وقد قيل إنه شهد بدرا وشهد ما بعدها من المشاهد، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة رضوان الله تعالى عليه.
وذكر أبو عمر ابن عبد البر (٦١٩) قصته مع أروى بنت أويس ودعاءه عليها لما تظلمت منه بما لم يفعل وإجابة دعوته عليها من طرق مختلفة فجمعت معانيها:
قال أبو عمر بسنده عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم «١» قال: جاءت أروى بنت أويس إلى محمد بن عمرو بن حزم بن محمد فقالت له: يا أبا عبد الملك إن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بني ضفيرة في حقي، فأته فكلّمه فلينزع عن حقي، فوالله لئن لم يفعل لأصيحنّ به في مسجد رسول الله ﷺ ، فقال لها: لا تؤذي صاحب رسول الله ﷺ فما كان ليظلمك ولا يأخذ لك حقا.
(٦١٨) وبسنده عن العلاء بن عبد الرّحمن عن أبيه: أن أروى بنت أويس استعدت مروان بن الحكم على سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنه في أرضه بالشجرة، فقال سعيد: كيف أظلمها، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ظلم من الأرض شبرا طوّقه يوم القيامة من سبع أرضين. وأوجب عليه مروان اليمين، فترك سعيد رضي الله تعالى عنه لها ما ادّعت وقال: اللهم إن كانت كاذبة فلا تمتها حتى تذهب بصرها، وتجعل قبرها في بئر. فهدمت الضفيرة وبنت بنيانا، فعميت أروى، وجاء سيل فأبدى ضفيرتها، فرأوا حقّها خارجا من حق سعيد، فجاء سعيد إلى مروان فقال: أقسمت عليك لتركبنّ معي وتنظرن إلى ضفيرتها، فركب معه مروان وركب ناس معهما حتى نظروا إليها. ثم إن أروى خرجت في بعض حاجتها بعد ما عميت فوقعت في البئر فماتت. قال: وكان أهل المدينة يدعو بعضهم على بعض يقولون: أعماك الله كما أعمى أروى، ثم صار أهل الجهل يقولون: أعماك الله كما أعمى الأروى، يريدون الأروى التي في الجبل يظنونها ويقولون إنها عمياء، وهذا جهل منهم.
стр. 457
توفي سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنهم بأرضه بالعقيق، ودفن بالمدينة في أيام معاوية سنة خمسين أو إحدى وخمسين، وهو ابن بضع وسبعين.
٣- بسيسة:
قال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى في «المشارق» (١: ١١٢) : بسيسة بضم الباء وفتح السين المهملة مصغر كذا في جميع النسخ، والمعروف في اسمه: بسبس بباءين بواحدة فيهما مفتوحتين، وسينين مهملتين الأولى ساكنة، قال: وكذا ذكره ابن إسحاق وابن هشام وغيرهما، وكذا جاء عند بعض رواة مسلم لكن بزيادة هاء بسبسة. انتهى.
بسبس بن عمرو الجهني رضي الله تعالى عنه حليف بني ساعدة، هكذا قال ابن إسحاق حسبما تقدم.
وقال أبو عمر ابن عبد البر (١٩٠) رحمه الله تعالى: بسبس بن عمرو بن ثعلبة بن خرشة بن عمرو بن سعد بن ذبيان الذبياني ثم الأنصاري حليف لبني طريف بن الخزرج، قال: ويقال بسبس بن بشر حليف للأنصار، شهد بدرا، وهو الذي بعثه رسول الله ﷺ مع عدي بن أبي الزّغباء ليعلما علم عير أبي سفيان بن حرب، ولبسبس هذا يقول الراجز:
أقم لها صدورها يا بسبس
انتهى.
قال ابن هشام في «السير» (١: ٦٤٣) : هذا الراجز هو عدي بن أبي الزغباء، قاله حين أقبل رسول الله ﷺ قافلا من غزوة بدر، ووصله بأشطار وهي «١» : [من الرجز]
أقم لها صدورها يا بسبس ... ليس بذي الطّلح لها معرّس
ولا بصحراء غمير محبس ... إن مطايا القوم لا تحبّس
فحملها على الطريق أكيس ... قد نصر الله وفرّ الأخنس
«٢»
стр. 458
٤- عدي بن الزغباء
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (١٠٥٩) عدي بن الزغباء. ويقال ابن أبي الزغباء، واسم أبي الزغباء سنان بن سبيع بن ثعلبة الجهني من جهينة: حليف بني النجار من الأنصار. قال موسى بن عقبة:
عدي بن أبي الزغباء حليف لبني مالك بن النجار من جهينة شهد بدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ ، وهو الذي بعثه رسول الله ﷺ عينا مع بسبس بن عمرو الجهني يتحسسان له عير أبي سفيان بن حرب في قصة بدر. انتهى.
٥- حذيفة بن اليمان
رضي الله تعالى عنه: تقدم ذكره في باب كاتب الجيش.
٦- بسر بن سفيان الخزاعي
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (١٦٦) بسر بن سفيان بن عمرو بن عويمر الخزاعي، أسلم سنة ست من الهجرة، وبعثه النبي ﷺ عينا إلى قريش إلى مكة وشهد الحديبية، وهو المذكور في حديث الحديبية من رواية الزهري عن عروة عن المسور ومروان وقوله فيه:
حتى إذا كان بغدير الأشطاط لقيه عينه الخزاعيّ فأخبره خبر قريش وجموعهم قالوا:
هو بسر بن سفيان هذا. انتهى.
وفي «السير» (٢: ٣٠٩) لابن إسحاق في قصة الحديبية قال: ثم خرج رسول الله ﷺ في ذي القعدة من سنة ست معتمرا لا يريد حربا، حتى إذا كان بعسفان لقيه بسر بن سفيان الكعبيّ فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك معهم العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا، وساق الحديث.
٧- عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (٨٨٧) : عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، يكنى أبا محمد، واسم أبي حدرد سلامة بن عمير بن أبي سلامة بن هوازن بن أسلم، وقيل عبيد بن عمير بن أبي سلامة بن سعد من ولد هوازن بن أسلم. أول مشاهد عبد الله هذا الحديبية ثم خيبر وما بعدها، وكان من وجوه أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم
стр. 459
وممن كان يؤمّره على السرايا، وأنكر بعضهم أن تكون له صحبة لروايته عن أبيه، قال أبو عمر: وذلك ليس بشيء، وقد روى ابن عمر وغيره عن النبي ﷺ ، وعن أبيه عن النبي ﷺ . ويعد عبد الله بن أبي حدرد في أهل المدينة، وتوفي سنة إحدى وسبعين وهو ابن إحدى وثمانين سنة في زمن مصعب بن الزبير. انتهى.
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
الأولى: في «المشارق» (٢: ١٤٣) غدير الأشطاط بفتح الهمزة وإسكان الشين بعدها طاء مهملة وألف وطاء أخرى وهو تلقاء المدينة.
الثانية: في «المشارق» (٢: ١٠٥) العوذ المطافيل بضمّ العين: هي النوق بفصلانها، وقيل النساء مع الأولاد، وأصله الناقة لأول ما تضع حتى يقوى ولدها، وهي كالنفساء من النساء. والمطافيل: ذوات الأطفال، وهم صغار البنين. وقال الخليل: العوذ واحدها عائذ وهي كل أنثى لها سبع ليال منذ ولدت.
قلت: وذاله معجمة من «الصحاح» (٢: ٥٦٧) وغيرها.
الثالثة: قال أبو ذر الخشني في «غريب السيرة» (٢: ٣٣٩) : قوله قد لبسوا جلود النمور: النمور: جمع نمر، وهو ضرب من السباع، وهو مثل يكنى به عن إظهار العداوة، يقال للرجل الذي يظهر العداوة والتنكر: قد لبس لي جلد النمر «١» .
