قلت: وكذا جاءت اللغتان في هذا الحديث. وفي «ديوان الأدب» (٤: ٢٠٣) آن لك أن تفعل كذا يئين أينا وأنى لك أن تفعل كذا يأني، أي حان بفتح العين في الماضي وكسرها في المستقبل.
الثانية: في «الغريبين» قال الأصمعي: الخمائص: ثياب خز أو صوف معلمة وهي سود كانت من لباس الناس.
الثالثة: نيار بكسر النون وفتح الياء أخت الواو: اسم رجل، كذا قيّده الفارابي.
الفصل الثالث في ذكر من تولّى بيع ما احتيج إلى بيعه من الغنائم
ذكر أبو القاسم خلف بن بشكوال رحمه الله تعالى في كتابه الذي ألفه «في تفسير ما استعجم من غوامض الأسماء المبهمة الواقعة في متون الأحاديث المسندة» ، بسنده عن مالك أنه قال: أمر رسول الله ﷺ السعدين يوم خيبر أن يبيعا آنية من المغانم من ذهب أو فضة، فباعا كل ثلاثة بأربعة عينا، أو كلّ أربعة بثلاثة عينا، فقال لهما رسول الله ﷺ : أربيتما فردّا.
قال أبو القاسم ابن بشكوال: السعدان المذكوران اختلف فيهما كثيرا، وأولى ما قيل في ذلك، إن شاء الله تعالى أنهما سعد بن أبي وقاص، وسعد بن عبادة، رضي الله تعالى عنهما.
وروى بسند ذكره عن أبي كثير جلاح «١» مولى عبد الرّحمن أو عبد العزيز بن مروان قال: سمعت حنشا السّبائي «٢» عن فضالة رضي الله تعالى عنه يقول: كنّا يوم
стр. 492
خيبر فجعل رسول الله ﷺ على الغنائم سعد بن أبي وقاص وسعد بن عبادة، فأرادوا أن يبيعوا الدينارين بالثلاثة والثلاثة بالخمسة، فقال رسول الله ﷺ : لا، إلا مثلا بمثل. قال ابن بشكوال، قال أبو عمر ابن عبد البر: هذا إسناد متصل صحيح حسن؛ فصحّ أن السعدين سعد بن أبي وقاص وسعد بن عبادة، وارتفع الشكّ في ذلك والحمد لله؛ قال ابن بشكوال: انتهى كلام أبي عمر والحمد لله.
تنبيه:
قد تقدم ذكر سعد بن أبي وقاص في باب الحارس «١» من هذا الجزء، وذكر سعد بن عبادة في باب صاحب اللواء «٢» من هذا الجزء أيضا فأغنى ذلك عن الإعادة هنا.
فائدة لغوية:
الجلاح: اسم الرجل بضم الجيم وفتح اللام مخففة غير مشددة، كذلك قيده الفارابي (١: ٤٤٠) .
стр. 493
الباب الرابع والأربعون في صاحب الخمس
وفيه فصلان
الفصل الأول في ذكر من ولي ذلك في زمن النبي ﷺ
١- عبد الله بن كعب بن عمرو الأنصاري
رضي الله تعالى عنه: قال أبو عمر ابن عبد البر (٩٨١) كان على غنائم النبي ﷺ يوم بدر، وكان على خمس النبي ﷺ في غيرها. انتهى.
٢- محمية بن جزء
رضي الله تعالى عنه: ذكر مسلم (١: ٢٩٦) رحمه الله تعالى في كتاب الزكاة في باب ترك استعمال آل النبي ﷺ على الصدقة، فقال: محمية بن جزء، وهو رجل من بني أسد كان رسول الله ﷺ استعمله على الأخماس.
وقال القاضي عياض في «الإكمال» هكذا قال مسلم، وهو رجل من بني أسد، والمحفوظ من بني زبيد. انتهى.
قلت: وإلى بني زبيد نسبه أبو داود في «سننه» (٢: ١٣٣) وأبو عمر في «الاستيعاب» (١٤٦٣) وابن حزم في «الجماهر» (٤١١- ٤١٢) وقالوا ثلاثتهم: استعمله رسول الله ﷺ على الأخماس. وكذلك نسبه أبو عبيد القاسم بن سلام في «جماهره» (٤٦) أيضا.
стр. 494
الفصل الثاني في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم
١- عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف
رضي الله تعالى عنه: تقدم الكلام عليه في باب صاحب المغانم قبل هذا بما أغنى عن إعادته هنا.
٢- محمية بن جزء الزبيدي:
قال أبو عبيد في «الجماهر» (٤٦) محمية بن جزء حليف بني جمح من ولد زبيد الأصغر، وهو منبّه بن ربيعة بن سلمة بن مازن بن ربيعة بن منبّه، قال: ومنبه بن صعب جماع زبيد.
وقال ابن حزم في «الجماهر» (٤١١- ٤١٢) : محمية بن جزء بن عبد يغوث بن عويج بن عمرو بن زبيد الأصغر بن ربيعة بن سلمة بن مازن بن ربيعة بن زبيد له صحبة، بدري، ولاه رسول الله ﷺ الأخماس والمغانم يوم بدر.
وفي «الاستيعاب» (١٤٦٣) : محمية بن جزء بن عبد يغوث بن عويج بن عمرو بن زبيد الأصغر الزبيدي، حليف لبني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي. كان من مهاجرة الحبشة، وتأخر إقباله منها. أول مشاهده المريسيع، واستعمله رسول الله ﷺ على الأخماس وأمره أن يصدق عن قوم من بني هاشم في مهور نسائهم منهم الفضل بن عباس. انتهى.
وذكر مسلم ﵀ في صحيحه (١: ٢٩٦) : أن رسول الله ﷺ أمره أن يصدّق عن الفضل بن العباس وعن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث من الخمس.
стр. 495
الباب الخامس والاربعون في الرجل يبعثه الإمام مبشرا بالفتح وفيه تلقي القوم المبعوث إليهم بالبشارة الامام في الطريق يهنئونه
وفيه فصلان
الفصل الأول في ذكر من بعثه رسول الله ﷺ مبشرا
قال ابن إسحاق (١: ٦٤٢، ٦٤٣) رحمه الله تعالى في أخبار يوم بدر: ثم بعث رسول الله ﷺ عند الفتح عبد الله بن رواحة بشيرا إلى أهل العالية بما فتح الله على رسوله وعلى المسلمين، وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة؛ قال ابن إسحاق: ثم أقبل رسول الله ﷺ قافلا إلى المدينة حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين. انتهى.
الفصل الثاني في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم
قال ابن هشام في «السير» (١: ٢٤٧) : زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن امرىء القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ودّ بن عوف بن كنانة بن بكر ابن عوف بن عذرة بن زيد اللّات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة.
انتهى.
وكذلك نسبه ابن حزم في «الجماهر» (٤٥٩) «١» .
стр. 496
وقال أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٥٤٢) : زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، أبو أسامة، مولى رسول الله ﷺ ، ونسبه كما نسبه ابن هشام وابن حزم، ووصل نسبه بقحطان؛ قال: وكان ابن إسحاق (١: ٢٤٧) يقول: زيد بن حارثة بن شرحبيل، ولم يتابع على قوله: شرحبيل، وإنما هو شراحيل. وأم زيد:
سعدى بنت ثعلبة بن عامر من بني معن بن طيء. وكان زيد رضي الله تعالى عنه أصابه سباء في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام لخديجة بنت خويلد، فوهبته لرسول الله ﷺ ، فتبناه رسول الله ﷺ بمكة قبل النبوة وهو ابن ثمان سنين، وكان رسول الله ﷺ أكبر منه بعشر سنين، وقد قيل بعشرين سنة، وطاف به رسول الله ﷺ حين تبناه على حلق قريش يقول: هذا ابني وارثا وموروثا، يشهدهم على ذلك. وقال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزلت: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ (الأحزاب: ٥) . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: خرجت سعدى بنت ثعلبة أم زيد بن حارثة، وهي امرأة من طيء تزور قومها وزيد معها، فأغارت خيل لبني القين بن جسر في الجاهلية فمروا على أبيات بني معن رهط أمّ زيد فاحتملوا زيدا وهو يومئذ غلام يفعة فوافوا به سوق عكاظ فعرضوه للبيع فاشتراه منهم حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد بأربعمائة درهم، فلما تزوجها رسول الله ﷺ وهبته له.
