وبالذال المعجمة ذكراه معا. وقال أبو الحسن طاهر بن عبد العزيز بن عبد الله الرعيني «١» : كخذروف يريد البرق الذي في السحاب. نقلته من طرّة كتبها على هذا البيت بخطّه في نسخته العتيقة التي كتبها بخطه أيضا وقرأها على عبد الرّحيم بن عبد الله بن عبد الرّحيم الزهري البرقي «٢» سنة ثلاث وثمانين ومائتين بفسطاط مصر وحدثه بها عن عبد الملك بن هشام.
الخامسة: في «الديوان» (٤: ٩٣) عصيت بالسيف أعصى: أي ضربته به بالكسر في الماضي والفتح في المستقبل. وفي «الصحاح» (٦: ١٤٢٩) : العصا مقصور مصدر قولك عصي بالسيف يعصى إذا ضرب به. وفي «مختصر الزبيدي» و «أفعال السرقسطي» وعصا بالسيف أيضا يعصو لغتان. وفي «الديوان» (٤: ١٢٤) في باب الافتعال: فلان يعتصي بالسيف. ثم قال: وهذا الباب يكون بمعنى التفاعل بمعنى الاشتراك في الفعل كالتطاعن والاطّعان والتخاصم والاختصام. ويكون بمعنى فعل: كجذب واجتذب، وقلع واقتلع. انتهى. واللفظة تحتملهما معا. وفي «الصحاح» (٦: ٢٤٢٩) فلان يعتصي بالسيف: أي يجعله عصا.
تنبيه:
هذه اللغات كلها في الضرب بالسيف، وأما العصا فقال ابن طريف عصوته وعصيته عصوا وعصيا: ضربته بالعصا بفتح العين فيهما معا، يريد عين فعل.
السادسة: في «الصحاح» (٣: ١٢٧٨) كنع الأمر: دنا. ابن طريف: كنع الموت بفتح النون كنوعا: دنا، وأنشد الجوهري:
стр. 422
إنّي إذا الموت كنع
«١» وأنشد ابن طريف: [من الطويل]
يلوذ حذار الموت والموت كانع «٢»
السابعة: في «الصحاح» (٣: ١٢٦٢) : سقت إليك ألفا أقرع من الخيل وغيرها أي تامّا.
الثامنة: حزانة بن أبي قطن بحاء مضمومة مهملة وزاي ونون، ضبطه طاهر بن عبد العزيز الرعيني في نسخته العتيقة التي بخطه.
وقال ابن سيّد في «الاشتقاق» لي في موضع كذا وكذا حزانة: أي ما يتعلّق به قلبي وأهتمّ به، واشتقاقه من الحزن أي لي ما أحزن عليه. انتهى.
وأما سائر ما طالعته من نسخ «السير» فهو فيها أبو حزابة بحاء مهملة أيضا وزاي وباء بواحدة. وفي «المحكم» (٣: ١٧١) حزبه الأمر يحزبه: نابه واشتدّ عليه وضغطه، والاسم: الحزابة. وأبو حزابة فيما ذكر ابن الأعرابي: الوليد بن نهيك:
أحد بني ربيعة بن حنظلة. انتهى. والأول الوجه لثبوت الرواية به.
стр. 423
الباب السادس والعشرون في الصيقل
في «الاستيعاب» (١٤٦٩) مرزوق الصّيقل مولى الأنصار له صحبة، صقل سيف رسول الله ﷺ وزعم أن قبيعته كانت فضة. في إسناد حديثه لين، روى عنه أبو الحكم الصيقل الحمصي. انتهى.
وذكر أبو حيان الأصبهاني في كتاب «أخلاق النبي ﷺ » (١٤٠) عن مرزوق الصيقل قال: صقلت سيف النبي ﷺ ذا الفقار قال: وكانت قبيعته من فضة، وفي وسطه بكرة أو بكرات فضة وفي قيده حلق فضة. انتهى.
وقال البخاري رحمه الله تعالى في «كتاب التاريخ» (٧: ٣٨٢) مرزوق الصيقل له صحبة. انتهى.
فائدتان لغويتان:
الأولى: في «الصحاح» (٥: ١٧٤٤) صقل السيف وسقله أيضا صقلا وصقالا:
أي جلاه فهو صاقل والجمع صقلة، وقال: [من الرجز] «١»
لم تعد أن أفرش «٢» عنها الصّقله
стр. 424
والصانع: صيقل، والجمع الصياقلة، والصقيل: السيف، والمصقلة ما يصقل به السيف ونحوه.
الثانية: قوله: وفي قيده حلق فضة، لا أدري ما القيد في السيف، وأقرب ما إليه أن يكون المراد به: حمالة السيف لأنها التي تمسكه في عاتق صاحبه إذا تقلّده، فكأنها قيد له.
стр. 425
الباب السابع والعشرون في الدليل
وفيه فصلان
الفصل الأول في أدلّاء النبي ﷺ
١- دليله ﷺ في الهجرة:
روى البخاري (٥: ٧٦) رحمه الله تعالى عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: استأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلا من بني الدّيل هاديا خرّيتا، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث. انتهى.
وقال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في «السير» (١: ٤٨٥) : استأجرا عبد الله بن أرقط، رجلا من بني الدئل بن بكر، وكانت أمه امرأة من بني سهم بن عمرو، وكان مشركا، يدلهما على الطريق، ودفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما. انتهى.
فائدة لغوية:
في الصحاح (٤: ١٦٩٨) : الدليل: الدال، وقد دلّه على الطريق يدله دلالة ودلالة بالفتح والكسر، والفتح أعلى، ودلولة؛ وأنشد أبو عبيد: [من الرجز]
إنّي امرؤ بالطّرق ذو دلالات «١»
стр. 426
والخرّيت الدليل الحاذق، وقال: [من الرجز]
وبلد يعيا به الخرّيت
«١» والجمع: الخرارت.
الكسائي: خرتنا الأرض: إذا عرفناها، ولم تخف علينا طرقها.
وفي «المحكم» (٥: ٩٢) الخرّيت: الدليل الحاذق بالدّلالة الذي يهتدي لمثل خرت الإبرة «٢» .
وفي «ديوان الأدب» خرّيت بكسر الخاء وتشديد الراء وكسرها أيضا.
٢- دليله ﷺ يوم أحد
: قال ابن إسحاق (٢: ٦٤- ٦٥) في خبر أحد: ومضى رسول الله ﷺ حتى سلك حرّة بني حارثة ثم قال لأصحابه: من رجل يخرج بنا على القوم من كثب؟ أي من قرب من طريق لا يمرّ بنا عليهم، فقال أبو خيثمة من بني حارثة بن الحارث: أنا يا رسول الله، فنفذ به في حرّة بني حارثة، وبين أموالهم ( ... ) ومضى رسول الله ﷺ حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي إلى الجبل- نقلته مختصرا.
فائدة لغوية:
عدوة الوادي بضمّ العين وكسرها والدال ساكنة في اللغتين: جانبه، قاله الفارابي.
٣- دليله ﷺ في غزوة الحديبية:
في «السير» (٢: ٣٠٩) و «الاكتفاء» (٢: ٢٣٣) والنصّ من «الاكتفاء» : خرج رسول الله في ذي القعدة من سنة ستّ معتمرا لا يريد حربا حتى إذا كان بعسفان لقيه بسر بن
стр. 427
سفيان الكعبي فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فخرجوا يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم أبدا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم. فقال رسول الله ﷺ : من رجل يخرج بنا على غير طريقهم؟ فقال رجل من أسلم: أنا. فسلك بهم طريقا وعرا أجرل بين شعاب.
فلما خرجوا منه وقد شقّ عليهم وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي قال رسول الله ﷺ : قولوا نستغفر الله ونتوب إليه، فقالوا ذلك. فقال:
والله إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها. انتهى.
فائدتان لغويتان:
الأولى: كراع الغميم بضم الكاف وفتح العين المعجمة وكسر الميم. قال القاضي في «المشارق» (١: ٣٥٠) وضمّ بعض الشعراء الغين وصغّره: وهو واد أمام عسفان بثمانية أميال أضيف إليه هذا الكراع. والكراع: جبل أسود بطرف الحرّة يمتد إليه.
