← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9790

تخريج الدلالات السمعية

علي بن محمد الخزاعي

Полный текст (893 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الباب السابع في ذكر فارض النفقات روى مسلم (٢: ٤٠) رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بنيّ إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل عليّ في ذلك من جناح؟ فقال رسول الله ﷺ : خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك. فائدة لغوية: في «المحكم» (٣: ٦٢) الجناح: الميل إلى الإثم، وقيل هو الإثم عامة.

стр. 282

الباب الثامن في الوكيل في غير الامور المالية وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في ذكر من وكله النبي ﷺ ذكر أبو بكر ابن العربي رحمه الله تعالى في كتاب «أحكام القرآن» (٣: ١٢١٧) له: أن رسول الله ﷺ وكل عمرو بن أمية الضمري على عقد نكاح أمّ حبيبة بنت أبي سفيان عند النجاشي، ووكل أبا رافع على نكاح ميمونة في إحدى الروايتين. الفصل الثاني في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم ١- عمرو بن أمية الضمري: في «الاستيعاب» (١١٦٢) «١» : عمرو بن أميّة بن خويلد بن عبد الله بن إياس بن عبيد بن ناشرة بن كعب الضّمري، من بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن علي بن كنانة، يكنى: أبا أمية. قال أبو عمر ﵀: شهد عمرو بن أمية الضمري بدرا وأحدا مع المشركين، ثم أسلم حين انصرف المشركون من أحد، وكان رسول الله ﷺ يبعثه في أموره، وكان من رجال العرب نجدة وجرأة. وكان أول مشهد شهده بئر معونة، فأسرته بنو عامر يومئذ، فقال له عامر بن الطفيل: إنه كان على أمي نسمة، فاذهب فأنت حرّ عنها، وجزّ ناصيته. قال الواقدي: بعثه رسول

стр. 283

الله ﷺ في سنة ستّ إلى النجاشي بالحبشة، فقدم عمرو بن أمية بكتاب رسول الله ﷺ على النجاشي يدعوه إلى الإسلام، فأسلم النجاشيّ وشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدا رسول الله. قال: وأرسل إليه رسول الله ﷺ ليزوّجه أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، ويبعث بها إليه، وكلّ من عنده من المسلمين، ففعل. وبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية أيضا إلى أبي سفيان بن حرب بهدية إلى مكة. وهو معدود في أهل الحجاز. ومات بالمدينة في خلافة معاوية بن أبي سفيان. انتهى. ٢- أبو رافع مولى رسول الله ﷺ : يأتي ذكره إن شاء الله تعالى في باب صاحب الثقل. الفصل الثالث في توكيل عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه عبد الله بن أخيه جعفر ﵃ في خصومة مع طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه من «البيان والتحصيل» من كتاب أوله تأخير صلاة العشاء في الحرس: روى الشعبيّ أنه قال: أول من جرّى جريّا أي وكّل وكيلا من الصحابة: علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وكل عبد الله بن جعفر، فقيل له: لم وكلت عبد الله وأنت سيد من سادات الناطقين؟ فقال: إن للخصومات قحما؛ قال: وكانت الخصومة بين علي وطلحة بن عبيد الله في ضفير بين ضيعتيهما، كان عليّ يحبّ أن يثبت، وطلحة يحبّ أن يزال، فوكل علي عبد الله بن جعفر فتنازعا الخصومة في ذلك بين يدي عثمان وهو خليفة، فقال لهما: إذا كان غد ركبت في الناس معكما حتى أقف على الضفير فأقضي فيه بينكما معاينة، فركب في المهاجرين والأنصار، وجاء معهم معاوية، فقال- وهم يتنازعون الخصومة في الطريق- لو كان منكرا لأزاله

стр. 284

عمر، فكان سبب توجّه الحكم لعبد الله على طلحة. فوقف عثمان والناس معه رضي الله تعالى عنهم على الضفير، فقال: يا هؤلاء أخبرونا أكان هذا أيام عمر؟ قالوا: نعم، قال: فدعوه كما كان أيام عمر رضي الله تعالى عنه وانصرفا. قال عبد الله: فجئت من فوري إلى علي رضي الله تعالى عنه فقصصت عليه القصة حتى بلغت إلى كلام معاوية، فضحك، ثم قال: أتدري لم أعانك معاوية؟ قلت: لا، قال: أعانك للمنافيّة، قم الآن إلى طلحة فقل له: إن الضفير لك فاصنع به ما بدا لك، فأتيته فأخبرته، فسرّ بذلك، ثم دعا بردائه ونعليه وقام معي حتى دخلنا على علي رضي الله تعالى عنهم، فرحّب به وقال: الضفير لك فاصنع به ما شئت، فقال: قد قبلت وإنما جئت شاكرا، ولي حاجة ولا بدّ من قضائها، فقال له علي ﵄: سل حتى أقضيها لك. فقال طلحة: أحبّ أن تقبل الضيعة مني مع ما فيها من الغلمان والدواب والآلة، فقال عليّ: قد قبلت، قال: ففرح طلحة وتعانقا وتفرّقنا. قال عبد الله: فو الله ما أدري أيهما أكرم في ذلك المجلس: عليّ إذ جاد بالضفير، أم طلحة إذ جاد بالضيعة بعد ضنّه بمسنّاة. انتهى. فوائد لغوية في خمس مسائل: الأولى: في «الصحاح» (٦: ٢٣٠) الجريّ: الوكيل والرسول، يقال: جريّ بيّن الجراية والجراية. والجمع أجرياء، وقد جرّيت جريّا واستجريت، وأما الجريء المقدام فهو من باب الهمز. الثانية: في «الغريبين» وكل فلان فلانا، أي وكل أمره إليه يستكفيه. وفي «الصحاح» (٥: ١٨٤٥) : وكّلته بأمر كذا توكيلا، والاسم: الوكالة والوكالة، قال الفارابي (٣: ٢٤٣) : بفتح الواو وكسرها. وفي «الزاهر» (١: ٩٩- ١٠٠) الوكيل: الكافي؛ قاله الفراء. انتهى.

стр. 285

ووكل أمرا إليه، أي صرفه، بتخفيف الكاف. قال القاضي في «المشارق» (٢: ٢٨٥) : وقوله عن فاطمة: ووكلها إلى الله بالتخفيف أي صرف أمرها إليه. الثالثة: في «الصحاح» (٥: ٢٠٠٦) للخصومة قحم: أي أنها تقحم بصاحبها على ما لا يريده، قحم في الأمر قحوما: رمى بنفسه فيه بغير رويّة. الرابعة: في «الصحاح» (٢: ٧٢٢) الضفيرة: المسنّاة، والمسناة: العرم. وفي «الغريبين» في حديث علي أن طلحة رضي الله تعالى عنهما نازعه في ضفيرة كان عليّ ضفرها في واد. قال شمر قال ابن الأعرابي: الضفيرة مثل المسنّاة المستطيلة في الأرض فيها خشب وحجارة، وفيه أيضا: المسنّاة ضفيرة تبنى للسيل تردّه، سمّيت مسنّاة لأن فيها مفاتيح الماء، أخذت من قولهم: سنّيت الشيء إذا فتحته، وأنشد: [من الطويل] إذا الله سنّى عقد أمر تيسّرا وفي «المحكم» (٢: ١٠٥) العرمة والعرمة: المسنّاة وهي سدّ يعترض به الوادي، والجمع: عرم، وقيل: العرم جمع لا واحد له. وقال أبو حنيفة: الأعرام: الأحباس تبنى في أوساط الأودية. الخامسة: قول عليّ رضي الله تعالى عنه أعانك بالمنافية، يعني بالنسبة المنافية لأن عليا ومعاوية رضي الله تعالى عنهما يجتمعان في عبد مناف.

