← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9790

تخريج الدلالات السمعية

علي بن محمد الخزاعي

Полный текст (893 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فوائد لغوية: في «المنتقى» لأبي الوليد الباجي رحمه الله تعالى: العرفاء رؤساء الأجناد وقوادهم، ولعلهم سمّوا بذلك لأنهم بهم يتعرّف أحوال الجيش. وفي «الصحاح» : (٤: ١٤٥٢) العريف والعارف: بمعنى، مثل عليم وعالم. وأنشدوا: [من الكامل] أو كلّما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إليّ عريفهم يتوسّم «١» أي عارفهم، والعريف: النقيب دون الرئيس، والجمع: عرفاء، تقول منه: عرف فلان بالضمّ عرافة مثل خطب خطابة- يعني بفتح الخاء- أي صار عريفا، وإذا أردت أنه عمل ذلك قلت: عرف فلان علينا سنين يعرف عرافة، مثل: كتب يكتب كتابة، وفيها (١: ٢٢٧) النقيب: العريف، وهو شاهد القوم وضمينهم، والجمع: النقباء، وقد نقب على قومه ينقب نقابة، مثل كتب يكتب كتابة. قال الفرّاء: إذا أردت أنه لم يكن نقيبا قلت: نقب بالضمّ نقابة بالفتح. قال سيبويه: النّقابة بالكسر: الاسم، وبالفتح: المصدر، مثل: الولاية والولاية. وفيها (١: ٢٢٨) نكب على قومه ينكب نكابة: إذا كان منكبا لهم يعتمدون عليه وهو رأس العرفاء.

стр. 247

الباب الثاني عشر في الرجل يدعو الناس وقت العرض قد تقدم في الفصل الثالث والفصل الثاني عشر من باب كاتب الجيش «١» أن أبا داود (٢: ١٢٣) رحمه الله تعالى روى عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان إذا أتاه الفيء قسمه من يومه، فأعطى الآهل حظّين، وأعطى الأعزب حظا، فدعيت، وكنت أدعى قبل عمار، فأعطاني حظين، وكان لي أهل، ثم دعي بعدي عمار بن ياسر فأعطي حظا واحدا. وفيه دليل على اتخاذ من يدعو الناس وقت العرض.

стр. 248

الباب الثالث عشر في [ذكر] المحاسب وفيه أربعة فصول الفصل الأول في محاسبة النبي ﷺ عامله على الصدقة روى البخاري (٢: ١٦٠) «١» رحمه الله تعالى عن أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلا من الأزد على صدقات بني سليم يدعى ابن اللّتبيّة، فلما جاء حاسبه. وروى مسلم (٢: ٨٤) رحمه الله تعالى عن أبي حميد الساعدي أيضا رضي الله تعالى عنه قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلا على صدقات بني سليم يدعى ابن اللّتبيّة، فلما جاء حاسبه، قال: هذا مالكم وهذا هدية، فقال رسول الله ﷺ : فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا؟ ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتيني فيقول: هذا مالكم، وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا؟ والله لا يأخذ أحد منكم منها شيئا بغير حقّه إلا لقي الله بحمله يوم القيامة،

стр. 249

فلأعرفنّ أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رئي بياض ابطيه يقول: اللهم هل بلّغت بصر عيني وسمع أذني. فائدتان لغويتان: الأولى: في «الصحاح» (١: ١٠٩- ١١١) حسبته أحسبه بالضم حسبا وحسابا وحسابة، وحسبته: عددته، والحسبة أيضا من الحساب مثل القعدة والرّكبة. قال النابغة «١» : [من البسيط] فكمّلت مائة فيها حمامتها ... وأسرعت حسبة في ذلك العدد والمعدود محسوب، وحسب أيضا، وهو فعل بمعنى مفعول مثل نفض بمعنى منفوض، وحاسبته من المحاسبة، والحسبان: الحساب. قال الله تعالى: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (الرّحمن: ٥) قال الأخفش: الحسبان: جماعة الحساب، مثل شهاب وشهبان، وحسبته صالحا أحسبه بالفتح محسبة ومحسبة، وحسبانا بالكسر أي ظننته، ويقال: أحسبه بالكسر، وهو شاذّ. الثانية: يقال: رغا البعير يرغو رغاء، وخارت البقرة تخور خوارا، ويعرت الشاة تيعر يعارا، كل ذلك: صياحها وأصواتها على فعال بضمّ الفاء، قاله غير واحد. الفصل الثاني في محاسبة أبي بكر رضي الله تعالى عنه عمّاله قال ابن قتيبة في كتاب «عيون الأخبار» (١: ٦٠) قدم معاذ رضي الله تعالى عنه من اليمن بعد وفاة النبيّ ﷺ على أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال له: ارفع حسابك فقال: أحسابان: حساب من الله وحساب منكم؟ والله لا ألي لكم عملا أبدا.

стр. 250

الفصل الثالث في استقدام عمر رضي الله تعالى عنه عمّاله في كلّ سنة ومحاسبته لهم قال أبو الربيع ابن سالم في كتابه «الاكتفاء» : كان عمر رضي الله تعالى عنه ملازما للحج في سني خلافته كلّها، وكان من سيرته أن يأخذ عماله بموافاته كلّ سنة في موسم الحج ليحجزهم بذلك عن الرعية، ويحجز عنهم الظلم، ويتعرّف أحوالهم في قرب، وليكون للرعية وقت معلوم ينهون إليه شكاويهم. وقال المظفّر «١» في كتابه المنسوب إليه: كان عمر رضي الله تعالى عنه يحاسب سعدا رضي الله تعالى عنه فيغضب فيقول عمر رضي الله تعالى عنه: عزمت عليك ألا تدعو على أخيك ويضاحكه، وإذا ذهب غضبه قال: تعال نتحاسب فإنه اليوم أيسر عليك من غد. قلت: وسعد هذا الذي ذكره هو سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري رضي الله تعالى عنه أحد العشرة أصحاب رسول الله ﷺ المشهود لهم بالجنة رضي الله تعالى عنهم، وإنما قال عمر رضي الله تعالى عنه: عزمت عليك ألا تدعو على أخيك لأنه كان مجاب الدعوة. قال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٦٠٧) : وذلك أن رسول الله ﷺ قال: اللهم سدّد سهمه وأجب دعوته، فكان مشهورا بذلك تخاف دعوته وترجى لاشتهار إجابتها عندهم.

стр. 251

الفصل الرابع في مدح الشعراء للمحاسب بعدم المسامحة في المحاسبة فمن ذلك قول القاضي أبي بكر أحمد بن الحسين الأرّجاني «١» يمدح كاتبا محاسبا أنشده عماد الدين أبو حامد الأصبهاني في «الخريدة» : [من الكامل] من بلّغ الأقلام فوق مدى القنا ... للملك يوم تطاعن الآراء بخلائق خلقت لإدراك العلا ... وطرائق حظيت بكلّ ثناء ويد تشحّ بذرّة إن حاسبت ... وبدرّة منها أقلّ سخاء إن لم يسامح ثمّ فاطلب رفده ... ليريك كيف سماحة السمحاء فائدتان لغويتان: الفائدة الأولى: في «المحكم» : أرّجان موضع حكاه الفارسي، وأنشد «٢» : [من الوافر] أراد الله أن يخزي بجيرا ... فسلّطني عليه بأرّجان وخففه بعض متأخري الشعراء، فأقدم على ذلك لعجمته «٣» . قلت: هو المتنبي قال «٤» : [من الكامل] أرجان أيّتها الجياد فإنّه ... عزمي الذي يذر الوشيج مكسّرا وفي كتاب «اقتباس الأنوار» للرّشاطي: «أرّجان» مدينة بين فارس والأهواز. ومن يكون منها يقال له: الأرّجاني والرّجاني. انتهى. الفائدة الثانية: في «ديوان الأدب» (٣: ١١٩، ١٣٩) : شحّ على الشيء بفتح الشين يشحّ ويشحّ شحّا فيهما: بخل.

