← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9790

تخريج الدلالات السمعية

علي بن محمد الخزاعي

Полный текст (893 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

(٢: ٦٠٠) بعث رسول الله ﷺ عدي بن حاتم على طيء وصدقاتها وعلى بني أسد. وروى مسلم (٢: ٢٦٩) رحمه الله تعالى عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه قال: أتيت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال لي: إن أول صدقة بيّضت وجه رسول الله ﷺ ، ووجوه أصحابه صدقة طيء، جئت بها إلى رسول الله ﷺ . ومنهم من بني تميم: ٦- الزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم التميميان رضي الله تعالى عنهما: قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في «السير» (٢: ٦٠٠) فرق رسول الله ﷺ صدقة بني سعد على رجلين منهم: فبعث الزبرقان بن بدر على ناحية منها، وقيس بن عاصم على ناحية. انتهى. وقال ابن قتيبة في «المعارف» (٢: ٣) : استعمل رسول الله ﷺ الزبرقان بن بدر على صدقات قومه، وتوفي النبي ﷺ فذهب بالصدقة إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنهما وهي سبعمائة بعير. انتهى. فوائد لغوية في سبع مسائل: الأولى: قد تقدم في كاتب العهود أن العهد الوصية، ومنه اشتقّ العهد الذي يكتب للولاة. الثانية: في «المفصل» (٢٠٦) تحقير الترخيم أن يحذف كلّ شيء زيد في ذوات «١» الثلاثة والأربعة حتى تصير الكلمة على حروفها الأصول ثم تصغرها كقولك في أسود: سويد «٢» . الثالثة: سويد بن غفلة- بفتح الغين والفاء- قاله القاضي في «المشارق» .

стр. 527

الرابعة: في «الأفعال» لابن طريف: نقمت الشيء ونقمته- بفتح القاف وكسرها- أنكرته. الخامسة: في «المعلم» قوله ﷺ : «احتبس أعتاده» قال الهروي وغيره: العتاد ما أعدّه الرجل من السلاح والدوابّ والآلة للحرب، ويجمع أيضا أعتد وأعتدة. السادسة: قد تقدم الكلام على الصنو عند ذكر العباس عم النبي ﷺ في باب السقاية. السابعة: في «الاكمال» قول عمر لعديّ: أول صدقة بيضت وجه رسول الله ﷺ ووجوه أصحابه صدقة طيء، أي فرحتهم وسرتهم، وضدّه سواد الوجه عند الحزن والغمة بما يكره. الفصل الثالث في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم ١- عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: تقدم ذكره في باب الوزير، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ٢- خالد بن سعيد بن العاصي: في «الاستيعاب» (٤٢٠) هو خالد بن سعيد بن العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، يكنى أبا سعيد، أسلم قديما، يقال إنه أسلم بعد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما، وكان ثالثا أو رابعا، وقيل كان خامسا. وقال إبراهيم بن عقبة: سمعت أم خالد بنت خالد بن سعيد تقول: كان أبي خامسا في الإسلام، قلت: من تقدمه؟ قالت: علي بن أبي طالب، وابن أبي قحافة، وزيد بن حارثة، وسعد بن أبي وقاص. وهاجر إلى الحبشة المرة الثانية، وأقام بها بضع عشرة سنة، ثم قدم على النبي ﷺ بخيبر. وشهد أبي مع رسول الله ﷺ عمرة القضية وفتح مكة وحنينا

стр. 528

والطائف وتبوك، وبعثه رسول الله ﷺ على صدقات اليمن، وفي رواية على صدقات مذحج، واستعمله على صنعاء اليمن. فتوفي رسول الله ﷺ وأبي باليمن. قال أبو عمر (٤٢٢) : قتل خالد يوم «أجنادين» وكانت وقعة أجنادين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، وقيل بل قتل بمرج الصّفّر سنة أربع عشرة. انتهى. ٣- معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه: تقدم ذكره في باب القاضي فأغنى ذلك عن إعادته. ٤- أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه: تقدم ذكره في باب إمامة القيام في رمضان فأغنى عن إعادته هنا. ٥- عدي بن حاتم الطائي رضي الله تعالى عنه: قال أبو عمر ابن عبد البر (١٠٥٧) : عدي بن حاتم بن عبد الله الطائي مهاجري يكنى أبا طريف، ووصل نسبه إلى زيد بن كهلان. وقال: إلّا أنهم مختلفون في بعض الأسماء إلى طيء. قدم عدي على رسول الله ﷺ في شعبان من سنة تسع. وقال الواقدي: قدم عدي بن حاتم على رسول الله ﷺ في شعبان سنة عشر. قال أبو عمر: وخبره في قدومه على رسول الله ﷺ خبر عجيب في حديث حسن صحيح. وقال عدي: ما دخلت على النبي ﷺ قطّ إلا وسّع لي أو تحرك، ودخلت عليه يوما في بيته وقد امتلأ من أصحابه فوسّع لي حتى جلست إلى جنبه. قال أبو عمر (١٠٥٧) : ثم قدم على أبي بكر الصديق بصدقات قومه في حين الردة، ومنع قومه وطائفة معهم من الردة ثبوته اعلى الإسلام وحسن رأيه، وكان سريا شريفا في قومه حاضر الجواب فاضلا كريما.

стр. 529

وفي حديث الشعبي: أن عديّ بن حاتم قال لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إذ قدم عليه: ما أظنك تعرفني؟ فقال: وكيف لا أعرفك وأول صدقة بيّضت وجه رسول الله ﷺ صدقة طيء، أعرفك: آمنت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا. انتهى. وذكر ابن السكيت في «شرح شعر حاتم» : أن عديّ بن حاتم رضي الله تعالى عنه قدم على عثمان رضي الله تعالى عنه في خلافته فحجبه نائل مولى عثمان، فلما خرج عثمان عرض له عدي فرحب به عثمان فشكا إليه نائلا، فلامه عثمان وقال: لا تحجبه فإنا نعرف له فضله ورأي الخليفتين فيه وفي قومه. انتهى. قال أبو عمر (١٠٥٨) : ثم نزل عديّ بن حاتم رضي الله تعالى عنه الكوفة وسكنها، وشهد مع عليّ رضي الله تعالى عنه الجمل، وفقئت عينه يومئذ، وشهد معه صفين والنهروان. ومات بالكوفة سنة سبع وستين، وقيل سنة ثمان وستين، وقيل سنة تسع وستين، وهو ابن مائة وعشرين سنة. انتهى. ٦- الزبرقان بن بدر رضي الله تعالى عنه: قال أبو عمر ابن عبد البر (٥٦٠) : الزبرقان بن بدر بن امرىء القيس بن خلف بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم البهدلي السعدي التميمي، يكنى أبا عياش، وقيل أبا شذرة. وفد على رسول الله ﷺ سنة تسع فولاه رسول الله ﷺ صدقات قومه، وأقره أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما على ذلك. وله في ذلك اليوم من قوله بين يدي رسول الله ﷺ مفاخرا «١» : [من البسيط] نحن الملوك فلا حيّ يقاربنا ... فينا العلاء وفينا تنصب البيع ونحن نطعمهم في القحط ما أكلوا ... من العبيط إذا لم يؤنس القزع وننحر الكوم عبطا في أرومتنا ... للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا تلك المكارم حزناها مقارعة ... إذا الكرام على أمثالها اقترعوا