الثانية: في «الروض الأنف» (٦: ١٧٦) طريق أجرل: أي كثير الحجارة، والجرول: الحجر.
الفصل الثاني في ذكر أنسابهم وأخبارهم
رضي الله تعالى عنهم
١- دليله ﷺ في الهجرة
: عبد الله بن أرقط: تقدم في الفصل قبل هذا قول البخاري وابن إسحاق رحمهما الله تعالى أنه كان مشركا.
٢- دليله ﷺ يوم أحد
: أبو حثمة يأتي التعريف به في باب الخرص إن شاء الله تعالى.
٣- دليله ﷺ في عمرة الحديبية
: قال السهيلي رحمه الله تعالى في «الروض الأنف» (٦: ٤٧٨) يقال إن ذلك الرجل هو ناجية الأسلمي وهو سائق بدن النبي ﷺ .
стр. 428
وفي «الاستيعاب» (١٥٢٢) : ناجية بن جندب الأسلمي صاحب بدن رسول الله ﷺ ، وهو ناجية بن جندب بن عمير بن يعمر بن دارم بن عمرو بن واثلة بن سهل بن مازن بن سلامان بن أسلم بن أفصى.
قال أبو عمر ابن عبد البر: ويقال ناجية بن عمر، وناجية بن عمير، معدود في أهل المدينة. قال ابن عفير: ناجية اسمه ذكوان فسمّاه رسول الله ﷺ ناجية إذ نجا من قريش، وهو الذي نزل في البئر يوم الحديبية، مات في خلافة معاوية بالمدينة. انتهى.
стр. 429
الباب الثامن والعشرون في مسهل الطريق
في «الاستيعاب» (١٢٥٢) غالب بن عبد الله، ويقال ابن عبيد الله، والأكثرون يقولون فيه ابن عبد الله الليثي ويقال الكلبي. والصواب غالب بن عبد الله بن مسعر الليثي، بعثه رسول الله ﷺ في ستين راكبا إلى بني الملوّح بالكديد. وكانوا قد قتلوا أصحاب بشير بن سويد وأمره أن يغير عليهم فخرج. قال جندب بن مكيث «١» : كنت في سريته فقتلنا واستقنا النّعم، وذلك عند أهل السير في سنة ثمان. وهو الذي بعثه رسول الله ﷺ عام الفتح يسهّل له الطريق. انتهى.
فائدة لغوية:
الكديد بفتح الكاف وبعدها دال مهملة مكسورة وياء ودال مهملة أيضا موضع بين مكة والمدينة، قاله البكري (١١١٩) .
стр. 430
الباب التاسع والعشرون في صاحب المظلة
وفيه فصلان
الفصل الأول في ذكر من ظلّل على رسول الله ﷺ بالثوب
ذكر ابن إسحاق (١: ٤٩٢) رحمه الله تعالى في خبر هجرة النبي ﷺ عن رجال من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: لما سمعنا بمخرج رسول الله ﷺ من مكة وتوكفنا قدومه كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرّتنا ننتظر رسول الله ﷺ ، فوالله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظّلال؛ فإذا لم نجد ظلا دخلنا، وذلك في أيام حارّة، حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﷺ جلسنا كما كنا نجلس، حتى إذا لم يبق ظلّ دخلنا بيوتنا؛ وقدم رسول الله ﷺ حين دخلنا البيوت فكان أول من رآه رجل من اليهود، وقد رأى ما كنّا نصنع، وأنا ننتظر قدوم رسول الله ﷺ علينا، فصرخ بأعلى صوته يا بني قيلة:
هذا جدّكم قد جاء، قال: فخرجنا إلى رسول الله ﷺ وهو في ظلّ نخلة، ومعه أبو بكر في مثل سنّه، وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله ﷺ قبل ذلك، وركبه الناس وما يعرفونه من أبي بكر؛ حتى إذا زال الظلّ عن رسول الله ﷺ قام أبو بكر فأظلّه بردائه، فعرفناه عتد ذلك.
انتهى.
وروى مسلم (١: ٣٦٧) رحمه الله تعالى عن أم الحصين رضي الله تعالى عنها
стр. 431
قالت: حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، فرأيت أسامة بن زيد وبلالا وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ ، والآخر رافع ثوبه يستره من الحرّ حتى رمى جمرة العقبة. انتهى.
الفصل الثاني في ذكر أنسابهم وأخبارهم
رضي الله تعالى عنهم
١- أبو بكر رضي الله تعالى عنه
: قد تقدم في باب الخليفة من ذكره رضي الله تعالى عنه ما فيه الكفاية.
٢- أسامة بن زيد
رضي الله تعالى عنهما:
في «الاستيعاب» (٧٥) أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزّى الكلبي. وقال ابن إسحاق: شرحبيل فخالفه الناس فقالوا شراحيل. وأم أسامة: أم أيمن، واسمها بركة مولاة رسول الله ﷺ وحاضنته، وكان لحق زيدا سباء، وصار بعد مولى لرسول الله ﷺ وله ولاؤه.
يكنى أسامة: أبا زيد، وقيل له: أبا محمد، يقال له: الحبّ بن الحبّ.
وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: أحبّ الناس إليّ أسامة ما حاشى فاطمة ولا غيرها. وعن هشام بن عروة عن أمه أن رسول الله ﷺ قال: إن أسامة بن زيد لأحبّ الناس إليّ، وإني أرجو أن يكون من صالحيكم فاستوصوا به خيرا. وفرض عمر بن الخطاب لأسامة بن زيد خمسة آلاف ولابن عمر ألفين. فقال ابن عمر: فضلت عليّ أسامة وقد شهدت ما لم يشهد، فقال. إن أسامة كان أحبّ إلى رسول الله ﷺ منك، وأباه كان أحبّ إلى رسول الله ﷺ من أبيك. وسكن أسامة بعد النبي ﷺ وادي القرى ثم رجع إلى المدينة فمات بالجرف في آخر خلافة معاوية سنة ثمان أو تسع وخمسين، وقيل توفي سنة أربع وخمسين؛ قال أبو عمر رحمه الله تعالى (٧٧) وهو عندي أصحّ إن شاء الله تعالى.
стр. 432
فوائد لغوية في خمس مسائل:
الأولى: المظلّة بكسر الميم على وزن [مفعلة] وأنشد العماد الأصبهاني في «الخريدة» لأبي إسماعيل الحسين بن علي بن محمد بن عبد الصمد الطغرائي «١» فى وصف المظلة المعروفة بالحنو على رأس السلطان: [من الكامل]
وعليه نشء مظلة مكفوفة ... بالدرّ والياقوت وهو ثمين
سوداء حمراء الحفاف كأنها ... زهر الشقائق في الرياض يبين
رفعت تردّ الشمس عن شمس له ... نور إذا اعتكر الظلام مبين
شمسان يكتنفانها من فوقها ... شمس وآخر تحتها مدجون
فبنور تلك أضاءت الدنيا وذا ... ضاءت به الدنيا وعزّ الدين
فلك يدور على ذؤابة تاجه ... ويكون أنّى دار حيث يكون
ومن شعر أبي القاسم بن هانىء الأندلسي في المظلة «٢» : [من الكامل]
وعلى أمير المؤمنين غمامة ... نشأت تظلّل تاجه تظليلا
نهضت بعبء الدرّ ضوعف نسجه ... وجرت عليه عسجدا محلولا
ومنه أخذ الطغرائي تشبيهها بنشء السحاب وزاد عليه ما أورده بعد ذلك من مستحسن الصفات.
الثانية: النّشء- بفتح النون وسكون الشين وبعده الهمزة- أول ما ينشأ من السحاب؛ قاله الفارابي.
الثالثة: في «الصحاح» (٤: ١٤٤١) : التوكّف: التوقع يقال ما زلت أتوكّفه حتى لقيته.
الرابعة: في «الصحاح» (١: ٤٤٩) الجدّ: الحظ والبخت، والجمع: الجدود.
وفي «الديوان» : هو بفتح الجيم.
الخامسة: بركة أم أيمن بفتح الباء والراء، كذلك قيده الحافظ عبد الغني.
