- ﵇ كانت ستا وعشرين غزوة، وكانت أشرف غزواته وأعظمها حرمة عند الله وعند رسوله والمسلمين غزوة بدر الكبرى، حيث قتل الله صناديد قريش؛ وأظهر دينه من يومئذ، وكانت بدر في السنة الثانية من الهجرة لسبع عشرة من رمضان، وليس في غزواته ما يعدل بها في الفضل ويقرب منها إلا غزوة الحديبية حيث كانت بيعة الرضوان، وذلك سنة ست من الهجرة. انتهى.
الفصل الثاني في بعثه ﷺ الأمراء للجهاد وفيه عدد بعوثه وسراياه ﷺ
قال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٤٣) : كانت بعوثه وسراياه ﷺ خمسا وثلاثين من بين بعث وسرية. انتهى.
وقال ابن جماعة في «مختصر السير» : كانت سراياه ﷺ ستا وخمسين، كما ذكر الشيخ شرف الدين الدمياطي رحمه الله تعالى، وقيل كانت ثمانيا وأربعين، وقيل سبعا وأربعين، وقيل ستا وثلاثين. انتهى.
فوائد لغوية في أربع مسائل:
الأولى: الهروي قوله تعالى: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ (الحج: ٧٨) الجهاد: المبالغة واستفراغ ما في الوسع بحرب أو لسان أو ما أطاق من شيء.
الثانية: في «المحكم» (٦: ٢٦) الغزو: السير إلى قتال العدوّ وانتهابه.
وفي «الصحاح» (٦: ٢٢٤٦) واختصرته: غزوت العدو غزوا، والاسم: الغزاة، ورجل غاز، والجمع غزاة مثل قضاة، وغزّى مثل سبّق وغزيّ مثل حجيج، وغزّاء مثل فسّاق، وأغزيت فلانا جهزته للغزو والنسبة إلى الغزو غزويّ.
стр. 317
قال ابن سيده (٦: ٢٧) : وقالوا: غزاة واحدة يريدون عمل وجه واحد، كما قالوا حجّة واحدة يريدون عمل سنة واحدة، والقياس: غزوة، وهي المرة الواحدة من الغزو.
الثالثة: في «الصحاح» (١: ٢٧٣) البعوث: الجيوش، وكنت في بعث فلان أي جيشه الذي بعثه معه، وبعثه وابتعثه: بمعنى أي أرسله.
الرابعة: في «الصحاح» (٦: ٢٣٧٥) السرية: قطعة من الجيش، يقال: خير السرايا أربعمائة.
стр. 318
الباب الثاني في الرجل يستخلفه الإمام على حضرته إذا خرج عنها للغزو أو غيره
قد ذكر أصحاب التواريخ والسير رحمهم الله تعالى من استخلفه رسول الله ﷺ على المدينة في كلّ خرجة خرجها منها، وفي ذكر جميع من ذكروه طول فاقتصرت على ذكر من استخلفه في أول غزاة غزاها، وذكر من استخلفه في آخر غزاة غزاها، وذلك في فصلين:
الفصل الأول في ذكر أسمائهم رضي الله تعالى عنهم
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في «السير» (١: ٥٩٠- ٥٩١) : خرج رسول الله ﷺ في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مقدمة المدينة.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة سعد بن عبادة.
قال ابن إسحاق (٥٩١) : حتى بلغ ودّان، وهي غزوة الأبواء، يريد قريشا وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فوادعته فيها بنو ضمرة، وكان الذي وادعه منهم مخشيّ بن عمرو الضّمري، وكان سيّدهم في زمانه ذلك، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة ولم يلق كيدا.
قال ابن هشام: وهي أول غزوة غزاها. انتهى.
وقال ابن إسحاق (٢: ٥١٩) أيضا رحمه الله تعالى في خبر غزوة تبوك: فلما خرج رسول الله ﷺ ضرب عسكره على ثنيّة الوداع.
стр. 319
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري.
قال: وذكر محمد بن عبد العزيز الدّراورديّ عن أبيه أن النبيّ ﷺ استعمل على المدينة مخرجه إلى تبوك سباع بن عرفطة. انتهى.
قال عز الدين بن جماعة في «مختصر السير» : كانت غزوة تبوك في السنة التاسعة في ثلاثين ألفا، معهم عشرة آلاف فرس، وهي آخر غزواته ﷺ . انتهى.
وقال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (١٣٧٧) : محمد بن مسلمة استخلفه رسول الله ﷺ على المدينة في بعض غزواته، قيل:
استخلفه في غزوة قرقرة الكدر وقيل: إنه استخلفه عام تبوك. انتهى.
الفصل الثاني في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم
١- سعد بن عبادة
﵁: يأتي ذكره في باب اللواء، إن شاء الله تعالى.
٢- محمد بن مسلمة
رضي الله تعالى عنه: تقدم ذكره في باب الذين يقيمون الحدود بما أغنى عن الإعادة هنا.
٣- سباع بن عرفطة
رضي الله تعالى عنه: قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في «الاستيعاب» (٦٨٢) : سباع بن عرفطة استعمله النبي ﷺ على المدينة حين خرج إلى خيبر إلى دومة الجندل، وهو من كبار الصحابة.
انتهى ما ذكر أبو عمر رحمه الله تعالى، ولم ينسبه.
قال ابن هشام في «السير» (٢: ٢١٣) : سباع بن عرفطة الغفاري استعمله رسول الله ﷺ على المدينة في غزوة دومة الجندل. انتهى.
فائدة لغوية:
في «الاشتقاق» لابن سيّد: العرفط ضرب من الشجر؛ قال محمد: يلقي شيئا يقال له المغافير، واحده مغفور، وهو حلوله رائحة منكرة، وبضم الميم والفاء قيّده الفارابي، وبضم العين والفاء قيّد العرفط أيضا.
стр. 320
الباب الثالث في الرجل يستخلفه الإمام على أهله إذا سافر
في «السير» (٢: ٥١٦، ٥١٩) : قدم رسول الله ﷺ مرجعه من عمرته لستّ بقين من ذي القعدة من سنة ثمان، ثم أقام بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب، ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم، وكان رسول الله ﷺ قلّما يخرج في غزوة إلا كنى عنها إلّا غزوة تبوك فإنه بيّنها للناس لبعد الشقّة وشدّة الزمان وكثرة العدوّ الذي يصمد له ليتأهب الناس لذلك أهبته. ولما خرج رسول الله ﷺ ضرب عسكره على ثنية الوداع.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري.
وذكر عبد العزيز بن محمد الدراوردي أن النبيّ ﷺ استعمل على المدينة مخرجه إلى تبوك سباع بن عرفطة.
قال ابن إسحاق (٢: ٥١٩) : وضرب عبد الله بن أبيّ معه على حدة عسكره، أسفل منه نحو ذباب، وكان فيما يذكرون ليس بأقلّ العسكرين، فلما سار رسول الله ﷺ تخلّف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلّف من المنافقين وأهل الريب، وخلّف رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون فقالوا: ما خلّفه إلا استثقالا له، وتخفّفا منه، فلما قال ذلك المنافقون أخذ علي بن أبي طالب سلاحه، ثم خرج حتى أتى النبي ﷺ وهو نازل بالجرف «١» ، فقال يا نبيّ الله، زعم المنافقون
стр. 321
أنك استثقلتني وتخففت مني، فقال: كذبوا، ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا عليّ أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبيّ بعدي. فرجع علي بن أبي طالب إلى المدينة، ومضى رسول الله ﷺ على سفره. انتهى.
وروى النسائي رحمه الله تعالى عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، قال: لما غزا رسول الله ﷺ غزوة تبوك خلّف عليا في المدينة، فقالوا فيه: ملّه وكره صحبته، فتبع علي النبيّ ﷺ حتى لحقه بالطريق، قال: يا رسول الله خلفتني بالمدينة مع الذراري والنساء حتى قالوا: ملّه وكره صحبته، فقال له النبي ﷺ : إنما خلفتك على أهلي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبيّ بعدي. انتهى.
تنبيه:
قد تقدم ذكر علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في باب القاضي «١» فأغنى عن الإعادة هنا.
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
الأولى: الفارابي (٣: ٢٦) الشقة: السفر البعيد، وفيها لغتان ضمّ الشين وكسرها.
الثانية: الفارابي صمد يصمد- بفتح الميم في الماضي وضمها في المستقبل- صمدا: قصد.
الثالثة: قال البكري (٦٠٩) : «ذباب» بضم الذّال المعجمة على لفظ الواحد من الذّبّان: جبل بجّبانة المدينة أسفل من ثنيّة المدينة.
