فائدتان لغويتان:
الأولى: في «الصحاح» (٦: ٢٣٦٤) الراية: العلم وفي «جامع اللغات» للقزاز:
الراية كلّ ما نصبته علما نحو راية البيطار والخمّار، والجمع: راي ورايات، وأصل ألفها ياء فإذا صغرت قلت: رييّة، ورييت راية فأنا مريّ وهي مريّاة، والمصدر تريّة على تفعلة، وإن شئت أظهرت التضعيف فقلت، تريية والإدغام أحسن. وروى قوم عن أبي عمرو بن العلاء أنه سمع من العرب من يهمز الراية في الحرب، وغيرها إذا كانت علما. وكان أبو عمرو الحرمازي يروي بيت العجاج «١» :
رأي إذا أورده الطعن صدر
بالهمز، وكذا ننشده، والراي جمع راية على ما تقدم، وقد عيب هذا عليه، وسائر الناس على ترك الهمز في الراية والرّاي إذا كان جمعا لها. وحكى بعض اللغويين أرأيت راية إذا ركزتها، والمعروف ما بدأنا به.
الثانية: في «المشارق» (١: ٣٦٦) اللّواء: الراية. وفي «المحكم» اللّواء:
العلم، والجمع ألوية، وألويات، الأخيرة جمع الجمع. قال الراجز «٢» :
جنح النّواصي نحو ألوياتها
وألوى اللّواء عمله أو رفعه، ولا يقال لواه. وفي «الصحاح» (٦: ٢٤٨٦) الألوية:
المطارد وهي دون الأعلام والبنود.
стр. 352
الباب السادس في انقسام الجيش إلى خمسة اقسام المقدمة والمجنبتين والقلب والساقة. وكون الرئيس في القلب منها
في «المشارق» (١: ٢٤١) : وسمي الجيش خميسا لقسمه على خمسة أقسام:
قلب وميمنة وميسرة ومقدّمة وساقة. قال الجوهري (٢: ٩٢١) : ألا ترى إلى قول الراجز «١» :
قد نضرب الجيش الخميس الأزورا
فجعله صفة «٢» . وقال ابن سيده: الخميس: الجيش يخمس ما وجده.
قال القاضي في «المشارق» (١: ٢٤١) والأول أولى لأن اسمه كان معروفا قبل ورود الشرع بالخميس. انتهى. وفي أشعار الستة لامرىء القيس «٣» [من الطويل] :
لها مزهر يعلو الخميس بصوته ... أجشّ إذا ما حرّكته اليدان
قال ابن إسحاق في «السير» (٢: ٤٠٦- ٤٠٧) ثم في أخبار يوم فتح مكة:
حدثني عبد الله بن أبي نجيح: أن رسول الله ﷺ حين فرق جيشه من ذي طوى أمر الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كدى، وكان الزبير على المجنبة اليسرى، وأمر سعد بن عبادة الأنصاري أن يدخل في بعض الناس من كداء.
стр. 353
قال ابن إسحاق: فزعم بعض أهل العلم أن سعدا حين وجه داخلا قال:
اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الحرمة، فسمعها رجل من المهاجرين، قال ابن هشام: هو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عن جميعهم.
قال ابن إسحاق: فقال: يا رسول الله اسمع ما قال سعد بن عبادة، ما نأمن أن يكون له في قريش صولة، فقال رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب: أدركه فخذ الراية فكن أنت الذي تدخل بها.
قال ابن إسحاق (٢: ٤٠٧) وحدثني عبد الله بن أبي نجيح في حديثه: أن رسول الله ﷺ أمر خالد بن الوليد فدخل من اللّيط أسفل مكة في بعض الناس، وكان خالد على المجنّبة اليمنى وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب، وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصبّ لمكة بين يدي رسول الله ﷺ ، ودخل رسول الله ﷺ من أذاخر حتى نزل بأعلى مكة، وضربت له هناك قبة. انتهى.
وقال ابن إسحاق في «السير» (١: ٦١٣) في خبر غزوة بدر الكبرى: وجعل رسول الله ﷺ على السّاقة قيس بن أبي صعصعة أخا بني مازن بن النجار. انتهى.
فائدتان لغويتان:
الأولى: في أقسام الجيش:
أما القلب فإنما سمى قلبا لتوسطه، وإحاطة سائر الأقسام به كتوسط قلب الإنسان في جسده، ويحتمل أن يكون سمّي قلبا لمكان الرئيس به الذي هو سيد الجيش ومنه قلب النخلة وهو لبها. وفي «الصحاح» (١: ٢٠٥) قلب النخلة: لبها، وفيه ثلاث لغات: قلب وقلب وقلب.
وأما الميمنة والميسرة فمن الجهة اليمنى واليسرى، وكذلك المجنبتان من الجنبين لإحاطتهما بالقلب، وأما المقدّمة: فلتقدمها.
стр. 354
وفي «الصحاح» (٢٠٠٨٠٥) مقدمة الجيش- بكسر الدال- أوله. وفي «المحكم» مقدمة العسكر وقادمتهم وقداماهم: متقدموهم «١» ، وقيل: مقدمة كلّ شيء أوله.
وأما الساقة فيحتمل أن يكون سمّيت بذلك لأنها لما تقدّمها سائر الجيش صارت كأنها تسوقه. قال ابن القوطية (٢: ١٥٩) ساق الشيء سوقا: قدّمه بين يديه.
وفي «فقه اللغة «٢» (٢١) للثعالبي: ساقة العسكر: آخره. انتهى.
الثانية: في المواضع المذكورة في هذا الباب:
ذو طوى: بفتح الطاء المهملة، مقصور منون: واد بمكة.
وكداء: بفتح أوله، ممدود لا يصرف لأنه مؤنث، وهو جبل من أعلى مكة وهو عرفة بعينها. قال حسان «٣» : [من الوافر]
عدمنا خيلنا إن لم تروها ... تثير النّقع موعدها كداء
وكدى بضم أوله وتنوين ثانية مقصور على لفظه، جمع كدية، بأسفل مكة عند قعيقعان، وأما كدي مصغر: فإنما هو لمن خرج من مكة إلى اليمن، وليس من هذين الطريقين في شيء.
واللّيط بكسر أوله وبعده ياء وطاء مهملة: موضع بأسفل مكة.
وأذاخر بخاء معجمة كأنه جمع أذخر، ثنيّة بين مكة والمدينة، ذكر جميعها البكري.
فائدة في معنى الباب:
ذكر ابن فتحون في «ذيل الاستيعاب» أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه خرج
стр. 355
في الردة إثر وفاة رسول الله ﷺ إلى ذي القصّة، وعلى ميمنته:
النعمان بن مقرّن، وعلى ميسرته: عبد الله بن مقرّن، وعلى ساقته: سويد بن مقرّن، فقرن الله تعالى له وللمسلمين في خروجه التوفيق والنصر. وصحبة بني مقرّن مشهورة، وكونهم إخوة سبعة، وقيل بل عشرة. انتهى.
ومقرن قال ابن سيّد في «الاشتقاق» هو مفعّل من قولهم: قرّنت البعيرين إذا لز أحدهما بالآخر. انتهى.
و «ذو القصّة» قال البكرى (١٠٧٦) : بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة:
موضع في طريق العراق من المدينة سمّي بذلك لقصّة في أرضه، والقصّة:
الجص، وقال في رسم المضيّح «١» (١٢٣٦) ترحل من المدينة فتنزل ذا القصّة. انتهى.