стр. 433
الباب الموفي ثلاثين في ذكر صاحب الثّقل
وفيه فصلان
الفصل الأول في ذكر من كان يتولّى ذلك
في عهد رسول الله ﷺ روى البخاري (٤: ٩١) رحمه الله تعالى عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه قال: كان على ثقل رسول الله ﷺ رجل يقال له كركرة فمات، فقال رسول الله ﷺ : هو في النار، فذهبوا ينظرون فوجدوا عليه عباءة «١» غلّها.
وروى مسلم (١: ٣٧١) عن قتيبة عن أبي رافع وكان على ثقل النبي ﷺ قال: لم يأمرني النبي ﷺ أن أنزل الأبطح حين خرج من منى، ولكني جئت فضربت قبته فجاء فنزل.
قال أبو محمد ابن حزم في كتابه «في حجة الوداع» (٣٠) وقد كان رسول الله ﷺ قال لأسامة بن زيد: إنه ينزل غدا بالمحصّب خيف بني كنانة، وهو المكان الذي ضرب فيه أبو رافع قبّته وفاقا من الله دون أن يأمره ﷺ بذلك. انتهى.
روى البخاري (٥: ١٨٧، ١٨٨) «٢» رحمه الله تعالى عن أسامة بن زيد رضي الله
стр. 434
تعالى عنهما قال: قلت: يا رسول الله أين ننزل غدا؟ في حجته فقال: وهل ترك لنا عقيل منزلا؟ ثم قال: نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة- المحصب- حيث قاسمت قريش على الكفر. انتهى.
فائدتان لغويتان:
الأولى: في «المشارق» (١: ١٣٤) والثقل بفتح الثاء والقاف: هو متاع المسافر وحشمه، وأصله من الثّقل.
الثانية: في «المشارق» (١: ٣٥٢) كركرة مولى النبي ﷺ بكسر الكافين وفتحهما والراء الأولى ساكنة. وفي «الصحاح» (٢: ٨٠٥) الكركرة في الضحك مثل القرقرة، والكركرة تصريف الريح السحاب، وكركرته عني أي دفعته.
الفصل الثاني في ذكر أخبارهم
رضي الله تعالى عنهم
١- كركرة
: ذكره القاضي ابن جماعة في «مختصر السير» في موالي رسول الله ﷺ فقال: كركرة كان على ثقله ﷺ ، وكان يمسك دابته عند القتال يوم خيبر. وفي «صحيح البخاري» في كتاب الجهاد: أنه غلّ عباءة. وفي «الموطأ» وكتاب المغازي من «صحيح البخاري» أن مدعما غلّها في ذلك اليوم، وكلاهما قتل بخيبر. انتهى ما ذكره ابن جماعة.
وقال ابن فتحون في «الذيل» : كركرة رجل أسود كان يمسك دابة رسول الله ﷺ عند القتال في خيبر فقتل يومئذ، فقيل يا رسول الله استشهد كركرة، فقال: إنه الآن ليحرق في النار في شملة غلها، ذكره الواقدي.
٢- أبو رافع
﵁:
في «الاستيعاب» (١٦٥٦، ٨٣) أبو رافع مولى النبي ﷺ ، اختلف في اسمه فقيل إبراهيم، وقيل أسلم، وقيل هرمز، وقيل ثابت؛ وكان
стр. 435
قبطيا، وإسلامه قبل بدر، ولم يشهدها لأنه كان مقيما بمكة، وشهد أحدا والخندق وما بعدهما من المشاهد. واختلف في من كان له قبل رسول الله ﷺ ، فقيل كان للعباس رضي الله تعالى عنه فوهبه لرسول الله ﷺ ، فلما أسلم العباس بشّر أبو رافع بإسلامه النبيّ ﷺ فأعتقه. وقيل كان لسعيد بن العاصي أبي أحيحة، ولا يثبت من جهة النقل.
وما روي أنه كان للعباس فوهبه للنبي ﷺ أولى وأصح، لأنهم قد أجمعوا أنه مولى رسول الله ﷺ لا يختلفون في ذلك. وزوّج رسول الله ﷺ أبا رافع سلمى مولاته؛ فولدت له عبيد الله بن أبي رافع، وكانت قابلة إبراهيم بن النبي ﷺ ، وشهدت معه خيبر.
وكان عبيد الله بن أبي رافع خازنا وكاتبا لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين، واختلف في وقت وفاة أبي رافع، فقيل قبل قتل عثمان رضي الله تعالى عنهما وقيل مات في خلافة علي رضي الله تعالى عنه، زاد في الكنى: وهو الصواب.
стр. 436
الباب الحادي والثلاثون في الامين على الحرم
وفيه فصلان
الفصل الأول في ذكر أمين رسول الله ﷺ على حرمه
في «الاستيعاب» (٨٤٤) قال الزبير بن بكار: كان عبد الرّحمن بن عوف أمين رسول الله ﷺ على نسائه. وروي عنه ﵇ أنه قال:
عبد الرّحمن بن عوف أمين في السماء وأمين في الأرض. انتهى.
وفي «العمدة» للتلمساني عند ذكره لعبد الرّحمن بن عوف: وهو الأمين في أرض الله وسمائه، فكان لذلك أمين رسول الله ﷺ في السفر على نسائه. انتهى.
وفي «البهجة» لابن هشام: وفي سنة ثلاث وعشرين من الهجرة حجّ عمر رضي الله تعالى عنه واستأذنه أزواج رسول الله ﷺ في الحج، فأذن لهن، فخرجن في الهوادج عليهنّ الطيالسة، وكان أمامهن عبد الرّحمن بن عوف، ووراءهن عثمان بن عفان، فكان لا يدعان أحدا يدنو منهنّ. انتهى.
فائدتان لغويتان:
الأولى: في «الصحاح» (١: ٣٥٠) الهودج: مركب من مراكب النّساء مقبّب وغير مقبّب «١» .
стр. 437
الثانية: في «المحكم» الطّيلسان والطّيلسان، وأنكر الأصمعي كسر اللام، والجمع: طيالس وطيالسة، وقد تطّلست بالطيلسان وتطيلست: وهو ضرب من الأكسية.
الفصل الثاني في ذكر أنسابهم وأخبارهم
رضي الله تعالى عنهم
١- عثمان بن عفان
رضي الله تعالى عنه: تقدم ذكره في باب الرسول فأغنى عن إعادته الآن.
٢- عبد الرّحمن بن عوف
رضي الله تعالى عنه:
في «الاستيعاب» (٨٤٤) : عبد الرّحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزهري، يكنى أبا محمد، كان اسمه في الجاهلية: عبد عمرو، وقيل: عبد الكعبة، فسماه رسول الله ﷺ عبد الرّحمن. ولد بعد الفيل بعشر سنين، وأسلم قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم، وكان من المهاجرين الأولين، جمع الهجرتين جميعا: هاجر إلى أرض الحبشة ثم قدم قبل الهجرة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرا والمشاهد كلّها مع رسول الله ﷺ ، وبعثه رسول الله ﷺ إلى دومة الجندل، إلى كلب، وعممه بيده وسدلها بين كتفيه، وقال له: سر باسم الله، وأوصاه بوصاياه لأمراء سراياه، ثم قال له: إن فتح الله عليك فتزوج بنت ملكهم أو قال: بنت شريفهم؛ وكان الأصبغ بن ثعلبة بن ضمضم الكلبي شريفهم، فتزوج بنته تماضر بنت الأصبغ، فهي أم ابنه أبي سلمة الفقيه.
وعبد الرّحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، وصلّى رسول الله ﷺ خلفه في سفره، وروي عنه ﷺ أنه قال: عبد الرّحمن بن عوف أمين في السماء وأمين في الأرض. قال الزبير بن بكار: كان عبد الرّحمن بن عوف أمين رسول الله ﷺ على نسائه.
стр. 438
وجرح رضي الله تعالى عنه يوم أحد إحدى عشرين جراحة، وجرح في رجله وكان يعرج منها. قال أبو عمر رحمه الله تعالى: كان تاجرا مجدودا في التجارة، وكسب مالا كثيرا، وخلّف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة ومائة فرس بالبقيع. وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحا، فكان يدّخر من ذلك قوت أهله سنة.