стр. 322
الباب الرابع في المستنفر
ذكر من بعثه رسول الله ﷺ مستنفرا، وهو بسر بن سفيان الخزاعي، وذكر نسبه وأخباره:
في «الروض الأنف» (٦: ٤٧٦- ٤٧٧) بسر بن سفيان بن عمرو بن عويمر الخزاعي بعثه رسول الله ﷺ مع بديل بن أم أصرم- وهو بديل بن سلمة- إلى خزاعة يستنفرهم إلى قتال أهل مكة عام الفتح؛ ذكره في الكلام على خبر الحديبية. انتهى.
وفي الاستيعاب (١٦٦) : بسر بن سفيان بن عمرو بن عويمر الخزاعي: أسلم سنة ستّ من الهجرة، وبعثه النبيّ ﷺ عينا إلى قريش إلى مكة، وشهد الحديبية، وهو المذكور في حديث الحديبية من رواية الزهري عن عروة عن المسور ومروان وقوله فيه حتى إذا كان بغدير الأشطاط لقيه عينه الخزاعي فأخبره خبر قريش وجموعهم. قالوا: هو بسر بن سفيان هذا. انتهى.
وفي «السير» (٢: ٣٠٩) : أنه لقي رسول الله ﷺ بعسفان، وقال فيه: بشر بن سفيان الكعبي، قال ابن هشام: ويقال بسر. انتهى.
وفي «الاستيعاب» (١٥١) بديل بن أم أصرم، أحد المنسوبين إلى أمهاتهم، بعثه النبي ﷺ إلى بني كعب يستنفرهم لغزو مكة هو وبسر بن سفيان الخزاعي.
стр. 323
فائدتان لغويتان:
الأولى: في «الصحاح» (٢: ٨٣٣) نفر القوم في الأمر نفورا، والنفير: القوم الذين يتقدمون فيه. انتهى.
واستنفرت: استفعلت منه.
قال الفارابي (٢: ٤٣٦) بناء هذا الباب أن يكون بمعنى سؤال الفعل وطلبه، كقولك: استعجلته أي طلبت عجلته.
الثانية: «غدير الأشطاط» في «المشارق» (١: ٥٨- ٥٩) بفتح الهمزة وإسكان الشين بعده طاء مهملة وألف وطاء أخرى، وهو تلقاء الحديبية.
стр. 324
الباب الخامس في صاحب اللواء
وفيه سبعة فصول
الفصل الأول في ذكر أول لواء رفع بين يدي رسول الله ﷺ
في كتاب «أخلاق النبي ﷺ » (٢٤٩) لابن حيان الأصبهاني رحمه الله تعالى، عن بريدة رضي الله تعالى عنه، قال: كان رسول الله ﷺ لا يتطير، ولكن يتفاءل. وكانت قريش جعلت مائة من الإبل لمن يأخذ نبيّ الله ﷺ فيرده عليهم حين توجه إلى المدينة، فأقبل بريدة في سبعين راكبا من أهل بيته من بني سهم، فلقوا نبيّ الله ليلا، فقال له النبي ﷺ : من أنت؟ قال: أنا بريدة، فالتفت إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر برد أمرنا وصلح، قال: ثم ممن؟ قال: من أسلم، قال: سلمنا، قال: ثم ممن؟ قال: من بني سهم، قال خرج سهمك، فقال بريدة للنبي ﷺ : فمن أنت؟
قال: أنا محمد بن عبد الله رسول الله، قال بريدة: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنك عبده ورسوله، قال: فأسلم بريدة وأسلم الذين معه جميعا، فلما أن أصبح قال للنبي ﷺ : لا تدخل المدينة إلّا ومعك لواء، قال: فحلّ عمامته ثم شدّها في رمح، ثم مشى بين يديه حتى دخل المدينة. انتهى.
стр. 325
الفصل الثاني في ذكر نسب بريدة وأخباره
في «الاستيعاب» (١٨٥) بريدة الأسلمي: وهو بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث بن الأعرج بن سعد بن رزاح بن عدي بن سهم بن مازن بن الحارث بن سلامان بن أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر، يكنى أبا عبد الله، وقيل أبا سهل، وقيل أبا الحصيب، وقيل أبا ساسان، والمشهور أبو عبد الله. أسلم قبل بدر ولم يشهدها، وشهد الحديبية، فكان ممن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر من مكة إلى المدينة فانتهى إلى الغميم أتاه بريدة بن الحصيب فأسلم هو ومن معه وكانوا زهاء ثمانين بيتا، فصلّى رسول الله ﷺ العشاء فصلوا خلفه، ثم رجع بريدة إلى بلاد قومه وقد تعلم شيئا من القرآن ليلتئذ، ثم قدم على رسول الله ﷺ بعد أحد، فشهد معه مشاهده، وشهد الحديبية، وكان من ساكني المدينة، ثم تحوّل إلى البصرة ثم خرج منها إلى خراسان غازيا.
قال أبو عمر (١٨٥) : أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال، حدثنا قاسم بن أصبغ بسنده عن بريدة قال: كان النبيّ ﷺ لا يتطير ولكن يتفاءل، فركب بريدة في سبعين راكبا من أهل بيته من بني سهم، فتلقى النبيّ ﷺ فقال له نبيّ الله ﷺ : من أنت؟ قال: أنا بريدة، فالتفت إلى أبي بكر، فقال: يا أبا بكر برد أمرنا وصلح، قال: ثم قال لي: ممن؟ قلت: من أسلم، قال لأبي بكر: سلمنا، ثم قال لي: من بني من؟ قلت من بني سهم، قال:
خرج سهمك.
قال أبو عمر رحمه الله تعالى (١٨٥) : مات بريدة بمرو في إمرة يزيد بن معاوية، وبقي ولده بها.
قال أبو عمر رحمه الله تعالى (١٨٦) : وروى البخاري رحمه الله تعالى بسنده عن عبد الله بن مسلم الأسلمي من أهل مرو قال: سمعت عبد الله بن بريدة يقول:
стр. 326
مات والدي بمرو وقبره «بالجصّين» ، وهو قائد أهل المشرق ونورهم، لأن النبيّ ﷺ قال: أيما رجل مات من أصحابي ببلدة فهو قائدهم ونورهم يوم القيامة. انتهى.
فائدتان لغويتان:
الأولى: في «المشارق» (١: ٢٢٤) حصيب والد بريدة بصاد مهملة مفتوحة مصغر، وآخره باء بواحدة، وحاؤه مضمومة، وقد صحّفه بعض الأئمة قديما، فقاله بالخاء المعجمة المفتوحة.
الثانية: «الجصّين» بكسر الجيم بعده صاد مهملة مشدّدة على وزن «فعّيل» :
موضع بمرو من خراسان، قاله البكري (٣٨٤) .
الفصل الثالث في ذكر من حمل رايته ولواءه ﷺ بين يديه، ومن حملها ليقاتل بها
١- ٣: فمنهم أبو بكر وعمر وعلي
رضي الله تعالى عنهم: ذكر ابن إسحاق في «السير» (٢: ٣٢٨) رحمه الله تعالى في أخبار غزوة خيبر: خرج رسول الله ﷺ إلى خيبر في بقية المحرم، يعني من سنة سبع، ودفع الراية إلى عليّ بن أبي طالب وكانت بيضاء.
قال ابن إسحاق (٢: ٣٣٢) : ولما افتتح رسول الله ﷺ ما افتتح انتهى إلى حصنهم «الوطيح» وكان آخر حصون أهل خيبر افتتاحا.
قال ابن إسحاق (٢: ٣٣٤- ٣٣٥) : وبعث رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق برايته إلى بعض حصون خيبر، فقاتل ورجع ولم يك فتح، وقد جهد، ثم بعث من الغد عمر بن الخطاب فقاتل ثم رجع، ولم يك فتح وقد جهد، فقال رسول الله ﷺ : لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله
стр. 327
يفتح الله على يديه ليس بفرّار. قال، يقول سلمة: فدعا رسول الله ﷺ عليا وهو أرمد، فتفل رسول الله ﷺ في عينيه، ثم قال: خذ الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك. قال، يقول سلمة: فخرج والله بها يأنح، يهرول هرولة، وإنا لخلفه نتبع أثره حتى ركز رايته في رضم حجارة تحت الحصن، فاطلع إليه يهوديّ من رأس الحصن فقال له: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، قال، يقول اليهودي: علوتم وما أنزل على موسى، أو كما قال. انتهى.
فائدتان لغويتان:
الأولى: جهد الرجل يجهد بفتح الهاء في الماضي والمستقبل؛ قاله الفارابي، وزاد ابن طريف: وأجهد في الأمر: بلغ فيه الجهد.