стр. 356
الباب السابع في الرجل يقيمه الإمام يوم لقاء العدو بمكانه من قلب الجيش، ويلبس الإمام لأمته ويلبس هو لأمة الإمام حياطة على الإمام
قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في «الاستيعاب» (١٣٢٤) كان كعب بن مالك بن أبي كعب الأنصاري السلمي رضي الله تعالى عنه يوم أحد لبس لأمة النبي ﷺ وكانت صفراء، ولبس النبي ﵇ لأمته، فجرح كعب بن مالك أحد عشر جرحا.
فائدة لغوية:
اللأمة في قول أكثر اللغويين: الدرع. وقال في «المحكم» الأمة: السلاح كلها، عن ابن الأعرابي؛ وهذا القول أقرب إلى معنى الحديث، والله تعالى أعلم.
تنبيه:
قد تقدم ذكر كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه في باب الشاعر «١» بما أغنى عن الإعادة هنا.
стр. 357
الباب الثامن في صاحب المقدمة
وفيه فصلان
الفصل الأول في من تولى ذلك بين يدي النبيّ ﷺ
قال ابن إسحاق في «السير» (٢: ٤٠٧) رحمه الله تعالى في أخبار فتح مكة:
وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصفّ من المسلمين ينصبّ لمكة بين يدي رسول الله ﷺ .
وذكر أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في «الاستيعاب» (٤٢٨) في اسم خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه أنه كان على مقدمة رسول الله ﷺ يوم حنين في بني سليم، وجرح يومئذ، فأتاه رسول الله ﷺ في رحله بعد ما هزمت هوازن ليعرف خبره ويعوده، فنفث في جرحه فانطلق.
وقد تقدم أن مقدمة العسكر بضم الميم وكسر الدال، وقال ابن السيّد: ولو فتحت الدال لم أر من فتحها مخطئا.
الفصل الثاني في أنسابهم وأخبارهم
رضي الله تعالى عنهم
١- أبو عبيدة بن الجراح
رضي الله تعالى عنه ورحمه: يأتي في باب المقدم على الرجالة إن شاء الله تعالى.
٢- خالد بن الوليد
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (٤٢٧) : خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي، أبو سليمان،
стр. 358
وقيل أبو الوليد، أحد أشراف قريش في الجاهلية، وإليه كانت القبة والأعنة في الجاهلية. فأما «القبة» فإنهم كانوا يضربونها ثم يجمعون إليها ما يجهّزون به الجيش وأما «الأعنّة» فإنه كان يكون على خيل قريش في الحروب. واختلف في وقت إسلامه وهجرته، فقيل كان إسلامه سنة خمس بعد فراغ رسول الله ﷺ من بني قريظة، وقيل بعد الحديبية، وقيل بين الحديبية وخيبر في ذي القعدة سنة ست، وخيبر بعدها في المحرم سنة سبع، وقيل كان إسلامه سنة ثمان مع عمرو بن العاص وعثمان بن طلحة، فلما رآهم رسول الله ﷺ قال: رمتكم مكة بأفلاذ كبدها. ولم يزل من حين أسلم يولّيه رسول الله ﷺ أعنة الخيل فيكون في مقدمتها في محاربة العرب. وشهد مع رسول الله ﷺ فتح مكة، وكان على مقدمة رسول الله ﷺ يوم حنين في بني سليم، وجرح يومئذ فأتاه رسول الله ﷺ في رحله بعد ما هزمت هوازن ليعرف خبره ويعوده، فنفث في جرحه فانطلق. انتهى.
وشهد خالد رضي الله تعالى عنه بعث «مؤتة» ، ولما أصيب الأمراء الثلاثة رضي الله تعالى عنهم الذين أمّرهم رسول الله ﷺ أخذ الراية وانحاز بالمسلمين.
وخرج البخاري (٥: ١٨٢) رحمه الله تعالى عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة [للناس] «١» قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب- وعيناه تذرفان- حتى أخذ [الراية] سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم. انتهى.
قال أبو عمر ابن عبد البر (٤٢٩) عن قيس قال: سمعت خالد بن الوليد يقول:
اندقّت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما صبرت في يدي إلا صفيحة يمانية. وذكر البخاري مثله.
стр. 359
قال أبو عمر (٤٢٩) : وذكره رسول الله ﷺ فقال: نعم عبد الله وأخو العشيرة، وسيف من سيوف الله سلّه الله على الكفار والمنافقين.
وأمّره أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما على الجيوش ففتح الله تعالى عليه اليمامة وغيرها، وقتل على يديه أكثر أهل الردة، منهم مسيلمة ومالك بن نويرة.
ولما حضرت خالد بن الوليد الوفاة قال: لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في جسدي موضع إلا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية، ثم ها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت العير فلا نامت أعين الجبناء. وتوفي بالمدينة سنة إحدى وعشرين، وقيل بل توفي بحمص، ودفن بقرية على ميل منها سنة إحدى وعشرين أو اثنتين وعشرين في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. وبلغ عمر بن الخطاب أن نساء من نساء بن المغيرة اجتمعن في دار يبكين على خالد بن الوليد، فقال عمر: وما عليهن أن يبكين أبا سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة. وذكر محمد بن سلام قال: لم تبق «١» امرأة من بني المغيرة إلا وضعت لمتّها على قبر خالد بن الوليد، يقول: حلقت رأسها. انتهى.
فائدتان لغويتان:
الأولى: في «الغريبين» نقع: أي شقّ الجيوب. قال المرار الفقعسي «٢» :
نقعن جيوبهنّ علي حيّا ... وأعددن المراثي والعويلا
واللقلقة: الجلبة ورفع الأصوات كأنه حكاية الأصوات إذا كثرت من القاف واللام.
الثانية: أصل اللّمّة: ما طال من شعر الرأس حتى يلمّ بالمنكبين؛ قاله غير واحد من اللغويين.
стр. 360
الباب التاسع في المقدّم على الميمنة
روى مسلم (٢: ٦٣- ٦٤) عن عبد الله بن رباح قال: وفدنا على معاوية بن أبي سفيان، وفينا أبو هريرة فكان كلّ رجل يصنع طعاما يوما لأصحابه، وكانت نوبتي فقلت: يا أبا هريرة اليوم نوبتي، فجاءوا إلى المنزل ولما يدرك طعامنا فقلت:
يا أبا هريرة لو حدثتنا عن رسول الله ﷺ حتى يدرك طعامنا، فقال:
كنا مع رسول الله ﷺ يوم الفتح فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير بن العوام على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على البياذقة وبطن الوادي، وساق الحديث.
وفي «السير» (٢: ٤٠٧) في أخبار فتح مكة: قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي نجيح في حديثه أن رسول الله ﷺ أمر خالد بن الوليد فدخل من اللّيط من أسفل مكة في بعض الناس، وكان خالد على المجنبة اليمنى وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب. انتهى.
تنبيه:
قد تقدم ذكر خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه في باب صاحب المقدمة «١» قبل هذا فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وسيأتي الكلام على البياذقة في الباب الثالث عشر «٢» ، إن شاء الله تعالى.