стр. 252

الجزء الرابع في العمالات الاحكامية وما ينضاف إليها وفيه سبعة عشر بابا

стр. 253

الباب الأول في الإمارة العامة على النواحي وفيه فصلان الفصل الأول في ذكر من ولّاه رسول الله ﷺ وشرّف وكرّم الأمراء الذين بعثهم رسول الله ﷺ على الجهات كثيرون، وأقتصر منهم على اثنين خاصة طلبا للإيجاز، وهم أمير مكة شرفها الله تعالى وأمير اليمن. ١- أمير مكة شرفها الله تعالى: قال ابن إسحاق في «السير» (٢: ٤٤٠) خرج رسول الله ﷺ يريد لقاء هوازن ومعه اثنا عشر ألفا: عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه ففتح الله بهم مكة، وألفان من أهل مكة، واستعمل رسول الله ﷺ عتّاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس على مكة، أميرا على من تخلّف عنه من الناس. وفي « [مختصر] السير» لابن جماعة: أمّر رسول الله ﷺ عتّاب بن أسيد على مكة وإقامة الموسم والحجّ بالمسلمين سنة ثمان، وهو دون العشرين سنة في سنّه. ٢- أمير اليمن : قال ابن فتحون في «الذيل» «١» : باذان، ويقال: باذام: ملك اليمن. ذكر الباورديّ إسلامه واستعمال النبيّ ﷺ إياه على

стр. 254

اليمن واستعماله شهرا ابنه على عمله بعد وفاة أبيه. وذكر الثعالبي: أنه أول من أسلم من ملوك العجم، وأول أمير في الإسلام على اليمن. فائدة لغوية: الباوردي والأبيوردي منسوبان إلى أبيورد مدينة من مدن خراسان، قاله الرشاطي. الفصل الثاني في ذكر نسبهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم ١- عتاب بن أسيد : في «الاستيعاب» (١٠٢٣) : عتّاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي، يكنى أبا عبد الرّحمن، وقيل أبا محمد. أسلم يوم فتح مكة، واستعمله النبي ﷺ على مكة عام الفتح في حين خروجه إلى حنين، فأقام للناس الحجّ تلك السنة وهي سنة ثمان، ولم يزل أميرا على مكة حتى قبض رسول الله ﷺ ، وأقرّه أبو بكر عليها، فلم يزل عليها إلى أن مات. وكان عتاب رجلا صالحا خيرا فاضلا. روى عنه عمرو بن أبي عقرب قال: سمعت عتاب بن أسيد يقول وهو يخطب مسندا ظهره إلى الكعبة يحلف: ما أصبت في عملي الذي بعثني عليه رسول الله ﷺ إلا ثوبين كسوتهما مولاي كيسان. قال أبو عمر (١٠٢٤) : كانت وفاته فيما قال الواقدي يوم مات أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، قال: ماتا في يوم واحد، وكذلك يقول ولد عتاب. وقال محمد بن سلام وغيره: جاء نعي أبي بكر رضي الله تعالى عنه مكة يوم دفن عتّاب بن أسيد بها. انتهى. وقال الزمخشري في «الكشاف» : (٢: ٤٦٣) إن رسول الله ﷺ استعمل عتاب بن أسيد على أهل مكة وقال: انطلق فقد استعملتك على أهل الله، فكان شديدا على المريب لينا على المؤمن، وقال: لا والله لا أعلم متخلفا يتخلّف

стр. 255

عن الصلاة في جماعة إلا ضربت عنقه فإنه لا يتخلف عن الصلاة إلا منافق، فقال أهل مكة: يا رسول الله، لقد استعملت على أهل الله عتاب بن أسيد أعرابيا جافيا؛ فقال ﷺ : إني رأيت فيما يرى النائم كأنّ عتاب بن أسيد أتى باب الجنة فأخذ بحلقة الباب فقلقلها قلقالا شديدا حتى فتح له فدخلها. انتهى. وقد تقدم هذا الخبر الذي ذكره الزمخشري في الباب السادس عشر من الجزء الثاني من هذا الكتاب «١» ، وأعدته هنا لما فيه من تكملة التعريف بعتاب بن أسيد رضي الله تعالى عنه. ونقل الثعالبي في تفسيره في الكلام على قوله تعالى: وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (الإسراء: ٨٠) عن الكلبي أنه قال: السلطان النصير: عتاب بن أسيد، وذكر تولية النبي ﷺ إياه على مكة بنحو مما ذكره الزمخشري. ٢- باذان : في «السير» لابن جماعة: باذان، ويقال باذام بن ساسان بن فلاش بن الملك جاماست» بن الملك فيروز بن الملك يزدجرد بن الملك بهرام جور الفارسي. أمّره رسول الله ﷺ بعد موت كسرى على اليمن كلها، فهو أول أمير في الإسلام على اليمن، وأول من أسلم من ملوك العجم، ومات في حياة النبي ﷺ فولي ابنه شهر بن باذان على صنعاء وأعمالها فقط. انتهى.

стр. 256

الباب الثاني في القاضي وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في قضاء رسول الله ﷺ بين الناس روى مالك رحمه الله تعالى في الموطأ (٥٠٩) عن أمّ سلمة زوج النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ قال: إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ فلعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حقّ أخيه فلا يأخذنّ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النّار. فائدتان لغويتان: الأولى: في «المشارق» (٢: ١٨٩- ١٩٠) قضى في اللغة- على وجوه- مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه والانفصال منه، منها: قضى بمعنى ختم، ومنه: ثُمَّ قَضى أَجَلًا (الأنعام: ٢) أي: أتمه وختمه. ومنها: الأمر، كقوله تعالى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ (الإسراء: ٢٣) أي: أمر، وبمعنى أعلم كقوله تعالى وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ (الإسراء: ٤) أي أعلمناهم، وبمعنى فصل في الحكم، ومنه: يقضي بينهم، وقضى الحاكم. وبمعنى الفراغ، انقضى الشيء إذا تم، وقضى صلاته. وبمعنى أنفذ وأمضى كقوله: فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ (طه: ٧٢) وبمعنى الخروج من الشيء والانفصال منه، ومنه: قضى الدين أي خرج وانفصل منه. انتهى مختصرا. وكل هذه الوجوه تحتمل أن يكون قولهم: قضى القاضي مشتقا منها. وفي «المحكم» : القضاء: الحكم، قضى عليه يقضي قضاء.