الثانية: في «المحكم» (٣: ٣١٤) أنح يأنح أنحا، وأنيحا [وأنوحا] وهو مثل الزفير يكون من الغضب ومن الغيرة «١» .
وقال الفارابي (٤: ٢٠١) بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل.
٤- ومنهم الزبير بن العوام
رضي الله تعالى عنه: روى البخاري (٥: ١٨٦) رحمه الله تعالى عن هشام عن أبيه: لما سار رسول الله ﷺ عام الفتح فبلغ ذلك قريشا، خرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله ﷺ ، الحديث بكماله؛ وفيه: ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب، فيهم رسول الله ﷺ وأصحابه، وراية النبي ﷺ مع الزبير بن العوام. انتهى.
٥- ومنهم «٢» مصعب بن عمير
: قال ابن إسحاق في «السير» (١: ٦١٢) دفع
стр. 328
رسول الله ﷺ اللواء يوم غزوة بدر الكبرى إلى مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.
قال ابن هشام: وكان أبيض.
٦- ومنهم سعد بن معاذ
: قال ابن إسحاق في «السير» (١: ٦١٢- ٦١٣) في أخبار غزوة بدر الكبرى: وكان أمام رسول الله ﷺ رايتان سوداوان: إحداهما مع علي بن أبي طالب، والأخرى مع بعض الأنصار.
قال ابن هشام: كانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ. انتهى.
٧- ومنهم سعد بن عبادة
: قال ابن إسحاق (٢: ٤٠٦- ٤٠٧) في أخبار يوم الفتح: أمر رسول الله ﷺ سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كداء. قال ابن إسحاق: فزعم بعض أهل العلم أن سعدا حين وجه داخلا قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الحرمة، فسمعه رجل من المهاجرين. قال ابن هشام: هو عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله: اسمع ما قال سعد بن عبادة، ما نأمن أن يكون له في قريش صولة، فقال رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب: أدركه فخذ الراية فكن أنت الذي تدخل بها.
وذكر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٥٩٨) أن رسول الله ﷺ أعطى الراية حين انتزعها من يده لولده قيس، قال: وقيل أعطاها للزبير، وقيل أعطاها لعلي، وسيأتي ذلك مبسوطا عند ذكر ولده قيس.
٨- ومنهم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري
: روى البخاري (٤: ٦٤) رحمه الله تعالى عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي أن قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، وكان صاحب لواء رسول الله ﷺ ، أراد الحج فرجّل.
وقال أبو عمر بن عبد البر في «الاستيعاب» (١٢٨٩) : وأعطاه رسول الله ﷺ الراية يوم فتح مكة إذ نزعها من أبيه لشكوى قريش يومئذ.
(٥٩٧) وكانت الراية يوم الفتح بيد سعد بن عبادة، فلما مرّ بها على أبي سفيان
стр. 329
- وقد كان أسلم أبو سفيان- فقال سعد إذ نظر إليه: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الحرمة، اليوم أذلّ الله قريشا، فأقبل رسول الله ﷺ في كتيبة الأنصار حتى إذا حاذى أبا سفيان، ناداه يا رسول الله: أمرت بقتل قومك، فإنه زعم سعد ومن معه حين مرّ بنا: أنه قاتلنا، وقال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الحرمة، اليوم أذلّ الله قريشا، وإني أنشدك الله تعالى في قومك فأنت أبرّ الناس وأرحمهم وأوصلهم. وقال عثمان وعبد الرّحمن بن عوف، رضي الله تعالى عنهما:
يا رسول الله ما نأمن سعدا أن تكون له في قريش صولة، فقال رسول الله ﷺ : يا أبا سفيان اليوم يوم المرحمة، اليوم أعزّ الله قريشا.
(٥٩٨) وقال ضرار بن الخطاب يومئذ «١» : [من الخفيف]
يا نبيّ الهدى إليك لجا ... حيّ قريش «٢» ولات حين لجاء
إنّ سعدا يريد قاصمة الظهر ... بأهل الحجون والبطحاء
خزرجيّ لو يستطيع من الغيظ ... رمانا بالنّسر والعوّاء
وغر الصّدر لا يهمّ بشيء ... غير سفك الدما وسبي النساء
إذ ينادي بذلّ حيّ قريش ... وابن حرب بدا من الشهداء
فلئن أقحم اللواء ونادى ... يا حماة اللّواء أهل اللّواء
ثم ثابت إليه من بهم الخزرج ... والأوس أنجم الهيجاء
لتكوننّ بالبطاح قريش ... فقعة القاع في أكفّ الإماء
فانهينه فإنه أسد الأزد ... «٣» لدى الغاب والغ في الدماء
إنه مطرق يدير «٤» لنا الأمر ... سكوتا كالحيّة الصّماء
فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد ونزع اللواء من يده وجعله بيد قيس ابنه، ورأى رسول الله ﷺ أن اللواء لم يخرج عنه إذ صار إلى
стр. 330
ابنه، وأبى سعد أن يسلم اللواء إلا بأمارة من رسول الله ﷺ ، فأرسل إليه رسول الله ﷺ بعمامته فعرفها سعد، فدفع اللواء إلى ابنه قيس، هكذا ذكر يحيى بن سعيد الأموي في «السير» ولم يذكر ابن إسحاق هذا الشعر ولا ساق هذا الخبر. وقد روي أن رسول الله ﷺ أعطى الراية الزبير إذ نزعها من سعد. وروي أيضا أن رسول الله ﷺ أمر عليا فأخذ الراية فذهب بها حتى دخل مكة فغرزها عند الركن. انتهى.
فائدتان لغويتان:
الأولى: في «المشارق» (١: ٢٢١) الحجون بفتح الحاء وضم الجيم وتخفيفها:
الجبل المشرف حذاء مسجد العقبة عند المحصّب. قال الزبير: الحجون: مقبرة أهل مكة تجاه دار أبي موسى الأشعري.
الثانية: الوغرة: شدة توقد الحر، ومنه قيل: في صدره عليّ وغر بالتسكين، أي ضغن وعداوة وتوقد من الغيظ، والمصدر بالتحريك، تقول: وغر صدره عليّ يوغر وغرا فهو واغر الصدر عليّ، وقد أوغرت صدره على فلان أي أحميته من الغيظ.
الفصل الرابع في ذكر أنسابهم وأخبارهم
رضي الله تعالى عنهم
١- قد تقدم ذكر أبي بكر
رضي الله تعالى عنه في باب الخليفة.
٢- وذكر عمر
رضي الله تعالى عنه في باب الوزارة.
٣- وذكر علي
رضي الله تعالى عنه في باب القضاء.
٤- ويأتي ذكر الزبير
رضي الله تعالى عنه في باب الزكاة.
٥- وتقدم ذكر مصعب بن عمير
رضي الله تعالى عنه في باب مقرىء القرآن، وسأذكر الآن سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وقيس بن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنهم.
стр. 331
٦- سعد بن معاذ
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (٦٠٢) : سعد بن معاذ بن النعمان بن امرىء القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن النبيت، وهو عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأشهلي، يكنى أبا عمرو. أسلم بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية على يد مصعب بن عمير، وشهد بدرا وأحدا والخندق ورمي يوم الخندق بسهم فعاش شهرا، ثم انتقض جرحه فمات منه، رماه حبّان ابن العرقة وقال: خذها وأنا ابن العرقة، فقال رسول الله ﷺ : عرق الله وجهه في النار.
وروى الليث عن أبي الزبير عن جابر قال: رمي يوم الأحزاب فقطع أكحله فحسمه رسول الله ﷺ ، فانتفخت يده ونزفه الدم، فلما رأى ذلك قال: اللهم لا تخرج نفسي حتى تقرّ عيني في بني قريظة، فاستمسك عرقه فما قطر منه قطرة حتى نزل بنو قريظة على حكمه، وكان حكمه فيهم: أن يقتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذريتهم يستعين به المسلمون، فقال رسول الله ﷺ : أصبت حكم الله فيهم؛ وكانوا أربمائة، فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه فمات.
وروي من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ أنه قال: لقد نزل من الملائكة في جنازة سعد بن معاذ سبعون ألفا ما وطئوا الأرض قبل.
وقال رسول الله ﷺ : اهتز العرش لموت سعد بن معاذ.
وقال ﷺ في حلّة رآها سيراء: لمنديل من مناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها.
وقال سعد ﵁: ثلاث أنا فيهن رجل، يعني كما ينبغي، وما سوى ذلك فأنا رجل من الناس: ما سمعت من رسول الله ﷺ حديثا قط إلا علمت أنه حقّ من الله، ولا كنت في صلاة قط فشغلت نفسي بغيرها حتى
стр. 332
أقضيها، ولا كنت في جنازة قط فحدثت نفسي بغير ما تقول ويقال لها حتى أنصرف عنها.