стр. 361
الباب العاشر في المقدم على الميسرة
قال ابن إسحاق في «السير» (٢: ٤٠٦) في أخبار فتح مكة: حدثني عبد الله بن أبي نجيح أن رسول الله ﷺ حين فرّق جيشه من ذي طوى أمر الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كدى، وكان الزبير على المجنّبة اليسرى. انتهى.
وقد تقدم ذكر ذلك في حديث مسلم رحمه الله تعالى في باب صاحب الميمنة «١» .
تنبيه:
يأتي ذكر الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه في باب كاتب الزكاة «٢» من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
стр. 362
الباب الحادي عشر في المقدم على الساقة
قال ابن إسحاق في «السير» (١: ٦١٣) في خبر غزوة بدر الكبرى، وكانت في السنة الثانية من الهجرة: خرج رسول الله ﷺ في ليال مضت من رمضان في أصحابه، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة أخا بني مازن بن النجار. انتهى.
وفي «الاستيعاب» (١٢٩٤) : قيس بن أبي صعصعة، واسم أبي صعصعة:
عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار الأنصاري المازني. شهد العقبة وشهد بدرا، وكان رسول الله ﷺ قد جعله على الساقة يومئذ، ثم شهد أحدا. لا يوقف له على وقت وفاة. انتهى.
стр. 363
الباب الثاني عشر في المقدم على الرماة
روى البخاري (٥: ١٢٦) رحمه الله تعالى عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: جعل رسول الله ﷺ على الرّجّالة يوم أحد- وكانوا خمسين رجلا- عبد الله بن جبير.
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في «السير» (٢: ٦٥- ٦٦) في أخبار يوم أحد:
وأمّر رسول الله ﷺ على الرماة عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف، وهو معلم يومئذ بثياب بيض والرماة خمسون رجلا، فقال: انضح الخيل عنا بالنّبل لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك لا نؤتينّ من قبلك.
انتهى.
وفي «الاستيعاب» (٨٧٧) : عبد الله بن جبير بن النعمان بن أمية بن امرىء القيس- وهو البرك- ابن ثعلبة بن عمرو بن عوف الأنصاري: شهد العقبة ثم شهد بدرا، وقتل يوم أحد شهيدا، وكان يومئذ أميرا على الرماة، وهو أخو خوّات بن جبير بن النعمان لأبيه وأمه. انتهى.
стр. 364
الباب الثالث عشر في المقدم على الرّجالة
وفيه فصلان
الفصل الأول في ذكر من تولى في زمن رسول الله ﷺ
قد تقدم في باب المقدم على الميمنة حديث مسلم رحمه الله تعالى عن عبد الله بن رباح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وفيه قال: كنا مع رسول الله ﷺ يوم الفتح فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على البياذقة وبطن الوادي..
الحديث، انتهى.
فائدة لغوية:
في «المشارق» (١: ١٠٨) «البياذقة» بياء موحدة مفتوحة بعدها ياء باثنتين من تحتها مخففة، بعدها ألف وذال معجمة مكسورة وقاف: وهم الرجالة، وهم أيضا أصحاب ركاب «١» الملك والمتصرفون له.
الفصل الثاني في ذكر نسب أبي عبيدة عامر بن الجراح رضي الله تعالى عنه، وأخباره
في «الاستيعاب» (١٧١٠)(٧٩٣) أبو عبيدة ابن الجراح قيل: اسمه عامر بن الجراح، وقيل عبد الله بن عامر بن الجراح، والصحيح أن اسمه عامر بن عبد الله بن
стр. 365
الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبّة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي الفهري، غلبت عليه كنيته. ذكر ابن إسحاق والواقدي أنه هاجر الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة، ولم يذكر ذلك ابن عقبة ولا غيره، وشهد بدرا مع النبي ﷺ وما بعدها من المشاهد كلها وكان من كبار الصحابة وفضلائهم وأهل السابقة منهم.
(١٧١١) قال رسول الله ﷺ : لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة ابن الجراح. وهو أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة.
(٧٩٣) وعن الحسن قال قال رسول الله ﷺ : ما من أصحابي أحد إلا لو شئت وجدت عليه إلا أبا عبيدة.
قال الزبير: كان أبو عبيدة أهتم، وذلك أنه نزع الحلقتين اللتين دخلتا في وجه رسول الله ﷺ من المغفر يوم أحد، فانتزعت ثنيتاه، فحسنتا فاه، فيقال: مارئي قط أحسن من هتم أبي عبيدة.
وقال فيه أبو بكر الصديق يوم السقيفة: قد رضيت لكم أحد الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، يعني: عمر وأبا عبيدة ابن الجراح، ولما ولي عمر عزل خالدا وولّى أبا عبيدة ابن الجراح على الشام. وقال عمر إذ دخل عليه الشام وهو أميرها: كلّنا غيّرته الدنيا غيرك يا أبا عبيدة.
توفي رضي الله تعالى عنه وهو ابن ثمان وخمسين سنة في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة بالأردن من الشام وبها قبره. انتهى.
فائدة لغوية:
في «الديوان» (٢: ٢٦٩) هتم يهتم بكسر التاء في الماضي وفتحها في المستقبل فهو أهتم: وهو المنكسر الثنايا.
стр. 366
الباب الرابع عشر في الوازع
في «الاكتفاء» (٢: ٢٩٧) في فتح مكة: ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى ذي طوى وقف على راحلته معتجرا بشقّة برد حبرة، وإنه ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى إن عثنونه ليكاد يمسّ واسطة الرحل، ولما وقف هناك قال أبو قحافة- وقد كفّ بصره- لابنة له من أصغر ولده:
أي بنية اظهري على أبي قبيس، فأشرفت به عليه فقال: أي بنية ماذا ترين؟ قالت:
أرى سوادا مجتمعا، قال: تلك الخيل، قالت: أرى رجلا يسعى بين ذلك السواد مقبلا ومدبرا، قال: أي بنية ذلك الوازع، يعني: الذي يأمر الخيل ويتقدم إليها، ثم قالت: قد والله انتشر السواد، فقال: قد والله إذن دفعت الخيل فاسرعي بي إلى بيتي، فانحطّت به. وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته، وفي عنق الجارية طوق من ورق فيلقاها رجل فيقتطعه من عنقها، قالت: فلما دخل رسول الله ﷺ مكة ودخل المسجد، أتى أبو بكر الصديق بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله هو أحقّ أن يمشي إليك من أن تمشي إليه، فأجلسه بين يديه ثم مسح صدره ثم قال: أسلم، فأسلم، ورآه رسول الله ﷺ كأن رأسه ثغامة فقال: غيّروا هذا من شعره. ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته فقال: أنشد الله والإسلام طوق أختي، فلم يجبه أحد، فقال: أي أخيّة، احتسبي طوقك فوالله إن الأمانة اليوم في الناس لقليل. انتهى.
فوائد لغوية في أربع مسائل:
الأولى: في «الصحاح» (٣: ١٢٩٧) وزعته أزعه وزعا: كففته، فاتّزع هو أي
стр. 367
كفّ، والوازع: الذي يتقدم الصفّ فيصلحه ويقدم ويؤخر، ويقال: وزعت الجيش: إذا حبست أولهم على آخرهم.