стр. 530

فأجابه عليها حسان فأحسن، وأجاب خطيبهم ثابت بن قيس يومئذ فقرعهم، وخبرهم مشهور بذلك عند أهل السير موجود في كتبهم وفي كتب جماعة من أصحاب الأخبار، وقد اختصرنا ذلك في باب حسان بن ثابت. انتهى. قلت: وقد أثبت ذلك في باب الشاعر عند ذكر حسان. قال أبو عمر رحمه الله تعالى (٥٦١) : وقيل إن اسم الزبرقان بن بدر: الحصين بن بدر، وإنما سمّي الزبرقان لحسنه، شبه بالقمر، لأن القمر يقال له الزبرقان. قال الأصمعي: الزبرقان: القمر، والزبرقان: الرجل الخفيف اللحية. وقد قيل إن اسم الزبرقان بن بدر: القمر بن بدر. والأكثر على ما قدّمت لك، وقيل سمي الزبرقان لأنه لبس عمامة مزبرقة بالزعفران. وفي «الصحاح» (٤: ١٤٨٨) : زبرقت الثوب أي صفرته، وزبرقان بن بدر الفزاري من رؤساء بني سعد. قال أبو يوسف: سمي الزبرقان لصفرة عمامته، وكان اسمه حصينا، قال المخبّل السعدي «١» : [من الطويل] وأشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجّون سبّ الزبرقان المزعفرا انتهى. ٧- قيس بن عاصم رضي الله تعالى عنه: قال أبو عمر ابن عبد البر رحمة الله تعالى عليه في «الاستيعاب» (١٢٩٤) : قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد بن الحارث، والحارث هو مقاعس، بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم المنقري التميمي، يكنى أبا علي، وقيل أبا طلحة، وقيل أبا قبيصة، والمشهور أبو علي. قدم في وفد تميم على رسول الله صلّى الله عليه

стр. 531

وسلم فأسلم، وذلك في سنة تسع، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: هذا سيد أهل الوبر. وكان عاقلا حليما مشهورا بالحلم. وقيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم المنقري، رأيته يوما قاعدا بفناء داره محتبيا بحمائل سيفه، حتى أوتي برجل مكتوف وآخر مقتول فقيل له: هذا ابن أخيك قتل ابنك، قال: فوالله ما حلّ حبوته ولا قطع كلامه، فلما أتمه التفت إلى ابن أخيه فقال: يا ابن أخي بئس ما فعلت، أثمت بربك، وقطعت رحمك، وقتلت ابن عمك، ورميت نفسك بسهمك، ثم قال لابن له آخر: قم يا بنيّ فوار أخاك، وحلّ كتاف ابن عمك، وسق إلى أمك مائة ناقة دية ابنها فإنها غريبة. وكان قيس بن عاصم قد حرّم الخمر على نفسه في الجاهلية، وكان سبب ذلك أنه غمز عكنة ابنته وهو سكران، وسبّ أباها، ورأى القمر فتكلّم بشيء، وأعطى الخمار كثيرا من ماله، فلما أفاق أخبر بذلك، فحرّمها على نفسه، وقال فيها أشعارا منها «١» : [من الوافر] رأيت الخمر صالحة وفيها ... خصال تفسد الرجل الحليما فلا والله أشربها صحيحا ... ولا أشفي بها أبدا سقيما ولا أعطي بها ثمنا حياتي ... ولا أدعو لها أبدا نديما فإن الخمر تفضح شاربيها ... وتجشمهم بها أمرا عظيما قال الحسن: لما حضرت قيس بن عاصم الوفاة دعا بنيه فقال: يا بني احفظوا عني فلا أحد أنصح لكم مني: إذا متّ فسوّدوا كباركم، ولا تسوّدوا صغاركم، فيسفّه الناس كباركم وتهونوا عليهم، وعليكم بإصلاح المال فإنه منبهة للكريم، ويستغنى به عن اللئيم، وإياكم ومسألة الناس فإنها أخر كسب المرء. وقال حكيم ولده: إنه أوصى عند موته فقال: إذا متّ فلا تنوحوا عليّ فإن رسول الله ﷺ لم ينح عليه.

стр. 532

وقال عبدة بن الطّبيب «١» : [من الطويل] عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحّما تحية من أوليته منك نعمة ... إذا زار عن شحط بلادك سلّما فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدّما فوائد لغوية في ست مسائل: الأولى: قال الخشني في «غريب السيرة» (٢: ٤٣٢) في أبيات الزبرقان: البيع: مواضع الصلوات والعبادات، واحدتها بيعة، والقزع: جمع قزعة، وهو سحاب رقيق يكون في الخريف. الثانية: قال الجوهري (٣: ١١٤٢) : عبطت الناقة واعتبطتها: إذا نحرتها وليست بها علة فهي عبيطة، ولحمها عبيط. الثالثة: في «المشرع» : في الحديث: الفخر والخيلاء في أهل الوبر: يريد أصحاب الإبل. وفي «الصحاح» : الوبر- بالتحريك- للبعير، الواحدة وبرة، وقد وبر بالكسر فهو وبر، وأوبر إذا كان كثير الوبر. الرابعة: في «المشارق» (١: ١٧٦- ١٧٧) الاحتباء: أن ينصب الرجل ساقيه ويدير عليهما ثوبه، أو يعقد يديه على ركبتيه معتمدا على ذلك، والاسم الحبوة والحبية والحبوة: بضم الحاء وكسرها. الخامسة: في «الصحاح» (٢: ٨٨٦) : غمزت الشيء بيدي: قال ابن القوطية: عصرته. وفي «الديوان» (١: ٢١٤) غمز غمزا- بفتح الميم في الماضي وكسرها في المستقبل-. السادسة: في «المشارق» (١: ٢١) : وفي الحديث: المسألة أخر كسب الرجل، مقصور، أي: أرذله وأدناه، وإن كان الخطابي قد رواه بالمد وحمله على ظاهره وأن معناه إن ما كنتم تقدرون على معيشة من غيرها فلا تسألوا.

стр. 533

الباب السابع في من كان يكتب أموال الصدقة وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في ذكر من كان يكتبها في زمن رسول الله ﷺ قال القاضي محمد بن سلامة القضاعي رحمه الله تعالى في كتاب «الأنباء» له: كان الزبير بن العوام وجهيم بن الصلت رضي الله تعالى عنهما يكتبان أموال الصدقات. وقال أبو محمد ابن حزم في كتابه «جوامع السيرة والعدل» «١» : وكان كاتب رسول الله ﷺ في الصدقات الزبير بن العوام، فإن غاب أو اعتذر كتب جهيم بن الصلت وحذيفة بن اليمان. انتهى. الفصل الثاني في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم ١- الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه: قال أبو عمر ابن عبد البر (٥١٠) ﵀: الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصيّ القرشي الأسدي يكنى أبا عبد الله، أمه صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ . أسلم ابن ثمان سنين، وقيل ابن اثنتي عشرة، وقيل ابن خمس عشرة، وقيل ابن ست عشرة.

стр. 534

وروي عن النبي ﷺ أنه قال: الزبير ابن عمتي، وحواريّ من أمتي. والحواريّ: الصاحب المستخلص، وقيل الخليل، وقيل الناصر. وشهد رضي الله تعالى عنه بدرا وكانت عليه يومئذ عمامة صفراء كان معتجرا بها، فيقال إن الملائكة نزلت يوم بدر على سيما الزبير، وشهد الحديبية والمشاهد كلها. وروى شعبة قال: سمعت أبا إسحاق السّبيعي قال: سألت مجلسا فيه أكثر من عشرين رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ : من كان أكرم الناس على رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: الزبير وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما. وشهد رضي الله تعالى عنه الجمل فقاتل فيه ساعة، فناداه علي رضي الله تعالى عنهما وانفرد به فذكّره أن رسول الله ﷺ قال له، وقد وجدهما يضحكان بعضهما إلى بعض: أما إنك ستقاتل عليا وأنت له ظالم، فذكر الزبير ذلك فانصرف عن القتال، فاتّبعه ابن جرموز السعدي عبد الله، ويقال عمير، ويقال عمرو لعنه الله تعالى، فقتله بموضع يعرف بوادي السباع، وجاء برأسه وسيفه إلى علي رضي الله تعالى عنه، فلما استأذن عليه لم يأذن له، وقال للآذن بشّره بالنار، فقال: [من المتقارب] أتيت عليا برأس الزبير ... أرجو لديه به الزّلفه فبشّر بالنار إذ جئته ... فبئس البشارة والتحفة قال أبو عمر: وكانت سنّ الزبير رضي الله تعالى عنه يوم قتل سبعا وستين سنة، وقيل ستا وستين سنة. وكان قتله رضي الله تعالى عنه يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين، وفي ذلك اليوم كانت وقعة الجمل. ٢- جهيم بن الصلت رضي الله تعالى عنه: قال أبو عمر ابن عبد البر (٢٦١) : جهيم بن الصّلت بن مخرمة بن المطّلب بن عبد مناف القرشي المطلبي، أسلم عام