وصولحت امرأته التي طلقها في مرضه من ثلث الثّمن بثلاثة وثمانين ألفا. وروى ابن عيينة أنها صولحت بذلك عن ربع الثّمن من ميراثه. وروي عنه أنه أعتق في يوم واحد ثلاثين عبدا. وعن أبي الهيّاج «١» قال: رأيت رجلا يطوف بالبيت وهو يقول: اللهم قني شحّ نفسي، فسألت عنه فقالوا: هذا عبد الرّحمن بن عوف.
وعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: دخل عليها عبد الرّحمن بن عوف فقال: يا أمه قد خشيت أن يهلكني كثرة مالي، أنا أكثر قريش كلّهم مالا، قالت:
يا بني تصدّق فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أصحابي من لا يراني بعد أن أفارقه، فخرج عبد الرّحمن فلقي عمر فأخبره بما قالت أم سلمة:
فجاء عمر فدخل عليها فقال: بالله منهم أنا؟ قالت: لا ولن أقول لأحد بعدك.
توفي عبد الرّحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه سنة إحدى وثلاثين، وقيل سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن خمس وسبعين سنة بالمدينة. انتهى.
فوائد لغوية في أربع مسائل:
الأولى: في «الديوان» (٣: ٣١٠) : دومة الجندل بفتح الدال وتضم أيضا: اسم موضع.
الثانية: المجدود بالجيم: المحظوظ أي ذو الحظ، من الجدّ بفتحها. وفي «المشارق» (١: ١٤١) هو البخت والحظ في المال وسعة الدنيا. انتهى.
стр. 439
قلت: وضده: المحدود بالحاء المهملة. وفي «الصحاح» (١: ٤٥٩) المحدود الممنوع من البخت وغيره.
وفي «الأفعال» لابن طريف: جدّ الرجل بضم الجيم جدّا، ورجل مجدود منه، وحدّ حدّا بالحاء مفتوحة: منع الرزق فهو محدود، ويقال للرامي: اللهم احدده، أي لا توفقه لإصابة. وفي «الديوان» : حدّ بالضم. انتهى.
وللشافعي رحمه الله تعالى، أنشده ابن رشيق في «العمدة» (١: ٤٠) ما عدا البيت الأخير فهو عن غيره «١» : [من الكامل]
الجدّ يدني كلّ شيء شاسع ... والجدّ يفتح كلّ باب مغلق
فإذا سمعت بأن مجدودا حوى ... عودا فأورق في يديه فصدّق
وإذا سمعت بأن محدودا أتى ... ماء ليشربه فجفّ فحقّق
وأحقّ خلق الله بالهمّ امرؤ ... ذو همّة يبلى برزق ضيّق
ولربما عرضت لنفسي فكرة ... فأودّ منها أنني لم أخلق
ومن الدليل على القضاء وصدقه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأخرق
الثالثة: في «الصحاح» الجرف والجرف مثل العسر والعسر ما تجرفته السيول وأكلته من الأرض. وفي «المعجم» (٣٧٧) : قال الزبير: والجرف على ميل من المدينة. وقال ابن إسحاق: على فرسخ من المدينة.
الرابعة: في «الصحاح» (٥: ١٨٦٣) يقال: يا أمه لا تفعلي، ويا أبت افعل، يجعلون علامة التأنيث عوضا من ياء الإضافة، وتقف عليها بالهاء.
стр. 440
الباب الثاني والثلاثون في الحارس
وفيه خمسة فصول
الفصل الأول في ذكر من حرسه ﷺ
١- حرسه بالمدينة: سعد بن أبي وقّاص
رضي الله تعالى عنه؛ روى البخاري (٤: ٤١) رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان النبي ﷺ سهر، فلما قدم المدينة قال: ليت رجلا من أصحابي صالحا يحرسني الليلة، إذ سمعنا صوت سلاح فقال: من هذا؟ قال: أنا سعد بن أبي وقاص جئت لأحرسك، ونام النبي ﷺ . انتهى.
وروى مسلم (٢: ٢٣٩) عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سهر رسول الله ﷺ مقدمه المدينة ليلة، فقال: ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة. فبينا نحن كذلك سمعنا خشخشة السلاح فقال: من هذا؟ قال:
سعد بن أبي وقاص، فقال له رسول الله ﷺ : ما جاء بك؟ قال وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله ﷺ ثم نام.
٢- وحرسه يوم بدر سعد بن معاذ
رضي الله تعالى عنه: قال ابن إسحاق في «السير» (١: ٦٢١، ٦٢٨) في أخبار بدر: ثم بني لرسول الله ﷺ عريش، وكان فيه معه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه «١» ليس معه فيه غيره وساق الحديث، وفيه أن رسول الله ﷺ أخذ حفنة من الحصى
стр. 441
فاستقبل بها قريشا ثم قال: شاهت الوجوه، ثم نفحهم بها وأمر أصحابه فقال:
شدّوا، فكانت الهزيمة، فقتل الله بها من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر من أشرافهم، فلما وضع القوم أيديهم يأسرون ورسول الله ﷺ في العريش وسعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه قائم على باب العريش الذي فيه رسول الله ﷺ متوشحا السيف في نفر من الأنصار رضي الله تعالى عنهم يحرسون رسول الله ﷺ يخافون عليه كرّة العدو، وساق الحديث.
٣- وحرسه حين أعرس بصفية رضي الله تعالى عنها بخيبر أو ببعض الطريق، أبو أيوب الأنصاري
رضي الله تعالى عنه: قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في «السير» (٢: ٣٣٠، ٣٣٦، ٣٣٩- ٣٤٠) في أخبار غزوة خيبر: كان أول حصونهم افتتح حصن ناعم، ثم القموص «١» حصن بني أبي الحقيق، فأصاب رسول الله ﷺ منهم سبايا: منهن صفية بنت حييّ بن أخطب وبنتا عم لها، فاصطفى رسول الله ﷺ صفية لنفسه، وأعرس بها بخيبر أو ببعض الطريق، وكانت التي جمّلتها لرسول الله ﷺ ومشطتها وأصلحت من أمرها أم سليم بنت ملحان أم أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم فبات بها رسول الله ﷺ في قبة له، وبات أبو أيوب خالد بن زيد رضي الله تعالى عنه أخو بني النجار متوشحا سيفه يحرس رسول الله ﷺ ، ويطيف بالقبة حتى أصبح رسول الله ﷺ فلما رأى مكانه قال: مالك يا أبا أيوب؟ قال: يا رسول الله خفت عليك من هذه المرأة وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها وقومها وكانت حديثة عهد بكفر فخفتها عليك، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني. انتهى.
٤- وحرسه بمكة وهو يصلي بالحجر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ذكر الدارقطني في «كتاب العلل» عن إدريس الأودي عن أبيه عن عمر بن
стр. 442
الخطاب رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ كان إذا صلّى في الحجر قام عمر بن الخطاب على رأسه بالسيف حتى يصلّي. انتهى.
وقال أبو محمد ابن عطية رحمه الله تعالى في كتابه «الوجيز في تفسير آي الكتاب العزيز» (٥: ١٥٥) قال عبد الله بن شقيق: كان رسول الله ﷺ يعتقبه أصحابه يحرسونه، فلما نزلت وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (المائدة:
٦٧) خرج فقال: يا أيها الناس الحقوا بملاحقكم فإن الله قد عصمني. قال أبو محمد:
قال الربيع بن أنس: نزلت سورة المائدة في مسير رسول الله ﷺ إلى حجة الوداع. انتهى.
وذكر الزمخشري في «الكشاف» (١: ٦٣١) في قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ عن أنس رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ يحرس حتى نزلت، فأخرج رأسه من قبّة أدم فقال: انصرفوا يا أيها الناس فقد عصمني الله من الناس.
فائدة لغوية:
ابن القوطية (١: ٢١١) : حرس الشيء حراسة: حفظه. وفي «الديوان» (١: ٢١٤) : يحرسه بفتح الراء في الماضي وضمها في المستقبل.
الفصل الثاني في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم
١- عمر بن الخطاب
رضي الله تعالى عنه: تقدم ذكره في باب الوزير.
٢- سعد بن أبي وقاص
رضي الله تعالى عنه: قال ابن حزم في «الجماهر» (١٢٩) : سعد بن أبي وقاص- واسمه مالك- بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب. وكذلك نسبه أبو عمر في «الاستيعاب» (٦٠٦) ، إلا أنه قال: أهيب.