قال سعيد بن المسيب: هذه الخصال ما كنت أحسبها إلا في نبيّ.
قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى: توفي سعد سنة خمس من الهجرة، وكان موته بعد الخندق بشهر وبعد قريظة بليال. انتهى.
وقال ي ابن إسحاق في «السير» (٢: ٢٥٢) : وقالت أم سعد حين احتمل نعشه، قال ابن عبد البر: هي كبشة بنت رافع، لها رضي الله تعالى عنها صحبة «١» :
[من الرجز]
ويل أمّ سعد سعدا ... صرامة وحدّا
وسؤددا ومجدا ... وفارسا معدا
سدّ به مسدا ... يقدّ هاما قدّا
قال: يقول رسول الله ﷺ : كلّ نائحة تكذب إلا نائحة سعد بن معاذ.
فائدتان لغويتان:
الأولى: حبّان بن العرقة بكسر الحاء المهملة وتشديد الباء بواحدة ضبطه الحافظ أبو علي الغساني ﵀ بخطه.
الثانية: العرقة بعين مفتوحة وراء مكسورة مهملتان بعدهما القاف وتاء التأنيث؛ قال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٦٠٣) وإنما قيل لها العرقة لطيب عرقها.
الثالثة: في «المشارق» (١: ١٩٥- ١٩٦) حلّة سيراء بكسر السين وفتح الياء ممدود، بعضهم يجعله نعتا، قال الخطابي: كما قيل: ناقة عشراء، وكان أبو مروان
стр. 333
ابن سراج ينكره ويضبطه على الإضافة، وهي أثواب ذوات ألوان وخطوط يخالطها حرير. قال الخليل وغيره: هو ثوب مضلّع بالحرير، وقيل: الأشبه أنه مختلف الألوان. وقال مالك: السيراء وشيء من حرير. قال ابن الأنباري: والسيراء أيضا:
الذهب، وقيل: هو الحرير الصافي، والحلة ثوبان غير لفقين، رداء وإزار، سمّيا بذلك لأنه يحلّ كلّ واحد منهما على الآخر.
قال الخليل: ولا يقال حلّة لثوب واحد. وقال أبو عبيد: الحلل: برود اليمن. وقال بعضهم: إنما تكون حلّة إذا كانت جديدة لحلها عن طيها، والأول أكثر وأشهر.
وفي الحديث: أنه رأى رجلا عليه حلة ائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر فهذا يدل على أنهما ثوبان.
٧- سعد بن عبادة
رضي الله تعالى عنه: في الاستيعاب (٥٩٤) : سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي حليمة، ويقال ابن أبي حزيمة، بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الساعدي، يكنى أبا ثابت، وقيل أبا قيس، والأول أصح. كان نقيبا شهد العقبة، وشهد بدرا في قول بعضهم، ولم يذكره ابن عقبة ولا ابن إسحاق في البدريين، وذكره غيرهما «١» . وفي سعد بن عبادة وسعد بن معاذ جاء الخبر المأثور: إن قريشا سمعوا صائحا يصيح ليلا على أبي قبيس «٢» :
فإن يسلم السعدان يصبح محمد ... بمكة لا يخشى خلاف المخالف
قال فظنت قريش أنهما سعد بن زيد مناة بن تميم، وسعد بن هذيم من قضاعة، فلما كان الليلة الثانية سمعوا على أبي قبيس:
أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا ... ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
стр. 334
أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا ... على الله في الفردوس منية عارف
فإن ثواب الله للطالب الهدى ... جنان من الفردوس ذات رفارف
فقالوا: هذان والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة.
قال أبو عمر رحمه الله تعالى (٥٩٦) وإليهما أرسل رسول الله ﷺ يوم الخندق دون سائر الأنصار لأنهما كانا سيدي قومهما: كان سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج، فشاورهما فيما أراد أن يعطيه عيينة بن حصن من تمر المدينة لينصرف بمن معه من غطفان ويخذّل الأحزاب، فقالا:
يا رسول الله إن كنت أمرت بشيء فافعله وامض له، وإن كان غير ذلك فوالله لا نعطيهم إلا السيف، فقال: رسول الله ﷺ : لم أومر بشيء، ولو أمرت بشيء ما شاورتكما، إنما هو رأي أعرضه عليكما، فقالا: والله يا رسول الله ما طمعوا بذلك منا قطّ في الجاهلية، فكيف اليوم وقد هدانا الله بك وأكرمنا وأيّدنا، والله لا نعطيهم إلا السيف، فسرّ رسول الله ﷺ بقولهما، وقال لعيينة بن حصن ومن معه: ارجعوا فليس بيننا وبينكم إلا السيف. انتهى.
قلت: وكانت راية رسول الله ﷺ يوم الفتح بيده ثم انتزعها رسول الله ﷺ من يده ودفعها لقيس ولده، وقيل لعلي بن أبي طالب في قصة تقدمت مستوفاة في الفصل الثالث عند ذكر ولده قيس.
وقال أبو عمر ابن عبد البر (٥٩٥) كان سعد سيدا في الأنصار، مقدما وجيها، له رياسة وسيادة يعترف له قومه بها. يقال إنه لم يكن في الأوس والخزرج أربعة مطعمون متتالون في بيت واحد إلا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم. وعن نافع قال:
مرّ ابن عمر على أطم سعد فقال لي: يا نافع هذا أطم جده لقد كان مناديه ينادي يوما في كلّ حول من أراد الشحم واللحم فليأت دار دليم، فمات دليم فنادى منادي عبادة بمثل ذلك، ثم مات عبادة، فنادى منادي سعد بمثل ذلك، ثم قد رأيت قيس بن سعد يفعل ذلك.
стр. 335
قال أبو عمر (٥٩٩) : وتخلف سعد بن عبادة عن بيعة أبي بكر، وخرج من المدينة ولم ينصرف إليها إلى أن مات بحوران من أرض الشام لسنتين ونصف مضتا من خلافة عمر، وذلك سنة خمس عشرة، وقيل سنة أربع، وقيل بل مات سعد في خلافة أبي بكر سنة إحدى عشرة، ولم يختلفوا أنه وجد ميتا في مغتسله وقد اخضرّ جسده ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول، ولا يرون أحدا «١» :
[من مجزوء الرمل]
قتلنا سيد الخزرج ... سعد بن عباده
رميناه بسهمين فلم نخط فؤاده
ويقال إن الجن قتلته؛ روى ابن جريج عن عطاء أنه قال: سمعت الجنّ قالت في سعد بن عبادة فذكر البيتين.
فائدة لغوية:
الأطم بضم الطاء وتسكينها والهمزة مضمومة في اللغتين: الحصن، والجمع آطام؛ قاله الجوهري، قال: وهي حصون لأهل المدينة، والواحدة أطمة مثل أكمة.
وفي «المحكم» الجمع القليل: آطام، والكثير: أطوم. قال ابن الأعرابي: الأطوم:
القصور.
٨- قيس بن سعد بن عبادة
رضي الله تعالى عنه: في الاستيعاب (١٢٨٩) :
قيس بن سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة الأنصاري الخزرجي، قد نسبنا أباه في بابه، فأغنى عن الرفع في نسبه هنا، يكنى أبا الفضل، وقيل أبا عبد الله، وقيل:
أبا عبد الملك. قال الواقدي: كان قيس بن سعد بن عبادة من كرام أصحاب رسول الله ﷺ وأسخيائهم ودهاتهم.
قال أبو عمر: كان شريف قومه غير مدافع هو وأبوه وجده، وصحب قيس رسول الله ﷺ هو وأبوه وأخوه سعيد بن سعد بن عبادة، وأعطاه
стр. 336
رسول الله ﷺ الراية يوم فتح مكة إذ نزعها من أبيه لشكوى قريش سعدا يومئذ. وقد قيل إنه أعطاها الزبير، وقيل إنه أعطاها عليا رضي الله تعالى عن الجميع.
وعن جابر قال: خرجنا في بعث كان عليهم قيس بن سعد، فنحر لهم تسع ركائب، فلما قدموا على رسول الله ﷺ ذكروا له ذلك من فعل قيس بن سعد فقال رسول الله ﷺ : إن الجود شيمة «١» أهل ذلك البيت.
(١٢٨٩) ثم صحب قيس بن سعد علي بن أبي طالب، وشهد الجمل وصفين والنهروان هو وقومه، ولم يفارقه حتى قتل.