الثانية: في «الصحاح» (٢: ٧٣٧) الاعتجار: لف العمامة على الرأس. قال الراجز»
:
جاءت به معتجرا ببرده ... سفواء تردي بنسيج وحده
الثالثة: في «الصحاح» (٣: ١١٦٨) واسطة الكور: مقدّمه، قال طرفة «٢» :
وإن شئت سامى واسط الكور رأسها ... وعامت بضبعيها نجاء الخفيدد
الرابعة: في «الصحاح» (٥: ١٨٨٠) الثغام بالفتح نبت يكون في الجبل يبيض إذا يبس، ويشبه به الشيب، الواحدة: ثغامة. قال الشاعر مخاطبا نفسه «٣» :
[من الكامل]
أعلاقة أمّ الوليّد بعد ما ... أفنان رأسك كالثّغام المخلس
стр. 368
الباب الخامس عشر في صاحب الخيل
وفيه خمسة فصول
الفصل الأول في أمر الله تعالى بارتباط الخيل وإعداد رسول الله ﷺ الخيل في سبيل الله، وذكر من تولّى النظر فيها لرسول الله ﷺ
قال الله : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (الأنفال: ٦٠) .
وقد اقتبس كعب بن مالك الأنصاري رضي الله تعالى عنه شاعر النبي ﷺ من هذه الآية المعظمة، فقال يعني الخيل «١» :
أمر الإله بربطها لعدوّه ... في الحرب إن الله خير موفق
لتكون غيظا للعدا وحياطة ... للدار إن دلفت خيول النزّق
روى الترمذي (٣: ١٣١) رحمه الله تعالى عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خالصا، فكان رسول الله ﷺ يعزل نفقة أهله سنة، ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله.
стр. 369
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وخرج البخاري (٥: ١١٤) رحمه الله تعالى نحوه، وقال: «خالصة» عوض «خالصا» .
وذكر ابن إسحاق (٢: ٢٤٥) رحمه الله تعالى في غزوة بني قريظة: أن رسول الله ﷺ بعث سعد بن زيد الأنصاري أخا بني عبد الأشهل رضي الله تعالى عنه بسبايا من سبايا بني قريظة إلى نجد فابتاع له بها خيلا وسلاحا.
فائدة لغوية:
في «المشارق» (١: ٣٣٩) : الكراع بضم الكاف؛ قال أبو علي: الكراع: اسم لجميع الخيل، والأكارع لذوات الظلف خاصة كالأوظفة من الخيل والإبل، ثم كثر ذلك حتى سموا به، ثم استعمل ذلك في الخيل خاصة.
الفصل الثاني في ذكر سعد بن زيد رضي الله تعالى عنه وأخباره
في «الاستيعاب» (٥٩٢) سعد بن زيد الأنصاري الأشهلي. قال ابن إسحاق (١: ٦٨٦) : هو سعد بن زيد بن مالك بن عبيد بن كعب بن عبد الأشهل، شهد بدرا.
وقال غير ابن إسحاق: هو سعد بن زيد بن عوف بن عمرو بن جشم بن الحارث بن الخزرج. ولم يشهد بدرا. والصواب: أنه من بني عبد الأشهل، شهد بدرا وما بعدها من المشاهد. وفي قول الواقدي: شهد العقبة خاصة، وعند غيره: شهد بدرا والمشاهد كلّها مع رسول الله ﷺ .
قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى (٥٩٢) : وسعد بن زيد هو الذي بعثه رسول الله ﷺ بسبايا من سبايا بني قريظة إلى نجد فابتاع له بهم خيلا وسلاحا، وهو الذي هدم المنار الذي كان بالمشلّل للأوس والخزرج. يعدّ في أهل المدينة.
стр. 370
الفصل الثالث في ذكر خيل النبي ﷺ «١»
ذكر ابن جماعة رحمه الله تعالى في «مختصر السير» خيل رسول الله ﷺ فقال: منها «السّكب» وهو أول فرس ملكه، اشتراه ﷺ من أعرابي بعشر أواق، وكان اسمه عند الأعرابي: «الضّرس» . أول ما غزا عليه أحدا، ولم يكن مع المسلمين فرس غيره وغير فرس لأبي بردة بن نيار يقال له:
«ملاوح» .
قال: وكان- يعني فرس رسول الله ﷺ أغرّ محجّلا طلق اليمين كميتا.
وقال ابن الأثير (٢: ٣١٤) كان أدهم، وكذلك روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان للنبي ﷺ فرس أدهم، يسمى: «السّكب» .
و «المرتجز» وكان أشهب، وهو الذي شهد له فيه خزيمة بن ثابت رضي الله تعالى عنه فجعل شهادته شهادة رجلين.
وقيل هو «الظّرب» وقيل هو «اللحيف» . قال ابن الأثير (٢: ٣١٤) : وكان صاحبه من بني مرة. و «اللّحيف» أهداه له ربيعة بن أبي البراء، وقيل فروة بن عمرو الجذاميّ. و «اللّزاز» أهداه له المقوقس، و «الظّرب» أهداه له فروة بن عمرو الجذاميّ، فأعطاه أبا أسيد الساعدي. و «سبحة» وهو الذي سابق به فسبق ففرح به.
و «الورد» أهداه له تميم الداري فأعطاه عمر رضي الله تعالى عنه فحمل عليه في سبيل الله.
قال ابن الأثير (٢: ٣١٤) وهو الذي وجده يباع.
قال ابن جماعة: فهذه سبعة أفراس متّفق عليها، وقيل: كانت له ﷺ أفراس أخر خمسة عشر مختلف فيها.
стр. 371
فوائد لغوية في تسع مسائل:
الأولى: في «المستوعب» «١» لأبي عبيد البكري: «السّكب» فرس من خيل رسول الله ﷺ ، وهو الذي ركبه يوم أحد، يقال: فرس سكب:
إذا كان جوادا كثير العدو وكأنه يسكب الجري سكبا.
الثانية: وأما اسمه عند الأعرابي الذي باعه فالضّرس بفتح الضاد وكسر الراء من قولهم: رجل ضرس أي صعب الخلق. قال الجوهري (٢: ٩٣٩) : رجل ضرس شرس: أي صعب الخلق.
الثالثة: «ملاوح» : فرس أبي بردة. في «المحكم» الملواح: العظيم الألواح، وكلّ عظيم عريض: لوح. انتهى.
ومن شعر ضرار بن الخطاب في «السير» (٢: ١٤٥) : [من البسيط]
إنّي وجدّك لا أنفكّ منتطقا ... بصارم مثل لون الملح قطّاع
على رحالة ملواح مثابرة ... نحو الصّريخ إذا ما ثوّب الداعي
وقال ابن سيده: الملواح: الضامر. وأنشد: [من الرجز]
من كلّ شقّاء النّسا ملواح «٢»
الرابعة: في «المستوعب» : «المرتجز» : فرس من خيل رسول الله ﷺ ، وكان أشقر، سمّي بذلك لكثرة صهيله وحسنه، شبهه بارتجاز الرعد.
الخامسة: في «المستوعب» : «اللّخيف» ، ويقال: «اللّحيف» : أحد أفراس رسول الله ﷺ ، قيل سمّي بذلك لكثرة سبائب ذنبه، وقيل سمّي من قولك: لحفت الفرس وألحفته: إذا جللته لحافا.
стр. 372
السادسة: «اللّزاز» يحتمل أن يكون من اللّز، وهو لزوم الشيء للشيء، كأنه يلازم الجري.
وأنشد ابن السيد «١» : [من الطويل]
لزاز حضار يسبق الخيل عفوه ... على الدفعة الأولى وفي العقب مرجما
ويحتمل أن يكون من شدة الخلق.