قال أبو عمر يكنى أبا إسحاق، كان سابع سبعة في إسلامه، أسلم بعد ستة: وروي عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: أسلمت قبل أن تفرض الصلوات وأنا ابن تسع
стр. 443
عشرة سنة، وشهد بدرا والحديبية وسائر المشاهد كلها: وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وهو أحد الستة الذين جعل عمر فيهم الشورى، وأخبر أن رسول الله ﷺ توفي وهو عنهم راض، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله وذلك في سرية عبيدة بن الحارث. انتهى.
قال ابن إسحاق في «السير» (١: ٥٩٤) وقال سعد رضي الله تعالى عنه في رميته تلك فيما يذكرون [من الوافر]
ألا هل أتى رسول الله أني ... حميت صحابتي بصدور نبلي
أذود بها أوائلهم ذيادا ... بكلّ حزونة وبكلّ سهل
فما يعتدّ رام في عدوّ ... بسهم يا رسول الله قبلي
وذلك أن دينك دين صدق ... وذو حقّ أتيت به وعدل
قال أبو عمر (٦٠٨) : وعن قيس بن أبي حازم قال، قال رسول الله ﷺ لسعد بن أبي وقاص: اللهم أجب دعوته وسدّد رميته.
قال أبو عمر (٦٠٧) فكان مجاب الدعوة، مشهورا بذلك، تخاف دعوته وترجى لاشتهار إجابتها عندهم.
وذكر ابن قتيبة في «المعارف» (٢٤١) قال: كان سعد على الناس يوم القادسية، وكان به جراح فلم يشهد الحرب واستخلف خليفة، ففتح الله على المسلمين، فقال رجل من بجيلة [من الطويل]
ألم تر أن الله أظهر دينه ... وسعد بباب القادسية معصم
فأبنا وقد آمت نساء كثيرة ... ونسوة سعد ليس فيهنّ أيّم
فقال سعد: اللهم اكفنا يده ولسانه، فأصابته رمية فخرس ويبست يده.
وروى مسلم (٢: ٢٣٩) رحمه الله تعالى عن عبد الله بن شداد قال: سمعت عليا يقول: ما جمع رسول الله ﷺ أبويه لأحد غير سعد بن مالك، فإنه جعل يقول له يوم أحد: ارم فداك أبي وأمي.
стр. 444
قال أبو عمر (٦٠٨) : وهو الذي كوّف الكوفة ونفى الأعاجم وتولى قتال فارس وكان له فتح القادسية وغيرها.
وكان سعد ممن قعد ولزم بيته في الفتنة، وأمر أهله أن لا يخبروه من أخبار الناس بشيء حتى تجتمع الأمة على إمام.
ومات في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وحمل إلى المدينة على أعناق الرجال ودفن بالبقيع، وصلّى عليه مروان بن الحكم. واختلف في وقت وفاته: فقيل سنة أربع وخمسين، وقيل سنة خمس وخمسين، وقيل سنة ثمان وخمسين. واختلف في كم كان سنّه حين مات، فقال الواقدي: توفي وهو ابن بضع وسبعين سنة، وقال أحمد بن حنبل: توفي وهو ابن ثلاث وثمانين سنة. انتهى. وقال ابن قتيبة في «المعارف» (٢٤٢) توفي سنة خمس وخمسين، وهو آخر العشرة موتا.
وصلّى عليه مروان بن الحكم وهو يومئذ والي المدينة لمعاوية، وبلغ من السن بضعا وثمانين سنة، أو بضعا وسبعين سنة. انتهى.
٣- سعد بن معاذ
رضي الله تعالى عنه: قد تقدم ذكره في باب صاحب الراية.
٤- أبو أيوب الأنصاري
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (٤٢٤، ١٦٠٦) : أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه اسمه خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف «١» بن غنم بن مالك بن النجار. شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ ، وعليه نزل رسول الله ﷺ في خروجه من بني عوف حين قدم المدينة مهاجرا من مكة، فلم يزل عنده حتى بنى مسجده في تلك السنة، وبنى مساكنه، ثم انتقل ﷺ إلى مسكنه.
وعن أبي رهم السمعي أن أبا أيوب الأنصاري حدثه قال: نزل رسول الله
стр. 445
صلى الله عليه وسلم بيتنا الأسفل وكنت في الغرفة، فأهريق ماء في الغرفة، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة نتتبع الماء، شفقة أن يخلص إلى رسول الله ﷺ ، ونزلنا إلى النبي ﷺ وأنا مشفق، فقلت: يا رسول الله إنه ليس ينبغي أن نكون فوقك، انتقل إلى الغرفة، فأمر النبي ﷺ بمتاعه أن ينقل، ومتاعه قليل. وذكر تمام الحديث.
قال أبو عمر (٤٢٥) : وكان أبو أيوب مع علي بن أبي طالب في حروبه كلّها، ثم مات في القسطنطينية من بلاد الروم في زمن معاوية، وكانت غزاته تلك تحت راية يزيد، وكان أميرهم يومئذ.
(١٦٠٧) ولما أمّر معاوية يزيد على الجيش إلى القسطنطينية جعل أبو أيوب يقول: وما عليّ أن أمّر عليّ شاب، فمرض في غزوته تلك، فدخل عليه يزيد يعوده وقال له: أوصني، قال: إذا مت فكفنوني، ثم مر الناس فليركبوا ثم يسيرون في أرض العدو حتى إذا لم يجدوا مساغا فادفنوني ففعلوا ذلك.
وأمر يزيد (١٦٠٦) بالخيل فجعلت تقبل وتدبر على قبره حتى عفا أثر قبره.
وقيل إن الروم قالت للمسلمين في صبيحة دفنهم لأبي أيوب: لقد كان لكم الليلة شأن، فقالوا: هذا رجل من أكابر أصحاب نبينا، ﷺ وأقدمهم إسلاما، وقد دفناه حيث رأيتم، والله لئن نبش لا ضرب لكم بناقوس «١» في أرض العرب ما كانت لنا مملكة.
قال ابن القاسم عن مالك: بلغني عن قبر أبي أيوب رضي الله تعالى عنه: أن الروم يستصحّون به ويستشفون.
قال أبو عمر: مات أبو أيوب سنة خمسين أو إحدى وخمسين من التاريخ، وقيل بل كان ذلك سنة اثنتين وخمسين، وهو الأكثر، في غزوة يزيد القسطنطينية.
стр. 446
الفصل الثالث في ذكر حرّاس عسكره ﵊
(١) غزوة ذات الرقاع
: قال ابن إسحاق في «السير» (٢: ٢٠٨- ٢٠٩) رحمه الله تعالى: وحدث جابر بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرقاع فأصاب رجل امرأة «١» من المشركين، فلما انصرف رسول الله ﷺ قافلا أتى زوجها وكان غائبا، فلما أخبر حلف ألا ينتهي حتى يهريق في أصحاب محمد دما، فخرج يتتبع أثر رسول الله ﷺ ، فنزل رسول الله ﷺ منزلا فقال: من رجل يكلؤنا ليلتنا؟ فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار فقالا: نحن يا رسول الله، قال: وكونا بفم الشّعب، قال: وكان رسول الله ﷺ وأصحابه رضوان الله تعالى عنهم قد نزلوا إلى شعب من الوادي، وهما عمار بن ياسر وعبّاد بن بشر، فيما قال ابن هشام، فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب قال الأنصاري للمهاجري: أي الليل تحبّ أن أكفيكه أوله أم آخره؟ قال: بل اكفني أوله، قال: فاضطجع المهاجري فنام وقام الأنصاري يصلّي قال: وأتى الرجل، فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة القوم، قال:
فرمى بسهم فوضعه فيه قال: فانتزعه ووضعه وثبت قائما، قال: ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه، قال فنزعه ووضعه وثبت قائما، ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه قال:
فنزعه فوضعه ثم ركع وسجد، ثم أهبّ صاحبه فقال: اجلس فقد أثبتّ «٢» قال:
فوثب فلما رآهما الرجل عرف أنه قد نذرا به فهرب؛ قال: ولما رأى المهاجريّ ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله أفلا أهببتني أول ما رماك؟ قال: كنت في سورة أقرأها فلم أحبّ أن أقطعها حتى أنفدها، قال: فلما تابع عليّ الرمي ركعت فآذنتك، وأيم الله لولا أن أضيع ثغرا أمرني رسول الله ﷺ بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفدها. انتهى.