стр. 460
الباب الرابع والثلاثون في الرجل يتّخذ في بلد العدوّ عينا يكتب بأخبارهم إلى الإمام
في «الاستيعاب» (٨١٢) في أخبار العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ ، قال أبو عمر: أسلم العباس قبل فتح خيبر، وكان يكتم إسلامه، ويقال إن إسلامه كان قبل بدر وكان يكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله ﷺ ، فكتب إليه رسول الله ﷺ : إنّ مقامك بمكة خير فلذلك قال رسول الله ﷺ : من لقي منكم العباس فلا يقتله فإنما أخرج كرها. وقد تقدم ذكر هذا في باب السقاية «١» مع سائر أخباره رضي الله تعالى عنه.
стр. 461
الباب الخامس والثلاثون في المخذّل
وفيه فصلان
الفصل الأول في ذكر من بعثه رسول الله ﷺ لذلك
، وهو
نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي
رضي الله تعالى عنه وذكر نسبه وأخباره قال ابن حزم رحمه الله تعالى في «الجماهر» (٢٥٠) : هو نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن حلاوة «١» بن سبيع بن أشجع بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان، له صحبة وهو الذي شتّت جموع الأحزاب رضي الله تعالى عنه. وخالف ابن إسحاق ابن حزم في نسبه فقال: قنفذ بن هلال بن حلاوة، فزاد هلالا، وقال: حلاوة بن أشجع فنقص سبيعا.
وقال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في «الاستيعاب» (١٥٠٨) : نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي، هاجر إلى رسول الله ﷺ وأسلم في الخندق وهو الذي خذّل المشركين وبني قريظة حتى صرف الله كيدهم، ثم أرسل عليهم ريحا وجنودا لم تر. وخبره في تخذيل بني قريظة والمشركين في السير عجيب ... سكن المدينة، ومات في خلافة عثمان، وقيل بل قتل في الجمل الأول قبل قدوم علي رضي الله تعالى عنه مع مجاشع بن مسعود السّلمي وحكيم بن جبلة.
стр. 462
تنبيه:
كان مجاشع بن مسعود مع أهل الجمل، وانحاز عنهم حكيم بن جبلة في نصر عثمان بن حنيف عامل عليّ رضي الله تعالى عنه على البصرة، فوقعت بينهم حرب قتل فيها من الفريقين قتلى، فذلك اليوم هو الذي أراد أبو عمر بقوله في الجمل الأول، قاله ابن الأثير في تاريخه.
وقال: حكيم بن جبلة- بضم الحاء وفتح الكاف- وقيل بفتح الحاء وكسر الكاف.
فائدة لغوية:
الجوهري (٤: ١٦٨٣) خذّل عنه أصحابه تخذيلا: أي حملهم على خذلانه، وتخاذلوا: أي خذل بعضهم بعضا.
الفارابي (٢: ١٢٨) خذل بفتح الخاء في الماضي يخذل بضمها في المستقبل خذلانا، والخذلان ضدّ النصر.
الفصل الثاني في ذكر خبره رضي الله تعالى عنه في تخذيل بني قريظة والمشركين
قال ابن إسحاق (٢: ٢٢٩- ٢٣٣) : ثم إنّ نعيم بن مسعود الأشجعي أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت، فقال رسول الله ﷺ : إنما أنت فينا رجل واحد فخذّل عنّا إن استطعت فإن الحرب خدعة. فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة وكان لهم نديما في الجاهلية، فقال: يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت لست عندنا بمتّهم، فقال لهم: إنّ قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تحوّلوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره فليسوا كأنتم، فإن رأوا نهزة
стр. 463
أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلّوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، فلا طاقة لكم به إن خلا لكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا حتى تناجزوه، فقالوا: أشرت بالرأي، ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان ومن معه من رجالهم: قد عرفتم ودّي لكم وفراقي محمدا، وأنه قد بلغني أمر رأيت عليّ حقا أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا عني، قالوا: نفعل، قال: تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: إنّا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم: نعم، فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا؛ ثم خرج حتى أتى غطفان فقال:
يا معشر غطفان إنكم أصلي وعشيرتي، وأحبّ الناس إليّ ولا أراكم تتهموني قالوا:
صدقت ما أنت عندنا بمتّهم، قال: اكتموا عني، قالوا: نفعل، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذّرهم ما حذرهم. فلما كانت ليلة السبت، وكان ذلك من صنع الله لرسوله، أرسل أبو سفيان بن حرب ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخفّ والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه، فأرسلوا إليهم: إن اليوم يوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا، فإنا نخشى إن ضرّستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلدنا ولا طاقة لنا بذلك منه، فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: والله إن الذي حدثكم به نعيم بن مسعود لحقّ، فأرسلوا إلى بني قريظة إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقالت بنو قريظة حين أنهت إليهم الرسل بهذا: إنّ الذي ذكر لكم نعيم بن
стр. 464
مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم وخلّوا بينكم وبين الرجل في بلدكم، فأرسلوا إلى قريش وغطفان إنّا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا فأبوا عليهم، وخذّل الله تعالى بينهم، وبعث عليهم الريح في ليال شاتية شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم، وتطرح آنيتهم، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ ما اختلف من أمرهم، وما فرق الله من جماعتهم دعا حذيفة بن اليمان فبعثه ليلا لينظر ما فعل القوم.
فحدث حذيفة رحمه الله تعالى ورضي عنه وقد قال له رجل من أهل الكوفة:
يا أبا عبد الله أرأيتم رسول الله وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي، قال: فكيف كنتم تصنعنون؟ قال: والله لقد كنا نجهد، قال الرجل: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحمناه على أعناقنا، فقال حذيفة: يا ابن أخي لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ بالخندق، وصلّى هويّا من الليل ثم التفت إلينا فقال: من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع؟ - يشترط له رسول الله ﷺ الرجعة- أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة، فما قام رجل من القوم من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد؛ فلما لم يقم أحد دعاني، فلم يكن لي بدّ من القيام حين دعاني، فقال: يا حذيفة، اذهب فادخل في القوم فانظر ما يفعلون، ولا تحدثنّ شيئا حتى تأتينا، فذهبت فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقرّ لهم قدرا ولا نارا ولا بناء، فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه، قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي إلى جنبي فقلت: من أنت؟ فقال: فلان بن فلان، وذكر ابن عقبة أنه فعل ذلك بمن يلي جانبيه يمينا ويسارا، قال: وبدرهم المسألة خشية أن يفطنوا له. قال حذيفة: ثم قال أبو سفيان:
يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، هلك الكراع والخفّ، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب على ثلاث، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم،
стр. 465
ولولا عهد رسول الله ﷺ إليّ أن لا تحدث شيئا حتى تأتيني، ثم شئت، لقتلته بسهم. فرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه، فلما رآني أدخلني إلى رجليه وطرح عليّ طرف المرط ثم ركع وسجد وإني لفيه، فلما سلّم أخبرته الخبر. وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلدهم، ولما أصبح رسول الله ﷺ انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة والمسلمون معه.
فوائد لغوية في أربع مسائل:
الأولى: قوله ﵇: الحرب خدعة: حكى القاضي في «المشارق» (١: ٢٣١) فيها أربع لغات فتح الخاء وسكون الدال. قال أبو ذر: وهي لغة النبي ﷺ . والثانية: بضم الخاء وسكون الدال أيضا.