وقال أبوه حارثة بن شراحيل حين فقده «١» : [من الطويل]
بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحيّ يرجّى أم أتى دونه الأجل
فو الله ما أدري وإن كنت سائلا ... أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل
فيا ليت شعري هل لك الدهر رجعة ... فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل
تذكرنيك الشمس عند طلوعها ... وتعرض ذكراه إذا قارب الطّفل
стр. 497
وإن هبّت الأرواح هيّجن ذكره ... فيا طول ما حزني عليه ويا وجل
سأعمل نصّ العيس في الأرض جاهدا ... ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل
حياتي أو تأتي عليّ منيتي ... وكلّ امرىء فان وإن غرّه الأمل
سأوصي به قيسا وعمرا كليهما ... وأوصي يزيدا ثم من بعده جبل
يعني جبلة بن حارثة أخا زيد، وكان أكبر من زيد، ويعني يزيد أخا زيد لأمه وهو يزيد بن كعب بن شراحيل.
فحجّ ناس من كلب فرأوا زيدا فعرفهم وعرفوه فقال: أبلغوا أهلي هذه الأبيات فإني أعلم أنهم قد جزعوا عليّ فقال «١» [من الطويل]
أحنّ إلى قومي وإن كنت نائيا ... فإني قعيد البيت عند المشاعر
فكفوا عن الوجد الذي قد شجاكم ... ولا تعملوا في الأرض نصّ الأباعر
فإني بحمد الله في خير أسرة ... كرام معدّ كابرا بعد كابر
فانطلق الكلبيون فأعلموا أباه فقال: ابني ورب الكعبة، ووصفوا له موضعه وعند من هو، فخرج حارثة وكعب بن شراحيل لفدائه، وقدما المدينة فسألا عن النبي ﷺ ، فقيل هو في المسجد، فدخلا عليه فقالا: يا ابن عبد المطلب، يا ابن هاشم، يا ابن سيد قومه، أنتم أهل حرم الله وجيرانه، تفكّون العاني، وتطعمون الأسير، جئناك في ابننا عبدك فامنن علينا، وأحسن إلينا في فدائه، قال: من هو؟ قالوا: زيد بن حارثة، فقال رسول الله ﷺ :
فهلا غير ذلك؟ قالوا: ما هو؟ قال: أدعوه فأخيّره فإن اختاركم فهو لكم، وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدا. قالا: قد زدتنا على النصف وأحسنت، فدعاه فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم، قال: من هذا؟
قال: هذا أبي وهذا عمى، قال: فإني من قد علمت ورأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما. قال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت مني مكان الأب والعم؛
стр. 498
فقالا: ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟! قال: نعم، قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي أختار عليه أحدا أبدا. فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ أخرجه إلى الحجر فقال: يا من حضر اشهدوا أن زيدا ابني يرثني وأرثه، فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت نفوسهما وانصرفا. ودعي زيد بن محمد حتى جاء الله بالإسلام فنزلت ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ فدعي يومئذ زيد بن حارثة.
وعن الزهري قال: ما علمنا أحدا أسلم قبل زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه؛ قال عبد الرزاق: ما أعلم أحدا ذكره غير الزهري؛ قال أبو عمر رحمه الله تعالى: وقد روي عن الزهري من وجوه أن أول من أسلم خديجة.
وشهد زيد بن حارثة بدرا، وزوّجه رسول الله ﷺ من مولاته: أم أيمن فولدت له أسامة بن زيد، وبه كان يكنى، وكان يقال لزيد بن حارثة: حبّ رسول الله ﷺ .
وروي عنه ﷺ أنه قال: إن أحبّ الناس إليّ من أنعم الله عليه وأنعمت عليه، يعني زيد بن حارثة، أنعم الله عليه بالإسلام وأنعم عليه رسول الله ﷺ بالعتق.
وقتل زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه بمؤتة من أرض الشام سنة ثمان من الهجرة وهو كان الأمير على تلك الغزوة؛ وقال رسول الله ﷺ : فإن قتل زيد فجعفر، فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة. فقتلوا ثلاثتهم في تلك الغزوة.
ولما أتى رسول الله ﷺ نعي جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة بكى وقال: أخواي ومؤنساي ومحدثاي. انتهى.
وقال ابن قتيبة في «المعارف» (١٤٤) كان زيد ممن أمّره رسول الله ﷺ على الجيش يوم مؤتة فاستشهد، وكان يوم مؤتة سنة ثمان، وقتل وهو ابن خمس وخمسين سنة. انتهى.
стр. 499
وروى أبو عمر ابن عبد البر (٥٤٦) بسنده عن الليث بن سعد قال: بلغني أن زيد بن حارثة اكترى من رجل بغلا من الطائف اشترط عليه الكريّ أن ينزله حيث شاء، قال: فمال به إلى خربة فقال: انزل فنزل فإذا في الخربة قتلى كثيرة، فلما أراد أن يقتله، قال له: دعني أصلي ركعتين، قال: صلّ فقد صلّى قبلك هؤلاء فلم تنفعهم صلاتهم شيئا، قال: فلما صليت أتاني ليقتلني، قال: فقلت: يا أرحم الراحمين، قال: فسمع صوتا: لا تقتله، قال: فهاب ذلك، فخرج يطلب فلم ير شيئا، فرجع إلي فناديت يا أرحم الراحمين، ففعل ذلك ثلاثا، فإذا أنا بفارس على فرس بيده حربة حديد في رأسها شعلة من نار فطعنه بها فأنفذه من ظهره فوقع ميتا، ثم قال لي: لما دعوت المرة الأولى كنت في السماء السابعة فلما دعوت في المرة الثانية يا أرحم الراحمين كنت في السماء الدنيا فلما دعوت في المرة الثالثة يا أرحم الراحمين أتيتك. انتهى.
فوائد لغوية في ثماني مسائل:
الأولى: ابن طريف: بشرتك بالخير بفتح الشين وكسرها بشارة بكسر الباء وضمها وأبشرتك بالخير أيضا. وفي «الديوان» (٢: ٣٥١) بشّرتك مشددا؛ وقاله ابن القوطية (١: ٦٣) وفي «الصحاح» (٢: ٥٩٠- ٥٩١) وتقول: أبشر بخير بقطع الألف، ومنه قوله تعالى وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (فصلت: ٣٠) ، والبشارة المطلقة لا تكون إلا بالخير، وإنما تكون بالشر إذا كانت مقيدة به كقوله تعالى فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ*، وبشرت الرجل بشرا وبشورا من البشرى، وكذلك الإبشار والتّبشير ثلاث لغات، وتباشر القوم: بشّر بعضهم بعضا، والتّباشير: البشرى، والبشير: المبشّر.
الثانية: في «المشارق» (٢: ١٠٨) العالية ما كان من جهة نجد من المدينة من قراها وعمائرها، والسافلة ما كان من ذلك من جهة تهامة.
الثالثة: في «المشارق» (١: ٣٠٥) الرّوحاء بفتح الراء ممدود: بينه وبين المدينة
стр. 500
نحو أربعين ميلا. وفي كتاب مسلم: هي على ستة وثلاثين ميلا؛ وفي كتاب ابن أبي شيبة: ثلاثون ميلا.
الرابعة: في «الصحاح» (٣: ١٣١٠) أيفع الغلام أي ارتفع وهو يافع، ولا يقال:
موفع وهو من النوادر، وغلام يفع ويفعة، وغلمان أيفاع ويفعة أيضا.
الخامسة: الفارابي (١: ٢٢٦) بجلي هذا وبجلي، بفتح الجيم وسكونها والباء مفتوحة في اللغتين ومعناه: حسبي.
السادسة: في «الصحاح» (٦: ٢٤٤٠) : العاني: الأسير، وقوم عناة، ونسوة عوان، وعنا فيهم فلان أسيرا: أي أقام فيهم على إساره واحتبس، وعنّاه غيره تعنية:
حبسه.