стр. 447
(٢) غزوة بني قريظة
: قال ابن إسحاق (٢: ٢٣٨) : وخرج في تلك الليلة- يعني الليلة التي نزل في صبيحتها بنو قريظة على حكم رسول الله ﷺ عمرو بن سعدى القرظي فمرّ بحرس رسول الله ﷺ وعليه محمد بن مسلمة تلك الليلة فلما رآه قال: من هذا؟ قال: أنا عمرو بن سعدى. وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله ﷺ فقال: لا أغدر بمحمد أبدا. فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمني [إقالة] «١» عثرات الكرام، فخلّى سبيله. فخرج على وجهه حتى بات في مسجد «٢» رسول الله ﷺ بالمدينة في تلك الليلة، ثم ذهب فلم يدر أين توجه من الأرض إلى يومه هذا. فذكر لرسول الله ﷺ «٣» فقال: ذاك رجل نجاه الله بوفائه.
(٣) غزوة الفتح
: روى البخاري (٥: ١٨٦) رحمه الله تعالى عن هشام بن عروة عن أبيه: لما سار رسول الله ﷺ عام الفتح فبلغ ذلك قريشا خرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله ﷺ ، فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مرّ الظهران، فإذا هم بنيران كنيران عرفة، فقال أبو سفيان: ما هذه؟ لكأنّها نيران عرفة. فقال بديل بن ورقاء: نيران بني عمرو، فقال أبو سفيان: عمرو أقل من ذلك. فرآهم ناس من حرس رسول الله ﷺ فأدركوهم فأخذوهم فأتوا بهم رسول الله ﷺ . انتهى.
فوائد لغوية في أربع مسائل:
الأولى: في «المعجم» (٦٦٤) اختلف في ذات الرقاع إحدى غزوات رسول الله
стр. 448
صلى الله عليه وسلم، فقال بعض أهل العلم: التقى القوم في أسفل أكمة ذات ألوان فهي ذات الرقاع.
قال محمد بن جرير: ذات الرقاع من نخل، قال: والجبل الذي سميت به هذه البقعة بذات الرقاع هو جبل فيه بياض وسواد.
قال ابن إسحاق (٢: ٤: ٢) ويقال: ذات الرقاع شجرة بذاك الموضع، قال:
ويقال: بل تقطّعت راياتهم فرقّعت، فبذلك سميت ذات الرقاع. وقال غيره: بل كانت راياتهم ملوّنة الرقاع.
والصحيح ما رواه البخاري (٥: ١٤٥) عن أبي موسى قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا ونقبت قدماي وسقطت أظفاري فكنا نلفّ على أرجلنا الرقاع، فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنّا نعصب من الخرق على أرجلنا.
الثانية: في «المعجم» (١٣٠٣) نخل، على جمع نخلة لا يجرى، قرية، قال ابن حبيب: على ليلتين من المدينة.
الثالثة: في «الصحاح» (١: ١٨٥) عاقبت الرجل في الراحلة: إذا ركبت أنت مرة وركب هو مرة.
الرابعة: قوله نقبت أقدامنا: أي رقّت، وأصله للبعير. قال الفارابي (٢: ٢٢٥) نقب البعير- بفتح النون وكسر القاف- ينقب بفتحها إذا رقّت أخفافه.
الفصل الرابع في ذكر أنسابهم وأخبارهم
رضي الله تعالى عنهم
١- عمار بن ياسر
رضي الله تعالى عنه: تقدم ذكره في باب المفتي فأغنى عن إعادته الآن.
٢- عباد بن بشر الأنصاري
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (٨٠١) :
стр. 449
عبّاد بن بشر بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل الأنصاري الأشهلي، يكنى أبا بشر، وقيل أبا الربيع، لا يختلفون أنه أسلم بالمدينة على يد مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه وذلك قبل إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير رضي الله تعالى عنهما، وشهد بدرا والمشاهد كلها، وكان من فضلاء الصحابة. وروى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم أن عصاه كانت تضيء له إذا كان يخرج من عند النبي ﷺ ليلا إلى بيته، وعرض له ذلك مرة مع أسيد بن الحضير فلما افترقا أضاءت لكلّ واحد منهما عصاه.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان في بني عبد الأشهل ثلاثة، لم يكن بعد النبي ﵇ من المسلمين أحد أفضل منهم: سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وعباد بن بشر.
وعن عائشة أيضا قالت: تهجّد رسول الله ﷺ في بيتي فسمع صوت عباد بن بشر فقال: يا عائشة صوت عباد بن بشر هذا؟ قلت: نعم، قال: اللهم اغفر له.
واستشهد عبّاد بن بشر يوم اليمامة، وكان له يومئذ بلاء وغناء، وهو ابن خمس وأربعين سنة.
٣- محمد بن مسلمة
رضي الله تعالى عنه: ثبت في باب المقيمين للحدود من الجزء الرابع من هذا الكتاب التعريف به فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
الفصل الخامس في ذكر حراسة الظهر
قال ابن إسحاق في «السير» (٢: ٥٣٧- ٥٣٩) رحمه الله تعالى: قدم رسول الله ﷺ المدينة من تبوك في رمضان، يعني من سنة تسع، قال: وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف وهم عبد ياليل بن عمرو،
стр. 450
والحكم بن عمرو بن وهب، وشرحبيل بن غيلان بن سلمة، وعثمان بن أبي العاصي بن بشر، وأوس بن عوف، ونمير بن خرشة. فخرج بهم عبد ياليل وهو ناب القوم وصاحب أمرهم، فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة ألفوا بها المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله ﷺ ، وكانت رعيتها نوبا على أصحاب رسول الله ﷺ ، فلما رآهم ترك الركاب عند الثّقفيّين وطفر يشتدّ ليبشّر رسول الله ﷺ بقدومهم عليه، فلقيه أبو بكر الصديق قبل أن يدخل على رسول الله ﷺ فأخبره عن ركب ثقيف أن قدموا يريدون البيعة والإسلام، وساق الحديث.
تنبيه:
قد تقدم ذكر نسب المغيرة بن شعبة وأخباره في باب الشهادة وكتب الشروط فأغنى ذلك عن إعادته.
فائدتان لغويتان:
الأولى: في «الصحاح» (٢: ٧٣٠) : الظهر: الركاب، وبنو فلان مظهرون: إذا كان لهم ظهر ينقلون عليه، كما يقال: منجبون إذا كانوا أصحاب نجائب. وفي «المشارق» (١: ٣٣٠) الظهر بفتح الظاء: هي دواب السفر التي تحمل عليها الأثقال من الإبل وغيرها، والجمع ظهران بالضم.
الثانية: خرشة بفتح الثلاث من أسماء الرجال؛ قاله الفارابي. وفي «الصحاح» (٣: ١٠٠٤) : الخرشة بالتحريك: ذبابة.
стр. 451
الباب الثالث والثلاثون في التجسس
وفيه فصلان
الفصل الأول في ذكر من بعثه رسول الله ﷺ متجسسا
روى مسلم (٢: ١٠١) رحمه الله تعالى عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: بعث رسول الله ﷺ بسيسة عينا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان، فجاء وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله ﷺ قال: لا أدري استثنى»
بعض نسائه، قال: فحدثه الحديث قال: فخرج رسول الله ﷺ فتكلم فقال: إن لنا طلبة، فمن كان ظهره حاضرا فليركب معنا. فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانهم في علو المدينة، فقال: لا، إلا من كان ظهره حاضرا. انتهى.
وقال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في «السّير» (١: ٦١٤) في غزوة بدر: وبعث رسول الله ﷺ بسيس «٢» بن عمرو الجهني حليف بني ساعدة وعديّ بن أبي الزّغباء «٣» الجهني حليف بني النجار إلى بدر يتجسسان له الأخبار عن أبي سفيان بن حرب وغيره.