(١٢٩٢) وهو القائل في صفين: [من البسيط]
هذا اللواء الذي كنّا نحفّ به ... مع النبي وجبريل لنا مدد
ما ضرّ من كانت الأنصار عيبته ... أن لا يكون له من غيرهم أحد
قوم إذا حاربوا طالت أكفّهم ... بالمشرفيّة حتى يفتح البلد
(١٢٩٠، ١٢٩١) ولما أجمع الحسن على مبايعة معاوية خرج عن عسكره وغضب على الحسن، وبدر منه فيه قول خشن أخرجه الغضب، فاجتمع إليه قومه وكانوا خمسة آلاف قد حلقوا رؤوسهم بعد ما مات علي ﵀ وتبايعوا على الموت، فلما دخل الحسن في بيعة معاوية أبي قيس أن يدخل وقال لأصحابه:
ما شئتم، إن شئتم جالدت بكم أبدا، وإن شئتم أخذت لكم أمانا، فقالوا: خذ لنا أمانا، فأخذ لهم: أنّ لهم كذا وكذا، وألا يعاقبوا بشيء، وأنه رجل منهم، ولم يأخذ لنفسه خاصة شيئا، والتزم لهم معاوية الوفاء بما شرطوه، ثم لزم قيس المدينة وأقبل على العبادة حتى مات بها سنة ستين، وقيل سنة تسع وخمسين، في آخر خلافة معاوية.
стр. 337
(١٢٩٢) وهو معدود في المدنيين، وكان رجلا طوالا سناطا لم يكن في وجهه شعرة ولا شيء من لحية، وكان مع ذلك جميلا، رحمه الله تعالى ورضي عنه، وكانت الأنصار تقول: لوددنا أن نشتري لقيس بن سعد لحية بأموالنا. ومن أخباره في الكرم أن رجلا استقرض منه ثلاثين ألفا، فلما ردّها إليه أبى أن يقبلها وقال: إنا لا نعود في شيء أعطيناه.
(١٢٩٣) »
وكان له مال كثير ديونا على الناس، فمرض واستبطأ عوّاده، فقيل له: إنهم يستحيون من أجل دينك، فأمر مناديا فنادى من كان لقيس بن سعد عليه دين فهو له، فأتاه الناس حتى هدموا درجة كانوا يصعدون عليها إليه.
(١٢٩٢) «٢» وتوفي أبوه عن حمل لم يعلم به، فلما ولد وقد كان سعد قسم ماله حين خروجه من المدينة، فكلم أبو بكر وعمر في ذلك قيسا، وسألاه أن ينقض ما صنع سعد من تلك القسمة، فقال: نصيبي للمولود ولا أغيّر ما صنع أبي ولا أنقضه.
قال أبو عمر (١٢٩٢) «٣» : وقصّته مع العجوز التي شكت إليه أنه ليس في بيتها جرذ، فقال لها: ما أحسن ما سألت، أما والله لأكثّرنّ من جرذان بيتك، فملأ بيتها طعاما وودكا وأداما صحيحة.
فائدتان لغويتان:
الأولى: في «المحكم» السّناط والسّناط والسّنوط كله: الذي لا لحية له، وقيل: هو الذي لا شعر في وجهه البتة، وقد سنط فيهن. وفي «الأفعال» لابن طريف: سنط وسنط بضم النون وكسرها سنطا: لم ينبت له لحية فهو سناط.
стр. 338
الثانية: الجرذان بكسر الجيم وسكون الراء وفتح الذال المعجمة وبعدها ألف ونون جمع جرذ بضم الجيم وفتح الراء. قال الفارابي (١: ٢٥٣) الجرذ بضمّ الفاء وفتح العين واحد الجرذان. قال الجوهري (٢: ٥٦١) وهو ضرب من الفأر، وأرض جرذة ذات جرذان.
الفصل الخامس في جواز القبائل على راياتهم وانفراد كلّ قبيلة برايتها
روى البخاري (٥: ١٨٦) رحمه الله تعالى عن هشام بن عروة عن أبيه رضي الله تعالى عنه: لما سار رسول الله ﷺ عام الفتح فبلغ ذلك قريشا، خرج أبو سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله ﷺ فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مرّ الظهران فإذا هم بنيران كأنّها نيران عرفة، فقال أبو سفيان: ما هذه؟ لكأنها نيران عرفة، فقال بديل بن ورقاء: نيران بني عمرو، فقال أبو سفيان: عمرو أقلّ من ذلك، فرآهم ناس من حرس رسول الله ﷺ فأدركوهم فأخذوهم فأتوا بهم رسول الله ﷺ فأسلم أبو سفيان فلما سار قال للعباس: احبس أبا سفيان عند خطم الجبل حتى ينظر إلى المسلمين، فحبسه العباس فجعلت القبائل تمرّ مع النبي ﷺ ، تمر كتيبة كتيبة على أبي سفيان، فمرت كتيبة فقال: يا عباس من هذه؟ قال:
هذه غفار، قال: ومالي ولغفار، ثم مرت جهينة، قال: مثل ذلك، ثم مرت سعد بن هذيم، فقال مثل ذلك، ثم مرت سليم فقال مثل ذلك، حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها، قال: من هذه؟ قال: هذه الأنصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية، فقال سعد بن عبادة: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الكعبة، فقال أبو سفيان: يا عباس حبّذا يوم الذّمار، ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب فيهم رسول الله ﷺ وأصحابه وراية النبي ﵇ مع الزبير، وساق الحديث.
стр. 339
وذكر ابن إسحاق في «السير» (٢: ٤٠٣- ٤٠٤) عن العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه قال: لما ذهب أبو سفيان لينصرف قال رسول الله ﷺ : احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمرّ جنود الله فيراها قال:
فخرجت حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله ﷺ أن أحبسه، قال: ومرت القبائل على راياتها، كلّما مرت قبيلة قال: يا عباس من هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول: مالي ولمزينة، حتى نفدت القبائل، ما تمر قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرته بهم قال مالي: ولبني فلان، حتى مرّ رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء.
قال ابن هشام: وإنما قيل لها الخضراء لكثرة الحديد وظهوره فيها، وأنشد للحارث بن حلزة اليشكري «١» : [من الخفيف]
ثمّ حجرا أعني ابن أمّ قطام ... وله فارسيّة خضراء
ولحسان بن ثابت الأنصاري «٢» : [من الكامل]
لما رأى بدرا تسيل جلاهه ... بكتيبة خضراء من بلخزرج
قال ابن إسحاق: فيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، قال: سبحان الله يا عباس، من هؤلاء؟ قال: قلت هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما، قال: قلت: يا أبا سفيان إنها النبوة، قال:
فنعم إذن. انتهى.
стр. 340
وأنشد للحارث بن حلزة اليشكري يذكر انفراد كلّ قبيلة برايتها وذلك في الجاهلية: [من الخفيف]
آية شارق الشقيقة إذ جا ... ءوا جميعا لكلّ حيّ لواء
«١» فوائد لغوية في أربع مسائل:
الأولى: في «المشارق» (١: ١٣٩- ١٤٠) خطم بالخاء المعجمة، والجبل بفتح الجيم والباء الموحدة بعدها؛ كذا رواه القابسي، وكذا ذكره أهل السير، وخطم الجبل: طرفه وأنفه السائل وهو الكراع، ورواه سائر الرواة: حطم بحاء مهملة، والخيل بخاء معجمة وياء باثنتين تحتها، أي حيث تجتمع ويحطم بعضها بعضا لاجتماعها، والأوّل أشهر وأشبه بالمراد، وحبسه هناك حيث يضيق الطريق وتمرّ جنود الله على هيئتها، وشيئا بعد شيء، فتعظم في عينيه، وأما الانحطام فليس يختصّ به هذا الموضع ولا هو المراد به، وأكثر ما يوصف ذلك في المعارك.
قلت: ويعضد ما اختاره القاضي رحمه الله تعالى قوله في رواية ابن إسحاق:
حبسه بمضيق الوالدي عند خطم الجبل.
الثانية: في «المشارق» (١: ٣٥٥) اليوم يوم الملحمة، ملاحم القتال:
مواضعه.
الثالثة: في «المشارق» (١: ٢٧٠) «الذمار» بكسر الدال: ما يجب على المرء حفظه وحمايته، ومعنى حبذا يوم الذمار أي ما أوفقه لحمايته وأحبه لأهله.
الرابعة: في «الديوان» (١: ٢٦٥) يقال: مالي به قبل أي طاقة، بكسر القاف وفتح الباء.