قال الزبيدي: الملزّز الخلق: المجتمعه. وأنشد أبو عبيد في «الغريب المصنف» : [من الرجز]
وطرفة لزّت دخالا مدمجا «٢»
وفي «المستوعب» : سبّق رسول الله ﷺ بين الخيل، وجلس على سلع، فطلعت ثلاثة أفراس يتلو بعضها بعضا: أولها: فرسه لزاز، فقال رسول الله ﷺ : من عليه؟ قالوا: سهل بن سعد، فقال: امض بارك الله عليك، فطلع رأس الثلاثة سابقا، وفرسه الظّرب مصلّيا، وفرسه السكب ثالثا، كلها لرسول الله ﷺ .
السابعة: في «المستوعب» الظّرب فرس من خيل رسول الله ﷺ ، تشبيها بالظرب من الجبال وهو المنبسط.
الثامنة: «سبحة» قال الشريف أحمد بن عبد الله الطبري «٣» في «خلاصة السير» له جاء سابقا فسبح رسول الله ﷺ فسمي «سبحة» ، وقال البكري في «المستوعب» «سنحة» بالنون، قال: وروى الزبير بن الخريت «٤» عن
стр. 373
أبي لبيد لمازة بن زبار الجهضمي «١» من الأزد، قال «٢» : أجرى الحكم بن أيوب الخيل بالبصرة فنظرنا إليها ثم مررنا بأنس بن مالك فقلنا: لو سألناه هل راهن رسول الله ﷺ على الخيل، فسألناه فقال: نعم، راهن على فرس يقال لها: سنحة فسبقت فرأيته هشّ لذلك.
ورواه أبو إسحاق الحربي قال: فرأيته فرح لذلك.
التاسعة: الورد من الخيل: الأحمر الصافي الحمرة، قاله غير واحد.
الفصل الرابع في اتخاذ عمر رضي الله تعالى عنه الخيل عدة في سبيل الله تعالى وذكر من كان قيّمه عليها
قال أبو الربيع ابن سالم رحمه الله تعالى في «الاكتفاء» : كان عمر رضي الله تعالى عنه قد اتخذ في كل مصر على قدره خيولا من فضول أموال المسلمين عدّة لما يعرض، فكان من ذلك بالكوفة أربعة آلاف فرس، يشتّيها في قبلة قصر الكوفة وميسرته، في مكان يسمّى لأجل ذلك «الآريّ» ، ويربعها فيما بين الفرات والأبيات من الكوفة مما يلي العاقول، فسمّته الأعاجم آخرا الشاهجان، يعنون: معلف الأمراء، وكان قيّمه عليها سلمان بن ربيعة الباهلي في نفر من أهل الكوفة، يصنع سوابقها ويجريها في كلّ يوم، وبالبصرة نحو منها، قيمه عليها جزء بن معاوية، وفي كل مصر من الأمصار على قدره. انتهى.
فائدة لغوية:
قال الزبيدي في «المختصر» : الآريّ: المعلف، وأرت الدابّة إلى معلفها تأري: إذا ألفته. وفي «الصحاح» (٤: ١٤٠٦) : علفت الدابة علفا، والموضع معلف
стр. 374
بالكسر. وقال ابن قتيبة في «الأدب» (٣٧- ٣٨) : يذهب الناس في الآريّ إلى أنه المعلف، وذلك غلط، وإنما الآري: الآخيّة التي تشدّ بها الدابة، وهو من تأريت بالمكان:
إذا أقمت به. وقال أبو حاتم في «لحن العامة» : الآريّ: حبل يدفن في الأرض ويبرز طرفه تشدّ به الدابة، وكذلك الآخيّة ممدودة مشددة.
وقال أبو جعفر ابن النحاس: الأواريّ والأواخيّ: واحد، وهي التي تحبس بها الخيل من وتد أو حبل، والواحد: آريّ وآخيّة، وهي من قولهم: أرت القدر تأري إذا لصق في أسفلها شيء قد احترق ولا يكاد يفارقها. وقال النابغة الذبياني «١» : [من البسيط]
يا دار ميّة بالعلياء فالسّند ... أقوت وطال عليها سالف الأمد
وقفت فيها أصيلانا أسائلها ... عيّت جوابا وما بالربع من أحد
إلا الأواريّ لأيا ما أبيّنها ... والنّؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
الفصل الخامس في ذكر أنسابهم وأخبارهم
رضي الله تعالى عنهم
١- سلمان بن ربيعة الباهلي
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (٦٣٢) سلمان بن ربيعة الباهلي أحد بني قتيبة بن معن بن مالك، يعد في الكوفيين. ذكره العقيلي في الصحابة، وقال أبو حاتم الرازي: له صحبة. قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى: وهو عندي كما قالا، وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قد بعثه قاضيا بالكوفة قبل شريح، فلما ولى سعدا الولاية الثانية بالكوفة استقضاه أيضا، وكان يلي الخيل لعمر، فكان يقال له: سلمان الخيل، وروي عنه أنه قال:
قتلت بسيفي هذا مائة مستلئم كلهم يعبد غير الله، ما قتلت منهم رجلا صبرا.
وقتل سلمان بن ربيعة رضي الله تعالى عنه ببلنجر من بلاد أرمينية سنة ثمان وعشرين، وكان عمر رضي الله تعالى عنه بعثه إليها، ولم يقتل إلا في زمن عثمان
стр. 375
رضي الله تعالى عنه، وقيل بل قتل ببلنجر سنة تسع وعشرين، وقيل سنة ثلاثين، وقيل: سنة إحدى وثلاثين.
فائدتان لغويتان:
الأولى: قال الأعلم في قول عنترة «١» : [من الكامل]
إن تغدفي دوني القناع فإنني ... طبّ بأخذ الفارس المستلئم
«٢» هو لابس اللأمة وهي الدرع، ويقال اللأمة: السلاح كله.
الثانية: «بلنجر» مدينة الخزر؛ قاله أبو علي الغساني رحمه الله تعالى وضبطها بفتح الباء بواحدة وفتح اللام وسكون النون وضم الجيم بعدها راء مهملة، نقلته من خطه في أصله من «الاستيعاب» في اسم سلمان في طرة على الاسم المذكور.
٢- جزء بن معاوية
رضي الله تعالى عنه: قال أبو عمر ابن عبد البر (٢٧٤) رحمه الله تعالى: جزء بن معاوية التميمي، عمّ الأحنف بن قيس. لا تصحّ له صحبة، كان عاملا لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على الأهواز.
وقال أبو محمد ابن حزم في «جماهره» (٢١٧) : عمّ الأحنف: جزء بن معاوية، له وفادة.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب «الجماهر» (١٧) له: جزء بن معاوية بن حصين، ولاه عمر رضي الله تعالى عنه «مناذر» ، وهو من ولد مرّة بن عبيد بن مقاعس. وقال ابن فتحون في «الذيل» : جزء بن معاوية استعمله عمر رضي الله تعالى عنه في اتباع الهرمزان، وأمّره على ما افتتح؛ ذكره سيف والطبري. انتهى.
وفي استدراك ابن فتحون له في «الذيل» ، وقول ابن حزم: وله وفادة، يصحح أن له رضي الله تعالى عنه صحبة.
стр. 376
فائدة تاريخية:
ذكر أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في «الاستيعاب» (١٤٢٠) في أخبار معاوية بن أبي سفيان أنه، رضي الله تعالى عنه، أول من قيدت بين يديه الجنائب.