стр. 286

الباب التاسع في البصير بالبناء «١» وهو الرجل يكون له البصر بالبناء يبعثه الإمام يحكم بين المتنازعين فيؤخذ بقوله. ذكر من كان كذلك في عهد النبي ﷺ : وذكر أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٢٢٧) عن جارية بن ظفر رضي الله تعالى عنه أن دارا كانت بين أخوين فحظرا في وسطها حظارا، ثم هلكا، وترك كلّ واحد منهما عقبا، فادّعى عقب كلّ واحد منهما أن الحظار له دون صاحبه، فاختصم عقباهما إلى النبيّ ﷺ ، فأرسل حذيفة بن اليمان يقضي بينهما، فقضى بالحظار لمن وجد معاقد القمط تليه، ثم رجع فأخبر النبي ﷺ فقال: أصبت أو أحسنت. انتهى. وفي «التاريخ» للبخاري (٢: ٣٣٧) رحمه الله تعالى نحوه. تنبيه: قد تقدم ذكر حذيفة رضي الله تعالى عنه في باب كاتب الجيش فأغنى عن إعادته. فائدتان لغويتان: الأولى: «الحظار» : في «المشارق» (١: ١٩٣) كل شيء مانع بين شيئين فهو حظار، وحكى الهروي فيه: فتح الحاء وكسرها. الثانية: في «الصحاح» : (٣: ١١٥) القمط بالكسر ما تشدّد به الأخصاص، ومنه معاقد القمط. وفي «الغريبين» : اختصم إلى شريح رجلان في خصّ فقضى بالخصّ للذي تليه القمط، وقمطه: شرطه التى يشدّ بها من ليف كانت أو خوص أو غيره.

стр. 287

الباب العاشر في القسام وفيه فصلان الفصل الأول فيما جاء في ذلك عن رسول الله ﷺ قال ابن إسحاق في «السير» (٢: ٣٤٩) : كانت المقاسم على أموال خيبر على الشقّ ونطاة والكتيبة، فكانت الشّق ونطاة في سهمان المسلمين، وكانت الكتيبة خمس الله وسهم النبي ﷺ وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين، وطعم أزواج النبي ﷺ وطعم رجال مشوا بين رسول الله ﷺ وبين أهل فدك بالصلح. قال (٢: ٣٤٩- ٣٥٠) : وكان وادياها: وادي السّرير ووادي خاص، وهما اللذان قسمت عليهما خيبر، وكانت نطاة والشّق ثمانية عشر سهما، نطاة من ذلك خمسة أسهم، والشق ثلاثة عشر سهما، وقسمت الشقّ ونطاة على ألف سهم وثمانمائة سهم، وكانت عدة الذين قسمت عليهم خيبر من أصحاب رسول الله ﷺ ألف سهم وثمانمائة سهم برجالهم وخيلهم، الرجال أربع عشرة مائة، والخيل مائتا فرس، فكان لكلّ فرس سهمان ولفارسه سهم، وكان لكلّ سهم رأس جمع إليه مائة رجل، فكانت ثمانية عشر سهما جمع. قال ابن إسحاق (٢: ٣٥٠) : فكان علي بن أبي طالب رأسا، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وعمر بن الخطاب، وعبد الرّحمن بن عوف، وعاصم بن عديّ أخو بني العجلان، وأسيد [بن حضير] ، وسهم الحارث بن الخزرج، وسهم

стр. 288

ناعم بن عوف بن الخزرج، ومزينة وشركائهم، وسهم [بني] بياضة، وسهم بني عبيد من بني سلمة، وسهم بني حرام من بني سلمة أيضا، وعبيد السهّام، وسهم ساعدة، وسهم غفار وأسلم، وسهم النجار، وسهم حارثة، وسهم أوس [ثم هبطوا إلى الشق، فكان أول سهم خرج منه سهم عاصم بن عدي أخي بني العجلان، ومعه كان سهم رسول الله ﷺ ، ثم سهم عبد الرّحمن بن عوف، ثم سهم ساعدة، ثم سهم النجار، ثم سهم علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، ثم سهم طلحة بن عبيد الله، ثم سهم غفار وأسلم، ثم سهم عمر بن الخطاب، ثم سهما سلمة بن عبيد وبني حرام، ثم سهم حارثة، ثم سهم عبيد السهام ثم سهم أوس] «١» وهو سهم اللفيف جمعت إليه جهينة ومن حضر خيبر من سائر العرب. قال ابن إسحاق (٢: ٣٥١) : ثم قسم رسول الله ﷺ الكتيبة وهي وادي خاص بين قرابته وبين نسائه وبين رجال من المسلمين ونساء أعطاهم منها. فوائد لغوية في ثلاث مسائل: الأولى: الشقّ: بكسر الشين وتشديد القاف، ونطاة: بفتح النون وتاء التأنيث آخره، ووادي السّرير بضم السين على لغة التصغير؛ هكذا قيّدها البكري (٨٠٥) وقال: هي أودية بخيبر. الثانية: الكتيبة بفتح الكاف وكسر التاء على لفظة واحدة الكتائب من الجيوش: حصن من حصون خيبر؛ قاله البكري (١١١٥) أيضا. الثالثة: وادي خاص، قال السهيلي (٦: ٥٦٧) قال أبو الوليد: إنما هو وادي خلص باللام، والأول تصحيف. انتهى.

стр. 289

وقال البكري (٥٠٧) : خلص بضم الخاء المعجمة «١» وإسكان اللام وبالصاد المهملة: واد من أودية خيبر وأنشد لنصيب «٢» : [من الوافر] وكانت إذ تحلّ أراك خلص ... إلى أجزاع بينة والرّغام الفصل الثاني في ذكر من عيّن عمر رضي الله تعالى عنه لقسمة خيبر حين أجلى اليهود عنها قال أبو الربيع ابن سالم في «الاكتفاء» : ولما أخرج عمر رضي الله تعالى عنه يهود خيبر، ركب في المهاجرين والأنصار، وخرج معه بجبّار بن صخر، وكان خارصهم وخارص أهل المدينة وحاسبهم، وبزيد بن ثابت، فهما قسما خيبر على أهل السهمان التي كانت عليها، وذلك أن الشقّ ونطاة اللذين هما سهم المسلمين قسمت في الأصل على عهد رسول الله ﷺ إلى ثمانية عشر سهما: نطاة من ذلك خمسة أسهم، والشق ثلاثة عشر سهما، ثم قسم كل قسم من هذه الثمانية عشر إلى مائة سهم: لكلّ رجل سهم، ولكلّ فرس سهمان، وكانت عدة الذين قسمت عليهم ألف رجل وأربعمائة رجل ومائتي فرس، فذلك ألف سهم وثمانمائة سهم. انتهى. تنبيه: سيأتي ذكر جبار بن صخر رضي الله تعالى عنه في باب الخارص، إن شاء الله تعالى وأما زيد بن ثابت فقد تقدم ذكره في باب كتاب الرسائل.