стр. 535

خيبر، وأعطاه رسول الله ﷺ من خيبر ثلاثين وسقا. وجهيم هذا هو الذي رأى الرؤيا بالجحفة حين نفرت قريش لتمنع عن عيرها، ونزلوا بالجحفة ليتزودوا من الماء ليلا، فغلبت جهيما عينه فرأى فارسا وقف عليه فنعى إليه أشرافا من أشراف قريش. وذكر ابن إسحاق رحمه الله تعالى رؤيا جهيم في «السير» (١: ٦١٨) في غزوة بدر فقال: لما نزلت قريش الجحفة، رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب رؤيا فقال: إني رأيت فيما يرى النائم- وإني لبين النائم واليقظان- إذ نظرت إلى رجل أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وفلان وفلان، فعدّد رجالا ممن قتل يوم بدر من أشراف قريش، ثم رأيته ضرب في لبّة بعيره ثم أرسله في العسكر فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه، قال: فبلغت أبا جهل فقال: وهذا أيضا نبيّ آخر من بني المطلب سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا. وذكر أبو محمد علي بن حزم رحمه الله تعالى: «جهيما» في «الجمهرة» (٧٣) وقال: هو الذي رأى الرؤيا بمكة حين سارت قريش إلى بدر. ومساق الرؤيا يدلّ على أنه إنما رآها بالجحفة. ٣- حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه: قد تقدم ذكره في باب كاتب الجيش بما أغنى عن إعادته هنا. فائدتان لغويتان: الأولى: في «غريب القرآن» للعزيزي رحمه الله تعالى: زلفى: قربى، الواحدة زلفة وقربة. الثانية: في «الصحاح» (١: ٤٣٣) : في حرف الخاء المعجمة: الأصمعي» :

стр. 536

يقال أصابه نضخ من كذا وهو أكثر من النّضح ولا يقال منه: فعل ولا يفعل. وقال أبو زيد «١» : النضخ: الرّشّ مثل النّضح وهما سواء، يقول: نضخت أنضخ بالفتح، والنّضاخ: المناضخة، قال الشاعر: [من الطويل] به من نضاخ الشّول ردع كأنّه ... نقاعة حنّاء بماء الصّنوبر وانتضخ الماء: ترشّش، وعين نضاخة: كثيرة الماء. قال أبو عبيدة في قوله تعالى: يهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (الرّحمن: ٦٦) أي فوارتان. الفصل الثالث في ذكر من كان يكتبها في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال ابن الأثير (٣: ٥٥) قال نافع العبسي: دخلت حير الصدقة مع عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، قال: فجلس عثمان في الظل يكتب، وعليّ على رأسه يملّ عليه ما يقول عمر، وعمر قائم في الشمس في يوم شديد الحر عليه بردان أسودان، قد اتزر بأحدهما ولفّ الآخر على رأسه، يعدّ إبل الصدقة ويكتب ألوانها وأسنانها، فقال علي لعثمان في كتاب الله: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (القصص: ٢٦) ثم أشار علي بيده إلى عمر فقال: هذا القوي الأمين. انتهى. تنبيه: قد تقدم ذكر عثمان رضي الله تعالى عنه في باب الرسول من هذا الكتاب، وذكر عليّ رضي الله تعالى عنه في باب القاضي منه أيضا فأغنى عن الإعادة هنا الآن. فائدة لغوية: في «الصحاح» (٢: ٦٤١) : الحير بالفتح شبه الحظيرة أو الحمى، ومنه الحير بكربلاء.

стр. 537

الباب الثامن في الخارص وفيه اربعة فصول الفصل الأول في خرص رسول الله ﷺ حديقة لامرأة مرّ عليها في طريقه لغزوة تبوك بوادي القرى روى مسلم (٢: ٢٠٤) رحمه الله تعالى عن أبي حميد رضي الله تعالى عنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ [إلى] غزوة تبوك، فأتينا وادي القرى على حديقة لامرأة، قال رسول الله ﷺ : اخرصوا فخرصناها، وخرصها رسول الله ﷺ عشرة أوسق، وقال: أحصها، حتى نرجع إليك إن شاء الله تعالى. وانطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله ﷺ : ستهبّ عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم فيها أحد منكم، فمن كان له بعير فليشدّ عقاله، فهبت ريح شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء، وجاء رسول ابن العلماء صاحب أيلة إلى رسول الله ﷺ وأهدى له بردا، ثم أقبلنا حتى قدمنا وادي القرى، فسأل رسول الله ﷺ عن حديقتها: كم بلغ تمرها؟ فقالت: عشرة أوسق. انتهى. فوائد لغوية في ست مسائل: الأولى: في «الصحاح» (٣: ١٠٣٥) : الخرص: حزر ما على النخل من الرّطب تمرا، وقد خرصت النخل، والاسم الخرص بالكسر، تقول: كم خرص أرضك؟

стр. 538

وفي الديوان (٢: ١١٦) : خرص يخرص خرصا بفتح الراء في الماضي وضمها في المستقبل. الثانية: تبوك: في «المعجم» (٣٠٣) تبوك بفتح التاء هي من أدنى أرض الشام، وهي أقصى أثر رسول الله ﷺ . وذكر القتبيّ: أن رسول الله ﷺ جاء في غزوة تبوك وهم يبوكون حسيها بقدح، فقال: ما زلتم تبوكونها بعد؟ فسميت تبوك، ومعنى تبوكون: تدخلون فيه السّهم وتحركونه ليخرج ماؤه. وفي «المقصور والممدود» لابن القوطية: حسي وأحساء: وهي عيون تحت الرمل وآباز. الثالثة: الحديقة: روى البخاري (٢: ١٥٥) رحمه الله تعالى هذا الحديث عن أبي حميد أيضا بمعناه، وقال: كلّ بستان عليه حائط فهو حديقة، وما لم يكن عليه حائط لم يقل حديقة. الرابعة: في «المشارق» (٢: ٢٩٥) : الوسق بفتح الواو: ستون صاعا بصاع النبي ﷺ . وخمسة أوسق، وفي رواية أوساق، ووسقت البعير مخفّفا: حملت عليه وسقا، وقال بعضهم: أوسقت، والأول أعلى. وفي «الصحاح» (٤: ١٥٦٦) : الوسق بالكسر «١» . ستون صاعا. وحكى ابن سيده اللغتين فتحا وكسرا في «المحكم» (٦: ٣٢٦) وقال: الجمع أوسق ووسوق، وأنشد: [من الطويل] عليه الوسوق برّها وشعيرها «٢»

стр. 539

الخامسة: في «المشارق» (٢: ١١٢) وابن العلماء- بفتح العين ممدودا- صاحب أيلة. السادسة: في «المعجم» (٢١٦) : أيلة- بفتح الهمزة على وزن فعلة- مدينة على شاطىء البحر في منتصف ما بين مصر ومكة. تنبيه: في «الصحاح» (١: ٥٧) شاطىء الوادي: شطّه وجانبه، تقول: شاطىء الأودية ولا يجمع، وشاطأت الرجل: إذا مشيت على شاطىء ومشى هو على الشاطىء الآخر. الفصل الثاني في ذكر من كان يخرص في زمن النبي ﷺ ١- خرص أرض الخراج: روى البخاري (٣: ١٣٧) «١» رحمه الله تعالى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: عامل النبي ﷺ خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو تمر، فكان يعطي أزواجه مائة وسق: ثمانون وسق تمر، وعشرون وسق شعير. انتهى. وفي «الموطأ» (٤٩٤) عن سعيد بن المسيب قال: فكان رسول الله ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص بينه وبينهم، ثم يقول: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلي، فكانوا يأخذونه. وعن سليمان بن يسار (٤٩٤) قال: فجمعوا له حليا من حلي نسائهم، فقالوا: هذا لك وخفّف عنا وتجاوز في القسم، فقال عبد الله بن رواحة: يا معشر يهود. والله إنكم لمن أبغض خلق الله إليّ، وما ذلك بحاملي على أن أحيف عليكم، فأما