والثالثة: ضم الخاء وفتح الدال. والرابعة: فتحهما معا. وقال: من قال خدعة بفتح الحاء وسكون الدال، أي ينقضي أمرها بخدعة واحدة، أي من خدع فيها خدعة زلّت قدمه ولم يقل، فلا يؤمن شرّها وليتحفظ من مثل هذا، ومن قاله بضم أولها وسكون ثانيها فمعناها: أنها تخدع أي أهل الحرب ومباشريها، ومن قال بضم الأول وفتح الثاني فمعناه: أنها تخدع من اطمأنّ إليها، وأن أهلها كذلك، ومن فتحهما فخدعة جمع خادع أي أهلها بهذه الصفة فحذف أهلها وأقام الحرب مقامهم كما قال تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ.
الثانية: قال الخشني (٢: ٣٠٥) : ضرّستكم الحرب، أي نالت منكم كما يصيب ذو الأضراس بأضراسه.
الثالثة: قال الخشني (٢: ٣٠٥) : تنشمروا: تنقبضوا وتسرعوا إلى بلادكم.
الرابعة: في «المحكم» : مضى هويّ من الليل وتهواء أي ساعة منه؛ وفي «الديوان» (٤: ٥٦) : على وزن سويّ بفتح الهاء.
стр. 466
الباب السادس والثلاثون في صانع السفن وأول من صنع السفينة «١»
قال القاضي محمد بن سلامة القضاعي في «كتاب الأنباء» في أخبار نوح ﵇: أوحى الله تعالى إلى نوح ﵇ بعمل السفينة فكانت من الساج طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعا، وارتفاعها ثلاثون ذراعا، وبابها في عرضها ثلاث طبقات: طبقة فيها الدواب، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطيور.
واختلف في عدد من ركب معه، فقال ابن عباس: ثمانون رجلا: يعني نفسه وبنيه ثلاثة: سام وحام ويافث، وكنائنه ثلاثا وثلاثة وسبعين من ولد شيث آمنوا به. وقال قتادة:
ثمانية هو وبنوه وكنائنه وزوجه، وقال الأعمش: سبع عشرة ولم يذكر زوجته، وقال ابن إسحاق: عشرة، وقال وهب: استقلت السفينة في عشر خلت من رجب، فكانت في الماء مائة وخمسين يوما، ثم استقرت على الجودي- جبل بالجزيرة- شهرا، وخرج إلى الأرض في اليوم العاشر من المحرم، وابتنى قرية بأرض الجزيرة تسمى سوق ثمانين.
وفي كتاب «نفحة الحدائق» : قال أبو عمر ابن عبد البر: روينا عن الهيثم بن عدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان جمع الناس حين خرجوا من السفينة ببابل فنزلوا سوق ثمانين من الجزيرة، وابتنى كلّ واحد منهم بيتا، وكانوا ثمانين رجلا وبهم سمّي سوق ثمانين.
стр. 467
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
الأولى: في «الصحاح» (٥: ٢١٣٥) : السّفن: ما ينحت به الشيء والمسفن مثله، وقال: [من البسيط]
وأنت في كفك المبراة والسّفن «١»
يقول إنك نجّار، وسفنت الشيء سفنا: قشرت، والسفين جمع سفينة. قال ابن دريد: سفينة فعيلة بمعنى فاعلة كأنّها تسفن الماء أي تقشره.
وفي «الأفعال» لابن القوطية (١: ١٣٦) : سفن الشيء على غيره: جرّه «٢» ، ومنه السفينة. قلت: ويحتمل أن تكون سميت سفينة لأنها تسفن بالمسفن أي تنحت.
وفي «المحكم» : السّفّان صانع السّفن وسائسها، وحرفته السّفانة، وجمع السفينة:
سفائن، وسفن، وسفين.
الثانية: في «الصحاح» (١: ٣٢٣) : الساج ضرب من الخشب، زاد في «المشارق» (٢: ٢٢٩) : يؤتى به من الهند.
الثالثة: في «الصحاح» (٥: ١٨٠٤) : استقلت السماء: ارتفعت، واستقل القوم: مضوا وارتحلوا.
стр. 468
الباب السابع والثلاثون في استعمال السفن
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول في ذكر ما استعمل منها في زمن رسول الله ﷺ وشرّف وكرم
١- سفينتا جعفر بن أبي طالب
رضي الله تعالى عنه:
في «الاستيعاب» «١» : قال الواقدي رحمه الله تعالى: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري رضي الله تعالى عنه في سنة ست إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام فأسلم النجاشي رضي الله تعالى عنه وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قال: وأرسل إليه رسول الله ﷺ ليزوجه أمّ حبيبة بنت أبي سفيان ويبعث بها إليه ويحمل من عنده من المسلمين ففعل. انتهى.
وقال ابن إسحاق في «السير» (٢: ٣٥٩) : كان من أقام بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ حتى بعث فيهم رسول الله ﷺ إلى النجاشي عمرو بن أميّة الضّمريّ رضي الله تعالى عنه وحملهم في سفينتين فقدم بهم عليه وهو بخيبر بعد الحديبية، ستة عشر رجلا، منهم جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وسماهم وذكر معهم من أبنائهم ونسائهم عشرة.
стр. 469
قال: وقد كان حمل معهم النجاشي في السفينتين نساء من هلك هنالك من المسلمين.
وقال ابن هشام (٢: ٣٥٩) عن الشعبي: إن جعفر بن أبي طالب قدم على رسول الله ﷺ يوم فتح خيبر، فقبّل رسول الله ﷺ بين عينيه والتزمه وقال: ما أدري بأيهما أنا أسرّ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر. انتهى.
٢- سفينة الأشعريين أبي موسى وإخوانه وقومهم
رضي الله تعالى عنهم:
روى البخاري (٤: ١١٠) «١» رحمه الله تعالى عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: بلغنا مخرج النّبيّ ﷺ ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي، أنا أصغرهم أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم، إمّا قال: في بضع وإمّا قال في ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلا من قومي، فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشيّ بالحبشة، ووافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده، فقال جعفر: إن رسول الله ﷺ بعثنا ها هنا وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا، فوافقنا النبيّ ﷺ حين افتتح خيبر، فأسهم لنا، أو قال: فأعطانا منها، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئا إلا لمن شهد معه إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قسم له معهم. انتهى.
٣- سفن غير معينة:
روى مالك رحمه الله تعالى في «الموطأ» (٢٦) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنّا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : هو الطهور ماؤه الحل ميته.
стр. 470
فائدة لغوية:
في «الغريبين» البضع من الشيء: القطعة منه، والعرب تستعمل ذلك فيما بين الثلاث إلى التسع، والبضع والبضعة واحد، ومعناهما: القطعة من العدد. وفي «الصحاح» (٣: ١١٨٦) : بضع في العدد بكسر الباء، وبعض العرب يفتحها:
وهو ما بين الثلاث إلى التسع، تقول: بضع سنين، وبضعة عشر رجلا، وبضع عشرة امرأة، فإذا جاوزت لفظ العشر ذهب البضع لا تقول: بضع وعشرون. انتهى.
قلت: قد جاء ذلك في الحديث الذي قبل هذا من تخريج البخاري في خبر أبي موسى.
وقال القاضي في «المشارق» (١: ٩٦) قوله: بضعا وخمسين سورة، وبضعا وثلاثين ملكا: بكسر الباء، فقيل: البضع والبضعة، وقيل: بفتحهما أيضا ما بين ثلاثة إلى عشرة.
الفصل الثاني في ذكر أنسابهم وأخبارهم
رضي الله تعالى عنهم
١- عمرو بن أمية الضمري
رضي الله تعالى عنه: تقدم ذكره في باب الوكيل في الجزء الرابع من هذا الكتاب فأغنى عن إعادته.