стр. 257

الثانية: في «الإكمال» و «الغريبين» قوله ﷺ : «ألحن بحجّته» أي أفطن لها. وفي «ديوان الأدب» (٢: ٢٢٠، ٢٥٤) لحن يلحن لحنا فهو لحن بكسر الحاء في الماضي واسم الفاعل وفتحها في المستقبل والمصدر، قال: واللّحن: الفطنة. وفي «المنتقى» (٥: ١٨٥) : قال أبو عبيدة: واللحن بفتح الحاء: الفطنة، واللحن بإسكان الحاء: الخطأ في القول. الفصل الثاني في ذكر قضاة رسول الله ﷺ ١- عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: في «سنن الترمذي» (٢: ٣٩٢) أن عثمان قال لعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه: اذهب فاقض بين الناس، قال: أو تعافيني يا أمير المؤمنين؟ قال: وما تكره من ذلك وقد كان أبوك يقضي؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كان قاضيا فقضى بالعدل فبالحريّ أن ينقلب منه كفافا. قال: وأرجو «١» بعد ذلك ... وفي الحديث قصة. وقال أبو بكر ابن العربي في «عارضة الأحوذي» : (٦: ٦٤) قول أبي عيسى: وفي الحديث قصة هي ما وقع في بعض نسخ الترمذي: أن عثمان قال لابن عمر: اقض بين الناس، قال لا أقضي بين رجلين، قال: إن أباك كان يقضي، قال: إن أبي كان يقضي فإن أشكل عليه شيء سأل رسول الله ﷺ فإن أشكل على رسول الله ﷺ سأل جبريل، وإني لا أجد من أسأل، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: من عاذ بالله فقد عاذ، وإني أعوذ بالله منك أن تجعلني قاضيا، فأعفاه، وقال: لا تخبرنّ أحدا. قال أبو بكر ابن العربي: (٦: ٦٥) قول عثمان لعبد الله بن عمر: إن أباك كان قاضيا، يعني لرسول الله ﷺ وكذلك روي عنه، ولم يرد به عثمان قضاءه

стр. 258

في خلافته ولا فهم عنه ذلك عبد الله بن عمر، ولذلك قال له: كان أبي إذا أشكل عليه أمر سأل رسول الله ﷺ ، فهذا يدل على أن ذلك كان في حياته، ولو أراد بذلك الخلافة لقال له: إن أبي كان خليفة ليس فوقه متعقّب عليه، فكيف يحتجّ به في ولاية متعقّب متوقّف. ٢- علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (١١٠٠) بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن وهو شاب ليقضي بينهم فقال: يا رسول الله إني لا أدري ما القضاء، فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: اللهم اهد قلبه وسدد لسانه، قال عليّ: فو الله ما شككت بعدها في قضاء بين اثنين. وروى أبو داود (٢: ٢٧٠) رحمه الله تعالى عن عليّ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيا وأنا حدث السنّ ولا علم لي بالقضاء، فقال: إن الله سيهدي قلبك ويثبّت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضينّ حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء. قال: فما زلت قاضيا أو ما شككت في قضاء بعد. وقال أبو عمر في «الاستيعاب» (١١٠٢) قال رسول الله ﷺ في أصحابه رضوان الله تعالى عليهم: أقضاهم علي بن أبي طالب. وروي أن المغيرة حلف بالله ما أخطأ عليّ في قضاء قط. ٣- معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (١٤٠٣) بعثه رسول الله ﷺ قاضيا إلى الجند من اليمن يعلّم الناس القرآن وشرائع الإسلام، ويقضي بينهم، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن، وذلك عام فتح مكة. انتهى. قلت: وكان فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة، لم يختلف في ذلك. وروى أبو داود (٢: ٢٧٢) رحمه الله تعالى عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ

стр. 259

رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ لما أراد أن يبعثه إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك القضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله ﷺ ولا في كتاب الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله. فائدتان لغويتان: الأولى: الجند: بفتح الجيم والنون معا، قاله البكري في المعجم (٣٩٧) ، وأنشد: [من الرجز] تنقّلا من بلد إلى بلد ... يوما بصنعاء ويوما بالجند الثانية: في «الأفعال» لابن طريف: ما ألوت في حاجتك وما ألوتك نصحا: ما قصّرت بك عن جهدي على فعل بفتح الفاء والعين، وأنشد لحاتم الطائي «١» : [من الطويل] وإني لا آلو بمالي صنيعة ... فأوّله زاد وآخره ذخر انتهى. الفصل الثالث في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم ١- عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: قد تقدم ذكره في باب الوزير بما أغنى عن الإعادة هنا والحمد لله كثيرا. ٢- علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (١٠٨٩) علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي الهاشمي، يكنى أبا الحسن.

стр. 260

وقال ابن إسحاق: أول من آمن بالله ورسوله محمد ﷺ من الرجال علي بن أبي طالب وهو قول ابن شهاب، إلا أنه قال: من الرجال بعد خديجة. (١٠٩٢) قال: وسئل محمد بن كعب القرظي عن أول من أسلم عليّ أو أبو بكر؟ قال: سبحان الله: عليّ أولهما إسلاما، وإنما شبّه على الناس لأن عليا أخفى إسلامه من أبي طالب، وأسلم أبو بكر وأظهر إسلامه، ولا شكّ عندنا أن عليّا أولهما إسلاما. (١٠٩٤) وعن ابن عمر: أسلم علي بن أبي طالب وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة. قال أبو عمر رحمه الله تعالى (١٠٩٥) : هذا أصحّ ما قيل في ذلك. (١٠٩٦) وقال علي رضي الله تعالى عنه: صليت مع رسول الله ﷺ كذا وكذا، لا يصلي معه غيري إلا خديجة. وأجمعوا أنه صلّى القبلتين، وهاجر وشهد بدرا والحديبية وسائر المشاهد وأنه أبلى ببدر وأحد وبالخندق وخيبر بلاء عظيما، وأنه أغنى في تلك المشاهد، وقام فيها المقام الكريم، وكان لواء رسول الله ﷺ في يده في مواطن كثيرة، ولم يتخلّف عن مشهد شهده رسول الله ﷺ مذ قدم المدينة إلا تبوك فإنه خلفه رسول الله ﷺ على المدينة وعلى عياله بعده، وقال له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبيّ بعدي. وآخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار، وقال في كل واحدة منهما لعلي رضي الله تعالى عنه: إنه أخي في الدنيا والآخرة، وآخى بينه وبين نفسه. (١٠٩٩) وروى بريدة وأبو هريرة وجابر والبراء بن عازب وزيد بن أرقم، كل واحد منهم عن النبي ﷺ أنه قال يوم غدير خمّ: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وبعضهم لا يزيد على: من كنت مولاه فعلي مولاه.

стр. 261

وروى سعد بن أبي وقاص وأبو هريرة وسهل بن سعد وبريدة الأسلمي وأبو سعيد الخدري وعبد الرّحمن بن عمرو وعمران بن الحصين وسلمة بن الأكوع، كلّهم بمعنى واحد عن النبي ﷺ أنه قال يوم خيبر: لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ليس بفرّار يفتح الله على يديه. ثم دعا بعليّ وهو أرمد فتفل في عينيه وأعطاه الراية، ففتح الله عليه، وهي كلها آثار ثابتة. (١١٠٥) وعن زر بن حبيش قال: جلس رجلان يتغديان ومع أحدهما خمسة أرغفة ومع الآخر ثلاثة أرغفة، فلما وضعا الغداء بين أيديهما مرّ بهما رجل فسلّم، فقالا: اجلس للغداء، فجلس وأكل معهما واستوفوا في أكلهم الأرغفة الثمانية، فقام الرجل وطرح إليهما ثمانية دراهم، وقال: خذا هذا عوضا مما أكلت لكما ونلته من طعامكما، فتنازعا، وقال صاحب الخمسة الأرغفة: لي خمسة دراهم ولك ثلاثة دراهم، فقال صاحب الأرغفة الثلاثة لا أرضى إلا أن تكون الدراهم بيننا نصفين وارتفعا إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فقصّا عليه قصتهما. فقال لصاحب الثلاثة: قد عرض صاحبك ما عرض وخبزه أكثر من خبزك فارض بالثلاثة، فقال: لا والله لا رضيت منه إلا بمرّ الحق، فقال علي: ليس لك في مرّ الحقّ إلا درهم، وله سبعة، فقال الرجل: سبحان الله يا أمير المؤمنين: هو يعرض عليّ ثلاثة فلم أرض، وأشرت عليّ بأخذها فلم أرض، وتقول لي الآن: إنه لا يجب في مر الحق إلا درهم واحد؟! فقال له علي: عرض صاحبك أن تأخذ الثلاثة صلحا فقلت: لا أرضى إلا بمرّ الحق، ولا يجب لك في مرّ الحقّ إلا درهم واحد، فقال له الرجل: فعرفني بالوجه في مر الحق حتى أقبله، فقال له علي رضي الله تعالى عنه: أليس الثمانية الأرغفة أربعة وعشرين ثلثا أكلتموها، وأنتم ثلاثة أنفس ولا يعلم الأكثر منكم أكلا ولا الأقل فتحملون في أكلكم على السواء، قال: بلى، قال: فأكلت أنت ثمانية أثلاث وإنما لك تسعة أثلاث، وأكل صاحبك ثمانية أثلاث وله خمسة عشر ثلثا، أكل منها ثمانية ويبقى له سبعة وأكل لك واحدا من تسعة، فلك واحد بواحدك وله سبعة. فقال الرجل: رضيت الآن.