стр. 540

ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت وإنا لا نأكلها، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض. قال ابن إسحاق في «السير» (٢: ٣٥٤) : وإنما خرص عليهم عبد الله بن رواحة عاما واحدا، ثم أصيب بمؤتة، رحمه الله تعالى، فكان جبار بن صخر رضي الله تعالى عنه أخو بني سلمة هو الذي يخرص عليهم بعد عبد الله بن رواحة. قال: وكان جبار خارص أهل المدينة وحاسبهم. انتهى. ٢- خرص أرض الزكاة: في «عارضة الأحوذي» (٣: ١٤٤) : روى سهل بن أبي حثمة: أن النبي ﷺ بعث أبا حثمة خارصا، فجاء رجل فقال لرسول الله ﷺ : إن أبا حثمة قد زاد عليّ، فقال رسول الله ﷺ : إن ابن عمك يزعم أنك زدت عليه. فقال: يا رسول الله، لقد تركت له قدر عريّة أهله وما يطعم المساكين، وما تسقط الريح، فقال: قد زادك ابن عمك وأنصفك. انتهى. فائدة لغوية: في «الصحاح» (٦: ٢٤٢٣) العريّة: النخلة يعريها صاحبها رجلا محتاجا فيجعل له تمرها عاما فيعروها أي يأتيها، وهي فعيلة بمعنى مفعولة، وإنما أدخلت فيها الهاء لأنها أفردت فصارت في عداد الأسماء مثل النطيحة والأكيلة، ولو جئت بها مع النخلة قلت: نخلة عريّ. الفصل الثالث في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم ١- عبد الله بن رواحة ، رضي الله تعالى عنه تقدم ذكره في باب الشاعر فأغنى ذلك عن الإعادة. ٢- جبار بن صخر ، رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (٢٢٨) : جبار ابن صخر بن أمية، قال أبو عمر، قال ابن إسحاق: أمية بن خنساء، ويقال

стр. 541

خنيس، بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة السلمي الأنصاري. وقال ابن هشام: أمية بن خناس بن سنان، فجعله من ولد خناس، وجعله ابن إسحاق من ولد خنساء، فقيل هما أخوان، وقيل خناس وخنيس وخنساء. سواء. شهد بدرا وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة، وتوفي بالمدينة سنة ثلاثين. انتهى. ٣- أبو حثمة رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (١٦٢٩) أبو حثمة الأنصاري والد سهل بن أبي حثمة، اسمه عبد الله بن ساعدة، ويقال عامر بن ساعدة بن عامر بن عدي «١» بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الحارثي. كان دليل رسول الله ﷺ إلى أحد وشهد معه المشاهد كلها، وبعثه ﷺ خارصا إلى خيبر، وضرب له بخيبر بسهمه وسهم فرسه، وكان أبو بكر وعمر وعثمان يبعثونه خارصا. توفي في أول «٢» خلافة معاوية. انتهى. الفصل الرابع في ذكر ما يخرص من الغلّات ١- النخل: قد تقدم الدليل على ذلك في خرص النبي ﷺ الحديقة، وبعثه ﷺ عبد الله بن رواحة وجبار بن صخر وأبا حثمة خراصا. ٢- العنب: روى ابن شهاب الزهري رحمه الله تعالى في «مسنده» عن عتاب بن أسيد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ بعثه وأمره أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وأن يأخذ زكاة العنب زبيبا كما يأخذ زكاة النخل تمرا. انتهى.

стр. 542

روى أبو داود (١: ٣٧١) : رحمه الله تعالى عن عتاب بن أسيد أيضا نحوه. انتهى. ٣- الحبوب [والزيتون] «١» : قال مالك ﵀ في «الموطأ» (١٨١) : الأمر المجتمع عليه عندنا أنّه لا يخرص من الثمار إلا النخل والأعناب، فإن ذلك يخرص حين يبدو صلاحه، ويحلّ بيعه، وذلك أن ثمر النخيل والأعناب يؤكل رطبا وعنبا، فيخرص على أهله للتوسعة على الناس، ولئلا يكون على أحد في ذلك ضيق، فأما ما لا يؤكل رطبا وإنما يؤكل بعد حصاده من الحبوب كلّها فإنه لا يخرص، وإنما على أهلها فيها إذا حصدوها ودقّوها وطيّبوها وخلصت حبا فإنما على أهلها فيها الأمانة، يؤدّون زكاتها إذا بلغ ذلك ما تجب فيه الزكاة. قال مالك: وهذا الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا. قال (١٨٣) : ولا يخرص شيء من الزيتون في شجرة. انتهى. وقال ابن راشد في «الشهاب» «٢» واختلف في تعليل ذلك، فقال مالك في «الموطأ» : ذلك للتوسعة على الناس، قال ابن شاس «٣» في «الجواهر» : وهو المشهور. وقيل: لأن الخرص فيهما متمكن، قال ابن شأس: لظهور النبات في التمر والعنب وتميزهما عن الأوراق. وقال ابن شأس أيضا: ولو احتج فيما قلنا: إنه لا يخرص إلا الأكل منه قبل كماله، ففي خرصه قولان: قال ابن راشد: إن قلنا: العلّة في خرص التمر والعنب: الاحتياج أجزنا ذلك في الزيتون، إذ ينتفعون ببعضه

стр. 543

وهو أخضر. وقال ابن عبد السلام التونسي: «١» وعلى هذا يتعدى الحكم إلى الزرع ولا سيما في سني الشدائد، قال: وفي الزرع والزيتون إذا لم يؤمن أربابه عليه وخيف منهم قولان: هل يخرص عليهم، أو يجعل عليهم أمين؟ قال ابن راشد، قال ابن عبد الحكم: إن اتهم الإمام قوما بالتقصير فيما يجب عليهم من زكاة الزيتون والزرع وكل من يتحفّظ بهم، ولم أر أن يخرص.

стр. 544

الباب التاسع في الاوقاف وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في ذكر أوقاف النبي ﷺ من كتاب الأحباس من كتاب ابن يونس: روي أنّ النبي ﷺ حبس سبع حوائط أوصى له بها مخيريق لمّا قتل يوم أحد بأن يضعها حيث أراه الله تعالى، فحبسها، وهي من أموال بني النّضير، وذلك لاثنين وثلاثين شهرا من الهجرة. وفي «السير» (٢: ٨٨- ٨٩) لابن إسحاق: وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق، وكان أحد بني ثعلبة بن الفطيون قال: لما كان يوم أحد قال: يا معشر يهود والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحقّ، قالوا: إن اليوم يوم السبت، قال: لا سبت لكم، فأخذ سيفه وعدته وقال: إن أصبت اليوم فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء، ثم غدا إلى رسول الله ﷺ فقاتل حتى قتل، فقال رسول الله ﷺ فيما بلغنا: مخيريق خير يهود. انتهى. قال السهيلي في «الروض الأنف» (٦: ٤٧) : وهو أحد بني النضير، فجعل رسول الله ﷺ حين انصرف ماله أوقافا، وهو أول حبس في الإسلام. وقال الزهري: كانت سبع حوائط، وأسماؤها: الأعواف أو الأعراف، والصافية، والدّلال، والميثب، وبرقة، وحسنى، ومشربة أم إبراهيم- لأنها كانت تسكنها. انتهى.

стр. 545

تنبيه: ذكر القاضي في «الإكمال» صدقات النبي ﷺ فقال: وذلك وصية مخيريق اليهودي له عند إسلامه يوم أحد، وكانت سبع حوائط في بني النضير، فهذا يدلّ على إسلام مخيريق. ولم يذكره أبو عمر في «الاستيعاب» ولا ابن فتحون في «الذيل» . وقال الماوردي في «الأحكام» (١٦٩) حكى الواقدي أن مخيريقا اليهوديّ كان حبرا من علماء بني النضير فآمن يوم أحد برسول الله ﷺ . فائدة نحوية: الحائط: حديقة النخل، وهو مذكر. وفي الحديث أنه ﷺ قال لبني النجار في الحائط الذي بنى مسجده فيه: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا، وسيأتي في باب البناء. وجاء ها هنا في كلام الزهري وكلام ابن يونس: سبع حوائط بتأنيث سبع، وإن كانت الحوائط مذكرة. قال المازري رحمه الله تعالى في «المعلم» : العرب تراعي في التذكير والتأنيث اللفظ المقرون به العدد وصيغته، هل يثبت للتذكير أو للتأنيث ولا تعتبر معناه، فتقول: ثلاثة منازل وهي تريد ثلاثة ديار وإن كانت الديار مؤنثة، لأن لفظ المنزل مذكر، وقد تعتبر المعنى أحيانا، قال ابن أبي ربيعة «١» : [من الطويل] فكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر فأنّث على معنى الشخص لا على اللفظ. وحكى أبو عمرو بن العلاء أنه سمع أعرابيا يقول: فلان جاءته كتابي فاحتقرها قال، فقلت له: أتقول جاءته كتابي؟ فقال: نعم أليس بصحيفة؟ فأخبر أنه أنّث مراعاة للفظ الصحيفة الذي لم يذكره لمّا كان المعنى هذا الكتاب المذكور. انتهى.