السابعة: في «ديوان الأدب» (١: ١٩٠، ٢٣٩) : النصف بكسر النون وسكون الصاد: النّصف والنّصفة بالفتح: الاسم من الإنصاف. وفي «الأفعال» لابن طريف:
أنصفتك: أعطيتك حقك؛ وأنشد غيره للفرزدق «١» [من الطويل]
ولكنّ نصفا لو سببت وسبّني ... بنو عبد شمس من مناف وهاشم
الثامنة: في «المحكم» الكروة والكروة والكراء: أجر المستأجر، كاراه مكاراة وكراء واكتراه وأكراه دابته أو داره، والاسم الكرو بغير هاء عن اللحياني، وكذلك الكروة والكروة، والمكاري والكريّ الذي يكريك دابته، والجمع أكرياء لا يكسر على غير ذلك. وفي «الصحاح» (٦: ٢٤٧٣) الكراء ممدود مصدر كاريت، والمكاري مفاعل منه، وهو من ذوات الواو، وتقول: أعط الكريّ كروته، بالكسر، أي:
كراه، وتقول: هؤلاء المكارون، وذهبت إلى المكارين، ولا تقول المكاريّين بالتشديد.
стр. 501
الجزء السادس في العمالات الجبائية
وفيه اثنا عشر بابا
стр. 502
الباب الأول في صاحب الجزية
وفيه فصلان
الفصل الأول في ذكر أخذ النبي ﷺ الجزية وممن أخذها
قال محمد بن المنذر في «الإشراف» ، قال الشافعي: صالح رسول الله ﷺ نصارى نجران على الجزية، وفيهم عرب وعجم، وصالح ذمّة اليمن على الجزية وفيهم عرب وعجم. انتهى.
وذكر أبو عمر ابن عبد البر في «التمهيد» عن ابن شهاب قال: أول من أعطى الجزية من أهل الكتاب أهل نجران في علمنا، وكانوا نصارى، ثم قبل رسول الله ﷺ الجزية من أهل البحرين وكان مجوسا.
فوائد لغوية:
في «الصحاح» (٦: ٢٣٠٣) الجزية: ما يؤخذ من أهل الذمة، والجمع: مثل لحية ولحى.
قال العزيزي «١» : الجزية: الخراج المجعول على رأس الذميّ، وسميت جزية: لأنها قضاء منهم لما عليهم ومنه قوله : لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً (البقرة: ٤٨) أي لا تقضي ولا تغني.
стр. 503
وقال ابن عسكر في «المشرع» : أو لأنها جزاء للمنّ عليهم بالإعفاء من القتل.
الفصل الثاني في ذكر من تولّى الجزية في زمن رسول الله ﷺ
١- فمنهم أبو عبيدة ابن الجراح القرشي
رضي الله تعالى عنه: روى النسائي رحمه الله تعالى عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن العاقب والسيد صاحبا نجران أتيا رسول الله ﷺ فأرادا أن يلاعناه، فقال:
أحدهما: لا ألاعنه، والله لئن كان نبيا لعله لا نفلح ولا عقبنا من بعده، قالا له:
نعطيك ما سألت فابعث معنا رجلا أمينا حقّ أمين، فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: قم يا أبا عبيدة ابن الجراح، فلما مضى قال: هذا أمين هذه الأمة. انتهى.
وذكر ابن عطية (٣: ١١١) أنهم لما أبوا أن يباهلوه- ﷺ قال لهم: أسلموا، فإن أبيتم فأعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، فإن أبيتم فإني أنبذ إليكم على سواء، قالوا: لا طاقة لنا بحرب العرب، ولكنا نؤدي الجزية، قال: فجعل عليهم في كل سنة ألفي حلة: ألفا في رجب، وألفا في صفر. وطلبوا منه رجلا أمينا يحكم بينهم فبعث معهم أبا عبيدة ابن الجراح، رضي الله تعالى عنه.
وروى البخاري (٤: ١١٧) رحمه الله تعالى عن عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة ابن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها وكان رسول الله ﷺ هو صالح أهل البحرين وأمّر عليهم العلاء بن الحضرمي فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين ... الحديث بكماله.
٢- ومنهم معاذ بن جبل بن عمرو الأنصاري
رضي الله تعالى عنه: روى أبو داود (٢: ١٤٩) رحمه الله تعالى عن معاذ رضي الله تعالى عنه أن النبي صلّى الله
стр. 504
عليه وسلم لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كلّ حالم- يعني محتلما- دينارا أو عدله من المعافر- ثيابا تكون باليمن. انتهى.
فائدتان لغويتان:
الأولى: في «المشارق» (١: ١٩١) : الحالم هو الذي بلغ الحلم بضم الحاء واللام: وهو إدراك الرجال، وأصله من الاحتلام في النوم، وفي الحديث: على كل محتلم، وخذ من كل حالم دينارا، والحلم بضم الحاء وسكون اللام وضمها أيضا من حلم النوم ورؤياه، والفعل منه: حلم بفتح اللام.
الثانية: «في المشارق» (١: ٣٨٥) برد معافري بفتح الميم منسوب إلى معافر قرية باليمن، وأصله: قبيل منهم نزلوها. وحكى لنا شيخنا أبو الحسين «١» الضمّ، وقد أنكر يعقوب الضمّ فيه.
تنبيه:
قد تقدم ذكر أبي عبيدة ابن الجراح رضي الله تعالى عنه في باب المقدم على الرجالة في الجزء الخامس من هذا الكتاب «٢» ، وذكر معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه في باب القاضي في الجزء الرابع «٣» منه فأغنى عن الإعادة الآن.
стр. 505
الباب الثاني في صاحب الأعشار
وفيه أربعة فصول
الفصل الأول في ذكر ما جاء في ذلك عن رسول الله ﷺ
روى أبو داود (٢: ١٥١) رحمه الله تعالى عن حرب بن عبيد الله بن عمير الثقفي عن جده رجل من بني تغلب «١» قال: أتيت النبيّ ﷺ فأسلمت وعلمني الإسلام، وعلمني كيف آخذ الصدقة من قومي ممن أسلم، ثم رجعت إليه فقلت: يا رسول الله كلّ ما علمتني قد حفظت إلا الصدقة، أفأعشرهم؟ قال:
لا إنما العشر على اليهود والنصارى.
فائدة لغوية:
في «المشارق» (٢: ١٠٢) عشور أهل الذمة، وتعشيرهم: هو ما يؤخذ منهم إذا نزلوا «٢» بنا تجارا على ذمة وعهد، وذلك ما صولحوا عليه عند مالك «٣» ، [وفي رواية العشور] «٤» وهو اسم لما يؤخذ منهم كالسّحور لما يتسحر به. وفي الترجمة: عشور
стр. 506
أهل الذمة بالضم، إلا أن الضم له وجه كأنه جمع عشر، وإذا سافر أهل الذمة من أفق إلى أفق غير أفقهم من بلاد الإسلام أخذ منهم العشر مما بأيديهم. انتهى.
وفي «الصحاح» (٢: ٧٤٦) العشر: الجزء من أجزاء العشرة، وعشرت القوم أعشرهم عشرا بالضم: إذا أخذت منهم عشر أموالهم، ومنه العاشر والعشّار، وعشرت القوم أعشرهم بالكسر عشرا بالفتح أي صرت عاشرهم.
الفصل الثاني في ذكر من تولى ذلك في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه
روى الزهري رحمه الله تعالى في «مسنده» عن السائب بن يزيد رضي الله تعالى عنه قال: كنت عاملا مع عبد الله بن عتبة على سوق المدينة في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فكنا نأخذ من النبط العشر.
وعن السائب أيضا رضي الله تعالى عنه قال: كنت أعشر اليهود والنصارى، وخرجه مالك في «موطأه» (١٩٠) بنصه، رضي الله تعالى عنهم.
الفصل الثالث في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم
١- السائب بن يزيد
رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (٥٧٦) السائب ابن يزيد بن سعيد بن ثمامة بن الأسود بن أخت النمر، اختلف في نسبه: فقيل كناني، وقيل كندي، وقيل هذلي، وقيل أزدي، حليف لبني أمية أو بني عبد شمس. ولد في السنة الثانية من الهجرة، وقيل في الثالثة.