стр. 262

قال أبو عمر رحمه الله تعالى (١١١٥) وفضائله لا يحيط بها كتاب، وقد أكثر الناس من جمعها. (١١٢١) وبويع له بالخلافة رضي الله تعالى عنه يوم قتل عثمان رضي الله تعالى عنه ورحمهما. اجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار، وتخلّف عن بيعته منهم نفر فلم يهجهم ولم يكرههم، وسئل عنهم فقال: أولئك قوم قعدوا عن الحقّ ولم يقوموا مع الباطل، وفي رواية أخرى: أولئك قوم خذلوا الحقّ ولم ينصروا الباطل. ومن «كامل التاريخ» (٣: ١٩١) : وكان أول من بايعه طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه فنظر إليه حبيب بن ذؤيب فقال: إنا لله أول من بدأ بالبيعة يد شلّاء، لا يتم هذا الأمر. قال أبو عمر في «الاستيعاب» (٧٦٥) أبلى طلحة يوم أحد بلاء حسنا، ووقى رسول الله ﷺ بنفسه، واتقى عنه النبل بيده حتى شلّت إصبعه رضي الله تعالى عنه. وروى البخاري رحمه الله تعالى عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة التي وقى بها النبيّ ﷺ قد شلّت. وقال أبو عمر (١١٢٣) لما تعاقد الخوارج على قتل علي رضي الله تعالى عنه وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان، وخرج منهم ثلاثة نفر لذلك، كان عبد الرّحمن بن ملجم لعنه الله تعالى هو الذي اشترط قتل علي رضي الله تعالى عنه فدخل الكوفة عازما على ذلك، واشترى لذلك سيفا بألف وسقاه السمّ- فيما زعموا- حتى لفظه، وكان في خلال ذلك يأتي عليا رضي الله تعالى عنه ويسأله ويستحمله فيحمله إلى أن وقعت عينه على قطام امرأة من بني عجل بن لجيم، وكانت ترى رأي الخوارج، وكان عليّ قتل أباها وإخوتها بالنهروان، وكانت امرأة رائعة جميلة فأعجبته ووقعت في نفسه فخطبها فقالت: قد آليت ألا أتزوج إلا على مهر لا أريد سواه، فقال: وما هو؟ فقالت: ثلاثة آلاف وقتل عليّ بن أبي طالب، فقال: والله لقد قصدت لقتل علي بن أبي طالب والفتك به،

стр. 263

وما أقدمني هذا المصر غير ذلك، ولكن لما رأيتك آثرت تزويجك، فقالت: ليس إلا الذي قلت لك، قال لها: وما يغنيك أو يغنيني منك قتل عليّ، وأنا أعلم أني إن قتلته لم أفلت «١» ، فقالت له: إن قتلته ونجوت فهو الذي أردت، تبلغ شفاء نفسي ويهنئك العيش معي، وإن قتلت فما عند الله خير من الدنيا وما فيها، فقال لها: لك ما اشترطت، ولقي ابن ملجم شبيب بن نجدة «٢» الأشجعيّ لعنهما الله تعالى فقال: يا شبيب هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ فقال: وما هو؟ قال: تساعدني على قتل عليّ بن أبي طالب، قال: ثكلتك أمك، لقد جئت شيئا إدّا، كيف تقدر على ذلك؟ قال: إنه رجل لا حرس له، ويخرج إلى المسجد، فإذا خرج إلى الصلاة قتلناه، فإن نجونا نجونا، وإن قتلنا سعدنا بالذكر في الدنيا وبالجنة في الآخرة، فقال: ويلك! إن عليا ذو سابقة في الإسلام مع النبي ﷺ ، والله ما تنشرح نفسي لمقتله، قال: ويلك إنه حكّم الرجال في دين الله، وقتل إخواننا الصالحين فنقتله ببعض من قتل، فلا تشكّنّ في دينك، فأجابه وأقبلا حتى دخلا على قطام وهي معتكفة في المسجد الأعظم في قبة ضربتها لنفسها، فدعت لهم، فأخذوا أسيافهم وجلسوا قبالة السدة التي يخرج منها علي رضي الله تعالى عنه إلى صلاة الصبح، فبدره شبيب لعنه الله فضربه فأخطأه، وضربه عبد الرّحمن بن ملجم لعنه الله على رأسه، وقال: الحكم لله يا عليّ لا لك ولأصحابك، فقال عليّ: فزت وربّ الكعبة، لا يفوتنكم الكلب، فشدّ الناس عليه من كلّ جانب فأخذوه، وهرب شبيب خارجا من باب كندة، فلما أخذ قال عليّ: احبسوه، فإن متّ فاقتلوه ولا تمثّلوا به، وإن لم أمت فالأمر لي في العفو أو القصاص؛ قال: وذلك في صبيحة يوم الجمعة لسبع عشرة من رمضان صبيحة بدر، وقيل لثلاث عشرة ليلة خلت منه، وقيل لإحدى عشرة ليلة خلت منه، وقيل بل بقيت من رمضان سنة أربعين، وقبض في أول ليلة مضت من العشر الأواخر منه.

стр. 264

واختلف في موضع دفنه فقيل في قصر الإمارة بالكوفة، وقيل في رحبة الكوفة، وقيل في نجف الحيرة في موضع بطريق الحيرة، وقيل قبره مجهول جهل موضعه. واختلف أيضا في مبلغ سنة يوم مات، فقيل سبع وخمسون، وقيل ثمان وخمسون، وقيل ثلاث وستون، وقيل أربع وستون، وقيل خمس وستون. وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر وثلاثة أيام، وقيل ستة أيام، وقيل أربعة عشر يوما. قال أبو عمر (١١٣١) رحمه الله تعالى: ومما قيل في ابن ملجم وقطام «١» : فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة ... كمهر قطام من فصيح وأعجم ثلاثة آلاف وعبد وقينة ... وضرب عليّ بالحسام المصمّم فلا مهر أغلى من عليّ وإن غلا ... ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم (١١٣٣) ومما رثي به علي رضي الله تعالى عنه قول الفضل بن أبي لهب: [من البسيط] ما كنت أحسب أن الأمر منصرف ... عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليس أول من صلّى لقبلته ... وأعلم الناس بالقرآن والسنن من فيه ما فيهم لا يمترون به ... وليس في القوم ما فيه من الحسن ومن أبيات لخزيمة بن ثابت «٢» بصفين: [من الخفيف] كلّ خير يزينهم فهو فيه ... وله دونهم خصال تزينه

