتى تلفّوا آل كسرى لفّا ... أو تكشفوهم عن حماكم كشفا إنا نرى التقصير منكم ضعفا ... والقتل فيكم نجدة وعرفا فقاتل حتى استشهد [رحمة الله تعالى عليه] ، ثم حمل الرابع وهو يقول: [من الرجز] لست لخنساء ولا للأخرم ... ولا لعمرو ذي السناء الأقدم إن لم أرد في الجيش جيش الأعجم ... ماض على الهول خضم خضرم إما لفوز عاجل أو مغنم ... أو لوفاة في السبيل الأكرم

стр. 243

فقاتل حتى قتل رحمة الله عليه وعلى إخوته. فبلغها الخبر فقالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته. وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يعطي الخنساء أرزاق أولادها الأربعة، لكلّ واحد مائتي درهم، حتى قبض رضي الله تعالى عنه. فائدة تعريفية: في «جماهر الأنساب» (٢٢) لأبي عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى: من بني الحارث بن بهثة بن سليم: العباس بن مرداس وإخوته: هبيرة وجزء ومعاوية وعمرو بنو مرداس وأمهم جميعا غير عباس وحده خنساء بنت عمرو الشاعرة. فوائد لغوية: قولهم في الحرب: شمّرت عن ساقها وجللت نارا على أرواقها وهي القرون جمع روق وهو القرن. وقولهم: إنها كالحة، والكالح الذي تتقلص شفتاه عن أسنانه في حال عبوسه حتى تبدو أسنانه، إنما يعنون بذلك شدّتها وعظم المشقة فيها، وليس لها ساق تقوم عليها، ولا روق تستعمله، ولا شفة ولا أسنان تكلح عنها، لكن لما كان ذلك من الأمور التي تستعمل في حال الشدة والمشقة استعيرت للحرب دلالة على ذلك. وكذلك استعارة الاضطرام، وهو الاحتدام أيضا. واللظى وهو من أسماء النار. والوطيس وهو التنّور أو شبهه يختبز فيه. إنما هي دلالات على شدتها وعظم المشقة أيضا؛ وقولهم: حرب ضروس هي الشديدة الصعبة أيضا. قال الجوهري (٢: ٩٣٩) : ضرسهم الزمان: اشتد عليهم، وناقة ضروس: سيئة الخلق تعضّ حالبها. وأنشدوا في كتاب الحماسة (١: ٩٦) «١» : وإنّي في الحرب الضّروس موكّل ... بتقديم نفس لا أريد بقاءها

стр. 244

تكملة: في «المشرع الرويّ» : في الحديث قوله ﵇: «الآن حمي الوطيس» قال المطرزي «١» : الوطيس شبه التّنّور يخبز فيه، ويضرب مثلا لشدّة الحرب، يشبه حرّها بحره، وقال غيره: الوطيس: التّنّور نفسه، وقال الأصمعي: هي حجارة مدوّرة إذا حميت لم يقدر أحد يطأ عليها، فيضرب مثلا للأمر إذا اشتد، وقيل: الوطيس جمع، واحدته: وطيسة، وهذه الكلمة هي من الكلام التي لم يسبق إليها النبي ﷺ .

стр. 245

الباب الحادي عشر في ذكر العرفاء روى البخاري (٣: ١٣٠- ١٣١) رحمه الله تعالى عن مروان بن الحكم ومسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قام «١» حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يردّ إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله، ﷺ : أحبّ الحديث إليّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال، وقد كنت استأنيت بهم. وقد كان رسول الله ﷺ انتظر آخرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن رسول الله ﷺ غير رادّ إليهم إلا إحدى الطائفتين قالوا: فإنا نختار سبينا، فقام رسول الله ﷺ في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء قد جاءونا تائبين، وإني قد رأيت أن أردّ إليهم سبيهم، فمن أحبّ أن يطيّب «٢» فليفعل، ومن أحبّ منكم أن يكون على حظّه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل. فقال الناس: قد طيّبنا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال لهم رسول الله ﷺ : إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع «٣» إلينا عرفاؤكم أمركم. فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا. انتهى.

стр. 246

فوائد لغوية: في «المنتقى» لأبي الوليد الباجي رحمه الله تعالى: العرفاء رؤساء الأجناد وقوادهم، ولعلهم سمّوا بذلك لأنهم بهم يتعرّف أحوال الجيش. وفي «الصحاح» : (٤: ١٤٥٢) العريف والعارف: بمعنى، مثل عليم وعالم. وأنشدوا: [من الكامل] أو كلّما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إليّ عريفهم يتوسّم «١» أي عارفهم، والعريف: النقيب دون الرئيس، والجمع: عرفاء، تقول منه: عرف فلان بالضمّ عرافة مثل خطب خطابة- يعني بفتح الخاء- أي صار عريفا، وإذا أردت أنه عمل ذلك قلت: عرف فلان علينا سنين يعرف عرافة، مثل: كتب يكتب كتابة، وفيها (١: ٢٢٧) النقيب: العريف، وهو شاهد القوم وضمينهم، والجمع: النقباء، وقد نقب على قومه ينقب نقابة، مثل كتب يكتب كتابة. قال الفرّاء: إذا أردت أنه لم يكن نقيبا قلت: نقب بالضمّ نقابة بالفتح. قال سيبويه: النّقابة بالكسر: الاسم، وبالفتح: المصدر، مثل: الولاية والولاية. وفيها (١: ٢٢٨) نكب على قومه ينكب نكابة: إذا كان منكبا لهم يعتمدون عليه وهو رأس العرفاء.