وقال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٦١٤) في باب سعيد: قال
стр. 452
الواقدي: كان رسول الله ﷺ قد بعث قبل أن يخرج من المدينة إلى بدر طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى طريق الشام يتحسسان الأخبار، ثم رجعا إلى المدينة فقدماها يوم وقعة بدر، فضرب لهما رسول الله ﷺ بسهميهما وبأجريهما.
وبقول الواقدي قال الزبير في ذلك سواء.
وذكر ابن إسحاق رحمه الله تعالى في «السير» (٢: ٢٣١) أيضا في غزوة الخندق: أن رسول الله ﷺ بعث حذيفة بن اليمان ليلا لينظر ما فعل القوم- يعني قريشا وغطفان- وسيأتي ذلك مكملا في باب المخذل عند ذكر نعيم بن مسعود الأشجعي، رحمه الله تعالى.
وذكر أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في «الاستيعاب» (١٦٦) بسر بن سفيان الخزاعي، وقال: بعثه النبي ﷺ عينا إلى قريش إلى مكة، وشهد الحديبية. انتهى.
وقال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في «السير» (٢: ٤٣٧، ٤٣٩- ٤٤٠) في أخبار غزوة حنين: ولما سمعت هوازن برسول الله ﷺ وما فتح الله عليه من مكة، جمعها مالك بن عوف النّصري فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها، واجتمعت نصر وجشم كلّها، وسعد بن بكر وناس من بني هلال، وهم قليل، ولم يشهدها من قيس غيلان إلا هؤلاء ...
ولما سمع بهم رسول الله ﷺ بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم ثم يأتيه بخبرهم. فانطلق ابن أبي حدرد حتى دخل فيهم، فأقام فيهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله ﷺ وسمع من مالك وأمر هوازن ما هم عليه، ثم أقبل حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر.
انتهى.
стр. 453
فائدتان لغويتان:
الأولى: التجسس بالجيم، والتحسس بالحاء، قال القاضي في «المشارق» (١: ١٦٠) : قيل: هما بمعنى متقارب وهو البحث عن بواطن الأمور.
وقيل: الأولى التي بالجيم: إذا تجسس بالخبر والقول والسؤال عن عورات الناس وأسرارهم أو ما يعتقدونه أو يقولونه فيه أو في غيره. والثانية التي بالحاء إذا تولّى ذلك بنفسه وتسمّعه بأذنه. وقال ثعلب: بالجيم: إذا طلبه لغيره، وبالحاء إذا طلبه لنفسه. وقيل: التجسس بالجيم في الشر والتحسّس بالحاء في الخير.
الثانية: في «المحكم» (٢: ١٨٠) العين: الذي يبعث ليتحسس الخبر. وبعثنا عينا يعتاننا، ويعتان لنا أي يأتينا بالخبر.
الفصل الثاني في ذكر أنسابهم وأخبارهم
رضي الله تعالى عنهم
١- طلحة بن عبيد الله
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (٧٦٤) :
طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي، يكنى أبا محمد، يعرف بطلحة الخير، وطلحة الفياض. قال موسى بن عقبة وابن إسحاق عن ابن شهاب: لم يشهد طلحة بدرا وقدم من الشام بعد رجوع النبي ﷺ من بدر، فكلم رسول الله ﷺ في سهمه فقال له رسول الله ﷺ : لك سهمك، قال: وأجري يا رسول الله؟ قال: وأجرك. وقال الواقدي: بعث رسول الله ﷺ قبل أن يخرج من المدينة إلى بدر طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى طريق الشام يتحسسان الأخبار، ثم رجعا إلى المدينة فقدماها يوم وقعة بدر، فضرب لهما رسول الله ﷺ بسهميهما وأجريهما.
قال أبو عمر (٧٦٥) : شهد أحدا وما بعدها. قال الزبير وغيره: وأبلى طلحة
стр. 454
يوم أحد بلاء حسنا، ووقى رسول الله ﷺ بنفسه واتقى عنه النبل بيده حتى شلّت إصبعه وضرب الضربة في رأسه.
وروى البخاري (٥: ١٢٥) ﵀ عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة التي وقى بها رسول الله ﷺ قد شلّت.
قال أبو عمر (٧٦٥) ويروى أن رسول الله ﷺ نهض يوم أحد ليصعد صخرة وكان ظاهر بين درعين فلم يستطع النهوض، فاحتمله طلحة بن عبيد الله فأنهضه حتى استوى عليها، فقال رسول الله ﷺ : أوجب طلحة. ثم شهد طلحة المشاهد كلها، وشهد الحديبية، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة رضوان الله تعالى عنهم.
وروي أن رسول الله ﷺ نظر إليه فقال: من أحبّ أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة. ثم شهد طلحة بن عبيد الله الجمل محاربا لعليّ رضي الله تعالى عنهما فزعم بعض أهل العلم أن عليا دعاه فذكّره أشياء من سوابقه وفضله، فرجع طلحة عن قتاله على نحو ما صنع الزبير، فاعتزل في بعض الصفوف فرمي بسهم فقطع من رجله عرق النّساء، فلم يزل دمه ينزف حتى مات. ويقال إن السهم أصاب ثغرة نحره، ولا يختلف العلماء الثقات أن مروان قتل طلحة يومئذ وكان في حزبه.
وعن ابن سيرين قال: رمي طلحة بسهم فأصاب ثغرة نحره، قال: فأقرّ مروان أنّه رماه. وعن قيس بن أبي حازم قال: رمى مروان بن الحكم يوم الجمل طلحة رضي الله تعالى عنه بسهم في ركبته قال: فجعل الدم يسيل فإذا أمسكوه استمسك، وإذا أرسلوه سال: قال: فقال: دعوه، قال: وجعلوا إذا أمسكوا فم الجرح انتفخت ركبته، فقال: دعوه فإنما هو سهم أرسله الله، قال: فمات فدفنّاه على شاطىء الكلّاء.
قال أبو علي الغساني: الكلّاء: محبس السفن، ذكره أبو علي البغدادي في باب فعّال من «الممدود» .
стр. 455
رجع: فرأى بعض أهله أنه أتاه في المنام فقال: ألا تريحني من هذا الماء فإني قد غرقت- ثلاث مرات يقولها- قال: فنبشوه فإذا هو أخضر كأنه السلق، فنزفوا عنه الماء ثم استخرجوه، فإذا ما يلي الأرض من لحيته ووجهه قد أكلته الأرض، فاشتروا له دارا من دور آل أبي بكرة بعشرة آلاف فدفنوه فيها.
(٧٧٠) وقتل رحمه الله تعالى ورضي عنه يوم الجمل، وكانت وقعة الجمل لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، وهو ابن ستين سنة، وقيل ابن اثنتين وستين، وقيل كانت سنة يوم قتل خمسا وسبعين سنة، وما أظنّ ذلك.
٢- سعيد بن زيد
رضي الله تعالى عنه: قال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٦١٤) : سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزّى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عديّ بن كعب بن لؤي القرشي العدوي ويكنى أبا الأعور، وهو ابن عم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، كانت تحته فاطمة بنت الخطاب أخت عمر بن الخطاب، وكانت أخته عاتكة بنت زيد بن عمرو تحت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم، وكان سعيد رضي الله تعالى عنه من المهاجرين الأولين، وكان إسلامه قديما قبل عمر، وهاجر هو وامرأته فاطمة بنت الخطاب، ولم يشهد بدرا لأنه كان غائبا بالشام، قدم منها بعقب غزاة بدر، فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره. فقصته أشبه القصص بقصة طلحة بن عبيد الله.
وقد تقدم عند ذكر طلحة بن عبيد الله قول الواقدي: إن رسول الله ﷺ كان قد بعث قبل أن يخرج من المدينة إلى بدر طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى طريق الشام يتحسسان الأخبار ثم رجعا إلى المدينة فقدماها يوم وقعة بدر، فضرب لهما رسول الله ﷺ بسهميهما وأجريهما «١» .
стр. 456
وقد قيل إنه شهد بدرا وشهد ما بعدها من المشاهد، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة رضوان الله تعالى عليه.