стр. 265

(١١٣٢) وقال أبو الأسود الدؤلي، وأكثرهم يروونها لأم الهيثم بنت العريان النخعية «١» : [من الوافر] ألا يا عين ويحك أسعدينا ... ألا تبكي أمير المؤمنينا تبكّي أمّ كلثوم عليه ... بعبرتها وقد رأت اليقينا ألا قل للخوارج حيث كانوا ... فلا قرّت عيون الشامتينا أفي شهر الصيام فجعتمونا ... بخير الناس طرّا أجمعينا قتلتم خير من ركب المطايا ... وذلّلها ومن ركب السّفينا ومن لبس النعال ومن حذاها ... ومن قرأ المثاني والمبينا وكلّ مناقب الخيرات فيه ... وحبّ رسول ربّ العالمينا لقد علمت قريش حيث كانت ... بأنّك خيرها حسبا ودينا وكنّا قبل مقتله بخير ... نرى مولى رسول الله فينا يقيم الحقّ لا يرتاب فيه ... ويعدل في العدا والأقربينا وليس بكاتم علما لديه ... ولم يخلق من المتجبرينا فلا تشمت معاوية بن صخر ... فإن بقية الخلفاء فينا قال أبو عمر (١١٢٢) رحمه الله تعالى: قال الزبير: «تجوب» رجل من حمير كان أصاب دما في قومه فلجأ إلى مراد، فقال: جئت إليكم أجوب البلاد، فقيل له: أنت تجوب فسمّي به، وهو اليوم في مراد، وهم رهط ابن ملجم المرادي، ثم التجوبي لعنه الله تعالى وأصله من حمير. وأنشد التلمساني في «العمدة» للكميت بن زيد «٢» في أبيات يرثي بها عليا رضي الله تعالى عنه: [من الخفيف] والوصيّ «٣» الذي أمال التجوبي ... به عرش أمّة لانهدام

стр. 266

قال: وقطام بنت علقمة من تيم الرّباب، وقيل إنها من عجل. فوائد لغوية في أربع مسائل: الأولى: في «المحكم» (٦: ٣٠، ٢: ٢٠٧) الغداء: طعام الغدوة، وتغدّى الرجل وغدّيته، ورجل غديان. والعشاء طعام العشيّ، وتعشّى وعشيته ورجل عشيان. وفي «ديوان الأدب» (٤: ٤٥، ٤٦) الغداء والعشاء بفتح الفاء والمد. وفي «الصحاح» «١» (٦: ٢٤٤٤) إذا قيل لك: ادن فتغدّ فقل: ما بي من تغدّ، وفي العشاء: ما بي من تعشّ، ولا تقل: ما بي غداء ولا عشاء لأنه الطعام بعينه. انتهى. قلت: وداله مهملة، وأما الغذاء بكسر الغين والذال المعجمة والمدّ أيضا: فما يكون به نماء الجسم وقوامه «٢» ، غذاه يغذوه غذوا فاغتذى وتغذّى. الثانية: قول شبيب: شيئا إدّا: قال الهروي: يقال: جاء بأمر إدّ: إذا أتى منكرا عظيما. الثالثة: الفارابي (٣: ٢٤) : السدّة بضم السين والدال المشددة: الباب. قال أبو الدرداء: من يغش سدد السلطان يقم ويقعد. الرابعة: نجف الحيرة، قال البكري (١٢٩٩) : النجف بفتح أوله وثانيه بعده فاء: موضع معروف بالكوفة. قال الكميت «٣» : [من المتقارب] فياليت شعري هل أبصرنّ ... بالنّجف الدهر حضّارها قال: ونهر الحيرة مدفون «٤» من الفرات إلى النجف.

стр. 267

٣- معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (١٤٠٢) : معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي بن كعب بن عمرو بن أديّ بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج، الأنصاري الخزرجي ثم الجشمي، يكنى أبا عبد الرّحمن، وهو أحد السبعين الذين شهدوا العقبة من الأنصار، شهد العقبة وبدرا والمشاهد كلّها، وبعثه رسول الله ﷺ قاضيا إلى الجند من اليمن يعلّم الناس القرآن وشرائع الإسلام، ويقضي بينهم، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين كانوا باليمن. (١٤٠٤) وقال النبي ﷺ : أعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل. وقال أيضا ﷺ : يأتي معاذ بن جبل يوم القيامة أمام العلماء برتوة. (١٤٠٦) وعن فروة الأشجعي قال: كنت جالسا مع ابن مسعود فقال: إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين، فقلت يا أبا عبد الرّحمن إنما قال الله: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً فأعاد قوله: إن معاذا، فلما رأيته أعاد عرفت أنه تعمد الأمر فسكت، فقال: أتدري ما الأمة وما القانت؟ قلت: الله أعلم، قال: الأمة: الذي يعلّم الخير ويؤتمّ به ويقتدى، والقانت: المطيع لله، وكذلك كان معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه معلّما للخير، مطيعا لله ورسوله. (١٤٠٥) وتوفي معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه سنة ثمان عشرة في طاعون عمواس، قاله المدائني وأحمد بن حنبل. قال المدائني: بناحية الأردن، وقال غيرهما: توفي سنة سبع عشرة، وقال أبو زرعة: كان الطاعون سنة سبع عشرة. واختلف في سنة: فقيل ثمان وعشرون، وقيل ثلاث وثلاثون، وقيل أربع وثلاثون، وقيل ثمان وثلاثون. فوائد لغوية في ثلاث مسائل: الأولى: قوله ﷺ : يأتي معاذ بن جبل يوم القيامة أمام العلماء برتوة. قال الهروي: أي بدرجة ومنزلة، ويقال بخطوة.

стр. 268

الثانية: «عمواس» قال البكري (٩٧١) : بفتح العين والميم بعده واو وألف وسين مهملة: قرية من قرى الشام وهي التي ينسب إليها الطاعون؛ وفي «الاستيعاب» «١» هي قرية بين الرملة وبيت المقدس. الثالثة: قال البكري (١٣٧) : «الأردنّ» بضمّ الهزة والدال معا وسكون الراء المهملة، وتشديد النون: نهر بأعلى الشام وهو نهر طبرية، قال الراجز «٢» : حنّت قلوصي أمس بالأردنّ

стр. 269

الباب الثالث في صاحب المظالم قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى في كتابه «في أحكام القرآن» (٤: ١٦٣١) هذه ولاية غريبة أحدثها من تأخّر من الولاة لفساد الولاية وفساد الناس «١» ، وهي عبارة عن كلّ حكم يعجز عنه القاضي فينظر فيه من هو أقوى يدا منه، وذلك أن التنازع إذا كان بين ضعيفين قوّى أحدهما القاضي، وإذا كان بين قوي وضعيف، أو قويين والقوة في أحدهما بالولاية، كظلم الأمراء أو العمال، فهذا مما نصب له الخلفاء أنفسهم، وأول من جلس إليه عبد الملك بن مروان. قال الماوردي في «أحكامه» (٧٨) : فكان عبد الملك إذا وقف منها على مشكل، أو احتاج فيها إلى حكم ينفذ ردّه إلى قاضيه أبي إدريس الأودي، فكان القاضي هو المنفذ وعبد الملك هو الآمر. قال القاضي أبو بكر ابن العربي في «أحكام القرآن» (٤: ١٦٣١) أيضا: ثم جلس له عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه فردّ مظالم بني أمية على المظلومين، إذ كانت في أيدي الولاة والعتاة الذين تعجز عنهم القضاة. وذكر المطرّز في «اليواقيت» عن ابن الأعرابي قال: كان ملك من ملوك بني مروان إذا أراد أن يقعد للمظالم أقام غلاما حسن الوجه ينشد: [من السريع] إنّا إذا مالت دواعي الهوى ... واستمع الصامت للقائل واصطرع الناس بألبابهم ... بالمنطق الجائر والعادل