стр. 290

الباب الحادى عشر في المحتسب وفيه ستة فصول الفصل الأول فيما جاء عن رسول الله ﷺ في الحسبة روى الترمذي (٢: ٣٨٩) : رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ مرّ على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال: يا صاحب الطعام ما هذه؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟ ثم قال: من غشّ فليس منا. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وخرج مسلم (١: ٤٠) رحمه الله تعالى عن أبي هريرة أيضا نحوه. وروى ابن المنذر في «الإشراف» عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ أنه وقف على طعام بسوق المدينة فأعجبه حسنه، فأدخل رسول الله ﷺ يده في جوف الطعام فأخرج شيئا ليس بالظاهر، فأفّف رسول الله ﷺ بصاحب الطعام، ثم نادى: أيها الناس لا غشّ بين المسلمين، من غشّنا فليس منا. انتهى. فوائد لغوية في ثلاث مسائل: الأولى: في «الصحاح» (٢: ٧٠٧) الصّبرة واحدة صبر الطعام، يقال: اشتريت الشيء صبرة أي بلا وزن ولا كيل. انتهى.

стр. 291

الثانية: في «الصحاح» (٤: ٣٣١) أفّف تأفيفا: إذا قال: أفّ، وقال الهروي، يقال لكلّ ما يضجر ويستثقل: أفّ له. الثالثة: في «المحكم» (٣: ١٥٢، ١٥١) احتسب فلان على فلان: أنكر عليه قبيح عمله، وإنه لحسن الحسبة في الأمر: أي حسن التدبير والنظر، والاحتساب: طلب الأجر، والاسم: الحسبة. الفصل الثاني فيما جاء عن رسول الله ﷺ في التسعير روى الترمذي (٢: ٣٨٨) عن أنس بن مالك [رضي الله تعالى عنه] قال: غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله سعّر لنا، فقال: إن الله هو المسعّر القابض الباسط الرازق، وإني أرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. الفصل الثالث في نبذة من الفقه في ذلك من «البيان والتحصيل» من كتاب أوله: حلف ألا يبيع رجلا سلعة سماها في التسعير على أهل السوق: قال ابن رشد: أما الجلّاب فلا اختلاف فيه أنه لا يسعّر شيء مما جلبوه للبيع، وإنما يقال لمن شذّ منهم فحطّ السعر وباع بأغلى مما يبيع به عامتهم: إما أن تبيع بما تبيع به العامة وإما أن ترفع من السوق، كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه بحاطب بن أبي بلتعة إذ مرّ به وهو يبيع زبيبا له في السوق فقال له: إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا، لأنه كان يبيع بالدرهم أقلّ مما كان يبيع به أهل السوق. وأما أهل الحوانيت والسوق الذين يشترون من

стр. 292

الجلاب وغيرهم جملا، ويبيعون ذلك على أيديهم مقطّعا مثل اللحم والأدم والفواكه، فقيل: إنهم كالجلاب لا يسعّر عليهم شيء من بياعاتهم، وإنما يقال لمن شذّ منهم وخرج عن الجمهور: إما أن تبيع كما يبيع الناس وإما أن ترفع من السوق، وهو قول مالك في رواية عنه. وممن روي ذلك عنه من السلف عبد الله بن عمر والقاسم بن سلام وسالم بن عبد الله. وقيل إنهم في هذا بخلاف الجلّاب لا يتركون على البيع باختيارهم إذا أغلوا على الناس ولم يقنعوا من الربح بما يشبه، وأن على صاحب السوق الموكّل على مصلحتها أن يعرف ما يشترونه فيجعل لهم من الربح ما يشبه وينهاهم أن يزيدوا على ذلك، ويتفقد السوق أبدا فيمنعهم من الزيادة على الربح الذي جعل لهم كيفما تقلّب السعر من زيادة أو نقصان، فمن خالف أمره عاقبه بما يراه من الأدب وبالإخراج من السوق إن كان معتادا لذلك مستسرا به، وهو قول مالك في الرواية الأخرى عنه «١» ، وإليه ذهب ابن حبيب، وقاله من السلف جماعة منهم سعيد بن المسيب ويحيى بن سعيد، وهو مذهب الليث بن سعد وربيعة بن أبي عبد الرّحمن. ولا يجوز عند أحد من العلماء أن يقول لهم: لا تبيعوا إلا بكذا وكذا، ربحتم أو خسرتم، من غير أن ينظر إلى ما يشترون به، ولا أن يقول لهم فيما قد اشتروه لا تبيعوه إلا بكذا وكذا مما هو مثل الثمن الذي اشتروه به أو أقل، وإذا ضرب لهم الربح على قدر ما يشترى مثل أن يقول لهم: تربحون في المدي كذا وكذا فلا يتركهم أن يغلوا في الشراء وإن لم يزيدوا في الربح، إذ قد يفعلون ذلك ويتساهلون فيه، إذ لا ينقصهم بذلك ربحهم شيء، وإذا علم ذلك منهم ضرب لهم الربح على ما يعلم من مبلغ السعر، وقال لهم: لا سبيل لكم أن تبيعوا بكذا وكذا فلا تشتروا إلا على هذا. انتهى.

стр. 293

الفصل الرابع في ذكر من ولاه رسول الله ﷺ السوق، وكيف كان يضرب من يعمل بالربا في الأسواق في عهده أيضا، ﷺ روى البخاري (٣: ٩٥) رحمه الله تعالى عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد النبي ﷺ فبعث إليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه حتى ينقلوه حيث يباع الطعام. وروى أيضا (٣: ٩٠) عن سالم عن أبيه: رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على عهد رسول الله ﷺ أن يبيعوه حتى يؤوه إلى رحالهم. وخرّج مسلم (١: ٤٤٥- ٤٤٦) رحمه الله تعالى نحوه. وقال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٦٢١) : استعمل رسول الله ﷺ سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية بعد الفتح على سوق مكة. فائدة لغوية: في «المشرع الرويّ» في الحديث ذكر المجازفة في البيوع، والجزاف: هو بيع الشيء بغير وزن ولا كيل ولا عدد. الفصل الخامس في ذكر نسب سعيد بن سعيد بن العاصي وأخباره في «الاستيعاب» (٦٢١) سعيد بن سعيد بن العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي. استشهد يوم الطائف، وكان إسلامه قبل فتح مكة بيسير، واستعمله رسول الله ﷺ بعد الفتح على سوق مكة، فلما خرج رسول الله ﷺ إلى الطائف خرج معه فاستشهد. انتهى.

стр. 294

الفصل السادس فيمن ولاه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه السوق فمن الرجال: قال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٥٧٦) : كان السائب بن يزيد [رضي الله تعالى عنه] عاملا لعمر بن الخطاب على سوق المدينة مع عبد الله بن عتبة بن مسعود رضي الله تعالى عنهم. وفي «مسند الزهري» عن السائب بن يزيد رضي الله تعالى عنه، قال: كنت عاملا مع عبد الله بن عتبة على سوق المدينة في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. ومن النساء: الشفاء أم سليمان بن أبي حثمة: قال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (١٨٦٨) كان عمر يقدمها في الرأي ويرضاها ويعظّمها «١» وربما ولّاها شيئا من أمر السوق. وذكرها ابن حزم في جماهره (١٥٦) في النسب في بني رزاح بن عديّ بن كعب فقال: الشفاء بنت عبد الله، أم سليمان بن أبي حثمة، كان عمر رضي الله تعالى عنه استعملها على السوق. انتهى. تنبيه: قد تقدم نسب الشفاء أم سليمان وأخبارها في باب معلم الكتابة، ويأتي ذكر السائب وعبد الله بن عتبة في باب العشر إن شاء الله تعالى، ويستوفى هنالك نسبهما وأخبارهما. فائدة في معنى الباب: ذكر أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (١٨٦٣) سمراء بنت نهيك الأسدية وقال: أدركت رسول رسول الله ﷺ وعمّرت، وكانت تمرّ في الأسواق تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتضرب الناس على ذلك بسوط معها.