стр. 247

الباب الثاني عشر في الرجل يدعو الناس وقت العرض قد تقدم في الفصل الثالث والفصل الثاني عشر من باب كاتب الجيش «١» أن أبا داود (٢: ١٢٣) رحمه الله تعالى روى عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان إذا أتاه الفيء قسمه من يومه، فأعطى الآهل حظّين، وأعطى الأعزب حظا، فدعيت، وكنت أدعى قبل عمار، فأعطاني حظين، وكان لي أهل، ثم دعي بعدي عمار بن ياسر فأعطي حظا واحدا. وفيه دليل على اتخاذ من يدعو الناس وقت العرض.

стр. 248

الباب الثالث عشر في [ذكر] المحاسب وفيه أربعة فصول الفصل الأول في محاسبة النبي ﷺ عامله على الصدقة روى البخاري (٢: ١٦٠) «١» رحمه الله تعالى عن أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلا من الأزد على صدقات بني سليم يدعى ابن اللّتبيّة، فلما جاء حاسبه. وروى مسلم (٢: ٨٤) رحمه الله تعالى عن أبي حميد الساعدي أيضا رضي الله تعالى عنه قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلا على صدقات بني سليم يدعى ابن اللّتبيّة، فلما جاء حاسبه، قال: هذا مالكم وهذا هدية، فقال رسول الله ﷺ : فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا؟ ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتيني فيقول: هذا مالكم، وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا؟ والله لا يأخذ أحد منكم منها شيئا بغير حقّه إلا لقي الله بحمله يوم القيامة،

стр. 249

فلأعرفنّ أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رئي بياض ابطيه يقول: اللهم هل بلّغت بصر عيني وسمع أذني. فائدتان لغويتان: الأولى: في «الصحاح» (١: ١٠٩- ١١١) حسبته أحسبه بالضم حسبا وحسابا وحسابة، وحسبته: عددته، والحسبة أيضا من الحساب مثل القعدة والرّكبة. قال النابغة «١» : [من البسيط] فكمّلت مائة فيها حمامتها ... وأسرعت حسبة في ذلك العدد والمعدود محسوب، وحسب أيضا، وهو فعل بمعنى مفعول مثل نفض بمعنى منفوض، وحاسبته من المحاسبة، والحسبان: الحساب. قال الله تعالى: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (الرّحمن: ٥) قال الأخفش: الحسبان: جماعة الحساب، مثل شهاب وشهبان، وحسبته صالحا أحسبه بالفتح محسبة ومحسبة، وحسبانا بالكسر أي ظننته، ويقال: أحسبه بالكسر، وهو شاذّ. الثانية: يقال: رغا البعير يرغو رغاء، وخارت البقرة تخور خوارا، ويعرت الشاة تيعر يعارا، كل ذلك: صياحها وأصواتها على فعال بضمّ الفاء، قاله غير واحد. الفصل الثاني في محاسبة أبي بكر رضي الله تعالى عنه عمّاله قال ابن قتيبة في كتاب «عيون الأخبار» (١: ٦٠) قدم معاذ رضي الله تعالى عنه من اليمن بعد وفاة النبيّ ﷺ على أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال له: ارفع حسابك فقال: أحسابان: حساب من الله وحساب منكم؟ والله لا ألي لكم عملا أبدا.

стр. 250

الفصل الثالث في استقدام عمر رضي الله تعالى عنه عمّاله في كلّ سنة ومحاسبته لهم قال أبو الربيع ابن سالم في كتابه «الاكتفاء» : كان عمر رضي الله تعالى عنه ملازما للحج في سني خلافته كلّها، وكان من سيرته أن يأخذ عماله بموافاته كلّ سنة في موسم الحج ليحجزهم بذلك عن الرعية، ويحجز عنهم الظلم، ويتعرّف أحوالهم في قرب، وليكون للرعية وقت معلوم ينهون إليه شكاويهم. وقال المظفّر «١» في كتابه المنسوب إليه: كان عمر رضي الله تعالى عنه يحاسب سعدا رضي الله تعالى عنه فيغضب فيقول عمر رضي الله تعالى عنه: عزمت عليك ألا تدعو على أخيك ويضاحكه، وإذا ذهب غضبه قال: تعال نتحاسب فإنه اليوم أيسر عليك من غد. قلت: وسعد هذا الذي ذكره هو سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري رضي الله تعالى عنه أحد العشرة أصحاب رسول الله ﷺ المشهود لهم بالجنة رضي الله تعالى عنهم، وإنما قال عمر رضي الله تعالى عنه: عزمت عليك ألا تدعو على أخيك لأنه كان مجاب الدعوة. قال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٦٠٧) : وذلك أن رسول الله ﷺ قال: اللهم سدّد سهمه وأجب دعوته، فكان مشهورا بذلك تخاف دعوته وترجى لاشتهار إجابتها عندهم.
следующие страницы →