стр. 341
الفصل السادس في عقده ﷺ لأمراء البعوث والسرايا وذكر أول راية عقدها رسول الله ﷺ في الإسلام، ولمن عقدت، وأنسابهم وأخبارهم
ذكر أول راية عقدت ولمن عقدت
«١» : قال ابن إسحاق في «السير» (١: ٥٩١- ٥٩٢) أقام رسول الله ﷺ بعد رجوعه من غزوة الأبواء بالمدينة بقية صفر وصدرا من شهر ربيع الأول، يعني من السنة الثانية من الهجرة، وبعث مقامه ذلك بالمدينة عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي في ستين أو ثمانين راكبا من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، فسار حتى بلغ ماء بالحجاز بأسفل ثنيّة المرة، فلقي بها جمعا عظيما من قريش فلم يكن بينهم قتال، إلا أن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قد رمى يومئذ بسهم، فكان أول سهم رمي به في الإسلام ثم انصرف القوم عن القوم.
قال ابن إسحاق (١: ٥٩٥- ٥٩٦) فكانت راية عبيدة- فيما بلغنا- أول راية عقدها رسول الله ﷺ لأحد من المسلمين، وبعض العلماء يزعم أنّ رسول الله ﷺ بعثه حين أقبل من الأبواء، وقبل أن يصل إلى المدينة، وبعث في مقامه ذلك حمزة بن عبد المطلب بن هاشم إلى سيف البحر من ناحية العيص في ثلاثين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، فلقي أبا جهل بن هشام بذلك الساحل في ثلاثمائة راكب من أهل مكة، فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني، وكان موادعا للفريقين جميعا، فانصرف بعض القوم عن بعض ولم يكن بينهم قتال.
قال: وبعض الناس يقول: كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله صلّى
стр. 342
الله عليه وسلم لأحد من المسلمين، وذلك أنّ بعثه وبعث عبيدة كانا معا، فشبّه ذلك على الناس، وقد زعموا أن حمزة قد قال في ذلك شعرا يذكر فيه أن رايته أول راية عقدها رسول الله ﷺ ، فإن كان حمزة رضي الله تعالى عنه قد قال ذلك فقد صدق إن شاء الله تعالى، لم يكن يقول إلا حقا، والله أعلم أي ذلك كان.
فأما ما سمعنا من أهل العلم عندنا فعبيدة بن الحارث أول من عقد له.
والذي قاله حمزة رضي الله تعالى عنه في ذلك- فيما يزعمون- قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحمزة: [من الطويل]
فما برحوا حتى انتدبت لغارة ... لهم حيث حلّوا أبتغي راية الفضل
بأمر رسول الله أول خافق ... عليه لواء لم يكن لاح من قبلي
لواء لديه النصر من ذي كرامة ... إله عزيز فعله أفضل الفعل
فوائد لغوية في خمس مسائل:
الأولى: «الأبواء» : في «المشارق» (١: ٥٧) بفتح الهمزة وباء بواحدة ساكنة ممدودة، قرية من عمل الفرع من عمل المدينة بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلا فيها توفيت أم النبي ﷺ .
الثانية: عبيدة بن الحارث بضم العين على لفظ التصغير، قاله عبد الغني.
الثالثة: ثنيّة المرة قال البكري (١٢٠٩) : تخفيف المرأة.
الرابعة: سيف البحر: ساحله، قاله أبو ذر الخشني في «غريب السيرة» (١٥١، ٤٥٦) .
الخامسة: في «غريب السير» (١٥١) لأبي ذر الخشني: العيص هنا موضع، وأصل العيص منبت الشجر.
ذكر أنسابهم وأخبارهم
رضي الله تعالى عنهم:
١- حمزة بن عبد المطلب
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (٣٦٩) :
стр. 343
حمزة بن عبد المطلب بن هاشم، عم النبي ﷺ ، كان يقال له أسد الله وأسد رسوله، يكنى أبا عمارة وأبا يعلى، بابنيه عمارة ويعلى. أسلم في السنة الثانية من المبعث، وقيل بل كان إسلام حمزة بعد دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم في السنة السادسة من مبعثه، ﷺ ، وكان أسنّ من رسول الله ﷺ بأربع سنين، وهذا لا يصحّ عندي، لأن الحديث الثابت أن حمزة وعبد الله بن عبد الأسد أرضعتهما ثويبة مع رسول الله ﷺ إلا أن تكون أرضعتهما في زمانين. وذكر البكائي عن ابن إسحاق قال: كان حمزة أسنّ من رسول الله ﷺ بسنتين. قال المدائني: أول سرية بعثها رسول الله ﷺ لحمزة بن عبد المطلب في ربيع الأول من سنة اثنتين إلى سيف البحر من أرض جهينة، وخالفه ابن إسحاق فجعلها لعبيدة بن الحارث. قال ابن إسحاق (١: ٥٩٥) : وبعض الناس يزعمون أن راية حمزة أول راية عقدها رسول الله ﷺ .
وكان أخا رسول الله ﷺ من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة.
ولم يدرك الإسلام فأسلم من أعمام النبي ﷺ إلا حمزة والعباس رضي الله تعالى عنهما.
وشهد حمزة بدرا وأبلى فيها بلاء حسنا مشهورا، وقيل إنه قتل عتبة بن ربيعة مبارزة يوم بدر؛ قاله موسى بن عقبة، وقيل بل قتل شيبة بن ربيعة مبارزة، قاله ابن إسحاق وغيره، وقتل يومئذ طعيمة بن عدي أخا المطعم بن عدي، وقتل يومئذ أيضا سباعا الخزاعي، وقيل بل قتله يوم أحد قبل أن يقتل، وشهد أحدا بعد بدر فقتل يومئذ شهيدا، قتله وحشي بن حرب الحبشي، مولى جبير بن مطعم بن عدي على رأس اثنتين وثلاثين شهرا من الهجرة، وكان يوم قتل ابن تسع وخمسين سنة، ودفن هو وابن أخته عبد الله بن جحش في قبر واحد.
وعن غير ابن إسحاق قال: كان حمزة يقاتل بين يدي رسول الله ﷺ بسيفين، فقال قائل: أي أسد! فبينا هو كذلك إذ عثر عثرة وقع منها على
стр. 344
ظهره فانكشف الدرع عن بطنه، فطعنه وحشي الحبشي بحربة- أو قال: برمح- فأنفذه.
وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: حمزة سيد الشهداء- وروي: خير الشهداء- ولولا أن تجد صفية لتركت دفنه حتى يحشر من بطون الطير والسباع.
قال ابن جريج «١» : مثّل الكفار يوم أحد بقتلى المسلمين كلّهم إلا حنظلة بن الراهب، لأن أبا عامر الراهب كان يومئذ مع أبي سفيان، فتركوا حنظلة لذلك.
ولم يمثّل بأحد ما مثّل بحمزة، بقرت هند بطنه وقطعت كبده وجعلت تلوكها ثم لفظتها، فقال النبي ﷺ : لو دخل بطنها لم تدخل النار، وجدعت أنفه وقطعت أذنيه رضي الله تعالى عنه. وعن جابر بن عبد الله قال:
لما رأى رسول الله ﷺ حمزة قتيلا بكى، فلما رأى ما مثّل به شهق.
وعن أبي هريرة قال: وقف رسول الله ﷺ على حمزة وقد قتل ومثّل به، فلم ير منظرا كان أوجع لقلبه منه، فقال: رحمك الله أي عم، فلقد كنت وصولا للرحم فعولا للخيرات، فو الله لئن أظفرني الله بالقوم لأمثلنّ بسبعين منهم قال: فما برح حتى نزلت: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (النحل: ١٢٦) فقال رسول الله ﷺ : بل نصبر، وكفّر عن يمينه. انتهى.
وقال ابن إسحاق في السير (٢: ٩٩) : ومرّ رسول الله ﷺ على دار من دور الأنصار من بني عبد الأشهل وبني ظفر فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم فذرفت عينا رسول الله ﷺ فبكى، ثم قال: لكنّ حمزة لا بواكي له. فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير رضي الله تعالى عنهما إلى دار بني عبد الأشهل أمرا نساءهم أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين على عمّ رسول الله
стр. 345
صلى الله عليه وسلم، ولما سمع رسول الله ﷺ بكاءهنّ على حمزة خرج عليهنّ وهن على باب مسجده يبكين عليه، فقال: ارجعن يرحمكن الله فقد آسيتنّ بأنفسكن.
وقال ابن هشام: ولما سمع بكاءهن قال ﷺ : رحم الله الأنصار، فإن المواساة منهم ما علمت «١» لقديمة، مروهنّ فلينصرفن، قال ابن هشام: ونهى يومئذ عن النوح. انتهى.
قال ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٣٧٤) وذكر الواقدي قال: لم تبك امرأة من الأنصار على ميت بعد قول رسول الله ﷺ : لكن حمزة لا بواكي له إلى اليوم إلا بدأت البكاء على حمزة ثم بكت ميّتها.