стр. 295

الباب الثاني عشر في المنادي وهو الذي يقال لصوته البريح روى البخاري (٢: ٤٣) رحمه الله تعالى عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: لما كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ نودي أن الصلاة جامعة. وروى البخاري (٦: ٦٧) رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله ﷺ مناديا ينادي: ألا إنّ الخمر قد حرّمت. قال: فجرت في سكك المدينة، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فأهرقتها في سكك المدينة، فقال بعض القوم: قد قتل قوم وهي في بطونهم، فأنزل الله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا (المائدة: ٩٣) : الآية. وروى البخاري (٥: ١٦٠) أيضا رحمه الله تعالى عن زاهر الأسلميّ، وكان ممن شهد الشجرة، قال: إني لأوقد تحت القدور بلحوم الحمر إذ نادى منادي رسول الله ﷺ : إن رسول الله ﷺ ينهاكم عن لحوم الحمر. وروى أبو داود (٢: ٣٩) رحمه الله تعالى عن سهل بن معاذ الجهني عن أبيه قال: غزوت مع النبيّ ﷺ غزوة كذا وكذا، فضيّق الناس المنازل وقطعوا الطريق، فبعث نبي الله ﷺ مناديا ينادي في الناس: أن من ضيق منزلا أو قطع طريقا فلا جهاد له. فوائد لغوية في أربع مسائل: الأولى: في «ديوان الأدب» (٢: ١٧٤، ١٧١) كسفت الشمس وخسف القمر

стр. 296

يخسف بفتح السين في الماضي وكسرها في المستقبل. وفي «الصحاح» (٤: ١٤٢١) كسفت الشمس تكسف كسوفا، وكسفها الله كسفا: يتعدى ولا يتعدى، وكذلك كسف القمر إلا أن الأجود فيه أن يقال: خسف القمر، والعامة تقول: انكسفت الشمس. وفي «المشارق» (١: ٢٤٦- ٢٤٧) - ونقلته مختصرا- قال بعضهم: إنما يقال: خسف القمر وكسفت الشمس، وقال بعضهم: بالعكس خسفت الشمس وكسف القمر، قال القاضي رحمه الله تعالى والقرآن يردّ هذا، وقيل: هما بمعنى فيهما، وقال الليث بن سعد: الخسوف في الكلّ، والكسوف في البعض، وقيل الكسوف تغيرهما، والخسوف مغيبهما في السواد. قال القاضي رحمه الله تعالى: والذي تدلّ الأحاديث عليه: أنهما سواء فيهما. الثانية: في «المشارق» (٢: ١٦٠) الفضيخ هو البسر يشدخ ويفضخ ويلقى عليه الماء لتسرع شدته. وفي الأثر أنه يلقى عليه الماء والتمر، وقيل: يفضخ التمر وينبذ في الماء، وعليه يدل الحديث، وكلّ بمعنى مقارب. الثالثة: في «المشارق» (٢: ٢١٦) قوله: فجرت في سكك المدينة: هي الطرق والأزقة، وأصلها الطريقة المصطفّة من النخل، فسميت الطريق في المدن «١» بذلك: لاصطفاف المنازل بجانبيها «٢» . الرابعة: في «المحكم» (٣: ٢٤٤) قول بريح: مصوّت به، قال الهذلي» : [من المتقارب] أراه يدافع قولا بريحا وفي «المشارق» (١: ٨٣) في الحديث: فبرّحت بنا امرأته بالصياح- بتشديد الراء- أي كشفت أمرنا وأظهرته.

стр. 297

الباب الثالث عشر في صاحب العسس في المدينة، ويسمى بالغرب الحاكم وبالأندلس صاحب المدينة، وبافريقية العريف وفيه ثلاثه فصول الفصل الأول في ذكر من ولي ذلك في زمن النبي ﷺ روى الترمذي (٥: ٣١٥) رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: سهر رسول الله ﷺ مقدمه المدينة ليلة فقال: ليت رجلا صالحا يحرسني الليلة، قالت: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا خشخشة السلاح، فقال: من هذا؟ قال: سعد بن أبي وقاص، فقال له رسول الله ﷺ : ما جاء بك؟ فقال سعد: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ ، فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله ﷺ ثم نام. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. فائدة لغوية: في «ديوان الأدب» (٣: ١٩٤) الخشخشة: صوت السلاح، وخشخشت الريح يبس الحصاد. انتهى. وأنشد الأعلم لعلقمة بن عبدة «١» : [من الطويل] تخشخش أبدان الحديد عليهم ... كما خشخشت يبس الحصاد جنوب

стр. 298

تنبيه: سيأتي ذكر سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه في الباب الثاني والثلاثين من الجزء الخامس بما يغني عن ذكره هنا، والحمد لله. الفصل الثاني في ذكر من ولي ذلك في زمن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ذكر أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في «الاستيعاب» (١١٥٠) في ترجمة عمر رضي الله تعالى عنه عن إبراهيم النّخعي قال: أول من ولّى أبو بكر رضي الله تعالى عنه شيئا من أمور الناس عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ولاه القضاء، وكان أول قاض في الإسلام، وقال: اقض بين الناس، فإني في شغل. وأمر ابن مسعود رضي الله تعالى عنه بعسس المدينة. انتهى. وروى أبو داود (٢: ٥٧٠- ٥٧١) بسنده عن الأعمش عن زيد: أتي ابن مسعود فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرا، فقال عبد الله: إنا قد نهينا عن التجسّس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به. انتهى. وذكر الثعلبيّ عن زيد بن وهب أنه قال: قيل لابن مسعود: هل لك في الوليد ابن عقبة تقطر لحيته خمرا؟ قال: إنا قد نهينا عن التجسس، فإن ظهر لنا شيء نأخذ به. انتهى. تنبيه: قول النّخعيّ رحمه الله تعالى في عمر رضي الله تعالى عنه: وكان أول قاض قضى في الإسلام، إنما يعني الخليفة، وإلا فقد ثبت تقديم النبيّ ﷺ له ولغيره من الصحابة للقضاء حسبما ثبت في باب القاضي من هذا الكتاب. فائدة لغوية: في «الصحاح» (٢: ٩٤٦، ٣: ١١١٠) عسّ يعسّ عسّا وعسسا: أي طاف بالليل،

стр. 299

وهو نفض الليل عن أهل الريبة، فهو عاس، وقوم عسس، مثل خادم وخدم وطالب وطلب، واعتسّ مثل عسّ، وقد نفضت المكان واستنفضته: إذا نظرت جميع ما فيه. قال زهير يصف البقرة «١» : [من الطويل] وتنفض عنها غيب كلّ خميلة ... وتخشى رماة الغوث «٢» في كلّ مرصد تنبيه ثان: قد تقدم ذكر عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه في باب صاحب النعال من هذا الكتاب مما أغنى عن إعادته هنا والحمد لله. الفصل الثالث في ذكر من ولي ذلك في زمن عمر رضي الله تعالى عنه كان عمر رضي الله تعالى عنه يتولّى العسس بنفسه، ويستصحب معه أسلم مولاه، وربما استصحب عبد الرّحمن بن عوف، رضي الله تعالى عنه. وقال ابن الأثير في «تاريخه» (٣: ٥٩) إن عمر رضي الله تعالى عنه أوّل من عسّ بالليل. قلت: يريد من الخلفاء، وإلا فقد ثبت أن أول من عسّ سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه حسبما تقدم ذكر ذلك في الفصل الأول من هذا الباب. فمن أخباره في عسسه رضي الله تعالى عنه ما ذكره القاضي أبو الوليد الباجي رحمه الله تعالى في «المنتقى» (٤: ٣١) قال: روي أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان يطوف ليلة بالمدينة، فسمع امرأة تنشد: [من الطويل] ألا طال هذا الليل واسودّ جانبه ... وأرّقني إذ لا خليل ألاعبه