وذكر أبو عمر ابن عبد البر (٦١٩) قصته مع أروى بنت أويس ودعاءه عليها لما تظلمت منه بما لم يفعل وإجابة دعوته عليها من طرق مختلفة فجمعت معانيها:
قال أبو عمر بسنده عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم «١» قال: جاءت أروى بنت أويس إلى محمد بن عمرو بن حزم بن محمد فقالت له: يا أبا عبد الملك إن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بني ضفيرة في حقي، فأته فكلّمه فلينزع عن حقي، فوالله لئن لم يفعل لأصيحنّ به في مسجد رسول الله ﷺ ، فقال لها: لا تؤذي صاحب رسول الله ﷺ فما كان ليظلمك ولا يأخذ لك حقا.
(٦١٨) وبسنده عن العلاء بن عبد الرّحمن عن أبيه: أن أروى بنت أويس استعدت مروان بن الحكم على سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنه في أرضه بالشجرة، فقال سعيد: كيف أظلمها، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ظلم من الأرض شبرا طوّقه يوم القيامة من سبع أرضين. وأوجب عليه مروان اليمين، فترك سعيد رضي الله تعالى عنه لها ما ادّعت وقال: اللهم إن كانت كاذبة فلا تمتها حتى تذهب بصرها، وتجعل قبرها في بئر. فهدمت الضفيرة وبنت بنيانا، فعميت أروى، وجاء سيل فأبدى ضفيرتها، فرأوا حقّها خارجا من حق سعيد، فجاء سعيد إلى مروان فقال: أقسمت عليك لتركبنّ معي وتنظرن إلى ضفيرتها، فركب معه مروان وركب ناس معهما حتى نظروا إليها. ثم إن أروى خرجت في بعض حاجتها بعد ما عميت فوقعت في البئر فماتت. قال: وكان أهل المدينة يدعو بعضهم على بعض يقولون: أعماك الله كما أعمى أروى، ثم صار أهل الجهل يقولون: أعماك الله كما أعمى الأروى، يريدون الأروى التي في الجبل يظنونها ويقولون إنها عمياء، وهذا جهل منهم.
стр. 457
توفي سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنهم بأرضه بالعقيق، ودفن بالمدينة في أيام معاوية سنة خمسين أو إحدى وخمسين، وهو ابن بضع وسبعين.
٣- بسيسة:
قال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى في «المشارق» (١: ١١٢) : بسيسة بضم الباء وفتح السين المهملة مصغر كذا في جميع النسخ، والمعروف في اسمه: بسبس بباءين بواحدة فيهما مفتوحتين، وسينين مهملتين الأولى ساكنة، قال: وكذا ذكره ابن إسحاق وابن هشام وغيرهما، وكذا جاء عند بعض رواة مسلم لكن بزيادة هاء بسبسة. انتهى.
بسبس بن عمرو الجهني رضي الله تعالى عنه حليف بني ساعدة، هكذا قال ابن إسحاق حسبما تقدم.
وقال أبو عمر ابن عبد البر (١٩٠) رحمه الله تعالى: بسبس بن عمرو بن ثعلبة بن خرشة بن عمرو بن سعد بن ذبيان الذبياني ثم الأنصاري حليف لبني طريف بن الخزرج، قال: ويقال بسبس بن بشر حليف للأنصار، شهد بدرا، وهو الذي بعثه رسول الله ﷺ مع عدي بن أبي الزّغباء ليعلما علم عير أبي سفيان بن حرب، ولبسبس هذا يقول الراجز:
أقم لها صدورها يا بسبس
انتهى.
قال ابن هشام في «السير» (١: ٦٤٣) : هذا الراجز هو عدي بن أبي الزغباء، قاله حين أقبل رسول الله ﷺ قافلا من غزوة بدر، ووصله بأشطار وهي «١» : [من الرجز]
أقم لها صدورها يا بسبس ... ليس بذي الطّلح لها معرّس
ولا بصحراء غمير محبس ... إن مطايا القوم لا تحبّس
فحملها على الطريق أكيس ... قد نصر الله وفرّ الأخنس
«٢»
стр. 458
٤- عدي بن الزغباء
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (١٠٥٩) عدي بن الزغباء. ويقال ابن أبي الزغباء، واسم أبي الزغباء سنان بن سبيع بن ثعلبة الجهني من جهينة: حليف بني النجار من الأنصار. قال موسى بن عقبة:
عدي بن أبي الزغباء حليف لبني مالك بن النجار من جهينة شهد بدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ ، وهو الذي بعثه رسول الله ﷺ عينا مع بسبس بن عمرو الجهني يتحسسان له عير أبي سفيان بن حرب في قصة بدر. انتهى.
٥- حذيفة بن اليمان
رضي الله تعالى عنه: تقدم ذكره في باب كاتب الجيش.
٦- بسر بن سفيان الخزاعي
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (١٦٦) بسر بن سفيان بن عمرو بن عويمر الخزاعي، أسلم سنة ست من الهجرة، وبعثه النبي ﷺ عينا إلى قريش إلى مكة وشهد الحديبية، وهو المذكور في حديث الحديبية من رواية الزهري عن عروة عن المسور ومروان وقوله فيه:
حتى إذا كان بغدير الأشطاط لقيه عينه الخزاعيّ فأخبره خبر قريش وجموعهم قالوا:
هو بسر بن سفيان هذا. انتهى.
وفي «السير» (٢: ٣٠٩) لابن إسحاق في قصة الحديبية قال: ثم خرج رسول الله ﷺ في ذي القعدة من سنة ست معتمرا لا يريد حربا، حتى إذا كان بعسفان لقيه بسر بن سفيان الكعبيّ فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك معهم العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا، وساق الحديث.
٧- عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (٨٨٧) : عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، يكنى أبا محمد، واسم أبي حدرد سلامة بن عمير بن أبي سلامة بن هوازن بن أسلم، وقيل عبيد بن عمير بن أبي سلامة بن سعد من ولد هوازن بن أسلم. أول مشاهد عبد الله هذا الحديبية ثم خيبر وما بعدها، وكان من وجوه أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم
стр. 459
وممن كان يؤمّره على السرايا، وأنكر بعضهم أن تكون له صحبة لروايته عن أبيه، قال أبو عمر: وذلك ليس بشيء، وقد روى ابن عمر وغيره عن النبي ﷺ ، وعن أبيه عن النبي ﷺ . ويعد عبد الله بن أبي حدرد في أهل المدينة، وتوفي سنة إحدى وسبعين وهو ابن إحدى وثمانين سنة في زمن مصعب بن الزبير. انتهى.
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
الأولى: في «المشارق» (٢: ١٤٣) غدير الأشطاط بفتح الهمزة وإسكان الشين بعدها طاء مهملة وألف وطاء أخرى وهو تلقاء المدينة.
الثانية: في «المشارق» (٢: ١٠٥) العوذ المطافيل بضمّ العين: هي النوق بفصلانها، وقيل النساء مع الأولاد، وأصله الناقة لأول ما تضع حتى يقوى ولدها، وهي كالنفساء من النساء. والمطافيل: ذوات الأطفال، وهم صغار البنين. وقال الخليل: العوذ واحدها عائذ وهي كل أنثى لها سبع ليال منذ ولدت.
قلت: وذاله معجمة من «الصحاح» (٢: ٥٦٧) وغيرها.
الثالثة: قال أبو ذر الخشني في «غريب السيرة» (٢: ٣٣٩) : قوله قد لبسوا جلود النمور: النمور: جمع نمر، وهو ضرب من السباع، وهو مثل يكنى به عن إظهار العداوة، يقال للرجل الذي يظهر العداوة والتنكر: قد لبس لي جلد النمر «١» .
стр. 460
الباب الرابع والثلاثون في الرجل يتّخذ في بلد العدوّ عينا يكتب بأخبارهم إلى الإمام
في «الاستيعاب» (٨١٢) في أخبار العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ ، قال أبو عمر: أسلم العباس قبل فتح خيبر، وكان يكتم إسلامه، ويقال إن إسلامه كان قبل بدر وكان يكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله ﷺ ، فكتب إليه رسول الله ﷺ : إنّ مقامك بمكة خير فلذلك قال رسول الله ﷺ : من لقي منكم العباس فلا يقتله فإنما أخرج كرها. وقد تقدم ذكر هذا في باب السقاية «١» مع سائر أخباره رضي الله تعالى عنه.