٢- جعفر بن أبي طالب
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (٢٤٢) :
جعفر بن أبي طالب. يكنى أبا عبد الله، واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم. كان جعفر أشبه الناس خلقا وخلقا برسول الله ﷺ .
(٢٤٣) وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال لجعفر: أشبهت خلقي وخلقي يا جعفر.
(٢٤٢) وكان جعفر أكبر من علي رضي الله تعالى عنهما بعشر سنين، وكان عقيل أكبر من جعفر بعشر سنين، وكان طالب أكبر من عقيل بعشر سنين، وكان
стр. 471
جعفر من المهاجرين الأولين هاجر إلى أرض الحبشة، وقدم منها على رسول الله ﷺ حين فتح خيبر فتلقاه النبي ﷺ واعتنقه وقال:
ما أدري بأيهما أنا أشد فرحا بقدوم جعفر أبو بفتح خيبر. وكان قدوم جعفر وأصحابه من أرض الحبشة في السنة السابعة من الهجرة، واختط له رسول الله ﷺ إلى جنب المسجد.
ثم غزا غزوة مؤتة، وذلك في سنة ثمان من الهجرة، فقتل فيها، قاتل فيها رضي الله تعالى عنه حتى قطعت يداه جميعا، ثم قتل، فقال رسول الله ﷺ : إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء، فمن هنالك قيل له: جعفر ذو الجناحين.
(٢٤٣) روينا عن ابن عمر أنه قال: وجدنا ما بين صدر جعفر بن أبي طالب ومنكبيه وما أقبل منه تسعين جراحة ما بين ضربة بالسيف وطعنة بالرمح، وقد روي أربع وخمسون جراحة، والأول أثبت. ولما أتى النبيّ ﷺ نعي جعفر أتى امرأته أسماء بنت عميس فعزاها في زوجها جعفر، ودخلت فاطمة وهي تبكي وتقول: واعماه، فقال رسول الله ﷺ : على مثل جعفر فلتبك البواكي.
وعن ابن المسيب قال، قال رسول الله ﷺ : مثّل لي جعفر وزيد وابن رواحة في خيمة من درّ، كلّ واحد منهم على سرير، فرأيت زيدا وابن رواحة في أعناقهما صدود، ورأيت جعفرا مستقيما ليس فيه صدود، قال: فسألت، أو قيل لي: إنهما حين غشيهما الموت أعرضا أو كأنهما صدّا بوجههما وأما جعفر فلا. وجعفر أول من عرقب فرسا في سبيل الله نزل يوم مؤتة إذ رأى الغلبة فقاتل حتى قتل.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا وطىء التراب بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر.
стр. 472
قال الزبير بن بكار: كانت سن جعفر بن أبي طالب يوم قتل إحدى وأربعين سنة. انتهى.
فائدتان لغويتان:
الأولى: مؤتة التي استشهد بها جعفر رضي الله تعالى عنه في «المشارق» (١: ٣٩٥) «١» : بضم الميم وسكون الهمز وفتح التاء باثنتين من فوق؛ قاله الفراء وثعلب: موضع بالشام، حيث استشهد جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وابن رواحة ومن قتل معهم من المسلمين، وأكثر الرواة يقولونه بغير همز.
الثانية: في «الصحاح» (٦: ٢٥١٢) : النّعي خبر الموت، يقال: نعاه له نعيا ونعيانا بالضم، وكذلك النعيّ على فعيل، يقال: جاء نعيّ فلان، والنعيّ أيضا:
الناعي وهو الذي يجيء بخبر الموت.
وأنشد الأعلم لامرىء القيس «٢» : [من الوافر]
ألا إلّا تكن إبل فمعزى ... كأنّ قرون جلّتها العصيّ
إذا مشّت حوالبها أرنّت ... كأنّ الحيّ صبّحهم نعيّ
٣- أبو موسى الأشعري
رضي الله تعالى عنه: تقدم ذكره في باب المفتي في الجزء الثاني من هذا الكتاب فأغنى عن الإعادة هنا
الفصل الثالث في إخبار النبي ﷺ أن ناسا من أمته يركبون البحر غزاة في سبيل الله ملوكا على الأسرّة أو مثل الملوك على الأسرّة، وفي ذكر أول من ركبه للغزو
روى مالك ﵀ في «الموطأ» (٣٠٩) عن إسحاق بن عبد الله رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلّى الله عليه
стр. 473
وسلم إذا ذهب إلى قباء، يدخل على أمّ حرام بنت ملحان رضي الله تعالى عنها فتطعمه، وكانت أمّ حرام تحت عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، قال:
فدخل عليها رسول الله ﷺ يوما فأطعمته، وجعلت «١» تفلي رأسه، فنام رسول الله ﷺ ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت:
ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر، ملوكا على الأسرّة، أو مثل الملوك على الأسرة- يشكّ إسحاق- قالت، فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ يضحك قالت: فقلت: يا رسول الله ما يضحكك؟ قال: ناس من أمتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة، كما قال في الأولى، فقلت يا رسول الله: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: أنت من الأولين. قال: فركبت البحر في زمن معاوية بن أبي سفيان فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت.
قال أبو عمر ابن عبد البر (١٩٣١) رحمه الله تعالى: خرجت مع زوجها عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنهما غازية في البحر فلما وصلوا إلى جزيرة قبرس خرجت من البحر فقربت إليها دابة لتركبها فصرعتها فماتت ودفنت في موضعها وذلك في إمارة معاوية وخلافة عثمان رضي الله تعالى عنهم، ويقال إن معاوية غزا تلك الغزاة بنفسه ومعه امرأته فاختة بنت قرظة. انتهى.
تنبيه:
أول من ركب البحر غازيا في سبيل الله أهل هذه السفينة التي ركبت فيها أمّ حرام لقول النبي ﷺ لها رضي الله تعالى عنها: أنت من الأولين.
وقال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى: اسم أم حرام: الرميصاء.
قال، وقال ابن وهب: هي إحدى خالات رسول الله ﷺ من
стр. 474
الرضاعة، فلهذا كان يدخل عليها، ويقيل عندها، وينام في حجرها. وقال غير ابن وهب: بل كانت خالة لأبي النبي ﷺ أو لجده لأن أمّ عبد المطلب كانت من بني النجار.
تنبيه:
قد تقدم ذكر معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه في باب كتاب الوحي «١» فأغنى عن إعادته الآن.
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
الأولى في «المشارق» (١: ١٢٨) ثبج البحر بفتح الثاء والباء: وسطه، وثبج كل شيء وسطه «٢» ، وقيل ثبج البحر ظهره، وقد جاء في الرواية الأخرى: ظهر [هذا] البحر.
الثانية: جزيرة قبرس بضم القاف وسكون الباء بواحدة، ضبطها الحافظ أبو علي الغساني بخطه في نسخته من «كتاب الاستيعاب» .
الثالثة: في «الاشتقاق» لابن سيّد: قرظة أبو فاختة زوج معاوية، والقرظ ضرب من الشجر يدبغ به. وفي «جامع الاشتقاق» وفي «الديوان» (١: ٢١٨) هو القرظ بفتح القاف والراء معا، والواحدة: قرظة.
стр. 475
الباب الثامن والثلاثون في صانع المنجنيق
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في «السير» (٢: ٤٨٢، ٤٨٣) : حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف بضعا وعشرين ليلة.
قال ابن هشام: ويقال سبع عشرة ليلة، ورماهم رسول الله ﷺ بالمنجنيق. قال: وحدثني من أثق به أن رسول الله ﷺ أول من رمى في الإسلام بالمنجنيق، رمى أهل الطائف. انتهى.
وقال ابن الأثير في كتابه «الكامل» (٢: ٢٦٦) نصب رسول الله ﷺ منجنيقا على أهل الطائف أشار به سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه. انتهى.