стр. 546

قلت: وكذلك لما كانت لفظة الحوائط في معنى الحدائق ومعنى الجنّات أنث، كأنه قال: سبع حدائق أو سبع جنات. انتهى. فوائد لغوية في ست مسائل: الأولى: وقفت الدابة وقوفا، ووقفتها أنا وقفا: يتعدى ولا يتعدى، ووقفت الدار للمساكين وقفا، وأوقفتها بالألف: لغة رديئة. قلت: وأصل الوقف المنع والحبس، فهو في الدابة: منعها من السير وحبسها، وفي الدار: منعها وحبسها أن يتصرّف فيها في غير الوجه الذي وقفت له. الثانية: في «المشارق» (١: ١٧٦) : حبس مخففا، وحبّس مشدّدا، واللغة الفصيحة: أحبس، قاله الخطابي. وقال صاحب «الأفعال» : أحبست الفرس وحبسته لغة. وفي «الصحاح» (٢: ٩١٢) : أحبست «١» فرسا «٢» في سبيل الله أي وقفت فهو محبس وحبيس، والحبس بالضم: ما وقف. وفي «مثلث» ابن السيد: الحبس بضمّ الحاء وسكون الباء: ما حبس في سبيل الله تعالى وهو جمع حبيس، وقلّما يجمع فعيل على فعل إذا كان بمعنى مفعول، ويجعل اسما مفردا لا جمعا، لأنهم قالوا في جمعه: أحباس. الثالثة: الحائط: وقد تقدّم أنّه الحديقة من النخل. وفي «المحكم» (٣: ٣٧٢) الحائط: الجدار [لأنه] يحوط ما فيه، والجمع: حيطان، وحوّط حائطا: عمله فسمّيت الحديقة حائطا من هذا، لأنّه يحوطها، كما سمّيت حديقة لإحداق الحائط بها. وقد تقدّم قول البخاري رحمه الله تعالى في باب الخرص: كلّ بستان عليه حائط فهو حديقة، وما لم يكن عليه حائط لم يقل حديقة.

стр. 547

الرابعة: في «الصحاح» (٤: ١٤٦٧) المخراق: المنديل يلفّ ليضرب به، عربيّ صحيح، قال عمرو بن كلثوم «١» : [من الوافر] كأنّ سيوفنا منّا ومنهم ... مخاريق بأيدي لاعبينا وفلان مخراق حرب يخفّ فيها. انتهى. قلت: يحتمل مخيريق أن يكون مشتقّا من أحدهما. الخامسة: الفطيون، وهو اسم أعجميّ، قاله: ابن سيده. وفي «جامع الاشتقاق» : هو اسم عبرانيّ ومعناه: الملك. قلت: هو على وزن فرعون ووزن فرحون. المحسّة: التي تحسّ بها الدواب. السادسة: في أسماء الحوائط التي أوقفها النبي ﷺ وهي ثلاثة أنواع: النوع الأول: ما ذكر أصل تسميته وهو «مشربة أمّ إبراهيم» قال السهيليّ في «الروض الأنف» (٦: ٤٧) ومحمّد بن فرج «٢» في كتاب «أقضية النبي ﷺ » : إنما سميت بذلك لأنها كانت تسكنها. وقال ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٥٤) ذكر الزبير أن أمّ إبراهيم ابن رسول الله ﷺ : مارية، ولدته بالعالية في المال الذي يقال له اليوم مشربة إبراهيم بالقفّ. وفي «ديوان الأدب» (١: ٢٨٧) المشربة، بفتح الميم وضمّ الراء: الغرفة، وفتح الراء لغة فيها. والنوع الثاني: ما لم يذكر أصل تسميته، لكن له معان في اللّغة يحتمل أن

стр. 548

يصرف إليها، فمن ذلك «الأعراف» بالراء أخت الزاي: الجرف الذي يكون على الفلجان، والفلجان سواقي الزرع. وفي «الصحاح» (١: ٣٣٥) الفلج: نهر صغير، قال العجاج «١» : [من الرجز] فصبّحا عينا روى وفلجا «٢» والفلج بالتحريك لغة فيه، قال عبيد «٣» : أو فلج ببطن واد ... للماء من تحته قسيب ومن ذلك «الميثب» : في المحكم في الثاء والباء والواو: والميثب: اسم موضع، قال النابغة الجعدي «٤» [من المتقارب] : أتاهنّ أن مياه الذّها ... ب فالأوق فالملح فالميثب وفي «الجامع» في الهمزة والثاء والباء: الميثب: جبل بالمدينة، وإيّاه أرادت أم حكيم رضي الله تعالى عنها ترثى النبي ﷺ وشرّف وكرّم: [من المتقارب] تبكّي العفاة على ربها ... بحزن وجاوبها الميثب قال: وهو موضع صدقته ﵇. وفي «المعجم» (١٢٨٢) ميثب- بكسر أوله وثاء مثلثة مفتوحة بعدها باء معجمة بواحدة- موضع تقدم ذكره في رسم تيماء وهو موضع صدقات رسول الله ﷺ . ومن ذلك برقة: في «ديوان الأدب» (١: ١٧١) البرقة- بضم الباء وسكون الراء- غلظ فيه حجارة ورمل؛ زاد ابن سيده: فإذا اتسعت البرقة فهي الأبرق.

стр. 549

ومن ذلك: «حسنى» : في «المقصور والممدود» لأبي علي: حسنى بفتح الحاء مقصورة: اسم جبل وفي «المحكم» : حسنى: اسم موضع. ومن ذلك الصافية: في «المعجم» (٨٢٣) الصافية- فاعلة من الصّفا- موضع بشط دجلة. وفي «الجامع» للقزاز: الصافية: الضيعة تكون للإنسان وليس له فيها شريك. والنوع الثالث: لم يذكر أيضا أصل تسميته ولا يحتمل معناه أن يصرف إلى اسم الحائط إلّا على بعد وهو الدلال: وفي «المحكم» : دلّ المرأة ودلالها: تدلّلها على زوجها، وذلك أن تريه جرأة عليه في تغنّج وتشكّل كأنها تخالفه وليس بها خلاف. الفصل الثاني في ذكر أوقاف عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه روى البخاري (٤: ١٤) رحمه الله تعالى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: أصاب عمر بخيبر أرضا فأتى النبيّ ﷺ فقال: أصبت أرضا لم أصب مالا قطّ أنفس منها، فكيف تأمرني به؟ قال: إن شئت حبّست أصلها وتصدّقت بها. فتصدّق بها عمر: أنّه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث، في الفقراء والقربى والرّقاب، وفي سبيل الله والضّيف وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقا غير متمول فيه. انتهى. قال القاضي رحمه الله تعالى في «المشارق» (١: ١٣٦) واسم هذا المال: ثمغ: بفتح الثاء وسكون الميم، قال: وقيّده المهلّب بفتح الميم. انتهى. وأضاف إليها، رضي الله تعالى عنه، مواضع في خلافته أوقفها فيها، وقدّم على النّظر في جميعها حفصة بنته أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنهما، وكتب لها بذلك، ونصّ الكتاب ذكره أبو داود في سننه: بسم الله الرّحمن الرّحيم، هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين، إن حدث به حدث الموت، أنّ ثمغا