стр. 300

فوالله لولا الله لا شيء غيره ... لزعزع من هذا السرير جوانبه مخافة ربي والحياء يكفّني ... وأكرم زوجي أن تنال مراكبه فلما كان من الغد استدعى عمر تلك المرأة فقال: أين زوجك؟ قالت: بعثت به إلى العراق، فاستدعى بنساء وسألهن عن المرأة مقدار ما تصبر عن زوجها، فقلن: شهرين ويقلّ صبرها في ثلاثة أشهر، وتفقد صبرها في أربعة أشهر، فجعل عمر مدة غزو الرجل أربعة أشهر، فإذا مضت أربعة أشهر استردّ الغازين ووجّه بقوم آخرين. ومن أخباره أيضا في ذلك ما ذكره الثعلبي عن عبد الرّحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما، قال: حرست ليلة مع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بالمدينة، إذ شبّ لنا سراج في بيت بابه مجاف على قوم لهم أصوات مرتفعة ولغط، فقال عمر: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف، وهم الآن شرب فما ترى؟ قلت: أرى أنا قد أتينا ما نهى الله عنه، قال: ولا تجسسوا، فقد تجّسسنا، فانصرف وتركهم. ومن أخباره أيضا «١» في ذلك خبره الذي ذكره الخطابي في «الغريب» (٢: ٢٠) والبكري في «المعجم» (٨٣٠) والنصّ للخطابي: عن أسلم مولى عمر رضي الله تعالى عنه، قال: خرجت معه حتى إذا كنا ب «حرّة واقم» فإذا نار تؤرّث بصرار، فخرجنا حتى إذا أتينا صرارا، فقال عمر: السلام عليكم يا أهل الضوء- وكره أن يقول يا أهل النار- أدنو، فقيل: ادن بخير أودع، قال: وإذا هم ركب قد قصّر بهم الليل والبرد والجوع، وإذا امرأة وصبيان، فنكص عمر على عقبيه وأدبر يهرول حتى أتى دار الدقيق، فاستخرج عدلا من الدقيق، وجعل كبّة من شحم، ثم حمله حتى أتاهم، فقال للمرأة: ذري وأنا أحرّ لك. انتهى. وقد ذكرت القصة في باب خازن الزرع في هذا الكتاب منقولة من تاريخ ابن الأثير بأتمّ من هذا وأعدتها الآن تكملة لمعنى الباب.

стр. 301

فوائد لغوية في ست مسائل: الأولى: ابن طريف، زعزعت الشيء: حركته لتقلعه، وقالت امرأة: [من الطويل] فو الله لولا الله أني أراقبه ... لزعزع من هذا السرير جوانبه هكذا أنشده رحمه الله تعالى: أني أراقبه. الثانية: الفارابي (٣: ١١٦) : شببت النار بفتح الشين أشبّها بضمّها شبّا أي أوقدتها. الثالثة: في «المشارق» (١: ١٦٥) أجيفوا الأبواب أي أغلقوها، والباب مجاف أي مغلق. وأنشد ابن طريف: [من الطويل] فتفتحه طورا وطورا تجيفه الرابعة: في «الصحاح» (١: ١٥٣) الشّرب جمع شارب كصاحب وصحب، ثم يجمع الشّرب على شروب. الخامسة: الخطابي (٢: ٢٠) : تؤرث: أي توقد، يقال: أرّثت النار: إذا أوقدتها. قال عديّ بن زيد «١» : [من المديد] ربّ نار بتّ أرمقها ... تقضم الهنديّ والغارا عندها ظبيّ يؤرثها ... عاقد في الجيد تقصارا «٢» السادسة: قوله: وأنا أحرّ لك، قال البكري (٨٣٠) : يريد أتّخذ لك حريرة. انتهى.

стр. 302

ورأيت في طرة عليه في كتاب الخطابي (٢: ٢٠) أراد أحرّك لك فحذف لعلم السامع؛ عن ابن سراج قال: وكذلك رواه الحربي والخطابي. تنبيه: قد شرح ما بقي من الألفاظ اللغوية التي تضمّنها هذا الخبر في باب خازن الطعام «١» ، ويأتي ذكر عبد الرّحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه في باب الأمين على الحرم في الجزء الخامس من هذا الكتاب «٢» بما أغنى عن إعادة ذلك هنا والحمد لله.

стр. 303

الباب الرابع عشر في الرجل يتولى حراسة أبواب المدينة في زمن الهرج هذه العمالة لم أجد عليها نصا أنها كانت في زمن النبيّ ﷺ لكنها تتخرّج من حديث حراسة سعد رضي الله تعالى عنه، النبيّ ﷺ في المدينة بالليل. وقد أمر بها الصدّيق رضي الله تعالى عنه. ذكر أبو الفرج الجوزي رحمه الله تعالى في كتاب «كشف مشكل الصحيحين البخاري ومسلم» رحمهما الله تعالى، في الكلام على مسند حديث أبي هريرة: كان طليحة بن خويلد قد ادّعى النبوة في بني أسد، وكان يقال له ذو النون، لأن الذي يأتيه ذو النون، واجتمعت عليه العرب وأرسلوا وفودا أن يقيموا الصلاة ويعفوا من الزكاة. فصعد أبو بكر المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن الله توكل بهذا الأمر فهو ناصر من لزمه، وخاذل من تركه، وإنه بلغني أن وفودا من وفود العرب قدموا يعرضون الصلاة ويأبون الزكاة، ألا إنهم لو منعوني عقالا مما أعطوه رسول الله ﷺ مع فرائضهم ما قبلته، ألا برئت الذمة من رجل من هؤلاء الوفود أخذ بعد يومه وليلته بالمدينة. فتواثبوا يتخطّون رقاب الناس حتى ما بقي في المسجد منهم أحد، ثم دعا نفرا فأمرهم بأمره: فأمر عليا بالقيام على نقب من أنقاب المدينة، وأمر الزبير بالقيام على نقب آخر، وأمر طلحة بالقيام على نقب آخر، وأمر عبد الله بن مسعود بعسس ما وراء ذلك بالليل والارتباء نهارا، وجدّ في أمره وقام على ساق رضي الله تعالى عنه. فوائد لغوية في ثلاث مسائل: الأولى: في «الغريبين» في حديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه لو منعوني

стр. 304

عقالا مما أدوه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه: يعني صدقة عام، يقال أخذ منهم عقال هذا العام: إذا أخذ صدقته، وقيل: أراد الحبل الذي كانت تعقل به الفريضة التي كانت تؤخذ في الصدقة. الثانية: الفرائض جمع فريضة، والفريضة: الناقة تؤخذ في الصدقة أو في الدية، وفي «المشرع الروي» : سميت فريضة لأنها مقدّرة في الدية أو واجبة فيها. تنبيه: قول أبي بكر رضي الله تعالى عنه في هذا الحديث: لو منعوني عقالا مما أعطوه رسول الله ﷺ مع فرائضهم يبيّن أنه لم يرد إلا العقال الذي هو الحبل على جهة التأكيد والمبالغة. الثالثة: في «المشارق» (٢: ٢٣) قوله ﷺ : على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الدجّال ولا الطاعون. وفي بعض الحديث: «نقاب» بكسر النون، وكلاهما جمع نقب، وإن كان فعل لا يجمع على أفعال إلا نادرا. قال ابن وهب: يعني مداخل المدينة وهي أبوابها وفوهات طرقها التي تدخل منها إليها، كما جاء في الحديث الآخر: على كلّ باب منها ملك. تكملة لهذه الفائدة: قول ابن وهب: «فوهات طرقها» قال الجوهري (٦: ٢٢٤٥) : يقال: قعد «١» على فوهة الطريق وأفواه الأزقة والأنهار، واحدتها فوّهة بتشديد الواو.