فائدة لغوية:
في «المعجم» (١٢٦٣) مناذر بفتح الميم وكسر الذال المعجمة بعدها راء مهملة: قرية من قرى الأهواز، وهما قريتان: مناذر الكبرى ومناذر الصغرى، وكذلك اسم الرجل: مناذر- بفتح الميم- وكان محمد بن مناذر الشاعر يغضب إذا قيل له كذلك بفتح الميم، ويقول: اشتقاق اسم أبي من ناذر فهو مناذر. انتهى.
والحمد لله على نعمه.
هذا آخر السفر الأول من النسخة التي عليها خطّ المؤلف رحمة الله عليه تجزئة سفرين وعليهما خطه بإلحاقات وزيادات وتصويبات والله المستعان «١»
стр. 377
الباب السادس عشر في المسرج
وفيه فصلان
الفصل الأول في ذكر من كان يسرج لرسول الله ﷺ
في كتاب «أخلاق النبي ﷺ » (١٥١) لابن حيان الأصبهاني رحمه الله تعالى عن أبي عبد الرّحمن الفهري رضي الله تعالى عنه، قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين في يوم صائف شديد الحرّ، فقال:
يا بلال أسرج لي فرسي، فأخرج سرجا رقيقا من لبد ليس فيه أشر ولا بطر. انتهى.
ومن مسند أبي داود الطيالسي (١٩٦) رحمه الله تعالى ثم من حديث أبي عبد الرّحمن الفهري: كنا مع رسول الله ﷺ فسرنا في يوم قائظ شديد الحرّ فنزلنا تحت ظلال الشجر، فلما زالت الشمس لبست لأمتي وركبت فرسي، فأتيت رسول الله ﷺ وهو في فسطاطه فقلت:
السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، قد حان الرواح يا رسول الله، قال: أجل.
ثم قال رسول الله ﷺ : يا بلال، فثار من تحت شجرة كأن ظله ظلّ طائر فقال: لبيك وسعديك وأنا قدامك، قال أسرج لي فرسي فأتاه بدفّتين من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر، قال: فركب فرسه ثم سرنا. انتهى.
ورواه أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (٢: ٦٤٩) رحمه الله تعالى، وخالف في بعض ألفاظه فقال عن عبد الله بن يسار أن أبا عبد الرّحمن الفهري قال:
شهدت مع رسول الله ﷺ حنينا، فسرنا في يوم قائظ شديد الحر،
стр. 378
فنزلنا تحت ظل الشجر، فلما زالت الشمس لبست لأمتي وركبت فرسي، فأتيت رسول الله ﷺ وهو في فسطاطه، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، قد حان الرواح، قال: أجل، ثم قال: يا بلال، فثار من تحت شجرة كأن ظله ظلّ طائر فقال: لبيك وسعديك وأنا فداؤك، فقال: اسرج لي الفرس، فأخرج سرجا دفتاه من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر فركب وركبنا، وساق الحديث.
قال أبو داود (٢: ٦٤٩) أبو عبد الرّحمن الفهري ليس له إلا هذا الحديث، وهو حديث نبيل جاء به حماد بن سلمة. انتهى، ذكره في كتاب الأدب.
الفصل الثاني في ذكر من أي شيء كان سرج رسول الله ﷺ شرف وكرّم
قد اختلف في نصّ هذا الحديث المروي عن أبي عبد الرّحمن الفهري، ففي كتاب ابن حيان أنه من لبد، وعن الطيالسي (١٩٦) والسجستاني (٢: ٦٤٩) أنه من ليف، ولم يجىء في أشعار العرب في سروجهم إلا أنّه من لبد، وقال امرؤ القيس:
[من الطويل]
كميت يزلّ اللّبد عن حال متنه
«١» ولسلامة بن جندل «٢» : [من البسيط]
من كلّ حتّ إذا ما ابتلّ ملبده ... صافي الأديم أسيل الخدّ يعبوب «٣»
стр. 379
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
الأولى: قال يعقوب في شرح [ديوان] حاتم الطائي: أحناء السرج: عيدانه، الواحد: حنو. ومن «التحفة الفارسية» : السرج: مذكر وجمعه سروج، وهو مؤلف من دفّتين، والواحدة دفّة بفتح الدال، وهما اللتان تقعان على ظهر الفرس، ومن قربوسين والواحد قربوس بفتح الراء، قال الجوهري (٢: ٩٥٩) ولا يخفّف إلا في الشعر. والذئبة: فرجة ما بين دفتي السرج، والجديات بفتح الجيم والدال: واحدته جدية بسكون الدال: قطع. من الأكسية ونحوها تحشى وتشد تحت دفّتي السرج. انتهى. وقال الجوهري (٩: ٢٢٦٦) ويجمع أيضا: على جدي «١» : كشرية وشري.
وفي «الأفعال» لابن طريف أسرجت الدابة: عملت لها سرجا، وأسرجتها أيضا: وضعت عليها السرج.
الثانية: في «الصحاح» للجوهري (٢: ٥٧٩، ٥٩٢) الأشر: البطر، والبطر: شدة المرح، وقد أشر بالكسر يأشر أشرا فهو أشر، وبطر بالكسر، وأبطره المال.
الثالثة: في «الصحاح» (٤: ١٦٢٢) قولهم «أجل» إنما هو [جواب] مثل نعم، قال الأخفش: إلا أنه أحسن من نعم في التصديق، ونعم أحسن منه في الاستفهام، فإذا قال: أنت سوف تذهب، قلت: أجل، وكان أحسن من نعم، وإذا قال:
أتذهب؟ قلت: نعم وكان أحسن من أجل.
стр. 380
الباب السابع عشر في ذكر من أخذ بركاب النبي ﷺ عند ركوبه وذكر ما جاء في ضمّ ثياب الفارس في سرجه عند ركوبه
وفيه أربعة فصول
الفصل الأول في ذكر من أخذ بركابه ﷺ
ذكر النسائي «١» في سنده عن عبد الله بن بسر عن أبيه رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ نزل عليه فأتوه بطعام، فكان يأكل التمر ويضع النوى على ظهر إصبعه «٢» ثم يرمي به، قال: ثم قام يركب بغلة له بيضاء، فقمت لآخذ بركابه، فقلت: يا رسول الله ادع الله لنا، قال: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم.
وفي «الاستيعاب» (١٦٠) لأبي عمر رحمه الله تعالى في باب بسر: بسر السلمي، ويقال المازني: نزل عندهم النبي ﷺ فأكل عندهم ودعا لهم.
لا أعرف له غير هذا الخبر. وهو والد عبد الله بن بسر، لم يرو عنه غير ابنه عبد الله بن بسر، وليس من الصمّاء في شيء، يعد في الشاميين.
وفي باب عبد الله: عبد الله بن بسر المازني (٨٧٤) ، مازن بن منصور بن قيس «٣» ، يكنى أبا بسر، وقيل أبو صفوان، وهو أخو الصماء، مات بالشام سنة ثمان
стр. 381
وثمانين وهو ابن أربع وتسعين سنة، وهو آخر من مات بالشام بحمص من أصحاب رسول الله ﷺ .