وكان يقول: ذهبت بي خالتي إلى رسول الله ﷺ فقالت:
يا رسول الله إن ابن أختي وجع، فدعا لي ومسح برأسي، ثم توضأ فشربت من
стр. 507
وضوئه، ثم قمت خلف ظهره فنظرت إلى خاتم بين كتفيه كأنه زرّ الحجلة. وكان عاملا لعمر على سوق المدينة مع عبد الله بن عتبة بن مسعود. واختلف في وقت وفاته: فقيل توفي سنة ثمانين، وقيل سنة إحدى وتسعين. انتهى.
٢- عبد الله بن عتبة بن مسعود:
قال أبو عمر (٩٤٥) رحمه الله تعالى:
هو ابن أخي عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما، ذكره العقيلي في الصحابة فغلط «١» ، وإنما هو تابعي من كبار التابعين بالكوفة، استعمله عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ولكنه ولد في حياة رسول الله ﷺ وأتي به فمسحه بيده ودعا له؛ روى عنه ابنه حمزة بن عبد الله بن عتبة أنه قال: أذكر أن رسول الله ﷺ وضع يده على رأسي.
وروت عنه أمّ ولده قالت: قلت لسيدي عبد الله بن عتبة: أي شيء تذكر من رسول الله ﷺ ؟ قال: أذكر أني غلام خماسي أو سداسي أجلسني النبي ﷺ في حجره، ومسح على وجهي، ودعا لي ولذريتي بالبركة. انتهى.
فائدة لغوية:
في «المشارق» (١: ١٨٣) «٢» : في صفة خاتم النبوة: مثل زرّ الحجلة، كذا هو في «صحيح مسلم» (٢: ٢١٨) وفي «كتاب البخاري» (١: ٥٩) بتقديم الزاي مكسورة، والحجلة بحاء مهملة مفتوحة، وجيم مفتوحة، والزّر واحد الأزرار التي تدخل في العرى كأزرار القميص، والحجلة: واحد الحجل وهو ستر ذو سجوف.
стр. 508
الفصل الرابع في حكم ما يجلبه الحربيون إذا دخلوا بالأمان، وحكم ما تجر به أهل الذمة من الخمر والخنزير
قال أبو عمر ابن عبد البر في باب حكم أهل الحرب إذا دخلوا إلينا بأمان في كتابه «الكافي» : ولا يعرض لهم في بيع الخنزير والخمر من أهل الذمة، ويؤخذ منهم عشر ثمن ذلك كله. انتهى.
وقال أبو محمد عبد الله بن نجم بن شاس في «الجواهر» في كتاب عقد الذمة منه: إذا تجر أهل الذمة بالخمر وما يحرم علينا، فروى ابن نافع أنهم يتركون حتى يبيعوه فيؤخذ منهم عشر الثمن، وإن خيف من خيانتهم جعل معهم أمين؛ قال ابن نافع: وذلك إذا جلبوه إلى أهل الذمة، لا إلى أمصار المسلمين التي لا ذمة فيها.
وذكر ابن حبيب في الحربيين ومعهم خمر وخنزير: فالوالي يريق الخمر ويقتل الخنزير، ويفيت الجميع، ولا يجوز للإمام إنزالهم على إبقاء ذلك في أيديهم. انتهى.
стр. 509
الباب الثالث في الترجمان
أما الترجمان يترجم للإمام باللسان وبالكتاب فقد تقدم ذكره في الجزء الثالث من هذا الكتاب، وأن المتولي لذلك لرسول الله ﷺ كاتبه زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه. وإنما يذكر هنا الرجل يترجم عن أهل الذمة فيما يعرض لهم وعليهم من المعاملات، والحقوق والمخاصمات.
قال ابن بطال: اختلف العلماء في من تجوز ترجمته بلسان الأعجمين إذا تخاصموا إلى حكام المسلمين:
١- مذهب مالك رحمه الله تعالى:
قال ابن بطال: فروى أشهب عن مالك أنه تجوز ترجمة رجل واحد ثقة، واثنان أحب إلي في ذلك من الواحد، ولا تقبل ترجمة عبد ولا مسخوط. زاد ابن يونس: ولا كافر، وتقبل ترجمة امرأة واحدة، واثنتان أحبّ إليه. انتهى.
وقال ابن يونس في كتاب «آداب القضاة» من تأليفه، قال مالك: ولا بأس أن تقبل ترجمة امرأة عدلة، قال مطرّف وابن الماجشون: إذا لم يجد من الرجال من يترجم له. قالوا: وكان مالك يقبل فيه شهادة النساء، وامرأتان ورجل أحبّ إلينا.
قال ابن يونس، وقال سحنون: ولا تقبل ترجمة النساء، ولا ترجمة رجل واحد، ولا ترجمة من لا تجوز شهادته، لأن من لا يفهم قوله كالغائب عنه. انتهى.
وقال ابن رشد في «البيان والتحصيل» قوله: لا تقبل ترجمة كافر أو عبد أو مسخوط معناه مع وجود العدول المرضيين. وإذا اضطر إلى ترجمة الكافر
стр. 510
أو المسخوط أو العبد أعمل قوله، وحكم به كما يحكم بقول الطبيب النصراني، وغير العدل فيما يضطر به فيه إلى قوله من جهة معرفته بالطب. انتهى.
٢- مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى:
قال ابن بطال: وأجاز أبو حنيفة وأبو يوسف ترجمة رجل واحد وامرأة واحدة، ولا تقبل من عبد كقول مالك. وقال ابن المنذر: قول النعمان ويعقوب: إن الرجل المسلم إذا ترجم عنهم قبل منه. قال: واثنان أحبّ إليّ، قال: ولا تقبل ترجمة أهل الكفر ولا المكاتب ولا العبد، ولو قبل ترجمة امرأة بعد أن تكون حرة مسلمة عدلة فهو في سعة، ورجلان ورجل وامرأة أحب إلينا. وقال ابن بطال وابن المنذر:
قال محمد بن الحسن: لا تقبل إلا من رجلين أو رجل وامرأتين، وإنما هذا بمنزلة الشهادة، ولا يقوم بذلك إلا من تقبل شهادته، لأن القاضي إذا لم يعلم ما يتكلم به الخصم فكأنه لم يسمعه.
٣- مذهب الشافعي
رحمه الله تعالى:
قال ابن بطال، وقال الشافعي: لا بد من اثنين؛ قال ابن المنذر: وقالت طائفة: لا تقبل الترجمة إلا من شاهدين عدلين يعرفان ذلك اللسان لا يشكان فيه.
قال: وهذا قول الشافعي، وأقام الشافعي ذلك مقام الشهادة. انتهى اختيار ابن المنذر.
قال ابن المنذر: لو كان الأمر إلى النظر لكان الواجب ألا يقبل في الترجمة أقل من شاهدين قياسا على أن ما غاب عن القاضي لا يقبل فيه إلا شاهدان.
وفي ترجمة زيد بن ثابت وحده للنبي ﷺ حجّة لا يجوز خلافها. انتهى.
стр. 511
الباب الرابع في متولي خراج الأرضين
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول في ذكر أقسام الأرضين بالنظر إلى أحكامها ومصرف فوائدها
الأرضون أربعة أقسام:
القسم الأول:
أرض انجلى عنها أهلها من غير أن يوجف عليها بخيل ولا ركاب: روى مسلم (٢: ٥٢) رحمه الله تعالى عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله، مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي ﷺ خاصة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله .
قال القاضي في «الإكمال» ، قال الطبري: كان ما أفاء الله على رسوله طعمة من الله له، على أن يأكل منه هو وأهله ما احتاجوا، ويصرف ما فضل عن ذلك في تقوية المسلمين.
وعن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه أنه ﷺ كان يعود منها على فقراء بني هاشم ويزوج أيمهم.
وقال الإمام المازري: ما أجلي عنه أهله من غير قتال، فعندنا أنه لا يخمّس، ويصرف في مصالح المسلمين، كما كان النبي ﷺ يصرف ما يؤخذ من بني النضير.
стр. 512
والقسم الثاني:
أرض أسلم عليها أهلها: قال أبو عبيد القاسم بن سلام في «كتاب الأموال» (٦٩) : فهي لهم ملك أيمانهم، وهي أرض عشر لا شيء عليهم فيها غيره.