стр. 550

وصرمة ابن الأكوع والعبد الذي فيه، ومائة السهم الذي بخيبر ورقيقه الذي فيه، والمائة التي أطعمه محمد ﷺ بالوادي، تليه حفصة ما عاشت، ثمّ تولّيه ذا الرأي من أهلها، أن لا يباع ولا يشترى، ينفقه حيث يرى، من السائل والمحروم وذي القربى، ولا حرج عليه إن أكل، أو آكل أو اشترى رقيقا منه. انتهى. فائدة لغوية: في «المحكم» : نفس الشيء نفاسة فهو نفيس ونافس: رفع، وأنفس الشيء: صار نفيسا. وقال اللحيانيّ: النّفيس والمنفس المال الذي له خطر ثم عمّ، فقال: كلّ شيء له خطر فهو نفيس ومنفس. وفي «الأفعال» لابن طريف: نفست في الشيء- بفتح النون وكسر الفاء- نفاسة: رغبت. الفصل الثالث في ذكر أوقاف علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في «الكامل» للمبرد (٣: ١٠٦) : قال أبو نيزر: جاءني علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأنا أقوم بالضيعتين: عين أبي نيزر والبغيبغة، فقال: هل عندك من طعام؟ فقلت: طعام لا أرضاه لأمير المؤمنين: قرع من قرع الضّيعة صنعته باهالة سنخة، فقال عليّ به، فقام إلى الربيع فغسل يده، ثم أصاب من ذلك شيئا، ثم رجع إلى الربيع، فغسل يديه حتّى أنقاهما، ثم ضمّ يديه كلّ واحدة منهما إلى أختها، وشرب حسى من الرّبيع، ثم قال: يا أبا نيزر إن الأكفّ أنظف الآنية، ثم مسح كفّيه على بطنه وقال: من أدخله بطنه النار فأبعده الله، ثم أخذ المعول وانحدر في العين، وجعل يضرب، وأبطأ عليه الماء، فخرج وقد تفضّج جبينه عرقا، فانتكف العرق عن جبينه، ثم أخذ المعول وعاد إلى العين فأقبل يضرب فيها وجعل يهمهم فانثالت كأنّها عنق جزور، فخرج مسرعا فقال: أشهد الله أنّها صدقة، عليّ

стр. 551

بدواة وصحيفة، فعجلت بهما إليه فكتب: بسم الله الرّحمن الرّحيم: هذا ما تصدّق به عبد الله عليّ أمير المؤمنين، تصدّق بالضيعتين المعروفتين بعين أبي نيزر، والبغيبغة على فقراء أهل المدينة وابن السبيل ليقي الله بهما وجهه حرّ النار يوم القيامة، ولا تباعا ولا تورثا حتّى يرثهما الله وهو خير الوارثين، إلّا أن يحتاج إليهما الحسن والحسين، فهما طلق لهما، ليس لأحد غيرهما. فركب الحسين دين فحمل إليه معاوية بعين أبي نيزر مائتي ألف دينار، فأبى أن يبيع وقال: إنّما تصدّق بهما أبي ليقي الله وجهه حرّ «١» النار. فائدة لغوية: في التعريف بأبي نيزر: لم يذكره أبو عمر ابن عبد البر، وذكره ابن فتحون فقال: أبو نيزر كان من أبناء الملوك الأعاجم، قاله محمد بن هشام. وقال المبرّد (٣: ٢٠٧) صحّ عندي أنّه من ولد النّجاشيّ، رغب في الإسلام صغيرا فأتى النبيّ ﷺ وكان معه في بيوته، فلمّا توفاه الله تعالى- ﷺ صار مع فاطمة وولدها، رضي الله تعالى عنهم؛ قال: كنت أقوم لعليّ رضي الله تعالى عنه بالضيعتين: عين أبي نيزر والبغيبغة. فوائد لغوية في عشر مسائل: الأولى: في «المعجم» (٢٦٢) البغيبغة بضم أولها على لفظ التصغير بيائين وغينين معجمتين: ماء لعليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بينبع، اشتقاقها من قولهم: بئر بغيبغ: إذا كانت قريبة المنزع «٢» تنزع بالعقال؛ قال الراجز «٣» : بغيبغ تنزع بالعقال الثانية: في المشارق (١: ٢٥٢) في تفسير الدبّاء: القرعة- بسكون الراء- وجمعها قرع كذلك. وحكى ثعلب: قرعة- بتحريك الرّاء أيضا.

стр. 552

الثالثة: في «الصحاح» (٤: ١٦٢٩، ١: ٤٢٢، ٤٢٤) الإهالة: الودك، وزنخ الدهن- بالكسر- يزنخ زنخا: تغيّر فهو زنخ، وسنخ بالكسر أيضا لغة فيه. الرابعة: في «ديوان الأدب» (١: ٤١٣) الرّبيع: الجدول الصغير، والجدول: النّهر الصغير. الخامسة: في «المحكم» (٣: ٣٦٧) حسا الشيء حسوا وتحسّاه: بلع، قال سيبويه: التحسّي: عمل في مهلة. وقال ابن القوطية (١: ٢٦٤) حسوتها: ابتلعتها جرعة بعد جرعة. وفي «الصحاح» (٦: ٢٣١٣) حسوت حسوة واحدة، وفي الإناء: حسوة بالضم. وفي «للمقصور والممدود» لابن القوطية: والحسى: جمع حسوة وحسوة. السادسة: تفضّج جبينه عرقا: أي رشح، وقد تقدّم الكلام على التّفضّج في باب من كان يكتب أموال الصدقة. السابعة: في «الصحاح» (٤: ١٤٣٦) نكفت الدّمع انكفه نكفا: إذا نحّيته عن خدّك بإصبعك. انتهى. وبفتح الكاف في الماضي، وضمّها في المستقبل، قيّده الفارابيّ. الثامنة: في «الصحاح» (٥: ٢٠٦٢) : والهمهمة: ترديد الصّوت في الصّدر، بين الهاء والميم. التاسعة: في «الصحاح» (٤: ١٦٤٩) انثال عليه التراب: أي انصب، ويقال: انثال عليه الناس من كل وجه: أي انصبوا. العاشرة: في «الصحاح» (٤: ١٥١٨) الطّلق- بالكسر- الحلال، يقال هو لك طلقا.

стр. 553

الباب العاشر في صاحب المواريث «١» وفيه فصلان الفصل الأول في صرف الميراث لبيت المال إذا عدمت العصبة في «الجواهر» لابن شأس: إذا عدمت العصوبة من جهة القرابة، فالعصوبة لمعتق الميّت، فإن لم يكن حيّا فلعصبات معتق المعتق إلى حيث تنتهي، فإن لم يكن واحد منهم فالمال لبيت المال، وهو أيضا عصوبة على المشهور، ويستغرق إذا لم يكن وارث، ويأخذ ما بقي من أصحاب الفروض إذا لم يكن للميت إلّا ذو فرض. قال الشيخ أبو عمر: فإن لم يكن عصبة ولا ولاء فبيت مال المسلمين إذا كان موضوعا في وجهه، ولا يرث ذوو الأرحام ولا يردّ على أهل السّهام. قال الأستاذ أبو بكر، قال أصحابنا: هذا في زمان يكون الإمام فيه عدلا، فإن كان غير عدل فينبغي أن يورّث ذوو الأرحام، وأن يردّ ما فضل على ذوي السّهام عليهم، وقال أيضا: رأيت لابن القاسم في كتاب محمد، قال: من مات ولا وارث له، قال: يتصدّق بما ترك إلّا أن يكون الوالي يخرجه في وجهه مثل عمر بن عبد العزيز فيدفع إليه. انتهى.

стр. 554

فائدتان لغويتان: الأولى: في «الصحاح» (١: ٢٩٥) الميراث «١» أصله موراث انقلبت الواو ياء لكسر ما قبلها، والتراث أصل التاء فيه واو، تقول ورثت أبي وورثت [الشيء] من أبي أرثه- بالكسر فيهما- ورثا ووراثة وإرثا، والألف منقلبة من الواو، ورثة، التاء عوض من الواو. الثانية: في «الصّحاح» (١: ١٨٢) عصّب رأسه بالعصابة تعصيبا؛ وعصبة الرجل: بنوه وقرابته لأبيه، وإنّما سمّوا عصبة لأنهم عصبوا به، أي أحاطوا به، فالأب طرف والابن طرف والعم جانب، والأخ جانب، والجمع العصبات. الفصل الثاني في ذكر من قال بتوريث ذوي الأرحام وذكر أوّل من أبطل ديوان المواريث روى الترمذيّ (٣: ٢٨٥) رحمه الله تعالى عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: كتب عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه إلى أبي عبيدة ابن الجرّاح أنّ رسول الله ﷺ قال: الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وروى أيضا رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت، قال رسول الله ﷺ : الخال وارث من لا وارث له. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وقد أرسله بعضهم، ولم يذكر فيه عن عائشة.