وفي باب الباء من كتاب النساء (١٧٩٧) بهيّة، قال: ويقال بهيمة- بزيادة ميم- بنت بسر أخت عبد الله بن بسر المازني تعرف بالصّماء، قال أبو زرعة، وقال لي دحيم: أهل بيت أربعة صحبوا النبي ﷺ : بسر وابناه عبد الله وعطية وابنته أختهما الصماء.
وفي باب الصاد (١٨٧٤) الصماء بنت بسر المازنية أخت عبد الله بن بسر.
انتهى. فقد أثبت أبو عمر رحمه الله تعالى من إخوة عبد الله والصماء ما كان نفاه أولا بقوله في اسم عبد الله: وليس من الصماء في شيء.
الفصل الثاني في ذكر من أخذ بالركاب من الصحابة رضوان الله عليهم، اقتداء برسول الله ﷺ
قال القاضي أبو الفضل عياض في «الشفاء» (٢: ١١٠) عن الشعبي «١» : صلّى زيد بن ثابت على جنازة أمه، ثم قرّبت له بغلته ليركبها، فجاء ابن عباس فأخذ بركابه، فقال زيد: خلّ عنه يا ابن عمّ رسول الله ﷺ ، فقال: هكذا نفعل بالعلماء، فقبّل زيد يد ابن عباس وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا.
الفصل الثالث فيما جاء في ضمّ ثياب الفارس في سرجه عند ركوبه
ذكر الثعالبي في «فقه اللغة» والمطرّز في «اليواقيت» والنص له، قال، قال أبو العباس ثعلب: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: بعث رسول الله صلّى الله
стр. 382
عليه وسلم عليا رضي الله تعالى عنه في سرية، فرأيته قد ألبسه ثيابه وعممه، فركب على رضي الله تعالى عنه، فرأيت رسول الله ﷺ يدعو له ويوصيه، وصفن ثيابه في سرجه: أي جمعها.
قال أبو العباس ثعلب: سألت ابن الأعرابي عنها فقال: هي مأخوذة من الصّفنة ويقال الصّفنة وهي السّفرة التي لها خيوط تجمع بها.
زيادة إفادة في هذا الفصل الثالث والفصل الثاني الذي قبله:
ذكر الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي رحمه الله تعالى في كتابه «طبقات الفقهاء» (٦٩) عن مجاهد بن جبر رحمه الله تعالى قال: كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يأخذ في الركاب ويسوي عليّ ثيابي إذا ركبت.
الفصل الرابع في ذكر أول من ضرب الرّكب من الحديد في الإسلام
قال المبرد في «الكامل» (٣: ٣٧٨) : كانت ركب الناس قديما من خشب، فكان الرجل يضرب ركابه فينقطع، فإذا أراد الضرب أو الطعن لم يكن له معتمد، فأمر المهلب فضربت الركب من الحديد، فهو أول من أمر بطبعها. وفي ذلك يقول عمران بن عصام «١» العنزيّ: [من الكامل]
ضربوا الدراهم في إمارتهم ... وضربت للحدثان والحرب
حلقا ترى منها مرافقهم ... كمناكب الجمّالة الجرب
... انتهى.
وقال علي بن عبد الله بن النعمة: وقع في كتاب «أخبار الخوارج» تأليف
стр. 383
القاسم بن محمد بن عباد بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة رواية قاسم بن أصبغ:
حلقا ترى منها مراكلنا
والمراكل: مواضع الهمز من جنبي الفرس، فأما ما رواه أبو العباس فليس له معنى يصحّ، نقلته من طرّة كتبها على البيتين في نسخته من الكامل التي كتبها بخطه وقرأها على ابن السيد البطليوسي «١» .
стр. 384
الباب الثامن عشر في الرجل يركب خيل الإمام يسابق بها
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول في أنه ﷺ كان يسابق بين الخيل
روى البخاري (٤: ٣٨) رحمه الله تعالى عن عبد الله بن محمد قال، حدثنا معاوية قال، حدثنا أبو إسحاق عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: سابق رسول الله ﷺ بين الخيل التي قد أضمرت فأرسلها من الحفياء، وكان أمدها ثنية الوداع، فقلت لموسى: وكم بين ذلك؟ قال: ستة أميال أو سبعة، وسابق بين الخيل التي لم تضمر فأرسلها من ثنيّة الوداع، وكان أمدها مسجد بني زريق، قلت: كم بين ذلك؟ قال: ميل أو نحوه، وكان ابن عمر ممن سابق فيها.
فائدة لغوية:
في «المشارق (٢: ٢٠٦) سابق بين الخيل أي أجراها ليرى أيها يسبق، والسباق والسبق: الاسم، والسبق بفتح السين والباء: الرهن الذي يجعل للسابق.
الفصل الثاني في ذكر مسابقة رسول الله ﷺ بخيله وذكر من ركبها من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم للمسابقة بها
ذكر أبو عبيد البكري رحمه الله تعالى في كتابه «المستوعب» «١» عن الزهري قال: سبق سهل بن سعد الساعدي على فرس لرسول الله ﷺ
стр. 385
يقال له «الظرب» فكساه رسول الله ﷺ بردا يمانيا. وسبق أبو أسيد الساعدي على فرس لرسول الله ﷺ يقال له: «لزاز» فلما طلع الفرس جثا رسول الله ﷺ على ركبتيه، واطلع من الصف وقال:
كأنه بحر، وكسا أبا أسيد حلة يمانية.
وروى قاسم بن ثابت رحمه الله تعالى عن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال: أجرى رسول الله ﷺ فرسه الأدهم مع خيول المسلمين من المحصّب بمكة، فجاء فرس رسول الله ﷺ سابقا، فجثا رسول الله ﷺ على ركبتيه حتى إذا مرّ به قال: إنه لبحر، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: الحطيئة كاذب حيث يقول «١» : [من الطويل]
وإن جياد الخيل لا تستفزّنا ... ولا جاعلات العاج فوق المعاصم
لو كان أحد صابرا عن الخيل لكان أحقّهم بذلك رسول الله ﷺ .
فوائد لغوية في أربع مسائل:
الأولى: في «المحكم» البرد ثوب فيه خطوط وخصّ بعضهم به الوشي، والجمع: أبراد وبرود. انتهى.
قلت: وهو أنواع: في «الغريب المصنف» : البرد المفوّف وهو الذي فيه بياض وخطوط بيض، والشرعبيّة والسّيراء: برود أيضا، والقطر: نوع من البرود. وفي «الصحاح» (٢١٣، ٦٢١، ١٩٥٦) برد مكعّب: فيه وشي مربع، والحبرة مثل العنبة، والجمع حبر وحبرات. والمسهم: البرد المخطط. انتهى.
الثانية: قال ابن قتيبة في «الأدب» والهروي في «الغريبين» وابن فارس في «المجمل» والفارابي في «الديوان» (٣: ٢٧) والجوهري في «الصحاح» (٤: ١٦٧٣)
стр. 386
والثعالبي في «الفقه» (٢٤٤) وابن الأنباري في «الزاهر» (١: ٥٥٦) وكراع في «المنتظم» وابن سيده في «المحكم» وابن السيّد في «المثلث» والقزاز في «الجامع» : لا تكون الحلة إلا ثوبين؛ قال ابن الأنباري والثعالبي: من جنس واحد؛ قال كراع: من صنف واحد؛ قال الهروي والجوهري وابن السيد: إزار ورداء؛ وقال ابن سيده: إزار ورداء: برد أو غيره، قال: والجمع حلل وحلال؛ وأنشد ابن الأنباري: [من الرجز]
ليس الفتى بالمسمن المختال ... ولا الذي يرفل في الحلال
قال القزاز: ومما يدلّ على أنها لا تكون إلا ثوبين حديث معاذ بن عفراء أن عمر بعث إليه بحلّة فباعها واشترى بها خمسة أرؤس من الرقيق فأعتقهم، ثم قال:
إن رجلا آثر قشرتين يلبسهما على عتق هؤلاء لغبين الرأي؛، فقال: قشرتين يعني ثوبين.