وأنشد أبو زيد عمر «٢» بن شبة لكعب بن مالك يرثي حمزة، وقال ابن إسحاق (٢: ١٦٢- ١٦٣) : هي لعبد الله بن رواحة «٣» : [من الوافر]
بكت عيني وحقّ لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل
على أسد الاله غداة قالوا ... أحمزة ذاكم الرجل القتيل
أصيب المسلمون به جميعا ... هناك وقد أصيب به الرسول
أبا يعلى لك الأركان هدّت ... وأنت الماجد البرّ الوصول
عليك سلام ربك في جنان ... يخالطها نعيم لا يزول
ألا يا هاشم الأخيار صبرا ... فكلّ فعالكم حسن جميل
رسول الله مصطبر كريم ... بأمر الله ينطق إذ يقول
ألا من مبلغ عنّي لؤيا ... فبعد اليوم دائلة تدول
وقبل اليوم ما عرفوا وذاقوا ... وقائعنا بما يشفى الغليل
стр. 346
نسيتم ضربنا بقليب بدر ... غداة أتاكم الموت العجيل
غداة ثوى أبو جهل صريعا ... عليه الطير حائمة تجول
وعتبة وابنه خرّا جميعا ... وشيبة عضّه السيف الصقيل
ألا يا هند لا تبدي شماتا ... بحمزة إن عزّكم ذليل
ألا يا هند فابكي لا تملّي ... فأنت الواله العبرى الهبول
فوائد لغوية في أربع مسائل:
الأولى: «ثويبة» بضم الثاء وفتح الواو مصغّر وبعد ياء التصغير باء بواحدة:
مولاة أبي لهب: مرضعة النبي ﷺ ، قاله القاضي في المشارق (١: ١٣٧) .
الثانية: في «الأفعال» لابن طريف: حق لك «١» وحق أن تفعل، وحققت أن تفعل، أي صرت حقيقا به. وفي «الديوان» (٣: ١٢٨) : في باب فعلت بفتح العين في الماضي وضمها في المستقبل: حق لك أن تفعل كذا وحققت أن تفعل كذا بمعنى.
[الثالثة: في الصحاح» (٦: ٢٢٥٦) الوله: ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد، ورجل واله وامرأة واله ووالهة] «٢» .
الرابعة: في «الصحاح» (٥: ١٨٤٦) الهبول من النساء: الثكول، والهبل بالتحريك مصدر قولك: هبلته أمه أي ثكلته، والإهبال: الإثكال.
٢- عبيدة بن الحارث
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (١٠٢٠) عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي القرشي المطلبي؛ يكنى أبا الحارث، وقيل أبا معاوية، وكان أسنّ من رسول الله ﷺ بعشر سنين، وكان إسلامه قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم بن
стр. 347
أبي الأرقم، وقبل أن يدعو فيها، وكانت هجرته إلى المدينة مع أخويه الطفيل وحصين ابني الحارث، وكان لعبيدة بن الحارث قدر ومنزلة عند رسول الله ﷺ . قال ابن إسحاق (١: ٥٩١) أول سرية بعثها رسول الله ﷺ مع عبيدة بن الحارث في ربيع الأول سنة ثنتين في ثمانين راكبا، ويقال في ستين من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد. قال: وراية عبيدة أول راية عقدها رسول الله ﷺ في الإسلام، ثم شهد عبيدة بن الحارث بدرا فكان له فيها غناء عظيم ومشهد كريم، وكان أشد المسلمين يومئذ، قطع عتبة بن ربيعة رجله يومئذ، وقيل بل قطعها يومئذ شيبة بن ربيعة، فارتث منها فمات بالصفراء على ليلة من بدر. ويروى أن رسول الله ﷺ لما نزل مع أصحابه بالنازيين قال له أصحابه: إنا نجد ريح مسك، فقال: وما يمنعكم؟ ها هنا قبر أبي معاوية.
وقيل كان لعبيدة بن الحارث يوم قتل ثلاث وستون سنة. انتهى.
فائدتان لغويتان:
الأولى: ارتث الجريح: إذا حمل عن المعركة وبه رمق، ذكره [الفارابي] في باب الافتعال (٣: ١٧٦) .
الثانية: البكري (٨٣٦) الصفراء على لفظ تأنيث أصفر: قرية فوق ينبع، وبين ينبع والمدينة ست مراحل، وبالصفراء مات عبيدة بن الحارث بن المطلب. قالت هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب ترثيه: [من الطويل]
لقد ضمّنوا الصفراء مجدا وسؤددا ... وحلما أصيلا وافر اللبّ والعقل
عبيدة فابكيه لأضياف غربة ... وأرملة تهوي لأشعث كالجذل
تنبيه:
لم يذكر البكري النازيين في كتابه وأظنه اسم موضع من الصفراء، والله تعالى أعلم.
стр. 348
الفصل السابع في ألوان ألويته وراياته ﵊، واسم رايته وما كتب على لوائه ﷺ
(١) الأبيض:
في «السير» (١: ٦١٢) قال ابن إسحاق: دفع رسول الله ﷺ اللواء يوم غزوة بدر الكبرى إلى مصعب بن عمير، قال ابن هشام: وكان أبيض.
وروى النسائي وأبو داود رحمهما الله (٢: ٣١) عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه كان لواؤه ﷺ يوم دخول مكة أبيض. انتهى.
(٢) الأصفر:
روى أبو داود (٢: ٣١) رحمه الله تعالى عن سماك عن رجل من قومه عن آخر منهم قال: رأيت راية رسول الله ﷺ صفراء.
وذكر رواية سماك بن حرب: كانت رايته ﵇ صفراء.
وفي «الاستيعاب» (١٤٧٠) عن مزيدة العبدي أن رسول الله ﷺ عقد رايات الأنصار وجعلها صفراء.
(٣) الأغبر:
ذكر ابن جماعة في «مختصر السير» له في باب سلاح النبي ﷺ أنه كان له ﵊ لواء أغبر.
فائدة لغوية:
الجوهري (٢: ٧٦٤) الغبرة لون الأغبر، وهو شبيه بالغبار.
(٤) الأسود:
قال ابن إسحاق في «السير» (١: ٦١٢- ٦١٣) في أخبار غزوة بدر الكبرى: وكان أمام رسول الله ﷺ رايتان سوداوان: إحداهما مع علي بن أبي طالب، والأخرى مع بعض الأنصار.
стр. 349
قال ابن هشام: كانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنهم.
وذكر عبد الله بن حيان الأصبهاني (١٤٥) عن الحسن: كانت راية رسول الله ﷺ سوداء تسمى العقاب.
وفي التاريخ للبخاري (٢: ٢٦٠- ٢٦١) رحمه الله تعالى عن الحارث بن حسان بن كلدة البكري قال: دخلت المسجد فرأيت رسول الله ﷺ قائما على المنبر يخطب وفلان قائم متقلد السيف، وإذا رايات سود تخفق، قلت: ما هذا؟ قالوا: عمرو بن العاص قدم من جيش ذات السلاسل.
(٥) راية الصوف:
قال القضاعي في كتاب «الأنباء» : كانت لرسول الله ﷺ راية تدعى العقاب من صوف أسود.
(٦) الراية من المرط المرحل:
قال أبو محمد ابن حيان في كتاب «الأخلاق» (١٤٣) عن عائشة رضي الله تعالى عنها: كانت راية النبي ﷺ من مرط مرحّل. وعن غيرها (١٤٥) : كانت رايته ﵇ من مرط كان لعائشة.
فوائد لغوية:
المرط: في «المشارق» (١: ٣٧٧) المرط بكسر الميم: كساء من صوف أو خزّ أو كتّان؛ قاله الخليل. وقال ابن الأعرابي: هو الإزار، وقال النضر: لا يكون المرط إلا درعا، وهو من خزّ أخضر، ولا يسمّى المرط إلا الأخضر، ولا يلبسه إلا النساء، وظاهر الحديث يصحح ما قاله الخليل وغيره أنه كساء. وفي الحديث الصحيح:
خرج رسول الله ﷺ في مرط مرحّل من شعر أسود. انتهى.
والمرحل: في «المشارق» (١: ٢٨٤) مرط مرجّل بالجيم للهروي، وبالحاء لغيره، وهما جميعا صواب، وهو الذي يوشّى بصور الرحال، فيقال بالحاء،
стр. 350
أو بصور المراجل أو الرجال فيكون بالجيم، وجاء: ثوب مراجل، وثوب ممرجل. انتهى.
وفي «الصحاح» (٤: ١٧٠٧) مرط مرحّل بالحاء: إزار خز فيه علمان «١» .