стр. 555

قال أبو عيسى (٣: ٢٨٥- ٢٨٦) : واختلف فيه أصحاب النبيّ ﷺ ، فورّث بعضهم الخال والخالة والعمّة، وإلى هذا الحديث ذهب أكثر أهل العلم في توريث ذوي الأرحام، وأمّا زيد بن ثابت فلم يورّثهم وجعل الميراث في بيت المال. انتهى. وقال المظفّر في كتابه المنسوب إليه: وفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين عهد المعتضد «١» بردّ الفاضل من سهام ذوي القربى على ذوي الأرحام، وأبطل ديوان المواريث. انتهى. فائدة تاريخية: المعتضد الذي ذكره المظفّر هو أبو العبّاس أحمد بن طلحة الموفّق بن جعفر المتوكّل بن محمد المعتصم بن هارون الرّشيد بن محمد المهديّ بن أبي جعفر عبد الله المنصور بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس بن عبد المطلب، بويع له لاحدى عشرة ليلة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين وتوفي ببغداد لسبع بقين من شهر ربيع الآخر، سنة تسع وثمانين ومائتين، ذكر نسبه ومدّته القاضي القضاعيّ في كتاب «الأنباء» .

стр. 556

الباب الحادي عشر في المستوفي وهو الرّجل يبعثه الإمام ليقبض المال من العمّال، ويستخلصه منهم، ويقدم به عليه «١» . روى البخاريّ (٥: ٢٠٧) رحمه الله تعالى عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال: بعث النبيّ ﷺ عليا إلى خالد رضي الله تعالى عنهما ليقبض الخمس، وكنت أبغض عليا، وقد اغتسل، فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا؟ فلمّا قدمنا على النبيّ ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: يا بريدة أتبغض عليا؟ فقلت: نعم، فقال: لا تبغضه فإنّ له في الخمس أكثر من ذلك. انتهى من باب بعث عليّ وخالد إلى اليمن. وقال ابن إسحاق في «السير» (٢: ٦٠٠) : وبعث رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه إلى أهل نجران ليجمع صدقتهم، ويقدم عليه بجزيتهم. قال ابن الأثير (٢: ٣٠٠) وذلك في سنة عشر. قال: ففعل وعاد، فلقي رسول الله ﷺ بمكّة في حجّة الوداع. انتهى. قلت: وكان الذي أخذ صدقاتهم عمرو بن حزم، حسبما تقدّم في باب المفقّه في الدين، والذي أخذ جزيتهم أبو عبيدة ابن الجراح، حسبما ثبت في باب الجزية.

стр. 557

تنبيه: قد تقدّم ذكر علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه- في باب القاضي «١» فأغنى ذلك عن الإعادة هنا. فائدة لغوية: ابن القوطية (٣: ٣٢٩) وفى الشّيء وفاء تمّ. وفي «الصحاح» (٦: ٢٥٢٦) أوفاه حقّه ووفّاه بمعنى، أي أعطاه وافيا، واستوفى حقّه وتوفّاه بمعنى.

стр. 558

الباب الثاني عشر في المشرف قال الهروي في «الغريبين» «١» : بعث عمر رضي الله تعالى عنه بعامل ثم عزله، فانصرف إلى منزله بلا شيء، فقالت له امرأته: أين مرافق العمّال؟ فقال لها: كان معي ضيزنان يحفظان ويعلمان، يعني الملكين. وقال القزّاز في «جامع اللّغات» : بعث عمر رضي الله تعالى عنه بعامل فعزله، فجاء بما كان معه من المال، وانصرف إلى منزله بغير شيء، فقالت له امرأته: أين التّحف وأين مرافق العمّال؟ فقال لها: كان معي ضيزن. فتلفّعت وأتت عمر رضي الله تعالى عنهم وقالت: يا أمير المؤمنين بعثت مع زوجي بضيزن فأتاني صفر اليدين، فقال: ما فعلت، علي بزوجها، فأتاه فقال له: أنا بعثت معك بضيزن؟ فقال: كان معي ضيزنان يحفظان ويعلمان، وأشار إلى الملكين، فقال لها عمر رضي الله تعالى عنه: صدق، قد ذكرت. انصرف إلى منزلك، ثم قال لها: ما أمّلت فيه؟ قالت: كذا وكذا، فقال: يا يرفأ، أعطها ثم أعطها، ثم قال لها: أرضيت؟ قالت: نعم. وروى أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه «في الأموال» (٧١٠) عن سعيد بن المسيّب رحمه الله تعالى أنّ عمر بعث معاذا رضي الله تعالى عنهما ساعيا على بني كلاب أو على بني سعد بن ذبيان، فقسم فيهم ولم يدع شيئا حتّى جاء بحلسه الذي خرج به على رقبته، فقالت امرأته: أين ما جئت به ممّا يأتي به العمّال من عراضة أهلهم؟ فقال: كان معي ضاغط، فقالت: كنت أمينا عند رسول الله صلّى الله عليه

стр. 559

وسلم وعند أبي بكر فبعث معك عمر ضاغطا؟! فقامت بذلك في نسائها واشتكت عمر رضي الله تعالى عنهم، فبلغ ذلك عمر فدعا معاذا فقال: أنا بعثت معك ضاغطا؟ فقال: يا أمير المؤمنين لم أجد شيئا أعتذر به إليها إلّا ذلك، قال: فضحك عمر وأعطاه شيئا وقال: أرضها به. قال أبو عبيد القاسم (٧١١) قال ابن جريج: قوله: ضاغطا، يعنى: ربّه جلّ ثناؤه. فوائد لغوية في أربع مسائل: الأولى: قال الهرويّ والقزّاز: الضّيزن في حديث عمر رضي الله تعالى عنه: الحافظ الثّقة. وقال ابن سيده: الضّيزن الّذي يسمّيه أهل العراق: البندار، يكون مع عامل الخراج، وحكى اللّحياني: جعلته ضيزنا عليه: أي بندارا، ونونه أصلية عندهم، ووزنه على ذلك فيعل مثل فيصل وفيلق. وقال ابن سيده أيضا: الضّيزن: الشّريك، والضّيزن: الّذي يزاحم على الحوض، والضيزنان، المستقيان من بئر واحدة، والضّيزن: الّذي يزاحم أباه في امرأته؛ وقال أوس بن حجر «١» : [من البسيط] والفارسيّة فيهم غير منكرة ... فكلّهم لأبيه ضيزن سلف وقال اللّحيانيّ: في كلّ رجل زاحم رجلا: فهو ضيزن له. الثانية: في «الصحاح» (٣: ١٢٧٩) : تلفّعت المرأة بمرطها أي تلحّفت به، واللّفاع: ما يتلفّع به. الثالثة: في «الصحاح» (٢: ٩١٦) : الحلس للبعير، وهو كساء رقيق يكون تحت البردعة، بكسر الحاء وسكون اللام. وفي «المحكم» حلس البيت: ما يبسط تحت حرّ المتاع من مسح ونحوه. الرابعة: في «الصحاح» (٣: ١٠٨٨) قال: اشتر عراضة لأهلك: أيّ هديّة وشيئا تحمله إليهم.