стр. 305

الباب الخامس عشر في الرجل يكون ربيئة لأهل المدينة في زمن الهرج هذا العمل كالعمل الذي قبله في عدم النصّ على كونه في زمن النبي ﷺ ، لكنه يتخرج من حديث سعد الذي تقدم قبل، وقد تقدم في الباب الذي قبل هذا أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه أمر عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه بالعسس بالليل والارتباء بالنهار. وفي «الاكتفاء» «١» : كان عدي بن حاتم قد حبس إبل الصدقة، يريد أن يبعث بها إلى أبي بكر إذا وجد فرجة، والزبرقان بن بدر مثل ذلك، فجعل قومهما يكلمونهما فيأبيان، وكان أحزم رأيا، وأفضل في الإسلام رغبة ممن فرّق الصدقة في قومه، فقالا لقومهما: لا تعجلوا فإنه إن قام قائم ألفاكم لم تفرّقوا الصدقة، وإن كان الذي تظنون فلعمري إن أموالكم بأيديكم فلا يغلبنّكم عليها أحد، فسكنوهم حتى أتاهم يقين خبر القوم. فلما اجتمع الناس على أبي بكر كان عديّ يأمر ابنه أن يسرح معهم الصدقة، فإذا كان المساء روّحها، وإنه جاء بها ليلة عشاء فضربه وقال: ألا عجلت بها، ثم راح بها الليلة الثانية فوق ذلك قليلا فجعل يضربه، وجعلوا يكلّمونه فيه، فلما كان اليوم الثالث قال: يا بنيّ إذا سرحتها فصح في أدبارها وأمّ بها المدينة، فإن لقيك لاق من قومك أو من غيرهم فقل نريد الكلأ، تعذّر علينا ما حولنا، فلما أن جاء الوقت الذي كان يروح فيه لم يأت الغلام، فجعل أبوه يتوقعه، ويقول لأصحابه: العجب لحبس ابني! فيقول بعضهم: نخرج يا أبا طريف فنتبعه، فيقول: لا والله، فلما أصبح تهيأ ليغدو، فقال قومه: نغدو

стр. 306

معك، فقال: لا يغدو معي منكم أحد إنكم إن رأيتموه حلتم بيني وبين ضربه، وقد عصا أمري كما ترون، فخرج على بعير له سريعا حتى لحق ابنه، ثم حدر النّعم إلى المدينة، فلما كان ببطن قناة لقيته خيل لأبي بكر عليها ابن مسعود رضي الله تعالى عنهم ويقال محمد بن مسلمة، وهو أثبت عندنا، فلما نظروا إليه ابتدروه وما كان معه، وقالوا: أين الفوارس الذين كانوا معك؟ قال: ما معي أحد، قالوا: بلى لقد كان معك فوارس فلما رأونا تغيبوا، فقال ابن مسعود: خلّوا عنه فما كذب ولا كذبتم، جنود الله معه ولم تروهم، فقدم على أبي بكر بثلاثمائة بعير. وذكر بعض من ألّف في الردة أن الزبرقان بن بدر هو الذي فعل هذا الفعل المنسوب إلى عدي بن حاتم، فإما أن يكونا فعلاه توفيقا من الله لهما، وإما أن يكون هذا مما يعرض في النقل من الاختلاف. انتهى. فائدتان لغويتان: الأولى: في «الصحاح» (١: ٥٢) ربأت القوم ربأ وارتبأتهم أي رقبتهم، وذلك إذا كنت لهم طليعة فوق شرف، يقال: ربأ لنا فلان وارتبأ والرّبيء والرّبيئة: الطليعة، والجمع الرّبايا. الثانية: بطن قناة الموضع الذي كان فيه ابن مسعود وأصحابه يرتبئون؛ قال البكري (١٠٩٦) قناة بفتح أوله وثانيه وهاء التأنيث: واد من أودية المدينة. وروى مالك عن يحيى بن سعيد قال: بلغني أن السائب بن خبّاب توفي وأنّ امرأته جاءت عبد الله بن عمر فذكرت له وفاة زوجها وذكرت حرثا بقناة، فسألته هل يصلح لها أن تبيت فيه؟ فنهاها عن ذلك، فكانت تخرج من المدينة سحرا فتصبح في حرثهم فتظلّ فيه يومها، ثم تدخل المدينة إذا أمست فتبيت في بيتها. تنبيه: تقدم ذكر عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه في باب الطهور، ويأتي ذكر محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه في باب المقيمين للحدود في آخر هذا الجزء إن شاء الله تعالى.

стр. 307

الباب السادس عشر في السجان وفيه ثلاثه فصول الفصل الأول في ذكر ما جاء في ذلك عن رسول الله ﷺ سجن الرجال : روى أبو داود (٢: ٢٨٢) رحمه الله تعالى عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبيّ ﷺ حبس رجلا في تهمة. وروى الترمذي (٢: ٤٣٥) رحمه الله تعالى عن بهز مثله وبنصه، وزاد: ثم خلّى عنه. وقال: حديث حسن. وروى البخاري (٥: ٢١٤- ٢١٥) رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: بعث النبيّ ﷺ خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبيّ ﷺ فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فترك حتى كان الغد، ثم قال له: ما عندك يا ثمامة؟ قال: ما قلته لك، إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ قال: عندي ما قلت لك، قال: أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نجل «١» قريب

стр. 308

من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وساق الحديث. وذكر محمد بن إسحاق في «السير» (٢: ٢٤٠- ٢٤١) في خبر قريظة حين نزلوا على حكم رسول الله، ﷺ : أنه حبسهم بالمدينة في دار بنت الحارث، امرأة من الأنصار، ثم خرج رسول الله ﷺ إلى سوق المدينة التي هي سوقها اليوم، فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق يخرج بهم [إليه] أرسالا. انتهى. سجن النساء : في «السير» (٢: ٥٧٨- ٥٧٩) في خبر إسلام عدي بن حاتم: قال عدي، وذكر فراره إلى الشام حين سمع بجيش رسول الله ﷺ وطىء بلادهم، قال: فاحتملت بأهلي وولدي، ثم قلت: ألحق بأهل ديني من النصارى من الشام فسلكت الجوشيّة، ويقال الحوشية- فيما قال ابن هشام- وخلفت بنتا لحاتم في الحاضر، فلما قدمت الشام أقمت بها، وتخالفني خيل لرسول الله [ ﷺ ] فتصيب ابنة حاتم فيمن أصابت، فقدم بها على رسول الله ﷺ في سبايا من طيء، وقد بلغ رسول الله ﷺ هربي إلى الشام، قال: فجعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد، وكانت السبايا تحبس فيها، وساق الحديث، وفيه طول. انتهى. فوائد لغوية: الأولى: الجوشيّة بالجيم في قول ابن إسحاق، وقال ابن هشام: الحوشية بالحاء. قال أبوذر الخشني في «غريب السير» (٢: ٤٤١) الجوشية: اسم موضع ولم يقيّده. وفي «المحكم» جوش بالجيم: قبيلة أو موضع. وفي «معجم البكري» (٤٠٤) جوش بفتح الجيم والشين المعجمة: أرض لبني القين.