(٧) الراية من النمرة:
قال ابن جماعة في «مختصر السير» له: وكانت لرسول الله ﷺ راية سوداء مربّعة من نمرة مخملة يقال لها العقاب.
فائدة لغوية:
في «المشارق» (٢: ١٣) النمار- بكسر النون- جمع نمرة وهي شملة مخطّطة من صوف، وقيل فيها أمثال الأهلة.
وفي «المحكم» النمرة: النكتة من أي لون كان، والأنمر الذي فيه نمرة بيضاء وأخرى سوداء، والأنثى نمراء، والنمرة: الحبرة لاختلاف ألوان خطوطها، والنمرة شملة فيها خطوط بيض وسود.
ما كان مكتوبا على لوائه ﷺ :
ذكر أبو محمد عبد الله بن محمد بن حيان الأصبهاني في كتاب «أخلاق النبي» ﷺ (١٤٣) عن بريدة رضي الله تعالى عنه: أن راية رسول الله ﷺ كانت سوداء ولواءه أبيض، زاد ابن عباس: مكتوب على لوائه لا إله إلا الله محمد رسول الله. انتهى.
اسم رايته ﷺ :
قال قاسم بن ثابت في «الدلائل» رحمه الله تعالى: كان اسم راية رسول الله ﷺ : العقاب.
стр. 351
فائدتان لغويتان:
الأولى: في «الصحاح» (٦: ٢٣٦٤) الراية: العلم وفي «جامع اللغات» للقزاز:
الراية كلّ ما نصبته علما نحو راية البيطار والخمّار، والجمع: راي ورايات، وأصل ألفها ياء فإذا صغرت قلت: رييّة، ورييت راية فأنا مريّ وهي مريّاة، والمصدر تريّة على تفعلة، وإن شئت أظهرت التضعيف فقلت، تريية والإدغام أحسن. وروى قوم عن أبي عمرو بن العلاء أنه سمع من العرب من يهمز الراية في الحرب، وغيرها إذا كانت علما. وكان أبو عمرو الحرمازي يروي بيت العجاج «١» :
رأي إذا أورده الطعن صدر
بالهمز، وكذا ننشده، والراي جمع راية على ما تقدم، وقد عيب هذا عليه، وسائر الناس على ترك الهمز في الراية والرّاي إذا كان جمعا لها. وحكى بعض اللغويين أرأيت راية إذا ركزتها، والمعروف ما بدأنا به.
الثانية: في «المشارق» (١: ٣٦٦) اللّواء: الراية. وفي «المحكم» اللّواء:
العلم، والجمع ألوية، وألويات، الأخيرة جمع الجمع. قال الراجز «٢» :
جنح النّواصي نحو ألوياتها
وألوى اللّواء عمله أو رفعه، ولا يقال لواه. وفي «الصحاح» (٦: ٢٤٨٦) الألوية:
المطارد وهي دون الأعلام والبنود.
стр. 352
الباب السادس في انقسام الجيش إلى خمسة اقسام المقدمة والمجنبتين والقلب والساقة. وكون الرئيس في القلب منها
في «المشارق» (١: ٢٤١) : وسمي الجيش خميسا لقسمه على خمسة أقسام:
قلب وميمنة وميسرة ومقدّمة وساقة. قال الجوهري (٢: ٩٢١) : ألا ترى إلى قول الراجز «١» :
قد نضرب الجيش الخميس الأزورا
فجعله صفة «٢» . وقال ابن سيده: الخميس: الجيش يخمس ما وجده.
قال القاضي في «المشارق» (١: ٢٤١) والأول أولى لأن اسمه كان معروفا قبل ورود الشرع بالخميس. انتهى. وفي أشعار الستة لامرىء القيس «٣» [من الطويل] :
لها مزهر يعلو الخميس بصوته ... أجشّ إذا ما حرّكته اليدان
قال ابن إسحاق في «السير» (٢: ٤٠٦- ٤٠٧) ثم في أخبار يوم فتح مكة:
حدثني عبد الله بن أبي نجيح: أن رسول الله ﷺ حين فرق جيشه من ذي طوى أمر الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كدى، وكان الزبير على المجنبة اليسرى، وأمر سعد بن عبادة الأنصاري أن يدخل في بعض الناس من كداء.
стр. 353
قال ابن إسحاق: فزعم بعض أهل العلم أن سعدا حين وجه داخلا قال:
اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الحرمة، فسمعها رجل من المهاجرين، قال ابن هشام: هو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عن جميعهم.
قال ابن إسحاق: فقال: يا رسول الله اسمع ما قال سعد بن عبادة، ما نأمن أن يكون له في قريش صولة، فقال رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب: أدركه فخذ الراية فكن أنت الذي تدخل بها.
قال ابن إسحاق (٢: ٤٠٧) وحدثني عبد الله بن أبي نجيح في حديثه: أن رسول الله ﷺ أمر خالد بن الوليد فدخل من اللّيط أسفل مكة في بعض الناس، وكان خالد على المجنّبة اليمنى وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب، وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصبّ لمكة بين يدي رسول الله ﷺ ، ودخل رسول الله ﷺ من أذاخر حتى نزل بأعلى مكة، وضربت له هناك قبة. انتهى.
وقال ابن إسحاق في «السير» (١: ٦١٣) في خبر غزوة بدر الكبرى: وجعل رسول الله ﷺ على السّاقة قيس بن أبي صعصعة أخا بني مازن بن النجار. انتهى.
فائدتان لغويتان:
الأولى: في أقسام الجيش:
أما القلب فإنما سمى قلبا لتوسطه، وإحاطة سائر الأقسام به كتوسط قلب الإنسان في جسده، ويحتمل أن يكون سمّي قلبا لمكان الرئيس به الذي هو سيد الجيش ومنه قلب النخلة وهو لبها. وفي «الصحاح» (١: ٢٠٥) قلب النخلة: لبها، وفيه ثلاث لغات: قلب وقلب وقلب.
وأما الميمنة والميسرة فمن الجهة اليمنى واليسرى، وكذلك المجنبتان من الجنبين لإحاطتهما بالقلب، وأما المقدّمة: فلتقدمها.
стр. 354
وفي «الصحاح» (٢٠٠٨٠٥) مقدمة الجيش- بكسر الدال- أوله. وفي «المحكم» مقدمة العسكر وقادمتهم وقداماهم: متقدموهم «١» ، وقيل: مقدمة كلّ شيء أوله.
وأما الساقة فيحتمل أن يكون سمّيت بذلك لأنها لما تقدّمها سائر الجيش صارت كأنها تسوقه. قال ابن القوطية (٢: ١٥٩) ساق الشيء سوقا: قدّمه بين يديه.
وفي «فقه اللغة «٢» (٢١) للثعالبي: ساقة العسكر: آخره. انتهى.
الثانية: في المواضع المذكورة في هذا الباب:
ذو طوى: بفتح الطاء المهملة، مقصور منون: واد بمكة.
وكداء: بفتح أوله، ممدود لا يصرف لأنه مؤنث، وهو جبل من أعلى مكة وهو عرفة بعينها. قال حسان «٣» : [من الوافر]
عدمنا خيلنا إن لم تروها ... تثير النّقع موعدها كداء
وكدى بضم أوله وتنوين ثانية مقصور على لفظه، جمع كدية، بأسفل مكة عند قعيقعان، وأما كدي مصغر: فإنما هو لمن خرج من مكة إلى اليمن، وليس من هذين الطريقين في شيء.
واللّيط بكسر أوله وبعده ياء وطاء مهملة: موضع بأسفل مكة.
وأذاخر بخاء معجمة كأنه جمع أذخر، ثنيّة بين مكة والمدينة، ذكر جميعها البكري.
فائدة في معنى الباب:
ذكر ابن فتحون في «ذيل الاستيعاب» أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه خرج
стр. 355
في الردة إثر وفاة رسول الله ﷺ إلى ذي القصّة، وعلى ميمنته:
النعمان بن مقرّن، وعلى ميسرته: عبد الله بن مقرّن، وعلى ساقته: سويد بن مقرّن، فقرن الله تعالى له وللمسلمين في خروجه التوفيق والنصر. وصحبة بني مقرّن مشهورة، وكونهم إخوة سبعة، وقيل بل عشرة. انتهى.
ومقرن قال ابن سيّد في «الاشتقاق» هو مفعّل من قولهم: قرّنت البعيرين إذا لز أحدهما بالآخر. انتهى.
و «ذو القصّة» قال البكرى (١٠٧٦) : بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة:
موضع في طريق العراق من المدينة سمّي بذلك لقصّة في أرضه، والقصّة:
الجص، وقال في رسم المضيّح «١» (١٢٣٦) ترحل من المدينة فتنزل ذا القصّة. انتهى.