وذكر الجاحظ في كتاب «البيان والتبيين» (١: ٣٦٢) أن جذيمة الأبرش أول من رمى بالمنجنيق.
فائدة لغوية:
في «الصحاح» (٤: ١٣٩٧) الطائف بلاد ثقيف. قال البكري (٨٨٦) : وكان اسمها وجّ بفتح الواو والجيم المضاعفة؛ قال، وقال هشام: إنما سمي الطائف فيما أخبرني ابن مسكين المدني قال: أصاب رجل من الصّدف دماء في قومه بحضرموت، وكان يقال للصدفي: الدّمون، ثم خرج هاربا حتى نزل بوجّ، فحالف مسعود بن معتّب ومعه مال عظيم فقال لهم: هل لكم أن أبني طوفا عليكم يكون
стр. 476
لكم ردءا من العرب؟ قالوا: نعم، فبنى لهم بماله ذلك الطوف، فسمي الطائف لأنه حائط يطيف بهم؛ قال أمية بن أبي الصلت «١» : [من الرجز]
نحن بنينا حائطا حصينا ... نقارع الأبطال عن بنينا
قال القاضي في «المشارق» (١: ٣٢٧) : الطائف معلوم، وهو وادي وجّ على يومين من مكة.
стр. 477
الباب التاسع والثلاثون في الرامي بالمنجنيق
قد تقدم في الباب قبل هذا قول ابن هشام رحمه الله تعالى: إن رسول الله ﷺ رمى أهل الطائف بالمنجنيق.
وفي كتاب «نفحة الحدائق والخمائل في الابتداع والاختراع للأوائل» : أول من رمى بالمنجنيق في الإسلام رسول الله ﷺ على أهل الطائف.
فائدة لغوية:
ابن قتيبة في «الأدب» (٥٨٩) منجنيق ومنجنيق بكسر الميم وفتحها؛ وفي «الصحاح» (٤: ١٤٥٥) المنجنيق الذي ترمى به الحجارة معربة وهي مؤنثة؛ قال زفر بن الحارث: [من الطويل]
لقد تركتني منجنيق ابن بحدل ... أحيد عن العصفور حين يطير
والجمع منجنيقات ومجانيق، والتصغير: مجينيق. وفي كتاب «المذكر والمؤنث» للفراء: المنجنيق أنثى، وبعض العرب يسميها المنجنوق، وحكي لي ولم أسمعه منهم. وفي «المحكم» (٦: ٩٤) عن أبي زيد: جنقونا بالمنجنيق أي رمونا، والجنق بضم الميم والنون حجارة المنجنيق. وفي «الغريبين» (١: ٤١١) الجنق: أصحاب تدبير المنجنيق، الواحد جانق «١» .
стр. 478
تنبيه:
انظر قول الجوهري في المنجنيق أولا: الذي ترمى به الحجارة فذكّره؛ وقوله بعد معرّبة مؤنّثة، فإمّا أن يكون وهم في التذكير، أو يكون تذكيرها لغة، أو يكون ذلك من الناسخ.
стр. 479
الباب الموفى أربعين في صانع الدبابات
في كتاب «نفحة الحدائق والخمائل في الابتداع والاختراع للأوائل» : أول دبابة صنعت في الإسلام دبابة صنعت على الطائف حين حاصرها رسول الله ﷺ .
وقال ابن إسحاق في «السير» (٢: ٤٨٣) في قصّة حصار الطائف: حتى إذا كان يوم الشّدخة عند جدار الطائف دخل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ تحت دبّابة ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف ليخرقوه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها فرمتهم ثقيف بالنّبل فقتلوا منهم رجالا. انتهى.
فوائد لغوية في ثلاث مسائل.
الأولى: في «الروض الأنف» (٧: ٢٦٦) الدبابة آلة من آلات الحرب يدخل فيها الرجال فيدبون إلى الأسوار لينقبوها. وفي «الاشتقاق» لابن سيّد، قال أبو جعفر: الدبابة بيت صغير يعمل من جلود الإبل والبقر، تعمل للحصون، يدخلها الرجال فينقبون من داخلها، ويكون سقفها حرزا لهم من الرمي.
الثانية: لم أر لأحد ممن تكلم على أغربة الحديث كلاما على معنى يوم الشدخة، ويحتمل أن تكون الدبابة شدختها سكك الحديد المرسلة عليها فسمّي يوم الشدخة بذلك. وفي «الصحاح» (١: ٤٢٤) : الشدخ: كسر الشيء الأجوف «١» .
الثالثة: في «الديوان» (٣: ٣٨) السكة التي يحرث بها بكسر السين. انتهى.
فيحتمل أن تكون هي المذكورة في هذا الحديث، أو شبهها تطبع من الحديد محددة الأطراف.
стр. 480
الباب الحادي والاربعون في القوم يقطعون الاشجار ويحرقونها
روى مسلم (٢: ٤٩) رحمه الله تعالى عن نافع عن عبد الله أن رسول الله ﷺ حرّق نخل بني النّضير وقطع وهي البويرة.
وزاد ابن قتيبة وابن رمح «١» في حديثهما: فأنزل الله ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (الحشر: ٥) .
وفي حديث موسى بن عقبة: ولها يقول حسان «٢» رحمه الله تعالى:
[من الوافر]
وهان على سراة بني لؤيّ ... حريق بالبويرة مستطير
انتهى من كتاب مسلم رحمه الله تعالى.
وقال ابن إسحاق في «السير» (٢: ٤٨٣) : أمر رسول الله ﷺ بقطع أعناب ثقيف، فوقع الناس يقطعون. انتهى.
فائدتان لغويتان:
الأولى: البويرة بضم الباء بواحدة وفتح الواو وسكون الياء أختها والراء المهملة على لفظ التصغير. في «المعجم» (٢٨٥) و «المشارق» (١: ١١٦) قال القاضي: موضع معلوم من بلاد قريظة وبني النضير مذكور في شعر حسان.
الثانية: في «المحكم» اللّينة واللّونة: كلّ ضرب من النخل ما لم يكن عجوة أو برنيّا. وفي التنزيل ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها والجمع: لين، ولون، وليان.
стр. 481
الباب الثاني والاربعون في حفر الخندق
ذكر ابن إسحاق رحمه الله تعالى في «السير» (٢: ٢١٦) خبر اليهود، لعنهم الله، الذين حزّبوا الأحزاب على رسول الله ﷺ ، وأن رسول الله ﷺ لما سمع بهم، وما اجتمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة، فعمل فيه رسول الله ﷺ ترغيبا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون.
وذكر أبو الفرج الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه «مختصر الصفوة» (١: ٢١٥) عن كثير بن عبد الله المدني عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ خطّ الخندق، وقطع لكلّ عشرة أربعين ذراعا، فاحتجّ المهاجرون والأنصار في سلمان، وكان رجلا قويا، فقال المهاجرون: سلمان منا، وقال الأنصار: سلمان منا، فقال رسول الله ﷺ : سلمان منا أهل البيت. انتهى.
وقال ابن إسحاق في «السير» (٢: ٢١٩) : وحدّثت عن سلمان الفارسي قال:
ضربت في ناحية من الخندق فغلظت عليّ «١» ورسول الله ﷺ قريب مني، فلما رآني أضرب ورأى شدة المكان عليّ، نزل فأخذ المعول من يدي فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة، قال: ثم ضرب به الثانية فلمعت تحته برقة أخرى، ثم ضرب به الثالثة قال: فلمعت أخرى، قال فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما هذا الذي رأيت لمع تحت المعول وأنت تضرب؟ قال: أو قد رأيت ذلك يا سلمان؟ قال قلت: نعم، قال: أما الأولى فإن الله فتح عليّ بها اليمن،
стр. 482
وأما الثانية فإن الله فتح عليّ بها الشام والمغرب، وأما الثالثة فإن الله فتح عليّ بها المشرق. انتهى.