стр. 309

الثانية: في «الصحاح» (٢: ٦٣٢) الحاضر: الحي العظيم، وهو جمع كما يقال سامر للسمار وحاجّ للحجاج. الثالثة: في «المحكم» (٣: ٢١) الحظيرة: ما أحاط بالشيء وهي تكون من قصب وخشب. وفي «المشارق» (١: ١٩٣) حظار الغنم: حظيرتها التي تحظر عليها بأغصان الشجر ونحوها، ويقال حظار وحظار بالفتح والكسر. الرابعة: في «المحكم» سجنه يسجنه سجنا: حبسه، والسجن: المحبس، والسجان: صاحب السجن. وفي «الديوان» (٢: ١٣٦، ١: ١٩٥) يسجنه بضم الجيم، والسجن: المحبس. الفصل الثاني فيما جاء في ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ذكر أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في كتاب «بهجة المجالس وأنس المجالس» (٢: ١٠٦) أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حبس الحطيئة في قوله للزبرقان بن بدر: [من البسيط] دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي بعد أن سأل حسان بن ثابت ولبيدا، فقالا له: هذا القول هجاء له وضعة منه، فأمر به فسجن. فقال: [من البسيط] ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... حمر الحواصل لا ماء ولا شجر ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر لم يؤثروك بها إذا قدموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بك الأثر أهلي فداؤك كم بيني وبينهم ... من عرض داويّة يعمى بها الخبر فكلمه فيه عبد الرّحمن بن عوف وعمرو بن العاص واسترضياه، فأخرجه من السجن. انتهى.

стр. 310

الفصل الثالث في ذكر ما جاء في ذلك عن علي رضي الله تعالى عنه ذكر أبو عبيد البكري رحمه الله تعالى في معجمه (١١٩٩) أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بنى سجنا بالكوفة يسمّى: يافعا لم يكن مستوثق البناء، فكان المسجونون يخرجون منه فهدمه، وبنى مخيّسا، فقال «١» : [من الرجز] ألا تراني كيّسا مكيّسا ... بنيت بعد يافع «٢» مخيّسا حصنا حصينا وأميرا كيّسا قال ابن الأنباري: هو مخيّس بكسر الياء، ولا يقال: بفتحها لأنه هو الذي يخيس الناس. وقال الخليل: مخيّس: سجن الحجاج، والإنسان يخيّس في مخيّس حتى يبلغ منه شدة الأذى، يقال: قد خاس فيه. وأنشد للذبياني «٣» : [من البسيط] وخيّس الجنّ إني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصّفّاح والعمد قال البكري: هكذا ذكره الخليل بفتح الياء لأنه موضع التخييس. انتهى.

стр. 311

الباب السابع عشر في لمقسيمين للحدود وفيه فصلان الفصل الأول في ذكر من كان يتولى ذلك في عهد رسول الله ﷺ قال القاضي أبو بكر ابن العربي رحمه الله تعالى في «أحكام القرآن» (٤: ١٦٣٣) في سورة داود ﵇: ولاية الحدود على قسمين: الأول: إيجابها، وذلك للقضاة، وتناول استيفائها، وقد جعله النبي ﷺ لقوم منهم علي بن أبي طالب ومحمد بن مسلمة، رضي الله تعالى عنهما؛ قال القاضي أبو بكر: وهي أشرف الولايات لأنها على أشرف الأشياء وهي الأبدان، فلمعصية «١» الناس ورحضهم «٢» بالذنوب- قلت: يعني بعد انقراض السلف الصالح- ألزمهم الذلة لأنه جعلها في أيدي الأدنياء والأوضاع من الخلق. انتهى. فائدتان: الأولى: أصل «٣» الحدّ المنع، قاله القاضي في «المشارق» (١: ١٨٤) . وقال الهروي: حدّ السلطان الجاني: إذا ضربه فمنعه بالضرب عن معاودة مثل ما فعل أو بلغ به حدّا لا يجوز تجاوزه. انتهى.

стр. 312

قلت: وهذا لا يدخل تحت الحدّ بالقتل فيزاد فيه ولا التقصير عنه. الثانية: قوله: رحضهم بالذنوب: هو عندي كثرة استغراقهم فيها من قولهم: رحضته الحمّى: إذا أصابته حتى يعرق جميع بدنه، وهي الرّحضاء. وفي «المحكم» رحض الرجل رحضا: عرق حتى كأنه غسل جسده. الفصل الثاني في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم ١- علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: تقدم ذكره في باب القاضي بما أغنى عن الإعادة هنا. ٢- محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (١٣٧٧) : محمد بن مسلمة بن سلمة بن خالد بن عديّ بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، حليف لبني عبد الأشهل، يكنى أبا عبد الرّحمن وقيل بل يكنى أبا عبد الله. شهد بدرا والمشاهد كلها، وكان من فضلاء الصحابة، وهو أحد الذين قتلوا كعب بن الأشرف. واستخلفه رسول الله ﷺ على المدينة في بعض غزواته، قيل استخلفه في غزوة قرقرة الكدر، وقيل استخلفه عام تبوك، واعتزل الفتنة، واتخذ سيفا من خشب وجعله في جفن، وذكر أن رسول الله ﷺ أمره بذلك، ولم يشهد الجمل ولا صفين، وأقام في الربذة، ومات بالمدينة، ولم يستوطن غيرها. وكانت وفاته بها في صفر سنة ثلاث وأربعين، وقيل سنة ست وأربعين، وقيل سنة سبع وأربعين، وهو ابن سبع وسبعين سنة. وصلّى عليه مروان بن الحكم وهو يومئذ أمير على المدينة. انتهى. وقال ابن قتيبة في «المعارف» (٢٦٩) : كان يقال له فارس رسول الله ﷺ ، ولم يحارب في فتنة. انتهى.

стр. 313

فائدة لغوية: «البكري» (١٠٦٥) «قرقرة الكدر» بفتح القاف وسكون الراء بعدهما مثلهما مضافة إلى كدر القطا على ستة أميال من خيبر. تنبيه: يأتي الكلام على الربذة في أخبار أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه فيما يأتي من الكتاب «١» إن شاء الله تعالى.

стр. 314

الجزء الخامس في ذكر العمالات الجهادية وما يتشعب منها وما يتصل بها وفيه خمسة وأربعون بابا

стр. 315

الباب الأول في الامارة على الجهاد وفيه فصلان الفصل الأول في جهاد النبي ﷺ وكم غزوة غزا وفي كم غزوة قاتل منها روى البخاري (٥: ٩٠) رحمه الله تعالى عن أبي إسحاق: كنت إلى جنب زيد بن أرقم، فقيل له: كم غزا النبيّ ﷺ من غزوة؟ قال: تسع عشرة، قيل: كم غزوة أنت معه؟ قال: سبع عشرة. وروى مسلم (٢: ٧٨) عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: غزوت مع رسول الله ﷺ سبع عشرة غزوة، قال جابر: لم أشهد بدرا ولا أحدا منعني أبي، فلما قتل عبد الله يوم أحد لم أتخلّف عن رسول الله ﷺ في غزوة قطّ. وروى مسلم (٢: ٧٨) أيضا عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: غزا رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة، قاتل في ثمان منهن. وذكر أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٤٣) عن أبي إسحاق أيضا قال: سألت زيد ابن أرقم: كم غزا رسول الله ﷺ قال: تسع عشرة غزوة، وغزوت معه سبع عشرة غزوة وسبقني بغزاتين. قال أبو عمر رحمه الله تعالى (٤٣) : وأكثر ما قيل في ذلك أن غزاته بنفسه