والقسم الثالث:
أرض افتتحت صلحا على خراج معلوم: قال أبو عبيد القاسم بن سلام في «كتاب الأموال» (٦٩) أيضا: فهم على ما صولحوا عليه لا يلزمهم أكثر منه.
والقسم الرابع:
أرض أخذت قهرا وعنوة: قال أبو عبيد القاسم بن سلام في «كتاب الأموال» (٦٩- ٧٠) أيضا: فهي التي اختلف فيها المسلمون، فقال بعضهم: سبيلها سبيل الغنيمة تخمّس وتقسم، يكون أربعة أخماسها حصصا بين الذين افتتحوها خاصة، ويكون الخمس [الباقي] لمن سمّى الله ﵎. وقال بعضهم: بل حكمها والنظر فيها إلى الإمام، إن رأى أن يجعلها غنيمة فيخمسها ويقسمها كما فعل رسول الله ﷺ بخيبر فذلك له، وإن رأى أن يجعلها فيئا فلا يخمّسها ولا يقسمها ولكن تكون موقوفة على المسلمين عامة ما بقوا، كما صنع عمر رضي الله تعالى عنه بالسواد فعل ذلك.
وحكى ابن شاس في المذهب في كتاب الجهاد وكتاب قسم الفيء من «الجواهر» في ذلك ثلاثة أقوال:
الأول: تكون وقفا لمن يأتي من المسلمين ليشترك الكلّ في منفعته، كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه يصرف خراجها في مصالح المسلمين من أرزاق المقاتلة والعمال وبناء القناطر والمساجد وغير ذلك من سبل الخير ولا تقسم.
والثاني: تقسم كسائر أموال الغنيمة من العين والعروض.
والثالث: أن ذلك موكول إلى اجتهاد إمام الوقت.
قال: وفي بعض روايات المدونة ما يقتضي التخيير، فيصرف الأمر فيها إلى اجتهاد الإمام.
стр. 513
الفصل الثاني في ذكر رأي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في أرض العنوة
روى أبو عبيد القاسم بن سلام (٧٢) عن إبراهيم التيمي قال: لما افتتح المسلمون السواد قالوا لعمر: اقسمه بيننا فإنا فتحناه عنوة، فأبى وقال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟ وأخاف إن قسمته أن تفاسدوا بينكم في المياه. قال:
فأقرّ أهل السواد في أرضهم، وضرب على رؤوسهم الجزية، وعلى أرضهم الطسق- قال أبو عبيد: يعني الخراج- ولم يقسمه بينهم.
وعن الماجشون قال (٧٣) قال بلال لعمر بن الخطاب في القرى التي افتتحوها يعني بالشام عنوة: اقسمها بيننا وخذ خمسها، فقال عمر: لا، هذا عين المال، ولكني أحبسه فيما يجري عليهم وعلى المسلمين، فقال بلال وأصحابه: اقسمها بيننا، فقال عمر: اللهم اكفني بلالا وذويه؛ قال: فما حال الحول ومنهم عين تطرف.
وعن سفيان بن وهب الخولاني يقول (٧٤) : لما افتتحت مصر بغير عهد قام الزبير فقال: يا عمرو بن العاص اقسمها، فقال عمرو: لا أقسمها، فقال الزبير:
لتقسمنّها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر، فقال عمرو: لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين، وكتب إلى عمر رضي الله تعالى عنهم، فكتب إليه عمر: أن دعها حتى يغزو منها حبل الحبلة، يعني ولد الولد. قال أبو عبيد: أراه أراد أن يكون فيئا موقوفا للمسلمين ما تناسلوا، ليرثه قرن عن قرن ويكون قوة لهم على عدوهم.
وعن يزيد بن أبي حبيب (٧٤) أن عمر رضي الله تعالى عنه كتب إلى سعد بن أبي وقاص يوم افتتح العراق: أما بعد، فقد بلغني كتابك، أن الناس قد سألوا أن تقسم بينهم غنائمهم وما أفاء الله عليهم، فانظر ما أجلبوا به عليك في العسكر من كراع أو مال فاقسمه بين من حضر من المسلمين، واترك الأرضين والأنهار لعمالها
стр. 514
ليكون ذلك في أعطيات المسلمين، فإنا لو قسمناها بين من حضر لم يكن لمن بعدهم شيء.
(٧٤) وعن جارية بن مضرّب عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه أراد أن يقسم السواد بين المسلمين فأمر أن يحصوا، فوجد الرجل يصيبه ثلاثة من الفلاحين، فشاور في ذلك، فقال له علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما: دعهم يكونوا مادة للمسلمين فتركهم.
(٧٥) وعن عبد الله بن أبي قيس أو عبد الله بن قيس قال: قدم عمر الجابية، فأراد أن يقسم الأرض بين المسلمين، فقال معاذ: والله إذا ليكوننّ ما تكره، إنك إن قسمتها اليوم صار الريع العظيم في يدي القوم، ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد أو المرأة، ثم يأتي من بعدهم يسدّون من الإسلام مسدّا، وهم لا يجدون شيئا، فانظر أمرا يسع أولهم وآخرهم، فصار عمر إلى قول معاذ رضي الله تعالى عنهما.
قال أبو عبيد: فقد تواترت الآثار في افتتاح الأرضين عنوة بهذين الحكمين:
أما الأول منهما: فحكم رسول الله ﷺ في خيبر: وذلك أنه جعلها غنيمة فخمسها وقسمها وبهذا الرأي أشار بلال على عمر في بلاد الشام، وأشار به الزبير بن العوام على عمرو بن العاص في أرض مصر، وبهذا كان يأخذ مالك بن أنس.
وأما الحكم الآخر: فحكم عمر رضي الله تعالى عنه في السواد وغيره، وذلك أنه جعله فيئا موقوفا على المسلمين ما تناسلوا، ولم يخمسه ولم يقسمه، وهو الرأي الذي أشار به علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنهما، وبهذا كان يأخذ سفيان وهو معروف من قوله.
قال أبو عبيد (٧٦) وليس فعل النبي ﷺ برادّ لفعل عمر، ولكنه ﷺ اتبع آية من كتاب الله فعمل بها، واتبع عمر آية فعمل بها، وهما آيتان محكمتان فيما ينال المسلمين من أموال المشركين فيصير غنيمة،
стр. 515
أو فيئا. قال الله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ (الأنفال: ٤١) فهذه آية الغنيمة، وهي لأهلها دون الناس، وبها عمل النبي ﷺ . وقال الله تعالى:
ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى إلى قوله: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ (الحشر: ٧- ٩) فهذه آية الفيء، وبها عمل عمر، وإياها تأوّل حين ذكر الأموال وأصنافها، قال: فاستوعبت هذه الآية الناس، وإلى هذه الآية ذهب علي ومعاذ حين أشارا عليه بما أشارا فيما نرى، والله تعالى أعلم.
فوائد لغوية في ست مسائل:
الأولى: ابن طريف: ضرب عليك الشيء: ألزمكه، ومنه الضريبة من المغرم.
الثانية: تقدم قول أبي عبيد في الطسق: أنّه الخراج، وفي «المحكم» (٦: ١٣٨) الطسق: ما يوضع على الجربان من الخراج، وقال الجوهري (٤: ١٥١٧) فارسي معرب.
الثالثة: في «الصحاح» (٤: ١٦٦٥) حبل الحبلة: نتاج النتاج، وولد الجنين.
وفي «المشارق» (١: ١٧٥) بفتح الحاء والباء فيهما. ويروى في الأول بسكون الباء أيضا، والفتح أبين وأوضح.
الرابعة: في «جامع الاشتقاق» المضرب يكون من الضّرب على التكثير، ويكون من قولهم: أرض مضروبة من الضريب وهو الجليد الذي يسقط من السماء.
الخامسة: في «المحكم» سواد كل كورة ما حول القرى والرّساتيق، والسواد جماعة النخل والشجر لخضرته واسوداده، وقيل إنما ذلك لأن الخضرة تقارب السواد، والنسب إليهما سوادى بضم السين نادر، عن ابن الأعرابي.
стр. 516
تنبيه:
الرساتيق: في «الصحاح» (٤: ١٤٨١) الرّستاق فارسي معرب ألحقوه بقرطاس، والجمع: الرساتيق وهي السواد.