قلت: ومن أوضح الشواهد على أن الحلة ثوبان ما ذكره أبو الفرج الجوزي في كتابه «مختصر الحلية» (١: ٢١٥) عن العتبي قال «١» : بعث إلى عمر حلل فقسمها فأصاب كلّ رجل ثوب، ثم صعد المنبر وعليه حلّة، والحلة ثوبان، فقال: أيها الناس ألا تسمعون؟ فقال سلمان: لا نسمع، فقال عمر: ولم يا أبا عبد الله؟ قال:
لأنك قسمت علينا ثوبا ثوبا، وعليك حلّة، فقال: لا تعجل يا أبا عبد الله، ثم نادى يا عبد الله، فلم يجب أحد، فقال: يا عبد الله بن عمر، فقال: لبيك يا أمير المؤمنين.
قال: نشدتك الله: الثوب الذي ائتزرت به أهو ثوبك؟ قال: اللهمّ نعم، قال سلمان: نسمع.
وفي المشارق» (١: ١٩٦) : والحلة ثوبان غير لفقين إزار ورداء، سمّيا بذلك لأنه يحلّ كلّ واحد منهما على الآخر، قال الخليل: ولا يقال حلّة لثوب واحد.
وقال أبو عبيد: الحلل: برود اليمن. وقال بعضهم: إنما تكون حلة إذا كانت جديدة
стр. 387
لحلها عن طيها، والأول أشهر وأكثر. وفي الحديث أنه رأى رجلا عليه حلّة ائتزر بإحداهما وارتدى بأخرى فهذا يدل على أنهما ثوبان. وفي الحديث الآخر: ورأى حلّة سيراء، وله حلّة سندس، وهذا يدلّ عل أنها واحدة. انتهى. وقال ابن السيد في «المثلث» : الحلة بالضم إزار ورداء، ولا يقال: حلة لثوب واحد إلا أن يكون له بطانة.
الثالثة: قول الحطيئة: لا يستفزّنا أي لا يستخفنا. قال الهروي في قول الله : وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ (الإسراء: ٦٤) معناه استدعهم بدعاء تستخفّهم به إلى إجابتك بصوتك، أي بدعائك.
الرابعة: قوله جاعلات العاج فوق المعاصم يريد النساء، وكنّ يتخذن أساور من عاج يتحلّين بها، وتسمى المسك- بفتح الميم والسين- الواحدة: مسكة بالفتح أيضا قاله غير واحد.
الفصل الثالث في ذكر أنسابهم وأخبارهم
رضي الله تعالى عنهم
١- سهل بن سعد الساعدي
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (٦٦٤) سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الساعدي الأنصاري، يكنى أبا العباس.
وعن الزهري عن سهل بن سعد: أن رسول الله ﷺ توفي وهو ابن خمس عشرة سنة، وعمر سهل بن سعد حتى أدرك الحجاج وامتحن معه.
ذكر الواقدي وغيره قال: وفي سنة أربع وسبعين أرسل الحجاج إلى سهل بن سعد يريد إذلاله فقال: ما منعك من نصر أمير المؤمنين عثمان؟ قال: قد فعلته، قال:
كذبت ثم أمر به فختم في عنقه، وختم في عنق أنس أيضا، حتى ورد كتاب عبد الملك فيه، وختم في يد جابر، يريد إذلالهم بذلك، وأن يجنبهم الناس ولا يسمعوا منهم.
стр. 388
واختلف في وقت وفاة سهل بن سعد، فقيل توفي سنة ثمان وثمانين وهو ابن ست وتسعين وقيل توفي سنة إحدى وتسعين وقد بلغ مائة سنة، ويقال إنه آخر من بقي بالمدينة من أصحاب النبي ﷺ .
وحكى ابن عيينة عن أبي حازم قال: سمعت سهل بن سعد يقول: لو متّ لم تسمعوا أحدا يقول: قال رسول الله ﷺ .
وعن سفيان بن عيينة قال: سمعت سلمة بن دينار أبا حازم يقول: كان سهل بن سعد آخر من بقي من أصحاب رسول الله ﷺ . انتهى.
٢- أبو أسيد الساعدي
: قال الحافظ عبد الغني في «المؤتلف والمختلف» في باب السين بضم الهمزة: أبو أسيد الساعدي مالك بن ربيعة له صحبة.
وفي «الاستيعاب» (١٣٥١، ١٥٩٨) في باب الميم من الأسماء وباب الهمزة من الكنى: مالك بن ربيعة بن البدن بن عامر بن عوف بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج، أبو أسيد الأنصاري الساعدي. وصحّ عن ابن إسحاق: أن البدن بالباء والنون، واختلفوا في فتح الدال وكسرها، واختلف فيه عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب فرواه محمد بن فليح عن موسى بن عقبة:
ابن البدن: بالنون، ورواه إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى: ابن البدي بالياء، فصحّف، والله أعلم. وهو مشهور بكنيته، شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلّها مع رسول الله ﷺ . يعد في الحجازيين. مات بالمدينة سنة خمس وستين، وقال المدائني: سنة ستين، وقال الواقدي وخليفة: سنة ثلاثين. قال أبو عمر: هذا اختلاف متباين جدا، وهو عندي وهم، والله تعالى أعلم. وهو آخر من مات من البدريين، وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقيل ابن سبع وثمانين سنة وقد ذهب بصره.
стр. 389
الباب التاسع عشر في صاحب الراحلة
ذكر ابن جماعة رحمه الله تعالى في «مختصر السير» له في ذكر خدم النبي ﷺ : أسلع بن شريك بن عوف قال: وكان صاحب راحلة النبيّ ﷺ .
وقال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في «الاستيعاب» (١٣٩) : أسلع بن شريك الأعوجي «١» التميمي خادم رسول الله ﷺ وصاحب راحلته، نزل البصرة. انتهى.
فائدة لغوية:
في «الصحاح» (٤: ١٧٠٧) : الراحلة: الناقة التي تصلح لأن ترحل، وكذلك الرّحول، ورحلت البعير أرحله رحلا: إذا شددت على ظهره الرحل، والرحل أصغر من القتب، والجمع: الرحال وثلاثة أرحل، ويقال: الراحلة: المركب من الإبل ذكرا كان أو أنثى. وفي «المشارق» (١: ٢٨٥) الراحلة: الناقة النجيبة الكاملة الخلق، الحسنة المنظر، المدربة على الركوب والسير والحمل.
стр. 390
الباب الموفي عشرين في صاحب البغلة
ذكر ابن جماعة رحمه الله تعالى في «مختصر السير» له، في ذكر خدم رسول الله ﷺ : عقبة بن عامر الجهني، قال: وكان صاحب بغلته ﷺ ويقود به في الأسفار.
تنبيه:
يأتي ذكر عقبة بن عامر في «باب القائد» الذي يلي هذا ونسبه وأخباره.