وروى النسائي «١» رحمه الله تعالى عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نحفر الخندق، عرض لنا فيه حجر لا يأخذ فيه المعول فاشتكينا ذلك إلى رسول الله ﷺ فألقى ثوبه وأخذ المعول وقال: باسم الله، فضرب ضربة فكسر ثلث الصخرة، قال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الآن مكاني هذا. قال: ثم ضرب أخرى وقال: باسم الله، وكسر ثلثا آخر وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن. ثم ضرب الثالثة وقال: باسم الله، فقطع الحجر قال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر باب صنعاء. انتهى.
قال ابن إسحاق (٢: ٢٢٤) وأقبل فوارس من قريش تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق فلما رأوه قالوا: والله إن هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها.
قال ابن هشام (٢: ٢٢٤) يقال إن سلمان أشار به على رسول الله ﷺ . انتهى.
وفي كتاب «نفحة الحدائق والخمائل في الابتداع والاختراع للأوائل» : أول من ضرب الخندق في الإسلام رسول الله ﷺ على المدينة.
انتهى.
فوائد لغوية في خمس مسائل:
الأولى: ضرب الخندق: عمله وأنشأه، وكذلك ضرب الحائط. وفي «المحكم» : الضريبة: الطّبيعة، وهذه ضريبته التي ضرب عليها، وضربها أي طبع.
стр. 483
وفي شرح شعر حاتم لابن السكّيت في قول حاتم «١» : [من الطويل]
ولو شهدتنا بالمراح لأيقنت ... على ضرّنا أنّا كرام الضرائب
والضرائب: الطبائع والخلائق.
وقال الأعلم في شرحه لقول طرفة «٢» : [من الطويل]
ويأتيك بالأخبار من لم تبع له ... بتاتا ولم تضرب له وقت موعد
معنى تضرب: تجعل. يقال: ضربت له أجلا وموعدا: إذا جعلته له.
الثانية: في «المحكم» الخندق: الحفير، وخندق حوله: حفر خندقا.
الثالثة: في «الديوان» (٣: ٣٥٤) المعول بكسر الميم: الفأس التي تكسر بها الحجارة، وعينه مهملة.
الرابعة: في «المقصور والممدود» لابن القوطية: صنعاء مدينة باليمن، يمد ويقصر.
الخامسة: في «الديوان» (١: ٢٢٤) العنق بفتح العين والنون: السير الفسيح، وأعنق يعنق إعناقا.
стр. 484
الباب الثالث والاربعون في صاحب المغانم
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول في ذكر من ولي جمعها وحفظها حتى تقسم في يوم بدر
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في «السير» (١: ٦٤٣) في أخبار يوم بدر:
وجعل رسول الله ﷺ على النّفل عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار رضي الله تعالى عنه.
وكذلك نسبه أبو عمر.
وذكر ابن حزم في «الجماهر» (٤١١- ٤١٢) : محمية بن جزء الزبيدي وقال:
ولاه رسول الله ﷺ الغنائم يوم بدر.
وفي يوم خيبر ذكر ابن إسحاق (٢: ٣٣٩) رحمه الله تعالى في أخبار غزوة خيبر عمن لا يتهم عن عبد الله بن مغفّل المزنيّ رضي الله تعالى عنه قال: أصبت من فيء خيبر جراب شحم فاحتملته على عنقي إلى رحلي وأصحابي، قال: فلقيني صاحب المغانم الذي جعل عليها، فأخذ بناحيته وقال: هلمّ هذا حتى نقسمه بين المسلمين، قال قلت: لا والله لا أعطيكه، قال: فجعل يجاذبني «١» الجراب، قال:
فرآنا رسول الله ﷺ ونحن نصنع ذلك فتبسم ضاحكا ثم قال لصاحب المغانم: لا أبالك خلّ بينه وبينه، قال: فأرسله فانطلقت به إلى رحلي وأصحابي فأكلناه. انتهى.
стр. 485
وقال ابن فتحون في كتابه «ذيل الاستيعاب» : ذكر ابن وهب بسند عن رجل من قريش قال: لما حاصر رسول الله ﷺ خيبر، جاع بعض الناس، فافتتحوا حصنا من حصونها، فأخذ رجل من المسلمين جراب شحم فبصر به صاحب المغانم وهو كعب بن عمرو بن زيد الأنصاري فأخذه منه، فقال النبي ﷺ : خلّ بينه وبين جرابه، فذهب به إلى أصحابه. انتهى.
وقال السهيلي في «الروض الأنف» (٦: ٥٦٠- ٥٦١) : ذكر ابن إسحاق حديث عبد الله بن مغفل ولم يذكر اسم صاحب المغانم. وروي عن ابن وهب أنه [قال] :
كان على المغانم يوم خيبر أبو السير كعب بن عمرو بن زيد الأنصاري.
وكذلك قال فيه ابن بشكوال في كتابه «المعجم» : كعب بن عمرو بن زيد، فجعلوا اسم والد عمرو زيدا، وجعله ابن إسحاق وابن عبد البر في اسم ولده عبد الله بن كعب في الفصل الذي قبل هذا: عوفا. وكذلك نسب ابن حزم عبد الله بن كعب في «الجماهر» (٣٥٢) ، وأخاه عبد الرّحمن بن كعب فقال:
عبد الرّحمن بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار أحد البكائين المذكورين في القرآن، وأخوه عبد الله بن كعب بدري. انتهى ولم يذكره أبو عمر ابن عبد البر في كتابه، وذكره ابن فتحون وغيره حسبما تقدم.
وفي يوم حنين قال القاضي محمد بن سلامة القضاعي في كتاب «الأنباء» :
كان بها من السبايا ستة آلاف ومن الإبل والغنم ما لا يدري عدده.
وروى ابن فارس «١» في كتابه «مسند الزهري» عن سعيد بن المسيب أن النبي ﷺ سبى يومئذ ستة آلاف بين امرأة وغلام، فجعل رسول الله ﷺ عليهم أبا سفيان بن حرب. انتهى.
стр. 486
وذكر ابن حزم في «الجماهر» (١٥٦) : أن رسول الله ﷺ استعمل أبا الجهم بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي على النّفل يوم حنين.
انتهى.
وذكر ابن الأثير في كتابه «الكامل» (٢: ٢٦٦) في أخبار يوم حنين: وأمر رسول الله ﷺ بالسبايا والأموال فجمعت إلى الجعرّانة وجعل عليها بديل بن ورقاء الخزاعي. انتهى.
وقال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في «السير» (٢: ٤٥٩) كان على المغانم يوم حنين مسعود بن عمرو القاري «١» .
وقال ابن عبد البر (١٣٩٤) : مسعود بن عمرو القاري من القارة، كان على المغانم يوم حنين، وأمره رسول الله ﷺ أن يحبس السبايا والأموال بالجعرّانة. انتهى.
فوائد لغوية في خمس مسائل:
الأولى: في «الديوان» (٢: ٢٥٢) : غنم القوم بكسر النون يغنمون بفتحها. وفي «الصحاح» (٤: ١٩٩٩) : غنما بالضم، والغنيمة والمغنم بمعنى. وقال القزاز:
وجمع الغنيمة: غنائم، وجمع المغنم: مغانم.
وقال: وأصل الغنيمة والمغنم: الربح، ومنه قول النبي ﷺ في الرهن: «له غنمه وعليه غرمه» : أي فضله للراهن ونقصانه عليه.