السادسة: الريع: في «الصحاح» (٣: ١٢٢٣) النّماء والزيادة، وأرض مريعة بفتح الميم أي مخصبة. انتهى.
الفصل الثالث في ذكر من تولى النظر في خراج الأرض في زمن رسول الله ﷺ ، وذكر نسبه
روى مالك رحمه الله تعالى في «الموطأ» (٤٢٩) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ استعمل رجلا على خيبر، فجاء بتمر جنيب، فقال رسول الله ﷺ : أكلّ تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا والله يا رسول الله. إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله ﷺ : لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا. انتهى.
قال أبو القاسم ابن بشكوال في كتابه «تفسير ما استعجم من غوامض الأسماء المبهمة الواقعة في متون الأحاديث المسندة» : الرجل المذكور هو سواد بن غزيّة أخو بني عديّ الأنصاري.
وروي عن سعيد بن المسيب أن أبا سعيد وأبا هريرة حدثاه أن رسول الله ﷺ بعث سواد بن غزيّة أخا بني عديّ الأنصاري وأمّره على خيبر، فقدم عليه بتمر جنيب، فقال له رسول الله ﷺ : أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله إنا لنشتري الصاع بالصاعين، والصاعين بالثلاثة آصع من الجمع، فقال النبي ﷺ : لا تفعل ولكن بع هذا واشتر بثمنه من هذا وكذلك الميزان.
стр. 517
وقال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في «الاستيعاب» (٦٧٣) : سواد بن غزيّة: ذكره موسى بن عقبة في من شهد بدرا والمشاهد بعدها، من بني عدي بن النجار، وهو الذي أسر خالد بن هشام المخزومي يوم بدر.
وسواد بن غزية هو كان عامل رسول الله ﷺ على خيبر، فأتاه بتمر جنيب قد أخذ منه صاعا بصاعين من الجمع، رواه الدراوردي عن ابن المسيب وأبي هريرة، وذكر الحديث. انتهى.
فوائد لغوية في ثلاث مسائل:
الأولى: الخراج بفتح الخاء، والخرج بفتحها أيضا وسكون الراء المهملة؛ قاله القاضي في «المشارق» (١: ٢٣٢) وتقدم في باب الوزير «١» .
الثانية: في «المشارق» (١: ١٥٥) التمر الجنيب قال الطحاوي وابن السكن:
هو الطيّب، وقال غيره: هو الكبيس. وفي «الصحاح» (٢: ٩٦٦) : الكبيس: ضرب من التمر.
الثالثة: الجوهري (٣: ١١٩٨، ٤: ١٦٩٨) الجمع: الدقل يقال: ما أكثر الجمع في أرض بني فلان لنخل خرج من النوى لا يعرف اسمه، والدّقل: أردأ التمر، وقد أدقل النخل. وقال الفارابي (١: ٢٢٧) هو مفتوح الدال والقاف معا. انتهى.
стр. 518
الباب الخامس في صاحب المساحة
روى أبو عبيد في «كتاب الأموال» (٨٦) عن أبي مجلز، لاحق بن حميد، أن عمر بن الخطاب بعث عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما إلى أهل الكوفة على صلاتهم وجيوشهم، وعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه على قضائهم وبيت مالهم، وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض، ثم فرض لهم في كلّ يوم شاة بينهم. قال: أو قال: جعل لهم في كلّ يوم شاة، شطرها وسواقطها لعمّار، والشطر الآخر بين هذين. ثم قال: ما أرى قرية يؤخذ منها كلّ يوم شاة إلا كان سريعا في خرابها.
قال (٨٧) فمسح عثمان بن حنيف الأرض، فجعل على جريب الكرم عشرة دراهم، وعلى جريب النخل خمسة دراهم، وعلى جريب القضب ستة دراهم، وعلى جريب البر أربعة دراهم، وعلى جريب الشعير درهمين، وجعل على أهل الذمة في أموالهم التي يختلفون بها في كل عشرين درهما درهما، وجعل على رقابهم أربعة وعشرين كل سنة، وعطل الصبيان والنساء من ذلك، ثم كتب بذلك إلى عمر فأجازه ورضي به.
وفي «الاستيعاب» (١٠٣٣) : عثمان بن حنيف بن واهب بن العكيم بن ثعلبة بن الحارث بن مجدعة الأنصاري، من بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، أخو سهل بن حنيف. يكنى أبا عمرو، وقيل أبا عبد الله. عمل لعمر ثم لعلي رضي الله تعالى عنهما ولاه عمر بن الخطاب مساحة الأرض وجبايتها، وضرب الخراج والجزية على أهلها، وولاه عليّ البصرة، فأخرجه طلحة والزبير رضي الله تعالى
стр. 519
عنهم حين قدما البصرة، ثم قدم عليّ فكانت وقعة الجمل، فلما خرج عليّ من البصرة ولاها عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم.
ذكر العلماء بالخبر والأثر أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه استشار الصحابة رضي الله تعالى عنهم في رجل يوجهه إلى العراق، فأجمعوا جميعا على عثمان بن حنيف وقالوا: لن تبعثه إلى أهم من ذلك فإن له بصرا وعقلا ومعرفة وتجربة، فأسرع عمر إليه فولاه مساحة أرض أهل العراق، فضرب عثمان على كلّ جريب من الأرض يناله الماء عامرا أو غامرا: درهما وقفيزا، فبلغت جباية سواد الكوفة قبل أن يموت عمر بعام: مائة ألف ألف ونيفا.
وقال عثمان بن حنيف في نزول عسكر طلحة والزبير البصرة ما زاد في فضله رحمه الله تعالى ورضي عنهم ثم سكن عثمان بن حنيف الكوفة وبقي إلى زمن معاوية. انتهى.
فوائد لغوية في خمس مسائل:
الأولى: «ابن القوطية» (٣: ١٨٣) مسح الأرض مساحة ومسحا: ذرعها؛ «الفارابي» (٢: ١٩٨) مسحها يمسحها بفتح السين فيهما.
الثانية: حنيف: مصغر أحنف على أسلوب تصغير الترخيم كزهير وسويد في أزهر وأسود.
الثالثة: سواقط الشاة: يداها ورجلاها وحشوتها وهي سقطها أيضا؛ وفي «الصحاح» (٣: ١١٣٢) الساقط والساقطة اللئيم في حسبه ونفسه، والسّقط رديء المتاع.
الرابعة: في «الصحاح» (١: ٩٨) الجريب من الطعام ومن الأرض: مقدار معلوم، والجمع أجربة وجربان.
الخامسة: في «الصحاح» (١: ٢٠٣، ٣: ١٠٤٩) القضب والقضبة: الرطبة وهي
стр. 520
الإسفست بالفارسية، والموضع الذي تنبت فيه يسمى: مقضبة، قال: وهي الفصفصة بالكسر، وأنشد الأعلم للنابغة «١» : [من البسيط]
وقارفت وهي لم تجرب وباع لها ... من الفصافص بالنمّيّ سفسير
وقال: الفصافص: الرطاب واحدتها فصفصة، وفي «ديوان الأدب» (٣: ١٠٥) الفصفصة بكسر الفاءين وسكون الصاد. الأولى: الرطبة، بفتح الراء، وأصلها بالفارسية، والنميّ الفلوس، قاله الجوهري.
стр. 521
الباب السادس في العامل على الزكاة
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول في فضل العمل على الصدقة بالحق، وإثم المعتدي فيها وإثم مانعها، وأن ما يكتمه العامل فهو غلول
١- فضل العمل على الصدقة:
روى الترمذي (٢: ٧٩) وأبو داود (٢: ١٢٠) رحمهما الله عن رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: العامل على الصدقة بالحقّ كالغازي في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته.
٢- إثم المعتدي في الصدقة:
روى الترمذي (٢: ٧٩) رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال، قال رسول الله ﷺ : المعتدي في الصدقة كمانعها.
قال الترمذي رحمه الله تعالى يقول: على المعتدي من الإثم ما على المانع إذا منع.
٣- إثم مانع الصدقة:
روى البخاري (٢: ١٣٢) رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال، قال رسول الله ﷺ : من آتاه الله مالا فلم يؤدّ زكاته مثّل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان، يطوّقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه- يعني
стр. 522
شدقيه- ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك ثم تلا وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ (آل عمران: ١٨٠) ... الآية.