стр. 270

لا نجعل الباطل حقا ولا ... نلطّ دون الحقّ بالباطل نكره أن تسفه أحلامنا ... فتخمل الدهر مع الخامل ثم يأخذ في عمله. انتهى. قال القاضي أبو بكر في «الأحكام» (٤: ١٦٣١) أيضا: ثم صارت تلك سنة فكان بنو العباس يجلسون لها وهي قصة دارسة، على أنها في أصل وضعها داخلة في القضاء. انتهى. ومن أخبار المأمون عبد الله بن الرشيد هارون العباسي أنه كان يجلس للمظالم في يوم الأحد، فنهض ذات يوم من مجلس نظره فلقيته امرأة في ثياب رثّة فقالت: يا خير منتصف يهدى له الرّشد ... ويا إماما به قد أشرق البلد تشكو إليك عميد الملك أرملة ... عدا عليها فما تقوى به أسد فابتزّ منها ضياعا بعد منعتها ... لمّا تفرّق عنها الأهل والولد فأطرق المأمون يسيرا ثم رفع رأسه وقال: من دون ما قلت عيل الصبر والجلد ... وأقرح القلب هذا الحزن والكمد هذا أوان صلاة الظهر فانصرفي ... أحضري الخصم في اليوم الذي أعد المجلس السبت إن يقض الجلوس لنا ... أنصفك منه وإلا المجلس الأحد فانصرفت، وحضرت في يوم الأحد أول الناس فقال لها المأمون: من خصمك؟ فقالت القائم على رأسك، العباس بن أمير المؤمنين، فقال المأمون لقاضيه يحيى بن أكثم، وقيل بل قاله لوزيره أحمد بن أبي خالد: أجلسها معه وانظر ما بينهما، فأجلسها معه ونظر بينهما بحضرة المأمون، فجعل كلامها يعلو، فزجرها بعض حجّابه، فقال: دعها فإن الحقّ أنطقها، والباطل أخرسه، فأمر بردّ ضياعها عليها ... ذكر القصة الماوردي في «الأحكام» (٨٤) . فائدة لغوية: في المحكم» (٢: ١٥٥) الضّيعة: الأرض المغلّة، والجمع ضيع وضياع.

стр. 271

الباب الرابع في قاضي الانكحة في «الموطأ» (٣٥٧) عن سهل بن سعد السّاعدي: أن رسول الله ﷺ جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك، فقامت قياما طويلا، فقام رجل فقال: يا رسول الله زوّجنيها، إن لم تكن لك بها حاجة، فقال رسول الله ﷺ : هل عندك شيء تصدقها إياه؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال رسول الله ﷺ : إن أعطيتها إياه جلست ولا إزار لك فالتمس شيئا فقال: ما أجد شيئا، قال: «التمس ولو خاتما من حديد» فالتمس فلم يجد شيئا، فقال له رسول الله ﷺ : هل معك شيء من القرآن؟ فقال: نعم، سورة كذا وسورة كذا لسور سمّاها، فقال له رسول الله ﷺ : قد أنكحتكها بما معك من القرآن. وخرج مسلم (١: ٤٠١) نحوه من طرق عن سهل بن سعد، وقال: يزيد بعضهم على بعض، غير أن في حديث زائدة فقال: انطلق فقد زوجتكها فعلّمها من القرآن. وفي «سنن النسائي» عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فعرضت نفسها عليه فقال لها: اجلسي، فجلست ساعة، ثم قامت، قال: اجلسي بارك الله فيك، أمّا نحن فلا حاجة لنا فيك، ولكن تملكيني أمرك؟ قالت: نعم، فنظر رسول الله ﷺ في وجوه القوم فدعا رجلا منهم فقال: إني أريد أن أزوجك هذا إن رضيت، قالت: ما رضيت لي يا رسول الله فقد رضيت، ثم قال للرجل: هل عندك من شيء؟

стр. 272

قال: لا والله، قال قم إلى النساء، قال: فقام إليهنّ فلم يجد عندهنّ شيئا، فقال: ما تحفظ من القرآن؟ قال: سورة البقرة أو التي تليها، قال: علّمها عشرين آية وهي امرأتك. انتهى. وخرّج أبو داود (١: ٤٨٧) عن أبي هريرة أيضا نحوه. فائدة لغوية: في «الصحاح» (١: ٤١٣) النكاح: الوطء، وقد يكون العقد، تقول: نكحتها، ونكحت هي أي تزوّجت، وهي ناكح في بني فلان أي ذات زوج منهم. وفي «الديوان» (٢: ١٥١) : نكح ينكح بفتح الكاف في الماضي وكسرها في الآتي.

стр. 273

الباب الخامس في الشهادة وكتابة الشروط وفيه خمسة فصول الفصل الأول فيما جاء في القرآن شرّفه الله تعالى من الأمر بذلك قلت: أمر الله بالكتب والإشهاد في بيوع الآجال فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ (البقرة: ٢٨٢) ، ثم قال : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى (البقرة: ٢٨٢) . وقال تعالى في بيوع النقد: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ (البقرة: ٢٨٢) ، وكذلك أمر بالإشهاد في الوصية فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ الآية (المائدة: ١٠٦) . وكذلك أمر بالإشهاد على من ظهر رشده من اليتامى حين دفع أموالهم إليهم فقال تعالى: فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ (النساء: ٦) . وكذلك أمر بالإشهاد في الطلاق والرجعة، فقال تعالى: فَإِذا

стр. 274

بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (الطلاق: ٢) . وقال اللخميّ في «تبصرته» : أمر الله بالإشهاد على الرجعة أو الفرقة أيهما اختيرت، فتضمنت الشهادة على الطلاق، لأن الرجعة لا تكون إلا عن طلاق فالإشهاد على الرجعة إشهاد على تقدم الطلاق. انتهى ما قاله اللخميّ. واختلف العلماء هل هذه الأوامر على الوجوب أو على الندب، وبيان ذلك في كتب التفاسير والأحكام. وأمر الله بالإشهاد على الزنا، فقال تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ (النساء: ١٥) . وكذلك أمر في ما يدفع الحدّ عن القاذف فقال تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً (النور: ٤) . الفصل الثاني فيما كتب عن رسول الله ﷺ في ذلك روى الترمذي (٢: ٣٤٤) عن عبد الحميد بن وهب قال: قال لي العدّاء بن خالد ابن هوذة: ألا أقرئك كتابا كتبه لي رسول الله ﷺ ؟ قلت: بلى، فأخرج لي كتابا: هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله، اشترى منه عبدا أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة، بيع المسلم المسلم. قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن غريب. وذكر أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (١٢٣٧) بسنده عن الأصمعي عن عثمان الشحام وعن أبي رجاء العطاردي عن العداء بن خالد قال: ألا أقرئك كتابا كتبه لي رسول الله ﷺ ، وإذا فيه مكتوب: بسم الله الرّحمن الرّحيم، هذا ما اشترى العداء بن خالد من محمد رسول الله، اشترى منه عبدا أو أمة- شكّ عثمان- بياعة المسلم، أو بيع المسلم المسلم لا داء ولا غائلة ولا خبثة.