الثانية: في «الصحاح» (٥: ١٨٣٣) : النفل: بالتحريك: الغنيمة، والجمع الأنفال؛ قال لبيد»
: [من الرمل]
إنّ تقوى ربّنا خير نفل
стр. 487
الثالثة: في «المؤتلف والمختلف» لعبد الغني: عبد الله بن مغفّل بالغين معجمة بعدها فاء وهما مفتوحتان والفاء مشددة: هو صاحب رسول الله ﷺ .
الرابعة: في «المشارق» (١: ١٤٤) الجراب: وعاء من جلد كالمزود ونحوه بكسر الجيم؛ قاله الخليل وغيره. وقال القزاز: هو بفتح الجيم. وفي «الصحاح» (١: ٩٨) : الجراب معروف والعامة تفتحه، والجمع أجربة وجرب وجرب.
الخامسة: في «المشارق» (١: ١٦٨) الجعرّانة: أصحاب الحديث يقولونه بكسر العين وتشديد الراء، وبعض أهل الاتقان يقولونه بتخفيفها، وكلاهما صواب مسموع.
وعن علي بن المديني: أن أهل المدينة- وقال البصري: أهل الحجاز- يقولونه بالتثقيل وأهل العراق يقولونه بالتخفيف، ومذهب الأصمعي التخفيف، وحكى أنه سمع من العرب من يثقلها. وقال البكري (٣٨٤) : وهي ما بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أدنى، وبها قسم رسول الله ﷺ غنائم حنين.
الفصل الثاني في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم
١- عبد الله بن كعب رضي الله تعالى عنه:
تقدم نسبه عند ذكر اسمه في أول هذا الباب عن ابن إسحاق، وكذلك نسبه أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٩٨١) وقال: شهد بدرا وكان على غنائم النبي ﷺ يوم بدر، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وكان على خمس النبي ﷺ في غيرها. يكنى أبا الحارث، وقيل يكنى أبا يحيى. كانت وفاته بالمدينة سنة ثلاثين، وصلّى عليه عثمان رضي الله تعالى عنه وهو أخو أبي ليلى المازني. انتهى.
стр. 488
٢- محمية بن جزء
رضي الله تعالى عنه: يأتي الكلام عليه في باب صاحب الخمس بعد هذا الباب، إن شاء الله تعالى.
٣- كعب بن عمرو بن زيد:
لم يذكره أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب، واستدركه ابن فتحون في «الذيل» وقد تقدم ما ذكره ابن فتحون في اسمه قبل هذا، وما ألحقته من قولي السهيلي وابن حزم في اختلافهم في نسبه، ولم أقف من شأنه على غير ذلك.
٤- أبو سفيان بن حرب:
في «الاستيعاب» (١٦٧٧) : أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي القرشي: هو والد معاوية ويزيد وعتبة وإخوتهم. ولد أبو سفيان قبل الفيل بعشر سنين، وكان من أشراف قريش في الجاهلية. أسلم يوم الفتح.
وفي حديث ابن عباس عن أبيه رضي الله تعالى عنه أنه قال: لما أتى به العباس وقد أردفه خلفه يوم الفتح إلى رسول الله ﷺ وسأله أن يؤمنه، فلما رآه رسول الله ﷺ قال له: ويحك يا أبا سفيان أما آن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ فقال: بأبي أنت وأمي ما أوصلك وأعلمك وأكرمك، والله لقد ظننت أنه لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عنّي شيئا. فقال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ فقال: بأبي أنت وأمي ما أوصلك وأحلمك وأكرمك أما هذه ففي نفسي منها شيء. فقال له العباس: ويلك: اشهد شهادة الحقّ قبل أن تضرب عنقك، فشهد وأسلم.
وشهد مع رسول الله ﷺ حنينا مسلما، وأعطاه من غنائمها مائة بعير وأربعين أوقية، وزنها له بلال رضي الله تعالى عنه.
واختلف في حسن إسلامه: فطائفة تروي أنه لما أسلم حسن إسلامه، وذكر عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: رأيت أبا سفيان يوم اليرموك وهو تحت راية ابنه يزيد يقاتل ويقول: يا نصر الله اقترب، وطائفة تروي أنه كان كهفا للمنافقين منذ أسلم، وكان في الجاهلية ينسب إلى الزندقة.
стр. 489
وروي عن الحسن أن أبا سفيان دخل على عثمان رضي الله تعالى عنه حين صارت الخلافة إليه فقال: قد صارت إليكم بعد تيم وعديّ فأدرها كالكرة واجعل أوتادها بني أمية فإنما هو الملك، وما أدري ما جنة ولا نار، فصاح به عثمان: قم عني فعل الله بك وفعل. قال أبو عمر: وله أخبار من نحو هذا رديئة ذكرها أهل الأخبار، وحديث سعيد بن المسيب يدلّ على صحة إسلامه، والله تعالى أعلم.
وفقئت عينه يوم الطائف فلم يزل أعور حتى فقئت عينه الأخرى يوم اليرموك أصابها حجر فشدخها فعمي، ومات سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان، وقيل سنة اثنتين وثلاثين، وقيل سنة إحدى وثلاثين، وقيل سنة أربع وثلاثين، ودفن بالبقيع وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وقيل ابن بضع وسبعين سنة. انتهى.
٥- أبو الجهم بن حذيفة
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (١٦٢٣) أبو جهم بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب القرشي العدوي: قيل اسمه عامر، وقيل عبيد، أسلم عام الفتح وصحب النبي ﷺ ، وهو الذي أهدى إلى رسول الله ﷺ خميصة لها أعلام فشغلته في الصلاة فردّها عليه، هذا معنى رواية أهل الحديث.
وذكر الزبير بسند أن رسول الله ﷺ أتي بخميصتين سوداوين فلبس إحداهما وبعث الأخرى إلى أبي جهم، ثم إنه أرسل إلى أبي جهم في تلك الخميصة وبعث إليه التي لبسها، ولبس هو التي كانت عند أبي جهم بن حذيفة بعد أن لبسها أبو جهم لبسات.
وكان أبو جهم من مشيخة قريش مقدما فيهم معظما، عالما بالنسب، وكانت فيه وفي أبيه شدّة وعرامة، وهو أحد الأربعة الذين دفنوا عثمان بن عفان وهم:
حكيم بن حزام، وجبير بن مطعم، ونيار بن مكرم، وأبو جهم بن حذيفة.
وعن الزبير قال، قال عميّ: كان أبو جهم من المعمّرين من قريش، بنى الكعبة مرتين مرة في الجاهلية حين بنتها قريش، ومرة حين بناها ابن الزبير.
стр. 490
قال أبو عمر: كذا ذكر الزبير عن عمه: أن أبا جهم شهد بنيان الكعبة في زمن ابن الزبير، وغيره يقول: إنه توفي في خلافة معاوية، والزبير وعمه أعلم بأخبار قريش. انتهى.
٦- بديل بن ورقاء
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (١٥٠) بديل بن ورقاء بن عبد العزى بن ربيعة الخزاعي من خزاعة. أسلم هو وابنه عبد الله بن بديل وحكيم بن حزام يوم فتح مكة بمرّ الظهران في قول ابن شهاب. وذكر ابن إسحاق:
أن قريشا يوم فتح مكة لجأوا إلى دار بديل بن ورقاء الخزاعي ودار مولاه رافع.
وشهد بديل وابنه حنينا والطائف وتبوك. وكان بديل من كبار مسلمة الفتح، وقيل:
إنه أسلم يوم الفتح. وروى عنه ابنه مسلمة بن بديل أن النبي ﷺ كتب له كتابا. وقال أبو عمر: وذكر البخاري بسنده عن بديل بن ورقاء أن رسول الله ﷺ أمره أن يحبس السبايا والأموال بالجعرانة حتى يقدم عليه ففعل. انتهى.