وروى النسائي (٥: ١١) رحمه الله تعالى عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال، قال رسول الله ﷺ : ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدّي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، فتنطحه بقرونها، وتطؤه بأخفافها كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها، حتى يقضى بين الناس. انتهى.
٤- ما يكتمه العامل فهو غلول:
روى مسلم (٢: ٨٤) رحمه الله تعالى عن عدي بن عميرة الكندي رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطا فما فوقه كان غلولا يأتي به يوم القيامة. قال: فقام إليه رجل أسود من الأنصار كأني أنظر إليه فقال: يا رسول الله اقبل عني عملك، قال:
وما لك؟ قال: سمعتك تقول: كذا وكذا، قال: وأنا أقوله الآن: من استعملناه منكم على عمل فليجىء بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ وما نهي عنه انتهى.
فوائد لغوية في ست مسائل:
الأولى: في «المعلم» أصل الزكاة في اللغة: النماء؛ وفي «الصحاح» (٦: ٢٣٦٨) : زكا الزرع يزكو زكاء- ممدود- أي نما، وأزكاه الله. قال الإمام المازري: فإن قيل: كيف يستقيم هذا الاشتقاق ومعلوم انتقاص المال بالإنفاق؟
قيل: وإن كان نقصا في الحال فقد يفيد النموّ في المآل، ويزيد في صلاح الأعمال. وفي «الصحاح» (٢٣٦٨) زكّى ماله تزكية: إذا أدّى عنه زكاته.
وقول الله وَتُزَكِّيهِمْ بِها (التوبة: ١٠٣) قالوا: تطهرهم، وزكّاه أيضا:
إذا أخذ زكاته.
الثانية: الشجاع: في «المشارق» (٢: ٢٤٥) قوله شجاع أقرع: هو الحية الذكر، وقيل كلّ حية شجاع- بضم الشين وقيل بكسرها- والجمع شجعان وشجعان وأشجعة، ويقال لواحدها أيضا أشجع.
стр. 523
الثالثة: الأقرع: في «المشارق» (٢: ١٨٠) ، قوله شجاع أقرع، في «البارع» :
هو ضرب من الحيات، وقيل هو الذي تمعّط من السم رأسه فزال عنه ما عليه كما زال شعر الأقرع.
الرابعة: في «المشارق» (١: ٣٠٩) قوله زبيبتان- بفتح الزاي- هما الزبدتان «١» في جانبي شدقي الحية من السم، وتكون في جانبي شدق الإنسان عند كثرة الكلام، وقيل هما نكتتان على عينيه وهو أشدّها أذى. [قال القاضي ﵀: ولا يعرف أهل اللغة هذا الوجه] «٢» .
الخامسة: في «المشارق» (١: ٣٦٣) : يأخذ بلهزمتيه- بكسر اللام- فسّره في الحديث: بشدقيه، وقال الخليل: هما مضيغتان في أصل الحنك، وقيل: عند منحنى اللّحيين أسفل من الأذنين، وقيل: بين الماضغ والأذن، وذا متقارب كلّه.
وفي «الديوان» (٢: ٥٤) اللهزمتان- بكسر اللام والزاي- في اللحيين: مجتمع اللحم بين الماضغ والأذن.
السادسة: في «المشارق» (١: ٣٤٣) أصل الكنز ما أودع الأرض من الأموال.
وهو في الحديث ما لم تؤد زكاته وغيب عليه «٣» .
الفصل الثاني في ذكر من ولي العمل على الصدقات في زمن رسول الله ﷺ وفي كتب العهد لمتولي الصدقة
١- كتب العهد بولاية الصدقة:
روى أبو داود (١: ٣٦٤) ﵀ عن سويد بن غفلة رضي الله تعالى عنه قال: أتانا مصدق النبيّ ﷺ فأخذت بيده، وقرأت في عهده قال:
لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة.
стр. 524
وذكر أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في باب سويد في «الاستيعاب» (٦٧٩) عن سويد بن غفلة بن عوسجة الجعفي رضي الله تعالى عنه قال: أتانا مصدق النبي ﷺ فأخذت بيده وأخذ بيدي فقرأت في عهده لا يجمع بين مفترق ولا يفرّق بين مجتمع خشية الصدقة؛ وذكر تمام الخبر. انتهى.
٢- ذكر من وليها في زمن رسول الله ﷺ :
ذكر ابن إسحاق رحمه الله تعالى في «السيرة» (٢: ٦٠٠) أن رسول الله ﷺ كان بعث أمراءه وعمّاله على الصدقات إلى كل ما وطأ الإسلام من البلدان وعدّ منهم جملة.
وذكر أبو الربيع ابن سالم في «الاكتفاء» أن رسول الله ﷺ لما صدر من الحجّ سنة عشر وقدم المدينة، فأقام حتى رأى هلال المحرم سنة إحدى عشرة، بعث المصدقين في العرب وذكر منهم جماعة.
قلت: ولو ذهبت إلى ذكر جميع من بعثه النبي ﷺ على الصدقات بأسمائهم وأخبارهم لطال ذلك، فاقتصرت على بعض من ولي ذلك من كبار الصحابة المشاهير رضي الله تعالى عنهم.
فمنهم من قريش:
١- عمر بن الخطاب
رضي الله تعالى عنه: خرج مسلم (١: ٢٦٨) رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقات، فقيل منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا وقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي عليّ ومثلها معها. ثم قال: يا عمر أما شعرت أن عمّ الرجل صنو أبيه؟. انتهى.
стр. 525
تنبيه:
لم أقف على ذكر ابن جميل ولا على اسمه في شيء من أخبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلا في هذا الحديث.
٢- وخالد بن سعيد بن العاصي
رضي الله تعالى عنه: قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في «السير» (٢: ٥٨٠، ٥٨٣) : قدم فروة بن مسيك المرادي على رسول الله ﷺ مفارقا لملوك كندة ومباعدا لهم، واستعمله رسول الله ﷺ على مراد وزبيد ومذحج كلّها، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاصي رضي الله تعالى عنه على الصدقة، فكان معه في بلاده حتى توفي رسول الله ﷺ . انتهى.
وقال ابن قتيبة في «المعارف» (٢٩٦) استعمل رسول الله ﷺ خالد بن سعيد بن العاصي على صدقات بني زبيد، فصار إليه الصمصامة سيف عمرو بن معد يكرب، فلم يزل عند آل سعيد بن العاصي حتى اشتراه المهدي منهم بعشرين ألف درهم. انتهى.
ومنهم من الأنصار:
٣- معاذ بن جبل
رضي الله تعالى عنه: روى الترمذي (٢: ٦٨) رحمه الله تعالى عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنّة، ومن كلّ حالم دينارا أو عدله معافر. انتهى.
٤- وأبي بن كعب
رضي الله تعالى عنه: روى أبو داود (١: ٣٦٥) رحمه الله تعالى عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال: بعثني رسول الله ﷺ مصدقا. انتهى.
ومنهم من طيء:
٥- عدي بن حاتم الطائي:
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في «السير»
стр. 526
(٢: ٦٠٠) بعث رسول الله ﷺ عدي بن حاتم على طيء وصدقاتها وعلى بني أسد.
وروى مسلم (٢: ٢٦٩) رحمه الله تعالى عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه قال: أتيت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال لي: إن أول صدقة بيّضت وجه رسول الله ﷺ ، ووجوه أصحابه صدقة طيء، جئت بها إلى رسول الله ﷺ .
ومنهم من بني تميم:
٦- الزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم التميميان
رضي الله تعالى عنهما:
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في «السير» (٢: ٦٠٠) فرق رسول الله ﷺ صدقة بني سعد على رجلين منهم: فبعث الزبرقان بن بدر على ناحية منها، وقيس بن عاصم على ناحية. انتهى.
وقال ابن قتيبة في «المعارف» (٢: ٣) : استعمل رسول الله ﷺ الزبرقان بن بدر على صدقات قومه، وتوفي النبي ﷺ فذهب بالصدقة إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنهما وهي سبعمائة بعير. انتهى.