стр. 560

تنبيه: قد ثبت مما تقدّم أنّ بعث من يحفظ مع العامل كان من عمل الناس قديما لكنه لم يثبت فيه عن النبيّ ﷺ شيء ولا عن الخلفاء رضوان الله تعالى عليهم، لأمانة الناس حينئذ، وكونهم خير القرون، وقد استمرّ العمل عليه، ولا أعلم أوّل من عمله في الإسلام. تنبيه ثان: قد تقرر فيما تقدم في هذا الباب تسمية الثقة الذي يجعل مع العامل «ضيزنا» في القديم، وتسميته عند أهل العراق: بندارا، وأما تسميته مشرفا بالمغرب في هذا العصر فإنّما سمّي بذلك لاطّلاعه وإشرافه على جميع أعمال العامل. فائدة لغوية في معنى الجباية واشتقاقها، وتصريف الفعل منها، والنّسب إليها: الجباية: جمع المال وتحصيله؛ قال الجوهري في «الصحاح» (٦: ٢٢٩٧) قال الكسائي: جبيت الماء في الحوض وجبوته: أي جمعته، والجابية: الحوض الذي يجبى فيه الماء للإبل، والجمع: الجوابي. وفي «الديوان» (٤: ٧٠) جبيت الخراج أجبيه جباية، وجبوته أجبوه جباوة أي جمعته. وقال الهروي (١: ٣١٧) : وهو حسن الجبية والجبوة؛ وفي «المحكم» : جباوة نادر. قال سيبويه: ادخلوا الواو على الياء لكثرة دخول الياء عليها. وفي «المحكم» أيضا جبى الخراج والماء في الحوض يجباه جمعه، حكاها سيبويه، وهي عنده ضعيفة. قال ابن جنى: هي كأبي يأبى شبهوا الألف في آخره بالهمزة في قرأ يقرأ، وهدأ يهدأ. وفي «تبصرة» الصّيمري «١» في النسب إلى ما كان على فعالة أو فعالة أو فعالة فيما لامه ياء وجهان: الأول: قلب الياء همزة، والثاني: قلبها واوا، ثم تدخل عليها ياء النسب كسقائي وسقاوي في النسب إلى سقاية، وأما ما لامه واو فليس فيه إلّا وجه واحد، وهو إبقاء الواو على حالها ولا تغيّر البتّة ثم تدخل عليها ياء النسب.

стр. 561

الجزء السابع في العمالات الاختزانية وما أضيف إليها وفيه أحد عشر بابا

стр. 562

الباب الأول في فضل الخازن الأمين، وفي معنى الخزن وتصريف الفعل منه ١- فضل الخازن الأمين: روى البخاري (٣: ١١٥) «١» رحمه الله تعالى عن أبي موسى الأشعريّ رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي ﷺ : الخازن الأمين الذي يؤدّي ما أمر به طيّبة نفسه، أحد المتصدّقين. انتهى. ٢- معنى الخزن: ومعنى خزن الشيء: إحرازه وتغييبه. وفي «المحكم» (٥: ٦٢) خزن الشيء يخزنه خزنا، واختزنه: أحرزه. وفي «الديوان» (٢: ١٣٥) بفتح الزاي في الماضي وضمّها في المستقبل. وفي «الغريبين» : خزن له المال: إذا غيّبه. وقال ابن سيده: والخزانة: الموضع الذي يخزن فيه الشيء. وفي التنزيل وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ (الحجر: ٢١) . والخزانة: عمل الخازن. وقال القاضي في «المشارق» (١: ٢٣٤) : الخزانة- بالكسر- اسم المكان الّذي يخزن فيه الشيء، وهو أيضا عمل الخازن. وقال الجوهري (٥: ٢١٠٨) المخزن ما يخزن فيه الشيء، والخزانة واحدة الخزائن، وخزنت السّرّ واختزنته: كتمته. قال الهرويّ: ويقال للسرّ من الحديث: مختزن. وقال ابن سيده: وخزانة الإنسان: قلبه، وخازنه وخزّانه: لسانه، وكلاهما على التمثيل. وقال لقمان لابنه: إذا كان خازنك حفيظا، وخزانتك أمينة، رشدت في أمريك: دنياك وآخرتك، يعني: اللّسان والقلب. انتهى.

стр. 563

الباب الثاني في خازن النقدين، وهو صاحب بيت المال وفيه فصلان الفصل الأول في تعجيل قسم النبي ﷺ ما أتاه من الفيء في يومه روى أبو عبيد القاسم بن سلّام رحمه الله تعالى في «كتاب الأموال» (٣١٦) عن الحسن» بن محمّد أنّ رسول الله ﷺ لم يكن يقيل مالا عنده ولا يبيته، قال أبو عبيد: يعني إن جاءه غدوة لم ينتصف النهار حتّى يقسمه، وإن جاء عشيّة لم يبت حتّى يقسمه. وروى «٢» أبو داود (٢: ١٢٣) رحمه الله تعالى عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله ﷺ كان إذا أتاه الفيء قسمه في يومه. وقد تقدّم في باب كاتب الجيش. وروى البخاري «٣» (١: ١١٤) رحمه الله تعالى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: أتي النبيّ ﷺ بمال من البحرين، فقال: انثروه في المسجد؛ وكان أكثر مال أتي به رسول الله ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ إلى الصّلاة ولم يلتفت إليه، فلمّا قضى الصلاة جاء وجلس

стр. 564

إليه، فما كان يرى أحدا إلّا أعطاه إذ جاءه العبّاس فقال: يا رسول الله أعطني فإنّي فاديت نفسي وفاديت عقيلا، فقال له رسول الله: خذ، فحثا في ثوبه ثم ذهب يقلّه فلم يستطع، فقال: يا رسول الله اؤمر بعضهم أن يرفعه إليّ؟ قال: لا، قال: فارفعه أنت عليّ، قال: لا فنثر «١» منه ثم ذهب يقلّه. فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه، قال: لا، قال فارفعه أنت عليّ، قال: لا، فنثر «٢» منه ثم احتمله فألقاه على كاهله ثم انطلق، فما زال رسول الله ﷺ يتبعه بصره حتى خفي علينا عجبا من حرصه، فما قام رسول الله ﷺ وثمّ منها درهم. انتهى. وفي كتاب «الجامع» من تأليف ابن يونس: وفي سنة عشر قدم بمال البحرين وهو مائة ألف وثمانون ألف درهم على رسول الله ﷺ فقسمه بين الناس. انتهى. وفي كتاب ابن بطّال في باب القطائع: قال إسماعيل بن إسحاق: مال البحرين كان من الجزية. الفصل الثاني في اتخاذ الخلفاء بعد النبيّ ﷺ ورضي عنهم بيت المال وذكر من ولّوه النّظر في ذلك ١- أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: في «العقد» لابن عبد ربّه أنّ أبا عبيدة رضي الله تعالى عنه كان على بيت المال في خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، قال: ثم وجّهه إلى الشام. وفي «الاستيعاب» (١٤٧٩) لابن عبد البر رحمه الله تعالى: معيقيب بن أبي فاطمة: استعمله أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهم على بيت المال.

стр. 565

وفي «العمدة» للتلمساني: بلال بن حمامة رضي الله تعالى عنه، وحمامة أمّه، وإليها كان ينسب، وأبوه رباح كان لبعض بني جمح، فاشتراه أبو بكر منهم، ثم أعتقه وكان له خازنا. ٢- عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (١٤٧٩) معيقيب بن أبي فاطمة: استعمله أبو بكر وعمر على بيت المال، وقد تقدّم ذكره. وفي «الاستيعاب» (٨٦٥) أيضا: عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث، كتب للنبيّ ﷺ ثم لأبي بكر، واستكتبه أيضا عمر رضي الله تعالى عنهم، واستعمله على بيت المال وعثمان رضي الله تعالى عنهم بعده. وفي كتاب «الأموال» للداوديّ: كان عمر رضي الله تعالى عنه قد أخرج عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه إلى العراق على صلاتهم وبيت مالهم وأحكامهم، وعمّار بن ياسر رضي الله تعالى عنه على جيوشهم، وسهل بن حنيف رضي الله تعالى عنه على مساحة الأرض. ٣- عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه: في «الاستيعاب» (٥٣٩) كان زيد ابن ثابت رضي الله تعالى عنه على بيت المال في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه، وكان لزيد عبد اسمه وهيب، فأبصره عثمان يعينهم في بيت المال، فقال: من هذا؟ فقال زيد: مملوك لي، فقال عثمان: أراه يعين المسلمين، وله حقّ وأنا أفرض له، ففرض له ألفين، فقال زيد: والله لا تفرض لعبد ألفين ففرض له ألفا. وقد تقدّم من وليه لعمر بن الخطّاب. ذكر عبد الله بن الأرقم وأنّه وليه لعثمان أيضا: وفي «العقد» (٤: ١٦٤، ٢٧٣) لابن عبد ربه: كان على بيت المال في أيّام عثمان ﵁: عبد الله بن الأرقم، ثمّ استعفاه. انتهى. ٤- علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: في كتاب «معرفة علماء مصر ومن دخلها من أصحاب رسول الله ﷺ » تأليف أبي سعيد
следующие страницы →