٧- مسعود بن عمرو القاري
رضي الله تعالى عنه: قال ابن عبد البر في «الاستيعاب» (١٣٩٤) : مسعود بن عمرو القاريّ من القارة كان على المغانم يوم حنين، وأمره رسول الله ﷺ أن يحبس السبايا والأموال بالجعرّانة ولم يزد على هذا، وقد تقدم في أول الباب. انتهى.
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
الأولى: في «الصحاح» : آن أينك، وأنى إينك: أي حان حينك، وآن لك أن تفعل كذا يئين أينا عن أبي زيد أي حان مثل أنى لك وهو مقلوب منه؛ وأنشد ابن السكيت «١» [من الطويل]
ألمّا يئن لي أن تجلّى عمايتي ... وأقصر عن ليلى بلى قد أنى ليا
فجمع بين اللغتين. انتهى.
стр. 491
قلت: وكذا جاءت اللغتان في هذا الحديث. وفي «ديوان الأدب» (٤: ٢٠٣) آن لك أن تفعل كذا يئين أينا وأنى لك أن تفعل كذا يأني، أي حان بفتح العين في الماضي وكسرها في المستقبل.
الثانية: في «الغريبين» قال الأصمعي: الخمائص: ثياب خز أو صوف معلمة وهي سود كانت من لباس الناس.
الثالثة: نيار بكسر النون وفتح الياء أخت الواو: اسم رجل، كذا قيّده الفارابي.
الفصل الثالث في ذكر من تولّى بيع ما احتيج إلى بيعه من الغنائم
ذكر أبو القاسم خلف بن بشكوال رحمه الله تعالى في كتابه الذي ألفه «في تفسير ما استعجم من غوامض الأسماء المبهمة الواقعة في متون الأحاديث المسندة» ، بسنده عن مالك أنه قال: أمر رسول الله ﷺ السعدين يوم خيبر أن يبيعا آنية من المغانم من ذهب أو فضة، فباعا كل ثلاثة بأربعة عينا، أو كلّ أربعة بثلاثة عينا، فقال لهما رسول الله ﷺ : أربيتما فردّا.
قال أبو القاسم ابن بشكوال: السعدان المذكوران اختلف فيهما كثيرا، وأولى ما قيل في ذلك، إن شاء الله تعالى أنهما سعد بن أبي وقاص، وسعد بن عبادة، رضي الله تعالى عنهما.
وروى بسند ذكره عن أبي كثير جلاح «١» مولى عبد الرّحمن أو عبد العزيز بن مروان قال: سمعت حنشا السّبائي «٢» عن فضالة رضي الله تعالى عنه يقول: كنّا يوم
стр. 492
خيبر فجعل رسول الله ﷺ على الغنائم سعد بن أبي وقاص وسعد بن عبادة، فأرادوا أن يبيعوا الدينارين بالثلاثة والثلاثة بالخمسة، فقال رسول الله ﷺ : لا، إلا مثلا بمثل. قال ابن بشكوال، قال أبو عمر ابن عبد البر: هذا إسناد متصل صحيح حسن؛ فصحّ أن السعدين سعد بن أبي وقاص وسعد بن عبادة، وارتفع الشكّ في ذلك والحمد لله؛ قال ابن بشكوال: انتهى كلام أبي عمر والحمد لله.
تنبيه:
قد تقدم ذكر سعد بن أبي وقاص في باب الحارس «١» من هذا الجزء، وذكر سعد بن عبادة في باب صاحب اللواء «٢» من هذا الجزء أيضا فأغنى ذلك عن الإعادة هنا.
فائدة لغوية:
الجلاح: اسم الرجل بضم الجيم وفتح اللام مخففة غير مشددة، كذلك قيده الفارابي (١: ٤٤٠) .
стр. 493
الباب الرابع والأربعون في صاحب الخمس
وفيه فصلان
الفصل الأول في ذكر من ولي ذلك في زمن النبي ﷺ
١- عبد الله بن كعب بن عمرو الأنصاري
رضي الله تعالى عنه: قال أبو عمر ابن عبد البر (٩٨١) كان على غنائم النبي ﷺ يوم بدر، وكان على خمس النبي ﷺ في غيرها. انتهى.
٢- محمية بن جزء
رضي الله تعالى عنه: ذكر مسلم (١: ٢٩٦) رحمه الله تعالى في كتاب الزكاة في باب ترك استعمال آل النبي ﷺ على الصدقة، فقال: محمية بن جزء، وهو رجل من بني أسد كان رسول الله ﷺ استعمله على الأخماس.
وقال القاضي عياض في «الإكمال» هكذا قال مسلم، وهو رجل من بني أسد، والمحفوظ من بني زبيد. انتهى.
قلت: وإلى بني زبيد نسبه أبو داود في «سننه» (٢: ١٣٣) وأبو عمر في «الاستيعاب» (١٤٦٣) وابن حزم في «الجماهر» (٤١١- ٤١٢) وقالوا ثلاثتهم: استعمله رسول الله ﷺ على الأخماس. وكذلك نسبه أبو عبيد القاسم بن سلام في «جماهره» (٤٦) أيضا.
стр. 494
الفصل الثاني في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم
١- عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف
رضي الله تعالى عنه: تقدم الكلام عليه في باب صاحب المغانم قبل هذا بما أغنى عن إعادته هنا.
٢- محمية بن جزء الزبيدي:
قال أبو عبيد في «الجماهر» (٤٦) محمية بن جزء حليف بني جمح من ولد زبيد الأصغر، وهو منبّه بن ربيعة بن سلمة بن مازن بن ربيعة بن منبّه، قال: ومنبه بن صعب جماع زبيد.
وقال ابن حزم في «الجماهر» (٤١١- ٤١٢) : محمية بن جزء بن عبد يغوث بن عويج بن عمرو بن زبيد الأصغر بن ربيعة بن سلمة بن مازن بن ربيعة بن زبيد له صحبة، بدري، ولاه رسول الله ﷺ الأخماس والمغانم يوم بدر.
وفي «الاستيعاب» (١٤٦٣) : محمية بن جزء بن عبد يغوث بن عويج بن عمرو بن زبيد الأصغر الزبيدي، حليف لبني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي. كان من مهاجرة الحبشة، وتأخر إقباله منها. أول مشاهده المريسيع، واستعمله رسول الله ﷺ على الأخماس وأمره أن يصدق عن قوم من بني هاشم في مهور نسائهم منهم الفضل بن عباس. انتهى.
وذكر مسلم ﵀ في صحيحه (١: ٢٩٦) : أن رسول الله ﷺ أمره أن يصدّق عن الفضل بن العباس وعن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث من الخمس.
стр. 495
الباب الخامس والاربعون في الرجل يبعثه الإمام مبشرا بالفتح وفيه تلقي القوم المبعوث إليهم بالبشارة الامام في الطريق يهنئونه
وفيه فصلان
الفصل الأول في ذكر من بعثه رسول الله ﷺ مبشرا
قال ابن إسحاق (١: ٦٤٢، ٦٤٣) رحمه الله تعالى في أخبار يوم بدر: ثم بعث رسول الله ﷺ عند الفتح عبد الله بن رواحة بشيرا إلى أهل العالية بما فتح الله على رسوله وعلى المسلمين، وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة؛ قال ابن إسحاق: ثم أقبل رسول الله ﷺ قافلا إلى المدينة حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين. انتهى.
الفصل الثاني في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم
قال ابن هشام في «السير» (١: ٢٤٧) : زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن امرىء القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ودّ بن عوف بن كنانة بن بكر ابن عوف بن عذرة بن زيد اللّات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة.
انتهى.
وكذلك نسبه ابن حزم في «الجماهر» (٤٥٩) «١» .