فوائد لغوية في سبع مسائل:
الأولى: قد تقدم في كاتب العهود أن العهد الوصية، ومنه اشتقّ العهد الذي يكتب للولاة.
الثانية: في «المفصل» (٢٠٦) تحقير الترخيم أن يحذف كلّ شيء زيد في ذوات «١» الثلاثة والأربعة حتى تصير الكلمة على حروفها الأصول ثم تصغرها كقولك في أسود: سويد «٢» .
الثالثة: سويد بن غفلة- بفتح الغين والفاء- قاله القاضي في «المشارق» .
стр. 527
الرابعة: في «الأفعال» لابن طريف: نقمت الشيء ونقمته- بفتح القاف وكسرها- أنكرته.
الخامسة: في «المعلم» قوله ﷺ : «احتبس أعتاده» قال الهروي وغيره: العتاد ما أعدّه الرجل من السلاح والدوابّ والآلة للحرب، ويجمع أيضا أعتد وأعتدة.
السادسة: قد تقدم الكلام على الصنو عند ذكر العباس عم النبي ﷺ في باب السقاية.
السابعة: في «الاكمال» قول عمر لعديّ: أول صدقة بيضت وجه رسول الله ﷺ ووجوه أصحابه صدقة طيء، أي فرحتهم وسرتهم، وضدّه سواد الوجه عند الحزن والغمة بما يكره.
الفصل الثالث في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم
١- عمر بن الخطاب
رضي الله تعالى عنه: تقدم ذكره في باب الوزير، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
٢- خالد بن سعيد بن العاصي:
في «الاستيعاب» (٤٢٠) هو خالد بن سعيد بن العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، يكنى أبا سعيد، أسلم قديما، يقال إنه أسلم بعد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما، وكان ثالثا أو رابعا، وقيل كان خامسا.
وقال إبراهيم بن عقبة: سمعت أم خالد بنت خالد بن سعيد تقول: كان أبي خامسا في الإسلام، قلت: من تقدمه؟ قالت: علي بن أبي طالب، وابن أبي قحافة، وزيد بن حارثة، وسعد بن أبي وقاص. وهاجر إلى الحبشة المرة الثانية، وأقام بها بضع عشرة سنة، ثم قدم على النبي ﷺ بخيبر.
وشهد أبي مع رسول الله ﷺ عمرة القضية وفتح مكة وحنينا
стр. 528
والطائف وتبوك، وبعثه رسول الله ﷺ على صدقات اليمن، وفي رواية على صدقات مذحج، واستعمله على صنعاء اليمن. فتوفي رسول الله ﷺ وأبي باليمن.
قال أبو عمر (٤٢٢) : قتل خالد يوم «أجنادين» وكانت وقعة أجنادين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، وقيل بل قتل بمرج الصّفّر سنة أربع عشرة. انتهى.
٣- معاذ بن جبل
رضي الله تعالى عنه: تقدم ذكره في باب القاضي فأغنى ذلك عن إعادته.
٤- أبي بن كعب
رضي الله تعالى عنه: تقدم ذكره في باب إمامة القيام في رمضان فأغنى عن إعادته هنا.
٥- عدي بن حاتم الطائي
رضي الله تعالى عنه: قال أبو عمر ابن عبد البر (١٠٥٧) : عدي بن حاتم بن عبد الله الطائي مهاجري يكنى أبا طريف، ووصل نسبه إلى زيد بن كهلان. وقال: إلّا أنهم مختلفون في بعض الأسماء إلى طيء.
قدم عدي على رسول الله ﷺ في شعبان من سنة تسع.
وقال الواقدي: قدم عدي بن حاتم على رسول الله ﷺ في شعبان سنة عشر. قال أبو عمر: وخبره في قدومه على رسول الله ﷺ خبر عجيب في حديث حسن صحيح.
وقال عدي: ما دخلت على النبي ﷺ قطّ إلا وسّع لي أو تحرك، ودخلت عليه يوما في بيته وقد امتلأ من أصحابه فوسّع لي حتى جلست إلى جنبه.
قال أبو عمر (١٠٥٧) : ثم قدم على أبي بكر الصديق بصدقات قومه في حين الردة، ومنع قومه وطائفة معهم من الردة ثبوته اعلى الإسلام وحسن رأيه، وكان سريا شريفا في قومه حاضر الجواب فاضلا كريما.
стр. 529
وفي حديث الشعبي: أن عديّ بن حاتم قال لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إذ قدم عليه: ما أظنك تعرفني؟ فقال: وكيف لا أعرفك وأول صدقة بيّضت وجه رسول الله ﷺ صدقة طيء، أعرفك: آمنت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا. انتهى.
وذكر ابن السكيت في «شرح شعر حاتم» : أن عديّ بن حاتم رضي الله تعالى عنه قدم على عثمان رضي الله تعالى عنه في خلافته فحجبه نائل مولى عثمان، فلما خرج عثمان عرض له عدي فرحب به عثمان فشكا إليه نائلا، فلامه عثمان وقال:
لا تحجبه فإنا نعرف له فضله ورأي الخليفتين فيه وفي قومه. انتهى.
قال أبو عمر (١٠٥٨) : ثم نزل عديّ بن حاتم رضي الله تعالى عنه الكوفة وسكنها، وشهد مع عليّ رضي الله تعالى عنه الجمل، وفقئت عينه يومئذ، وشهد معه صفين والنهروان. ومات بالكوفة سنة سبع وستين، وقيل سنة ثمان وستين، وقيل سنة تسع وستين، وهو ابن مائة وعشرين سنة. انتهى.
٦- الزبرقان بن بدر
رضي الله تعالى عنه: قال أبو عمر ابن عبد البر (٥٦٠) :
الزبرقان بن بدر بن امرىء القيس بن خلف بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم البهدلي السعدي التميمي، يكنى أبا عياش، وقيل أبا شذرة. وفد على رسول الله ﷺ سنة تسع فولاه رسول الله ﷺ صدقات قومه، وأقره أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما على ذلك. وله في ذلك اليوم من قوله بين يدي رسول الله ﷺ مفاخرا «١» : [من البسيط]
نحن الملوك فلا حيّ يقاربنا ... فينا العلاء وفينا تنصب البيع
ونحن نطعمهم في القحط ما أكلوا ... من العبيط إذا لم يؤنس القزع
وننحر الكوم عبطا في أرومتنا ... للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا
تلك المكارم حزناها مقارعة ... إذا الكرام على أمثالها اقترعوا
стр. 530
فأجابه عليها حسان فأحسن، وأجاب خطيبهم ثابت بن قيس يومئذ فقرعهم، وخبرهم مشهور بذلك عند أهل السير موجود في كتبهم وفي كتب جماعة من أصحاب الأخبار، وقد اختصرنا ذلك في باب حسان بن ثابت. انتهى.
قلت: وقد أثبت ذلك في باب الشاعر عند ذكر حسان.
قال أبو عمر رحمه الله تعالى (٥٦١) : وقيل إن اسم الزبرقان بن بدر:
الحصين بن بدر، وإنما سمّي الزبرقان لحسنه، شبه بالقمر، لأن القمر يقال له الزبرقان. قال الأصمعي: الزبرقان: القمر، والزبرقان: الرجل الخفيف اللحية.
وقد قيل إن اسم الزبرقان بن بدر: القمر بن بدر. والأكثر على ما قدّمت لك، وقيل سمي الزبرقان لأنه لبس عمامة مزبرقة بالزعفران.
وفي «الصحاح» (٤: ١٤٨٨) : زبرقت الثوب أي صفرته، وزبرقان بن بدر الفزاري من رؤساء بني سعد. قال أبو يوسف: سمي الزبرقان لصفرة عمامته، وكان اسمه حصينا، قال المخبّل السعدي «١» : [من الطويل]
وأشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجّون سبّ الزبرقان المزعفرا
انتهى.
٧- قيس بن عاصم
رضي الله تعالى عنه: قال أبو عمر ابن عبد البر رحمة الله تعالى عليه في «الاستيعاب» (١٢٩٤) : قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد بن الحارث، والحارث هو مقاعس، بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم المنقري التميمي، يكنى أبا علي، وقيل أبا طلحة، وقيل أبا قبيصة، والمشهور أبو علي. قدم في وفد تميم على رسول الله صلّى الله عليه