стр. 275

وقال البخاري (٣: ٧٦) رحمه الله تعالى: ويذكر عن العداء بن خالد قال: كتب لي النبي ﷺ : هذا ما اشترى محمد رسول الله [ ﷺ ] من العدّاء بن خالد بيع المسلم المسلم لا داء ولا خبثة ولا غائلة. قال القاضي أبو الفضل عياض في «المشارق» : وقيل هذا وهم، وهو مقلوب، وصوابه: هذا ما اشترى العدّاء بن خالد من محمد رسول الله، ذكره الترمذي وابن الجارود، والعدّاء هو المشتري. قال القاضي: ولا يبعد صواب ما في الأم واتفاقه مع المصنفات الأخر إذا جعلنا شرى واشترى وباع وابتاع بمعنى يستعملان في الوجهين جميعا. انتهى. قلت: وإذا ثبت هذا كان حجة لمن يرى من الموثّقين تقديم الأشرف في الكتب بائعا كان أو مشتريا. فائدة لغوية: في «المشارق» (١: ٢٢٨) : الخبثة بكسر الخاء: ما كان غير طيّب الأصل وكلّ حرام خبيث، قال الله تعالى وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ (الأعراف: ١٥٧) ، وقيل: الخبثة هنا، الريبة من الفجور. وقوله: لا غائلة أي خديعة ولا حيلة، قال الخطابي: الغائلة في البيع: كل ما أدّى إلى تلف الحقّ، وفسره قتادة في كتاب البخاري (٣: ٧٦) : الغائلة: الزنا والسرقة والاباق والأشبه عندي أن يكون تفسير قتادة راجعا إلى الخبثة والغائلة معا. الفصل الثالث في ذكر من كان يكتبها من الصحابة رضي الله تعالى عنهم روى أبو داود في سننه (٢: ١٠٥) من طريق بشر بن المفضل عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: أصاب عمر أرضا بخيبر فأتى النبيّ ﷺ فقال: أصبت أرضا لم أصب مالا قط أنفس عندي منه، فكيف

стр. 276

تأمرني فيه؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، فتصدّق بها عمر: أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث، للفقراء والقرباء والرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم صديقا غير متمول فيه. قال بشر: وقال محمد غير متأثل مالا. وروى أيضا في سننه (٢: ١٠٥) عن الليث عن يحيى بن سعيد عن صدقة عمر بن الخطاب قال: نسخها لي عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: بسم الله الرّحمن الرّحيم هذا ما كتب عبد الله بن عمر في ثمغ، فقصّ من خبره نحو حديث نافع قال: غير متأثل مالا، فما عفا عنه من ثمره فهو للسائل والمحروم، قال: وساق القصة، قال: وإن شاء ولي ثمغ اشترى من ثمره رقيقا لعمله؛ وكتب معيقيب وشهد عبد الله بن الأرقم. انتهى. وقد تقدم ذكر عبد الله بن الأرقم في الباب الثاني من الجزء الثالث من هذا الكتاب. وقال القاضي محمد بن سلامة القضاعي في كتاب «الأنباء» : كان المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير وقيل ابن بشير يكتبان المداينات والمعاملات؛ وقاله ابن حزم أيضا في كتاب «جوامع السيرة» «١» . تنبيه: المغيرة بن شعبة: في «الاستيعاب» (١٤٤٥) : المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس، من ثقيف الثقفي، يكنى أبا عبد الله، وقيل أبا عيسى، وبالأولى كان يكنى حتى هلك. أسلم عام الخندق وقدم مهاجرا، وقيل إن أول مشاهده الحديبية، وكان أعور أصيبت عينه يوم اليرموك. وتوفي سنة خمسين، وقيل سنة إحدى وخمسين

стр. 277

بالكوفة أميرا عليها لمعاوية في داره بها، ووقف على قبره مصقلة بن هبيرة الشيباني فقال «١» : [من الخفيف] إن تحت الأحجار حزما وجودا ... وخصيما ألدّ ذا معلاق «٢» حية في الوجار أربد لا ينفع ... منه السليم نفث الراقي ثم قال: أما والله لقد كنت شديد الأخوة لمن آخيت. وروى سحنون عن ابن نافع قال: أحصن المغيرة بن شعبة ثلاثمائة امرأة في الإسلام؛ قال ابن وضاح: غير ابن نافع يقول: ألف امرأة. انتهى. والحصين بن نمير أو ابن بشير، حسبما اختلف فيه، لم يذكره ابن عبد البر ولا ابن فتحون في الصحابة. الفصل الرابع في ذكر من كان يكتبها من التابعين قال الشيرازي رحمه الله تعالى في كتاب «طبقات الفقهاء» (٦٠) له: ومن فقهاء التابعين في المدينة: خارجة بن زيد بن ثابت، مات سنة مائة وهو ابن سبعين سنة. قال مصعب: كان خارجة بن زيد وطلحة بن عبد الله بن عوف في زمانهما يستفتيان وينتهي الناس إلى قولهما، ويقسمان المواريث بين أهلها من الدور والنخيل والأموال، ويكتبان الوثائق للناس. انتهى. الفصل الخامس في معنى قولهم: كتابة الشروط والوثائق والعقود قال أبو بكر ابن العربي في «العارضة» : (٥: ٢٢٠) الشرط في العربية: العلامة، ومنه

стр. 278

أشراط الساعة، وهو عبارة عن كلّ شيء يدلّ على غيره ويعلم من قبله. ولما كانت العقود يعرف بها ما جرى سمّيت شروطا. وفي «ديوان الأدب» (١: ١١٦) وزنه فعل بفتح العين. وقال أبو بكر ابن العربي: (٥: ٢٢٠) وسميت وثائق من الوثيقة وهو ربط الشيء لئلا ينفلت ويذهب، وسميت عقودا لأنها ربطت كتبة كما ربطت قولا.

стр. 279

الباب السادس في فارض المواريث وفيه فصلان الفصل الأول في الحضّ على تعلم الفرائض ذكر أبو القاسم أحمد بن خلف الحوفي «١» رحمه الله تعالى أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: تعلموا الفرائض وعلّموها الناس فإنها نصف العلم، وهي أول ما ينزع من أمتي. وروى النسائي «٢» رحمه الله تعالى عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: تعلموا القرآن وعلّموه الناس، وتعلموا الفرائض وعلموها الناس، وتعلموا العلم وعلّموه الناس «٣» ، فإني مقبوض، وإن العلم سيقبض، وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في فريضة لا يجدان إنسانا يفصل بينهما. فائدة لغوية: الفرائض جمع فريضة. وفي «المشارق» (٢: ١٥٢) فرض الحاكم النفقة للمرأة: قدّرها، وفرائض الله: ما ألزمه عباده وأوجبه عليهم، قال: وقوله: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر، قيل: قدّرها وبيّنها وهو مذهب بعض

стр. 280

أهل البصرة وبعض أهل الحجاز من الفقهاء، وقيل: ألزمها وأوجبها وهو مذهب المالكية وأهل العراق. الفصل الثاني في ذكر من كان فارضا على عهد رسول الله ﷺ روى الترمذي (٥: ٣٣٠) رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال، قال رسول الله ﷺ : أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل. ألا وإنّ لكلّ أمة أمينا ألا وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي «الاستيعاب» (٥٣٩) : كان زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه أحد فقهاء الصحابة الجلة الفرّاض. قال رسول الله ﷺ : أفرض أمتي زيد بن ثابت. وفي كتاب «الأموال» (٢٨٥) لأبي عبيد القاسم بن سلام: أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه خطب الناس بالجابية فقال: من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبيّ بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه في الدين فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله قد جعلني له خازنا وقاسما؛ إني بادىء بأزواج النبي ﷺ فمعطيهن، ثم المهاجرين الأولين، ثم أنا بادىء بأصحابي أخرجنا من مكة من ديارنا وأموالنا، ثم بالأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، قال: ثم قال: فمن أسرع إلى الهجرة أسرع به العطاء، ومن أبطأ عن الهجرة أبطأ عنه العطاء، فلا يلومنّ رجل إلا مناخ راحلته. انتهى. تنبيه: قد تقدم ذكر زيد بن ثابت رحمه الله تعالى في باب كتّاب الرسائل فأغنى عن الإعادة الآن.