стр. 316

- ﵇ كانت ستا وعشرين غزوة، وكانت أشرف غزواته وأعظمها حرمة عند الله وعند رسوله والمسلمين غزوة بدر الكبرى، حيث قتل الله صناديد قريش؛ وأظهر دينه من يومئذ، وكانت بدر في السنة الثانية من الهجرة لسبع عشرة من رمضان، وليس في غزواته ما يعدل بها في الفضل ويقرب منها إلا غزوة الحديبية حيث كانت بيعة الرضوان، وذلك سنة ست من الهجرة. انتهى. الفصل الثاني في بعثه ﷺ الأمراء للجهاد وفيه عدد بعوثه وسراياه ﷺ قال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٤٣) : كانت بعوثه وسراياه ﷺ خمسا وثلاثين من بين بعث وسرية. انتهى. وقال ابن جماعة في «مختصر السير» : كانت سراياه ﷺ ستا وخمسين، كما ذكر الشيخ شرف الدين الدمياطي رحمه الله تعالى، وقيل كانت ثمانيا وأربعين، وقيل سبعا وأربعين، وقيل ستا وثلاثين. انتهى. فوائد لغوية في أربع مسائل: الأولى: الهروي قوله تعالى: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ (الحج: ٧٨) الجهاد: المبالغة واستفراغ ما في الوسع بحرب أو لسان أو ما أطاق من شيء. الثانية: في «المحكم» (٦: ٢٦) الغزو: السير إلى قتال العدوّ وانتهابه. وفي «الصحاح» (٦: ٢٢٤٦) واختصرته: غزوت العدو غزوا، والاسم: الغزاة، ورجل غاز، والجمع غزاة مثل قضاة، وغزّى مثل سبّق وغزيّ مثل حجيج، وغزّاء مثل فسّاق، وأغزيت فلانا جهزته للغزو والنسبة إلى الغزو غزويّ.

стр. 317

قال ابن سيده (٦: ٢٧) : وقالوا: غزاة واحدة يريدون عمل وجه واحد، كما قالوا حجّة واحدة يريدون عمل سنة واحدة، والقياس: غزوة، وهي المرة الواحدة من الغزو. الثالثة: في «الصحاح» (١: ٢٧٣) البعوث: الجيوش، وكنت في بعث فلان أي جيشه الذي بعثه معه، وبعثه وابتعثه: بمعنى أي أرسله. الرابعة: في «الصحاح» (٦: ٢٣٧٥) السرية: قطعة من الجيش، يقال: خير السرايا أربعمائة.

стр. 318

الباب الثاني في الرجل يستخلفه الإمام على حضرته إذا خرج عنها للغزو أو غيره قد ذكر أصحاب التواريخ والسير رحمهم الله تعالى من استخلفه رسول الله ﷺ على المدينة في كلّ خرجة خرجها منها، وفي ذكر جميع من ذكروه طول فاقتصرت على ذكر من استخلفه في أول غزاة غزاها، وذكر من استخلفه في آخر غزاة غزاها، وذلك في فصلين: الفصل الأول في ذكر أسمائهم رضي الله تعالى عنهم قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في «السير» (١: ٥٩٠- ٥٩١) : خرج رسول الله ﷺ في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مقدمة المدينة. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة سعد بن عبادة. قال ابن إسحاق (٥٩١) : حتى بلغ ودّان، وهي غزوة الأبواء، يريد قريشا وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فوادعته فيها بنو ضمرة، وكان الذي وادعه منهم مخشيّ بن عمرو الضّمري، وكان سيّدهم في زمانه ذلك، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة ولم يلق كيدا. قال ابن هشام: وهي أول غزوة غزاها. انتهى. وقال ابن إسحاق (٢: ٥١٩) أيضا رحمه الله تعالى في خبر غزوة تبوك: فلما خرج رسول الله ﷺ ضرب عسكره على ثنيّة الوداع.

стр. 319

قال ابن هشام: واستعمل على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري. قال: وذكر محمد بن عبد العزيز الدّراورديّ عن أبيه أن النبيّ ﷺ استعمل على المدينة مخرجه إلى تبوك سباع بن عرفطة. انتهى. قال عز الدين بن جماعة في «مختصر السير» : كانت غزوة تبوك في السنة التاسعة في ثلاثين ألفا، معهم عشرة آلاف فرس، وهي آخر غزواته ﷺ . انتهى. وقال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (١٣٧٧) : محمد بن مسلمة استخلفه رسول الله ﷺ على المدينة في بعض غزواته، قيل: استخلفه في غزوة قرقرة الكدر وقيل: إنه استخلفه عام تبوك. انتهى. الفصل الثاني في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم ١- سعد بن عبادة ﵁: يأتي ذكره في باب اللواء، إن شاء الله تعالى. ٢- محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه: تقدم ذكره في باب الذين يقيمون الحدود بما أغنى عن الإعادة هنا. ٣- سباع بن عرفطة رضي الله تعالى عنه: قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في «الاستيعاب» (٦٨٢) : سباع بن عرفطة استعمله النبي ﷺ على المدينة حين خرج إلى خيبر إلى دومة الجندل، وهو من كبار الصحابة. انتهى ما ذكر أبو عمر رحمه الله تعالى، ولم ينسبه. قال ابن هشام في «السير» (٢: ٢١٣) : سباع بن عرفطة الغفاري استعمله رسول الله ﷺ على المدينة في غزوة دومة الجندل. انتهى. فائدة لغوية: في «الاشتقاق» لابن سيّد: العرفط ضرب من الشجر؛ قال محمد: يلقي شيئا يقال له المغافير، واحده مغفور، وهو حلوله رائحة منكرة، وبضم الميم والفاء قيّده الفارابي، وبضم العين والفاء قيّد العرفط أيضا.

стр. 320

الباب الثالث في الرجل يستخلفه الإمام على أهله إذا سافر في «السير» (٢: ٥١٦، ٥١٩) : قدم رسول الله ﷺ مرجعه من عمرته لستّ بقين من ذي القعدة من سنة ثمان، ثم أقام بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب، ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم، وكان رسول الله ﷺ قلّما يخرج في غزوة إلا كنى عنها إلّا غزوة تبوك فإنه بيّنها للناس لبعد الشقّة وشدّة الزمان وكثرة العدوّ الذي يصمد له ليتأهب الناس لذلك أهبته. ولما خرج رسول الله ﷺ ضرب عسكره على ثنية الوداع. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري. وذكر عبد العزيز بن محمد الدراوردي أن النبيّ ﷺ استعمل على المدينة مخرجه إلى تبوك سباع بن عرفطة. قال ابن إسحاق (٢: ٥١٩) : وضرب عبد الله بن أبيّ معه على حدة عسكره، أسفل منه نحو ذباب، وكان فيما يذكرون ليس بأقلّ العسكرين، فلما سار رسول الله ﷺ تخلّف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلّف من المنافقين وأهل الريب، وخلّف رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون فقالوا: ما خلّفه إلا استثقالا له، وتخفّفا منه، فلما قال ذلك المنافقون أخذ علي بن أبي طالب سلاحه، ثم خرج حتى أتى النبي ﷺ وهو نازل بالجرف «١» ، فقال يا نبيّ الله، زعم المنافقون
следующие страницы →