стр. 281

الباب السابع في ذكر فارض النفقات روى مسلم (٢: ٤٠) رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بنيّ إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل عليّ في ذلك من جناح؟ فقال رسول الله ﷺ : خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك. فائدة لغوية: في «المحكم» (٣: ٦٢) الجناح: الميل إلى الإثم، وقيل هو الإثم عامة.

стр. 282

الباب الثامن في الوكيل في غير الامور المالية وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في ذكر من وكله النبي ﷺ ذكر أبو بكر ابن العربي رحمه الله تعالى في كتاب «أحكام القرآن» (٣: ١٢١٧) له: أن رسول الله ﷺ وكل عمرو بن أمية الضمري على عقد نكاح أمّ حبيبة بنت أبي سفيان عند النجاشي، ووكل أبا رافع على نكاح ميمونة في إحدى الروايتين. الفصل الثاني في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم ١- عمرو بن أمية الضمري: في «الاستيعاب» (١١٦٢) «١» : عمرو بن أميّة بن خويلد بن عبد الله بن إياس بن عبيد بن ناشرة بن كعب الضّمري، من بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن علي بن كنانة، يكنى: أبا أمية. قال أبو عمر ﵀: شهد عمرو بن أمية الضمري بدرا وأحدا مع المشركين، ثم أسلم حين انصرف المشركون من أحد، وكان رسول الله ﷺ يبعثه في أموره، وكان من رجال العرب نجدة وجرأة. وكان أول مشهد شهده بئر معونة، فأسرته بنو عامر يومئذ، فقال له عامر بن الطفيل: إنه كان على أمي نسمة، فاذهب فأنت حرّ عنها، وجزّ ناصيته. قال الواقدي: بعثه رسول

стр. 283

الله ﷺ في سنة ستّ إلى النجاشي بالحبشة، فقدم عمرو بن أمية بكتاب رسول الله ﷺ على النجاشي يدعوه إلى الإسلام، فأسلم النجاشيّ وشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدا رسول الله. قال: وأرسل إليه رسول الله ﷺ ليزوّجه أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، ويبعث بها إليه، وكلّ من عنده من المسلمين، ففعل. وبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية أيضا إلى أبي سفيان بن حرب بهدية إلى مكة. وهو معدود في أهل الحجاز. ومات بالمدينة في خلافة معاوية بن أبي سفيان. انتهى. ٢- أبو رافع مولى رسول الله ﷺ : يأتي ذكره إن شاء الله تعالى في باب صاحب الثقل. الفصل الثالث في توكيل عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه عبد الله بن أخيه جعفر ﵃ في خصومة مع طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه من «البيان والتحصيل» من كتاب أوله تأخير صلاة العشاء في الحرس: روى الشعبيّ أنه قال: أول من جرّى جريّا أي وكّل وكيلا من الصحابة: علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وكل عبد الله بن جعفر، فقيل له: لم وكلت عبد الله وأنت سيد من سادات الناطقين؟ فقال: إن للخصومات قحما؛ قال: وكانت الخصومة بين علي وطلحة بن عبيد الله في ضفير بين ضيعتيهما، كان عليّ يحبّ أن يثبت، وطلحة يحبّ أن يزال، فوكل علي عبد الله بن جعفر فتنازعا الخصومة في ذلك بين يدي عثمان وهو خليفة، فقال لهما: إذا كان غد ركبت في الناس معكما حتى أقف على الضفير فأقضي فيه بينكما معاينة، فركب في المهاجرين والأنصار، وجاء معهم معاوية، فقال- وهم يتنازعون الخصومة في الطريق- لو كان منكرا لأزاله

стр. 284

عمر، فكان سبب توجّه الحكم لعبد الله على طلحة. فوقف عثمان والناس معه رضي الله تعالى عنهم على الضفير، فقال: يا هؤلاء أخبرونا أكان هذا أيام عمر؟ قالوا: نعم، قال: فدعوه كما كان أيام عمر رضي الله تعالى عنه وانصرفا. قال عبد الله: فجئت من فوري إلى علي رضي الله تعالى عنه فقصصت عليه القصة حتى بلغت إلى كلام معاوية، فضحك، ثم قال: أتدري لم أعانك معاوية؟ قلت: لا، قال: أعانك للمنافيّة، قم الآن إلى طلحة فقل له: إن الضفير لك فاصنع به ما بدا لك، فأتيته فأخبرته، فسرّ بذلك، ثم دعا بردائه ونعليه وقام معي حتى دخلنا على علي رضي الله تعالى عنهم، فرحّب به وقال: الضفير لك فاصنع به ما شئت، فقال: قد قبلت وإنما جئت شاكرا، ولي حاجة ولا بدّ من قضائها، فقال له علي ﵄: سل حتى أقضيها لك. فقال طلحة: أحبّ أن تقبل الضيعة مني مع ما فيها من الغلمان والدواب والآلة، فقال عليّ: قد قبلت، قال: ففرح طلحة وتعانقا وتفرّقنا. قال عبد الله: فو الله ما أدري أيهما أكرم في ذلك المجلس: عليّ إذ جاد بالضفير، أم طلحة إذ جاد بالضيعة بعد ضنّه بمسنّاة. انتهى. فوائد لغوية في خمس مسائل: الأولى: في «الصحاح» (٦: ٢٣٠) الجريّ: الوكيل والرسول، يقال: جريّ بيّن الجراية والجراية. والجمع أجرياء، وقد جرّيت جريّا واستجريت، وأما الجريء المقدام فهو من باب الهمز. الثانية: في «الغريبين» وكل فلان فلانا، أي وكل أمره إليه يستكفيه. وفي «الصحاح» (٥: ١٨٤٥) : وكّلته بأمر كذا توكيلا، والاسم: الوكالة والوكالة، قال الفارابي (٣: ٢٤٣) : بفتح الواو وكسرها. وفي «الزاهر» (١: ٩٩- ١٠٠) الوكيل: الكافي؛ قاله الفراء. انتهى.

стр. 285

ووكل أمرا إليه، أي صرفه، بتخفيف الكاف. قال القاضي في «المشارق» (٢: ٢٨٥) : وقوله عن فاطمة: ووكلها إلى الله بالتخفيف أي صرف أمرها إليه. الثالثة: في «الصحاح» (٥: ٢٠٠٦) للخصومة قحم: أي أنها تقحم بصاحبها على ما لا يريده، قحم في الأمر قحوما: رمى بنفسه فيه بغير رويّة. الرابعة: في «الصحاح» (٢: ٧٢٢) الضفيرة: المسنّاة، والمسناة: العرم. وفي «الغريبين» في حديث علي أن طلحة رضي الله تعالى عنهما نازعه في ضفيرة كان عليّ ضفرها في واد. قال شمر قال ابن الأعرابي: الضفيرة مثل المسنّاة المستطيلة في الأرض فيها خشب وحجارة، وفيه أيضا: المسنّاة ضفيرة تبنى للسيل تردّه، سمّيت مسنّاة لأن فيها مفاتيح الماء، أخذت من قولهم: سنّيت الشيء إذا فتحته، وأنشد: [من الطويل] إذا الله سنّى عقد أمر تيسّرا وفي «المحكم» (٢: ١٠٥) العرمة والعرمة: المسنّاة وهي سدّ يعترض به الوادي، والجمع: عرم، وقيل: العرم جمع لا واحد له. وقال أبو حنيفة: الأعرام: الأحباس تبنى في أوساط الأودية. الخامسة: قول عليّ رضي الله تعالى عنه أعانك بالمنافية، يعني بالنسبة المنافية لأن عليا ومعاوية رضي الله تعالى عنهما يجتمعان في عبد مناف.
следующие страницы →